الراصد القديم

2018/08/01

يوسف صديق الذى لا تعرفه


عبد الله السناوي

إنصاف أدوار الرجال فى التاريخ مسألة ضرورية لسلامة الذاكرة العامة وحفظ الحقيقة أمام الأجيال الجديدة.
لكل دور إطاره وسياقه، فلا أدوار معلقة فى الهواء.
وقد كان دور العقيد «يوسف صديق» حاسما فى نجاح ثورة (٢٣) يوليو (١٩٥٢)، فهو الذى اقتحم بقواته مقر القيادة العامة فى كوبرى القبة، واعتقل كل من فيه من قيادات قبل أية ضربة إجهاضية للتحرك العسكرى.
من مصادفات التاريخ أنه استبق موعد التحرك بنحو الساعة لأسباب تضاربت رواياتها.
بأى قياس طبيعى كان ذلك خطأ جسيما يفضى بالضرورة إلى فشل الحركة، غير أنه كان سببا حاسما فى نجاحها.
كان القصر الملكى قد تسربت إليه معلومات عن انقلاب يوشك أن يبدأ، وهرعت الرتب العسكرية العليا إلى مقر القيادة لاتخاذ ما يلزم من إجراءات تحبط أى تحرك وتقبض على المنضوين فيه.
بالنظر إلى ذلك الدور الحاسم ضم «يوسف صديق» إلى مجلس قيادة الثورة ولم يكن عضوا فى الهيئة التأسيسية لـ«الضباط الأحرار».
ومن مفارقات التاريخ أن «يوسف صديق» الذى اقتحم مقر القيادة ذهب إلى ظل النسيان بلا إنصاف يستحقه، فيما صعد رجل آخر هو «أنور السادات» ارتاد تلك الليلة مع السيدة حرمه إحدى دور السينما واحتفظ معه بتذكرتى الدخول حتى يثبت إذا ما فشل التحرك العسكرى أنه لم يكن طرفًا فيه..

مثل تلك المفارقات تحدث كثيرًا فى الثورات والتحولات الكبرى.
إنصاف «يوسف صديق» بمنح اسمه «قلادة النيل»، أرفع درجة تكريم مصرية، أمر مستحق تأخر طويلا.
لم يكن «الضباط الأحرار» من قماشة سياسية واحدة.
تباينت مشاربهم الفكرية والسياسية، وكان ذلك التباين موضوع صدام مؤجل.
هناك من لم تكن له علاقة بأى حزب أو تنظيم، لا تعرف عنه أى انتماءات فكرية أو تنظيمية باستثناء التوجه الوطنى العام والغضب على مستويات الأداء السياسى والعسكرى وفساد النخب الحاكمة.
وهناك من تأثروا بجماعة «الإخوان المسلمين»، مروا عليها أو التحقوا بها قبل أن يغادروها جميعا باشتراط مؤسس التنظيم «جمال عبدالناصر» ألا يكون هناك ولاء مزدوج.
وهناك من انتمى إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى اليسارية «حدتو»، بينهم «أحمد حمروش» و«لطفى واكد» قادمان من «مصر الفتاة»، و«أحمد قدرى» مسئول طباعة منشورات «الضباط الأحرار»، و«آمال المرصفى» أصغر «الضباط الأحرار» قادما من «أسكرا»، وهو تنظيم ماركسى أقرب إلى الصفوة المثقفة، و«أحمد فؤاد» رئيس مجلس إدارة بنك مصر فيما بعد، وعلى رأسهم «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» قادمان من «الإخوان المسلمين».
عند النظر فى أسماء قيادات وكوادر «حدتو»، قد يخيل إليك أنك أمام تجمع ثقافى متسع وفريد لا أمام تنظيم سياسى سرى.
بينهم: «يوسف إدريس» أمير القصة العربية القصيرة بلا منازع، و«فؤاد حداد» أهم شاعر عامية مصرى، و«صلاح جاهين» الشاعر ورسام الكاريكاتير الأكثر شعبية، و«زهدى» و«عبدالسميع» من أبرز رسامى الكاريكاتير ومؤسسى مدرسته المصرية، و«عبدالرحمن الشرقاوى» الروائى والمسرحى، والصحافى بالغ التأثير فى الحركة الثقافية العامة، و«صلاح حافظ» أحد أبرز الصحافيين المصريين فى القرن العشرين ورئيس تحرير «روزاليوسف»، خلال حقبة «السادات» العاصفة، و«عبدالرحمن الخميسى» الأديب والشاعر والصحافى، الذى ارتبط بظاهرة «الصعاليك العظام»، التى أسبغت على الحياة الثقافية المصرية جمالها الخاص، و«إنجى أفلاطون» و«تحية حليم» و«جاذبية سرى» و«جمال السجينى» و«جمال كامل» و«سمير رافع» و«حسن فؤاد» أبرز الفنانين التشكيليين المصريين بلا جدال، فضلا عن الناقدة والأديبة الدكتورة «لطيفة الزيات».
إنهم نصف القوة الضاربة فى الثقافة المصرية منذ خمسينيات القرن الماضى إلى تسعينياته.
بدواعى الانتماء كان طبيعيا أن يتوافق موقفا «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» مع ما تتبناه «حدتو».
كان إعدام العاملين «خميس» و«البقرى» يوم (١٣) أغسطس (١٩٥٢) إثر احتجاجات لحقتها اضطرابات فى مصانع «كفر الدوار»، حكما جائرا وافق على تنفيذه مجلس قيادة الثورة، فيما اعترض ثلاثة عليه والتحديد هنا ضرورى: «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» و«جمال عبدالناصر».
وكانت أزمة مارس، التى افترقت عندها الطرق، صراعا حول أى طريق تذهب إليه «يوليو«: إعادة إنتاج مقومات النظام الملكى دون الملك أم تغيير طبيعة النظام كله وتقويض أسسه السياسية والاجتماعية والاستراتيجية؟
كانت «يوليو» تبحث عن طريق لم تستبين ملامحه.
فى أزمة مارس «حدتو» طلبت المشاركة فى القرار، وجماعة «الإخوان المسلمين» طلبت الاستيلاء على القرار نفسه.
هكذا حدث الصدام.
بتداعيات الأزمة خرج «خالد محيى الدين» و«يوسف صديق» من مجلس قيادة الثورة.
فيما خرج «خالد» مبعدا إلى سويسرا تعرض «يوسف» لمحن إنسانية إبعادا واعتقالا ووضعا قيد الإقامة الجبرية بعد أن استقال فى سبتمبر (١٩٥٤) .
بأية مراجعة لمسارات أغلب نخبة «حدتو» بعد صدام «أزمة مارس»، فإنها تسامت عن مرارة السجن، وارتبطت بدرجات مختلفة بتجربة «يوليو» ودافعت عنها بعد غروبها.
تفككت بنية التنظيم لكن قوته الثقافية بقيت.
أثناء محنة «يوسف صديق» الإنسانية هجا قائد «يوليو» بأقسى الأوصاف:
«لبست المسوخ وضللتنا
ولما حكمت كشفت الفتون».
عندما بدأ العدوان الثلاثى على مصر عام (١٩٥٦) التأمت الجراح بين رفاق افترقوا، وبدا القتال بشرف معنى الحياة نفسها.
هرع إلى ارتداء ملابسه العسكرية للتطوع فى الحرب وقرر «عبدالناصر» رفع الإقامة الجبرية عنه، ووضع تحت إمرته ضباطا ومعلمين عسكريين وسلاحا روسيا حديثا لتدريب المتطوعين.
«الله أكبر يا جمال جمعتنا
والعهد دون الحق أن نستشهدا»
فى لحظة الخطر ذاب جليد وتبدت معادن رجال.
عند رحيل «عبدالناصر» كتب أجمل وآخر قصائده قبل أن يرحل بدوره عام (١٩٧٥):
«أبا الثوار هل سامحت دمعى
يفيض وصوت نعيك ملء سمعى؟
وكنا قد تعاهدنا قديما
على ترك الدموع لذات روع».
«بكتك عيون أهل الأرض حولى
فكيف أصون بين الناس دمعى؟».
تكاد صورة «يوسف صديق» أن تقارب فى ظروف وأزمان مختلفة صورة «محمود سامى البارودى» رئيس حكومة الثورة العرابية المجهضة، الذى نفى ووصف بـ«رب السيف والقلم».

كلاهما ضابط وطنى شارك فى ثورة حقيقية، وشاعر حالم بعالم جديد

إدلب بين المطرقة السورية وسندان التسوية التركية- الروسية




مع إستعادة ​الجيش السوري ​ سيطرته على المناطق الجنوبية، بدأ الحديث عن إحتمال فتح معركة إدلب في الأيام المقبلة، بالرغم من أنها خاضعة لإتفاق خفض التصعيد نتيجة مقررات مؤتمر آستانة، برعاية كل من ​روسيا​ و​تركيا​ و​إيران​، الأمر الذي دفع أنقرة إلى إطلاق سلسلة واضحة من التحذيرات على هذا الصعيد.


​محافظة إدلب​، كانت الوجهة الوحيدة أمام مختلف الفصائل المسلحة التي رفضت التسوية مع ​الحكومة السورية​، بعد أن قررت ترك المناطق التي تسيطر عليها، في حين أن "​هيئة تحرير الشام​"، أي جبهة "النصرة" سابقاً المُصنفة منظمة إرهابية، هي الفصيل الأقوى فيها، فهل تكون المعركة العسكرية الأخيرة التي يخوضها الجيش السوري؟

مصادر سياسية مطلعة رأت عبر "النشرة" ان ليس هناك ما يدعو الى العجلة في فتح معركة تحرير إدلب في الوقت الراهن، لا سيما أنها لن تكون سهلة على الإطلاق، في ظل تمركز أعداد كبيرة من المسلحين فيها، بالإضافة إلى تواجد الكثير من المدنيين ضمنها ما يزيد من احتمال سقوط اعداد كبيرة من المدنيين، الأمر الذي قد يكون له تداعيات على المستوى الإقليمي والدولي.

ووفق المصادر نفسها، فإن لدى دمشق توجهاً لتحصين المناطق التي استعادت السيطرة عليها أولاً، لا سيما تلك الواقعة على أبواب العاصمة السورية، على أن يتم في مرحلة ثانية العمل على معالجة الأزمة مع ​الأكراد​، خصوصاً أن هؤلاء يسيطرون على المناطق الغنية بالموارد الطبيعية والأراضي الزراعية الواسعة، وتشير إلى أن هذا الأمر هو موضع إتصالات بين الجانبين منذ أشهر طويلة.



وتعتبر المصادر أن معالجة الوضع في محافظة إدلب يقع على عاتق الحكومة التركية بموجب إتفاق الآستانة، لكنها تلفت إلى أن أنقرة لم تقم بالخطوات اللازمة على مستوى مكافحة الفصائل المُصنفة إرهابية، وترى أن هذا هو السبب الرئيسي في مراقبة موسكو الوضع في هذه المحافظة، لا سيما بعد تحذير وزارة الدفاع الروسية، من أن المسلحين في مناطق خفض التصعيد بإدلب يستمرون في نشر الطائرات المسيرة قرب ​قاعدة حميميم​ الجوية.

إنطلاقاً من هذا الواقع، عمدت الحكومة التركية إلى تقديم ورقة إلى الجانب الروسي، بهدف تفادي أي هجوم قد تقوم به دمشق على إدلب، تحت عنوان: "الورقة البيضاء لمحافظة إدلب"، كما دعت الفصائل والهيئات والتجمعات في شمال سوريا إلى مؤتمر عام يعقد خلال أسبوعين لمناقشة مستقبل المحافظة على ضوء التطورات الأخيرة، الأمر الذي ترى المصادر السياسية المطلعة أنه يؤكد وجهة نظرها من التطورات الأخيرة.

وبالتالي، فإن إدلب ستكون أمام سيناريوهين على الأرجح، لا يتضمن أي منهما توجه دمشق نحو العملية عسكرية، نظراً إلى التداعيات المحتملة على العلاقة بين موسكو وأنقرة من جراء ذلك. الأول يقوم على إطباق الجيش السوري على المحافظة، مع تحصين المناطق التي تقع على حدودها لمنع الفصائل المسلحة من القيام بأي هجوم عسكري جديد، والتعويل على تحرك للمدنيين في وجه الفصائل المسلحة، مع العلم أن مواجهات عديدة وقعت بين الفصائل في فترات متنوعة، في حين لا تزال عمليات الإغتيال الغامضة التي تطاول بعض القيادات مستمرة حتى اليوم. أما السيناريو الثاني فيستند إلى الضغط على أنقرة من أجل تنفيذ إلتزاماتها في مؤتمر آستانة، وهنا سيكون الدور الذي تقوم به موسكو أكبر من السابق.

على الرغم من ذلك، تشدد المصادر على أن لا شيء يمنع من تكرار سيناريو درعا والقنطيرة، في إدلب، لناحية ابرام معظم الفصائل تسوية مع الحكومة السورية، لكنها تشير إلى أن الأزمة الأساسية تكمن في عدم وجود مكان آخر يلجأ اليه المسلحون، ولو انهم سيكونون بأعداد صغيرة.

في المحصّلة، تؤكد المصادر نفسها أن معالجة الواقع في محافظة إدلب يتطلب العمل على نار هادئة، بسبب الظروف الإقليمية المحيطة بهذا الملف، بالإضافة إلى تواجد أعداد كبيرة من المدنيين فيها، وبالتالي الأولوية ستعطى لملفات أخرى.

النكبة الثانية: "الكنيست" يشرع "العنصرية اليهودية"




مرّر "الكنيست" الإسرائيلي أخطر القوانين العنصرية "قانون القومية"، الذي يكرّس "إسرائيل دولة يهودية"، ويستهدف الوجود الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة منذ العام 1948، بعد اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، ونقل سفارة بلاده إليها من تل أبيب.


وعمل هذا القانون على تجزئة المواطنين إلى درجتين: الأولى لليهود، والثانية للعرب، ما يعني تنفيذ سياسة "الابرتهايد " (التطهير العرقي) لاقتلاع الفلسطينيين العرب من أرضهم التي أحتلت في العام 1948، وبدلاً من الدعوة إلى لَمْ شمل اللاجئين الفلسطينيين المشتّتين على أصقاع المعمورة، ركّز القانون على لَمِّ شمل لليهود في العالم إلى "الوطن القومي في الشعب اليهودي"، الذي يُعتبر وحده صاحب السيادة في إسرائيل.

كما شرعن القانون الاستيطان، واعتماد اللغة العبرية (اللغة الرسمية لدولة إسرائيل)، مستبعداً اللغة العربية من لغة رسمية إلى اعتبارها لغة "ذات مكانة خاصة"، بعدما هدّد رئيس حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو، بحل الحكومة وتقديم الانتخابات العامة، في حال تمَّ تغيير البند المتعلّق بإلغاء مكانة اللغة العربية.

جرى إقرار هذا القانون في جلسة عقدتها "الكنيست" ليل أمس الأول (الأربعاء)، واستمرّت حتى فجر أمس (الخميس)، ووُصِفَتْ بـ"العاصفة جداً"، حيث أُقِرَّ فيها القانون بأغلبية أعضاء الائتلاف الحكومي 62 صوتاً ومعارضة 55 وامتناع 2 عن التصويت.

وجهد رئيس نتنياهو واليمين المتطرّف، لإقرار القانون، في إحدى الجلسات الأخيرة التي تعقدها "الكنيست" قبل العطلة الصيفية.

وأدّى التصويت إلى انقسام حاد داخل "الكنيست"، ومُشادّات بين نوّاب اليمين المتطرّف ونوّاب "القائمة العربية المشتركة"، الذين أقدموا على تمزيق القانون، فيما قام النائب الدكتور أحمد الطيبي بالدوس عليه بقدميه.

كما أدّى مشروع هذا القانون إلى اعتراض داخل الكيان الإسرائيلي وبينهم الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، الذي اعتبر ذلك يدحض "ويمس بالتوازن الذي يعرّف دولة إسرائيل منذ تأسيسها، كونها دولة يهودية وديموقراطية في نفس الوقت".

وتضمّن "قانون القومية" (قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي) على ما يلي:

1- المبادئ الأساسية:

أ- أرض إسرائيل: هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، وفيها قامت دولة إسرائيل.

ب- دولة إسرائيل: هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وفيها يقوم بممارسة حقه الطبيعي والثقافي والديني والتاريخي لتقرير المصير.

ت- ممارسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل حصرية للشعب اليهودي.

2- رموز الدولة:

أ- إسم الدولة "دولة إسرائيل".

ب- علم الدولة أبيض وعليه خطّان باللون الأزرق وفي وسطه نجمة داوود زرقاء.

ت- شعار الدولة هو الشمعدان السباعي، وعلى جنبيه غصنا زيتون، وكلمة إسرائيل تحته.

ث- النشيد الوطني للدولة هو نشيد "هتكفا".

ج- تفاصيل رموز الدولة تحدّد في القانون.

3- عاصمة الدولة: القدس الكاملة والموحّدة هي عاصمة إسرائيل.

4- اللغة:

أ- اللغة العبرية هي لغة الدولة.

ب- اللغة العربية لها مكانة خاصة في الدولة؛ تنظيم استعمال اللغة العربية في المؤسّسات الرسمية أو في التوجّه إليها يكون بموجب القانون.

ت- لا يمس المذكور في هذا البند بالمكانة الممنوحة فعلياً للغة العربية.

5- لمُّ الشتات: تكون الدولة مفتوحة أمام قدوم اليهود ولمِّ الشتات.

6- العلاقة مع الشعب اليهودي:

أ- تهتم الدولة بالمحافظة على سلامة أبناء الشعب اليهودي ومواطنيها، الذين تواجههم مشاكل بسبب كونهم يهوداً أو مواطنين في الدولة.

ب- تعمل الدولة في الشتات للمحافظة على العلاقة بين الدولة وأبناء الشعب اليهودي.

ت- تعمل الدولة على المحافظة على الميراث الثقافي والتاريخي والديني اليهودي لدى يهود الشتات.

7- الاستيطان اليهودي: تعتبر الدولة تطوير استيطان يهودي قيمة قومية، وتعمل لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته.

8- التقويم الرسمي: التقويم العبري هو التقويم الرسمي للدولة، وإلى جانبه يكون التقويم الميلادي تقويماً رسمياً.

9- يوم الاستقلال ويوم الذكرى:

أ- يوم الاستقلال هو العيد القومي الرسمي للدولة.

ب- يوم ذكرى الجنود الذين سقطوا في معارك إسرائيل ويوم ذكرى الكارثة والبطولة هما يوما الذكرى الرسميين للدولة.

10- أيام الراحة والعطل: يوم السبت وأعياد الشعب اليهودي هي أيام العطلة الثابتة في الدولة. لدى غير اليهود الحق في أيام عطلة في أعيادهم، وتفاصيل ذلك تحدّد في القانون.

11- نفاذ القانون: أي تغيير في هذا القانون يستلزم أغلبية مطلقة من أعضاء الكنيست.

وعلق نتنياهو على تصويت "الكنيست" بالقول: "هذه لحظة فارقة في تاريخ الصهيونية وتاريخ دولة إسرائيل".

وفي أوّل رد فلسطيني رسمي على إقرار القانون، أكد الرئيس محمود عباس أنّ "القدس هي عاصمة دولة فلسطين الأبدية، ولن يكون هناك سلام ولا أمن ولا استقرار لأحد بدونها، ولن يسمح لأحد بالتفريط فيها أو تجاوزها".

واعتبر بيان صادر عن الرئاسة الفلسطينية أن ذلك "يكشف الوجه العنصري للإحتلال الإسرائيلي ومخالفته لكل قرارات الشرعية الدولية"، مؤكدة أنّ "القدس الشرقية جزء لا يتجزّأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وهي عاصمة دولة فلسطين الأبدية المستقلة".

وشدّدت الرئاسة على أنّ "حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه حق مقدس وثابت وكفلته الشرعية الدولية، وفي مقدّمتها القرار 194 الذي نص على حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وممتلكاتهم التي هُجّروا منها وتعويضهم، وسنّ هذا القانون العنصري لن يسقط هذا الحق المقدس".

فيما وصفته "القائمة المشتركة" بأنّه "أخطر القوانين التي سُنّت في العقود الأخيرة، حيث سيطغى على أي تشريع عادي، وسيؤثّر على تفسير القوانين في المحاكم الإسرائيلية، لأنّه يحدّد الهوية الدستورية

للنظام، التي تحدّد مَنْ هو صاحب السيادة، وتعتبر "الشعب اليهودي" وحده صاحب السيادة في إسرائيل".

واعتبرت "قانون القومية،"قانوناً كولونيالياً معادياً للديمقراطية، عنصري الطابع والمضمون، ويحمل خصائص الابرتهايد المعروفة".

وأكدت "القائمة المشتركة" أنّ "جعل حق تقرير المصير حصرياً لليهود، يعني نفي حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ويبرّر التفرقة في تحقيق الحقوق بين اليهود والعرب، ويحولها الى تمييز شرعي على أساس عرقي عنصري، والمساواة، وفق هذا القانون، تنطبق على جميع اليهود في أي مكان، كونهم يهود، أما العربي فهو مستثنى ويصبح التمييز ضدّه مبرّراً وشرعياً، وبحسبه يصبح الفلسطينيون غرباء في وطنهم".

وأشارت "القائمة المشتركة" إلى أنّ "البند" الخاص بتشجيع الاستيطان اليهودي، يعني عملياً منح أولوية للبلدات اليهودية في مجال الخدمات والتطوير وتخصيص الأراضي والإسكان، ويبرّر التمييز ضد البلدات العربية، كما أنّ هذا البند يمنح شرعية للاستيطان على طرفَيْ الخط الأخضر".

من التأميم الى العدوان الثلاثي

سامي شرف


عشت معركة التأميم

ـ 1 ـ

قدمت ثورة يوليو1952منذ يومها الأول نموذجا للتحدى لم تقدر القوى الاستعمارية التى كانت مسيطرة على النظام العالمى بعد الحرب العالمية الثانية على قبوله ، وكل ما سبق قيام الثورة من محاولات مماثلة إما أمكن إحباطها بالتدخل المباشر مثلما حدث مع حركة مصدق فى إيران،أو أمكن احتواؤها وتطويعها مثلما حدث مع عديد من الحركات الوطنية فى الدول العربية .

ولقد انعكس هذا التحدى بداية فى القبول لمنهج التحليل الإستراتيجى الذى تتبعه القوى الاستعمارية لشكل العلاقات المتبادلة مع مناطق العالم المختلفة والذى كان ينطلق من نقطة واحدة فقط هى مقاومة المد الشيوعى حيث استبدلت ثورة يوليو 1952 هذه النقطة بمدخل بديل آخر هو التحرر الوطنى والقومى من كل من أشكال النفوذ والهيمنة الخارجية .

ولا شك أن تبنى هذا المدخل قد استلزم خطوات مصاحبة يأتى فى مقدمتها بناء القوة الذاتية على الصعيد الإقتصادى والعسكرى فى إطار من الاستقلالية قدر الإمكان وحشد كل الإمكانيات المتاحة لصالح هذا الهدف و الاستفادة من كل المعارك السياسية أو العسكرية التى خاضتها شعوب المنطقة سواء قبل الثورة أو بعدها فى تقوية البناء الذاتى للدولة وللأمة .

ومعركة العدوان الثلاثى على مصر لم تأت من فراغ ، ولم تنتهى إلى فراغ ، لقد تم تدبيرها فى إطار رؤية للمصالح السياسية للدول التى شاركت فى العدوان ، وتأسست هذه الرؤية على أساس قراءة متعمقة لكل التطورات والأحداث التى أعقبت تاريخ 23يوليو1952 ، وما يمكن أن تقود إليه من نتائج مؤثرة على هذه المصالح فى المستقبل .
والموقف المصرى والعربى فى مواجهة العدوان لم يكن مجرد موقفا انفعاليا يعبر عن رفض الاحتلال أو التصدى للعدوان المسلح ، وإنما جاء تتويجا لسلسلة من المواقف كانت تؤكد طبيعة الاختيار الإستراتيجى الذى تتبناه ثورة 23يوليو والقوى القومية والتحررية التى تضامنت معها ، ومن ثم قبلت أن تتحمل ثمن هذا الاختيار إلى النهاية .
وفى كل القرارات والخطوات التى اتخذت قبل وقوع هذا العدوان لم يكن أى منها منفصلا عن الآخر ، بل جاءت كلها متداخلة ومتناغمة لتؤكد الارتباط فيما بينها ، وكان يكفى الامتناع أو التراجع عن قرار واحد من هذه القرارات حتى تأمن تداعيات كل القرارات الأخرى وتحتفظ لنفسها بالاستمرارية الهادئة ، ولكن كنظام أمكن تطويعه بنفس النسق والأسلوب الذى طبع نظم حكم أخرى سبقتها فى مصر أو عاصرتها فى الدول العربية .
من هنا كان التعرض لأحداث العدوان الثلاثى لابد أن يفتح أمامنا آفاقا لطرق العديد من القضايا ذات العلاقة المباشرة ، والتى تفجرت خلال السنوات الأربع التى سبقت وقوع العدوان، بل وقبل وقوع العدوان فى مرحلة تبلور الفكرة الثورية لدى قادة يوليو وبالتحديد منذ قيام الدولة العبرية ونشوب حرب فلسطين فى عام 1948 .

ـ 2

حرب فلسطين

تحديد مصدر التهديد الرئيسى

لقد ساهمت حرب 1948 فى فلسطين فى إلقاء الضوء مركزا على الواقع القائم فى الدول العربية ومدى سيطرة القوى الاستعمارية على قرارها السياسى من ناحية ، وعلى جوانب القصور فى الجبهات الداخلية وما يعترى القيادات العربية من مظاهر فساد وتردد من ناحية أخرى ، فبرغم تزايد نشاط العصابات الصهيونية فى أرض فلسطين فى حقبة الأربعينات ، وإعلان بريطانيا رسميا اعتزامها الانسحاب منها فى مايو1948 ، ووضوح الهدف النهائى الذى تعمل له العصابات الصهيونية منذ بداية القرن لم تستطع القوى الفلسطينية ، أو القوى العربية أن تنظم صفوفها وترسى خطة محكمة للمحافظة على عروبة فلسطين . ففى داخل فلسطين ورغم بروز اسم الحاج أمين الحسينى مفتى فلسطين كرمز للمقاومة ورئيسا للهيئة العربية العليا إلا أن المقاومة الفلسطينية كانت تعتمد إلى حد كبير على الارتجال ومحاولات الدفاع المحلى عن القرى والمناطق أكثر منها حركة مخططة و شاملة . وعلى الصعيد العربى جرت بعض المبادرات التى قادها متطوعين عرب ، ففى السادس من مايو1947 دخل البكباشى أحمد عبد العزيز فلسطين على رأس قوة من المتطوعين، كانت تضم إلى جانب المصريين الذين كان على رأسهم الصاغ كمال الدين حسين وآخرين ، وكذلك أفراد من كل من ليبيا وتونس فى حدود ألف مقاتل تقريبا لكن كان ينقصهم التدريب والسلاح الكافيين فضلا عن غياب التنسيق بينهم وبين متطوعين آخرين قدموا من دول أخرى ، بل لا أبالغ إذا قلت أن ثمة تنافس وقع بين هذه المجموعات وبعضها وانتهى الأمر باستشهاد واحد من أكثر العناصر كفاءة وإخلاصا للقضية هو البكباشى أحمد عبد العزيز .

أما على مستوى الحكومات ، فقد اجتمع فى الثانى عشر من ديسمبر1947 رؤساء الحكومات العربية الأعضاء فى الجامعة العربية للنظر فى أساليب نجدة الشعب الفلسطينى وذلك فى أعقاب صدور قرار الأمم المتحدة رقم181 فى نوفمبر1947 والخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين ، إحداهما يهودية والأخرى عربية ، وقد ظهر فى هذا الاجتماع اتجاهان :تمثل الاتجاه الأول : والذى تبنته كل من مصر والسعودية وأيده العراق فى الدعوة إلى عدم استخدام القوة المسلحة العربية النظامية فى المعارك الدائرة فى فلسطين ، والاكتفاء بإمداد الفلسطينيين باحتياجاتهم من الأسلحة والذخيرة وتزويدهم بالمتطوعين . أما الاتجاه الثانى : فقد تبنته الأردن وأيدتها كل من سوريا ولبنان وكان يصر على إشراك القوات النظامية فى الصراع ضمن حدود معينة . وقد لقى الاتجاه الأول تأييد الحاج أمين الحسينى الذى كان يرى أن الفلسطينيين قادرين على مواجهة الموقف بأنفسهم إذا ما تم تزويدهم بالسلاح والمتطوعين علاوة على توفير التدريب اللازم لهم .

لكن المؤتمر انتهى إلى التدخل بالقوات النظامية العربية فى 15مايو1948 ، والملفت للنظر هنا أن الملك فاروق قد أصدر أوامره بدخول القوات المصرية المعركة يوم13مايو1948 أى قبل التاريخ المحدد بيومين كنوع من المزايدة على باقى الدول العربية إلا أن اللواء أحمد المواوى قائد هذه القوات لم يتسلم أوامر القتال إلا فى اليوم التالى أى يوم 14مايو1948 أى أن التحرك قد بدأ دون صدور أوامر القتال . كانت هذه القوات المصرية عبارة عن مجموعة لواء يتراوح عددها بين ألف وألف وخمسمائة جندى ، ولحقت بها بعض المجموعات الرمزية من كل من السعودية والسودان لا يتجاوز عدة مئات ، وكانت قوات ينقصها السلاح والتدريب مثلها مثل باقى القوات العربية التى بلغ مجموع عددها فى فلسطين فى 15مايو1948 حوالى 14ألف جندى بينما كانت القوات الصهيونية فى حدود سبعة آلاف جندى يخضعون لقيادة موحدة وعلى درجة عالية من التدريب وخدم أغلبهم فى صفوف جيوش أجنبية مما دعم كفاءتهم القتالية ، والأهم أنهم يعملون وفقا لهدف سياسى واضح ويؤمنون به إلى حد التعصب . وكانت النتيجة الطبيعية هو فشل التدخل العسكرى العربى فى تحقيق أى من أهدافه اللهم إلا الاحتفاظ بالضفة الغربية وقطاع غزة كمناطق عربية وارتكاز الصراع على المواجهة بين إسرائيل والعرب ككل ، وما ينطوى على ذلك من تشابك عميق مع أوضاع منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة .

على أن النتيجة الأهم فى سياق هذه المذكرات هو دور هذه الحرب فى تفتيح أذهان الضباط الذين أسسوا تنظيم الضباط الأحرار فى مصر وشاركوا فى هذه الحرب فلم تضع أيديهم على مصدر الخطر الحقيقى فقط كما عبر عنه جمال عبد الناصر عندما كان محاصرا فى الفالوجة: ” بأن المشكلة ليست هنا فى فلسطين وإنما فى القاهرة . . ” ، بل وبدرجة أكبر فى بلورة الفكرة القومية فى إدراك قادة يوليو واقتناعهم الكامل بأن أمن مصر جزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية ولا يمكن الفصل بينهما بأى حال . فالمشكلة الكامنة فى القاهرة التى عبر عنها جمال عبد الناصر كانت تبدأ بالتغيير وتنتهى إلى عدة أهداف جوهرية كالتالى : تحرير القرار المصرى من السيطرة الأجنبية ، ومن ثم فإن قضية الجلاء يجب أن تتصدر كل الأولويات بعد التخلص من النظام الملكى مع بناء جبهة داخلية متماسكة تكون خير سند للقرار . بناء القوات المسلحة المصرية إلى الدرجة التى تجعلها قادرة على الدفاع عن أهداف الثورة وحماية مكتسباتها . وضع برنامج للتنمية الداخلية فى المجالين الإقتصادى والاجتماعى يتيح المجال للاستفادة بأقصى درجة ممكنة من الموارد الذاتية لمصر وقبول الاستعانة بأية موارد خارجية بعيدا عن التبعية والخضوع للهيمنة الأجنبية . بناء جبهة عربية داعمة لأهداف الثورة المصرية وأهداف الأمن القومى العربى بوجه عام مع إتباع سياسة التحرر من الاستعمار ليس فقط على مستوى الوطن العربى ، وإنما فى كل دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية .

– 3 –

محاولة تعزيز القوة الذاتية تمهد لكشف المواقف
انطلقت جهود الثورة خلال السنوات الأربع التى أعقبت 23يوليو1952 فى اقتحام هذه المجالات الأربعة بقوة ، وكانت أولى الخطوات إنشاء مجلس أعلى للإنتاج ، وآخر للخدمات لإدارة عملية التغيير الاجتماعى والاقتصادى فى الداخل ، وبدأ التفكير مبكرا فى توفير المصادر الممكنة لتسليح القوات المسلحة . بدأت المفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على السلاح فى ديسمبر1952 ، وكان البكباشى جمال عبد الناصر هو الذى اقترح ذلك كوسيلة لاختبار مدى جدية التعاون مع أمريكا ، والمدى الذى يمكنه أن يصل إليه ، وتم إيفاد قائد الجناح على صبرى مع لجنة من الجيش والبحرية إلى واشنطن للتفاوض على صفقة سلاح ، واعتبر جمال عبد الناصر أن نجاح هذه المهمة يمكن أن يفتح المجال للتعاون فى مجالات أخرى سياسية أو اقتصادية ، وانضم إلى هذه اللجنة فى واشنطن اللواء عبد الحميد غالب الملحق العسكرى فى ذلك الوقت وسفير مصر فى لبنان فيما بعد .

وفى الولايات المتحدة الأمريكية طالت المفاوضات دون مبرر ، وكانت تقارير على صبرى تعبر عن التشاؤم حتى أبلغه الجنرال عمر برادلى رئيس الأركان المشتركة صراحة ، أنهم لا يستطيعون تدعيم مصر بالسلاح طالما أن هناك قضايا لم يتم حلها . وكان يقصد بهذه القضايا التى لم تحل ، مشاريع الدفاع عن الشرق الأوسط وقضية الجلاء البريطانى عن مصر والعمليات الفدائية ضد الإنجليز فى قناة السويس . وأشار الجنرال برادلى إلى أن بلاده مستعدة فقط لتزويد مصر بقنابل مسيلة للدموع وأسلحة خفيفة لقوات البوليس كانت هذه الاتصالات الرامية إلى الحصول على السلاح من الولايات المتحدة الأمريكية تهدف فى المقام الأول اختبار نوايا واشنطن تجاه ثورة يوليو ، وقد بدأت فى شكل تجديد للطلب الذى سبق أن تقدم به النحاس باشا فى عام1951 لنفس الغرض عقب قيامه بإلغاء معاهدة 1936 بقرار من جانب واحد . وفى الوقت الذى كانت فيه الاتصالات مع الولايات المتحدة الأمريكية تجرى على المستوى الرسمى بمعرفة على صبرى واللجنة المعاونة له ، كانت هناك قناة خلفية تشهد اتصالات موازية غير رسمية وتعمل على تبادل الرؤى وجس النبض من جانب كل طرف لدى الطرف الآخر ، وكانت هذه القناة يديرها من الجانب المصرى البكباشى زكريا محى الدين ومحمد حسنين هيكل وحسن التهامى وحسن بلبل ،

ثم تولى إدارتها بعد ذلك على صبرى وسامى شرف ثم صلاح نصر فأمين هويدى فحافظ إسماعيل ثم أحمد كامل ، أى أنها كانت تجرى تحت إشراف مؤسسة الرئاسة والمخابرات المصرية ، بينما يديرها من الجانب الأمريكى كيرميت روزفلت أحد العناصر الرئيسية التى استخدمتها واشنطن فى إحباط انقلاب مصدق فى إيران 1951 ، وكانت تعمل تحت إشراف المخابرات المركزية الأمريكية ، ويطلق على المجموعة المشاركة فيها اسم ” مجموعة ألفا ” وقد نشطت هذه القناة بشكل واضح خلال عامى 1953، 1954 ، ومن العناصر المشاركة فيها أيكل بيرجر ، ومن بعده مايلز كوبلاند أحد عملاء المخابرات المركزية الأمريكية ومن بعده ” لاتراش ” ، ثم تلاهم تشارلز كريمينز الذى كان يعمل أستاذا زائرا بالجامعة الأمريكية فى القاهرة وساعده فى تشغيل المجموعة شخص آخر يدعى فرانك كيرنز كان يعمل مراسلا لإذاعة NBC وآخر يدعى هارى كيرن ، كان يتخذ ساترا له كمندوب لإحدى شركات البترول الأمريكية فى مصر ولكن عمله الحقيقي كان إدارة شبكة مخابرات للحصول على المعلومات . فى أكتوبر1953 قام كيرميت روزفلت بزيارة للقاهرة وتجدد الحديث عن التسليح الأمريكى لمصر ،

ورغم التعاطف الذى أبداه مع المطالب المصرية إلا أن الحوار لم يسفر عن شىء يذكر على الصعيد العملى ، وإن كان قد واصل ممارسة دوره كقناة خلفية بين الإدارة الأمريكية والمخابرات المركزية من جانب ، وبين مؤسسة الرئاسة والمخابرات المصرية من جانب آخر ، من خلال ضباط اتصال مختصين بهذه المهمة . حدث فى عامى 1955/1956 أن كان ضابط الاتصال المكلف بالمهمة يدعى ” لا تراش ” ـ و كان من أصل عربى ” الأطرش ” ـ وتم إبعاده نتيجة واقعة محددة حدثت منه فى مكتبى أثناء أزمة ” تمبلر ” و ” جلوب ” فى الأردن ، حيث طلب موعدا لمقابلتى لإبلاغنا رسالة كان محتواها ” أن ترفع مصر يدها عن الأردن” ، وهنا قمت واقفا و ضغطت على زر الجرس أمامى فدخل سكرتيرى محمد السعيد الذى قلت له : ” فلتدلّ الضيف إلى الطريق إلى المصعد . . ! منهيا بذلك المقابلة فى الحال ، رافضا تصرفه هذا شكلا وموضوعا ، هذا التصرف حتى ولو كان خارج القناة الدبلوماسية أو الرسمية . ولما أبلغت الرئيس عبد الناصر بالواقعة عقب انصرافه من مكتبى ، أيدنى وقال لى “إنت إتصرفت التصرف الصحيح ” .

وقد تم إبلاغ واشنطن بهذا التصرف الغير مقبول من جانب مندوبهم فقاموا باستدعائه وعاد إلى بلاده بالفعل . وقد تبين للقيادة المصرية أنه لم يكن يوجد لدى واشنطن أية نية لبيع الأسلحة لمصر واكتشفت فيما بعد أن إلغاء الصفقة يرجع إلى مجموعة الأسباب التالية : احتجاج بريطانيا لدى الجانب الأمريكى حيث اعتبرت أن إتمام الصفقة سوف يؤثر على قدرات القوات المسلحة المصرية بما يضر بمركز وإمكانيات القوات البريطانية فى منطقة قناة السويس، وكان سببا فى التهرب الذى لجأ إليه الطرف الأمريكى سواء بدعوى مفاوضات الجلاء وطلب الانتهاء منها أولا ، أو المطالبة بعقد اتفاق للدفاع المشترك مع مصر ، الأمر الذى رفضه جمال عبد الناصر من حيث المبدأ ، وإن كانت هذه النقطة قد استخدمت من جانب مصر كورقة ضغط على مفاوضات الجلاء ، مما ساعد على اختصار الكثير من الوقت والجهد فى هذه المفاوضات . تزامن الاتصالات مع الولايات المتحدة الأمريكية مع تصاعد الدعوة التى أطلقها عبد الناصر لإقامة نظام للأمن العربى يرتكز على اعتبار الصهيونية هى مصدر الخطر الأساسى الموجه للأمة العربية وليس الخطر الشيوعى وكان ذلك يتعارض مع المحاولات الأمريكية الرامية لفرض وجهة نظر محددة تتماشى مع التوجهات الأمريكية تجاه موسكو والمعسكر الشيوعى .

إذن كان الاختبار الثانى للموقف الأمريكى من ثورة يوليو متمثلا فى قضية الأحلاف ، حيث كانت واشنطن مصممة ـ وفقا لرؤيتها فى ذلك الوقت ـ على محاصرة الاتحاد السوفيتى بالأحلاف والقواعد العسكرية فى كل مناطق العالم بما فيها منطقة الشرق الأوسط وأدركت واشنطن أن قيام حلف فى الشرق الأوسط بدون مصر سيكون حلفا عديم القيمة من الناحية الإستراتيجية ، ومن ثم جرى تكثيف العمل على ضم مصر لحلف بغداد . ولم تكتف مصر الثورة برفض الانضمام للحلف فقط ، بل خاضت معركة واسعة لمنع انضمام دول عربية أخرى إليه ، حيث رأت فيه إعادة للهيمنة الاستعمارية وللتبعية الأجنبية . ففى يوليو1954 استقبلت القاهرة زيارتين لكل من الأمير عبد الإله ولى عهد العراق ، والثانية قام بها عبد الله اليافى رئيس وزراء لبنان، واجتمعا والرئيس جمال عبد الناصر كل على حدة ـ وبحكم عملى فى القسم الخاص بالمخابرات العامة وقتها فقد كلفت بتسجيل محاضر الاجتماعات مع المسئولين العرب ، وفى هذه الاجتماعات طرح عبد الناصر بوضوح موقفه وأكد على رفض مقولة الانضمام إلى مقاومة الشيوعية مؤكدا على الأبعاد التالية :وفى أغسطس من نفس العام 1954 قام جمال عبد الناصر بأداء فريضة الحج ، والتقى بعدها بالملك سعود ، ودار النقاش مجددا حول قضية الأحلاف وسعى النفوذ الغربى لإحكام سيطرته على المنطقة العربية ، كما شملت المباحثات أيضا وضع إسرائيل فى المنطقة ، وطالب عبد الناصر ببلورة توجه عربى موحد لمقاومة التيارات الزاحفة على المنطقة ومحاولات الاحتواء الخارجى ، وأبدى الملك سعود وقتها تجاوبا كبيرا مع كل ما طرحه عبد الناصر .

وفى نفس الوقت كلف صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة ووزير الإرشاد القومى ، بالتوجه إلى كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن فى مهمة لشرح وجهة النظر المصرية فى سياسة الأحلاف والدعوة إلى مزيد من التضامن العربى ، وكان الوفد المصاحب له يضم كلا من محمود رياض وعبد القادر حاتم وفتحى الديب وسامى شرف ، وتشعبت الاتصالات وتضاعفت الجهود السياسية والدبلوماسية فى نفس الإطار حيث قام نورى السعيد رئيس وزراء العراق بزيارة القاهرة فى 14سبتمبر1954 ، وفى نفس الشهر نجحت الولايات المتحدة الأمريكية فى توقيع اتفاق مع الملك إدريس السنوسى ملك ليبيا لإقامة قاعدة عسكرية كبرى فى طرابلس أطلق عليها اسم ” قاعدة هويلس ” ، وكانت بريطانيا قد وقعت اتفاقا لإقامة قاعدة أخرى فى طبرق باسم ” قاعدة العضم ” ، وكان ذلك يعنى فى بعده الإستراتيجى تهديدا مباشرا للأمن القومى المصرى ، أى أن المقصود هو إحاطة مصر من حدودها الغربية . وفى 24فبراير1955 أعلن رسميا قيام حلف بغداد ولم تنضم له سوى العراق مما أعتبر من وجهة نظر الغرب فشلا لسياسة الأحلاف فى المنطقة ، ومن وجهة النظر العربية أعتبر قيام حلف بغداد تهديدا للأمن القومى العربى وقام إيدن فى أعقاب إعلان حلف بغداد

مباشرة بزيارة للقاهرة لمواصلة الضغط على الحكومة المصرية لإقناعها بالانضمام للحلف والعمل على استكمال مفاوضات الجلاء البريطانى . 1

أن الاتحاد السوفيتى الزعيم الأول للشيوعيين يقع على بعد آلاف الأميال من الوطن العربى ، ولا يوجد معه اتصال جغرافى .

2 – أن الدين الإسلامى يوفر لنا الحماية الضرورية من الشيوعية .

3- أن معركتنا الحقيقية ليست مع الشيوعية ، وإنما مع الاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية فى فلسطين ، وعندما ننتهى من هذه القضية يمكن النظر فى قضايا أخرى ، فالأولوية يجب أن توجه إلى فلسطين وإلى حماية أمتنا العربية وأمننا الوطنى و القومى . وتؤكد الوثائق الأمريكية عن هذه الفترة فاعلية التنسيق بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية فى جميع القضايا التى أثيرت مع حكومة الثورة فى ذلك الوقت ، والمحاولات المكثفة لاحتوائها ،

وانتهت هذه المرحلة بحدث كان بمثابة نقطة تحول فى التفكير الإستراتيجى المصرى ، ففى 28فبراير1955 ـ أى بعد قيام حلف بغداد بأربعة أيام ـ قامت إسرائيل بشن غارة مفاجئة على قطاع غزة بدون أى مقدمات وأسفرت عن إحداث خسائر كبيرة فى الأفراد والمعدات ، حيث بلغت الخسائر البشرية حوالى 38 ما بين ضابط وجندى ، وأحدثت هذه الغارة تحولا فى تفكير عبد الناصر وقادة الثورة تجاه إسرائيل . فقد كان عبد الناصر ينظر إلى إسرائيل باعتبارها عضوا دخيلا فى جسم الأمة العربية ، وأن هذا العضو مصيره إلى زوال ، والزمن كفيل بحل هذه المشكلة ويرى أن التوازن السكانى فى فلسطين يسير فى صالح العنصر العربى حيث أن معدل الزيادة السكانية فى العنصر اليهودى بطبيعة تكوينه وثقافته تتجه إلى التناقص فى وقت تتزايد فيه معدلات النمو السكانى فى العنصر العربى ، وبالتالى فسوف يعود اليهود إلى أقلية حتى داخل فلسطين

كذلك تبلور اتجاه داخل القيادة الثورية فى مصر يقوم على أن إسرائيل لن تبادر بالعدوان تجنبا لإثارة العالم العربى وتفجير أزمة مشابهة لأزمة1948 ، خاصة فى ظل تصاعد الوعى العربى والمد القومى الذى يرفض الخضوع للقوى الاستعمارية وأن هذا العدوان لن يجد مبررا لدى الغرب الداعم لإسرائيل . وقد خلص هذا التقويم إلى عدم المبادرة بالصدام العسكرى مع إسرائيل والتركيز بالدرجة الأولى على ضرورة تقوية مصر فى كل المجالات لتشكيل قوة ردع لإسرائيل ومنعها من التفكير فى شن أعمال عدوانية ضد مصر ، أى أن الهدف فى هذه المرحلة كان تحييد إسرائيل قدر الإمكان ، والتركيز على وضع مصر على عتبات التنمية الشاملة وبناء قوتها الذاتية . وكان دافيد بن جوريون قد سطر فى كتابه ” إسرائيل تاريخ شخصى ” ما يلى بالنص :” إنه يندر أن نجد أكاديمى أو سياسى إسرائيلى لم يتثقف على أيدى الموساد ، ومن خلال منظمات الإرهاب الإسرائيلى فى الأربعينات ” . كما كان دافيد بن جوريون أيضا له تفكير مختلف ، فعندما التقى وزير خارجية فرنسا “كريستيان بينو” فى عام 1954 ثم مع ” ناحوم جولدمان ” رئيس المنظمة الصهيونية العالمية سألهما عن رأيهما فى جمال عبد الناصر فكانت إجابتهما متقاربة وخلاصتها : ” إنه رجل يميل للتعاون مع الغرب من أجل إصلاح الشأن فى بلده وينادى بالتنمية بدليل أنه شكل مجلس أعلى للإنتاج وآخر للخدمات ، ويأخذ مجلس قيادة الثورة بتوصيات المجلسين فى تنفيذ مشروعات التنمية مثل التوسع فى إقامة المدارس والمستشفيات وإنشاء مجمع للحديد والصلب وتطوير صناعات للغزل والنسيج الخ” . وكان تعقيب بن جوريون ” إن هذا هو أخطر ما فى سياسة جمال عبد الناصر ، فالتنمية معناها القضاء على إسرائيل ” .

وجاءت الغارة على غزة كوسيلة قوية للتنبيه ، وسببا فى إعادة النظر فى كل التقويمات التى توصلت إليها الثورة بالنسبة لنوايا المستقبلية ، وكان تقدير عبد الناصر بعد الغارة أنها ليست عملية عادية ، وإذا كانت تمثل مجرد وسيلة لاختبار القدرات العسكرية المصرية فماذا يمكن أن يكون عليه الموقف إذا ما قامت عمليات عسكرية أوسع أى أن عبد الناصر اعتبر أن غارة غزة هى وسيلة لاختبار قدراتنا العسكرية فى المستقبل ، وإذا ما تكررت بحجم أكبر فسوف تؤدى إلى هزيمة الثورة ، وقد خلص من هذا البحث والتقدير إلى ضرورة العمل المكثف لأولوية تنفيذ أحد المبادئ الستة لثورة23يوليو1952 الذى كان ينص على بناء جيش وطنى قوى وتحديثه بأحدث الأسلحة كهدف رئيسى لهذه المرحلة ، مع انتهاج كل السبل الممكنة لتوفير هذا السلاح من أى مصدر فى نفس الوقت الذى يواصل فيه جهوده لبناء إطار عربى جماعى للأمن القومى ، أى إجراء إعادة ترتيب شامل لكل الأوراق . ففى نفس الأسبوع الذى وقعت فيه الغارة الإسرائيلية على غزة ، تم توقيع اتفاقية للدفاع المشترك مع سوريا ، يتم بموجبها إنشاء قيادة مشتركة للقوات المساحة فى البلدين ،

وقد انضمت كل من السعودية واليمن لهذه الاتفاقية بعد ذلك ، وكان معنى ذلك أن كلا من مصر وسوريا والسعودية واليمن لن تنضم إلى حلف بغداد، وقد أعلنت السعودية بوضوح عن تضامنها مع مصر فى مقاومة الأحلاف . وبدأ عبد الناصر يطرق أبواب الغرب من جديد للحصول على السلاح ، ففى العاشر من مارس 1955 التقى مع السفير الأمريكى فى القاهرة هنرى بايرود ، وإستعرض معه الموقف مجددا طلب الحصول على السلاح ومؤكدا أنه فى الوقت الذى تحرم فيه مصر من الأسلحة تواصل إسرائيل أنشطتها العدوانية وغاراتها المسلحة تحصل مع ذلك إلى جانب العراق ـ على المزيد من الأسلحة . ومرة أخرى جاءت الإجابة سلبية وأصبح على يقين أنه لن يحصل على السلاح من الغرب طالما أنه لم ينفذ شروطه فيما يتعلق بنظام الدفاع عن الشرق الأوسط ومن ثم كان الاتحاد السوفيتى هو البديل الأنسب للغرب فى توريد الأسلحة ، ولم يعد أمام الرئيس عبد الناصر إلا التفكير فيه بعد أن نفذ صبره وأوصدت كل الأبواب أمامه

جواسيس لإسرائيل خلف قناع "الآرامية"




تستغل ​إسرائيل​ لغة المسيح، اللغة الآرامية، لتسويق جزء من مشروعها بتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية وإثنية تغطّي إعلان ​الدولة اليهودية​. توقيف المتهمين روني ضومط وأمين اسكندر من قبل ​الأمن العام اللبناني​، ليس سوى جزء من المشهد


قبل أيام، أعلن الأمن العام اللبناني عن الأسباب الحقيقية لتوقيف المدعو روني ضومط واستمرار التحقيقات مع المدعو أمين اسكندر رئيس ما يسمّى «المجلس السرياني الماروني»، وذلك بتهمة التواصل مع العدو الإسرائيلي في ​السويد​. وبحسب المعلومات، فإن الأمن العام كان ينتظر استكمال التحقيقات وتحويل اسكندر إلى النيابة العامة قبل الإعلان عن الإنجاز الأمني. إلّا أن البيان الذي صدر عمّا يسمّى «التحالف الأميركي ــــ الشرق أوسطي للديموقراطية» مُوجّهاً لوزير الخارجية ​جبران باسيل​، واتهم لبنان بتوقيف «ناشطين موارنة» ينشطون في مجال «الحفاظ على اللّغة الآرامية»، إنما جاء استباقاً لزيارة باسيل، أمس، إلى واشنطن للمشاركة بمؤتمر «الحريات الدينية في العالم» الذي تنظّمه للمرّة الأولى ​وزارة الخارجية الأميركية​، ودفع بالأمن العام اللبناني إلى الكشف عن نتائج التحقيقات الأوليّة مع ضومط، واعترافاته بزيارة السفارة الإسرائيلية في السويد ولقائه مع ممثّلين عن العدو الإسرائيلي أكثر من مرّة في استوكهولم.

لكن، وبعيداً من تحقيقات الأمن العام، فإن ضومط واسكندر، ليسا إلّا حلقة من مشهد أكبر، ترسمه إسرائيل منذ نشأتها على أرض فلسطين المحتلّة، بالّلعب على وتر الأقليّات والحريات الدينية في الشرق، عبر استغلال العصبيات الدينية والإثنية وترسيخها وتسويق إسرائيل نفسها حامية للأقليات، والدفع نحو تشكيل كيانات ودويلات إثنية تمنح الغطاء للدولة اليهودية، من ​كردستان العراق​ إلى جبل لبنان.

قبل أربع سنوات، وبعد زيارة البطريرك بشارة الراعي إلى فلسطين المحتلّة بمدّة قصيرة، أقرّ الكنسيت الإسرائيلي تغيير تصنيف الموارنة الفلسطينيين في سجلّات الدولة اليهودية من «فلسطينيين عرب» إلى «آراميين»، في خطوة لتعميق الشرخ بين مكوّنات الشعب الفلسطيني، وتحويل المسيحيين الفلسطينيين إلى «شعب»، على أن يتبع هذا الأمر قانون يحوّل الدروز الفلسطينيين أيضاً إلى «الشعب الدرزي»، في خطوات تحضيرية لإعلان يهودية الدولة.

والأسوأ، هو استغلال لغة السّيد المسيح، الآرامية، رمز المحبّة والتسامح في الشرق والعالم، في سياسة ممنهجة لربط الدين بالعرق وتشكيل هويّة عنصرية، تفرز شعوب المشرق إلى طوائف وجماعات متناحرة. في الوقت الذي تحالف إسرائيل «جبهة النصرة» والتنظيمات المتطرفة وتمدّها بالسلاح والتمويل، وهي التنظيمات التي عملت طوال سنوات الحرب السورية على تهجير السوريين، وبشكل خاص المسيحيين، وطمس معالم المسيحية الأولى في ​سوريا​، لا سيّما مدينة معلولا التاريخية، آخر حواضر الآراميين المشرقيين وقلعة اللغة الآرامية على شرق المتوسط.

وكان سبق إعلان الكنيست تحويل الموارنة الفلسطينيين إلى «آراميين» بحسب مصادر كنسية فلسطينية، خطوتان مهمّتان. الأولى، هي تكليف وزير الاتصالات في حكومة العدو، أيوب القّرا (درزي) بملفّ التطبيع مع ​الدول العربية ​ والعمل في الداخل الفلسطيني على تهيئة الأرضية المناسبة بين الأقليات الفلسطينية لاستيعاب إعلان يهودية الدولة. والثانية، تكليف النقيب الاحتياطي في جيش العدو الإسرائيلي (ملازم أول مظلّي) المدعو شادي خلّول (فلسطيني ماروني من قرية كفربرعم شمال فلسطين)، بملفّ الموارنة الفلسطينيين واللبنانيين لخلق الأطر المناسبة لاستقطاب هؤلاء، تحت عنوان حماية «اللّغة الآرامية»، والسعي لإنشاء دويلة مارونية في جبل لبنان على غرار الدويلة اليهودية، بذريعة تعرّض المسيحيين اللبنانيين للاضطهاد.

والجدير ذكره أن شادي خلول هو أيضاً مؤسس ورئيس «الجمعية الإسرائيلية المسيحية الآرامية» (المنتدى الذي قدّم اقتراحاً للكنيست بإعلان الموارنة الفلسطينيين «آراميين»)، وهو الناطق الرسمي باسم «منتدى ضباط قوات الدفاع الإسرائيلي المسيحية» ومؤسس برنامج «التحضير ما قبل العسكري للشباب اليهودي ــ المسيحي»، وأول مرشّح من الطائفة المارونية الآرامية باسم الحزب اليهودي الصهيوني في انتخابات الكنسيت عام 2015.

وينشط خلّول بالتوازي، مع منصّة أخرى تدعى «مشروع فيلوس»، وهي مؤسسة يهوديّة أميركية أهدافها المعلنة «تسويق الاختلاط المسيحي في الشرق الأوسط»، وظيفتها «مد الجسور بين المسيحيين واليهود»، ويرأسها المدعوان ريتشارد نيكلسون ومستشاره لوك مون، وسبق لهما أن زارا لبنان في أيلول الماضي.

وبحسب المعلومات، فإن «المجلس السرياني الماروني» الذي يرأسه أمين اسكندر وعضوية روني ضومط، تمّ تأسيسه خلال مؤتمر «فيلوس» الأخير في نيويورك في 20 أيار عام 2017، ويعدّ اسكندر مسوّق مشروع خلّول في لبنان، الذي يعمل على أن «ينعم الموارنة الآراميين في جبل لبنان بالأمان وبالسلام مع إسرائيل».

غير أن اللافت للانتباه، أن اسكندر وضومط، يملكان شبكة واسعة من العلاقات مع السياسيين المسيحيين اللبنانيين، وسبق أن شارك العديد من هؤلاء بمؤتمرات مع خلّول في السويد وفي الخارج. وبعض السياسيين اللبنانيين، وقعوا في فخّ تلبية دعوات اسكندر وضومط للمشاركة في احتفالات في السويد تحت مظلّة المغتربين اللبنانيين، ومنهم وزير الخارجية جبران باسيل نفسه الذي وجّه رسالة عبر الفيديو لما أسماه «الشعب الآرامي» خلال زيارته إلى بروكسيل في 14 أيار الماضي، والنائب ​أنطوان حبشي​ والنائب السابق ​إيلي ماروني ​ والمسؤول الكتائبي سيرج داغر ورئيس الرابطة السريانية في لبنان حبيب أفرام، والنائب نديم الجميّل، الذي سارع لممارسة الضغوط للإفراج عن ضومط واسكندر بعد توقيفهما. وعلى ما كان يسوّق اسكندر قبل توقيفه، فإن مشروعه يحظى بتفهّم من غالبيّة السياسيين الذين التقاهم تحت عنوان «حماية اللغة الآرامية»، إلّا أنه يلقى اعتراضاً ومواجهة قويّة من داخل ​البطريركية المارونية​ في لبنان، لا سيّما من المطرانين سمير مظلوم وبولس صيّاح، اللذين رفضا طروحاته وحذرا منه لأنه «يمثّل مشروعاً إسرائيلياً».

مؤتمر «الحريات الدينية» ويهودية الدولة!

وصل الوزير جبران باسيل إلى الولايات المتّحدة الأميركية، أمس، وذلك للمشاركة في مؤتمر من تنظيم وزارة الخارجية الأميركية، تحت عنوان «الحريات الدينية في العالم». ويعتبر المؤتمر الأوّل من نوعه من تنظيم وزارة الخارجية، في الوقت الذي تنشط العديد من المؤسسات الأميركية اليهودية، لتنظيم مؤتمرات من هذا النّوع، تتخذ من حقوق المسيحيين المشرقيين وحقوق ​مسلمي الروهينغا​، ذرائع لتسويق أفكارها. وبحسب الإعلام الأميركي، فإن المؤتمر يضم ممثّلين رسميين لثمانين دولة حول العالم على مستوى وزير، ومئات منظمات «المجتمع المدني»، الذين خصصت لهم وزارة الخارجية يوماً كاملاً، بهدف تعريفهم على الدور الذي يجب أن يضطلعوا به لـ«حماية الحريات الدينية» وكيفية الحصول على التمويل الأميركي ونوعية المشاريع التي يمكن أن تموّلها المؤسسات الأميركية. وتقيم وزارة الخارجية الأميركية المؤتمر، بعد أيام على إعلان الكنسيت تحويل إسرائيل رسمياً إلى وطن قومي لليهود، وقوننة مشروع عنصري من هذا النوع، بمباركة أميركية. ومن المتوقع أن يشارك البطريرك الماروني بشارة الراعي في المؤتمر، فيما يغيب عنه بطريرك الأرثوذكس يوحنا اليازجي.

الDATA BIG والأعمدة الخمسة لقيادة العالم




عندما كنّا صغاراً كنا نصلي قضبان الدبق الأخضر في الأشجار وقرب الينابيع لنصطاد العصافير. اليوم صارت الدول والشعوب تعلق على دبق الخلوي أو المحمول مثل العصافير. كيف؟


ملاحظة: هذا النص موجّه إلى الشعوب العالقة في دبق شبكات التواصل عبر العالم:

لا يتجاوز التراث المكتوب، لكلّ ما أنتجه البشر كتابةً وحافظوا عليه قبل صناعة الورق ومعه وحتى نهاية العام 2008، كتلة أو كمية المكتوب والملفوظ والمرسوم المتراكمة الآن في العالم في خلال الدقيقة الواحدة.

يتجاوز هذا الكلام الخيال ويرمينا ونحن في عصر الفضاء وفورة الكتابات الضوئية وفوضاها اليوم في ما يعرف بال بيغ داتا Data Big المستند إلى الخوارزميات Logharithmes نسبة إلى ما تركه محمد الخوارزمي ( 780م- 849 ) في علم الجبر والحسابات الهندية المصدر وقد برع فيها في عصر المأمون.

وتجذب كبريات الجامعات الشباب اللامع للتخصص المنتشر في البيغ داتا لأنّه حقل جديد يخرج العقول من علوم العقم النظري والمسائل الرياضية الرتيبة إلى هندسة المعلومات والإتصالات والرياضيات التطبيقية حتّى القبض على محور الأرض علمياً.

كانت شاشات التلفزة تجذب البشرية وتتوهم بأنها تسبق السياسات وقادة العالم. إنعكست المسائل بعدما تمكّن العقل الرياضيلت الحديثة من إصطياد البشر بثقافاتهم ولغاتهم المتنوعة تباعاً إذ وقعوا كتلاً متلاحقة وبالصف فوق الشبكة العنكبوتية الضوئية التي قزّمت الشاشات والثقافات المحكومة بالتواصل التقليدي ودفنته ورمت الكتابات في نشر الصور والأخبار والأكاذيب من دون أي إعتبار لمرجع أو لعلم أو لحقيقة. يكفيك الخبرة وتحريك الأصابع لتصبح عالمياً مشهوراً. المهم أن تعرف كيف تضيء الطريق لمن يتابعونك. ليس بالضرورة أن تكون متعلماً وفقيهاً وخبيراً.

رفعت العشوائية والمشاعية والصدفة والإستسهال صفات التمرّس بثقافة باللعب أو اللعب بالثقافة أو قتل الوقت بالتسلية والنشر والوحدة.صار البشر أو عادوا إلى آدم الأسطورة المرمي في الحفرة وما من يوقظه.

تسارعت عمليّة النشر وتضخّمت عبر وسائل التواصل الإجتماعي حيث لا حواجز أو رقابة لتصبح المصادر مثل المحيطات الكثيرة الغنيّة بالمعلومات من قبل الجميع وفيها مراكز الأبحاث والجامعات والشركات والدول الكبرى التي يمكنها أن تلتقط عبرها روح الشعوب وأمزجتها وميولها وإخضاعها وتثويرها بعدما يتمّ تكرير هذا المكتوب والملفوظ وتنقيته وعصره وتحويله إلى أمر دولي. ويعتقد الناس جميعاً بأن كلّ ما كتبوه مخبّأ لهم في loudC غيمة لحساباتهم في الفضاء لها مفاتيحها وكلمات سرّها ولا أحد يستعملها.العكس هو الصحيح. هذه المواد هي مثل ​النفط​ الخام الذي منه يستخرج البترول لحكم الدول وإخضاعها.

كيف؟

جرّ هذا التدفق الهائل للمعلومات/النفايات إلى جمعها وإعتبارها المواد والبيانات والصور المعاصرة المشابهة لأبار الثقافة المشابهة لأبار النفط الخام. هي المادة المعاصرة الصالحة التي يجب تكريره وفق تقنيات وبرامج وتطبيقات علمية عالية المستوى لفهمها وإدارتها وتصنيفها وترقيمها حسب الدول، ومن مشتقاتها الكثيرة تتمّ صياغتها في معانٍ وأفكار واستراتيجيات وطاولات مستديرة وعقول رياضية تستخرج وتفكر وتدوّن بقصد قرارات التنمية والتخلف في الوقت نفسه، وبهدف تقرير مستقبل أي كتلة بشرية صغيرة أو كبيرة أو وطن أو مجموعة فوق الأرض.

مثلاً : قد يعادي أحدنا أفراداً أو جماعات أو دولة ​أميركا​ بما لا ينتهي من إتصالات وكتابات وتواصل عبر حقول التعبير والتغيير والتهديد في ​شبكات التواصل الإجتماعي​، لكنّ مادة الإتّصال المتجمّعة تصبّ وتتجمع في غيمة، وتأخذ طريقها إلى التنقية بالإضافة إلى تحديد المواقع والتحركات وبطاقات الإئتمان التي ترسم خرائط الأقوال والأفعال وحركة الأموال وأصحابها.

لا يعني محوك المعلومات التي تفرزها بنقرة الdelete أنّها ذهبت نحو سلال المهملات الإلكترونية. لا! قد لا تعني هذه النقرة شيئاً للكثيرين لكنها ذهبت وتجمّعت مادة خام يتمّ استخدامها واستثمارها بضخامتها وغناها بحثاً عن المعاني والقرار. ليست متاحة هذه التقنيات بعد للشعوب الجاهلة المفتونة بالتعبير والتي تشغل مساحات الحرام فيها مصطلح الجسد الذي يحرّم الكتابة في ​الجنس​ والسياسة والدين، أو في الصراع في مسائل الحرية والديمقراطية والعدالة وحرية ​المرأة ​ وغيرها من المصطلحات المضيئة المعاصرة، لكنك تلاحظ تلك العبثية في تدفق المحرّمات التي تستباح الى درجة سير الغرائز أمام العلم والعقل في الكتل المعلوماتية المتدفقة من دول الحرمان والتي يسهل ضبطها وتعريتها عبر المكتوب والمقال والمصوّر.

هنا نبت الربيع العربي!!!!!!

منذ ال1997 تتحول كتابات الدنيا إذن إلى آلات وآليات وبرامج تسمح بتخزين كميات لا يمكن تقديرها من المعلومات تصب في القواعد الرقمية جاهزة للهندسة الإستثمارية. لا يمكن تشبيه أهميتها بإكتشاف البخار في بدايات القرن ال19 أو بالثورة الصناعية في آخره أو بالثورة المعلوماتية مع أفول القرن العشرين. بلغت البشرية المرحلة النهائية من الثورة الصناعية الثالثة التي يمكن إختصارها بكونها مصدر إستراتيجيات السلطة الفائقة لخلخلة المجتمعات والأوطان من بعيد ومن قلبها وهدم أسسها على أيدي أهلها.

ما هي البيغ داتا؟

بصراحة: هي أقوى وأشمل من التعريف والمفهوم عاجز عن حصرها.

لا يمكن لأيّ آلة تقليدية إدارية من إستيعابها وتصنيفها وإدارتها لأنّها تتجاوز 3 تريليون أوكتيت تتدفّق كلّ يوم في العالم. كان جمعها وإختصارها قبلاً مقتصراً على الرسائل وأحوال ​الطقس ​ وتحديد الجغرافية وحركة التجارة في الدنيا عبر الياهو yahoo الضامر ليعطي مكانه للفايسبوك وغوغل اللذين كانا أوّل من أطلقها ثمّ حلّقت مع التويتر العصفور الأزرق للتحكم بالإسواق

والإقتصاد العالمي ورسم السياسات والقرارات وإختصار وجهة الأوطان بكلمات محدودة مختصرة واضحة تدير وتوجه المخاطر والحروب والأزمات مستخرجة من المواد الخام التي يهطل المواطنون بها فوق شاشاتهم رأياً عاماً وقرارات هندسية مغرية وصائبة في التحكم.

كانت المعلومات تعني الكثير لمؤسسة ما ولا تعني شيئاً لأخرى وهذا ما أفضى إلى الأعمدة أو الأبعاد الخمسة للمعلومات الضخمة المهمّة:

أوّلاً: لا يفترض السؤآل عن أهميتها وفائدتها ومعالجتها قبل السؤآل عن حجمها volume وإمكانية جمعها وتخزينها لأن ما يكرّر من معلومات البشرية لا يتجاوز ال20 % من المحادثات والرسائل التي تجذب شهيّات الدول بينما يهمل ال80% الباقية.

ثانياً: يفترض الإهتمام بتنوعها évariét لما تحمله من معلومات تختلف بإختلاف أنماطها ومصادرها.

ثالثاً: يفترض تقدير مستوى السرعة élocitvé والنشاط في معالجتها ومشاطرة أصحاب القرار بها.

رابعاً: لأنها معلومات تكون ربّما ​حافلة​ بالكثير من المخاطر والسلبيات والأكاذيب التضليلية التي تفقدها القيم eursval.

خامساً: ولأنّ الكثير من المعلومات تقتل المعلومات تصبح أحجامها أحياناً حواجز أولى تولّد حواجز أخرى لها علاقة بمستوى الثقة بهذه المعطيات كما تفقدها صدقيتها véracité.

هل تسقط التقارير والدراسات والمعلومات والمقابلات السريّة والأخبار التي يزوّد بها السفراء والقناصل والخبراء ورجال المخابرات القادة تسهيلاً لرسم السياسات والإستراتيجيات وتمريرها على جرعات وتصويبها وقياس مدى نجاحها وإخفاقها عند التطبيق؟ هل أجازف إن كتبت بأنّ وزارات الخارجية والحكومات ستتحوّل إلى هياكل إدارية شكلية لا علاقة كبرى لها بمستقبل شعوبها وأوطانها عند رسم السياسات؟

نتابع وننتظر ونكتب!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

"حزب الله" مُتهم...




سلكت رسالة الإحتجاج التي وجّهها وزير الخارجية ​اليمن​ي ​خالد اليماني​ إلى وزير الخارجية والمُغتربين في حكومة تصريف الأعمال ​جبران باسيل​ بشأن ما وصفه بتدخلات "​حزب الله​" في اليمن(1)، طريقها القانوني الرسمي، حيث سلّم سفير اليمن لدى بيروت عبد الله الدعيس مديرة المراسم في وزارة الخارجيّة اللبنانية رحاب أبو زين، رسالة مكتوبة بهذا الشأن. فما هي التوقّعات بشأن هذه القضيّة؟.

بداية لا بُد من الإشارة إلى أنّ اليمن يعاني من حرب أهليّة قاسية منذ سنوات، وتتهم الحكومة اليمنيّة التي تحظى بإعتراف العدد الأكبر من دول العالم والمدعومة من ​السعودية ​ بشكل خاص، ميليشيات "أنصار الله" بتنفيذ إنقلاب على السلطة الشرعيّة اليمنيّة، كان بدأ في 21 أيلول 2014 ولا يزال مُستمرًّا حتى اليوم، بدعم مُباشر من إيران التي تمد الحوثيّين بالمال والسلاح وبالمدرّبين والخبراء العسكريّين، بحسب الإتهامات اليمنيّة. والحديث اليمني عن تدخّل "حزب الله" اللبناني في الحرب اليمنيّة ليس بجديد، لكنّها المرّة الأولى التي يتمّ فيها توجيه رسالة تطلب من لبنان الرسمي التحرّك لوقف هذا التدخّل الذي يناقض سياسة الحياد والنأي بالنفس عن القضايا الشائكة في المنطقة. وحتى كتابة هذا المقال، لم يصدر أي تعليق رسمي عن وزارة الخارجيّة اللبنانيّة بشأن هذا الموضوع، علمًا أنّ بعض وسائل الإعلام كان نقل عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية بأنّه عندما تصل الرسالة بالطرق الرسميّة يُبنى على الشيء مُقتضاه. وفي المعلومات، أنّ الوزير باسيل لن يعمد إلى إصدار أي ردّ رسمي علني على رسالة الإحتجاج، لأنّه لا يريد إدخال لبنان في أي جدل يُضرّ بعلاقاته الإقليميّة والدَولية، وهو سيعمد إلى مُعالجة الموضوع بالطرق الدبلوماسية المرعيّة الإجراء، بعيدًا عن الإثارة الإعلاميّة.

من جهة أخرى، كان لافتًا تقيّد مُختلف القوى السياسيّة اللبنانية بعدم التعليق على رسالة الإحتجاج اليمنيّة وعلى الإتهامات التي تضمّنتها ضُد "حزب الله"، في إطار سياسة التهدئة الإعلامية المُتبعة منذ بضعة أشهر مع "الحزب"، خاصة وأنّ أغلبيّة الأطراف السياسيّة الأساسيّة مُنشغلة حاليًا بعمليّة "شد الحبال" القائمة بشأن تشكيل الحُكومة وتتجنّب الدُخول في أي سجالات غير تلك الخاصة بالموضوع الحُكومي. وباستثناء بعض المواقف الخجولة من شخصيّات سياسيّة معروفة بموقفها المُناهض للحزب، لم يخرج إلى العلن أي تعليق وازن مُواكب للإتهامات اليمنيّة، ولا أي تعليق من رئيس الحُكومة المُكلف ​سعد الحريري​ الذي كان رفع عاليًا شعار "النأي بالنفس" عن القضايا الإقليميّة والعربيّة الخلافية.

في غضون ذلك، حرصت السُلطة الشرعيّة في اليمن على توثيق رسالة الإحتجاج التي أرسلتها إلى لبنان، في أروقة مجلس الأمن الدَولي، حيث تمّ تسليمها بشكل رسمي لكل أعضاء المجلس، مع إحتفاظ اليمن بحق طلب تدخّل مجلس الأمن لمُعالجة هذا الأمر، علمًا أنّ رسالة الإحتجاج التي أرسلها وزير الخارجيّة اليمني حملت تلويحًا بتدويل المُشكلة، حيث جاء في جزء منها: "إننا في الجمهوريّة اليمنيّة نحتفظ بحقّنا في عرض المسألة على مجلس جامعة الدول العربيّة ومنظّمة التعاون الإسلامي ومجلس الأمن الدَولي"... وفي هذه الحال، قد يتعرّض لبنان لبعض الضُغوط والحملات السياسيّة والإعلاميّة الخارجيّة، لكن من غير المُتوقّع أن يكون هناك أي تحرّك جدّي ضُد لبنان كدولة، أو ضُد "حزب الله"، باستثناء ما هو ممارس حاليًا من ضُغوط إقتصادية ومالية، وما هو مُطبّق من تموضعات سياسيّة.

في الخلاصة، لا شكّ أنّ الصراع في المنطقة لا يزال مفتوحًا على مصراعيه، ولبنان سيبقى معنيًا بارتدادات وبانعكاسات هذا الصراع، نتيجة إمتدادات قواه السياسيّة الإقليميّة، وبفعل إنقسام الرأي اللبناني الرسمي إزاء الخلافات الإقليميّة. ولا شكّ أنّ "حزب الله" هو موضع إتهامات مُتعددة، من جانب القيادة اليمنيّة الرسميّة وغيرها، نتيجة إنفلاش دوره الإقليمي وتعاظم قُدراته السياسية والعسكريّة. والمرحلة المُقبلة ستحمل بالتأكيد ضُغوطًا أميركيّة كبيرة على إيران، وتلقائيًا ضُغوطًا مُتعاظمة على "حزب الله" من جانب واشنطن والدول والقوى الحليفة لها في المنطقة، لكن من دون توقّع أي تأثير عملانيّ كبير لهذه الضُغوط.

(1) جاء في الرسالة: "لقد ظهر دعم حزب الله لميليشيا الحوثي جليًا في الكلمة المُتلفزة التي ألقاها أمين عام حزب الله ​حسن نصر الله​ بتاريخ 29 / 6 / 2018 والتي حرّض خلالها على قتال القوات الحُكوميّة اليمنيّة وعبّر فيها عن طموحه ومُسلّحي حزبه للقتال في اليمن لصالح الميليشيا ومُساندتها ضُدّ السلطة الشرعيّة المُعترف بها دَوليًا(...).

برغم الغياب...ناصر باقٍ في قلوب الملايين


محمود كعوش

برغم مضي 66 عاماً على تفجر ثورة 23 تموز/يوليو 1952 بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فإنها ما تزال الثورة الرائدة والعنوان الأبرز لنضال الشعب المصري. وعلى ما يبدو فإنها ستحافظ على نبضها في وجدان المصريين عقوداً أخرى كثيرة بعدما تأكد لهم من خلال التجارب المتواصلة التي شهدتها مصر على مدار أكثر من ستة عقود أنها الثورة الأم والحدث الأهم الذي غير وجه الحياة في مصر على جميع الأصعدة. فتأثير ثورة 23 تموز/يوليو 1952 تمدد لأبعد من حدود مكانها وزمانها، وتجاوز المحيطين العربي والإقليمي ليصل إلى المحيط الدولي.

وبرغم كل المتغيرات التي شهدها العالم وتلك التي شهدتها الثورة نفسها إلا أن هذه لم تتقوقع ولم تعزل نفسها عن متغيرات العصر بل تواصلت معها وواكبتها وصححت مسارها لما في خير وسلامة المسيرة الوطنية المصرية والقومية العربية والأممية على المستوى الدولي، من منطلق حقيقة أن حركة التاريخ تحافظ على استمرارها ولا تعرف التوقف.

لا شك أن التطرق لثورة 23 تموز/يوليو 1952 في ذكراها الجديدة بكل ما حفلت به من تجربة فكرية وسياسية واقتصادية كان لها الأثر في تشكيل التيار الشعبي الناصري على امتداد خارطة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، يستدعي ضرورة الربط المنطقي والعملي فيما بين الثورة وشخصية قائدها، الذي كان له ولنفر من الضباط الأحرار في الجيش المصري فضل تفجيرها والإطاحة بالملكية الاستبدادية وإعادة السلطة للمصريين أصحابها الحقيقيين، لأول مرة في تاريخ مصر الحديث.

ولا شك في أن مُضي 66 عاماً على قيام الثورة المجيدة ومضي 48 عاماً على غياب قائدها جمال عبد الناصر لم ينالا من وهج وبريق حضورهما، أكان ذلك على الصعيد المصري أو على الصعيد العربي. فعقول وقلوب المصريين وغالبية العرب لم تزل مشدودة إليهما، ولم تزل تنبض بالحب والوفاء لهما. ويؤكد قولنا هذا ذلك الإقبال الجماهيري المتنامي على أدبيات ثورة 23 تموز/يوليو 1952، والفكر الناصري، والدراسات التي تناولت سيرة جمال عبد الناصر كقائد عربي تجاوز بزعامته وفكره المحيطين العربي والإقليمي. ويؤكد ذلك أيضا تصدر شعارات الثورة وصور قائدها معظم المظاهرات والتجمعات الشعبية التي تشهدها مصر والعديد من الأقطار العربية بين الحين والآخر، تعبيرا عن رفض الجماهير لحالة الخنوع الرسمي العربي والاستسلام للإملاءات الأميركية – الصهيونية، وعن رفض السياسات الاستعمارية – الاستيطانية التي تستهدف الوطن العربي، والتي تعبر عن ذاتها بشتى الصور وصنوف العدوان، وعن السعي وراء الإصلاحات التي تتواءم مع متطلبات العصر.

هذه الحقيقة تستدعي إعادة طرح ذات السؤال الذي اعتدت على طرحه كلما تطرقت بحديثي إلى ثورة تموز/يوليو وقائدها:

ترى لِمَّ كل هذا الحب والوفاء للثورة وشخص قائدها، برغم كل ما تعرضا له من مؤامرات ودسائس ومحاولات تشويه متعمدة ومقصودة من قبل القوى الداخلية والعربية المضادة والأجنبية الاستعمارية - الاستيطانية، وبرغم مضي وقت طويل على ولادة الثورة ورحيل قائدها؟

ولماذا تسمرت جميع التجارب العربية الفكرية والسياسية عند أقدام أصحابها وانتهت مع رحيلهم في حين بدل أن تنتهي التجربة الناصرية مع رحيل صاحبها تضاعف زخمها الجماهيري واتسعت رقعة مناصريها لتشمل جميع الأقطار العربية بلا استثناء؟

مع تفجر ثورة 23 تموز/يوليو 1952 أظهر جمال عبد الناصر براعة فائقة في محاكاة عواطف وأحلام الجماهير المصرية والعربية، وذلك من خلال عرضه لخطوط الثورة العريضة والشعارات التي طرحتها، كما أظهر براعة فائقة في محاكاة حاجات هذه الجماهير على الصعيدين الوطني والقومي، وذلك من خلال عرضه للأهداف التي حددتها. فقد كان عبد الناصر الابن البار لتلك الجماهير، وكان المعبر عن آمالها وآلامها، كما وكانت الثورة حلما لطالما راود خياله ودغدغ عواطفه تماماً كما راود خيال تلك الجماهير ودغدغ عواطفها. والشعارات والأهداف التي تراوحت بين القضاء على الاستعمار والإقطاع والاحتكار وسيطرة رأس المال وإرساء العدالة الاجتماعية والحياة الديمقراطية ورفع مستوى المعيشة وزيادة الإنتاج وإقامة جيش وطني قوي يتولى الدفاع عن مصر والأمة العربية، جاءت بمجملها متناغمة مع أحلام وحاجات المواطنين المصريين والعرب، لأنهم كانوا ما يزالون تحت وطأة الهزيمة العربية الكبرى التي تمثلت بنكبة فلسطين 1948، وتحت وطأة الإفرازات والإرهاصات التي نجمت عنها.

مثلها مثل جميع الثورات التي عرفها العالم، كان لثورة تموز/يوليو المصرية سلبياتها وإيجابياتها، إلا أنها وبرغم سلبياتها كان لها الفضل الأكبر في التحولات الوطنية والقومية التي شهدتها مصر والوطن العربي.

وبالرغم من عدم توفر الفرص الرحبة التي كانت ستمكن الثورة من تحقيق جميع الشعارات والأهداف التي رفعتها وحددتها لو تحققت، وبالأخص في مجال ديمقراطية المؤسسات والفرد، لاعتبارات كانت خارج إرادتها وإرادة قائدها، أبرزها قصر عمريهما وتكالب القوى الداخلية والعربية المضادة والأجنبية الاستعمارية - الاستيطانية عليهما، إلا أنه كان لها ولقائدها الفضل الأكبر في التحولات الوطنية والقومية التي شهدتها مصر والوطن العربي على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والروحية، خاصة خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، حيث عرف المد القومي ذروة زخمه وأوج مجده.

ولعل من الإنصاف أن نسجل لثورة تموز/يوليو وقائدها نجاحهما في إعلان الجمهورية وإعادة السلطة لأصحابها الحقيقيين وتحقيق الجلاء وإرساء دعائم الاستقلال وتطبيق الإصلاح الزراعي وتقوية الجيش وتسليحه وإقامة الصناعة الحربية وتأميم قناة السويس وتحقيق الوحدة بين مصر وسوريا وبناء السد العالي وإدخال مصر معركة التصنيع وتوفير التعليم المجاني وضمان حقوق العمال والضمانات الصحية والنهضة العمرانية. ولاشك أن هذه منجزات كبيرة جدا، إذا ما قيست بالمسافة الزمنية العمرية القصيرة للثورة وقائدها وحجم المؤامرات التي تعرضا لها. فالتجربة الثورية الناصرية لم تكن بعد قد بلغت الثامنة عشر من عمرها يوم اختطف الموت قائدها وهو يؤدي دوره القومي في الدفاع عن الشعب الفلسطيني وقضيته وثورته. إلا أنها وبرغم ذلك، استطاعت أن تفرض ذاتها على الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج من خلال طرحها مشروعا نهضويا قوميا عربيا حقيقيا، لطالما حلمت به هذه الجماهير وأحست بحاجتها الماسة إليه، ومن خلال حمل قائدها أعباء قضايا الأمة والتعبير عن آمالها وشجونها حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

لقد مثلت ثورة 23 تموز/يوليو 1952 نتاج مرحلة تاريخية بالغة التعقيد عرفت جملة من المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضتها نتائج الحرب العالمية الثانية، مثل بروز الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي (الذي كانت تشكل روسيا الحالية الجزء الأهم في تكوينه والأكثر تأثيراً فيه) كقوتين عظميين، ومثل حدوث نكبة فلسطين وولادة الكيان الصهيوني العنصري في قلب الوطن العربي. لذا كان بديهيا أن تتشكل مع الثورة الحالة النهضوية القومية الوحدوية البديلة للواقع العربي القطري المفكك والمشرذم. وكان بديهيا أن تتشكل معها الحالة الثورية الوطنية التقدمية البديلة لحالة التخلف والإقطاع والاستبداد والرأسمالية الغربية والشيوعية الشرقية، من خلال بروز عبد الناصر كواحد من الأقطاب العالميين للمثلث الذي أسهم في ولادة معسكر الحياد الإيجابي الذي تمثل بمجموعة دول عدم الانحياز.

فعلى مدار 48 عاما أعقبت رحيل عبد الناصر، منيت جميع التجارب الفكرية والسياسية العربية بالفشل الذريع، لأنها لم تستطع تشكيل البديل الذي يحظى بثقة الجماهير العربية وتأييدها، بل على العكس من ذلك قادت الأمة إلى العديد من الخيبات المؤلمة. وقد أخذ على تلك التجارب منفردة ومجتمعة أنها بدل أن تتناول التجربة الناصرية بوضعيتها الثورية وشخصية قائدها الفذة بالتقييم المنطقي المجرد والنقد الموضوعي والبناء على ضوء نجاحاتها وإخفاقاتها والظروف الداخلية والإقليمية والدولية لغرض تصحيحها والبناء عليها، اختارت مواجهة الجماهير بمفاهيم جديدة اتسمت بروحية انقلابية تصادمية وتغيرية، الأمر الذي أدى إلى لفظ الجماهير لتلك المفاهيم والعمل على إسقاطها وبقائها على وفائها للثورة وتجربتها وقائدها.

اليوم ونحن ننظر بحزن وألم إلى ما آلت إليه الأوضاع العربية بسبب الخريف العربي الذي لم تزل رياحه المدمرة تعصف بالعديد من البلدان العربية وبسبب ما يُقال عن "صفقة" يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لفرضها على الفلسطينيين خدمة للمشروع الصهيوني التوسعي في الوطن العربي، أجدد طرح ذات السؤال الذي لطالما طرحته من قبل:

ترى ألم تحن لحظة الحقيقة التي يفترض معها أن يعترف المصريون والعرب بحالة التميز التي شكلتها ثورة 23 تموز/يوليو 1952، بتجربتها وشخص قائدها، والتي يمكن أن يخطوا معها خطوات إلى الأمام تحفزهم على تقييمها ونقدها بشكل بناء وموضوعي لأخذ العبر من نجاحاتها وتصحيح إخفاقاتها ووضعها موضع التطبيق العملي والبناء عليها، والعمل الجدي لوقف تدمير الوطن العربي بدعاوي الديمقراطية المزيفة و"الربيع العربي" الكاذب و"صفعة العصر" التآمرية وإخراجه من حالة الوهن والضعف والاستكانة والتفكك، وتحقيق الربيع العربي الحقيقي الذي لطالما نشدناه وانتظرناه؟ أظنها حانت، أو قرب أوانها!!

إسرائيل تُخرج « العرب» من التاريخ.. إعلان «الدولة القومية» يلغى فلسطين وشعبها

 
طلال سلمان

خرج العرب من التاريخ، وهم على وشك الخروج من الجغرافيا أيضا..
لقد غدوا شعوبا شتى، مقتتلة فيما بينها، مستسلمة للعدو سواء أكان الإسرائيلى المحمى بالأساطيل الأمريكية والتنازلات العربية، أم الملوك والسلاطين والأمراء والرؤساء الذين تنازلوا عن هويتهم القومية وثرواتهم الوطنية مقابل الحماية الأمريكية..
فكيف تبقى فلسطين «عربية» ويصمد شعبها فى مواجهة العدو الإسرائيلى والتنازلات العربية التى بلغت فى حالات عديدة مستوى الخيانة والتفريط فى الأرض الوطنية والهوية القومية والواجب الدينى، حماية الأرض المقدسة؟
من كامب ديفيد إلى البحر الميت فى الأردن إلى الاتفاق المبتور فى أوسلو، كانت القضية المقدسة تخرج من المزايدة إلى المناقصة وقد خسرت بعض قداستها..
بالمقابل كانت دولة الكيان الصهيونى تكتسب المزيد من الشرعية والتسليم بأنها أقوى من العرب مجتمعين، وبالتالى فمن «حقها» أن تطلب المزيد من التنازلات إضافة إلى الاعتراف بوجودها فى هذا المحيط الذى كان اسمه الوطن العربى وتم تبديل هويته ذات ليل فغدا اسمه «الشرق الأوسط».. ثم أضاف الأمريكيون إلى التسمية «الشرق الأوسط الجديد» بعاصمته إسرائيل، والواقع تحت الهيمنة الأمريكية مع التسليم بحصة محددة ومحدودة لروسيا بوتين بعنوان سوريا.
فى البدء كان خروج مصر من الصراع بمعاهدة كامب ديفيد تطورا خطيرا فتح الصفحات لتاريخ جديد لهذه المنطقة تحتل فيه دولة الكيان الصهيونى التى رفض العرب ــ برغم الهزائم ــ الاعتراف بشرعيتها والتسليم بوجودها إلا كدولة «عدو» فى هذه الأرض العربية، تشكل تحديا مفتوحا لحقهم فى أرضهم وبالتالى لهويتهم الجامعة، خصوصا وقد نجحت فى قطع التواصل البرى بين المشرق العربى وعرب مصر وسائر دولهم الإفريقية..

وعندما لحق الأردن بمصر فعقد معاهدة الصلح والاعتراف بالعدو الإسرائيلى انقسم العرب معسكرين: دول الخليج العربى بعنوان السعودية أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، ثم تجرأت إمارة قطر فاندفعت نحو الاعتراف بالكيان الصهيونى مع ضمانة قاعدة العيديد الأمريكية فيها و«عدم اعتراض» الإخوان المسلمين (جديا) على هذه الخطوة التى تحاذى «الخيانة» بالمفهوم القديم.
كان عراق صدام حسين مشغولا بحروبه المكلفة: سبع سنوات عجاف ضد الثورة الإسلامية بقيادة الخمينى فى إيران. ثم «غزوة الكويت» التى كلفت إنشاء «تحالف عربى» تحت لواء الولايات المتحدة الأمريكية لإخراجه من هذه الدولة الصغيرة الغنية بالنفط، والتى تعانى من رفض العراقيين فى البداية (أواخر الخمسينيات أوائل الستينيات) الاعتراف بها «دولة» والإصرار على أنها «بعض المحافظة 19 فى العراق، أى محافظة البصرة»..
وبالتأكيد، وبالحكم على النتائج بمعزل عن المتسببين والمنتفعين فإن هذه المغامرة العبثية وطدت الوجود الأمريكى العسكرى، الآن، فضلا عن النفوذ السياسى الذى كان يتزايد باستمرار مع تراجع الاتحاد السوفيتى حتى زواله تماما، وعودة روسيا القيصرية بزعامة قيصرها الجديد بوتين، الذى أعاد أمجاد ستالين وخروتشوف معا، وانتزع الإقرار الأمريكى به «شريكا».
وكان الشرق الأوسط الجديد ــ كما تسمى بلادنا العربية الآن ــ محور صفقة الشراكة التى تضمنت طرفا ثالثا فى موقع الشريك كامل العضوية: إسرائيل..
ولقد أثبتت التجربة، على امتداد السنوات الماضية، أن روسيا قد اعتبرت إسرائيل شريكا ثالثا فى المنطقة، إضافة إلى سوريا وبعض مناطق النفوذ... أخذا بالاعتبار أن الجالية الروسية التى نزحت إلى الكيان الصهيونى تناهز المليون نسمة ليسوا كلهم من اليهود وإن كانوا من «المهاجرين»، بحيث يمكن اعتبارهم أكبر جالية جاءت من «الشرق الشيوعى» السابق إلى الكيان الصهيونى.
ومع تراجع حدة «الحرب الباردة» حتى انعدامها تقريبا، نشأ نوع من «الشراكة» الأمريكية ــ الروسية كان بين عناوينها، فضلا عن دولة العدو الإسرائيلى.. سوريا، مع سماح أمريكى لروسيا ومعها الصين بالتعاون مع دول الجزيرة والخليج مع «دول المعسكر المعادى ــ سابقا» بعنوان النفط والغاز، حيث يحتاج ملوك النفط والغاز إلى روسيا المنتجة كميات هائلة من هاتين المادتين الثمينتين..

هكذا صار «الحليف الدولى الأكبر» للعرب بعنوان مصر وسوريا والعراق، ذات يوم من الستينيات وأوائل السبعينيات والذى هجره العرب دولة بعد أخرى، صديقا كبيرا لإسرائيل وشريكا أساسيا للأمريكيين فى حمايتها وتأمينها، بعد خيبة أمل روسيا من العرب وتخليهم عنها عند أول منعطف..
مع الاحتلال الأمريكى للعراق ــ بالكامل ــ وإسقاط صدام حسين وتسليمه للشيعة فى العراق ــ تحديدا ــ لكى تكون فتنة بين السنة والشيعة تشغل العراقيين عن مقاومة الاحتلال، «تخلصت» إسرائيل من القوة العربية الثانية بعد مصر..
ثم بعد انفجار أو تفجير الحرب فى سوريا وعليها فى العام 2011، انشغلت سوريا بجراحها، فزاد اعتمادها على روسيا التى عززت وجودها العسكرى فيها، واتخذت من مطار حميميم على الساحل السورى قاعدة لها، بينما جاءت بشرطتها العسكرية لتشرف على «المصالحات» بين النظام والمعارضات المتعددة.. لكن ذلك لم يمنع سلاح الجو الإسرائيلى من الإغارة على ما كان يصفه بـ«القواعد الإيرانية فى سوريا»..

على الرغم من كل هذه التطورات فقد تمكنت المقاومة الإسلامية فى لبنان من إجلاء قوات الاحتلال الإسرائيلى من الأراضى اللبنانية التى احتل بعضها فى شهر مارس من العام 1978 ثم اجتاح معظم لبنان، بما فيه القصر الجمهورى فى بعبدا، والعاصمة بيروت فى يونيه 1982 لإخراج المقاومة الفلسطينية منه.. وقد «تطوعت» الولايات المتحدة الأمريكية يومها بدور «الوسيط» لتسهيل خروج هذه المقاومة وقيادتها بزعامة الراحل ياسر عرفات عبر مرفأ بيروت إلى تونس حيث استقرت حتى اتفاق أوسلو، الذى سمح بعودة الزعيم الفلسطينى إلى أرضه المحتلة مع ما كان تبقى من «عسكره» الذى تحول إلى «شرطة» تمارس دورها القمعى تحت إشراف الاحتلال الإسرائيلى وبإدارته.
ولفترة معينة تبدى أن المقاومة الإسلامية فى لبنان «حزب الله» المدعومة من إيران، هى القلعة العربية الأخيرة التى تقاوم تمدد الاحتلال الإسرائيلى و«التسليم» العربى بالصلح مع هذا العدو القومى والدينى..
وهكذا شنت قوات العدو الإسرائيلى «حرب تموز» التى امتدت من 12 يوليو حتى 11 أغسطس عام 2006.. وكانت حرب تدمير لمعالم العمران فى معظم أنحاء لبنان، خاصة جنوبه والضاحية الجنوبية لبيروت، وبعض الجبل والشمال، مع تركيز على خطوط إمداد المقاومة التى تأتيها من إيران عبر سوريا.
وعلى الرغم من فشل هذه الحرب الإسرائيلية فى تحقيق أهدافها، وأخطرها تدمير المقاومة التى يمكن أن تكون النموذج، فقد تذرعت الدول العربية بأعذار كثيرة حتى لا تشارك فى صد «العدوان»، واكتفت بإيفاد وزراء الخارجية إلى بيروت عبر القاهرة وعمان حصرا، وفق الشروط الإسرائيلية.. وبعد جولة قصيرة عاد الوزراء كما جاء واكتفوا بإصدار بيان يكاد يساوى بين القاتل والضحية، ومن القاهرة لا من بيروت حيث الحرب، وحيث تم الاجتماع الخطير..

هذه بإيجاز، بعض المحطات لخروج العرب من التاريخ..
هناك اليوم أربع دول عربية، على الأقل، تعترف بدولة العدو الإسرائيلى التى أعلنها وأرادها ابتداء من الأمس، رسميا، «دولة يهود العالم» و«الدولة القومية ليهود العالم» متجاهلا وجود أكثر من مليون ونصف المليون فلسطينى فى الأرض التى يريدها مطهرة من غير اليهود..
هذا مع التذكير بالملايين الأربعة (تقريبا) من الفلسطينيين فى الضفة الغربية، (من دون أن ننسى ملايين الفلسطينيين الذين شردهم الاحتلال الإسرائيلى فى أربع جهات الأرض)..
إن إعلان العدو الإسرائيلى، دولته دولة يهود العالم، وعدم الاعتراف بأهلها ــ أصحابها الأصليين والثابتين فيها من العرب، هو بمثابة إعلان حرب على العرب مجتمعين..

ولكن أين العرب؟
لقد خرج العرب من عروبتهم إلى هويات مزيفة أو مستعارة من النفط أو الغاز أو الطائفية أو المذهبية، فى حين جاء يهود العالم إلى فلسطين ليحتلوها ويحولوها إلى دولتهم القومية، بينما يتوزع العرب بين مصالح بالتخاذل أو مصِالح بالرشوة ومتطوع بالصلح مجانا..

«وطنى لو شُغِلْتُ بالخلد عنه … نازعتنى إليه فى الخلد نفسى»

الخارطة الاقتصادية والسياسية للأردن


 

ترى إسرائيل أنّ مستقبل الأردن وما يجري له وفيه، مُرتبط بالبرنامج الإسرائيلي انطلاقاً من المفهوم الإسرائيلي بأنّ الأردن هو جزء من الأمن القومي الإسرائيلي، ويبدو أنّ هناك بعض الإملاءات التي تفرضها بعض القوى الإقليمية والدولية لتمرير صفقات وقرارات تصُبّ في مصلحتهم وتضغط على السياسات الأردنية الداخلية والخارجية خصوصاً تلك التي تمس الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لمنظومة العلاقات الإقليمية ومدى ارتباطها بالمصالح الأمريكية الإسرائيلية.

واستطراداً فإنّ معظم الأعراض السلبية التي تُرافق مسيرة التعامل الرسمي الحكومي مع مطالب الإصلاح الشعبية في الأردن هي محصلة لتلك العلاقة غير المتكافئة والغامضة في العديد من جوانبها وأهدافها.

فقد أخذت مطالب الإصلاح بالأردن وخلال السنوات القليلة الماضية تتوالى وتتصاعد وإنْ كان على استحياء، وحافظ الشعب على شعرة معاوية ولم يتجاوز سقف المطالبة بالإصلاح الى التغيير إلا نادراً جداً .

سعت الحكومات الأردنية السابقة والمتعاقبة إلى استباق مطالب الإصلاح الحقيقي بسياسات وقرارات تهدف إلى تنفيس الاحتقان دون المساس بمراكز القوى وبؤر الفساد السياسي والمالي التي سيطرت على مقدرات الوطن منذ عقود. وهذا التناغم بين كل تلك القُوى المختلفة في الدولة تلتقي مع مصالح وأهداف قوى إقليمية ودولية في تصنيفها وتحديدها لدور الأردن الإقليمي والعربي والإسلامي، كما أنه يؤثر على السياسات الداخلية والأمنية للدولة الأردنية الحديثة، كون أن مراكز القُوى الفاسدة هذه على استعداد لإعطاء تلك الدول الضاغطة المعنية كل ما تريد من تنازلات من الأردن لأجل مصالحها الشخصية.

لقد خلقت الحكومات السابقة في الأردن واقعاً سياسياً استعملته بعض مراكز القوى وأصحاب الفساد المالي والسياسي للعمل على حماية مصالحها ومكاسبها وقهر مطالب الإصلاح الشعبية ومطالب تغيير نهج الحكومات المتعاقبة والذي لم يجلب سوى البلاء والخراب والشعور بالظلم وازدياد الفساد للشعب الأردني ! جاءت بطرق ممنهجة مقصودة لإنهاك دائماً عملية المطالبة بالإصلاح من خلال جولات كر و فر، أسهمت فيها الحكومات السابقة عن وعي وإدراك، وتلك القوى الفاسدة والرأسمالية المخملية وحتى المتنفذين من بعض الوزراء والنواب وغيرهم، كما أسهمت فيها بعض الأوساط الشعبية دون وعي أو إدراك، والمحصلة بالطبع ليست في مصلحة الشارع الأردني، فما يُعطى باليمين يُؤخذ بالشمال، وما يتم التنازل عنه شكلاً يتم تطويقه موضوعاً.

يتوجب تطوير مطالب الإصلاح الشعبي الاقتصادي والمالي ومحاربة الفساد بكل أوجهه، بحيث يتم ربطها مع الدور الإقليمي للأردن، وما هو مطلوب منه باعتبار كل هذا وذاك قضية واحدة لا يمكن تجزئتها.

فالمطالبة بالإصلاح الديمقراطي الحقيقي والشفافية ومحاربة الفساد يجب أن ترتبط ارتباطاً عضوياً بالمطالبة بفك الارتباط السياسي المتسلط من بعض القوى الخارجية الإقليمية والدولية، والإقرار بأنّ مصلحة الوطن الأردني وشعبه وانتمائه لعروبته يجب أن تأتي في المقدمة.

إنّ أي محاولة لتشتيت جهود القوى الشعبية الإصلاحية وإشغالها بقضايا جانبية مفتعلة كجزء من مخططات مراكز القوى الفاسدة بالدولة ككل، يجب أن تُجابه من قبل الفعاليات الوطنية والإصلاحية الشعبية والرسمية وخاصة حكومة الدكتور عمر الرزاز (التي رفعت شعار مكافحة الفساد من اليوم الأول لتوليها إدارة شؤون الدولة الأردنية) كافة بحزم ووعي وطني يتجاوز الحساسيات المصطنعة، سواء كانت إجتماعية أو جهوية أو دينية.

محاربة الفساد هو مطلب غير سياسي، ولكنه مطلب إجماع وطني، فالمبدأ بسيط.. فكما أننا لا نستطيع أن نحارب الظلم بالظالمين، فإننا بالمقدار ذاته لا نستطيع أن نحارب الفساد بالفاسدين.

أردوغان يفقد أوراقه في الشمال السوري




بدأت تركيا تطلق التحذيرات من أي عمل عسكري في الشمال السوري وخاصة في ادلب وعدم تكرار ما حصل في الغوطة ودرعا حيث استعاد الجيش العربي السوري سيادته على كامل المنطقتين الاستراتيجيتين مستعدا لعملية عسكرية باتجاه ادلب لدحر المعتدي التركي ومن يشغلهم من ارهابيين.

تحذير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جاء عشية قمة هلسنكي باتصال هاتفي مع نظيره الروسي, مؤكدا أن دخول الجيش السوري لإدلب سيكون بمثابة انهاء لتفاهمات استانة التي خرقها أردوغان مسبقا حين بدأ حملته العسكرية داخل الأراضي السورية منذ اشهر باعتداء واضح وصريح، الأمر الذي يؤكد نوايا أردوغان العدوانية وليؤمن لنفسه ورقة ضغط للمقايضة بشأن “وحدات الحماية الكردية” المدعومة أمريكيا “قسد” للتدخل بالشؤون السورية.

لكن حنكة روسيا ودبلوماسية ايران استطاعت لجم أردوغان ولو جزئيا وفرض شروط بدأت تكبل ايادي الاتراك وظهر ذلك في اخر محطة لاجتماع استانة بوضع نقاط مراقبة من الدول الثلاث الضامنة “روسيا وايران وتركيا” مؤلفة من 1500 عنصر مشترك لضبط الامن في مناطق خفض التصعيد فترة 6 اشهر, و بعد نهاية هذه الفترة يجب استعادة الدولة السورية لسيطرتها على هذه المناطق و محاربة الارهاب.

هذا عدا عن تفاهم السلطان الحالم مع الأمريكيين “سرا” بالسيطرة على شرق الفرات للحلول مكان القوات الامريكية في حال انسحابها ليجد بعض “الاكراد” انفسهم خائبين وليفتحوا عيونهم أن أمريكا لا تعتبرهم حلفاء بل دمية صغيرة، وقد بدأت وحدات “الحماية الكردية” تتلمس رأسها وعاودت الاتصال بالحكومة السورية مؤخرا لمناقشة وضعها؟؟ وهذا ما تناولته وسائل اعلامية الأسبوع الفائت بذهاب وفد من المعارضة السورية الداخلية للتفاوض مع “قوات سورية الديمقراطية” و “وحدات الحماية الكردية” لرفع العلم السوري فوق حقول النفط الموجودة في منطقة شرق الفرات وتأمينها.

وتقول مصادر أخرى أن الأمريكيين هم من طلبوا من “الاكراد” التواصل مع السلطات السورية.

ولعل ما يحدث حاليا في كفريا والفوعة وتنفيذ اتفاق بإخراج اهالي المنطقتين المحاصرتين مقابل اطلاق سراح موقوفين “مسلحين” يمهد ويحضر مسرح العمليات العسكرية القادمة باتجاه ادلب.

وعليه يمكن القول أن قرار السلطات السورية باستعادة كافة الاراضي وتنظيفها من الإرهاب ينهي أوراق أردوغان الوهمية في الشمال السوري.

ويجب التذكير دائما أنه عند الخوض بالوضع التركي واذا استثنينا الحكم العثماني للوطن العربي لأكثر من 400 سنة، من المستحيل أن ننسى “لواء الاسكندرون و كيليكية واضنة” الأراضي العربية السورية التي سلخت بتآمر لجان اممية وقوى دولية على الأرض السورية عام 1938 بالرغم من أن معاهدة سيفر عام 1920 اقرت بعروبة تلك المناطق واعتراف السلطات العثمانية بذلك.

..وخيبة اللبنانيين المغتربين!


صلاح سلام

اللبنانيون في كندا يختصرون النسيج اللبناني بكل ألوانه الطائفية والسياسية، الحزبية والمناطقية، ويُجسّدون نماذج ناجحة في دنيا الأعمال، كما في المدارس والجامعات، والعديد من المؤسسات الاجتماعية الأخرى.

ويبدو أن اللبناني يبقى ابن البيئة التي يعيش فيها، يتأثر بأجوائها العامة، ويتفاعل مع الأنظمة والقوانين مرعية الإجراء في البلد الذي يعيش فيه. وهذا هو حال اللبنانيين المقيمين في مونتريال، حيث يتفوّق اللبناني على غيره من أبناء الجاليات الأجنبية، بنوعية أدائه الوظيفي، وبالتزامه بالنظام العام، وبنظافة سجله المدني من الجرائم والمخالفات.

في مونتريال، يضع اللبنانيون تنوعاتهم الحزبية والطائفية جانباً، ويتعاطون مع بعضهم بمستوى اجتماعي راقٍ، بعيداً عن حالات التشنج والانفعال السائدة في لبنان، حيث يعيش معظم السياسيين، كما قال لي أحدهم في مونتريال، على خطاب التعبئة الطائفية أو المذهبية، والتحريض الرخيص ضد الآخر، وكل ذلك تحت شعار «شدّ العصب»!

يتلاقى اللبنانيون في المناسبات الاجتماعية والوطنية، ويتناقشون أحوالهم في الاغتراب، ويتطرّقون إلى أوضاع البلد الأم، ويتبادلون وجهات النظر المختلفة بينهم، في إطار حضاري من الحوار الهادئ، الذي يقوم على الاعتراف بالآخر، وحق الاختلاف مع الآخر، استناداً إلى واقع التنوّع والتعدّد الموجود في لبنان.

ولعل النظام الفيدرالي المعتمد في الدولة الكندية، وتطبيقاته المختلفة، قد يكون ساهم في ترسيخ ثقافة الحوار الرصين والهادف بين المجموعات المختلفة، سياسياً وطائفياً وحزبياً، حيث يستوعب النظام الكندي عدّة مجموعات من عناصر إتنية وطائفية وجغرافية مختلفة، جاؤوا من القارات الخمس إلى «جنة الاغتراب» على الأرض، ليعيشوا بأمن وأمان هرباً إما من اضطهاد سلطة جائرة، أو سعياً وراء لقمة عيش بكرامة لا تحتاج إلى تبعية أو استزلام لهذا الزعيم، أو ذاك المتنفذ، أو بحثاً عن مدرسة أو جامعة لتعليم الأولاد، حيث الدولة تتحمّل معظم نفقات التعليم المدرسي والجامعي. يُضاف إلى كل ذلك طبعاً هاجس الأكثرية الساحقة من اللبنانيين الحصول على جنسيات «نظيفة» وباسبورات «محترمة» لأولادهم، تسهّل لهم الانطلاق على دروب المستقبل.

ولكن اللبناني، أينما ذهب، يبقى أسير ذلك الشعور بالخيبة والإحباط ، ويصل عند البعض إلى حالة من اليأس من إمكانية إصلاح الأوضاع في البلد الأم، «نتيجة هذا العقم الذي يهيمن على الطبقة السياسية الحالية، وما بلغته من مستويات متدنية في التعاطي مع الشأن الوطني، وتغليب لغة المغانم والمكاسب على كل ما عداها، عند أهل القرار». يقول رجل أعمال لبناني مقيم منذ أكثر من عشر سنوات في كندا، وقرر عدم النزول سنوياً إلى لبنان، كما كان يفعل سابقاً، لأنه فقد الأمل بإصلاح الوضع السياسي والاجتماعي في البلد، خاصة بعد الانتخابات الأخيرة، وعدم نجاح العهد الحالي في الإقلاع حتى الآن.

الإقبال على الانتخابات في قنصلية مونتريال كان لافتاً بكثافته وتنوعه، والجميع، على اختلاف الانتماءات السياسية والحزبية، كان يحلم بالتغيير والإصلاح، ولكن النتائج كانت مخيبة للآمال، باستثناء بعض الحزبيين المتحمسين لمكاسبهم الانتخابية، ولكن الخطوة كانت موضع تقدير واهتمام الجالية اللبنانية، التي تجاوبت مع ترتيبات القنصل اللبناني في مونتريال انطوان عيد، الذي أدار العملية الانتخابية بديناميكية منتظمة، أتاحت للمقترعين التعبير عن خياراتهم بهدوء، وفي أجواء «حضارية كندية»!

ليس ثمّة حماس بين أجيال الشباب للعودة إلى لبنان: «بلدنا عاجز عن تأمين فرص العمل للشباب المقيمين، فهل نذهب إلى لبنان لزيادة أرقام البطالة، والتسكع عند أبواب الزعماء والمسؤولين؟» يقول شاب يُنهي دراسته الجامعية ربيع العام المقبل. وعبثاً تحاول تحريك الانتماء الوطني، فتأتيك الردود من نوع: بلدنا يعيش في توتر وعدم استقرار منذ اليوم الأول لقيام دولة لبنان الكبير، ولم ينجح أهل السياسة في الخروج من عقلية المزرعة، والعمل على بناء الدولة القادرة، ونحن هنا عرفنا معنى وجود دولة يعمل السياسيون فيها على خدمة مجتمعهم، وتلبية حاجات الشباب في التعليم والعمل، فضلاً عن التقديمات الاجتماعية والصحية والتربوية، شبه المجانية، التي تُقدّم للمواطنين!

يبقى أن نقول بأن كلام الشباب برسم المسؤولين في لبنان، علهم يشعرون بوجع مواطنيهم المغتربين، والذي لا يقل ألماً عن أوجاع اللبنانيين المقيمين!

العراق وحكومات الطواريء والانقاذ .. خيارات الذهاب نحو المجهول !


عادل الجبوري

مرة أخرى، تطفو على سطح الوقائع والأحداث في مشهد العراق الساخن، دعوات الى تشكيل حكومة انقاذ وطني، أو حكومة طواريء، كخيار لحل ومعالجة الأزمة باتجاهاتها وتشعباتها المتعددة.

نائب رئيس الجمهورية، وزعيم ائتلاف الوطنية، اياد علاوي، أكثر من طرح ودعا الى تشكيل حكومة انقاذ وطني خلال الخمسة عشر عاما الماضية، وكان ومازال يطرحها، حينما يحتدم الجدل والسجال السياسي خلال موسم الانتخابات، او حينما يتأزم الوضع الامني، وتزداد الضغوط السياسية على الحكومة والمفاصل العليا للدولة.

ويبدو أن الدعوات الأخيرة لتشكيل حكومة انقاذ وطني، للخروج من المأزق السياسي، ولدت ميتة، كما هو الحال مع سابقاتها، لان رفضها القاطع والصريح جاء سريعا وحاسما، من قبل قوى وشخصيات وعناوين مختلفة، لها من التأثير والحضور في المشهد السياسي، الشيء الكثير.

وبحسب مصادر مطلعة على حراك وتفاعلات الكواليس، أكدت قيادات سياسية، كرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وزعيم تحالف الفتح هادي العامري، رفضها مبادرة علاوي ودعوته لتشكيل حكومة إنقاذ وطني.

علاوي يتحرّك لتشكيل حكومة إنقاذ وطني بقيادة شخصية وطنية عراقية

وتشير المصادر الى “ان علاوي يتحرّك لتشكيل حكومة إنقاذ وطني بقيادة شخصية وطنية عراقية لكنه يصطدم برفض المالكي والعامري، وأنه – أي علاوي – اضطر بعد رفض المالكي والعامري، لتقديم مقترح إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لتشكيل حكومة (الاقطاب) لكنه اصطدم ايضا برفض الصدر لهذه الفكرة”.

في ذات الوقت، تتحدث مصادر صحفية محلية – عراقية – وخليجية بأن علاوي أوصل مسودة مشروعه إلى القوى السياسية العراقية والى عدد من سفارات الدول الأجنبية في بغداد، ومن بينها السفارة الأمريكية، مبينة أن الأميركان بعثوا بإشارات ايجابية حول المقترح.

وفي هذا السياق، يذهب بعض المطلعين على جانب مما يدور في الكواليس، الى أن زيارة الوفد الاقتصادي – التجاري السعودي الى اقليم كردستان الاسبوع الماضي، تمحورت في جانب منها – وهو خفي غير معلن – على أهمية تفعيل الدور الكردي في العملية السياسية، لاسيما ما يتعلق منها بتشكيل الحكومة الجديدة، وبحث ودراسة الخيارات التي من شأنها اضعاف وتحجيم الحضور الايراني في العراق، والعمل على تفكيك وحل الحشد الشعبي، وعدم ترك الامور بيد القوى السياسية التي تنظوي بشكل او باخر ضمن عنوان “محور المقاومة”.

وهنا يلتقي الاميركان والسعوديين واطراف اقليمية ودولية اخرى، ومعهم قوى وشخصيات سياسية عراقية، ولاشك ان علاوي احدهم-ان لم يكن ابرزهم-عند هدف واحد، وكذلك فأن في المشهد السياسي الكردي هناك من يتفاعل ويساهم بقوة في العمل على تنفيذ السيناريو الاميركي-السعودي.

وطبيعي ان تبرز مخاوف حقيقية من الترويج لفكرة تشكيل حكومة انقاذ وطني او حكومة طواريء، لان ذلك يعني القفز على الدستور، وتجاوز كل السياقات والاليات الصحيحة التي تبلورت خلال الخمسة عشر عاما المنصرمة، والعودة الى المرحلة التي كان فيها الحاكم المدني الاميركي بول بريمر هو من يتحكم بكل شيء ويقرر كل شيء.

وفي هذا الاطار، يصف عضو تحالف سائرون، رائد فهمي، مساعي علاوي بتشكيل حكومة الإنقاذ الوطني بـ”الخاطئة وستفتح الباب إمام التفرد بالقرار والديكتاتورية”، ويؤكد “وجود مخاوف حقيقية من تشكيل حكومة الإنقاذ الوطني وإيقاف العمل بالدستور ، فضلا عن مصادرة الحريات والتفرد بالقرار، وربما تعود البلاد الى الديكتاتورية”.

يستبعد فهمي امكانية تشكيل حكومة الإنقاذ في الوقت الحالي

في ذات الوقت يستبعد فهمي امكانية تشكيل حكومة الإنقاذ في الوقت الحالي، لان حل الأزمات-بحسب ما يرى-سيتم من خلال تشكيل الحكومة المقبلة بعد إعلان نتائج الانتخابات النيابية، والمصادقة عليها من قبل المحكمة الاتحادية خلال الفترة المقبلة”.

فضلا عن ذلك، فإن سياسيين عراقيين اخرين يرون ان تشكيل حكومة طواريء او انقاذ وطني، يعد بمثابة انقلاب على الدستور، وتهديدا للعملية السياسية التي بنيت على اسس وركائز ديمقراطية بعد سقوط نظام صدام في ربيع عام 2003، لانه سوف يؤدي الى حصر الصلاحيات التنفيذية والتشريعية بجهة معينة، ويفتح الباب واسعا لمزيد من الفوضى السياسية والامنية في البلاد.

والامر المهم والايجابي هنا، هو ان المرجعية الدينية في النجف الاشرف، تكاد تكون قد قطعت الطريق نهائيا على مثل تلك الاجندات، من خلال ما طرحته في خطبة صلاة الجمعة الاخيرة من الصحن الحسيني الشريف، على لسان معتمدها الشيخ عبد المهدي الكربلائي، اذ انها تحدثت بلغة واضحة وصريحة الى حد كبير، وحددت مسارات الاصلاح التي ينبغي اتباعها من اجل حل ومعالجة الكم الهائل والكبير من المشاكل والازمات التي يعانيها ابناء الشعب العراقي منذ عقد ونصف من الزمن، وكل ما اكدت عليه واوصت به المرجعية، لم يخرج عن سياق الدستور ولم يتجاوزه، بل على العكس من ذلك تماما، يلمس المتابع بوضوح، ان المرجعية، ترى ان العمل والالتزام الحقيقي بالدستور والقوانين النافذة، يمثل مخرجا مناسبا من المأزق، وعلاجا ناجعا للازمة، وهذا ما تنادي به كل القوى والشخصيات والفئات المخلصة والحريصة، التي لاترى في مشاريع حكومات الطواريء والانقاذ، الا ذهابا الى المجهول، وتكريسا للتفكك والانقسام والفوضى، وتمهيدا للخضوع والتبعية الكاملة لقوى الخارج.

غسان كنفاني الحاضر أبدا !


 رشاد أبوشاور

– 1-

أقصد بالحاضر أبدا: الحاضر في حياة الشعب العربي الفلسطيني، في ثقافته المقاومة، في مسيرته الاستشهادية، في وعيه الجمعي بإنسانيته وحقه في الحياة، والذي لن يطوي النسيان إبداعه واسمه وحضوره.
لا أتذكر غسان كنفاني في يوم استشهاده حسب، لا، لأن هذا يعني أنني نسيته طيلة العام، وأنه بات مجرّد شخص عابر في حياتي كفلسطيني.
ككاتب، وكمقاوم. يعيش معي غسان كنفاني في كتابتي كلها، في رواياتي، في قصصي القصيرة، في كتاباتي الصحفية..لأنني امتداد له، أنا وأبناء جيلي، ومن سيأتي بعدنا، له، ولكل من سبقونا، فلا أنسى الروائي والقاص والمترجم والرسام والناقد والشاعر والسيناريست جبرا إبراهيم جبرا، فهناك ما يجمعهما، وهناك ما يختلفان فيه، ولهذا حديث آخر.ولن أنسى (المعلمة) – هكذا وصفها غسان – سميرة عزّام القاصة الكبيرة والإعلامية والمناضلة.
غسان طوّر الفن الروائي العربي الفلسطيني، ورفد الرواية العربية بما أضافه من تقنيات جديدة، تحديدا في روايتيه: رجال في الشمس، وما تبقى لكم..ولو امتد به العمر قليلاً، سنوات قليلة لأضاف تقنية جديدة بروايته( برقوق نيسان) – التي لم تكتمل بسبب استشهاده- والتي استخدم فيها الهوامش لتعمق ما مر في المتن، وهو بهذا التنقل خفف من رتابة السرد وثقله وإملاله بلغة رشيقة مشهدية تنقل المكان، وسرعة حركة الشخوص – أبطال الرواية- ودرامية الأحداث التي كانت تعصف بفلسطين، مجسدة بثورة فلسطينية التي كانت تتأجج في وجه الاحتلال البريطاني والتسلل الصهيوني.
قرأ غسان لي وللشاعر مؤيد الراوي الفصول التي كان قد أنجزها من دفتر كبير الحجم، وكنا ننتمي للجبهة الشعبية القيادة العامة، والتقينا به للتنسيق الإعلامي بين الشعبية والقيادة العامة، فقال ضاحكا: دعوا التنسيق للسياسيين ولنتحدث في الأدب، واقترح أن يسمعنا ما أنجزه من فصول روايته الجديدة، وقرأ تلك الفصول في جلسة واحدة، وطلب رأيينا في التقنية الجديدة التي كتب بها نصه الروائي الجديد.
انظروا للإخلاص للكتابة، للأدب، للثقافة، فهو يرى أن التنسيق يمكن أن ينجزه سياسيو الفصيلين، لكن الأدب هو ما يجمع، وما يرتقي، وما يدوم، وما يوحّد.
أنبّه: غسان المتواضع، والمشهور جدا، يقرأ مباشرة ما أنجز من عمله الروائي الجديد لكاتبين في بداية مسيرتهما الأدبية، ويطلب رأييهما!
شخصيا اعتبرت أن ما سمعته هو إنجاز روائي تقنيا، وهو إضافة كبيرة للرواية الفلسطينية والعربية، لأنه (يكتب) فصلاً من فصول كفاح شعبنا، وهو إلى ذلك مكتوب ببراعة و( حداثة) ولا يتكئ على ( المضمون)، وفي هذا رسالة للقارئ، وللكاتب، وللناقد: أنا كعربي فلسطيني لا أنطلق في تقديم ما أكتب مستندا على الموضوع الفلسطيني المأساوي، ولا ألتمس الشفقة المهينة، ولا التعاطف العابر، فانا أقدّم الإنسان العربي الفلسطيني كإنسان صاحب قضية يخوض معركة وجودية بخيار واع ، ويضع حياته أمام خيار: العيش بكرامة ..أو الموت بكبرياء.. وبفّن يضيف لبنيان الرواية العربية.
شغل خيار الفلسطيني في لحظة ( الثورة)، ووعيه الوطني، وتحولاته، ونمو وعيه الوطني، حيزا كبيرا من تفكير غسان كنفاني، وهذا ما لمسناه في رواية( أم سعد)، وفي الكثير من قصصه القصيرة الرائعة.
بعد النكبة، وفي حقبة التيه والضياع والعيش تحت الخيام، وُضع الفلسطيني أمام أسئلة الحياة: أهذه هي النهاية؟ هل استسلمت؟ هل ما رسم لك ترضى به؟ أتكون هذه هي الهزيمة النهائية التي لا قيامة بعدها؟ اقرأوا (رجال في الشمس) تجدون الإجابة.
كل أدب عظيم يتضمن دروسا تعليمية من خلال الأسئلة المضمرة التي تبقى ثاوية في عمق النص الروائي والقصصي، ولكن القارئ الذي لا يتسلى بالقراءة، القارئ الحصيف يكتشفها، ويقول لنفسه: لا بد من العمل..فهذا الظلم لا يجوز أن يدوم.
لذا أدار حامد ظهره لكل ما أعاقه في( غزة) واتجه عابرا الحدود التي وضعها المحتل في قلب فلسطين، ومزق جغرافيتها، ووحدة شعبها، وهدفه الالتقاء بأمه، ولكنه قبل هذا اللقاء، وهو غير سهل، وأمه مجهولة المصير، لا بد أن يواجه..وفي المواجهة مع الجندي الصهيوني التائه في الصحراء بين ( الضفة) و( وغزة)،لا بد أن ينجز الإجابة التي تمحو الحدود التي مزق بها الغازي الصهيوني قلب( الأم) وجسدها الواحد، وهذه عملية تاريخية كبرى، وغسان يقول لنا: حامد هو أنتم جميعا..وهذا هو الخيار ( الذي تبقّى ) لكم إن طمحتم للالتقاء ( بأمكم).

– 2-

لفتت انتباهي طبعة( غريبة) من أعمال غسان كنفاني تنتشر على أرصفة أكشاك الكتب في عمّان، مفردة، وبحجم راحة اليد، يعني سهلة الحمل، وهي على ذلك رخيصة الثمن: النسخة بدينار!
سألت صديقي صاحب كشك الثقافة العربية حسن أبوعلي المشهور في عمان عن رواج هذه الطبعة، فأخبرني بأنها (ماشية) جدا، والقراء يقبلون على اقتنائها فهي ميسورة ورخيصة.
أنا شخصيا اقتنيت بعض الأعمال رغم أن مجلدات أعمال غسان متوفرة لدي، وتزيّن مكتبتي.
هناك ثلاثة أجيال ولدت بعد رحيل غسان شهيدا يوم 8 تموز 1972، فهل قرأت هذه الأجيال أعمال غسان كنفاني؟ وهل هناك ما يشجعهم على اقتناء المجلدات بأسعارها التي قد تكون مرهقة في زمن البطالة والفقر؟!
من نشر أعمال غسان بهذه الطبعة السهلة الحمل والسعر هو في الحقيقة ( ابن سوق)، يعني فكّر ووجد أن كتب غسان ستستقبل باهتمام وسيقبل القراء عليها لرخصها وحجمها الصغير.
قيل لي: الطبعة مزورة، وقرأت في الصفة الداخلية بعد الغلاف: منشورات الرمال، وتحتها: مؤسسة غسان كنفاني الثقافية! وفي الصفحة التي تليها: جميع الحقوق محفوظة: السيدة آني كنفاني. ومكان الإصدار: قبرص.
شخصيا لا أحتج على من أصدروا الطبعة، فأنا رأيت أثناء جلوسي مع صديقي حسن أبي علي أمام كشكه إقبال كثيرين على اقتناء بعض الأعمال، وهؤلاء سيجدون بعض الوقت لقراءة رواية، أو مجموعة قصصية لغسان، فهم سمعوا به ولكنهم ، ربما، لم يقرأوا له، وتوفر أعماله وعرضها ببساطة يجذبهم لاقتنائها وقراءتها.
ردا على هذا التزوير غير الضار، بل المفيد في التعريف بغسان، لا بد من إصدار طبعة ( شعبية) وتوفيرها بسعر زهيد جدا.
هذا واحد من اقتراحاتي للترويج لأعمال غسان كنفاني، وتمكين أبناء الأجيال الراهنة من قراءته، لأن الرغبة تحتاج للتشجيع.. وبهذا نحتفي بغسان، ونُسهّل تواصله مع مزيد من القرّاء الحاليين ..والقادمين.

– 3-

بهذه المناسبة، وحتى لا أكتب كلاما إنشائيا، فإنني اقترح ما يلي، إضافة لاقتراحي بإصدار طبعة شعبية رخيصة ميسورة:
أولاً: إقامة ندوة في كل عام يحدد موضوعها، ويدعى لها نقاد وكتاب متابعون وجادون لتقديم دراسات وقراءات لأعمال غسان: غسان روائيا، غسان قاصا، غسان باحثا، غسان صحفيا وإعلاميا، غسان مساجلاً، غسان تشكيليا وخطاطا( مع التوقف عند تجربته في الهدف).
ثانيا: أن تصدر تلك الدراسات والقراءات في كتب، أو كتيبات بحجوم (جيب) ليسهل حملها وقراءتها ونقلها.
ثالثا: تشجيع نقاد شباب على دراسة أعمال غسان، من كل الوطن العربي مشرقا ومغربا.
أنا أعرف صعوبة الأوضاع المالية وأـنها عائق، ولهذا أنبه إلى أنه يمكن أن يدعى للمشاركة فيها عدد محدود من سورية ، ولبنان، والأردن، وفلسطين- خاصة مع اقتراب فتح الحدود السورية الأردنية- وتكون الندوات متاحة للعامة لأن الهدف في الجوهر (إعادة) تعريف الأجيال الطالعة بغسان وبمسيرة حياته الأدبية والإنسانية.
سيكون جيدا عرض الفيلمين المأخوذين عن ( رجال في الشمس) – المخدوعون إخراج توفيق صالح- و( السكين) المأخوذ عن رواية ما تبقى لكم، والذي أخرجه خالد حمادة – إذا لم تخني الذاكرة- وهما فيلمان متميزان..إضافة لفيلم عن حياته ومسيرته.
وبعد: غسان كنفاني سيعيش عمرا مديدا مع شعبه، وسينقش اسمه في شوارع كثيرة من مدن وبلدات فلسطين بعد تحريرها، ولذا : سيعيش أبدا..ما دامت فلسطين باقية عربية..وشعبها حيا، وهي قلب وطننا العربي الكبير.

هل هو تتويج لفرنسا أم خسارة لأفريقيا!


حفيظ دراجي

لا يزال تتويج فرنسا بكأس العالم 2018 يثير التعليقات وردود الفعل الفنية، السياسية والاجتماعية في فرنسا وخارجها، خاصة أنه لم يكن متوقعا قبل المونديال ولم يكن ليتحقق لولا تركيبة المنتخب الذي يضم في صفوفه عددا كبيرا من اللاعبين من أصول افريقية جعل البعض يصف التتويج الفرنسي بالإفريقي، وينسب الفضل الى أبناء القارة السمراء، في وقت ذهبت تعليقات الى اعتبار تتويج المنتخب الفرنسي بمثابة خسارة كبيرة لإفريقيا التي تبقى تتفرج على أبنائها وهم يصنعون أمجاد الغير من دون القدرة على احتوائهم والاستثمار فيهم مثلما تفعل المدارس الكروية لمختلف الأندية الفرنسية!

فنيا، يعتقد الكثير من المحللين بأن فرنسا لم تكن هي الأحسن في هذا المونديال، وتتويجها يعود بالدرجة الأولى إلى تراجع مستوى المنتخبات الكبيرة بنجومها الكبار، ولو كانت ألمانيا وإسبانيا والبرازيل في أحسن أحوالها لما بلغت فرنسا المربع الأخير بطريقة لعبها الدفاعية وأدائها الذي كان خاليا من الابداع الفني الفردي والجماعي. في حين أرجع البعض الآخر من الفنيين تتويج فرنسا إلى الواقعية التي تحلى بها في طريقة تعامله مع المباريات التي خاضها وفاز فيها بدون أن يكون صاحب أعلى نسبة استحواذ على الكرة حيث لم يتعد معدل امتلاك الكرة في كل مبارياته 40%.

تتويج فرنسا في نظر الكثيرين كان أمرا منطقيا لأن منتخبها كان الأفضل تكتيكيا وصاحب أحسن منظومة دفاعية، وتحلى لاعبوه بروح عالية وإصرار كبير لم نلمسه لدى المنتخبات الكبيرة الأخرى، كما أنه كان بمثابة تتويج لنجاعة مدارس ومراكز التكوين الفرنسية التي أنجبت أجيالا متعاقبة من اللاعبين المتميزين، بما في ذلك أولئك الذين يتحدرون من أصول افريقية والذين تمكنوا من الانسجام والتأقلم مع مقتضيات المستوى العالي في وسط كروي أفضل بكثير من ذلك الذي ينشأ فيه اللاعب الافريقي الذي يمارس اللعبة في بلده الأصلي.

أغلب التحاليل والتفسيرات الفنية أجمعت على أحقية فرنسا بالتتويج امتدادا لوصول منتخبها الى نهائي كأس بطولة أوروبا للأمم منذ سنتين، لكن الاختلاف كان واضحا بين من اعتبر التتويج انتصارا لإفريقيا التي كانت ممثلة بخيرة أبنائها في المنتخب الفرنسي بمختلف جنسياتهم الأصلية، وبين من اعتبر التتويج انتصارا لفرنسا المتنوعة والثرية وخسارة لإفريقيا التي تملك الكثير من أمثال بوغبا وكانتي وأومتيتي ومبابي لكنها لا توفر لهم المناخ الملائم والامكانية اللازمة للتألق. وفي المقابل أجمع الكثير من التعليقات في أوروبا وأمريكا الى التذكير بأفضال الأفارقة والعرب على الكرة الفرنسية، واعتبرت فوز فرنسا بمثابة تتويج للقارة السمراء ما دام المنتخب مشكلا في غالبيته من لاعبين أفارقة أبدعوا مثل سابقيهم في عهد زيدان وتورام ودوسايي وكاريمبو وفييرا وتريزيغيه وغيرهم، وهو الأمر الذي أعاد الى السطح ذلك النقاش حول أفضال الأفارقة على فرنسا أو أفضال فرنسا عليهم!

الرد على هؤلاء وأولئك جاء من فرنسا وخارجها على لسان فنيين كرويين ومحللين سياسيين اعتبروا التتويج بمثابة انجاز فرنسي محض واخفاق افريقي بامتياز، لأن فرنسا في نظرهم هي صاحبة الفضل على اللاعبين من أصول افريقية، كونهم استفادوا من تكوين عال المستوى في مختلف مدارس ومراكز التكوين التي تزخر بها الأندية الفرنسية واستفادوا من الاندماج في مناخ ملائم للإبداع والتميز، واستفادوا من امكانات كبيرة سمحت لهم بالتألق مع أنديتهم المحترفة ومع المنتخب الفرنسي الذي جعل من التنوع ثراء وقوة ووسيلة لإثبات الذات في مجتمع يؤمن بالأفضل ولا يتوانى في حشد كل الطاقات حتى ولو كانت من أصول افريقية لصناعة مجد فرنسا الرياضي.

دعاة هذا الطرح تساءلوا عن مصير هؤلاء اللاعبين لو كانت نشأتهم الرياضية إفريقية ولعبوا في منتخباتهم الأصلية! هل كانوا سيتميزون ويتألقون؟ هل كانوا سيلعبون في أفضل الأندية الأوروبية؟ هل كانوا سيفوزون بكأس العالم مع بلدانهم الأصلية؟ وهل كان بإمكان زيدان أن يكون زيدانا لو لعب للمنتخب الجزائري مثلا؟ بالنظر لكل هذا وذاك فان تتويج فرنسا هو انجاز فرنسي بامتياز، ولا يمكن اعتباره خسارة لإفريقيا، والتتويج الفعلي للقارة السمراء سيتحقق عندما يفوز منتخب افريقي بكأس العالم، خاصة وأن سياسة فرنسا الكروية أكدت بما لا يدع أي مجال للشك بأن أبناء القارة السمراء يملكون كل مقومات الابداع والنجاح، وهم بحاجة الى رعاية وعناية تسمحان لهم بتفجير طاقاتهم في بلدانهم مثلما يفعلون مع فرنسا كل مرة، وهو الأمر الذي ينطبق على مختلف المجالات، الخامة الرياضية في افريقيا موجودة لكن صناعتها وتشكيلها غائبة أو مغيبة، فبدل التساؤل عن إفريقية كأس العالم بقميص فرنسي، وجب الاتجاه مباشرة نحو التساؤل عن كيفية إلباس كأس العالم ثوبا إفريقيا خالصا حينها تسقط جميع المقارنات ويصبح التساؤل باطلا.

أنقرة تصرعلى عدم الامتثال للعقوبات الأميركية على طهران


هبه المنسي
 
“وزير الخارجية التركي لم يأت بجديد ” إذ أن التصريحات التي أدلى بها أمس وأكد خلالها معارضة بلاده للعقوبات الأميركية و أنها غير ملتزمة بها لا تمثل بحد ذاتها مفاجأة , فأنقرة كانت ولا تزال مصرة على عدم الامتثال للعقوبات على طهران لكن المثير للدهشة في حديث “أوغلو” أنه يأتي في وقت شهد خفضاً نسبياً بخطوط التوتر التركية – الأميركية .

“بلسان عجمى مبين” أبلغ وزير الخارجية جاويش أوغلو الوفد الأمريكي الذي زار بلاده صراحة “أن تركيا تحصل على النفط والغاز من أذربيجان وإيران وروسيا والعراق. إذا لم أشتر من إيران الآن، فمن أين أسد هذه الحاجة؟”.وقال الوزير التركي الثلاثاء إن تركيا أبلغت المسئولين الأمريكيين بأنها تعارض العقوبات الأمريكية على إيران وأنها ليست ملزمة بتطبيقها.وأضاف أوغلو في مؤتمر صحفي في أذربيجان “لسنا مضطرين للالتزام بالعقوبات التي يفرضها بلد على آخر. ونحن لا نعتبر العقوبات صائبة أيضا”.

وعقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي ، انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الخطوة الأميركية وبدا مدافعاً عن إيران، وأشار إلى أن الدول التي تقوم بتصوير محطات الطاقة النووية على أنها تشكل تهديدًا، ليس لها مصداقية في المجتمع الدولي.

انتقادات أوردغان أعقبها تصريح لوزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي فى يونيو الماضي أعرب خلاله أن بلاده لا تعتبر نفسها ملزمة الامتثال إلى مساعي الولايات المتحدة لوقف صادرات النفط الإيرانية بدءاً من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، مشيراً إلى أنها ستعمل على ضمان عدم تضرر “البلد الشقيق” من هذه الخطوة الأميركية .وأضاف الوزير التركى فى أن بلاده ستنظر فى ما إذا كانت هناك قرارات أو عقوبات من جانب الولايات المتحدة فى هذا الشأن، وأن أنقرة ستتبع مصالحها فى هذا السياق.

موقف أنقرة ليس جديداً فى ظل ارتباطها بعلاقات تجارية موسعة مع طهران ,فضلاً عن إدراكها أن في حال قطع روابطها مع النظام الإيراني فإن ذلك يعني ذلك توقف شريان الطاقة عنها وتعطل الميزان التجاري بين البلدين الذي يتجاوز مليارات الدولارات لذلك فى يناير من العام 2012 رفضت تركيا كذلك الالتزام بالعقوبات الأمريكية على طهران معتبرة أنها فى حل عن تطبيق أي قرار أحادى غير ذي صلة بقرارات مجلس الأمن الدولي . ونتيجة للعلاقات التركية الإيرانية فيما يختص بالالتفاف على العقوبات الأمريكية فرضت واشنطن عقوبات على الدولتين فى نهاية مايو الماضي، بعد أن فرضت عقوبات على الخطوط الجوية الإيرانية، وكذلك على إيرانيين اثنين ومواطن تركى بسبب تعامله مع طهران .

المنظور التركي للعقوبات مع إيران تتسيده البراجماتية الاقتصادية وبعض المتغيرات السياسية ولعل هذا ما يفسر تأكيدات أخرى لوزير الاقتصاد بعد يومين فقط من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران, بأن الإجراء الأمريكي يمثل فرصة لتركيا منتقداً ما وصفه بـ”القرار الأحادي لواشنطن”، وقال: “لا أرى شيئا خطيرا يستحق القلق بشأنه في هذه المرحلة”. إذ ترغب أنقرة في استثمار الضغط الأمريكي على إيران واستغلال موقفها الضعيف وحاجتها لتصدير النفط بأي طريقة وبتسهيلات ائتمانية لتحصل بموجب ذلك على الخام بأقل من السعر العالمي، مستفيدة من فارق التقدير الرسمي الإيراني في موازنة العام المالي الفارسي الذي بدأ في 21 من مارس الماضي.

الإبقاء على التعاملات النفطية مع طهران ضمن أولويات أنقرة لاسيما وأن الأخيرة تستورد 90 بالمئة من احتياجاتها من النفط والغاز كما تعتمد بشكل رئيسي على النفط الإيراني ، ففى العام 2017، باتت إيران المصدر الأول الذى تحصل منه تركيا على الطاقة، بما يعادل 44.6 فى المئة من مجموع الإمدادات النفطية و17 فى المئة من إجمالي واردات الغاز، وتعتمد فى النسبة المتبقية على بغداد وموسكو والكويت والرياض. وخلال . الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، اشترت أنقرة 3.077 مليون طن من النفط الخام من إيران، أي 55 بالمئة تقريبا من إجمالي وارداتها من الخام وفقا لبيانات هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية.

المصالح التركية – الإيرانية تتقاطع كذلك على رقعة الميزان التجاري إذ أن كل ارتفاع بنحو 10 دولارات فى أسعار النفط يرفع مستوى التضخم فى تركيا بنسبة 0.5 فى المئة وينخفض النمو بنسبة 0.3 فى المئة. لذا تبدو أنقرة فى أمس الحاجة لإيران تفاديا لمؤشر العجز فى الحساب الجاري، وزيادة التضخّم وخفض النمو الاقتصادى. وارتفع حجم التبادل التجارى بينهما بنسبة تجاوزت 80% خلال السنوات الماضية حيث بلغ وفق المعهد الإحصائي التركي، نحو 8.4 مليارات دولار خلال العام الماضي، مقارنة بحوالي 9.7 مليارات دولار خلال عام 2016. لكن اردوغان عبّر عن أمله في رفعها إلى 30 مليار دولار. وغالبا ما كان الميزان التجاري لصالح تركيا، إذ ارتفعت قيمة الصادرات التركية إلى إيران خلال شهر كانون الأول لعام 2017 إلى 2.57 % وفي المقابل، انخفضت واردات أنقرة من طهران خلال نفس الفترة بنسبة 3.14 % . وشملت الصادرات الإيرانية إلى تركيا، النحاس والألمنيوم والفولاذ والزنك والمشتقات النفطية والغاز والبطيخ والفستق، فيما شملت وارداتها منها الموز والحبوب والتبغ والآلات الصناعية والقطن والخشب والأدوية والورق.

و تمثل تركيا معبرًا مهما للغاز الإيراني والروسي وغاز بحر قزوين نحو أوروبا، وهو ما يعزز بدوره مكانة أنقرة داخل أوروبا، وهو ما يدفع تركيا للدفاع عن إيران بقوة. فيما يشكل السياح الإيرانيين أهمية متزايدة للسوق التركي. وأنقرة لا تريد خسارة امتيازاتها التجارية مع النظام الإيراني وخاصة في ملف الطاقة والتجارة البينية التي تدر على الخزانة التركية ملايين الدولارات سنويا.ومن جهة أخرى فأنها تضغط على الإدارة الأميركية لتعويضها تلك الأموال الضخمة وإيجاد موارد رخيصة للبترول بدلا عن إيران.

التفاهمات المشتركة بين أنقرة وطهران على الصعيد السياسي أحد عوامل التقارب لاسيما بالملفين السوري والعراقي وموقفهما الواضح والموحد بشأن قضية الأكراد لذلك ترغب تركيا فى استقرار إيران حفاظاً على مصالحها بالمسألة الكردية والتي سيكون من العسير على الأولى إدارتها دون وجود الطرف الإيراني , وتعول تركيا على طهران فى محاربة حزب العمال الكردستاني والذي تصنفه أنقرة بأنه منظمة إرهابية انفصالية ,كما ينسق الجانبان بشأن العمليات العسكرية في شمال العراق ضد الحزب الكردي .وقد سبق وأثمرت جهودهما عن الحيلولة دون السماح بإقامة دولة مستقلة للأكراد من خلال فرض الحصار على كردستان العراق، وإجهاض مشروع الاستفتاء على الانفصال.

مخاوف أنقرة من حدوث أي اضطرابات أو تدخل أجنبي في إيران يأتي مدفوعاً من احتمال أن يؤدى الأمر إلى المزيد من التعقيد مثلما حدث في أفغانستان والعراق وسوريا مما قد يسفر عن تبعات خطيرة على الأمن القومي التركي أبرزها استقبالها موجات من اللاجئين الإيرانيين قد تهدد سلامة الدولة التركية في ظل التباين المذهبي بين الشعبين .

الاصطفاف التركى ضد العقوبات المزمعة على إيران أعاد إلى الأذهان قضية رضا ضراب والذى اتهم عدة مسؤولين أتراك، من بينهم أردوغان وعدد من وزرائه، بالمشاركة في برنامج للتملص من العقوبات الأمريكية على طهران إذ تكشف قضية ضراب الكثير من ملامح العلاقات التي تربط بين أنقرة وطهران، تلك العلاقة التي يمكن أن ينطبق عليها وصف ” المعقدة” كأكثر ما ينطبق على علاقة بين دولتين ظلّتا عبر قرون متنافستين تاريخيتين ومتحاربتين لأوقات طويلة، مع تشابكات إثنية وعرقية وجيوسياسية تعلّم الطرفان بالتجربة المريرة أنها يجب أن تمنعهما دوما من الوصول إلى حافة الهاوية .وطلية سنوات الحصار وقفت تركيا كبوابة شرعية وحيدة تقريبا للاقتصاد الإيراني المحاصر، فضلا عن عملها كباحة خلفية للتغلب على العقوبات، سواء كان ذلك بتسهيل من الحكومة التركية، أو حتى بالقليل من التغاضي

لقد ظن البعض خطأ أن التباين المذهبي بين تركيا وإيران سيضع إحداهما بمواجهة الأخرى لكن هذه النظرة قد تجاوزتها المصالح الاقتصادية والسياسية، والاستقرار الذي سيترافق مع المرحلة المستقبلية بعد نجاح أردوغان ربما يرفع من وتيرة التعاون التركي الإيراني. والضغوطات التي يمارسها ترامب، على الطرفين قد تزيد تقاربهما أكثر مما سبق.

2018/07/01

وداعا أحمد سعيد ..مؤسس “صوت العرب” الذي أقلق بصوته الاحتلال الأجنبي للدول العربية .. كان الأكثر تأثيرا فى الجماهير من المحيط إلى الخليج.. ومنتقدوه اختزلوا دوره القومى التحررى فى إذاعة بيانات نكسة يونيو1967


سعيد الشحات

حين انطلقت إذاعة صوت العرب يوم 4 يوليو 1953 ،بعد نحو عام من ثورة 23 يوليو ،كان هدف المخابرات المصرية التي كلفت ضابطها فتحي الديب بتأسيسها أن تكون أداة الثورة الإعلامية ، ومنبرا لحركات التحرر العربية بمساعدة مصر ،وذلك في وقت كانت الإذاعة هي الوسيلة الإعلامية الأكثر انتشارا وتأثيرا علي مستوي العالم.

كان ضمان نجاح صوت العرب في تحقيق هدفها يأتي من القيادة الإعلامية التي ستتصدي لهذه المهمة ،وحين تم إسناد هذه المهمة في البداية إلي الشاعر صالح جودت لم ينجح فيها ، ففيما كانت تأديتها تتطلب حماسا وتحريضا وتعبئة للجماهير العربية،كانت طبيعة صوت “جودت ” الإذاعية هادئة مما يستدعي التثاؤب والنوم ،وبعد شهور قليلة آلت المهمة إلي أحمد سعيد الذي رحل عن دنيانا أمس عن عمر يناهر ال93 عاما “مواليد 1925 “.

كان أحمد سعيد علي مقاس المهمة المطلوبة بكل كفاءة ونبل ، وانطلق ليصبح أشهر مذيع في المنطقة العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي،والأكثر تأثيرا في المستمع العربي من المحيط إلي الخليج ،وبلغ حد التأثير درجة أن مستمعين في دول عربية كانوا يسألون قبل شراء راديو ” الترانزستور ” عما إذا كانت يذيع “أحمد سعيد ” أم لا ، ويؤكد محمود رياض وزير خارجية مصر في الستينيات وأمين عام جامعة الدول العربية في السبعينيات ،في مذكراته ، أنه بالفعل وجد تلك الحالة في اليمن حين زارها مع وفد يمثل ثورة يوليو برئاسة صالح سالم عام 1945 ،وينقل أحد تلاميذ الراحل الكبير وهو الكاتب والإعلامي وكبير مترجمي الأمم المتحدة محمد الخولي ،عن الصحفي الإنجليزي “ويلتون وين ” في دراسته عن دور الإذاعة المصرية وصوت العرب بالذات خلال سنوات الخمسينيات والستينيات :”كان العربي البدوي يقصد المتجر المتواضع في المدينة الصغيرة ثم يخاطب التاجر قائلا في عفوية مشهودة :” أخي :أبغي صندوق أحمد سعيد ” ، وترجمتها بالطبع “من فضلك أريد شراء جهاز راديو أسمع من خلاله صوت العرب من القاهرة “.

هكذا ارتبط أحمد سعيد بوجدان الإنسان العربي في مرحلة كانت البلدان العربية تناضل فيها من أجل حريتها واستقلالها من الاستعمار،ونجح بجدارة عبر الإذاعة أن يكون الصوت القادر علي تعبئة الجماهير كما حدث في معارك عديدة أبرزها ،طرد الجنرال جلوب الإنجليزي الذي كان قائد للجيش الأردني، ومعركة عودة العاهل المغربي محمد الخامس إلي عرشه بعد خلعه ونفيه إلي مدغشقر بقرار من الاستعمار الفرنسي،ومعركة الثورة الجزائرية وكان من أوائل من عرفوا قائدها أحمد بن بيللا ،ومعركة العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956 ، ثم الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 ،وثورات العراق .

كان “سعيد ” يؤدي دوره بجدارة مهنية تناسب مرحلتها ،وتتوافق مع متطلبات حشد الجماهير العربية نحو مطالب استقلالها وتحررها ،وأدي دوره بضمير وطني رائع ولأن هذا الدور كان وطنيا وقوميا وتحرريا في مقاصده وأهدافه ، وجه المتضررون منه الانتقادات الظالمة إليه ، واختصروا دوره في إذاعته للبلاغات الكاذبة في نكسة 5 يونيو 1967 ،بالرغم من أنه كان ناقلا لها وليس مخترعها، وبالرغم من أنه كان الأداة الإعلامية التي ساهمت في رفرفة أعلام الاستقلال علي كل شبر عربي .

رحم الله أحمد سعيد ، الذي اقتربت منه لسنوات منذ عام 2000 ،وعرفته ،نبيلا، معطاء للخير ، ناكرا للذات،لم يجعل من دوره الوطني مادة للتربح بالرغم من مغريات كثيرة وأعرف بعضها تم تقديمها إليه،وكان لي شرف تحريضه علي كتابة مذكراته الشخصية ،ولما بدأ في إنجازها منحني شرف قراءتها ومراجعتها ، وتبادل الرأي معه فيها ، وهي تحتوي علي الكثير من الأسرار المهمة عن سنوات النضال الوطني والقومي العربي التي قادته مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر