الراصد القديم

2019/03/31

مراهنات ترامب الخارجية.. وأزماته الداخلية!


صبحي غندور

لقاء القمّة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في فيتنام هو مقدّمة لجملة حراك خارجي ستقوم به الإدارة الأميركية خلال الشهرين القادمين دون وضوحٍ كامل للأبعاد الإستراتيجية لهذا التحرّك، لكن حتماً سيكون موضع توظيف كبير من قبل ترامب على الصعيد الداخلي الأميركي، وربّما أيضاً للتأثير على نتائج تحقيقات روبرت موللر بشأن التدخّل الروسي في انتخابات العام 2016.

وتتزامن قمّة فيتنام مع مؤشّرات عن إمكان إعلان الوصول لاتّفاقٍ أميركي مع الصين ينهي الحرب التجارية التي اندلعت في العام الماضي بين أكبر قوّتين اقتصاديتين في العالم. فلا الولايات المتّحدة ولا الصين ترغبان في استمرار هذه "الحرب"، والتي تسبّبت بأضرار في البلدين معاً رغم محاولة ترامب إظهار أنّ الضرر كان على الصين وحدها. وطبعاً أيّ اتّفاقٍ جديد لواشنطن مع كوريا الشمالية سيحتاج إلى موافقة بكين الراعية الأهم لنظام بيونغيانغ.



وفي الأسبوع نفسه الذي سيحاول فيه الرئيس ترامب التظاهر بأنّه بطل سلام في الأزمة الكورية، فإنّه ونائبه مايك بنس يُصعّدان من لهجة التهديد ضدّ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وبأنّ أيامه في الحكم أصبحت معدودة! مع تلويحٍ باحتمال تدخّل عسكري خارجي لحسم الصراع على الرئاسة في فنزويلا.

أيضاً، وفي توقيتٍ متزامن مع ما سبق ذكره، يقوم صهر ترامب جاريد كوشنر بجولة في بعض دول المنطقة العربية تمهيداً لإعلان إدارة ترامب، بعد الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في التاسع من أبريل، عن تفاصيل خطّتها المعروفة باسم "صفقة القرن"، هذه الخطّة التي تستهدف إقامة مشاريع اقتصادية كبيرة في الشرق الأوسط بمشاركة إسرائيل وأطراف عربية، وبتركيزٍ خاص على غزّة وبعض المناطق الفلسطينية، لكن دون ارتباط ذلك بقيام الدولة الفلسطينية المستقلّة أو بمستقبل القدس أو بمصير المستوطنات أو بمسألة حقّ العودة، وهي القضايا الكبرى التي توقّفت المفاوضات بشأنها منذ فترةٍ طويلة، خاصّةً بعد مجيء ترامب للبيت الأبيض واعترافه بالقدس كعاصمة لإسرئيل ونقل السفارة الأميركية إليها، وعدم اعتراضه على التوسّع الإستيطاني في الأراضي المحتلة، ووقفه لكافّة أشكال الدعم للسلطة الفلسطينية وللمؤسّسات الدولية الراعية لشؤون اللاجئين الفلسطينيين.

وستقوم إدارة ترامب طبعاً بنشاط دبلوماسي كبير بعد الإعلان عن خطّة "صفقة القرن" ممّا سيدفع المعارضين لها إلى تحرّكٍ مضاد على المستوين الدولي والإقليمي، خاصّةً في ظلّ رفض القيادة الفلسطينية لهذه "الصفقة"، وهذا ما قد يزيد من حدّة التأزّم داخل منطقة الشرق الأوسط، إضافةً إلى التصعيد المتوقّع في الضغوطات الأميركية على إيران.

أيضاً، من المتوقّع أن تستكمل القوات الخاصة الأميركية إعادة انتشارها في سوريا خلال شهر أبريل، وأن يحصل في الشهر نفسه تخفيض عدد القوات الأميركية في أفغانستان إلى نسبة نصف العدد الحالي، كما ذكرت ذلك جهاتٌ مسؤولة في حركة "طالبان" بعد مفاوضاتها الإيجابية في قطر مع المبعوث الأميركي زلماي خليل زاده.

طبعاً، هناك عدّة أسباب دفعت ترامب لتغيير موقفه بشأن سحب القوات الأميركية من سوريا، وكان أبرزها اعتراض قادة مؤسّسة "البنتاغون" على هذا القرار إضافةً إلى أسماء بارزة من "الجمهوريين" الأعضاء في الكونغرس، ثمّ التحفّظات الأوروبية على إبقاء قوات في سوريا في حال تنفيذ قرار ترامب بالانسحاب الكامل، عِلماً أنّ المبرّر الذي أعطاه ترامب لسحب القوات، وهو القضاء على تنظيم "داعش"، لم يتحقّق بعدُ بشكلٍ كامل.

هذه التطوّرات المهمّة المتوقّع حدوثها خلال الأسابيع القادمة سيحرص الرئيس ترامب على توظيفها لحسابه السياسي الخاص، وهو أشار إلى ذلك صراحةً في مؤتمره الصحفي يوم 15 فبراير حينما تحدث عن جدارته للحصول على جائزة نوبل للسلام وبأنّه يستحقّ الجائزة أكثر من الرئيس السابق أوباما!. وسيخاطب ترامب الأميركيين والعالم بالقول إنّه "بطل سلام" حقّق إنجازاً عظيماً مع كوريا الشمالية، وعرض "خطة سلام" في الشرق الأوسط تشمل الفلسطينيين وكل العرب لتحقيق السلام مع إسرائيل، وبأنّه سينقذ الاقتصاد العالمي من احتمالات صعبة في حال استمرار الحرب التجارية مع الصين، وبأنّه سيحقّق "السلام" قريباً في أفغانستان من خلال المفاوضات مع "طالبان"، وبأنّه يسعى لتنفيذ وعده الانتخابي بسحب القوات الأميركية من سوريا!.

لكن ثغرات وعقبات عديدة داخلية تقف في وجه هذه الادّعاءات "الترامبية"، فالمؤسّسات العسكرية والأمنية الأميركية ما زالت تشكّك في نوايا وخطوات الزعيم الكوري الشمالي، وهي اختلفت أيضاً مع ترامب بشأن سحب القوات من سوريا وأفغانستان، و"البنتاغون" غير متحمّس جدّاً لتحسين العلاقات مع الصين وروسيا حيث يعتبرهما الخطر الأكبر المنافس للولايات المتحدة. ومجلس النواب الأميركي تقوده الآن غالبية من الأعضاء الديمقراطيين الذين سيصرّون على إعلان نتائج تحقيقات موللر، وعلى مواصلة التحقيق مع العديد من الأشخاص الذين عملوا في حملة ترامب الانتخابية، وعلى ريادة التحرّك ضدّ قرار ترامب بإعلان حالة الطوارئ لتمويل الجدار على الحدود مع المكسيك، والتحذير أيضاً من مخاطر التدخّل العسكري في فنزويلا.

أمّا على الصعيد الخارجي، فالخلافات بين إدارة ترامب والاتّحاد الأوروبي تزداد حول قضايا عديدة ممّا سيجعل النشاط الخارجي لترامب حراكاً أميركياً فقط، ولا يحظى بالغطاء الدولي أو حتّى الأوروبي كما كان يحدث مع إداراتٍ سابقة. فلا التصعيد "الترامبي" ضدّ إيران وفنزويلا هو مدعومٌ الآن من مرجعية دولية أو أوروبية، ولا "خطّة السلام" للشرق الأوسط تشارك فيها أوروبا أو ترضى عنها روسيا والصين.

إنّ ترامب هيّأ المناخ الآن لتصعيد محتمل في الشرق الأوسط بسب موقفه من الفلسطينيين وتأييده المطلق لنتنياهو وسياساته في المنطقة، وهذا التصعيد يتزامن مع قرار ترامب بتخفيف التوتّر في الشرق الأقصى حيث الأزمة مع كوريا الشمالية. ترامب يراهن أيضاً على أنّ التصعيد ضدّ إيران ودعم سياسة نتنياهو سيلقى تجاوباً من "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" معاً، وهو أقال من كانوا في إدارته يعارضون إلغاء الاتّفاق مع إيران أو التصعيد ضدّها، كوزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس، ويعتمد الآن على مشورات ونصائح جون بولتون ومايك بومبيو المعروفين بمواقفهما السلبية من قضايا العالم الإسلامي عموماً.

ويحرص الرئيس الأميركي الآن على نقل الاهتمام الداخلي الأميركي من مسألة التحقيقات القانونية حول دعم موسكو لحملته الانتخابية إلى قضايا خارجية ساخنة (سِلماً أم حرباً)، وهو هذا المزيج المتوقّع من "سلامٍ" مع كوريا الشمالية ومن "تصعيد" أزمات في فنزويلا والشرق الأوسط. لكن "الحزب الجمهوري" سيضع نفسه في أزمة سياسية وشعبية كبيرة في انتخابات 2020 إذا ما واصل دعمه لترامب، خاصّةً أنّ الانتخابات "النصفية" الماضية لم تكن لصالح "الجمهوريين" بسبب ترامب وسياساته.

ولأنّ ترامب يُدرك مخاطر ما يحدث معه وحوله، في الإدارة وفي الحزب الجمهوري وفي الكونغرس، فإنّه يُعزّز اعتماده على قوًى فاعلة جداً في الولايات المتحدة، وعلى قاعدته الانتخابية، التي هي مزيج من الإنجيليين المحافظين (منهم نائبه مايك بنس) والجماعات العنصرية الحاقدة على الأفارقة واللاتينيين والمسلمين، إضافةً إلى محاولة "شراء" دعم المؤسّسة العسكرية (البنتاغون) من خلال الزيادة الضخمة في ميزانيتها التي تجاوزت 700 مليار دولار، رغم العجز الكبير في الميزانية الأميركية والتخفيض الذي حصل في مشروعاتٍ مهمّة صحّية واجتماعية وتربوية. أيضاً، حصل ترامب على دعم قوّتين ضاغطتين في الحياة السياسية الأميركية وفي الكونغرس، وهما "لوبي الأسلحة" و"اللوبي الإسرائيلي" حيث لكليهما تأثيراتٌ كبيرة على الجمهوريين والديمقراطيين معاً، إضافةً إلى عددٍ كبيرٍ من الشركات والمصانع الكبرى التي تستفيد الآن من برامج وسياسات ترامب الداخلية والخارجية.

أربعون سنة على توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل .....عبد الناصر وسيناء .. 1967 - 1970


عمرو صابح

“الموضوع مش هو مسألة جلاء إسرائيل عن سيناء وحدها، يمكن لو كانت دى هى المسألة أقدر احصل عليها بكرة بتنازلات.
أنا بقول للمثقفين يفكروا ما ينفعلوش، أنا بقول لو العملية سيناء بس عايز.. برضه تفهموا كلامى.. لو العملية سيناء بس دي سهلة.
العملية مصيرنا؛ مصير العرب.. علشان لو كنا عايزين نسترد سيناء ممكن بتنازلات بنقبل شروط أمريكا وشروط إسرائيل، نتخلى عن الالتزام العربى ونترك لإسرائيل اليد الطولى فى القدس والضفة الغربية وأى بلد عربى، ويحققوا حلمهم اللى أتكلموا فيه عن النيل إلى الفرات، ونتخلى عن التزامنا العربى.. بندى هذه التنازلات ونقول لهم يعدوا فى قنال السويس، ويرفعوا علم إسرائيل فى قنال السويس، وبيمشوا ويتركوا سيناء.
الموضوع مش هو الجلاء عن سيناء وحدها، الموضوع أكبر من كده بكتير.. الموضوع هو أن نكون أو لا نكون. موضوع إزالة آثار العدوان أكبر من الجلاء عن سيناء.

هل سنبقى الدولة المستقلة اللى حافظت على استقلالها وعلى سيادتها ولم تدخل ضمن مناطق النفوذ واللا حنتخلى عن هذا؟
إحنا مجروحين.. جزء من أرضنا محتل، ولكن رغم هذا؛ رغم الجرح هل نتنازل عن كل التزاماتنا العربية، وكل المثل وكل الحقوق، ونقبل إن إحنا نقعد مع إسرائيل لنتفاوض فى الوصول إلى حل؟
إسرائيل بتقول كده، أمريكا بتقول كده
إيه المقصود بإزالة آثار العدوان؟ أما نتكلم على إزالة آثار العدوان لازم نفهم أطراف وأبعاد إزالة آثار العدوان.. والمسألة مسألة كبيرة؛ كبيرة جداً، ومسألة أيضاً خطيرة؛ لأن أمريكا أيدت إسرائيل، ساعدتها فى الأمم المتحدة، وأدتها الأسلحة، وأدتها المعونات المالية، وبمقدار كبر وخطورة الموضوع.. بمقدار ما يحتاجه من تكاليف وتضحيات. المسألة مش مسألة حل أزمة الشرق الأوسط.. المسألة هى نوعية الحل، شرف الحل، شرفنا.. مستقبلنا.. ومصيرنا”.

هذه هى كلمات الرئيس جمال عبد الناصر فى خطابه يوم 25/4/1968 بعد 10 شهور من هزيمة يونيو 1967 .

وهى تعنى ببساطة أن الصراع بين الأمة العربية والكيان الصهيونى لم يكن أبدا صراعا مصريا إسرائيليا على سيناء فقط ، الصراع بين الأمة العربية والكيان الصهيونى هو صراع وجود وليس صراع حدود .

إسرائيل زرعتها الإمبريالية العالمية عنوة فى المنطقة لتقسم العالم العربي لقسمين وتعمل كقلعة متقدمة للغرب فى قلب العالم العربي تجهض أى محاولة للنهضة فى المنطقة الإستراتيجية الأهم فى العالم حيث يوجد عصب الحضارة الغربية ( البترول ) ، والأخطر لكى ترث دور مصر فى المنطقة وتحل محلها.

وقد أدرك الرئيس عبد الناصر ذلك جيدا لذا ظل حتى مماته يرفض الحلول الجزئية للصراع العربي الإسرائيلي .

يقول مؤسس دولة إسرائيل دافيد بن جوريون لوزير الخارجية الأمريكى جون فوستر دالاس فى 14 مايو 1953:

(أنكم مهتمون بمصر وأود أن ألفت نظركم إلى أن إسرائيل تملك نفس المزايا التى تملكها مصر ، فكلاهما يطل على البحر الأبيض والبحر الأحمر وما بين ميناء إيلات و ميناء حيفا يمر نفس الشريان الحيوى الذى يمر بين بورسعيد و السويس وهو مهيأ لحفر قناة جديدة تصل مابين البحرين ، وأنا لا أعرف لماذا يريد المصريون أن نخرج من النقب ، إن لديهم صحارى بأكثر مما يكفيهم و لديهم أرض تزيد عن حاجتهم وحجم بلادهم يساوى 36 مرة حجم إسرائيل)

هكذا يعترف بن جوريون بصفاقة إن إسرائيل تستطيع بموقعها وراثة دور مصر فى الإقليم ،وإسرائيل ليست مستعدة للتخلى عن صحراء النقب لأنها تفصل مصر عن المشرق العربى .

وبرغم ذلك يعتقد البعض خاصة من المصريين ، ان الرئيس الراحل أنور السادات ، كان رجلا عبقريا بالغ الذكاء سابقا لعصره ضحك على الإسرائيليين وأسترد منهم سيناء مقابل معاهدة سلام ، وتجد أنصار الخط السياسي للرئيس الراحل يتبجحون بالقول أن السادات أسترد سيناء بينما عجز السوريون والفلسطينيون عن ذلك لأنهم عارضوه ولم يتبعوا خطه السياسي.

وليس ذلك صحيحا لأن إتباع السادات للحل الجزئى ورهانه على الدور الأمريكى فى حل الصراع العربى الإسرائيلى هو السبب الرئيسى فى تأزم التسوية الشاملة وضياع أراضى السوريين والفلسطينيين.

فى هذه الدراسة سأقوم بعرض مجموعة من الوثائق المنشورة والمتاحة للجميع عن عروض السلام الأمريكية الإسرائيلية للرئيس عبد الناصر عقب هزيمة يونيو 1967 ،والتى ستبين بوضوح أن سيناء لم تكن أبدا سببا للصراع العربي الإسرائيلي، فلم يعد سرا الآن أن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية حاولتا باستماتة إغواء الرئيس عبد الناصر بقبول صلح منفرد مقابل استعادة سيناء كاملة بدون قيود بشرط الخروج من الصراع العربي الاسرائيلي، والتعهد بانهاء حالة الحرب مع إسرائيل .

كانت البداية فى يوم 9 أغسطس 1967 وبعد شهرين من هزيمة 5 يونيو الساحقة ، أرسل الرئيس الأمريكى ليندون جونسون رسالة إلى الرئيس اليوغسلافى جوزيف بروز تيتو طالبا منه إبلاغها للرئيس جمال عبد الناصر ، يعرض الرئيس جونسون فى رسالته للرئيس عبد الناصر إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل ، والسماح للسفن الإسرائيلية بالمرور فى قناة السويس ومضيق تيران فى خليج العقبة مقابل إعادة سيناء إلى مصر وكل ذلك بدون مفاوضات مباشرة بين مصر وإسرائيل ، وبدون اعتراف مصر بدولة إسرائيل ،والتطبيع فى شتى المجالات معها ، وبالطبع دون زيارة القدس المحتلة وإلقاء خطاب فى الكنيست الإسرائيلى وفوق رأس رئيس مصر عبارة (من النيل للفرات أرضك يا إسرائيل) .

هذا كان أول عرض أمريكى لرد سيناء فقط لمصر دون شروط دون مفاوضات مباشرة دون اعتراف بإسرائيل .

وقد رفضه الرئيس عبد الناصر لأنه حل جزئى غير شامل وأصر على حل شامل للصراع العربي الإسرائيلي يشمل عودة كل الأراضى العربية التى تم احتلالها فى حرب يونيو 1967 ، ويضمن حقوق الشعب الفلسطينى فى وطنه .

وفى مؤتمر القمة العربية بالخرطوم فى 29 أغسطس 1967 حدد الرئيس عبد الناصر معالم المعركة القادمة عندما قاد المؤتمر لإقرار اللاءات الثلاثة فى مواجهة إسرائيل ( لا صلح .. لا تفاوض .. لا اعتراف ) .

فى شهر نوفمبر من عام 1967 يقابل وزير الخارجية المصرى محمود رياض ممثل الولايات المتحدة فى الأمم المتحدة آرثر جولد بيرج الذى يطلب من رياض نقل عرض جديد من الرئيس جونسون للرئيس عبد الناصر ينص على : انسحاب إسرائيل من الأراضى المصرية (سيناء) مقابل احترام مصر لسيادة إسرائيل والإقرار لها بالملاحة فى قناة السويس ومضيق تيران .

ونلاحظ هنا أن عرض جونسون لم يتضمن شرط الاعتراف السياسى المصرى بدولة إسرائيل .

كان رد محمود رياض على العرض الجديد هو أن مصر ترفض الحديث عن أى انسحاب خاص بسيناء فقط ، لأن سياسة مصر ترتكز على الحل الشامل للصراع العربي الإسرائيلي بمعنى أنها حين تتحدث عن انسحاب إسرائيلى تعني انسحاب إسرائيل من كل الأراضى العربية التى تم احتلاها فى حرب يونيو 1967 .

وعندما يقول جولدبرج لمحمود رياض : ولكننا سنعيد لكم سيناء .

يرد رياض : لن نسمح بإعطاء إسرائيل مكاسب إقليمية مكافأة لها على عدوانها ، ولن نقبل بحل جزئى .

كان هذا هو العرض الثانى .

وبعد مرور عام عليه وفى يوم 2 نوفمبر 1968 جاء العرض الثالث وكان أول مشروع رسمى تقدمه الولايات المتحدة لمصر ينص على انسحاب إسرائيل من سيناء.

حيث اجتمع وزير الخارجية الأمريكى دين راسك مع وزير الخارجية المصرى محمود رياض فى نيويورك حيث كان الاثنان يحضران الدورة السنوية العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة ، وفى ذلك الاجتماع قدم الوزير الأمريكى لمحمود رياض مشروع رسمى أمريكى من سبع نقاط هى :

1- انسحاب إسرائيل من الأراضى المصرية بالكامل .

2- إنهاء حالة الحرب بين مصر و إسرائيل .

3- يتبع ذلك فتح قناة السويس للملاحة الإسرائيلية .

4- حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس سؤال كل لاجئ بطريقة سرية وبصفة شخصية عن مدى رغبته فى العودة إلى فلسطين ، وفى حالة رفضه فله أن يختار أى بلد يريد أن يذهب إليه دون أن يشكل ذلك ارتباطا مسبقا على تلك الدول .

5- تواجد قوات دولية فى شرم الشيخ ، على ألا تنسحب إلا بقرار من مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة .

6- التفاهم حول مستوى التسليح فى المنطقة .

7- توقيع مصر على وثيقة تتضمن هذه الالتزامات ، وكذلك إسرائيل .

وهذا العرض أيضا بدون اعتراف رسمى وبدون مفاوضات مباشرة وبالطبع بدون زيارة للقدس المحتلة .

وعندما يتساءل محمود رياض عن مصير غزة والضفة الغربية والقدس والجولان ، يرد عليه دين راسك : أننى أتحدث الآن مع وزير خارجية مصر .

وهنا رفض محمود رياض المشروع على الفور لأنه حل جزئى للصراع العربي الإسرائيلى ويخالف سياسة مصر ، فيطلب منه دين راسك أن يعرض المشروع على الرئيس جمال عبد الناصر قبل اتخاذه لقرار خطير كهذا برفض عودة سيناء لمصر .

وفى الأول من ديسمبر عام 1968 تلقت الولايات المتحدة رد الرئيس جمال عبد الناصر على مشروعها الرسمى للسلام وجاء فيه :

“إن التزامات الدول العربية المنبثقة من عضويتها فى جامعة الدول العربية ، وميثاق الدفاع المشترك من جانبها فى إطار الجامعة، يجعل أى عدوان ضد أى منها عدوانا ضد جميع الدول العربية لهذا فإن إنهاء حالة الحرب من جانب الجمهورية العربية المتحدة (مصر) يتطلب انسحاب إسرائيل من جميع الأراضى العربية.”

وقد علق الرئيس عبد الناصر على هذا العرض للسلام فى جلسة مجلس الوزراء المصرى التى عقدت يوم 6 نوفمبر 1968 بقوله :” لو ركزنا الحل على انسحاب إسرائيل من سيناء، وتركنا بقية الأراضى العربية المحتلة ، فإن تلك هى الخيانة بعينها ، لقد قبلنا قرار مجلس الأمن رقم 242 من أجل الحصول على الوقت الكافى لإعادة بناء قواتنا المسلحة، وأنا شخصيا غير مقتنع بالقرار لأن إسرائيل لا تفهم غير لغة القوة ، نحن ملتزمين بعدم إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل طالما هناك شبر واحد محتل من أراضينا العربية، وحتى لو تعهدنا بإنهاء حالة الحرب سيكون التعهد معلق بالانسحاب الإسرائيلى الكامل من كافة الأراضى العربية المحتلة وأولها القدس مع حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين ، لأن موافقتنا على قرار مجلس الأمن الخاص بحرية الملاحة فى قناة السويس مرتبط بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فإذا حلت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين تحل مشكلة قناة السويس.”

كان هذا المشروع الرسمى الأمريكى هو أخر عروض الولايات المتحدة الأمريكية لمصر فى عهد الرئيس الأمريكى جونسون ، وكان مضمونه الأساسي هو انسحاب إسرائيل بالكامل من سيناء دون شروط مقابل أن تفصل مصر نفسها عسكريا وسياسيا عن الدول العربية الأخرى ومصير أراضيها المحتلة .

وفى حديث لرئيس وزراء إسرائيل ليفى أشكول مع مجلة نيوزويك الأمريكية عدد ( 17 فبراير 1969 ) يقول :

( خلال العقدين الأخيرين كررنا دائما فى إسرائيل قولنا بأننا مستعدون لمناقشة مشاكلنا مع ناصر ، أننى مازلت مستعدا لأن أطير إلى القاهرة ، ولن أتحدث مع ناصر كمنتصر ولكنى سأبلغه أن إسرائيل مستعدة لإعادة سيناء كاملة إلى مصر وبدون أى قيد أو شرط حيث أنه لم تكن لإسرائيل فى أى وقت طلبات من أجل نزع سلاح سيناء ، ولكن بالنسبة لمرتفعات الجولان والقدس و الضفة الغربية فأن إسرائيل ببساطة لن تتنازل عنها ، سنرد لناصر سيناء بدون شروط مقابل أن يهتم بشئون مصر ولا يتدخل فى شئون الدول العربية الأخرى) .

وبعد وفاة أشكول وتولي جولدا مائير منصب رئيسة الوزراء فى إسرائيل كررت نفس كلام سلفها عن استعدادها للطيران إلى القاهرة والتفاوض مع الرئيس عبد الناصر ،إذا وصلتها دعوة من عبد الناصر بذلك ، بالطبع لم يرسل عبد الناصر أبدا دعوة كهذه، ولكن فى 19 نوفمبر عام 1977 حطت طائرة الرئيس الراحل أنور السادات فى القدس المحتلة بعد أن أعلن عن استعداده لزيارة إسرائيل إذا جاءته دعوة من مناحم بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلى الذى أرسل له الدعوة على الفور.

عبد الناصر بعد الهزيمة رفض كل تلك الحلول والمقترحات للحصول على سيناء بدون شروط مقابل فك ارتباطه بالعالم العربي ، والسادات بعد النصر يذهب هو بنفسه إلى فلسطين المحتلة ليحصل فى النهاية على سيناء منزوعة السلاح مع قطيعة شاملة مع العالم العربي وضياع لدور مصر الإقليمى و تبعية مقيتة للإمبراطورية الأمريكية .

فى يوم 9 سبتمبر 1969 يعلن وزير الخارجية الأمريكي وليم روجرز عن مشروع أمريكى جديد للتسوية السلمية بين مصر و إسرائيل يتضمن انسحاب إسرائيل إلى حدودها السابقة على حرب يونيو 1967 فى سيناء مقابل اعتراف مصر بإسرائيل وإنهاء حالة الحرب ، كما يتم إجراء مفاوضات بين إسرائيل والأردن بشأن الضفة الغربية والقدس ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

وفى يوم 9 نوفمبر 1969 تلقى وزير الخارجية المصري محمود رياض تلك الرسالة من وزير الخارجية الأمريكى وليم روجرز بخصوص العرض الأمريكى الجديد والذى عرف باسم (مشروع روجرز) :

عزيزى السيد الوزير

” إنى أعرف أنك مهتم بالكيفية التى سيمكن بها مراعاة الجوانب الأخرى من التسوية العربية الشاملة، وأستطيع أن أؤكد لك بأنه لا توجد لدينا النية لمحاولة فصل الجانب المتعلق ب ج.م.ع (مصر) عن الأجزاء الأخرى ، فنحن نرى التسوية كما ترونها تسوية متكاملة وشاملة، إن المطلوب هو استجابة إيجابية من حكومتكم”.

يقول أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل عن خطة روجرز أنها إعلان أمريكى صريح وقاطع بضرورة انسحاب إسرائيل إلى خطوط 4 يونيو 1967 على الجبهتين المصرية والأردنية، وقد اعتبرتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير بمثابة الكارثة.

لذا أعلنت الحكومة الإسرائيلية رفضها لخطة روجرز ، لأن إسرائيل لن تقبل بحل شامل للصراع ولكن يمكنها القبول بعودة سيناء لمصر مقابل خروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي.

لنتذكر هذا جيدا نحن نتناول وقائع جرت فى عام 1969 مصر مازالت تعانى من أثار الهزيمة ،وسيناء مازالت محتلة ، ورغم ذلك ترفض مصر باستمرار عودة سيناء فقط بدون شروط دون عودة بقية الأرض العربية المحتلة، وضمان حقوق الشعب الفلسطينى .

فى يوم 1 يناير 1970 يقول الرئيس عبد الناصر فى خطابه بالإستاد الرياضى فى الخرطوم

“لقد حاول الاستعمار بكل الوسائل طوال هذه الأشهر- سنتين ونص – أن يكسر من مقاومتنا وأن يجعلنا نستسلم ونسير فى طريق غير طريق الصمود”

إننا قلنا إننا نريد السلام ولكنا لم نقل أبداً بأى حال من الأحوال أننا نقبل الاستسلام من أول يوم، بعد النكسة قلنا إننا نعمل من أجل السلام، وهناك – أيها الإخوة – فرق كبير بين السلام وبين الاستسلام، وقد أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وهى تدعم إسرائيل بكل وسيلة من الوسائل أن يستمر تدعيمها ليس فقط بالسلاح.. ليس فقط بالمال، ولكن فى المجال السياسى، فكانت تعمل على أن تحول قرار مجلس الأمن إلى مشروعات مشبوهة للتسوية، وتقول إن قصدها من هذا السلام، ولكنا نعرف أن قصد الولايات المتحدة الأمريكية كان دائماً هو تمكين إسرائيل من رقاب الأمة العربية، وتمكين إسرائيل من أرض الأمة العربية وقد رفضنا دائماً هذه المشروعات المشبوهة من سنة ٦٨ وسنة ٦٩، كانت المشروعات تتلخص أساساً فى التفرقة بين العرب، تسوية لمصر وحدها، ثم بعد هذا تسوية للأردن، وكنا نعلم أن هذا يعنى أن القدس قد ضاعت وأعطيت لليهود، وأن الضفة الغربية قد ضاعت وأعطيت لإسرائيل، ولهذا رفضنا وقالوا لنا إن مسألة الحدود مع مصر ليست مسألة نقاش وليست مسألة مفاوضات، مسألة الأرض مع مصر ليست مسألة نقاش ومسألة مفاوضات، وقلنا وماذا عن القدس وماذا عن الضفة الغربية، إننا لا نفرق بين سيناء، بين الأرض المصرية والأرض الأردنية والأرض السورية إنها أرض عربية.. لنا جميعاً للأمة العربية.

هذه المشروعات المشبوهة للتسوية التى قامت بإعدادها وتقديمها الولايات المتحدة الأمريكية، أعرف تماماً أن الجماهير العربية الصامدة، الجماهير العربية الثائرة، الجماهير العربية المصممة لن تقبلها بأى حال من الأحوال. إننا – أيها الإخوة – لا يمكن أن نقول إننا نريد الحرب فقط من أجل الحرب، ولكنا نريد الحرب من أجل التحرير، نريد تحرير أرضنا التى استولت عليها إسرائيل، نريد الحرية لأرضنا ولأبنائنا الذين يسكنون فى القدس وفى الضفة الغربية، نريد هذا ولكنا لا نريد الحرب من أجل الحرب، إن التحرير ليس فقط حق لنا ولكنه واجب علينا. حينما نقول هذا يقولون إن العرب يريدون الحرب، قلناها وقلناها مرات ومرات، إننا نعمل من أجل السلام، وإننا نريد السلام، ولكننا لن نرضى أبداً بالمشاريع المشبوهة التى تدعونا إلى الاستسلام فقالوا إنهم يريدون الحرب من أجل الحرب، وأنا أقول إن الأمة العربية لا تريد الحرب من أجل الحرب، إنما تريد تحرير أرضها جميعاً، لن تتنازل عن شبر من أرضها بأى حال من الأحوال.”

وفى حديث للرئيس عبد الناصر مع جيمس رستون رئيس تحرير النيويورك تايمز يوم 14/2/1970

يقول عبد الناصر “: إننى لا يمكن أن أقبل إعطاء إسرائيل بوصة واحدة من الأراضى العربية، وإنى أنظر إلى المسألة كمسألة فى غاية البساطة، فإذا كان كل طرف يريد السلام فنحن أيضاً نريد السلام، ولكن ما الذى يعنيه السلام بالنسبة لنا؟ إن السلام يعنى الانسحاب التام عن المناطق المحتلة – كما سبق أن قلت – بما فى ذلك القدس، ثم يتبع ذلك أن تعود إلى الشعب الفلسطينى حقوقه. فى هذا الوقت وفى هذه الظروف يمكن أن يكون هناك سلام، ولن تكون هناك حاجة لوجود قوات دولية، ولمناطق منزوعة السلاح.

ولقد استمرت هذه المشكلة طوال عشرين عاماً؛ لأنه لم يكن هناك حل لمشكلة اللاجئين، وإذا ظلت هذه المشكلة بلا حل، فإنها ستستمر عشرين عاماً أخرى. وأرجو أن تكون قد فهمتنى، إنه من المهم أن نسأل أنفسنا دائماً ما هو السلام؟ إنهم إذا جلوا عن المناطق المحتلة، وحلوا مشكلة اللاجئين الفلسطينيين؛ فإنه لن تكون هناك مشكلة. لماذا لم يكن هناك اعتراف بحق إسرائيل فى الحياة كما تقول؟ لأنه كانت هناك مشكلة اللاجئين، وإذا استمرت مشكلة اللاجئين فلن يعترف أحد لإسرائيل بأى شىء”.

فى يوم 12 أبريل 1970 يقابل جوزيف سيسكو وكيل وزارة الخارجية الامريكية الرئيس جمال عبد الناصر لكى يقدم له عرضا جديدا للسلام يتضمن تفهم الولايات المتحدة لإصرار مصر على التسوية الشاملة للصراع ، وتفهم رفضها لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ، وطلب سيسكو فى الاجتماع من الرئيس عبد الناصر إعطاء الولايات المتحدة الأمريكية فرصة لإثبات حسن نواياها بأن تقبل مشروع روجرز الذى ينص على الانسحاب الكامل من الأراضى العربية المحتلة فى يونيو 1967 .

وقد وعد الرئيس عبد الناصر بدراسة المقترحات الأمريكية والرد عليها فى أقرب فرصة .

وبالفعل فى خطاب الرئيس عبد الناصر فى أول مايو 1970 قام بالرد على المقترحات الأمريكية بتوجيه نداء علني للرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون بأن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تختار بين أحد موقفين:

1 – تأمر إسرائيل بالانسحاب من كافة الأراضى العربية المحتلة وهذا فى قدرة الولايات المتحدة الأمريكية .

2 – إذا لم تأمر الولايات المتحدة الأمريكية إسرائيل بالانسحاب فعليها ألا تقدم لها أى دعم جديد سواء كان عسكري أو اقتصادى أو سياسي طالما تمسكت إسرائيل بمواصلة احتلالها للأراضى العربية .

كما حذر الرئيس عبد الناصر الرئيس نيكسون من عواقب استمرار الدعم الأمريكى السافر لإسرائيل وتأثير ذلك على مستقبل العلاقات العربية الأمريكية .

وفى خطابه بالخرطوم فى السودان يوم 28 مايو 1970 جدد الرئيس عبد الناصر عهده مع الأمة العربية وشدد على التزام مصر بالتسوية الشاملة للصراع العربي الإسرائيلى حيث يقول عبد الناصر :

“ما هو موقفنا اليوم؟ نحاول بكل وسيلة من الوسائل أن نستخلص حقوقنا، نعمل سياسياً ولكن حينما نعمل سياسياً نعمل بشرطين أساسين :

الشرط الأول: هو ضرورة انسحاب قوات العدوان من كل الأراضى المحتلة بعد يونيو ١٩٦٧ وليس من سيناء وحدها؛ وعلى هذا الأساس قبلنا قرار مجلس الأمن اللى صدر فى نوفمبر سنة ١٩٦٧ وحكومة إسرائيل رفضت هذا القرار، وحينما وصل مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة رفضت إسرائيل أن تجاوب على أى سؤال من أسئلته، لماذا رفضت إسرائيل؟ إسرائيل لا تريد السلام، إسرائيل تريد التوسع،إسرائيل لا تريد السلام طالما تساندها الولايات المتحدة الأمريكية بالقوة، وأنا قلت لكم أخر مرة التقيت معاكم هنا فى يناير الماضى فى عيد استقلال السودان، قلت إن إحنا نطالب بانسحاب إسرائيل من القدس قبل سيناء، ومن المرتفعات السورية مرتفعات الجولان قبل سيناء، ومن غزة قبل سيناء ومن الضفة الغربية للأردن قبل سيناء، ومن كل شبر من الأرض العربية مشت عليه قوى المؤامرة الكبرى التى وجهت عواصفها المجنونة ضد أمتنا يوم ٥ يونيو 1967 .

الشرط الثانى: هذا أيضاً يدخل ضمن قرار مجلس الأمن، وهو ضرورة عودة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين، وحق هذا الشعب الآن ليس كما كان يقال باعتباره شعباً من اللاجئين، وبتقول إسرائيل إنها علشان تحل مشكلة هذا الشعب بيتعمل مؤتمر دولى، ويتحل الموضوع فى هذا المؤتمر الدولى، وإنما يجب أن يكون الحل كما أثبت هذا الشعب – وبأصالة – أنه شعب من الفدائيين المناضلين الذين يقاتلون فى سبيل حقهم وفى سبيل أرضهم .”

وفى يوم 19 يونيو 1970 جاء الرد الأمريكى على نداء الرئيس عبد الناصر للرئيس الأمريكى نيكسون فى رسالة بعث بها وزير الخارجية الأمريكى وليم روجرز لنظيره المصري محمود رياض جاء فيها ما عرف فيما بعد بمبادرة روجرز :

1 – قيام كل من مصر و إسرائيل بتعيين ممثلين لكل منهما فى المناقشات التى ستدور تحت إشراف المبعوث الامريكى “جونار يارنج” لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 بكل أجزائه .

2 – هدف هذه المناقشات هو التوصل إلى اتفاق على إقامة سلام عادل وشامل بين مصر و إسرائيل يقوم على الاعتراف المشترك بحق كل منهما فى السيادة والاستقلال السياسي،والانسحاب الإسرائيلى من أراضى تم احتلالها عام 1967 بما يتماشى مع القرار 242 .

3 – موافقة مصر و إسرائيل على وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة شهور اعتبارا من أول يوليو حتى أول أكتوبر 1970 .

تسلم تلك الرسالة السفير صلاح جوهر وكيل وزارة الخارجية المصرية من دونالد بيرجس رئيس قسم المصالح الأمريكية فى القاهرة،وفى المقابلة قدم بيرجس إيضاحات رسمية إضافية من الحكومة الأمريكية قائلا انه يرجو من الحكومة المصرية أن تضع فى اعتبارها أن المبادرة تتضمن تنازلات هامة من جانب إسرائيل تتمثل فى كون المفاوضات ستكون غير مباشرة ، وأن الانسحاب من الأراضى العربية المحتلة سيكون قبل بدء المفاوضات غير المباشرة .

لنلاحظ ذلك جيدا: الانسحاب الإسرائيلى سيكون قبل بدء المفاوضات والتى ستكون غير مباشرة بل عبر وسطاء .

فى يوم 22 يونيو 1970 وأثناء خطابه فى ليبيا بمناسبة الاحتفال بجلاء القوات الأمريكية عن قاعدة هويلس وجه الرئيس عبد الناصر للأمة العربية الكلمات التالية :

“إننا فى مصر نقاتل باستمرار، إن إخوتكم فى جبهة القناة يتعرضون لغارات جوية يومياً تبلغ ١٥٠ طيارة أو ١٨٠ طيارة، هذه الطائرات هى صناعة أمريكية طائرات “الفانتوم” وطائرات “السكاى هوك” هذه الطائرات لم تكن عند إسرائيل قبل العدوان، ولكن إسرائيل استلمتها من الولايات المتحدة الأمريكية سنة ١٩٦٩.. ماذا يعنى هذا؟ يعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد إسرائيل فى أن تفرض شروطها على الأمة العربية، وإذا لم تقبل الأمة العربية هذه الشروط فإن “الفانتوم” و”السكاى هوك” الأمريكية ستدك المصانع وستدك المنازل وستدك كل شىء، ولكنا قلنا رغم هذا إننا لن نوقف إطلاق النار وسنستمر فى معركتنا ولو دمروا بيوتنا.. ولو دمروا مصانعنا

أيها الإخوة

إن الجمهورية العربية المتحدة فى سنة ١٩٦٧ كانت ميزانيتها للقوات المسلحة ١٦٧ مليون جنيه، وهذا العام ميزانية القوات المسلحة فى الجمهورية العربية المتحدة هى ٥٥٠ مليون جنيه

لقد قبل إخوتكم فى الجمهورية العربية المتحدة أن يتقبلوا بكل هذا، وأن يدفعوا كل هذا من أجل المعركة.. معركة الأمة العربية

لقد قالوا لنا إنهم على استعداد… قالت أمريكا إن إسرائيل على استعداد أن تجلو عن سيناء وعن كل الأرض المصرية على أن نتجاهل كلية القدس والضفة الغربية وهضبة الجولان، وقلنا لهم إن الانسحاب من القدس والضفة الغربية وهضبة الجولان يجب أن يكون قبل الانسحاب من سيناء لأن هذه المعركة هى معركة قومية عربية”

وفى يوم 22 يوليو 1970 سلم وزير الخارجية المصري محمود رياض رد مصر على مبادرة روجرز لدونالد بيرجس رئيس قسم المصالح الأمريكية فى القاهرة ، وقد تضمن الرد ارتباط الموافقة المصرية على مبادرة روجرز بنقطتين :

أولا : الانسحاب الإسرائيلى الشامل من جميع الأراضى العربية المحتلة .

ثانيا : التمسك بالحقوق الكاملة للشعب الفلسطينى كما حددتها قرارات الأمم المتحدة .

وفى مساء 23 يوليو 1970 قام سيسكو وكيل وزارة الخارجية الأمريكية بإخطار اسحق رابين سفير إسرائيل بالولايات المتحدة بموافقة عبد الناصر على مبادرة روجرز .

وأثناء خطابه فى الاحتفال بالعيد الثامن عشر لثورة 23 يوليو حدد الرئيس عبد الناصر مفهوم مصر لمضمون مبادرة روجرز ، وشروطها لتحقيق السلام العادل والشامل ، حيث قال :

“إن هدفنا محدد، وهو معروف، وهدف العدو غير محدد، وإن كان الكل يعرفه، وهو التوسع والاستيلاء على الأراضى العربية. هدفنا يتركز فى نقطتين:

الانسحاب من جميع الأراضى العربية المحتلة: الجولان، الضفة الغربية، القدس، قطاع غزة، سيناء.

النقطة الثانية: الحقوق المشروعة لشعب فلسطين؛ وفقاً لقرارات الأمم المتحدة. وهذه الحقوق وإنكار إسرائيل لها هى التى أثرت على الموقف فى المنطقة طوال السنوات الاثنين وعشرين اللى فاتت، إن كان فيه لجنة مصالحة أو لجنة توفيق، وكانت هذه اللجنة المطلوب منها أن تنفذ قرارات الأمم المتحدة واللجنة كانت مكونة من أمريكا.. ولازالت مكونة من أمريكا وفرنسا وتركيا، واجتمعت إسرائيل مع هذه اللجنة، واجتمع العرب مع هذه اللجنة سنة ٤٩، وكان شغل اللجنة إعادة الشعب الفلسطينى إلى وطنه، إعادة حقوقه إليه، ولكن اللجنة اجتمعت اجتماعاً واحداً وبعد هذا لم تجتمع.

العدو يرفض تنفيذ قرار مجلس الأمن، يعتبر قرار مجلس الأمن مجرد جدول أعمال لمحادثات بيننا وبينه فى مفاوضات مباشرة، وهذا ما رفضناه، وما زلنا نرفضه، ولكن مطامع العدو معروفة، وتصرفات العدو فى كل يوم تبين أن مطامع العدو هى التوسع. الحقيقة من البديهى إما سلام وإما توسع، لا يمكن أن يكون هناك سلام مع التوسع.

أنا قلت لكم على النقط اللى جات فى جواب وزير الخارجية الأمريكى:

النقطة الأولى: وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل لمدة ثلاثة أشهر.

النقطة الثانية: “يارنج” يعود لمهمته، بعد كده بيطلب من الدول إنها تنفذ قرار مجلس الأمن تنفيذاً كاملاً.. تنفيذ قرار مجلس الأمن بكل أجزائه؛ بالتوصل إلى اتفاق حول إقامة سلام عادل ودائم؛ مستنداً إلى الإقرار من جميع الأطراف بالسيادة، وسلامة الأراضى، والاستقلال لكل دولة، ثم الانسحاب الإسرائيلى من الأراضى المحتلة خلال نزاع عام ١٩٦٧؛ وذلك طبقاً لقرار مجلس الأمن ٢٤٢. وأنا قلت إن تفسير هذا القرار يظهر فى المقدمة بأنه يؤكد عدم إمكانية الحصول على أراض بواسطة الحرب؛ يعنى الحاجات اللى جات لنا من أمريكا حاجات مش جديدة.

وزير الخارجية المصرى بعث بالأمس رده على الرسالة التى تلقاها من وزير الخارجية الأمريكى، وأبلغه أننا نوافق على تنفيذ قرار مجلس الأمن، وان قرار مجلس الأمن يعنى الانسحاب من كل الأراضى العربية المحتلة، وحقوق شعب فلسطين وفقاً لقرارات الأمم المتحدة. وأبلغه إنهم بيقولوا إن إسرائيل تريد السلام ونحن نريد الحرب، ونريد إفناء إسرائيل أو اليهود، ولكن الوضع الصحيح أو الوضع السليم أن مصر وافقت من سنة ٦٧ على قرار مجلس الأمن، وإسرائيل لم توافق على قرار مجلس الأمن. وأبلغه أن المقترحات ليس فيها جديد؛ بل كلها تضمنها قرار مجلس الأمن سنة ١٩٦٧ الذى ساعدت أمريكا على عدم تنفيذه؛ لأن سياستها لم تكن متوازنة بل منحازة لإسرائيل، وأبلغه أننا نوافق على المقترحات الأمريكية.”

انهارت الحكومة الائتلافية فى إسرائيل عقب موافقة غولدا مائير على مبادرة روجرز ، حيث صرح مناحم بيجن وزير الدولة وقتها : إن مبادرة روجرز لا تعنى فقط الانسحاب الإسرائيلى الكامل من سيناء، ولكنها تعنى أيضا الانسحاب الإسرائيلى الكامل من الضفة الغربية لنهر الأردن مع ضمان حق الفلسطينيين فى العودة أو التعويض عن فقدان وطنهم.

أثار قبول الرئيس عبد الناصر لمبادرة روجرز غضب الفصائل الفلسطينية المسلحة التى خشيت أن يكون قبول المبادرة مقدمة إلى سلام مصري إسرائيلي، فى أغسطس 1970 سافر وفد من قادة الفصائل الفلسطينية إلى الإسكندرية للقاء الرئيس عبد الناصر ضم الوفد ياسر عرفات ، فاروق القدومى ، صلاح خلف ، هايل عبد الحميد عن منظمة ( فتح ) ، وضافى جمعان عن ( الصاعقة( ، وإبراهيم بكر عن ( المستقلين ) ، فى الاجتماع قال لهم الرئيس عبد الناصر :لا أفهم كيف تهاجموننى دون أن تقفوا على حقيقة بواعثى لقبول مبادرة روجرز؟ أننى موقن أن حظ المشروع من النجاح هو واحد بالألف ، فإسرائيل لن تنسحب من كامل الأراضى العربية وأنا لن أقبل بأقل من ذلك ، بقبولى لمبادرة روجرز أكسب وقت لكى ننصب حائط الصواريخ على حافة قناة السويس لكى أقضى على غارات الطيران الإسرائيلى ولشن معركة تحرير أراضينا العربية المحتلة ، والتى لن تتأخر تحت أى ظرف عن ربيع عام 1971.

هذا ما تخبرنا به الوثائق عن عروض السلام الأمريكية والإسرائيلية لمصر بعد هزيمة يونيو 1967 .

المصادر:
وثائق عبد الناصر ج1 (1967-1968)
وثائق عبد الناصر ج2 (1969-1970)
اليوم السابع .. الحرب المستحيلة .. حرب الاستنزاف: محمود عوض
البحث عن السلام والصراع فى الشرق الأوسط .. مذكرات محمود رياض ج1 
شهادة سامى شرف سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر ج1
الافتراء على ثورة يوليو : عبد الله امام
مع هيكل ... مجموعة الطريق إلى أكتوبر
أكتوبر 1973 .. السلاح والسياسة: محمد حسنين هيكل
مقال "عبد الناصر رفض استرداد سيناء منزوعة السلاح " : سامى شرف

فصل من كتاب " معارك ناصرية .. قراءة جديدة فى تاريخنا المعاصر " : عمرو صابح

مهاتير محمد يصفع المطبعين مع كيان ” اللصوص”


جبريل عوده 

صفعة على وجه المطبعين ودعاة الإعتراف بـ “إسرائيل ” , تسددها الكف الماليزية المتسلحة بقوة المبدأ ورسوخ العقيدة , قضية فلسطين ليست قضية دينية وحسب , بل هي قضية حقوق إنسان, وعملية سطو من مجموعة لصوص على وطن الفلسطينيين , هذا هو الخطاب الماليزي الرسمي, في حين يتهافت أشقياء السياسة وتعساء الخارجية العرب , من أجل إلتقاط صورة مع المجرم بنيامين نتانياهو , وتنجرف الأنظمة العربية تسوسها عصا ترامب, كقطيع يهرول إلى وادي التطبيع المنتن , يبيع هؤلاء غطاء كرامتهم وخيمة عزتهم , يعلم الكيان الصهيوني وداعمته أمريكيا جيداً أن الإنتكاسة العربية , وسيطرة الأنظمة القمعية على المنطقة بمثابة ترياق الحياة للكيان الصهيوني , فما بالكم لو سُيرت تلك الأنظمة بما تسيطر عليه من خيرات ومقدرات الأمة , لتكون في ركب جيوش الدفاع عن الكيان الصهيوني وفقاً للرؤية الأمريكية في صفقة القرن .

فلم تعد فلسطين على جدول إهتمامات الحكام العرب , ولذر الرماد في عيون الغافلين , تردد وسائل الإعلام الرسمية , بأن الزعماء المبجلون مع الحق الفلسطيني , ولن يتركوا الشعب الفلسطيني دون إستعادة حقوقه , وحين التمعن في مبادرة الأنظمة العربية للتسوية , ترى السم جلياً وقد دُس في تفاصيلها , أنهم بكل صراحة يعترفون للصهاينة بالحق في أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين , مع وعود سخية لكيان الإحتلال أن تفتح أمامه الأقطار في مشارق الأرض ومغاربها بالإعتراف والتطبيع وإقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة, أليس هذا هو التخلي الكامل عن دولة عضو في الجامعة العربية , وقعت أراضيها بالكامل تحت الإحتلال الأجنبي, ومن واجب العرب وفقاً لاتفاقيات الدفاع المشترك , ومن منطلقات الدين والعروبة أن تنتصر لفلسطين وشعبها , وتهب على قلب رجل واحد , من أجل إستعادة فلسطين وتحريرها وطرد المحتلين , أليس هذا هو الواجب الذي يجب أن يكون ؟ , أليس هذا هو المسار العروبي والقومي والإسلامي لمواجهة أي عدوان خارجي ؟ إلا أن ذلك لم يحدث !.

مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا , يتحدث بالحقائق التاريخية حينما يصف ” إسرائيل” بدولة لصوص , هي كذلك وستبقى كذلك إلى أن تزول , دولة لصوص قامت بالسطو بسيف الإرهاب وبدعم وإعتراف قوى الإستعمار العالمي على وطن الفلسطينيين , هذا التوصيف التاريخي الدقيق لن تغيره كل مبادرات التسوية أو القرارات المجحفة للأمم المتحدة أو التطبيع المخزي, فالإعتراف بأحقية اللص وتملكه للأشياء التي حازها عن طريق اللصوصية , يعتبر جريمة لا تقبلها الإنسانية ولا يقر لا عقل ولادين  ولا عرف .

موقف حكومة مهاتير يستند إلى الشعب الماليزي صاحب الموقف التاريخي الداعم للحق الفلسطيني , ومساندة للقضية الفلسطينية في كافة المحافل, ترفض التعامل مع الإحتلال الغاشم الذي يسطو على حقوق الشعوب المستضعفة , تحت أي دواعي واهية ومبررات سخيفة , هذه الثقافة الأصيلة والتي أبرز مكوناتها الإنتماء لهذا الأمة الواحدة , التي ترى في مظلومية المسلم في أي مكان هي مظلمتها الخاصة , كما تؤمن بأن الإنسانية الحقة ترفض إغتصاب الاوطان والحقوق , فمن يؤمن بحقوق الإنسان, يجب أن يكون في الصف المساند للحق الفلسطيني في مواجهة الباطل الصهيوني , وأن يعمل ويساند هذا الشعب من أجل الإنفكاك والتخلص من الإحتلال البغيض .

ويتضح لنا من هذا الموقف البطولي للسياسة الماليزية العامة , بأن الإستناد للشعب من أبرز مقومات القوة والإستقلالية ,فما لاشك فيه بأن رفض ماليزيا الإعتراف  ب “إسرائيل” , سيضعها في مواجهة راعي البقر الأمريكي , الذي يصدر القرارات المتلاحقة في سبيل تعزيز سيطرة الصهاينة وشرعنة إحتلالهم للأراضي العربية في فلسطين والجولان السورية , ويسخر كل جهوده الدبلوماسية من أجل تمرير صفقة القرن ’ التي تحاول أن تزرع الكيان الصهيوني كجزء من المنطقة العربية وتحالفاتها التي تصب في المصلحة الصهيوأمريكية , وهذا ما رأيناه في مؤتمر “وارسو” في منتصف فبراير2019م , مع ذلك تواصل الحكومة الماليزية الدفاع رؤيتها السياسية لكافة القضايا الإسلامية والعالمية في توافق وإنسجام شعبي ورسمي منقطع النظير, هل عجزت الدول العربية أن تسجل نفس الموقف وترفض الإعتراف بكيان الإحتلال ؟, وتقوم بإغلاق أبواب عواصمها أمام الصهاينة بعيداً عن الحجج والأعذار التي تسقط أمام سطوع الحق الفلسطيني, وبذلك تسجل إنتصاراً حقيقياً للقضية الفلسطينية ,ومساندة فاعلة للشعب الفلسطيني ومقاومته في معركته لإسترداد حقه وتحرير أرضه.

هل يمنح ترامب "الضوء الأخضر" لضربة اسرائيليّة للبنان؟


محمد علوش

ترتفع وتيرة التوتر في المنطقة، بظل قرارات فرديّة غريبة للإدارة الأميركية تهدف الى التمهيد لإعلان قريب لـ"صفقة القرن"، وتصعيد عسكري ​اسرائيل​ي في ​سوريا​ وغزة، يراه البعض متعلّقا ب​الانتخابات​ الاسرائيليّة القريبة موعدها، وتراه قيادة ​حزب الله​ إنذارا لا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل معه وكأنه لم يكن.

يعلم "محور ​المقاومة​" أن الصراع في المنطقة لم يُحسم بعد، وأن كل يقدّمه وإنجازاته في سوريا و​العراق​ لا تعني أن الصراعات انتهت، بل هي مجرد دافع لتعنّت الفريق الاميركي-الاسرائيلي أكثر. في هذا السياق، ترى مصادر مطلعة أن قرارات الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ تشكّل رافعة انتخابية لرئيس وزراء اسرائيل ​بنيامين نتانياهو​، ولكن هذا لا يعني أنها لن تؤدي الى نتائج أخرى، قد تكون مقصودة من قبل الاميركيين او غير مقصودة.

لا شكّ أن الأميركي كان رافضا لأي تصعيد عسكري كبير في منطقتنا، ولكن هذا كان العام الماضي، وبحسب المصادر فإن جنون الإدارة الاميركية وسعيها لتمرير "صفقة القرن" بكل ما أوتيت من قوّة، يفتح الباب أمام كل الاحتمالات ومن ضمنها تمادي ​الجيش الاسرائيلي​ بالاعتداءات العسكريّة والتسبب بحرب أو شبه حرب، كاشفة عن وجود معطيات تتحدث عن نيّة اسرائيليّة لتنفيذ عمليّة عسكريّة سريعة في ​لبنان​، تستهدف من خلالها مراكز معينة لحزب الله في وقت واحد.

وتضيف عبر "النشرة"، "إن قرارات ترامب الجنونية لن تتوقف، لذلك فإن حزب الله كثف حضوره في ​الجنوب​ اللبناني في الفترة الماضية، وهو، رغم جهوزيته الدائمة بوجه أي اعتداء اسرائيلي، أعدّ الخطط الكاملة لمواجهة أيّ عمل عدواني"، كاشفة أن التحضير لا ينحصر على مستوى الجنوب اللبناني فحسب، بل ان الحزب سيستفيد من انتشاره الجغرافي الواسع بين لبنان وسوريا في أيّ عمل عسكري مقبل، نظرا لامتلاكه الإمكانات الصاروخيّة التي تمكّنه من فعل ذلك.

وتشير المصادر الى أن اسرائيل تتوقّع أن ردّ حزب الله على عملية عسكرية سريعة سيكون بحجم الهجوم لناحية التوقيت، اذ يقوم بضرب عدّة ​صواريخ​ عليها، يسقط بعضها بفعل القبب الحديدية، وينتهي الأمر، على أن تكون هي قد حقّقت نتائج باهرة في نوعيّة الأهداف التي ضربتها"، مشيرة الى أن ​القيادة​ الاسرائيليّة ترى أنّ حزب الله وسوريا و​إيران​ لا يريدون الدخول في حرب استنزاف طويلة بسبب كل ما يمرّ به هذا الفريق في المنطقة، سواء من الناحية الاقتصاديّة او العسكريّة، وهذا ما يجعل الردّ على الضربة الاسرائيليّة محدودا.

بالمقابل، ورغم كل هذه التقارير، تؤكّد المصادر انّ الحديث عن ضربة عسكريّة، لا يبدو منطقيًّا، إنما لم يعد للمنطق أي مكان في أحداث المنطقة، مشيرة الى أن المنطق يقول بأن اسرائيل التي تحاول كل فترة "فحص" قدرات ​حركة حماس​ في غزة، تجد انها تتعاظم، ما يجعلها تعيد التفكير مليا في خطواتها على صعيد لبنان، وهذا ما حصل في المعركة الاخيرة بغزة، لافتة الى أن الجميع وبمن فيهم قادة اسرائيل يعلمون بأن العمل العسكري في لبنان سيكلّفهم غاليا.

تعوّل القيادة الاسرائيلية على الضعف الاقتصادي لمحور المقاومة، ولكن، لا يجب أن يغيب عن بالها أن "حسابات الحقل قد لا تنطبق على حسابات البيدر"، ما يجعل أي مغامرة، أشبه بـ"مقامرة على وجودها".

المشروع القومى الذى أهدرناه


عبدالله السناوي

فى (٢٦) يوليو (١٩٥٦) ولدت زعامة «جمال عبدالناصر» بميدان المنشية، الذى تعرض فيه قبل عامين (١٩٥٤) لمحاولة اغتيال من جماعة «الإخوان المسلمين».

ألهمت صرخته من على منبر الأزهر الشريف: «الله أكبر.. سنقاتل ولن نستسلم أبدا»، حركات التحرير فى العالم الثالث.
لم تكن مصادفة أن مصر اكتسبت قيادتها للعالم العربى والقارة الإفريقية، وتقدمت لقيادة حركة عدم الانحياز بعد ملحمة الصمود فى حرب السويس.
لا توجد أدوار بلا أثمان وتكاليف ومتطلبات، وأى زعم آخر تجديف فى الوهم.

رغم آلاف الوثائق والشهادات والكتب التى نشرت عن حرب السويس فإن هناك من يطلب نزع أى قيمة عن التضحيات التى بذلت حتى يكون استقلال القرار الوطنى مستحقا.

جرى بناء السد العالى أكبر مشروع هندسى فى العالم بالقرن العشرين، وبنت «يوليو» بقدر ما استطاعت مصانع ومدارس ومستشفيات وعمرت الريف ونهضت بالطبقة الوسطى، انحازت إلى قوى الإنتاج والطبقات الأكثر حرمانا.

المشروعات الكبرى تقاس بنتائجها السياسية والاجتماعية كما أرقام عوائدها الاقتصادية.

هناك ما ينتقد فى التجربة الاجتماعية والاقتصادية لثورة «يوليو»، فلا تجارب إنسانية تستعصى على الأخطاء.

كل نقد مشروع وطبيعى، طالما استند على معلومات مدققة وقراءة فى الأرقام قبل إصدار الأحكام باجتهاد، غير أن تجربتها لا تضارعها أية تجربة مصرية أخرى من حيث التزامها قضية العدالة الاجتماعية وحجم الحراك الاجتماعى الذى أحدثته.

لم يكن تأميم القناة سوى خطوة فى مشروع امتد إلى كل مناحى تحسين جودة الحياة، وإشاعة العدل الاجتماعى.

لم يكن هناك تخطيط اقتصادى مسبق لما بعد تأميم قناة السويس.

السياسات أخذت زخمها من قوة الفعل وحجم التطلع إلى تحسين أحوال المواطنين، وأخذت تتبلور من خطوة إلى أخرى حتى اكتسبت «يوليو» مشروعها.

لخص السيناريست «محفوظ عبدالرحمن» على لسان زعيم «يوليو» فى الشريط السينمائى «ناصر ٥٦» معركة التأميم على أنها مسألة كرامة للمصريين العاديين، الذين كتب عليهم أن يخسروا إذا لعبوا مع ابن العمدة.. وأن يضربوا إذا دخلوا فى مشادات.. حتى إذا فكروا أن يمشوا بجوار الحائط لتجنب المشكلات لن يتركوا فى حالهم.

فى لحظة مواجهة قرر واحد ممن أطلق عليهم كاتب السيناريو «أولاد عويس» أن يأخذ بثأر من ماتوا أثناء حفر القناة، وأن يرفع رأسه دون أن يكون مضطرا أن يمشى بجوار الحائط.

وفى الحرب اكتشفت مصر نفسها من جديد وبدت أمام «الباب المفتوح» ـ وفق رواية الدكتورة «لطيفة الزيات» عن تلك الفترة والروح التى بثتها.

جرت أحداث الرواية بين عامى (١٩٤٦) حيث ولد جيل جديد صاغت تجربته حقائق ما بعد الحرب العالمية الثانية و(١٩٥٦) حيث ألهمت حرب السويس روحا استقلالية وتحررية ونظرة مختلفة لقضية المرأة، كما لخصتها «ليلى» بطلة النص الروائى، التى تمردت على قيودها ونظرة المجتمع إلى دور المرأة، واكتسبت حقها فى الحرية بالانضمام إلى الفدائيين فى بورسعيد إسعافا لجرحى وتضميدا لآلام.

«أردت أن أقول إن طريق الخلاص هو بالارتباط بقضايا أكبر يجد الإنسان نفسه فيها» ـ كما قالت المؤلفة.

فى تجربة الحرب تأكدت حقيقة أساسية أن من يقاتلون ويدفعون فواتير الدم هم أصحاب الحق الأصيل فى البلد، فى الصحة والتعليم وحق العمل والترقى بالكفاءة دون تمييز بين امرأة ورجل.
ما معنى أن يكون هناك مشروع قومى؟

هناك من يتصوره محض مشروع اقتصادى، أو زراعى، أو صناعى كبير، تحشد من حوله الطاقات والقوى وتكتب وتلحن من أجله الأغانى ــ فى طلب نفس الأثر الذى أحدثه مشروع «السد العالى» دون الخوض فى معارك سياسية أو عسكرية، كالتى جرت بسببه ومن حوله.

لم يكن السد العالى سوى معركة فى حرب حقيقية حول المنطقة ــ بند فى مشروع، وليس كل المشروع!
كانت معركة شاملة دخل الفن طرفا فيها.

معركة لم تصنعها «الأغانى»، بل هى التى صنعت أغانيها.

تصدر «صلاح جاهين» مشهد الأحلام الكبرى.

بقدر ما أخلص لاعتقاده أثرت أناشيده جيلا بعد آخر، رغم ما ألم به من اكتئاب حاد بعد هزيمة «يونيو».

بدت «جوابات حراجى القط العامل فى السد العالى وزوجته فاطنة أحمد عبدالغفار»، التى أبدعها باللهجة الصعيدية «عبدالرحمن الأبنودى»، نظرة عميقة فى فلسفة الحياة والغربة والتحول داخل مجتمع مهمش وفقير إلى عالم جديد.

التحول فى أساليب الإنتاج من «صاحب فأس» إلى «أسطى فى السد العالى» ألهم الشعر وأضفى عليه إلهامه.

أى مشروع يكتسب قيمته من قدرته على صياغة إرادة التغيير فى مجتمعه بما يتسق مع احتياجاته وفق رؤية للمكان والزمان والإنسان.

أسس السد العالى لعصر التصنيع الثقيل وتمصير الاقتصاد المصرى وبناء قطاع عام قوى وقادر على التنمية والوفاء بمتطلبات الانتقال إلى عصر جديد أكثر عدلا اجتماعيا.

ارتبط بتوليد الكهرباء إلى معدلات غير مسبوقة بحسابات زمانها وزيادة رقعة الأراضى الزراعية مع اتساع الخدمات الصحية والتعليمية.

اكتسب السد العالى رمزيته من سياق مشروعه.

أكثر ما يسىء لأى مشروع من هذا الحجم النظر إليه كنوع من «التوحيد» الإجبارى وراء فكر واحد.. وزعيم واحد.
المشروع القومى هو مجموعة «القيم الأساسية»، التى تحكم الحركة إلى المستقبل وتمثل المشترك الأعظم بين جميع القوى والاتجاهات السياسية.

المشروع القومى لم يخترعه «عبدالناصر»، فهو لم يخترع الوحدة العربية ولا خلق من فراغ أحلامها وتطلعاتها، وهو لم يخترع مطلب الاستقلال الوطنى والاستعداد للتضحية فى سبيلها، لم يؤلف دور مصر فى المنطقة؛ حيث حقائق الجغرافيا والتاريخ تدعو إليه، ولم يكتشف مقتضيات العدل الاجتماعى.

الأفكار الرئيسية لـ«جمال عبدالناصر» كلها ـ تقريبا ـ كانت موجودة فى الجو السياسى والثقافى العام قبل ثورة يوليو.
كأى مشروع بهذا الحجم فهو إرث وطنى وقومى وإنسانى عام بكل حمولاته من مغانم ومغارم.

مواريث السياسة ليست كلها مغانم، فالمغارم مما يورث أيضا.

9 مارس(آذار) 1969(استشهاد عبد المنعم رياض )يوم الشهيد

محمود كامل الكومى

يفنى الجسد , وتبقى الروح تحوم فى سماء الكون , تتلأ لأ  على مدار الأيام والسنين تدوم , تذكر الأجيال كل عام فى ذكرى صعودها الى العلا , بالبطولة والشهامة وملاقاة الأعداء والزود عن الأوطان من أجل أن تعيش الأجيال مرفوعة الهامة , قادرة على التقدم والأستقامة , مغردة بأسم الشهيد مرددة , يا شهيد العلا ورمز الفداء , أنزلوك التراب , وأنت فى نهر الجنة ترتوى شهدا عذبا زلال,  تضىء لنا طريق ِالنصر على الأعادى فى كل يوم غادى .

يبقى على الدوام التاسع من مارس 1969 يوماً مشهوداً فى التاريخ المصرى والعربى والأنسانى , ذلك اليوم الذى جسد البطولة فى أرقى معانيها والشهادة فى قمة مراميها , فالعصر الحديث لم ير لقيادة الجيوش أن تقود اِلا من خلال غرفة قيادة بعيدأً عن أرض المعركة توجه وتخطط من خلال شبكة عمليات واتصالات معقده , لكن شهيدنا وقد اكتوى بنار التآمر , والاِحالة بينه وبين ملاقاة العدو الغادر فى حرب الأيام الستة , حين ابعده العملاء هناك,  بالتأمر مع عبد الحكيم عامر وشمس بدران ومع من حكم  الاردن فى السابق , لكى يغيب النهار وتأتى لحظة الغروب تتخبىء ورا ظهر الشجر.

أبداً بلدنا للنهار بتحب موال النهار لما يعدى فى الدروب ويغنى قدام كل دار , رويداً رويداً بدى النهار ولاح بعودة عبد المنعم رياض الى الدار , بأوامر حارس الدار , جمال عبد الناصر , حيث تصدى فى عز  الانكسار للعدو فى رأس العش وأنتصر , وأعاد بناء ما انكسر , وفاق كل التوقعات حين تجاوز النكسه وعبر مرات ومرات ومن جنود العدا خطف , ودمر كل الدشم الحصينة لخط بارليف , وتطور الى ردع العدو , وخطط لتحرير الأرض فوضع جرانيت كخطط , وعلى ذلك تقدم بين جنوده فى أقرب نقطه مع العدو يشاهد بنفسه كيف ان العدو اندحر وأطمأن , وطالته القذائف حين انهمرت على موقعة المتقدم , فسالت دمائه تروى الأرض , وتسقى العطشى للتحرير حتى كانت لحظة العبور الكبير فى 6 أكتوبر 1973.

حين أشاروا عليه أن يعلن نبأ استشهاد عبد المنعم رياض فى حادث سير ( حتى لايفرح العدو) رفض جمال عبد الناصر معلنا أنه يشرف روح رياض أن تصعد الى بارئها وسط جنوده من أرض المعركه , ليجسد البطولة والشهادة فى أبهى معانيها ونعاه عبد الناصر بدمه ودموعه ,وصار خلفه وسط هتاف الجماهير " رياض , رياض ,ممتش , الحرب لسه منتهتش ".

أستشهاد عبد المنعم رياض مَثَل الشهادة الحقة بكل مغزاها ومعناها لا كما يسفه معناها الآن , فالرجل مات وهو يواجه عدو الله والانسانية (العدو الصهيونى) المغتصب والمعتدى على أمتنا العربية , والرجل أستشهد وسط جنوده يشاركهم مواجهة العدو على خط النار  ويزيد بأن يتقدمهم فى أقرب نقطة تماس مع العدو -  والرجل كان قد ساهم بنصيب الأسد فى وضع الخطط التى تزيل آثار العدوان وتحرر سيناء وتتقدم , لذا كانت شهادته تجسيداً حياً لكل الشهداء الذين خضبوا بدمائهم تراب الأرض العربية فى مواجهاتهم للعدو الصهيونى على مدار السنين وفى كل الحروب من 1948 الى 1973 والى الآن فى فلسطين وجنوب لبنان وسوريا  , لذلك صار يوم استشهادة فى 9 مارس (آذار) يوما لكل الشهداء .

لكن روح الشهيد عبد المنعم رياض تتأذى حين نستحضرها الآن احتفاء بها وبروح كل الشهداء , وهى تطل  من خلال نصبها التذكارى المتجسد فى تمثل له  يتوسط ميدان سمى بأسمه فى قلب القاهرة , لترى على مقربة منه وعلى ضفاف النيل , سفارة العدو الصهيونى تحتفل فى العام الماضى بماسمى قيام دولة اسرائيل (الذى هو يوم النكبة) ويشاركها  حفل الخمور مع السفير الصهيونى عملاء تسموا مصريين يفرقعون الكاسات ويهدرون دماء الشهداء .

لكن الشرفاء من شعبنا العربى يدركون أن الشهداء احياء عند ربهم يرزقون , تستلهم منهم الروح والأمل ,والسير على منوالهم وحرمة المساس بقيمهم وما استشهدوا من اجله ,حتى يتحقق الهدف الذى استشهدوا من أجله وهو تحرير فلسطين من الغاصب الصهيونى, وعودة شعبنا الفلسطينى الى دياره , والى أن يتحقق ذلك ستظل ارواح الشهداء وروح الفريق عبد المنعم رياض وروح جمال عبد الناصر , تحوم حولنا  تذكرنا  بالبطولة والشجاعة وأنكار الذات .

وهنا يعزف البروجى نوبة رجوع فاللحن حزين لكنه يتصاعد بأرواح الشهداء الى السماء لتعيش رغد الجنان وتسير بجندولها فى الروان والريان , ولايسعنا الآن فى هذا الزمن- الذى تباع فيه الأوطان لتقلب العدو الصهيونى الى أحر الأصدقاء أهدرا لدماء الشهداء وخيانة لأرواحهم الطاهرة ,ليصنعوا من الأصدقاء والأخوة فى العروبة  أعداء ,لتشيح روح الشهيد رياض وكل الشهداء عنا نورها .
فمتى يعزف البروجى نوبة الصحيان , حتى تعود الضياء ؟ !.

الأقليات الدينية ولعنة السلطة


زياد هواش

في العراق وسوريا ولبنان نموذجا كارثيا في المنطقة والاقليم عن كيفية تطور طبيعة ووظيفة السلطة السياسية القائمة بقوة الإرهاب الديني والمذهبي تحت غطاء الهويات القومية المخادعة والمصنّعة في اوروبا في كيانات سايكس_بيكو القلقة وغير المستقرة والاستعمارية عكس التاريخية.

لا يستطيع هذا النص ان يتجاوز المصطلحات الدينية والمذهبية الفوضوية والعبثية لضرورة البدء بمحاربة هذه الهويات السياسية السائدة والمُتسيدة في المنطقة والاقليم والتي تتسم بقدرات شيطانية تسمح لحامليها بفعل القتل الجماعي الطقسي الوثني والمبرر والمقدس بدون أي رادع أخلاقي او انساني.

عندما اعتبر الموارنة في لبنان ان اللاجئين الفلسطينيين ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية يشكلون خطرا وجوديا اي (سلطويا وطائفيا) عليهم وخصوصا بعد احداث الأردن المأساوية في العام 1970 او ما صار يعرف بأحداث "ايلول الأسود" اتجهوا الى التحالف مع القوة الإقليمية الأقرب إليهم "إسرائيل".

تتالت الاحداث الغرائبية في لبنان وصولا الى ما صار يعرف بثورة الأرز او ربيع لبنان وخروج قوات البعث السوري منه في العام 2005 وانطلاقة حالة الفوضى الامريكية الإقليمية الخلاقة من قلب السفارة الامريكية في ضاحية بيروت ومحاولة قوات الغزو الإسرائيلية العودة الى جنوب لبنان صيف العام 2006.

مع تخامد حركة الفوضى الخلاقة في بلاد الشام واحتمال تدحرجها خارج المنطقة صوب الإقليم وبالرغم من التغيرات الحادة في شكل وبنية الأنظمة الجمهورية العربية الا ان النظام في لبنان بقي يراوح مكانه مثقلا بخصائصه الغرائبية القلقة أي تلك الهويات السياسية الدينية والمذهبية والمناطقية والعشائرية وغيرها.

ومع ذلك بقي المشهد السياسي السلطوي الماروني على حاله تتجاذبه القوى المحلية والعربية والإقليمية على قاعدة الصراع الماروني الماروني على منصب رئيس الجمهورية منزوع الصلاحيات بالفعل والذي اوصل هذه الطائفة المشرقية الى حافة الهلاك مرات عديدة وسبب لها ما لا يطاق من الآلام والمآسي غير المبررة.

ولن تنتهي مأساة الموارنة في لبنان ولبنان نفسه الا بزوال إسرائيل الكيان الديني المذهبي بفعل حتمية حركة التاريخ وقوانينها العلمية المتجسدة باقتراب نهاية الدور الوظيفي الاستعماري التقليدي وبفعل حركة التحرر الإنسانية المتصاعدة والانفتاح الفلسطيني المتزايد عليها خروجا طبيعيا من الخداع العربي والعبثية الإقليمية.

عندما اعتبر البعث السني في العراق ان الثورة في إيران تشكل خطرا وجوديا اي (سلطويا وطائفيا) عليهم راهنوا على الخداع العربي والعبثية الإقليمية ولعبة الحرب الباردة لشن حرب خاطفة تسقط الثورة وتعطل اخطارها المحتملة والحقيقة ان الحرب العراقية الإيرانية الممتدة من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988 ساهمت في تحويل الثورة الاجتماعية الى ثورة شيعية.

ما صار يعرف باسم حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران والتي قادة تلقائيا الى حرب الخليج الثانية بعد دخول قوات البعث العراقي للكويت 2 أغسطس 1990 وانطلاق عاصفة الصحراء بقيادة أمريكا لتحرير الكويت من 17 يناير إلى 28 فبراير 1991 كرستا الهويتين المذهبيتين السنية العراقية والشيعية الإيرانية هويتين سلطويتين ونهائيتين.

جاءت حرب الخليج الثالثة من 19 مارس إلى 1 مايو 2003 أو الغزو الأمريكي للعراق ليكرس حقيقة "لعنة السلطة" الى قادت الجماعة السنية العراقية الى التهلكة بدون ان تمتلك قياداتها ونخبها أي قدرة على تقديم أي تنازل او أي عرض لشراكة في السلطة المطلقة النظرية فقط او القمعية فقط بعد انهيار البلاد بسبب الحصار والحروب اقتصاديا.

ثم جاءت الفوضى الخلاقة لتدفع ببقايا هذه الجماعة المنكوبة الى الرهانات الغرائبية على الإقليم والفكر القاعدي الإرهابي لتكوين تنظيم "داعش" على أمل العودة الى السلطة في بغداد وليس من أجل أي شيء آخر لقد اكتملت اللعنة تماما في الوقت الذي تحاول فيه الجماعة الكردية الموازية لها مقاومة لعنة السلطة بنجاح نسبي.

عندما اعتبر البعث العلوي الشيعي في سوريا أن الحرب الاهلية في لبنان تشكل خطرا وجوديا اي (سلطويا وطائفيا) عليهم قاموا بغزو لبنان عبر تسوية متقنة بالفعل مع الامريكان للعب دور الشرطي سمحت لهم بإدارة المشهد اللبناني حتى العام 2000 بصورة مطلقة وحتى العام 2005 بالشراكة الفعالة مع الشيعة وبالتالي إيران.

اعتبر البعثيون السوريون انهم قادرون على وقف تمدد النموذج السياسي الطائفي المذهبي من لبنان بسبب الحرب الاهلية باتجاه المنطقة ومنع دخوله الى سوريا والحفاظ على السلطة المطلقة تحت القناع او الخداع القومي العربي لتأتي الثورة في إيران ولتكرس هذا التحول في شكل الصراعات من السياسي الى الديني في الإقليم كله.

بدأ التحول البعثي العلوي يأخذ شكله المذهبي الشيعي المتدحرج والمتسارع مع انطلاقة الفوضى الخلاقة من لبنان تحت القبضة السورية الإيرانية والخروج الدرامي منه وصعود الشيعة كقوة طاغية في لبنان والمنطقة والاقليم وصار الهدف الوحيد والنهائي هو البقاء في السلطة التي بدأت تفقد قوتها السيادية والاقتصادية والسياسية لتتحول الى قمعية وفارغة.

وكنظرائهم السنة في العراق او جيرانهم الموارنة في لبنان وصلوا الى طريق مسدود وفقدوا حضورهم وهويتهم الوطنية والإسلامية والمذهبية والتاريخية وتحولوا الى لعبة بيد الإقليم وما بعده لا هدف لهم الا السلطة لقد ظهرت اعراض مرض "لعنة السلطة" عليهم بالكامل ويرفضون بالمطلق رؤية مستقبلهم في لبنان في حلقة مفرغة وفي العراق في الجحيم نفسه.

الأقليات لا تتعلم أبدا الدرس ولا تريد أن تتعلمه ولا يمكن لحركة التاريخ ان تؤثر فيها إيجابيا لذلك تتجه الى موتها وفنائها بإرادتها عبر رهاناتها الغرائبية تحت تأثيرات وأعراض مرض "لعنة السلطة" ولا يمكن لأحد أن يقنع الأقليات الحاكمة نظريا في لبنان وسوريا والعراق ان نجاتهم من الفناء هي في ترك السلطة للأكثريات والتحرر من لعنتها.

لا إسرائيل ولا تركيا ولا إيران قادرة على ضمان بقائها نفسها فكيف بالحلفاء والمشهد يتجه بالجميع الى الهاوية.

إلغاء أوسلو والعودة إلى الميثاق واجب وطني وقومي وديني وقانوني وإنساني


غازي حسين

ما يجري في الساحة الفلسطينية منذ توقيع اتفاق الإذعان في أوسلو وحتى يومنا هذا يدمي القلب والعقل والضمير والوجدان، حيث قاد حصاد أوسلو المر والمرير إلى تدمير المشروع الوطني الفلسطيني واعتراف قيادة منظمة التحرير بأن 78% من مساحة فلسطين هو للكيان الصهيوني، وأن الـــ 22% المتبقية من فلسطين العربية أراض متنازع  عليها بين الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين وسكانها الشرعيين والكيان الصهيوني الغريب عن المنطقة والدخيل عليها والمعادي لشعوبها. فتخلت قيادة المنظمة بموجب إتفاق الاذعان عن المقاومة المسلحة ونعتتها بالإرهاب وتعهدت بمعاقبة رجالها وتجريدهم من السلاح والتعاون الامني مع الغدو، كما قدمت الانتفاضة الأولى انتفاضة الحجارة على طبق من ذهب للعدو الصهيوني بعد أن فشل في القضاء عليها.

وأعطى اتفاق الإذعان للعدو المجال للاستمرار في الاحتلال والتغول في الاستيطان و مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهويدها وتهويد الخليل والقدس ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم وقبر الشيخ يوسف في نابلس وفرض العقوبات الجماعية والاستمرار في قتل الفلسطينيين وإغتيالهم واعتقالهم وممارسة العنصرية والتمييز العنصري والتطهير العرقي بحقهم وإشعال الحروب على غزة ومحاصرتها. ووافقت القيادة الفلسطينية على التنازل عن حق عودة اللاجئين إلى ديارهم والدخول في المفاوضات المباشرة والمدمرة مع العدو برعاية الولايات المتحدة الأمريكية العدو الأساسي للعروبة والإسلام والشعب الفلسطيني وجميع الشعوب في العالم. وحمل رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير «المجلس الوطني الفلسطيني» على إلغاء الميثاق الوطني في غزة عام 1998 وبحضور الرئيس الأمريكي المتصهين بيل كلنتون، وذلك تلبية لإملاء إسرائيلي. ووافقت قيادة المنظمة في المفاوضات الكارثية على تبادل الأراضي في القدس وبقية الضفة الغربية لضم أكثر من 85% من كتل المستعمرات اليهودية الكبيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 إلى الكيان الصهيوني، وضم المعازل العنصرية العربية إلى الأردن أي إلى الوطن البديل للقضاء نهائياً على حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وإقامة اتحاد اقتصادي إسرائيلي ـــ فلسطيني ـــ أردني على غرار اتحاد بنيلوكس بين هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ كركيزة أولية لمشروع الشرق الأوسط الجديد وإقامة إسرائيل العظمى الاقتصادية بدلاً من إسرائيل الكبرى الجغرافية وجعلها المركز والقائد لمنطقة الشرق الأوسط تماماً كما خطط تيودور هرتسل مؤسس الحركة الصهيونية ومؤتمر بلتمور الصهيوني ثاني أهم مؤتمر في تاريخ الصهيونية، وكما خطط المستشرق اليهودي الحقير برنارد لويس لمشروع الشرق الأوسط الكبير وتبناه الكونغرس الأمريكي عام 1983 وتطبيقاً لمشروع الشرق الأوسط الجديد لشمعون بيرس والذي ظهر في كتابه بالإنكليزية عام 1993. وحاول مجرم الحرب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن تحقيقه من خلال حربه الهمجية على العراق عام 2003 وحرب تموز 2006 التي شنها العدو الإسرائيلي على لبنان ولكن المقاومة العراقية واللبنانية نجحتا في إفشاله.

إن ما يجري في الساحة الفلسطينية في هذه الأيام أزمة القضية الوطنية التي نتجت عن توقيع الاتفاقات مع فيليب حبيب مبعوث الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والتي بموجبها أخرج السفاح شارون منظمة التحرير باجتياحه للبنان عام 1982 بدعم من الولايات المتحدة وتواطؤ الإمارات والممالك العربية التي أقامها الاستعمار وتوقيع إتفاق الاذعان في اوسلو. وحوَّل رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير المنظمة من منظمة مقاومة إلى منظمة سياسية ومقرها تونس. وانقسمت الساحة الفلسطينية إلى برنامجين برنامج المقاومة وبرنامج التسوية برعاية الولايات المتحدة العدو الأساسي للشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني أخطر وأوحش نظام استعمار استيطاني عنصري وإرهابي في التاريخ البشري.

ويعاني شعبنا العربي الفلسطيني حالياً من تنسيق أجهزة الامن الفلسطينية مع العدو المحتل وفي الانقسام الحاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بين فتح وحماس، بين حكومة الضفة الغربية التي تبنت إبان عهد المتأمرك والمتصهين سلام فياض الحل الاقتصادي للقضية الفلسطينية وفقاً لبرنامج السفاح والفاشي نتنياهو: دويلة حكم ذاتي منقوصة الأرض والسكان والسيادة ومقطعة الأوصال (معازل عنصرية) والقادرة للحياة بفضل السلام الاقتصادي الذي يستمد شرايين الحياة من الهبات والصدقات والمساعدات الأمريكية والأوروبية والسعودية والتطبيع لاقامة مشروع الشرق الاوسط الجديد.

ويطرح نتنياهو سلام القوة ويرفض حتى مبدأ حزب العمل الذي غرس مقولة الأرض مقابل السلام في مؤتمر مدريد عام 1991، وبعبارة أوضح يطرح السلام مقابل السلام والتعايش مقابل التعايش واستمرار التنسيق الأمني بين دولة الاحتلال وأجهزة الأمن الفلسطينية والاعتراف الفلسطيني والعربي بيهودية الدولة لتبرير إقامة الدول عاىى اساس الدين  وإشعال الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية والحروب الدينية لتفتيت البلدان العربية وإعادة تركيبها للقضاء على دور العرب في العصر الحديث.

نتجت الأزمة المميتة التي تمر بها منظمة التحرير الفلسطينية من توقيع اتفاقات الإذعان العربية والفلسطينية في كمب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وفي التزام الإمارات والممالك العربية التي أقامتها بريطانيا وتحميها الولايات المتحدة بتهويد كل القدس و فلسطين والموافقة على صفقة القرن لتصفيتها وإنهاء الصراع العربي الصهيوني وإقامة شراكة أمنية كما أعلن الإرهابي نتنياهو بين إسرائيل والسعودية وبقية دول الخليج من خلال التحالف السعودية مع العدو وإقامة الناتو العربي.

وعمّق الانقسام الجيو سياسي والجغرافي بين الضفة والقطاع وبين فتح وحماس والفصائل المنضوية لهما والمحاصصة «الأزمة السياسية» وتحولت إلى أزمة وطنية وعقائدية ودستورية وتنظيمية ولا يمكن حلها إلا بالعودة إلى اليثاق والى طابعها النضالي كحركة تحرر وطني، حركة وقضية شعب يتطلع إلى التحرر والاستقلال وقلع الاحتلال وكيان الاستعمار الاستيطاني العنصري والإرهابي في فلسطين قلب الأمة العربية بالمقاومة المسلحة وحرب التحرير الشعبية.

ويستغل العدو الصهيوني الانقسام بين فتح وحماس والخلاف بين برنامجين فلسطينيين وعربيين أبشع استغلال لكي يكمل تهويد فلسطين، كل فلسطين من النهر حتى البحر ويقيم فيها أكبر مركز لليهودية العالمية للسيطرة على المنطقة وعلى بقية بلدان العالم.

وتراهن إسرائيل والولايات المتحدة على تحويل حماس كما حدث مع حركة فتح التي وقعت اوسلو وتخلت عن البندقية وألغت الميثاق واعتمدت المفاوضات الكارثية طريقاً وحيداً لحل الصراع. وترغب الدولتان في أن توقع فتح وحماس على الحل النهائي ضماناً لاستمراريتهما ولخشيتهما من أن يقوم الشعب الفلسطيني بإلغائه كما فعل الشعب اللبناني في اتفاق الإذعان في 17 أيار 1983.

إن رأب الصدع وتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية لا يمكن أن يتحقق إلاَّ بالعودة إلى الميثاق الوطني الذي هو بمثابة دستور وقرآن وإنجيل الشعب الفلسطيني وإلى خيار المقاومة المسلحة وتسليح الضفة الغربية وتحرير القدس وكل فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية لكل مواطنيها في كل فلسطين العربية.

لقد شهدت الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة خلافات وصراعات تنظيمية وسياسية حادة وصلت إلى حد الاقتتال المسلح، ووصلت حالياً إلى أعلى وأخطر مراحلها، مرحلة تصفية القضية وإنهاء الصراع العربي ــــ الصهيوني وهيمنة إسرائيل العظمى الاقتصادية على بلدان الشرق الأوسط الكبير تحقيقاً لبروتوكولات حكماء صهيون وبقية المخططات والقرارات الصهيونية والإسرائيلية وتهويد كل القدس وإعتراف إدارة ترامب اليهودية بها عاصمة لاسرائيل، وذلك للسيطرة على العالم وحكمه ألف عام من القدس عاصمة فلسطين والعرب والمسلمين ومدينة الإٍسراء والمعراج تحقيقاً لخرافة هيرمجدون.

أدى توقيع اتفاقات الإذعان في أوسلو والقاهرة وواي ريفير إلى تغوّل الاستيطان وخاصة في القدس المحتلة والقرى والأراضي الفلسطينية المحيطة بها وحول المسجد الأقصى وتحته وصولاً إلى سلوان وتحويل الشعب الاسرائيلي الى شعب إستعماري وعنصري وإرهابي لايمكن على الاطلاق التعايش معه.

وتصاعدت عنصرية وفاشية واستعمار وإرهاب الدولة الإسرائيلية والمستعمرين اليهود والشعب الإسرائيلي. وتطالب إسرائيل من القيادة الفلسطينية الاعتراف بيهودية الدولة وبقانون الدولة القومية الاسوأ والخطر والاحقر من قونين نورنبيرغ العنصرية التي اصدرها هتلر ضديهود المانيا الاندماجيين وغير الصهاينة لعزلهم وتهجيرهم الى فلسطين. ويعنى قانون الدولة القومية أن إسرائيل دولة لجميع اليهود في العالم، وإن الأراضي الفلسطينية المحتلة أراض يهودية محررة وليست محتلة، وترحيل الفلسطينيين من أراضيهم المحتلة عام 1948 إلى دويلتهم المزمع إقامتها، وشطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وإقامة اكبر دولة ابارتايد على كوكب الارض.

وازداد تمسك الشعب الإسرائيلي بالاستعمار الاستيطاني والعنصرية والإرهاب تجاه الفلسطينيين أصحاب البلاد الأصليين وسكانها الشرعيين. وأدى استمرار الاحتلال وتنازل السلطة عن الحقوق والثوابت والمقاومة المسلحة، وإضعافها للمقاومة وثقافتها وللحركة الوطنية.وأدت أموال الدول المانحة وضغوط الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي وآل سعود وثاني ونهيان وتدمير العراق وسورية وليبيا واليمن إلى تصاعد الحقد والعنصرية والإرهاب عند الإسرائيليين من أجل الاستيلاء على المزيد من الأرض الفلسطينية  والسورية واللبنانية والثروات والمياه العربية وتطبيع العلاقات مع دول الخليج وأنطمة الاستسلام والاذعان في كمب ديفيد واوسلو ووادي عربة.

وغرست فضائيات الخليج وأنظمة الاذعان  مقولات استسلامية في عقول الأجيال العربية الجديدة للموافقة على الحل الصهيوني للقضية وصفقة القرن وإنهاء الصراع العربي الصهيوني .

وتزعم الأحزاب الصهيونية واليهودية العالمية واسرائيل أن فلسطين هي أرض الميعاد، ورسّخوا في برامجهم أن الفلسطينيين يملكون فيها حق الإقامة فقط، ويفقدون هذا الحق عند مغادرتها. وترسّخ هذا التوجه الاستعماري غير المسبوق في حزب العمل وتكتل الليكود والأحزاب الدينية برفض حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وإعطاء السلطة الفلسطينية التي ابتكرتها دولة الاحتلال بموجب اتفاق أوسلو والقاهرة السيادة المنقوصة على البشر وليس على الأرض لإخضاعهم للتعايش مع إسرائيل العظمى الاقتصادية كحطابين وسقائين ورعاة لخدمة «شعب الله المختار» كما نصت التوراة وتنص القوانين العنصرية التي سنتها حكومات نتنياهو الفاشية الحليف الجديد لآل سعود وثاني ونهيان وخائن البحرين.

وللمحافظة على هذا الموقف الصهيوني فرضت إسرائيل على السلطة الفلسطينية أن تحافظ أجهزتها الأمنية على أمن المستعمرين اليهود في القدس وبقية الضفة الغربية وعلى الأمن الإسرائيلي الذي يعتبره رئيس السلطة مقدساً.

وتعمل السلطة ودول الخليج على نشرما يسمى بثقافة السلام ونبذ الكراهية وتعزيز التعايش والتعاون والتنسيق الأمني مع المحتل الإسرائيلي. وقادت مواقف وتصرفات السلطة إلى إضعاف المقاومة وثقافتها والحركة الوطنية في الضفة الغربية وإجهاض الانتفاضتين الأولى والثانية بعد أن عجزت إسرائيل عن اخمادهما. وتعمل على إخماد نيران الانتفاضة الثالثة بحجة التهدئة للعودة إلى المفاوضات الكارثية والحل الأمريكي وصفقة القرن لتصفية قضية فلسطين.

إن السلطة غير مستقلة عن دولة الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية وأتباعها من الإمارات والممالك العربية التي أقامتها بريطانيا وتحميها الولايات المتحدة، لذلك لا أمل للشعب الفلسطيني في ممارسة حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف إلاَّ بإلغاء اتفاق الإذعان في أوسلو وحل السلطة والعودة إلى الميثاق والمقاومة المسلحة والوحدة الوطنية وإعادة بناء وتطوير وتفعيل منظمة التحرير وأطرها المختلفة على أُسس ديمقراطية بعيدة كل البعد عن الهيمنة الفئوية أو المحاصصة لتحرير فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية لكل مواطنيها في كل فلسطين العربية.

الجنسية العراقية في المزاد


ادهم ابراهيم

بعد ان تم تهجير ملايين العراقيين من وطنهم نتيجة السياسات الخاطئة , طلع علينا مجلس النواب بمشروع قانون يتيح لمن امضى سنة واحدة فقط في العراق الحصول على الجنسية العراقية في سابقة تعد الاولى من نوعها في العالم وتمثل تهديدا خطيرا لديموغرافيته وتفتيتا لمجتمعه . وبعد ان تم تدمير الدولة والتلاعب بمقدراتها والاستهتار بحياة المواطنين ومستقبل اجيالهم وتفشي الفساد . جاء دور تدمير الهوية الوطنية العراقية وثقافة شعب العراق وتقاليده وموروثاته من خلال التشويه البنيوي للمجتمع وتركيبته التاريخية المتجذزة في العمق النفسي والجمعي للشعب العراقي . حيث ان التوطين الواسع والسريع لافراد غرباء سيترك اثاره على الامن الاجتماعي والوقائي للمجتمع باسره . اضافة الى ان العراق يشهد انفجارا سكانيا يتوجب استيعابه وتوفير فرص عمل للشباب والتنمية الاقتصادية لمواكبة الزيادة في السكان وان تقبل اعداد كبيرة عن طريق منح الجنسية العراقية للاجانب سيرتب اعباء اقتصادية وتنموية اضافية غير الصراعات والنزاعات الناتجة عن الشعور بالتغيير الديموغرافي المتعمد ضد المجتمع وماسيترتب على هذا الشعور من مقاومة قد تكون عنيفة . ونحن احوج مانكون الى السلم الاهلي الان حيث عانينا كثيرا ومازلنا من الاحتلال الداعشي المجرم لاراضينا والذي تسبب في جروح عميقة لكل مكونات الشعب العراقي نتيجة ممارساته اللاانسانية واللااخلاقية كما كلفنا التخلص منه مزيد من الشهداء والمعوقين والارامل والايتام اضافة الى تدمير البنية التحتية لكثير من المدن , وان هناك من ينتظر الفرصة السانحة للاندساس وتخريب العلاقات المجتمعية الحرجة في تكرار مؤلم لاعمال العنف

ان مشروع قانون تعديل قانون الجنسية موضوع البحث لم نشهد له مثيلا في القانون المقارن حيث ان جميع الدول تشدد كثيرا على موضوع الاقامة على اراضيها . وبعد تدقيق وتمحيص شديدين لمقدم الطلب تمنحه الاقامة الموقتة ولا تمنحه الجنسية الا بعد مضي خمس سنوات او اكثر مع شروط اخرى منها تعلم اللغة والاندماج بالمجتمع الجديد . . ولكن المشرع العراقي قد تساهل كثيرا في منح الجنسية العراقية على وفق رغبات سياسية تخص دول المنطقة دون ان يراعي الجوانب الامنية والاقتصادية والاجتماعية المترتبة على مثل هذا القانون . ولايصدق احدا التبريرات لاصدار هذا القانون فانه جاء بعبارات فضفاصة غير محددة تسهل على مانح الجنسية التصرف بمنح الجنسية على وفق الاهواء السياسية . وهناك تسائل مشروع عن اسباب تقديم مشروع القانون في هذا الوقت بالذات . اما كان الاجدر اصدار قوانين لحماية المستهلك العراقي من المخدرات او المواد المسرطنة التي يعج بها السوق . . او تشريعات تجد الحلول لمشاكل العراقيين العاجلة . وهل كان مشروع القانون هذا من ضمن مطاليب الشعب المنتفض , ام مطالب سياسية ذات اهداف مغرضة هدفها ادامة زخم الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق

ان المجتمع العراقي شديد الحساسية لمثل هذه التوجهات المريبة والمخالفة لكل الاعراف القانونيةفي العالم , وهو لم يشف تماما من التوترات العرقية والطائفية التي صاحبت العملية السياسية منذ الاحتلال الامريكي الى يومنا الحاضر , واي اثارة في الوضع السياسي او الاجتماعي العام قد تؤدي الى نزاعات وصراعات لاتحمد عقباها ونحن في غنى عنها

ان المتصدين للعملية السياسية في العراق بالاضافة الى ضعف خبراتهم في مجال ادارة الدولة والسياسة , فانهم لم يتعلموا بعد من فشلهم في اصدار قرارات او قوانين مثيرة للجدل والتي من شأنها الاضرار بالوحدة الوطنية . . وان الاصرار على تشريع قانون الجنسية هذا يدل على استمرارهم باتباع نفس الاساليب المعادية للشعب لكونها تمس روح المواطنة وتؤدي الى شرخ البنيان الاجتماعي للدولة العراقية ويتوجب على الجميع الوقوف ضده وافشاله .

معركة الجولان تقترب...


ناجي س. البستاني

صحيح أنّ التصريحات الأميركيّة الداعمة لإحتلال ​إسرائيل​ للجولان السُوري، تهدف في جانب منها لدعم حملة رئيس حُكومة إسرائيل ​بنيامين نتانياهو​ عشيّة الإنتخابات التشريعية الإسرائيليّة التي ستُنظّم في التاسع من نيسان المقبل، لكنّ الأصحّ أنّها ترمي أيضًا إلى إستفادة واشنطن من ورقة ضغط إضافيّة لإستخدامها في صراع السيطرة والنُفوذ في منطقة ​الشرق الأوسط​، إضافة إلى إستفادة إسرائيل من تسليط الضوء على خطر أمني يتصاعد ضُدّها من الجانب السُوري. لكن هل يُمكن أن يتسبّب القرار الأميركيّ التصعيدي المذكور، بضرب الإستقرار الإقليمي، وبمعركة في ​الجولان​؟.

بداية، لا بُد من التذكير بأنّ إسرائيل حاولت خلال السنوات القليلة الماضية، إستغلال الحرب السُوريّة لإنشاء منطقة عازلة عبر شريط حُدوديّ ضيّق يفصل المناطق التي تحتلّها في الجولان عن المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السُوري، لكنّ مُجريات المعارك في مُحافظة ​القنيطرة​ تحديدًا(1)، وفي كامل الأراضي السُوريّة، أفشلت الخطّة الإسرائيليّة. في المُقابل، تعاونت السُلطات العسكريّة السُوريّة مع خُبراء إيرانيّين ومع مُقاتلين من "​حزب الله​" لإنشاء مجموعات قتاليّة سُوريّة من أبناء قرى وبلدات مُحافظة القنيطرة والمناطق المُحيطة، وذلك بعد نجاح تجربة إنشاء "قوّات الدفاع الوطني" في الداخل السوري. وقد ترافق إنشاء هذه الوحدات القتاليّة غير النظاميّة مع حفر مجموعة من الأنفاق ومع إنشاء مراكز عسكريّة تحت الأرض بعيدًا عن أعين سلاح الجوّ الإسرائيلي، وذلك بهدف إنشاء منطقة إحتكاك أمني مُباشر مع إسرائيل في سوريا(2)، تكون إمتدادًا لتلك الموجودة في ​لبنان​(3)، بشكل يجعل إسرائيل مُضطرّة لنشر عشرات آلاف المُقاتلين في خُطوط أماميّة وأخرى دفاعيّة خلفيّة، وذلك على طول خط حُدودي مع لبنان وسوريا بطول يبلغ نحو 150 كيلومترًا.

إشارة إلى أنّ مسألة إعتراف واشنطن رسميًا بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السُوري ستكون محور مُحادثات رئيس الوزراء الإسرائيلي-الموجود في ​الولايات المتحدة​ الأميركيّة للمُشاركة في الإجتماع السنوي للوبي الإسرائيلي هناك، مع كبار المَسؤولين الأميركيّين خلال الساعات والأيّام القليلة المقبلة، بهدف توظيف الدعم الأميركي لإسرائيل في الصراع الإقليمي، وكذلك بهدف توظيف الموقف الأميركي العلني والمُستجدّ بالنسبة إلى الجولان في معركة نتانياهو الإنتخابيّة. لكن وعلى الرغم من الضغوط الأميركيّة المُنوّعة على النظام السُوري وعلى حلفائه، ومن مُحاولات التوسّط الغربيّة والإقليميّة مع ​روسيا​، في مُحاولة لتغيير سياسة "محور المُقاومة والمُمانعة" في سوريا، وعلى الرغم من الغارات وعمليّات الإغتيال التي نفّذتها إسرائيل في سوريا، لم تتمكّن القيادة الإسرائيليّة من إفشال ما يتمّ تحضيره من بنية عسكريّة قتاليّة مُتماسكة وخطيرة لأمنها على طول الحُدود المُشتركة من هضبة الجولان السُوري المُحتلّ، مُرورًا ب​مزارع شبعا​ وُصولاً إلى القُرى والبلدات اللبنانيّة الجنوبيّة التي تلامس البحر الأبيض المتوسّط.

وفي إنتظار الموقف الأميركي الرسمي المُرتقب من جانب الرئيس ​دونالد ترامب​ بشأن الجولان، والذي لا يُصبح نافذًا إلا بعد موافقة ​الكونغرس الأميركي​ عليه، تحرّك دُروز الجولان(4) في تظاهرات إعتراضيّة على المواقف الأميركيّة الهادفة إلى إستغلال ورقة الجولان في مُساوماتها الخاصة بصراع النُفوذ في الشرق الأوسط، والتي تُمهّد أيضًا لمواقف أميركيّة أكثر تشدّدًا مُنتظرة بعد الإنتخابات الإسرائيليّة، مع العلم أنّ المواقف الأميركيّة التصعيديّة مُرتبطة بما يُسمّى "صفقة القرن" الخاصة بالقضيّة الفلسطينيّة، والتي تعمل واشنطن على تأمين مُوافقة إقليميّة عليها عبر إعتماد سياسة "العصا والجزرة". وبالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي فهو يسعى بدوره لتسليط الأضواء الدَوليّة على هضبة الجولان، علّه ينجح في الحُصول على ضمانات دَوليّة لأمن إسرائيل، خاصة من الجانب الروسي.

في المُقابل، لا شكّ أنّ التصعيد الأميركي–الإسرائيلي في ما خصّ السيادة على الجولان، وضع "محور المقاومة والمُمانعة" في موقف حرج، بحيث أنّ السُكوت على ما يحصل سيبدو وكأنّه تسليم بالأمر الواقع، ونوع من الإستسلام، والذهاب بعيدًا في خيارات الإعتراض قد يُهدّد كامل الإستقرار الإقليمي للخطر، وقد يفتح معركة عسكريّة في غير أوانها في الجولان والمنطقة. من هنا، من المتوقّع أن يتسبّب القرار الأميركي الخاص بالسيادة على الجولان بمعركة سياسيّة–إعلاميّة قاسية في المرحلة المقبلة. والأخطر أنّ "محور المقاومة والمُمانعة" قد يردّ في المُستقبل على أيّ إستهداف أمني إسرائيلي لسوريا، بضربة عسكريّة مضبوطة الحجم في الجولان، لتسجيل رسالة إعتراض أمنيّة على الخطوة الأميركيّة الداعمة لإحتلال إسرائيل للهضبة السوريّة.

في الخُلاصة، الصراع الإقليمي لا يزال مفتوحًا على مصراعيه ضُمن إيقاع مضبوط إلى حدّ بعيد. لكن خطر أن يتسبّب القرار الأميركي التصعيدي بردّ فعل أمني في الجولان قائم، مع كل ما يعنيه هذا الأمر من مخاطر بإحتمال إنزلاق المنطقة كلّها إلى معركة عسكريّة يُمكن أن تكون بدايتها معروفة بعكس نهايتها.

(1) تكمن أهميّة مُحافظة القنيطرة التي تبلغ مساحتها الإجمالية 1861 كيلومترًا فقط، في أنّها تُشكّل خطَّ تماس مُباشرَ مع الجيش الإسرائيلي عبر سلسلة من الهضاب والتلال بإرتفاعات تبلغ نحو ألف متر عن سطح البحر بمعدّل عام.

(2) يبلغ طولها نحو 76 كيلومترًا.

(3) يبلغ طولها نحو 79 كيلومترًا، ومن ضُمنها الخطّ المُتّصل بمزارع شبعا بطول نحو 25 كيلومتراً تقريبًا.

(4) يبلغ عددهم نحو 23 ألف في مُقابل نحو 26 ألف مُستوطن إسرائيلي أصبحوا يعيشون في الجولان.

ديمقراطيات عرجاء..!


صبحي غندور

هناك، بلا شكّ، حاجةٌ قصوى للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحتّى الثقافي، في عموم المنطقة العربية، غير أنه أجدى بالولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الأخرى التي تتحدّث عن الحاجة للديمقراطية في البلاد العربية أن تبحث أيضاً عن مقدار مسؤولياتها عن أسباب التخلّف السياسي والاجتماعي لدولٍ عديدة خلال القرن الماضي كلّه، وعمّا قام به معظم دول الغرب من استعمارٍ مباشر وغير مباشر، ومن سلبٍ لثروات الشعوب النامية، ومن حربين عالمتين مدمّرتين للعالم كلّه، ومن "حربٍ باردة"، كانت دول "العالم الثالث" هي ساحة الصراع الساخنة لها، ومن دعمٍ مطلق ومفتوح للعدوان الإسرائيلي الغاشم لأكثر من نصف قرن على الشعب الفلسطيني كلّه وعلى عدّة دولٍ عربية.

فالحديث "الغربي" عن الديمقراطية والإصلاح في دول "الشرق الأوسط" هو دعوة حقّ يُراد بها باطل، خاصّةً أنّ المقصود بها لا يشمل إسرائيل (رغم اعتبارها، حسب المفهوم الغربي، بلداً هامّاً في "الشرق الأوسط"). ففي الحديث عن الديمقراطية والإصلاح يتمّ استثناء إسرائيل، وفي الحديث عن العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية تصبح مشاركة إسرائيل أمراً ضرورياً وحتمياً لا يمكن تجاوزه. وفي كلا "الحديثين" لا ذكر لمسألة الاحتلال الإسرائيلي ولمسؤوليته أصلاً عن الكثير من السلبيات الراهنة في حاضر وتاريخ المنطقة.

نعم، إنّ الديمقراطية السليمة والإصلاح الشامل مطلوبان فعلاً في دول المنطقة، بل في أنحاء العالم كلّه، والحاجة ماسّة لهما كذلك في مجال العلاقات بين الدول، لكن الديمقراطية هي وجه من وجهي الحرّية، وهي صيغة حكم مطلوبة في التعامل بين أبناء البلد الواحد، لكنّها ليست بديلة عن وجه الحرّية الآخر، أي حرّية الوطن وأرضه.

ولذلك فإنّ إنهاء أزمات المنطقة يكون بدايةً في إنهاء كافّة أنواع التدخّل الأجنبي (الإقليمي والدولي) في بلدانها، وبإزالة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وإعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني.

هكذا أصلاً نشأت الولايات المتحدة الأميركية، فهي تحرّرت أولاً من الهيمنة البريطانية، ثمّ شرعت هذه الولايات في بناء وضع دستوري سليم تناسَبَ مع ظروفها وجغرافيتها والأصول الثقافية لشعوبها.

فما تحتاجه المنطقة العربية الآن، ليس فقط الإصلاح السياسي الداخلي، بل هناك حاجةٌ ماسّة إلى صيغة تكاملية اتّحادية بين الأوطان العربية، بحيث يتكامل أيضاً في بلدان المنطقة كلّها العدل السياسي مع العدل الاجتماعي، وبحيث يرتفق التحرّر الوطني مع الحرّيات السياسية والبناء الدستوري السليم في البلدان العربية.

ولعلّ خير مثال على أهمية التلازم بين الإصلاح السياسي الداخلي وبين تكامل الأوطان العربية هو مراجعة ما حدث ويحدث في البلدان العربية بشمال أفريقيا. فالسودان والجزائر يشهدان الآن حراكاً شعبياً يسعى للتغيير والإصلاح السياسي، وقبلهما شهدت مصر وتونس وليبيا انتفاضاتٍ شعبية أدّت إلى تغيير في أنظمة الحكم، لكن لم يتحقّق بعدُ في هذه البلدان ما كانت تطمح له شعوبها من استقرارٍ سياسي واجتماعي وتحسّن كبير في الأوضاع الاقتصادية والأمنية. تُرى، لو كانت الانتفاضات الشعبية قد طالبت أيضاً بالتكامل مع محيطها العربي، ولو جرت في الحدّ الأدنى حالات من التكامل الاقتصادي والتنسيق الأمني بين هذه الأوطان، فهل كانت ستشهد ما تشهده الآن من صعوباتٍ لبناء مستقبلٍ أفضل؟!.

للأسف، فإنّ الواقع العربي ومعظم الطروحات الفكرية فيه، والممارسات العملية على أرضه، لا تقيم التوازن السليم المطلوب بين ثلاثية الأهداف المرجوّة لمستقبل الأمّة العربية: الديمقراطية والتحرّر وتعزيز الهُويّة العربية.

فالبعض يدعو للتحرّر ولمقاومة الاحتلال لكن من منابع فكرية فئوية أو من مواقع رافضة للهُوية العربية. وهناك في المنطقة العربية من يتمسّك بالهُوية العربية وبشعار التحرّر من الاحتلال لكن في أطر أنظمة أو منظّمات ترفض الممارسة الديمقراطية السليمة. وهناك من يعتقد أنّ وحدة الهُوية العربية تعني بالضرورة أحادية الفكر والموقف السياسي فتمنع الرأي الآخر وتعادي التعدّدية الفكرية والسياسية التي هي جوهر أي مجتمع ديمقراطي سليم.

هو اختلالٌ كبير في المنطقة العربية بكيفية التعامل مع شعارات الديمقراطية والتحرّر والهُوية العربية، وفي ذلك مسؤولية عربية مباشرة وليس فقط نتيجة تدخّل خارجي أو هيمنة من طرفٍ إقليمي أو دولي.

فالمشكلة الأبرز لدى دعاة (الديمقراطية فقط) في البلدان العربية أنّهم يفصلون المسألة الديمقراطية عن قضيتيْ التحرّر الوطني والهويّة العربية، وبهذا تصبح الدعوة للديمقراطية (فقط) عذراً من أجل التدخّل الأجنبي واستباحة الدول والهيمنة على مقدّراتها، إن لم نقل أيضاً تفتيت وحدة كيانها ومجتمعها.

وكم كان محزناً اقتران السعي من أجل الديمقراطية في بعض البلدان العربية بالحديث عن "الفيدرالية" وبالدعوة للتدخّل الأجنبي من الخارج، وبممارسة أسلوب العنف للتغيير في الداخل، وبالانقسام الطائفي والإثني في المجتمع، وبنموّ المشاعر المعادية للانتماء العربي وللهويّة العربية المشتركة. فهذه سمات الأهداف المنشودة من القوى الأجنبية الفاعلة في أجزاء عديدة من الأرض العربية، بحيث تكون "الديمقراطيات العربية" قائمة على الفرز الطائفي والإثني أكثر ممّا هي تعبيرٌ صحّي سليم عن التعدّدية والتنوّع في المجتمع، "ديمقراطيات" تكون متلازمة مع مشاريع التفتيت والتدويل للمنطقة، لا مع غايات التحرّر والتوحّد الوطني والعربي!.

فالمنطقة العربية أصبحت سوقاً استهلاكية لمشاريع دولية وإقليمية، وحكوماتها المعنيّة بالأزمات تحصد ممّا تزرع أمنياً، لكن لا تلبس ممّا تصنع سياسياً. فالمشكلة عربياً ليست في كيفيّة فهم الصراعات وأطرافها فقط، بل أيضاً في المقدار المتاح لحرّية الإرادات المحلّية!

وهناك حتماً مسؤولية "غربية" وإسرائيلية عن بروز ظاهرة الإرهاب بأسماء "إسلامية"، لكنْ هذا هو عنصرٌ واحد من جملة عناصر أسهمت في تكوين وانتشار هذه الظاهرة. ولعلّ العنصر الأهمّ والأساس هو العامل الفكري، حيث تتوارث أجيال في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي مجموعةً من المفاهيم التي يتعارض بعضها مع أصول الدعوة الإسلامية، وحيث ازدهرت الآن ظاهرة فتاوى "جاهلي الدين" في قضايا عديدة، من ضمنها مسألة استخدام العنف ضدّ الأبرياء أو التحريض على القتل والاقتتال الداخلي، ومما شوّه وأساء إلى الكثير من الانتفاضات الشعبية العربية وحرف ببعضها عن مسارها الصحيح.

لقد استغلّت أطرافٌ خارجية ومحلّية سلبياتٍ كثيرة لحال "النظام الرسمي العربي المريض"، لكن هذه الأطراف قزَّمت الواقع العربي إلى مناطق ومدن وأحياء في كلّ بلدٍ عربي، فتحوّلت الهويّة الوطنية إلى "هُويّة مناطقية"، والهويّة الدينية الشمولية إلى "هويّة طائفية ومذهبية" في مواجهة الشريك الآخر في الوطن، إنْ كان من طائفةٍ أو قبيلةٍ أخرى، أو حتّى من اتجاهٍ سياسيٍّ آخر!. ولقد أصبح فرز "قوى المعارضة" عربياً يتمّ على أسسٍ طائفية ومذهبية وإثنية، في ظلّ التركيز الإعلامي العالمي على التيّارات السياسية الدينية في المنطقة ككل، فأيِّ "معارضة وطنية" هي التي ستقود إلى مجتمعٍ ديمقراطي سليم؟!. ثمّ لو سألنا كلَّ إنسانٍ عربي عن أولويّة اهتماماته العامّة الآن، لكانت الإجابة حتماً محصورةً في أوضاع وطنه الصغير، لا "وطنه العربي الكبير"، ولا قضيّته الكبرى فلسطين!.   

صحيحٌ أنّ المسألة الديمقراطية هي أساسٌ مهمّ للتعامل مع كلّ التحدّيات الخارجية والداخلية، لكن العملية الديمقراطية هي أشبه بعربة تستوجب وجود من يقودها بشكل جيّد، وتفترض حمولةً عليها، وهدفاً تصل إليه. وهذه الأمور ما زالت غائبة عن الدعوات للديمقراطية في المنطقة العربية. فتوفُّر آليّات الحياة السياسية الديمقراطية وحدها لن يحلّ مشاكل الأوطان العربية، بل العكس حصل في عدّة بلدانٍ عربية شهدت من الديمقراطية مظاهرها وآلياتها الانتخابية فقط.

ففي الأمَّة العربية مزيجٌ مركّب من الأزمات ممّا يحتاج إلى مزيجٍ أيضاً من الحلول. فبناء آليات ديمقراطية وانتخابات نزيهة لا يحقّق وحده فقط العدل السياسي والاجتماعي بين الناس، أو يصون وحدة المجتمعات، أو يمنع التدخّل الأجنبي، أو يحرّر الأوطان المحتلّة .. وهي كلّها مسائل معنيّةٌ بها أوطانٌ عربية مختلفة، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.

وإذا كان من الطبيعي أن تنتفض بعض شعوب دول المنطقة وأن تُطالب بأوضاع أفضل وأن تسعى من أجل حقّ المشاركة الفعّالة في الحياة العامّة، فإنّ الحراك الجماهيري السليم يحتاج إلى آفاق فكرية واضحة المعالم وإلى أسلوبٍ سلمي في العمل، وإلى أطر تنظيمية سليمة البناء، وإلى قيادات مخلصة للأهداف الوطنية العامّة، وليس لمصالحها الفئوية الخاصّة..    

قتل الساجدين فى نيوزيلاندا بدم بارد أرهاب صهيوني- أمريكي


محمود كامل الكومي

ما بين القصف الأسرائيلى الصهيونى على غزة المحاصرة  وقتل اطفالها وشبابها المقاوم.. واستشهاد المصلين المسلمين وهم يؤدون صلاة الجمعة , فى حادث المسجدين بنيوزيلاندا نتيجة أطلاق النار عليهم بفعل يمينى صهيونى متطرف ..ظلام الليل .

ولهذا لايمكن لأى عاقل يحترم عقله أن يستبعد دورالموساد وال C I A ,بل والمخابرات الأنجليزية والفرنسية فى صناعة الأرهاب.

صنعوا الأرهاب , وصدروه الى أفغانستان بديناميكية صهوينية أطلسية , لتدمير الأتحاد السوفيتى – نعم مول العملاء من بعض حكام العرب الأرهاب الأسود, وقدموا الأجساد المهترأة , ذات العقول المتحجرة , رغم أن كل الدلائل والمعطيات كانت تشير الى أن الهدف من الأرهاب هو القضاء على الشيوعية حتى يتم التفرغ لمحاربة الأسلام وترويع المسلمين – ويضحى أن أستعمال بعض من أنتسبوا للأسلام والعروبة من الحكام والأشخاص الموتورين , لايصم الأسلام ولا العروبة فى شىء , فهؤلاء فقدوا دينهم وأوطانهم بعد أن لفظهم هذا وذاك , وصاروا بعمالتهم صهاينة وأمبرياليين بأمتياز .

لم تكن كل مبادرات الصلح من جانب بعض الحكام العرب سوى ارهاب أبتداء من كامب ديفيد وأنتهاء بلقاءات حكام الخليج مع الصهاينة وأرسال مندوبيهم الى أسرائيل لتقديم فرائض الولاء والطاعة .

فكل عاقل ووطنى وقومى عربى يدرك أنه لايمكن ان يكون هناك سلاما بين طرفين أحدهما يقدم التاريخ والجغرافيا والقانون سنداً لحقه ( العرب) والآخر يؤسس دعواه( اسرائيل) على مجمع آله , اله نووى واله أمريكى وأله دينى ( حسب تعبير الاستاذ هيكل ), والدليل على ذلك أن ماقتل من الشعب العربى منذ أتفاقية كامب ديفيد وخلال ماسمى بمبادرات السلام الى الآن أضعاف من استشهدوا من العرب فى كل الحروب مع اسرائيل .

خلال ماسمى بثورات الربيع العربى عبث الأرهاب الصهيونى الأمبريالى بهذه الثورات وحولوها الى خريف وسواد – فى ليبيا كان التدخل المباشر , ومن قبل العراق , وفى مصر وتونس, تحولت ثورة الشعب فيهما الى حكومات تنتظم خطى الصهيونية والأمبريالية والنيو ليبرالية , التى ينظمها البنك والصندوق الدوليان .

وفى سورية , جردوا حملات الأرهاب من كل بقاع الأرض تعيث فساداً وتقتيلا فى شعبنا وأرضنا السورية ,بأيدى صهيونية أطلسية تعبث , وبتمويل أماراتى , سعودى , قطرى – أما اليمن فقد مُورس عليه ارهاب دولى يشنه الى الآن التحالف السعودى الاماراتى المبرمج صهيونيا وأمريكيا – وفى سيناء والجولان نشرت أسرائيل الأرهاب ونثرت أفراده فى ربوع سيناء وعبر الجولان وجنوب لبنان .

وبعد كل هذا القتل والدمارالذى ساد بواسطة الارهاب الصهيو أمريكى بدت مرحلة جديدة ممنهجة من الارهاب تشنها الصهيونية والإمبريالية على المسلمين وأماكن عبادتهم فى الدول الغربية نفسها , وكان المؤشر لذلك تصريحات وأفعال ترامب المناهضة للاسلام والعرب والمسلمين وأنتهاك رمزية العقيدة الأسلامية بنقل السفاره الامريكية الى القدس , والتغاضى فى معظم دول الغرب عن تصريحات متطرفة ومظاهرات يمينية تطالب بالعنف ضد المسلمين والعرب .

وفى لحظة قيام نتنياهو بتدمير غزة ,كان هناك من تشبع بالارهاب الصهيونى الامريكى وخطابه المعادى للاسلام والعرب والمسلمين فتم أعدادنفر لتنفيذ هذا الحقد الأسود , مجسِدا كل الأفكار البغيضة ومانضح به فكر ترامب ونتنياهو واليمين الفرنسى الانجليزى , فأمعن وضمر وحدد الزمان والمكان , وحمل سلاحة لحظة صلاة الجمعة والمساجد مكتظة بمن يأمها وأمعن فى قتل المصلحين وحصد ارواحهم فقتل وأصحاب مايجاوز المائة فرد مابين اطفال ونساء ورجال وذلك فى حادثة المسجدين فى نيوزيلاند , ومايؤكد أن هذه الحادثة مدبره , ذلك الخروج المفضوح والمشين لاحد أعضاء مجلس الشيوخ النيوزيلاندى وهوسيناتور يمينى أرهابى يبرر فعلة المجرم الهوجاء بقتل الابرياء من المسلمين اثناء الصلاة ويلصقها بالمسلمين انفسهم .

مرحلة جديدة اذن دشنتها الصهيونية والأمبريالية ,لتسعير الارهاب ضدالعرب والمسلمين بلورتها تصريحات ترامب ونتنياهو وأخذها اليمين الغربى (جرين كارت) ,يبيح القتل والترويع للمسلمين فى مساجدهم , وقد سبق حادثة نيوزيلاندا اعتداءات على كثير من المساجد وقتل للمسلمين ,

ففى أسرائيل تستباح ليل نهار حرمة المسجد الأقصى والأعتداءات على المصلين تتواصل ,وتبقى حادثة المسجد الأبراهيمى الذى قتل الصهاينه فيها الساجدين بدم بارد ماثلة للعيان , وقد كانت نبراثا للمجرم القاتل فى المسجدين بنيوزيلاندا ,و فى كندا وبعض دول أوروبا الغربية ,

وقد فاضت مؤخرا بالحادث الأرهابى صبيحة يوم الجمعة 15\3\2019 بالهجوم الممنهج على مسجدين للمسلمين بنيوزيلاندا يؤكد ذلك مانقلته القناة “13” الإسرائيلية مساء الأحد 17\3، عن مسؤول إسرائيلي قوله إن “الإرهابي برينتون تارانت” منفذ الهجوم على المسجدين في نيوزيلندا زار إسرائيل قبل عامين”.

وأضاف المسؤول بأن “تارانت وصل إسرائيل حاملا جوازه الأسترالي، وتم منحه تأشيرة زيارة مدتها 3 شهور في مطار (بن غوريون) الدولي”.

و لأن القتلى مسلمين فلا داعي لتضخيم المسألة !!

ولأننا عرب و جب أن نُقتل دون أن نسأل !!

ولا زلت ابحث عن حاكم عربي من هواة التطبيع التآمرى مع أسرائيل يرى ان ماحدث ليس تصرف فردي.

ماجرى فى نيوزيلاندا من اراقة لدماء الساجدين , لايمكن أن يمر مرور الكرام , فكل من له عينين ولسان وشفتين يرى ويدرك انه مخطط للقضاء على المسلمين منذ القضاء على الشيوعية وتفكيك الأتحاد السوفيتى , وطوال هذه السنوات ونحن مغيبين ومعصوبى العينين , فهل ستعيد واقعةنيوزيلاندا التى سال فيها دم الابرياء , الدماء فى عروق العرب والمسلمين ,و الأدارك الى عقولهم ,ليواجهوا المؤامرة قبل أن تطبق على الصغير والكبير , والأسلام والعروبة – أم سنستكين ونظل – لااقول كالحمل الوديع – وأنما كالهبل والمجانين .!!

اوروبا واليمين العنصري المتطرف !


إسماعيل ابو البندورة

لا يمكن فصل ما جرى في مجزرة نيوزيلاندا عن وقائع وتحولات كثيرة تجري في اوروبا وامريكا وتأخذها نحو تراجعات انسانية وحضارية وتحولها إلى بيئات عنصرية تظهر فيها دعوات نازية وفاشية يتفاقم فيها الشطح والهلوسات والغرابة والخوف من الآخر وتنبني على أساس ذلك سياسات لا أساس لها من العقل والعقلانية وتأتي إلى السلطة بقيادات لا تتوافر على ادراكات سياسية وتاريخية متجاوزة للمركزية الأوروبية ومفرداتها الإقصائية والعنصرية .

وتعود فكرة الآخر العنيف المهدد الطاريء على المجتمعات الأوروبية إلى الظهور على ألسنة العديد من القادة الجدد في أوروبا وأمريكا وبطريقة شائنة لا تستند إلى أية حقائق وحجج وتقوم على محاربة دين كوني تنتمي إليه أكثرية البشرية ويشكل دينا ثانيا في اوروبا وامريكا وتتجاهل هذه الوقائع بهذاءات عنصرية وفبركات وافتراءات اعلامية ورؤىً مغلقة وعدمية  .

يكتب مجرم نيوزيلاندا في بيانه الذي نشره قبل المجزرة وعلى أطراف سلاحه القاتل تواريخ تشير إلى أحداث وصراعات سابقة كانت تدور في الماضي ويريد بقتل الناس الأبرياء الثأر من ماضٍ قديم أو استعادة وهجه أو تصحيحه واستنهاضه ليكون تاريخا جديدا لأوروبا ولكي تبرر الفاشية والعنصرية المستحدثة والسائدة في أوروبا وأمريكا في الوقت الراهن .

ويجب أن لا يغرب عن البال  أن مثل هذا الفكر والتوجهات العنصرية تجد لها أصداء واسعة في أوروبا وأمريكا تحت عنوان الاسلاموفوبيا و( الآخر هو الجحيم ) والآخر في هذه الحالة العنصرية المتجددة هو العربي المسلم المقيم في بلاده والمهاجر الذي يشار إليه في كل مناسبة على أنه داعية العنف ومخرب الحضارة ومهدد البشرية والطاريء على الحضارة والمجتمعات الأوروبية. .

أي عقل مغلق ومعقد هذا يريد لأوروبا أن تعود القهقرى في تكوينها وتاريخها وحضارتها ؟ وأية آفاق عنصرية يريد هذا التيار الصاعد أن يفتتحها في تاريخ البشرية ؟ وهل هناك من تيارات انسانية الطابع نقيضة تسعى لوقف هذه المسارات الهمجية وتخلص أوروبا من التطرف ومعاداة الإنسان  ؟

وهل هناك من عقل ناقد يحّمل أوربا تبعات استعمارها القديم وتوليدها للعنف على صعيد العالم وكذلك إعادة انتاجه بهذه الصورة الوحشية والمغالية في المرحلة الراهنة ؟ هل هناك من مجال في الحاضر الكوني القائم لتوليد عنصرية جديدة وفائضة  بمواجهة دين سماوي وتسميته بصراع الحضارات ؟

هل تجيب أوروبا على مثل هذه الأسئلة وهي تراقب السفاح الأوروبي المقتدي بترمب وهو يقتل الأبرياء بدم بارد في وضح النهار أم أنها سترجع ذلك إلى الجنون وعصر الجنون الذي يتخلق داخل البيت الأوروبي  ؟

الجمهورية العربية المتحدة في ذكراها الــ 61


عبد الهادي الراجح

في الثاني والعشرين من شباط فبراير الماضي مرت على الأمة العربية الذكرى الـــ 61 لأول وآخر وحدة عربية شهدها التاريخ العربي الحديث، وحدة مصر وسوريا التي عرفت بالجمهورية العربية المتحدة وتعلقت بها آمال الشعب العربي من المحيط للخليج، والحقيقة فأن الفوران والاندفاع  والحماس الجماهيري خاصة في سوريا قد وقف وراء تلك الوحدة، نظراً لان سوريا هي  أكثر من تعرض وعانى من آلام سايكس بيكو وإفرازاتها،  حيث جرى اقتطاع أربعة أجزاء رئيسية منها، وهي  الأردن ،فلسطين ، لبنان ولواء الاسكندرونه  الذي منحته بريطانيا وفرنسا لتركيا دون وجه حق .

كانت سوريا هي المتضرر الأكبر في وطننا العربي  من تلك التجزئة ،لذلك بقيت سوريا هي الأكثر صدقا وإخلاصا في دعم مشروع الوحدة العربية كونها أكثر من عانى من التجزئة .

ومع كل ذلك كانت العاطفة والحماس  والإيمان بالبطل  هي الدافع الأساسي لتلك الوحدة،  بدون مراعاة الأخطار وحجم العمالة والخيانة في أمتنا  .

وما كانت تتعرض له سوريا ولا زالت  من أخطار هي الدافع وراء تلك العاطفة وذلك الحماس بوجود البطل جمال عبد الناصر، والدليل على ذلك أن بعض من قادوا الانقلاب الرجعي بدعم أعداء الأمة وعملائها بين أظهرنا، هم أنفسهم من ذهبوا لمصر عارضين على الزعيم جمال عبد الناصر إعادة الوحدة عندما أحسوا بحجم الجريمة التي ارتكبوها بقصد أو بغير قصد .

ورفض الزعيم ذلك العرض قائلا للوفد السوري أن المبادئ لا تتجزأ  وإلا فقدت معناها وقيمتها .

وهكذا كان الانفصال الرجعي الذي تبرأ منه حتى بعض قادته  هو المقدمة الأولى لنكسة حزيران بعد ذلك بستة أعوام، وهو نفس التاريخ الذي رحل به جمال عبد الناصر عن دنيانا بعد تسعة أعوام ولم يكن ذلك من صنع الصدف،  ليكون بعد ذلك المقدمة الأولى لانهيار عربي كامل لا زلنا نعاني منه، وبداية للأسف  لنجاح المشروع الصهيو  أمريكي الذي أسسته بريطانيا وفرنسا واستلمته أمريكا اليوم كوريث .

لقد شكلت الثلاثة أعوام والنصف من عمر الوحدة وقيام الجمهورية العربية المتحدة ما بين مصر وسوريا حالة من الجنون الاستعماري حتى وصل الأمر بالملك سعود أن يحاول رشوة عبد الحميد السراج رحمه الله ، وزير داخلية الوحدة لاغتيال  الزعيم جمال عبد الناصر بواسطة تفجير طائرته، كما دفع هذا السعود ملايين الدولارات الأخرى لشراء ذمم ضباط سوريين ومصريين لنسف المنصة التي كان جمال عبد الناصر مقررا أن يلقى منها خطابه بمناسبة تخريج أفواج إحدى الطلبة في إحدى الجامعات السورية، وكل ذلك فشل ولكنه نجح أخيرا في فصل عرى الوحدة نتيجة أخطاء من الداخل كان يمكن التغلب عليها، وشراء  ذمم سياسيين وضباط  سوريين  أغلبهم شعر بالذنب ولكن للأسف بعد فوات الأوان .

ومع كل ذلك كانت هناك ايجابيات خالدة لتلك الوحدة  التي تعادل وتتفوق على كل ما هو سلبي  وأخطاء بالتجربة ، فقد نجحت دولة الوحدة بالانتصار على أحلاف الاستعمار وعلى رأسها حلف بغداد الذي تقوض بثورة 14 يوليو تموز التي أسقطت النظام الحليف لبريطانيا في ذلك الوقت، كما أسقطت دولة الوحدة مبدأ ايزنهاور ومحاولة ملء الفراغ كما أسموه،  وأسقطت الغزو التركي الذي كان مقررا لسوريا، والأهم حماية سوريا من الأخطار التي كانت محدقة بها ومستهدفة لوجودها طمعا في خصائصها الجغرافية التي وصفها جون دالاس  وزير خارجية أمريكا الأشهر بأعظم حاملة طائرات  .

ومن المفارقات أن نفس الأعداء الذين تآمروا على الوحدة  هم من استهدف سوريا في الأحداث المأساوية الأخيرة في القرن الواحد والعشرين ، ناهيك عن الأمل الذي أوجدته دولة الوحدة وجعلت من المستحيل ممكنا، وهذا الأمل الذي لا زلنا  نراهن عليه حتى اليوم  وغدا .

لذلك ذكرى الوحدة والحنين لها سيبقى موجوداً، ومنه نستمد الأمل لوحدة عربية سوف يأتي موعدها  حين يريد الله ويستيقظ شعبنا العربي العظيم، لأن بالوحدة تكون قوتنا وتتوفر الحياة الكريمة ذاتها .

رحم الله فارس الوحدة الزعيم جمال عبد الناصر وكل من ساهم في صناعة الأمل الذي لا يموت، وتحية احترام وتقدير لكل من لا يزالوا قابضين على جمر المبادئ في ظل عالم الصهينة  والأمركة  وفلوس أبو منشار  .

عاشت أمتنا العربية من المحيط للخليج  .

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر