الراصد القديم

2017/06/01

الليطاني.. نَهْرُنا القاتل


 نجوى بركات

يحتلّ حوض نهر الليطاني المرتبة الأولى من حيث مساحته التي تبلغ 2175 كلم مربعا، أي ما يعادل نحو 20% من مساحة لبنان، يتوزع 80% منها في سهل البقاع، فيما تقع 20% المتبقية في لبنان الجنوبي. ونهر الليطاني أكثر الأنهار اللبنانية طولا (170 كلم) ينبع من غرب مدينة بعلبك في سهل البقاع، ويصبّ في البحر المتوسط شمال مدينة صور. تبلغ قدرته المائية 750 مليون متر مكعّب سنوياً، إذ يبلغ متوسّط هطول الأمطار في حوضه 700 ملم في السنة، أي حوالي 764 مليون متر مكعب، تتوزع على الشكل التالي: 543 مليون متر مكعب في سد القرعون، و221 مليون متر مكعب في باقي السدود. أما كميات المياه التي يصرّفها الحوض، فتعادل 24% من المتساقطات الصافية على مجمل الأراضي اللبنانية، وهذه الكمية تمثل أكثر من 40% من مجموع كمية المياه الجارية في الأنهر الداخلية.

هذا هو نهر الليطاني "مبدئيا". هذا هو "نظريا". عندما تبحث عنه في كتب الجغرافيا، أو في محرّك غوغل، أو في... ذاكرتك، حيث تختبئ صور عتيقةٌ قليلةٌ لأشياء لم تعد. هناك، تراه جارياً آمناً، وسط مئات القرى التي تحفّ ضفتيه، ترى مياهه الصافية المترقرقة العذبة تعكس زرقة السماء وخضرة الشجر والنبات، ترى قاعه المفروش بالحصى البيضاء، وأسماكَه هاربة أسراباً، وقد التاعت فجأة حين دخل إليها صبية عراة. وإن أغمضتَ عينيك جيدا، سمعت خرير المياه المتدفقة الباردة الطازجة، مياه لبنان كما يتمّ التغنّي بها، تلك التي تنبع من جبالٍ تغطي الثلوجُ قممها، وتنتهي في البحر الأبيض المتوسط، أجمل البحار وأحلاها على الإطلاق.

أما واقعياً، فهو "النهر القاتل"، بقدر ما هو النهر "القتيل" الذي هجرته كل علامات الحياة النهرية، بعد أن خلا من الحيوانات، طيورا وضفادع وأسماكا وسلاحف وحتى فئرانا، وبات مصدرا للتلوّث من النبع إلى المصبّ. إنه مكبّ نفايات المعامل والقرى المقيمة على جانبيه، بتروكيميائيات ترميها معامل الطلاء والدباغات والمستشفيات ومعامل الألبان والأجبان... إلخ، إضافة إلى أشكال التلوّث العديدة الأخرى التي يسبّبها رميُ القاذورات العضوية والصلبة على أنواعها، وتحويل كل قنوات الصرف الصحّي الخاصة بمئات القرى إلى مجرى النهر، من دون مرورها بمصافٍ للتكرير. الروائح الكريهة خانقة، والمياه آسنةٌ ملوّثةٌ تسقي المزروعات التي توزَّع على مختلف المناطق، ويأكلها المواطنون المغلوب على أمرهم.

"ما بدّي الليطاني يقتلني"، صرخةٌ أطلقها أهالي قرية برّ الياس البقاعية الواقعة على كتف الليطاني، وقد أدى تعرّضهم للتلوّث وللمواد البكتيرية والمسرطنة إلى إصابة 600 شخص من بينهم بالسرطان. إنه رقم مرتفع جدا، بل إنه من بين أكثر الأرقام ارتفاعا في العالم. وتلك ستكون حالُ كلّ القرى التي تقع على ضفاف اللّيطانيّ وحتى ما بعد. 600 حالة سرطانية وثّقتها مشافي المنطقة وأطباؤها، سبّبها تلوّثُ المياه التي تُروى بها المزروعات والروائحُ المسمّمة التي تفتك بالهواء. هذا الرقم ناتج ولا ريب عن 25 سنة من الإهمال والتعدّي على البيئة وعدم احترام القوانين، وهو مرشّحٌ للتزايد، حين نتذكّر أن هناك أكثر من ألفيْ طالب في برّ الياس يتعلّمون في مدارس تقع على ضفاف النهر الملعون.

أجل، إنه النهر الملعون، النهر المشؤوم، النهر القاتل. بل هو البلد الملعون، البلد المشؤوم، البلد القاتل. كل هذا وأكثر منه، ولا تُعلن حالةُ استنفار، ولا تسقط حكومة، ولا تهتزّ البلاد. لقد اعتاد اللبناني الموات، ألِف الموت، استمرأ الفساد والاستباحة وعدم المحاسبة، وصولا إلى القتل. تطمره النفايات ولا يعترض. يأكل أطعمةً فاسدةً ولا يعترض. يشرب مياها ملوّثة ولا ينبس بحرف. يُذلّ، يهان، يُفقر. يجوع.. ويستمرّ واقفا، فيذهب مثلا، ويتغنّى المستفيدون منه بصلابته وبحبّه للحياة.
أجل، اللبناني، كنهره الجميل، ملوّث الجسد والأخلاق والروح. وكنهره القتيل، اللبناني ميْت.

"ناتو عربي" جديد وُجهته الشرق



ناصر قويدر

نشرت صحيفة "كوميرسانت" مقالا للمحلل السياسي سيرغي ستروكان، يلقي الضوء فيه على تشكيل دونالد ترامب تحالفا إسلاميا ضد سوريا وإيران.

يقول ستروكان إن الرئيس الأمريكي غادر البيت الأبيض في لحظة حرجة جدا... في وقت اشتد فيه ضغط خصومه السياسيين للعثور على "الأثر الروسي" في نشاطاته، فيما كان يحاول هو البحث عن مركز دعم وتبريرات لمصلحته على بعد ألوف الكيلومترات عن الولايات المتحدة.

وفي هذه الحالة كانت زيارته إلى الرياض زيارة تعارف دولية "قبل الزفاف"، شارك فيها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وابنه، وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان. هذا إضافة إلى قادة أكثر من 40 دولة عربية وإسلامية.

وفي هذا الصدد، يرى ستروكان أن الاختيار غير المتوقع للسعودية، إحدى زعيمات العالم العربي والإسلامي، بصفتها الدولة الأجنبية الأولى في جولته العالمية، جاء تأكيدا آخر لسمعة دونالد ترامب كأشهر رئيس أمريكي يصعب التنبؤ بسلوكه، ويقدر على إحداث تغيير جذري في موقفه تبعا للظروف.

ويذكِّر المحلل الروسي بأن أحد أول قرارات ترامب لدى توليه السلطة كان تشديد قوانين الدخول والهجرة إلى الولايات المتحدة على مواطني العديد من الدول العربية والإسلامية، والذي أثار موجة من الغضب في العالم الإسلامي. أما السعودية، فلقد تحدث عنها بسلبية. وقال في إحدى المرات إن السعودية لن تدوم طويلا من دون دعم الولايات المتحدة. بيد أن ترامب آخر ومختلفا بالكامل كان في الرياض، إذ وقف أمام أعضاء الأسرة المالكة في السعودية وقادة العالم الإسلامي، وقال في ختام اللقاء إنه "كان يوما عظيما، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة كان استثمارا عظيما". وذلك في إشارة منه إلى أن "الولايات المتحدة ستحصل على مئات المليارات من الدولارات في الاستثمارات والكثير من فرص العمل".

ويلاحظ المحلل أن الرئيس الأمريكي الجديد ووزير خارجيته ريكس تيلرسون، الذي يرافقه في الرحلة، أبديا إصرارا على إعادة تشغيل العلاقات مع الدول الاسلامية، بل إن ترامب تجاوز الرئيس السابق باراك أوباما، الذي حاول التصالح مع العالم الإسلامي بعد حربي جورج بوش في أفغانستان والعراق.

ويضيف الكاتب أن من المفارقات أن تصبح أساس التحالف الأمريكي الجديد مع العالم الإسلامي فكرة المواجهة مع إحدى الدول الإسلامية الرائدة - إيران الشيعية، التي تعيش حالة من الصراع المزمن مع السعودية، زعيمة الإسلام السني.

وأشار سيرغي ستروكان إلى تعليق وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون على مذكرة التفاهم، التي وقعها الطرفان حول تزويد السعودية بالسلاح مع بلاده مقابل مبالغ بأرقام فلكية من مليارات الدولارات بأن "توريد المعدات والخدمات العسكرية يتجاوب مع المهمات طويلة الأمد، والمرتبطة بأمن السعودية ودول الخليج كافة، وخاصة في ضوء التأثير الايراني المشؤوم، والخطر الإيراني على طول الحدود السعودية".

وخلص المحلل السياسي سيرغي ستروكان إلى القول إن أساس بنية الأمن الجديدة في هذه المنطقة المهمة استراتيجيا، كما جاء على لسان أحد مسؤولي البيت الأبيض، هو إنشاء تحالف عسكري–سياسي أو "ناتو عربي" بزعامة السعودية. وتلعب فيه دورا محوريا كل من الإمارات العربية المتحدة، مصر والأردن تحت إشراف وتنظيم الولايات المتحدة، بغير أن تكون جزءا منه.

ويتوقع مؤسسو "الناتو العربي" أن يشمل أكثر من 40 دولة إسلامية سنية بما فيها باكستان النووية، والهدف من ذلك تغيير ميزان القوى في المنطقة، وخلق تهديد محتمل لحليفتي موسكو - إيران وسوريا.

لهذا، وبحسب رأي المحلل، فإن ترامب وقبل اللقاء الأول بالرئيس الروسي بوتين، لن يكون قد أصبح مهندسا "للناتو العربي" فحسب، بل إنه سيكون قد التقى حلفاءه الغربيين في "حلف شمال الأطلسي". وإن لقاءات ترامب في الرياض وبروكسيل قد تحد من مجال التفاعل بين الرئيسين، وتضعهما على المتاريس المتقابلة من الجبهة.

القدس.. المدينة الأفقر والأكبر في فلسطين


 رامي منصور

في احتفالاتٍ بمرور خمسين عامًا على ما يسمى "توحيد القدس"، أي احتلال المدينة، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إن القدس كانت منذ القدم عاصمة "شعب إسرائيل" القومية وحدهم وليس أي شعب آخر، ولن يتم التنازل عنها أبدًا، وإن حرية العبادة فيها مصونة للجميع تحت السيادة الإسرائيلية، وإنها لن تعود لتصبح إيليا كابيتولينا، أي المستعمرة الرومانية التي شيّدت على أنقاض المدينة.


ودمج نتنياهو في خطاباته في هذه المناسبة بين الكذب والتضليل، خصوصا فيما يتعلق بحرية العبادة، وبين العنصرية، عندما قال إن هذه البلاد كانت شبه فارغة في القرن التاسع عشر، والعقائدية الدينية القومجية المتطرّفة، عندما قال إن المدينة كانت عاصمة قومية لليهود فقط (هل كان في ذاك العصر قوميات وعواصم؟)، لكنه خلص إلى موقفٍ سياسي بأن القدس ستبقى "موحدة"، لأنها "محور الوعي القومي الصهيوني"، وإنه لا أحد له الحق فيها سوى اليهود، وأن الانسحاب منها سيعني أن تلقى مصير تدمر والموصل، أي أن تقع تحت سيطرة "داعش". وفي رد غير مباشر، لكن في المناسبة ذاتها، قال الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، إنه لا يمكن الحفاظ على "وحدة المدينة" مع إهمال 40% من سكانها، أي الفلسطينيين، الذين يشكلون "الحيز المديني الأفقر في إسرائيل".
وفي مقابل الإصرار الإسرائيلي على محورية القدس في الصراع، واعتبارها خطًا أحمر لا تنازل عنه، وترويج أن القدس تعيش أفضل مراحلها بفضل الاحتلال الإسرائيلي، تعاني المدينة المقدسة وأهلها، بعد خمسين عاما على احتلالها، من إهمال فلسطيني كبير، يجعلها "تفوز بجدارة" بلقب أكبر وأفقر مدينة فلسطينية. وليس هذا التقدير استنادًا إلى المعطيات الفلسطينية فحسب، وإنما وفق الإحصائيات الإسرائيلية.

وفق معطيات إسرائيلية من العام 2015، يشكل العرب 37% من سكان المناطق التي تقع في نفوذ بلدية القدس الإسرائيلية الذي تضاعف عدة مرات، من 38 كلم مربعا قبل حرب 1967 إلى 108 كلم مربعة فور الاحتلال، ليصل اليوم إلى 128 كلم مربعا، وتصل نسبة الفقر في أوساط فلسطينيي القدس إلى 79% (نسبة البطالة تصل إلى 30%)، وهي تشمل مخيم شعفاط والبلدات الفلسطينية الصغيرة في محيط المدينة. أما نسبة اليهود المتزمتين (الحريديم) فتصل إلى 23%، وتصل نسبة الفقر في أوساطهم إلى 50%، وعموما الحريديم هم من الشرائح الأفقر في إسرائيل. أما البقية من سكان المدينة، أي 40% تقريبا، فهم ليسوا عربا ولا حريديم، أي يهودا علمانيين أو محافظين، وتصل نسبة الفقر لديهم إلى 27%.

وبحسب المعطيات الإسرائيلية والفلسطينية، تفوق نسبة الفقر في القدس مثيلتها في قطاع غزة المحاصر (40%)، ويقدر بأن 117 ألف طفل مقدسي يعيشون تحت خط الفقر من أصل 230 ألف مقدسي يعيشون تحت خط الفقر وفق المعايير الإسرائيلية.

وإذا ما أضفنا هذه المعطيات المأساوية إلى منع شرائح واسعة من الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس من الصلاة بحرية في المسجد الأقصى، وهو ما يؤكد كذب نتنياهو، إلى الهدم الحثيث للمجتمع المقدسي من خلال التضييق عليه سياسيا واقتصاديا، فإننا أمام واقعٍ غير مبشر للمدينة المقدسة، وكل الحديث الإسرائيلي بأن المدينة تعيش أفضل مراحلها تحت السيادة الإسرائيلية مجافٍ للحقيقة. وضع الاحتلال المقدسيين أمام خيارين من خلال التضييق الاقتصادي، الخروج من المدينة والانتقال إلى الضفة الغربية، وبذلك يخسرون إقامتهم في المدينة، أو التخلي عن هويتهم الوطنية، والاندماج والعيش الذليل على الهامش الإسرائيلي، وهما خياران أحلاهما مر.

وليس الواقع المقدسي قدراً، بل هو مبرمج إسرائيلياً، إذ منذ اللحظة الأولى لاحتلال الجزء الشرقي للمدينة في يونيو/حزيران 1967، باشرت الحكومة الإسرائيلية فرض وقائع جديدة على الأرض، تمنع مستقبلا الانسحاب من المدينة. فأولى الخطوات كانت هدم حي المغاربة المتاخم لحائط البراق، بزعم إتاحة المجال لليهود للصلاة في المكان، وترحيل 135 أسرة فلسطينية وفق المعطيات الإسرائيلية. وبعد أيام من احتلال البلدة القديمة، باشرت بلدية الاحتلال تنفيذ مشاريع استيطانية لتثبيت السيادة الإسرائيلية، إذ صادر الاحتلال 3345 دونما على تخوم الجزء الشرقي للمدينة لربطه بالجزء الغربي، وإسكان 10 آلاف مستوطن يهودي. أي أن واقع الاستيطان والإفقار والهدم المجتمعي لم يكن عشوائيا، بل إن حربا معلنة على المدينة وأهلها منذ يونيو/حزيران 1967 لا تزال مستمرة. وهذا الواقع لم يقابل باستراتيجية عربية أو فلسطينية حقيقية، ترى في القدس مدينة مقدسة وعاصمة مستقبلية، وأن أهلها يشكلون جزءًا من الشعب الفلسطيني، بل تركت وترك أهلها لمواجهة مصيرهم وحدهم، حتى صارت جزيرةً معزولة، فهي ليست 1967 ولا 1948 ولا شتاتا. وينذر هذا الأمر بأن الحرب على القدس ليست في صالح الفلسطينيين، بعدما تحولت إلى جزيرة معزولة غارقة في الفقر، وصارت هدفا استيطانيا سهلا جدًا، لأن مقومات صمود الفلسطيني في القدس تتلاشى يوما بعد يوم، جرّاء إنهيار المجتمع وتفكّكه، وانعدام قيادة سياسية ومؤسسات وطنية تنظم المجتمع وتحصّنه. لكن الملفت أن هذا الانهيار وانعدام القيادة السياسية والمؤسسات الوطنية صار بعد اتفاقيات أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية، وزاد من وتيرة انهياره بعد الانتفاضة الثانية، وبناء جدار الضم العنصري، وتسليم القيادة الفلسطينية التي أعقبت استشهاد ياسر عرفات بواقع الفصل، حتى إن رأس المال الرمزي الذي شكلته المدينة المقدسة تبخّر، واقتصر على الحرم الشريف، وكأنه لا قيمة لما يحيط الحرم والبلدة القديمة رمزيا ووجدانيا وسياسيا. وكان لافتا أيضا عدم إصرار السلطة الفلسطينية على شمول القدس وضواحيها في الانتخابات المحلية أخيرا، وكأنه رغبة بالتخلص من عبء هذه المدينة المفقرة.

من الضروري استعادة رمزية القدس مدينة وعاصمة، وليس حرماً شريفاً فقط، وأن تعود لتكون المحور الأساسي لأي عملية سياسية مع إسرائيل، لأن التركيز على تجميد الاستيطان في الضفة الغربية كأنه أسقط مركزية القدس في الصراع، وسلّم بالأمر الواقع.

لن تقدّم المؤتمرات التي تعقد باسم القدس والأقصى، ولن تؤخر، لأن المطلوب فوراً انتشال القدس من مستنقع الفقر والتهويد، وهذا أولا وقبل كل شيء يتطلب رغبةً وإرادة سياسية فلسطينية، ومن ثم ستتوفر برامج الصمود والتنمية وغيرها. طالما لم تتوفر هذه الإرادة، فإن كل حديثٍ عن عدم التنازل عن القدس كلام بلا رصيد. ليس الوقت في صالحنا في القدس، إلا أنه على الرغم من كل الصعاب والتحدّيات، لا يزال 400 ألف فلسطيني يعيشون في المدينة المقدّسة، وأفشلوا المعادلة الإسرائيلية التي أرادت أن تكون المعادلة على النحو التالي: 70% من السكان يهود و30% عرب. حان الوقت لكسر الحصار عن القدس، وكشف أكاذيب نتنياهو، لأن القدس في "العصر الصهيوني" وصلت إلى الحضيض اقتصاديا وسياسيا، وصارت أفقر مدن فلسطين، ولا تتوفر فيها حرية العبادة للجميع. خمسون عاما على احتلال المدينة مناسبة لإعادتها إلى صدارة الصراع.

هل بدأ «حزب الله» يستعد لخلافة بري بالتوافق مع عون؟




في مؤتمره الصحافي المفاجئ امس سأل رئيس مجلس النواب نبيه بري:”لماذا لم يتم توقيع مرسوم فتح الدورة الاستثنائية الان؟” وأجاب :”العلم عند الله”.بضعة كلمات طرحت السؤال الكبير: هل السجال الحالي حول مرسوم الدورة الاستثنائية لمجلس النواب مرتبط فقط بموضوع إجراء الانتخابات على أساس القانون الساري المفعول,أي قانون الستين، أو على أساس قانون جديد ؟أم أنه يخفي موضوع التغيير في رئاسة مجلس النواب التي يتبوأها الرئيس نبيه بري منذ إنتخابات عام 1992 أي قبل ربع قرن؟ وإذا كان إحتمال التغيير في رئاسة مجلس النواب هو بيت القصيد، هل بإمكان رئيس الجمهورية ميشال عون الذي هو الطرف الثاني في السجال مع الرئيس بري أن يذهب في هذا الاتجاه من دون توافق مع “حزب الله” الطرف الاقوى في الثنائي الشيعي؟

ما يدفع الى هذا التساؤل هو تراجع الرئيس بري المستمر أمام الرئيس عون منذ أشهر، وتحديدا عندما بدأت مرحلة التحضير لإجراء الانتخابات النيابية قبل إنتهاء ولاية البرلمان الحالي في حزيران 2017. ووفق الاصول التي كانت تقتضي توجيه الدعوة الى الهيئات الناخبة قبل ثلاثة أشهر من إجراء الانتخابات أي في أيار الحالي قبل بدء شهر رمضان الذي بدأ قبل أيام، إمتنع الرئيس عون عن توقيع مرسوم هذه الدعوة الذي وقعه رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بعدما رفعه اليه وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق. واليوم يحصل الامر نفسه في شأن مرسوم فتح الدورة الاستثنائية لمجلس النواب الذي تنتهي أعمال دورته العادية الاربعاء في 31 أيار. فبعدما وقّع الرئيس الحريري مرسوم الدورة لا يزال توقيع الرئيس عون غائبا عنه حتى إعداد هذا المقال ما يفتح الباب أمام أسئلة قد ترتبط بمصير رئاسة مجلس النواب نفسها.

كتب الكثير حول العلاقة المضطربة بين الرئيسين عون وبري حتى قبل أن يصل الاول الى بعبدا .لكن كل هذه الكتابات لا تتطرّق الى موقف “حزب الله” الفعلي من هذه المواجهة بين حليفيّن له.حتى أن الامين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله وخلال أطلالاته المتكررة في الشهور الاخيرة بدا ميّالا الى إلتزام جانب الحياد بين عون وبرّي.فهل يعني هذا الموقف ان الحزب حريص على إبقاء شعرة معاوية بين حليفيّه فلا تنقطع؟أم أنه بات يستعد لمرحلة جيدة تكون فيه رئاسة مجلس النواب معقودة له؟

في الايام الماضية سرى همس بين عدد من الوزراء ان “حزب الله” لا يرى مانعا من أن تكون رئاسة البرلمان لإحدى شخصياته بالاتفاق مع رئيس الجمهورية. وتفيد المصادر صاحبة هذه المعلومات ان الموانع التي كانت تحول دون هذا التطور قد زالت حاليا على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى المستوى الداخلي، هناك تطور في تكوين السلطة حصل في الشهور الماضية أدى الى وصول العماد عون الى قصر بعبدا بعد إصرار من “حزب الله” لمدة ثلاثة أعوام تلت نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان عام 2014 .بعد ذلك، تشكّلت حكومة برئاسة الرئيس الحريري الذي أخرجه الحزب وحلفاؤه من السلطة عام 2011 ما طرح معادلة الاقوياء في طوائفهم هم من يحكمون.ولم يعد ينقص هذه المعادلة سوى إنضمام الحزب اليها.

أما على المستوى الخارجي، وفي خضم المواجهة القاسية التي تخوضها إيران مع الولايات المتحدة الاميركية صار لزاما على طهران إستخدام كل أوراق القوة التي بحوزتها وأبرزها ورقة “حزب الله” في لبنان .ووفق متابعون على هذا المستوى فإن خوض إيران المواجهة الولايات المتحدة لا تقتصر فقط على الجانب الامني كفتح المواجهة مع إسرائيل بل تتعداها الى تثبيت مواقع حلفاء طهران سياسيا لاسيما في الموقع الشيعي الاول.

رب قائل، أن “حزب الله” في موقع أفضل عندما تكون الثنائية الشيعية تتوزع الادوار فتكون شؤون السلطة بيد حركة “أمل” فيما تنحصر شؤون الاستراتيجيا بالحزب. غير ان هذا القول يواجه الان ظروفا جديدة لم تكن مطروحة من قبل. فالعقوبات الاميركية المرتقبة التي تردد انها ستشمل حلفاء الحزب وتحديدا عون وبري تعني ان الدور التاريخي الذي كان يتمتع به زعيم حركة “أمل” ويؤهله لكيّ يكون في موقع الوسيط بين الحزب والغرب قد إنتهى. ولم يعد من المفيد أن يتكل “حزب الله” على طرف آخر لكي يتعامل مع الغرب عموما وواشنطن خصوصا. والسلوك الجديد في طهران بعد الانتخابات الرئاسية هو أن على الولايات المتحدة الاميركية أن تتعامل مع الشرعية الايرانية أحبت ذلك أم كرهت. ولذلك ما المانع أن يسري الامر على لبنان فيفرض “حزب الله” واقع أمر ما يجعل الخارج يتعامل معه مهما كانت التوصيفات التي تطلق عليه؟

ليس قليلا أن ينبري الرئيس عون للوقوف في وجه قرارات قمم الرياض الاخيرة التي دانت إيران وتدخلاتها عبر أذرعها وتحديدا عبر “حزب الله”. وهذا ما إستحق إشادة من نصرالله بموقف وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل من إعلان الرياض. علما أن عون هو بين المستهدفين بالعقوبات الاميركية الجديدة. وعلى ما يبدو ان مصيبة العقوبات ستكون عامل قوة في تحالف عون-نصرالله في وقت يبدو أن بري خارج أي قدرة للتأثير في الاحداث بما يخدم مصالح “حزب الله”.

خلال مؤتمره الصحافي الاول بعد إعادة إنتخابه لفترة رئاسية ثانية، قال الرئيس الايراني حسن روحاني ردا على سؤال لمراسل قناة “المنار” التابعة ل”حزب الله” ان الاخير “هو مجموعة لبنانية تم إنتخابها من الشعب اللبناني لتكون في مجلس النيابي وحكومته ,ويلقى تأييدا واسعا في لبنان بين المسلمين والمسيحيين في هذا البلد”.

انتصار أسرى الحرية والكرامة


رشاد أبوشاور

حملت إلينا الأخبار صبيحة هذا اليوم الأول من رمضان نبأ سارا عن أسرى الحرية والكرامة، وهو التوصل مع إدارة سجون العدو الصهيوني على تعليق إضرابهم مقابل تحقيق الكثير من طالبهم.

أضرب الأسرى الأبطال، وبذكاء رفعوا مطالب إنسانية عادلة، وفاجأوا قادة الكيان الصهيوني الذين ردوا على الإضراب بتصريحات عنصرية استعلائية مسعورة: دعوهم يموتون، اقتلوهم، لا تستجيبوا لطلباتهم..الخ.

ثم عمد قادة الكيان، وآلته الإعلامية، إلى محاولة تشويه قادة الإضراب، وفي مقدمتهم الأخ المناضل مروان البرغوثي، ومحاولة الالتفاف على دوره، واستبعاده، ولكن الأسرى تشبثوا بدوره القيادي، ورفضوا التفاوض بدونه، ورغم عزله، والحملة التشويهية، صمد الأسرى الأبطال، وواصلوا إضرابهم الأسطوري حتى اليوم الأربعين، وهددوا بتصعيده، والمطالبة باعتبارهم أسرى حرب، ورغم حرارة الطقس في هذا الصيف، فقد هدد كثيرون منهم، وفي مقدمتهم الأخ مروان بالإضراب عن شرب الماء، وهو أخطر درجات الإضراب. ماذا حقق الأسرى الأبطال بإضرابهم؟

أولاً: بهذا الإضراب تحدى الأسرى الأبطال حالة الصمت واللامبالاة بمصيرهم، وما يتعرضون له من قسوة ممارسات إدارة السجون، التي أرادت أن تستغل الظروف الفلسطينية والعربية والدولية لتستفرد بهم، فكانت المفاجأة التي أربكت إدارة السجون، وقادة الكيان الصهيوني: إضراب الحرية والكرامة.

ثانيا هي رسالة لشعبنا، وفي هذه الظروف، بأن المقاومة هي خيارنا، وبكل الأشكال الممكنة والضرورية، وأن يضع الأسرى حياتهم على أكفهم وأن يواجهوا الاحتلال بالمعد الخاوية، وأن يضعوا الاحتلال أمام خيار: الموت..أو الحريّة، فهذا ما افقد قادة العدو اتزانهم، وقدرتهم على تحمل ما فجّره الأسرى محليا وعالميا، وقد رأينا كيف بدأت جهات عالمية في الانحياز لهم، والتعاطف معه، وهم ما يخسّر الاحتلال الصهيوني العنصري..وهكذا تحوّل الإضراب إلا فعل موقظ لشعبنا لتأجيج غضبه وتحركه والتهيؤ لتصعيد انتفاضته في مواجهة تغوّل الاستيطان وعمليات الدهم، وتهويد القدس، والتنكر لحقوق شعبنا باستهتار يشجع عليه ( تطبيع) جهات عربية رسمية تقودها السعودية وقطر.

ثالثا: هذا الإضراب حمل رسالة لكل الجهات العربية المتآمرة والمتصهينة بأن شعب فلسطين لن يركع، وأن أبناءه وبناته السجناء والسجينات، ومن داخل الزنزانات، يرفعون راية فلسطين، ويتشبثون بقضيتهم وبوطنهم وبحريتهم وبكرامتهم.

رابعا: هناك مشاركون في الإضراب من فتح، الشعبية، بقيادة المناضل أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية، والجهاد، ومن المستقلين، وكان الطبيعي أن يشارك كل الأسرى في الإضراب، ولكن حماس خذلتهم، وخذلت شعبنا، وبرهنت قيادتها على قصر نظرها، وعصبويتها، وضعف انتمائها لشعبنا الفلسطيني، وانعدام حرصها على الوحدة الوطنية في مواجهة الاحتلال الصهيوني، فالأسرى المنضوون تحت لوائها أحجموا عن المشاركة، في حين وجهت قيادات الحركة التحية للأسرى المضربين..يا للنفاق والتضليل والكذب! ولكن شعبنا نفر من سلوكهم، وانشقاقهم، وفئويتهم، فهم يستكثرون أن ينتصر الإضراب بقيادة غير قيادتهم!
علمنا أن التفاوض بين قيادة الأسرى، وفي مقدمتها الأخ مروان البرغوثي وإدارة سجون الاحتلال تواصلت عشرين ساعة توّجت بالاتفاق على الاعتراف بأهم حقوق ومطالب الأسرى الأبطال…

وحتى اللحظة فهذا انتصار كبير، وليس لأحد أن يزاود على الأسرى، أو يُنظّر عليهم، أو يطرح عليهم مقترحات، فهم يعرفون ماذا يفعلون، وما حققوه، ونحن يجب أن نحييهم، وأن نعتز بهم، وأن يشكرهم كل شعبنا في فلسطين المحتلة، وفي كل أنحاء العالم، فهم برهنوا على صلابة الإنسان العربي الفلسطيني، وعلى مدى استعداده لافتداء فلسطين، وعلى إعلاء قيم الحرية والكرامة في وجه الاحتلال الصهيوني، والتآمر العربي الرسمي، وحقارة الدور الأمريكي الصهيوني، ونفاق الغرب الاستعماري…

ستبقى فلسطين هي الموّلد_ الدينمو الذي يوّلد الطاقة الثورية في أمتنا العربية، إلى أن تتحرر، وينتصر شعبنا، وترتفع راية فلسطين في سمائها من النهر إلى البحر.

المجد للأسرى الأحرار أبطال الحرية والكرامة.

والتهاني لشعبنا الحر الأصيل بهذا الانتصار الذي يسهم في مراكمة انتصارات شعبنا على طريق النصر الكبير المؤزّر، شعبنا الذي لا يمكن أن يُقهر، ولا يمكن أن تمر عليه مؤامرات الخونة والساقطين.

وفي الختام لي كلمة، احسب أن كثيرين من أبناء وبنات شعبنا يشاركونني فيها: لا بد من تحرير الأسرى البطال بأسر جنود للعدو الصهيوني، فليكن هذا هو البند الأول على قائمة أهداف الفصائل.

هل يعود سيف الأسلام القذافي للشراكة في قيادة ليبيا !؟


هشام الهبيشان

ما تزال المظاهرات التي ينظمها أنصار الزعيم الراحل معمر القذافي بمدينة بنغازي وغيرها مغيبة عن الجماهير العربية من قبل وسائل الإعلام المتأمرة على الشعب الليبي ، وهذه المظاهرات التي يهتف بها المتظاهرون “الله ومعمر وليبيا وبس” ويلوحوا بالعلم الأخضر الذي كان علم البلاد في عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ، ويطالبوا خلال المظاهرات بالإفراج عن سيف الإسلام وعن الساعدي ، وهذه المظاهرات مازالت تفرقها بعض الميليشيات المتطرفة المتواجدة بالمدينة بالرصاص الحي ، هذه المظاهرات غير المستجدة على الواقع الليبي المضطرب أضافت لهذا الواقع واقعآ جديدآ ، فالمشهد الليبي المعاش بمجموعة وبكل تجلياته المؤلمة والمأساوية ، والتي مازالت حاضرة منذ ستة أعوام تقريباً ، توحي بحجم المأسأة والواقع الجديد الذي فرض على الشعب الليبي من قبل أطراف العدوان “الناتو وحلفائه من العرب” ، بعد الحرب التي استهدفت ليبيا كل ليبيا ، والتي تسترت بشعار دعم الثورة لإسقاط نظام الزعيم الراحل معمر القذافي ، لتحقيق مصالحها وغاياتها بليبيا “.

اليوم ، يبدو واضحاً لجميع المتابعين للحالة الليبية أن الشعب الليبي بدأ يدرك حجم المأساة والكارثة التي أدخلت فيها ليبيا الجغرافيا والإنسان ، وأدرك كذلك الشعب الليبي وللأسف متأخراً الأهداف الحقيقية لأطراف العدوان التي أوصلت ليبيا لهذه الحالة المعاشة اليوم ، وبهذه المرحلة ، لايمكن لأي متابع أن ينكر حجم المأساة التي يعيشها الشعب الليبي منذ إسقاط أطراف العدوان الخارجي سلطة الراحل القذافي ، فهذه المأساة تتجلى تفاصيلها اليوم ، بواقع معيشي صعب يعيشه الليبيين وسط تمدد الميليشيات المسلحة وسطوتها على مفاصل صنع القرار بالمدن الليبية رغم الحديث عن توافقات حول حكومة السراج ، إضافة إلى إنعدام شبه كامل للأمن بمعظم مناطق الجغرافيا الليبية .

وهنا يمكن القول أنه بات من الواضح أن مسار الحلول السياسية وتحديداً منذ مطلع عام 2017 ، قد نعتها مسارات ومشاريع الحلول العسكرية لأطراف العدوان على ليبيا والداعمة على الأرض للقوى المتصارعة على الساحة الليبية ، فقد عشنا منذ مطلع العام الحالي تحديداً على تطورات دراماتيكية “دموية” ، عاشتها الدولة الليبية من شمالها إلى جنوبها ، ومن غربها إلى شرقها ، والواضح أنها ستمتد على إمتداد أيام هذا العام ، فقد إشتعلت عدة جبهات على إمتداد الجغرافيا الليبية ، وبشكل سريع ومفاجئ جداً ، في ظل دخول متغيرات وعوامل جديدة وفرض واقع وإيقاع جديد للخريطة العسكرية الليبية ، وخصوصاً بعد تمدد القوى المتطرفة “المدعومة خارجيا” بشكل واسع بمناطق شرق وجنوب شرق ليبيا .

ختاماً ، يمكن القول أن المشهد الليبي يزداد تعقيداً مع مرور الأيام ، فالأحداث والتطورات الاخيرة في طرابلس العاصمة وما يجري بدرنة والحديث عن تدخل مصري – عربي – غربي ، يؤكد أن تطورات الوضع الليبي متجهة مستقبلاً لمزيد من التصعيد والتطورات الخطرة التي قد تطيح بليبيا الدولة وتحولها إلى إمارات وأقاليم وولايات متناحرة ومتصارعة فيما بينها ، فالمرحلة المقبلة سيدفع بها الليبيين كل الليبيين ضريبة دعمهم أو حيادهم أو صمتهم على مشروع معادي إسقط ليبيا كل ليبيا بنار الفوضى ، والحل الوحيد للخروج من الأزمة الحالية الليبية هو إعادة بناء وتشكيل نموذج وطني ليبي ، يمثل كل أطياف القوى الوطنية الليبية وعلى رأسها القوى الوطنية التي تمثل نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي والتي لازالت تحظى للآن بثقل شعبي ليبي كبير رغم حالة التعتيم الإعلامي عليها ، والتي يمثلها اليوم بشكل أو بأخر سيف الإسلام القذافي ، ومن هنا أقول ، أن عودة سيف الإسلام القذافي للمشاركة بمشروع بناء ليبيا سيكون له أثر إيجابي لتفعيل الحلول الوطنية الليبية التوافقية الخاصة بوضع حد للمأساة الليبية.

فلسطين في المطبخ الأميركي.. مرّةً أخرى! الفوضى في الحقّ لن تغلب الباطل المنظّم


صبحي غندور

التحرّك الأميركي يتواصل لإعادة التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تحت حجّة السعي الأميركي لإعلان دولة فلسطينية، وهو سعيٌ نحو المجهول، إذ لا يوجد موقف أميركي واضح من حدود هذه الدولة المنشودة أو عاصمتها أو طبيعة سكانها (أو مصير المستوطنات) أو مدى استقلاليتها وسيادتها!. فالمبادرة العربية التي أقرّتها قمّة بيروت، وكذلك هو الموقف الفلسطيني، يطالبان بدولة فلسطينية على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1967 وبأن تكون القدس عاصمتها، وبحلٍّ عادل لقضية اللاجئين، فأين هو الموقف الأميركي من ذلك، وما هو مقدار الإلتزام العربي والفلسطيني بالحد الأدنى من المطالب العربية والفلسطينية؟!.

أيّ منطقٍ هذا الذي يعطي لواشنطن ولمجلس الأمن حقّ إقرار محكمة دولية عقب جريمة اغتيال رفيق الحريري في لبنان بالعام 2005، ولا يعطي هذا المنطق نفسه الحقَّ بتشكيل لجنة تحقيق دولية في جرائم إسرائيل المستمرّة منذ العام 1948؟!. فممنوعٌ على منظّمات الأمم المتحدة حتّى حقّ الإدانة اللفظية لمجازر إسرائيل في الأراضي المحتلة، فكيف بالتحقيق الدولي بهذه المجازر؟!. ثمّ أيّ حكومات في المنطقة أو العالم ترضى لنفسها أن تكون منفّذاً عملياً للسياسة الإسرائيلية، تفعل ما تريده تل أبيب من صراعاتٍ طائفية وإثنية.. لا ما تفرضه مصالح دولها وأوطانها؟.

إنّ إسرائيل هي المستفيد الأوّل ممّا يحدث في المنطقة العربية طالما أنّ الواقع الفلسطيني تحديداً والعربي عموماً هو على حاله من التشرذم والصراعات وانعدام وحدة الموقف، ومن الفوضى في العلاقات والبرامج والمؤسّسات، ومن أولوية مصالح الحكومات على الأوطان. فالفوضى في الحقّ لا يمكن لها أن تغلب الباطل المنظّم.

أليس واقع خدمة المصالح الإسرائيلية هو السائد الآن في عموم أزمات المنطقة وحروبها الأهلية الداخلية؟! أليس أساس المشكلة على الصعيد الفلسطيني هو إخراج الصراع العربي/الإسرائيلي من دائرته العربية الشاملة وجعله الآن قضية "مسار فلسطيني/إسرائيلي" متعثّر ويحتاج إلى "تنشيط"؟!.

ثمّ متى كانت القدس قضيّةً خاصّةً فقط بالفريق الفلسطيني المفاوض بينما هي مدينة مقدّسة معنيٌّ بها وبمستقبلها، في ظلّ محاولات تهويدها لخمسين عاماً، عموم المسلمين والمسيحيين في العالم؟!.

بداية المشكلة كانت حينما قام الرئيس المصري السابق أنور السادات بتوقيع المعاهدة المصرية/الإسرائيلية في العام 1979، متراجعاً عمّا كانت عليه مصر من موقف مبدئي بعد حرب العام 1967 بأنّ "القدس قبل سيناء، والجولان قبل سيناء، والضفّة وغزّة قبل سيناء" .. فهكذا كان موقف جمال عبد الناصر الذي رفض الإغراءات الأميركية والإسرائيلية باسترجاع سيناء مقابل تخلّي مصر عن دورها والتزاماتها في الصراع العربي/الإسرائيلي.

ثمّ تكرَّس هذا النهج الانفرادي في التسويات مع إسرائيل من خلال توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظّمة "التحرير" الفلسطينية، حيث أثبتت الأعوام الماضية أنّ ما جرى "إنجازه" ليس هو الاعتراف بحقّ وجود "الوطن الفلسطيني" بل بقيادة منظّمة "التحرير" الفلسطينية، التي تحوّلت عملياً إلى قيادة لسلطة فلسطينية على الشعب الفلسطيني المقيم فقط بالضفّة العربية المحتلّة، أي "سلطة" على جزء من "الشعب" وليس على "أرض"، فالأرض الفلسطينية ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي الغاشم. فأين هو الوطن الفلسطيني بعد حوالي 25 عاماً من اتفاق أوسلو ومن المراهنة على المفاوضات برعاية أميركية!؟ أين هو في الحدّ الأدنى من تمثيل كل الشعب الفلسطيني الموزَّع الآن بين "ضفّة وقطاع"، وبين "فلسطينيّي الداخل والخارج"، وبين "لاجئين ومهاجرين في الشتات"، وبين ضحايا "النكبة" ومهجّري "النكسة"؟!.

ولعلّ رؤية ما حدث في السنوات الأخيرة، وما زال يحدث، من إشعال لحروبٍ ومناخات انقسامية داخلية في العديد من البلدان العربية، لَتأكيدٌ بأنّ ما يتحقّق على الأرض العربية هو خدمة المشاريع الإسرائيلية الهادفة إلى تفتيت المنطقة العربية وأوطانها إلى دويلات طائفية ومذهبية متصارعة، تكون فيها "الدولة اليهودية" هي الأقوى وهي المهيمنة على باقي الدويلات. فالهدف هو تكريس إسرائيل "وطناً لليهود" بشكلٍ موازٍ مع تدمير وانهيار "الأوطان" الأخرى في المنطقة.

أمّا "الوطن الفلسطيني"، بالمفهوم الإسرائيلي، فممرّه من خلال القبول ب"الاستيطان" و"التوطين" معاً. أي وطن فلسطيني ممزّق أرضاً وشعباً تنخر جسمه المستوطنات، وتوطين للفلسطينيين في الدول المقيمين بها الآن وإلغاء حقّ عودة اللاجئين. ولا أعلم من بدأ باستخدام هذه الكلمات المتصلة بأصولها اللغوية (وطن – توطين – استيطان) لكنّها الآن مطلوبة معاً في مطبخ التسويات السياسية للقضية الفلسطينية.

"مصالح إسرائيل" ليست سائدة بالمنطقة العربية فقط، بل الأمر هو كذلك في الغرب عموماً وأميركا خصوصاً. فكثيرٌ من سياسات واشنطن وحروبها الأخيرة كانت من أجل "مصالح إسرائيلية" لا "مصالح أميركية"، وحينما تحاول أي إدارة أميركية تحقيق مصالح "أميركا أولاً"، كما حاولت إدارة أوباما، تضغط القوى الصهيونية داخل أميركا فيتمّ "تصحيح" الأولويات والقرارات لكي تتوافق مع الرؤى الإسرائيلية!.

الأمَّة العربية تحصد الآن مزيجاً من نتائج سياسات حكّامٍ ومعارضين، ومن نموٍّ كبير لدور الطائفيين والمذهبيين والمتطرّفين العاملين على تقطيع أوصال كلّ بلدٍ عربي لصالح مشاريع أجنبية وصهيونية.

فما يحدث داخل أوطان الأمة العربية من مشرقها إلى مغربها، وفي عمقها الإفريقي، هو دلالةٌ هامّة على نوع وحجم القضايا التي عصفت لعقودٍ طويلة، وما تزال، بالأرض العربية. وهي كلّها تؤكّد الترابط الحاصل بين الأوضاع الداخلية وبين التدخّلات الخارجية، بين الهموم الاجتماعية والاقتصادية وبين فساد الحكومات السياسية، بين الضعف الداخلي الوطني وبين بعض المصالح الأجنبية في هدم وحدة الأوطان.

وبناءً على ذلك كلّه، يتواصل المشروع الإسرائيلي الساعي لتفتيت ما هو مقسّمٌ أصلاً عربياً، كما حصل في السودان، وكما جرت محاولات إسرائيلية في لبنان في القرن الماضي، وكما تفرزه تفاعلات الأحداث الجارية حالياً في سوريا واليمن والعراق وليبيا، لإقامة دويلات دينية وإثنية تبرّر وجود "الدولة اليهودية" التي ستتحكّم في مصائر هذه الدويلات، وترث "النظام العربي المريض" كما ورثت اتفاقيةُ (سايكس/البريطاني وبيكو/الفرنسي)، في مطلع القرن الماضي، "النظامَ التركيَّ المريض".

إنّ المنطقة العربية تعيش الآن مرحلة سقوط "النظام العربي الرسمي المريض" في ظلّ تضاعف الاهتمام الدولي بموقع المنطقة وثرواتها، وبوجود تأثير كبير ل"دولة إسرائيل" على أحداثها وعلى القوة الدولية الأعظم في هذه الحقبة الزمنية. هي مرحلةٌ لا يمكن الدفاع فيها عن واقع حال "النظام العربي الرسمي المريض" أو القبول باستمرار هذا الحال، لكن التغيير المنشود ليس مسألة أهداف وشعارات فقط، بل هو أيضاً ممارسات وأساليب سليمة ترفض استخدام العنف، وتمييز دقيق في المراحل والأجندات والأولويات والصداقات.

لقد كان المشروع الأميركي للمنطقة خلال حقبة بوش و"المحافظين الجدد" يقوم على فرض حروب و"فوضى خلاّقة" و"شرق أوسطي جديد"، وعلى الدعوة لديمقراطيات "فيدرالية" تُقسّم الواطن الواحد ثمّ تعيد تركيبته على شكلٍ "فيدرالي" يحفظ حال التقسيم والضعف للوطن، ويضمن استمرار الهيمنة والسيطرة على ثرواته ومقدّراته وقرارته. ولا يخرج الحاكم الأميركي الآن، دونالد ترامب، عن هذه الرؤية للمصالح الأميركية، فهو قد يكون مع تغيير أشخاص وحكومات في بلدٍ ما، ولا يكون كذلك في بلدان أخرى. الأمر يتوقّف طبعاً على "ظروف" هذا البلد ونوع العلاقة الأميركية مع المؤسّسات القائمة فيه.

فما زال هدف "التغيير الجغرافي" في خرائط البلدان العربية أشدّ حضوراً من أمل "التغيير السياسي" الذي طمحت له بعض الشعوب العربية. لكنْ أيُّ نظامٍ ديمقراطي يمكن أن يستتبَّ حصيلة فوضى حروبٍ أهلية وتدخّلٍ عسكريٍّ خارجي؟!.

طبعاً ليست الخطط والمشاريع الإسرائيلية والأجنبية بمثابّة "قضاء وقدر"، فقد كان هناك في العقود الماضية مشاريع كثيرة جرى في أكثر من مكان وزمان إحباطها ومقاومتها، لكن ما يحدث الآن يختلف في ظروفه عن المرحلة الماضية. وربّما المشكلة الأكبر حالياً هي في وجود "مشاريع" أمريكية وأوروبية وروسية وصينية وإسرائيلية وتركية وإيرانية للتعامل مع متغيّرات المنطقة العربية أو لتوظيف حركة "الشارع العربي" لصالح أجندات غير عربية، لكن في ظلّ غيابٍ تام لأي "مشروع عربي" يُحافظ على وحدة أوطان هذه الأمَّة وعلى مصالحها، ويحفظ استقلال إرادتها وقرارها.

سامى شرف يكتب عن الإخوان المسلمين: جماعة الإخوان تقدم نفسها للسفارة الأمريكية على أنها ذراع واشنطن فى مصر لمحاربة الشيوعية


سامى شرف

عندما نشأت جماعة الإخوان المسلمين على يد مؤسسها حسن البنا في بدايات القرن الماضي كان هدفها اصلاحيا اجتماعيا، ولكن عندما انتشرت الجماعة في أرجاء مصر، وكثر عدد مريديها بما لم يتوقعه مؤسسها نفسه، طمع في أن يكون لجماعته دوراً أكبر، واتجه لممارسة اللعبة السياسية، وهذا حق مشروع في حد ذاته لأي جماعة أن تستغل قوتها وتتحول لحزب سياسي تنافس من خلاله للوصول إلى السلطة لوضع أهدافها موضع التنفيذ.

مارست الجماعة السياسة من خلف ستار الدين، مستغلين التدين الفطري للشعب المصري منذ القدم .. الغريب في الأمر أنهم ظلوا ينكرون رغبتهم في الوصول إلى السلطة أو ممارسة اللعبة السياسية، رغم أن كل أفعالهم كانت منخرطة في السياسة، وفي سبيل ذلك طبقوا منهجا لا يلتزم بأي قيمة أو مبدأ، منهج نفعي بحت وهو «الغاية تبرر الوسيلة»، ولكي يزيفوا ويضللوا وعي مريديهم أوجدوا له صيغة دينية «الضرورات تبيح المحظورات»، وكعادتهم دائما يلبسون السياسة ثوب الدين حتى يضفوا على أعمالهم الشرعية وربما القدسية في بعض الأحيان، ومن ثم يقمعوا معارضيهم معنوياً قبل أن يكون مادياً.

بهذا المنطق، تحالفت جماعة الإخوان مع من تصورت أنه الأقوي، والأقدر علي تمكينهم من تحقيق هدفهم في الوصول إلي السلطة أو التأثير عليها، حتي ولو كان هذا الأقوي أو الأقدر يخالفهم المنهج والمبدأ، وتصوروا في ذلك أنهم الأذكي وأنهم قادرون علي خداع من أمامهم، ويستطيعون استخدامه لخدمة أغراضهم، وكانوا في هذا قمة في الغباء .. فحين تعتقد أنك أذكي من الآخرين فاعلم أنك غبي.

وتثبت لنا وقائع التاريخ أن من اعتقد الإخوان المسلمون أنهم يستخدمونهم لتحقيق أهدافهم، هم من استخدموا الجماعة لمصلحتهم، بل ونكلوا بهم بعد ذلك؛ فقد تحالفت الجماعة مع النظام الملكي المستبد ممثلاً في الملك فاروق، حيث ارتبطت الجماعة بعلاقات متنامية مع القصر؛ الذي رأي فيها عونا كبيرا باعتبارها تنظيما يقاوم النشاط الشيوعي، وفي نفس الوقت عمل علي دعم وتمويل الجماعة ضد حزب الوفد، فقد كان الملك فاروق يعتبرها الجماعة الوحيدة التي تحتكم إلي قواعد شعبية تستطيع أن تنافس الوفد في شعبيته؛ فكانت استعراضات الجماعة تخرج هاتفة باسمه ضد حزب الأغلبية الشعبية «الوفد» آنذاك.

ولقد خصص المؤتمر الرابع للجماعة للاحتفال باعتلاء الملك فاروق عرش مصر، كما كانوا يقفون في ساحة قصر عابدين في المناسبات هاتفين «نهبك بيعتنا وولاءنا علي كتاب الله وسنة رسوله».

وحين اشتد الخلاف بين النحاس والقصر، وخرجت جموع المصريين في الشوارع مؤيدة للنحاس هاتفة «الشعب مع النحاس»، سيّر حسن البنا أعضاء جماعته هاتفين «الله مع الملك».

كما قدمت جماعة الإخوان المسلمين أنفسهم للسفارة الأمريكية علي أنهم ذراعهم في مصر لمحاربة الشيوعية؛ حيث طلب حسن البنا من السفارة الأمريكية وقتها تكوين مكتب مشترك بين الإخوان والأمريكيين لمكافحة الشيوعية علي أن يكون معظم أعضائه من الإخوان، وتتولي أمريكا إدارة المكتب ودفع رواتب أعضاء الإخوان فيه. وفي هذا دليل علي عمق وقدم العلاقة كتبادل مصلحي.

وقد سجل حسن البنا في مذكراته الشخصية »مذكرات الدعوة والداعية«، أن الإخوان اتصلوا بالإنجليز وحصلوا منهم علي أموال إلي جانب تسجيل جوانب أخري بسيطة، ولكنها قوية الدلالة فيما يتّصل بانتهازية وانحراف البنا وجماعته فكريًّا وقيميًّا، ومنها رشوته لإمام أحد المساجد في محافظة الإسماعيلية ليسمح له بالخطابة وعقد جلسات ولقاءات مع أتباعه في المسجد، وكانت هذه التحرُّكات المتناقضة والمنحرفة بأسس تكوين الجماعة التي وضعها الشيخ أحمد السكري ورفاقه الأوائل سببًا قويًّا في خروج كثيرين من الأعضاء علي سلطة البنا، فانفصلت مجموعات كبيرة من الشباب وكوّنت تجمُّعًا عُرف باسم »شباب محمد«، وتبع ذلك انفصال كثيرين من كوادر الجماعة منهم الشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ محمد الغزالي والأستاذ خالد محمد خالد وغيرهم.

وما ميز المرحلة التأسيسية للإخوان وما بعدها حتي منتصف الخمسينيات من القرن العشرين هو الاغتيالات السياسية التي كانت تتم بمباركة القصر تارة أو الاحتلال الانجليزي تارة أخري، والتي طالت كبار رجال الدَّولة، أمثال أحمد ماهر 1945 رئيس الوزراء، الذي اغتيل في قاعة البرلمان، ثم المستشار والقاضي أحمد الخازندار 1948، وبعده بشهور لقي رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النُّقراشي مصرعه، عند ديوان وزارة الدَّاخلية.

في كلِّ تلك الجرائم حضر اسم الإخوان المسلمين بقوة، فهم الطَّرف الأهم في العمل السِّري والعلني ضد السُّلطة آنذاك، ولديهم قضايا مع المغتالين، ولقد سطرت الجماعة تاريخها الدموي في تلك المرحلة، بالعديد من الجرائم أبرزها:

اغتيال أحمد ماهر:

في 24 من فبراير 1945 كان «أحمد ماهر» باشا متوجهاً لمجلس النواب لإلقاء بيان، وأثناء مروره بالبهو الفرعوني قام «محمود العيسوي» بإطلاق الرصاص عليه وقتله في الحال، وبعد الحادث تم إلقاء القبض علي كل من «حسن البنا، وأحمد السكري، وعبد الحكيم عابدين» ولكن بعد أيام تم الإفراج عنهم نتيجة الاعتراف «العيسوي» بأنه ينتمي للحزب الوطني، وتأتي شهادة «أحمد حسن الباقوري» التي خطها بيده في كتابه «بقايا ذكريات» لتثبت انتماء «العيسوي» للإخوان، التي أقر فيها بأن أعضاء «النظام الخاص» داخل الإخوان لم يكونوا معروفين إلا لفئة قليلة، وقد قرروا الانتقام من أحمد ماهر بعد اسقاط «البنا» في انتخابات الدائرة بالإسماعيلية وكان العيسوي من أكثر المتحمسين لذلك.

اغتيال القاضي الخازندار

كان القاضي أحمد الخازندار ينظر قضية كبري تخص تورط جماعة الإخوان المسلمين في تفجير دار سينما مترو، وفي صباح 22 مارس 1948 اغتيل المستشار أحمد الخازندار أمام منزله في حلوان، فيما كان متجها إلي عمله، علي أيدي شابين من الإخوان هما: محمود زينهم وحسن عبدالحافظ سكرتير حسن البنا، علي خلفية مواقف الخازندار في قضايا سابقة أدان فيها بعض شباب الإخوان لاعتدائهم علي جنود بريطانيين في الإسكندرية بالأشغال الشاقة المؤبدة في 22 نوفمبر 1947.

وعلي إثر اغتيال الخازندار استدعي حسن البنا المرشد العام للإخوان للتحقيق معه بشأن الحادث ثم أفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

اغتيال محمود فهمي النقراشي

في 15 نوفمبر 1948، قام عدد من أعضاء النظام الخاص بجماعة الإخوان المسلمين في مصر بنقل أوراق خاصة بالنظام وبعض الأسلحة والمتفجرات في سيارة جيب من إحدي الشقق بحي المحمدي إلي شقة أحد الإخوان بالعباسية، إلا أنه تم الاشتباه في السيارة التي لم تكن تحمل أرقاماً وتم القبض علي أعضاء التنظيم والسيارة لينكشف بذلك النظام الخاص السري لجماعة الإخوان المسلمين. وأدي هذا الحادث وغيره إلي إعلان محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء آنذاك أمرا عسكريا بحل جماعة الإخوان المسلمين، واعتقال أعضائها، وتأميم ممتلكاتها، وفصل موظفي الدولة والطلبة المنتمين لها، وكان هذا القرار سببا جعل النظام الخاص يقوم بقتل النقراشي، وقال القاتل عبد الحميد أحمد حسن، وكان طالبا بكلية الطب البيطري وينتمي لجماعة الإخوان المسلمين عندما سأله المحقق .. «أيوه قتلته واعترف بكده لأنه أصدر قرارا بحل جمعية الإخوان المسلمين وهي جمعية دينية ومن يحلها يهدم الدين .. قتلته لأني أتزعم شعبة الإخوان منذ كنت تلميذا في مدرسة فؤاد الاول الثانوية». ويبدو أن جماعة الإخوان قد تخطت الخطوط الحمر المرسومة لها، وضاقت الدولة ذراعا بعمليات القتل والتدمير التي شنها التنظيم السري للجماعة، وراح ضحيتها الكثير من أبناء الشعب الأبرياء، وبعض أعضاء الحكومة، مما دفع الأخيرة إلي إهدار دم الجماعة ومؤسسها، وعلي الجانب الآخر، كان هناك صراع داخل الجماعة نفسها، خاصة التنظيم السري، الذي أعلن البنا براءته من أفعاله ببيانه الشهير «بيانا للناس: ليسوا اخونا وليسوا مسلمين»، والذي وإن كان البنا أطلقه ليخفف من وطأة الضغط الحكومي عليه وعلي إخوانه المعتقلين، فإنه وضعه بين مطرقة الحكومة وسندان الجماعة نفسها، وهو ما جعل دماء البنا تتأرجح بين أعضاء التنظيم الخاص، والملك والحكومة آنذاك!. ولأنهم أغبياء انتهازيون طلاب سلطة، لم تعي جماعة الإخوان الدرس، وظلت تمارس النهج نفسه مع الضباط الأحرار، طمعاً في الحصول علي السلطة أو أخذ نصيب منها؛ فبعد أيام قليلة من ثورة 23 يوليو 1952، وبعد أن اطمأن الإخوان تماما إلي نجاحها في الإطاحة بالنظام الملكي والاستقرار في السلطة، سارعوا إلي إصدار بيان يحددون فيه مفهومهم للإصلاح المنشود في المرحلة الجديدة، وشنوا هجوما عنيفا قاسيا علي الحياة النيابية السابقة، واندفع الإخوان في تأييد ثورة يوليو ووصفوها بالثورة المباركة.

وخلال الأشهر التالية استمرت العلاقة الودية بين الضباط والجماعة؛ حتي كشفت الجماعة عن نياتها ووجهها القبيح باستغلال الثورة في الوصول إلي الحكم، وابتزاز الرئيس الراحل جمال عبد الناصر؛ فبعد صدور قانون حل الأحزاب حضر لمجلس قيادة الثورة وفد من الإخوان ضم الصاغ صلاح شادي والمحامي منير الدلة ليقولا لجمال عبد الناصر، إنه الآن وبعد حل الأحزاب لم يبق من مؤيد للثورة إلا جماعة الإخوان، ولهذا فإنهم يجب أن يكونوا في وضع يليق بدورهم وبحاجة الثورة لهم، ليرفض عبد الناصر المطلب بدعوي أن الثورة ليست في محنة أو أزمة، لكنه سألهما عن المطلوب لاستمرار تأييدهم للثورة، فردا: «نطالب بعرض كل القوانين والقرارات التي سيتخذها مجلس قيادة الثورة قبل صدورها علي مكتب الإرشاد لمراجعتها من ناحية مدي تطابقها مع شرع الله والموافقة عليها وهذه هى سبيلنا لتأييدكم إذا أردتم التأييد»، ليرفض عبد الناصر الأمر قائلا: «لقد قلت للمرشد في وقت سابق إن الثورة لا تقبل أي وصاية من الكنيسة أو ما شابهها».

وحين شعرت الجماعة بأن مجلس الثورة شديد الوعي بأطماع الإخوان، بدأوا في التخطيط للإطاحة به، من خلال الاتصال بالسفارة البريطانية والسفارة الأمريكية بالقاهرة، ليعربوا لهم عن رفضهم لمبادئ الثورة، وادانتهم للعمليات الفدائية المدعومة من مجلس قيادة الثورة ضد القوات البريطانية في القنال، وعدم ممانعتهم لإقامة سلام مع الدولة الصهيونية.

متوازيا مع هذه الأنشطة، كان نشاط الإخوان المسلمين في أوساط الجيش والبوليس وطلاب الجامعات مستمرا، وهو ما أحدث توترا في العلاقة بين الجماعة ومجلس قيادة الثورة.

استمر التوتر بين الجانبين إلي أن تفجر الموقف في 12 يناير 1954 في احتفال الجامعة بذكري شهداء معركة القناة، حينما وقعت اشتباكات بين طلبة الإخوان والطلبة الآخرين، ورد مجلس قيادة الثورة علي ذلك بإصدار قرار في 14 يناير بحل الجماعة، وهو القرار الذي صوت ضده محمد نجيب وحده، وأصدر المجلس بيانا يتهم فيه الجماعة بالسعي للوصاية علي مجلس قيادة الثورة، وتجنيد رجال من الجيش والشرطة، وإجراء اتصالات مع السفارة البريطانية. واقترن صدور البيان باعتقال الهضيبي و450 عضوا من الجماعة.

ومن جانبها، لعبت الجماعة دورا أساسيا في المظاهرات التي اندلعت في فبراير 1954 للمطالبة بعودة نجيب. وفي هذا يوضح محمد نجيب في مذكراته أن الإخوان حاولوا التواصل معه في ديسمبر 1953، وبالفعل وافق علي ذلك، ولكن عبر مندوب يلتقي ممثلين عنهم في «اجتماعات سرية». ويروي نجيب أنه عبر من انتدبه لحضور تلك الاجتماعات، أكد لممثلي الإخوان أنه يريد إنهاء الحكم العسكري، وعودة الجيش إلي ثكناته، وإقامة الحياة الديمقراطية البرلمانية، وعودة الأحزاب، وإلغاء الرقابة علي الصحف، إلا أن الإخوان لم يوافقوا علي الأمر بل طالبوا ببقاء «الحكم العسكري».

ويتابع في سرده حول الأمر أن الإخوان عارضوا إلغاء الأحكام العرفية، وطالبوا باستمرار الأوضاع كما هي، علي أن ينفرد محمد نجيب بالحكم وإقصاء جمال عبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأن يتم أيضًا تشكيل حكومة مدنية لا يشترك فيها الإخوان، ولكن يتم تأليفها بموافقتهم.

وينوه بنقطة خطيرة وهي «طلب الإخوان تعيين أحد الضباط المنتمين للجماعة قائدًا عامًا للقوات المسلحة، بالإضافة إلي تشكيل لجنة سرية استشارية يشترك فيها بعض العسكريين الموالين له، وعدد مساوٍ من الإخوان، بحيث يتم عرض القوانين علي هذه اللجنة قبل إقرارها، كما تعرض علي هذه اللجنة سياسة الدولة العامة وأسماء المرشحين «للمناصب الكبري».

ويعقب محمد نجيب، قائلًا: «كان الإخوان يريدون بذلك السيطرة الخفية علي الحكم دون أن يتحملوا المسئولية».

يبدو أن جماعة الإخوان أدركت أن جمال عبد الناصر يدرك حقيقة نياتهم، وأنه العقبة الكؤود الكبري أمام طموحاتهم في الاستيلاء علي السلطة، فقرروا التخلص منه، ودبروا عملية اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية في أكتوبر من نفس العام، وقبض علي محمود عبد اللطيف الذي كان قد كلف بعملية الاغتيال، وشكلت محكمة لمحاكمة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المتهمين في عملية الاغتيال، وثبت من خلال التحقيقات والاعترافات تورط الجماعة، وتم القبض علي أعداد كبيرة ممن ثبت تورطهم في عملية الاغتيال. ولأن أسلوب جمال عبد الناصر لم يكن دمويا أو يميل للعنف مع خصومه، فقد أصدر في عام 1960 قرارا بالإفراج عن كل المسجونين من الذين كانت قد صدرت ضدهم أحكام من الإخوان المسلمين، وتم صرف جميع مستحقاتهم بأثر رجعي، بموجب قانون جري استصداره من مجلس الأمة ينص علي أن تعاد لجميع المفرج عنهم حقوقهم كاملة، وأن يعودوا إلي وظائفهم بمن فيهم أساتذة الجامعات الذين يملكون حرية الاتصال والتوجيه للنشء الجديد.. هذا هو جمال عبدالناصر الإنسان والقائد والزعيم. خرج الإخوان المسلمون من السجون بفكر إرهابي قائم علي تكفير الحكم، وضعه سيد قطب في كتابه «معالم علي الطريق»، وأمكن بواسطته أن يجذب إليه العديد من العناصر التي كانت بالسجن معه، كما وجدوا في انتظارهم مجموعة موازية علي قدر عال من التنظيم ويعملون علي نشر فكر الجماعة في مختلف المحافظات؛ خاصة في الدقهلية والإسكندرية والبحيرة ودمياط.

كما خطط هؤلاء علي إدخال بعض عناصرهم كضباط في القوات المسلحة عن طريق الالتحاق بالكلية الحربية كما حاولوا اختراق الشرطة أيضا بنفس الأسلوب، يضاف إلي ذلك تجنيد عدد لا بأس به من شباب الجامعات خاصة في الكليات العملية، كليتى العلوم والهندسة اللتين يمكن لعناصرهم أن يتمكنوا من إعداد المتفجرات بأيسر الطرق، وبيان تفاصيل هذا الأمر محفوظ في أرشيف سكرتارية الرئيس للمعلومات بمنشية البكري، وأرشيف المباحث العامة وأرشيف المخابرات الحربية. والتفت المجموعات المختلفة من الإخوان حول فكرة واحدة هي تكفير المجتمع ومن ثم استباحته، واغتيال رموزه، وتدمير منشآته، فقد تم الكشف عن مخطط إخواني يرمي لإحداث شلل عام في جميع مرافق الدولة، وقد أعدوا خرائط ضبطتها الأجهزة المختصة- مبينا عليها البيانات التي توضح أسلوب وآلية التدمير.

واستطاعت الأجهزة الأمنية إجهاض المخططات الإخوانية، وقدمت المنظرين والمدبرين لها للمحاكمة، وعلي رأسهم سيد قطب، صاحب كتاب «معالم علي الطريق»، الذي يجمع الباحثون علي أنه عراب التطرف، وعلي أساس أفكار هذا الكتاب صاغ فقهاء وأمراء الجماعات الإسلامية المتطرفة شعاراتهم وبرامجهم.. وإذ يحاول الإخوان المسلمون إعلان براءتهم من هذا الكتاب وحصر المسئولية عنه في سيد قطب فقط وتبرير تطرف أفكار الكاتب بظروف السجن التي عاشها المؤلف، إلا أن الحقائق تدل علي عكس ذلك وتفضح صلة الإخوان المسلمين ومرشدهم العام بهذا الكتاب وأفكاره المدمرة.

وافق المرشد العام حسن الهضيبي علي كتاب سيد قطب الذي أرسله إليه من السجن وراجعه ملزمة ملزمة وأمر بطباعته وفقاً للروايات التي جاءت في عدة كتب صدرت بعد رحيل عبد الناصر بعشرين عاماً وفي مقدمتها كتاب زينب الغزالي «أيام من حياتي».

في هذا السياق قالت زينب الغزالي في كتابها «أيام من حياتي» إن التنظيم أعيد بناؤه بصورة سرية بعد قرار حله، وكانت بداية إعادة البناء سنة 1957 بعلم المرشد العام الهضيبي ومباركته علي أن يتولاه سيد قطب، فيما أشارت اعترافات المتهمين بمؤامرة 1965 أمام المحكمة إلي أن التنظيم بدأ بجمع الأسلحة واستغل طاقات الشباب بصنع المتفجرات، وإعداد خطط الاغتيالات لعدد كبير من المسئولين وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر.. بل إن إحدي الخلايا اهتدت بالمنهاج الدعوي للإخوان المسلمين الذي يعتبر الراديو والتليفزيون والسينما والفنون والموسيقي والنحت والتصوير أعمالاً محرمة في الإسلام ومنافية للأخلاق، ولذلك تم وضع خطط لتدمير هذه المرافق واغتيال نجوم الفن ومن ضمنهم أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ ونجاة وشادية وغيرهم.

كما اقترحت الخطط اغتيال عدد من مذيعات التليفزيون ومن بينهم ليلي رستم وأماني راشد، ثم أعدت الخطط لاغتيال سفراء كل من الاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لإيجاد مشكلة بين مصر وهذه الدول. وكان تدريب الخلايا الجهادية يتم علي ثلاث مراحل هي: مرحلة الإعداد الروحي، ثم الإعداد الجسدي بالمصارعة والمشي والطاعة، وأخيراً الإعداد العسكري بالتدريب علي السلاح.

ومما له دلالة عميقة أن تنظيم «القاعدة» الذي يقوده «أسامة بن لادن» والدكتور «أيمن الظواهري» يتبع نفس نهج الإعداد الجهادي للإخوان المسلمين في عملياته الإرهابية، مما يدل علي أن الإخوان المسلمين هم الآباء الشرعيون لكل الجماعات المتطرفة التي تفرخت وتناسخت عنهم.

وهكذا، كان لموقف الرئيس عبد الناصر الصلب ضد أطماع وممارسات الجماعة الفضل في إجهاض مخططات الجماعة، ودرء خطرها علي الدولة والمجتمع في مصر وربما العالم، إلي أن رحل عبد الناصر عن عالمنا، وتولي السلطة خلفا له الرئيس السادات.

ويفسر كل ما سبق سر الكراهية والعداء الشديدين اللذين يكنهما الإخوان للرئيس جمال عبد الناصر رغم مرور كل هذا التاريخ الطويل، والوقائع الكثيرة التي جرت في نهر السياسة المحلية والدولية؛ فلم يترك قادة جماعة الإخوان المسلمين نقيصة إلا وألصقوها بالرجل، وتعددت اتهاماتهم له ومازالت- فمن العمالة للمخابرات الأمريكية والشيوعية العالمية في وقت واحد، إلي الادعاء بأن والدته السيدة/ فهيمة محمد حماد يهودية الأصل، رغم أنها من أسرة مصرية مسلمة من مدينة الإسكندرية ووالدها الحاج محمد حماد كان تاجر فحم معروفا بالمدينة، ومازال هناك أفراد علي قيد الحياة من عائلة الحاج محمد حماد من أقارب الرئيس جمال عبد الناصر وهم عرب مصريون ومسلمون، كما اتهموا جمال عبد الناصر أيضا بالماسونية والعمالة للصهاينة، رغم أنه هو الذي أصدر قرارا بإغلاق المحافل الماسونية ونوادي الروتاري والليونز في مصر في الستينيات، وهو أشرس من تصدوا للصهيونية العالمية وحاربوها علي امتداد فترة حكمه، هذا غير اتهاماتهم له بتدبير محاولة اغتياله بالمنشية عام 1954، ثم تدبيره لمؤامرتهم بقلب نظام الحكم عام 1965، وذلك في إطار حقده الدفين عليهم وسعيه لتدمير جماعتهم.

ورغم أن صراع الإخوان مع عبد الناصـر لم يكن صراعا دينيا أبدا، بل كـان صـراعا علي السلطة وحكم مصـر، إلا أن هزيمتهم في ذلك الصـراع جعلتهم -كعادتهم - فجروا في خصومتهم، وقرروا تديين الصراع ليكون صراعا بين الإسلام الذي يتوهمون أنهم حماته وبين الإلحاد الذي ألصقوه زورا بجمال عبد الناصر ونظام حكمه، فاتهموا الرجل بالكفر بالله والردة عن الإسلام.

أبدا، لم يكن جمال عبد الناصر معاديا للدين ولم يكن ملحدا ، بل كان أقرب حكام مصر فهما لروح الدين ودوره في حياة الشعوب وأهمية إضفاء المضمون الاجتماعي في العدالة والمساواة عليه .

ويكفي هنا، أن نضع أمام القارئ الكريم ـ بإيجاز شديد - المعلومات الآتية عن الرئيس جمال عبد الناصر ورموز جماعة الإخوان المسلمين»، لنترك بعدها الحكم لكل صاحب عقل وضمير:

1. في كتاب ( فلسفة الثورة ) لجمال عبد الناصر الصادر عام 1953 ، تناول عبد الناصر الدوائر التي ستتحرك فيها السياسة المصرية ومنها الدائرة الإسلامية التي تتداخل مع الدائرة العربية والدائرة الإفريقية وتعد مصر جزءا فاعلا فيها.

2. كان الخليفة الراشد أبو بكر الصديق هو أول من بدأ جمع القرآن الكريم في مصحف وذلك بعد إلحاح من عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد مقتل معظم حفظة القرآن في حروب الردة ، والخليفة الراشد عثمان بن عفان هو صاحب أول مصحف تم جمع وترتيب سور القرآن الكريم به ، والرئيس جمال عبد الناصر هو أول حاكم مسلم في التاريخ يتم في عهده جمع القرآن الكريم مسموعا ( مرتلا و مجودا ) في ملايين الشرائط و الأسطوانات بأصوات القراء المصريين.

3. في عهد جمال عبد الناصر تم زيادة عدد المساجد في مصر من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة إلي واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970، أي أنه في فترة حكم 18 سنة للرئيس جمال عبد الناصر تم بناء عدد (عشرة آلاف مسجد)، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي حتي عهد جمال عبد الناصر.

4. في عهد عبد الناصر تم جعل مادة التربية الدينية (مادة إجبارية) يتوقف عليها النجاح أو الرسوب كباقي المواد لأول مرة في تاريخ مصر بينما كانت اختيارية في النظام الملكي.

5. في عهد عبد الناصر تم تطوير الأزهر الشريف وتحويله لجامعة عصرية تدرس فيها العلوم الطبيعية بجانب العلوم الدينية ، يقول الأستاذ محمد فائق في كتابه (عبد الناصر والثورة الإفريقية) أن الرئيس عبد الناصر أمر بتطوير الأزهر بعد أن لاحظ من متابعته لأوضاع المسلمين في إفريقيا أن قوي الاستعمار الغربي كانت حريصة علي تعليم المسيحيين العلوم الطبيعية (الطب الهندسة الصيدلة) ومنع تعليمها للمسلمين مما أدي لتحكم الأقليات المسيحية في دول إفريقية غالبية سكانها من المسلمين ، وكانت هذه الأقليات المسيحية تتحكم في البلدان الأفريقية المسلمة وتعمل كحليف يضمن مصالح قوي الاستعمار الغربي التي صنعتها، لذا صمم الرئيس عبد الناصر علي كسر هذا الاحتكار للسلطة وتعليم المسلمين الأفارقة علوم العصر ليستطيعوا حكم بلدانهم لما فيه مصلحة تلك البلدان.

6. أنشأ عبد الناصر مدينة البعوث الإسلامية التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين علي مساحة ثلاثين فداناً تضم طلاباً قادمين من سبعين دولة إسلامية يتعلمون في الأزهر مجانا ويقيمون في مصر إقامة كاملة مجانا أيضا ، وقد زودت الدولة المصرية بأوامر من الرئيس عبد الناصر المدينة بكل الإمكانيات الحديثة وقفز عدد الطلاب المسلمين في الأزهر من خارج مصر إلي عشرات الأضعاف بسبب ذلك.

7. أنشأ عبد الناصر منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية.

8. في عهد عبد الناصر تم ترجمة معانى القرآن الكريم إلي كل لغات العالم.

9. في عهد عبد الناصر تم إنشاء إذاعة القرآن الكريم التي تذيع القرآن علي مدي اليوم.

10. في عهد عبد الناصر تم تسجيل القرآن كاملا علي أسطوانات وشرائط للمرة الأولي في التاريخ وتم توزيع القرآن مسجلا في كل أنحاء العالم.

11. في عهد عبد الناصر تم تنظيم مسابقات تحفيظ القرآن الكريم علي مستوي الجمهورية ، والعالم العربي ، والعالم الإسلامي ، وكان الرئيس عبد الناصر يوزع بنفسه الجوائز علي حفظة القرآن.

12. في عهد عبد الناصر تم وضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي والتي ضمت كل علوم وفقه الدين الحنيف في عشرات المجلدات وتم توزيعها في العالم كله.

13. في عهد عبد الناصر تم بناء آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر وتم افتتاح فروع لجامعة الأزهر في العديد من الدول الإسلامية.

14. ساند جمال عبد الناصر كل الدول العربية والإسلامية في كفاحها ضد الاستعمار.

15. كان الرئيس جمال عبد الناصر أكثر حاكم عربي ومسلم حريص علي الإسلام ونشر روح الدين الحنيف في العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس.

16. سجلت بعثات نشر الإسلام في إفريقيا وآسيا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر أعلي نسب دخول في الدين الإسلامي في التاريخ ، حيث بلغ عدد الذين اختاروا الإسلام دينا بفضل بعثات الأزهر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر 7 أشخاص من كل 10 أشخاص وهي نسب غير مسبوقة و غير ملحوقة في التاريخ حسب إحصائيات مجلس الكنائس العالمي.

17 ــ في عهد عبد الناصر صدر قانون بتحريم القمار ومنعه ، كما أصدر عبد الناصر قرارات بإغلاق كل المحافل الماسونية ونوادي الروتاري والمحافل البهائية، كما تم إلغاء تراخيص العمل الممنوحة للنسوة العاملات بالدعارة التي كانت مقننة في العهد الملكي وتدفع العاهرات عنها ضرائب للحكومة مقابل الحصول علي رخصة العمل والكشف الطبي.

18. في عهد عبد الناصر وصلت الفتاة لأول مرة إلي التعليم الديني، كما تم افتتاح معاهد أزهرية للفتيات، وأقيمت مسابقات عديدة في كل المدن لتحفيظ القرآن الكريم، وطبعت ملايين النسخ من القرآن الكريم، وأهديت إلي البلاد الإسلامية وأوفدت البعثات للتعريف بالإسلام في كل آفريقيا وآسيا ، كما تمت طباعة كل كتب التراث الإسلامي في مطابع الدولة طبعات شعبية لتكون في متناول الجميع، فيما تم تسجيل المصحف المرتل لأول مرة بأصوات كبار المقرئين وتم توزيعه علي أوسع نطاق في كل أنحاء العالم.

19. كان جمال عبد الناصر دائم الحرص علي أداء فريضة الصلاة يوميا، كما كان حريصا أيضا علي أداء فريضة صلاة الجمعة مع المواطنين في المساجد.

20. توفي الرئيس جمال عبدالناصر يوم الاثنين 28 سبتمبر 1970 والذي يوافق هجريا يوم 27 رجب 1390، صعدت روح الرئيس جمال عبدالناصر الطاهرة إلي بارئها في ذكري يوم الإسراء والمعراج ، وهو يوم فضله الديني عظيم ومعروف للكل.

كما كان الرئيس عبد الناصر شديد الإيمان بأن الدين لله والوطن للجميع، شديد الحرص علي وحدة الشعب المصري، مدركا لمعني المواطنة؛ فكانت علاقته ممتازة بالبابا كيرلس السادس ، وهو الذي سأل البابا كيرلس السادس عن عدد الكنائس التي يري من المناسب بناؤها سنويا ، وكان رد البابا (من عشرين إلي ثلاثين)، وكان الرئيس عبدالناصر هو الذي أمر بأن يكون عدد الكنائس المبنية سنويا خمسا وعشرين كنيسة، وأن يكون التصريح بها بتوجيه من البابا نفسه إلي الجهات الرسمية.

وعندما طلب البابا كيرلس السادس من الرئيس عبدالناصر مساعدته في بناء كاتدرائية جديدة تليق بمصر ، وأشتكي له من عدم وجود الأموال الكافية لبنائها كما يحلم بها ، قرر الرئيس عبد الناصر علي الفور أن تساهم الدولة بمبلغ 167 ألف جنيه في بناء الكاتدرائية الجديدة، وأن تقوم شركات المقاولات العامة التابعة للقطاع العام بعملية البناء للكاتدرائية الجديدة.

كما أنه بناء علي أوامر الرئيس جمال عبدالناصر كان يعقد اجتماع أسبوعي كل يوم اثنين بين سامي شرف - وزير شئون رئاسة الجمهورية - والأنبا/ صمويل - أسقف الخدمات وسكرتير البابا - لبحث وحل اي مشاكل تطرأ للمسيحيين.

كما أولي الرئيس جمال عبد الناصر اهتماما شديدا بتوثيق العلاقات بينه وبين الإمبراطور هيلاسيلاسي حاكم الحبشة (إثيوبيا) مستغلا في ذلك كون مسيحيي إثيوبيا من الطائفة الأرثوذكسية، ودعا الإمبراطور هيلاسيلاسي لحضور حفل افتتاح الكاتدرائية المرقسية في العباسية عام 1964، كما دعم توحيد الكنيستين المصرية والإثيوبية تحت الرئاسة الروحية للبابا كيرلس السادس ، كان الرئيس عبد الناصر كعادته بعيد النظر في ذلك فقد أدرك أن توثيق الروابط بين مصر وإثيوبيا يضمن حماية الأمن القومي المصري لأن هضبة الحبشة تأتي منها نسبة 85% من المياه التي تصل إلى مصر.

للأسف الشديد بعد وفاة عبدالناصر والانقلاب علي الثورة في 13 مايو 1971 وما أعقب حرب أكتوبر 1973 من ردة شاملة علي سياسات عبد الناصر، تدهورت العلاقات المصرية ـ الإثيوبية في عهد السادات ،ومازالت متدهورة حتي الآن، واحتلت إسرائيل مكانة مصر في إثيوبيا، وفي إفريقيا كلها .

وفي عهد جمال عبد الناصر لم تقع حادثة واحدة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، ولم تنتشر دعاوي تكفير الآخر ومعاداته.

لم يكن رموز جماعة الإخوان المسلمين شرفاء في خصومتهم مع جمال عبد الناصر وثورته ، وتصوروا أن الخصومة السياسية مباراة رياضية تنتهي بالمصافحة وعفا الله عما سلف ، حاولوا قتل جمال عبد الناصر أكثر من مرة ، ودبروا أكثر من محاولة للإطاحة بنظام حكمه ، وعندما فشلوا ودفعوا ثمن محاولاتهم الانقلابية وعداءهم للنظام الثوري ، لم يكتفوا بذلك خرجوا من المعتقلات كالمتسول صاحب العاهة الذي يشحذ بعاهته ، وبتحالفهم مع السادات والسعودية والمخابرات المركزية الأمريكية تدفقت عليهم مئات الملايين من الدولارات وفتحت لهم المنابر لبخ سمومهم وأكاذيبهم عن أنبل وأشرف عربي في التاريخ الحديث ، وعن عهده الذي يمثل استثناء لم يتكرر حتي الآن خلال ألف عام من التاريخ العربي ، ولكن لآن الوثائق لا تكذب ولا تتجمل، والحقائق لابد أن تظهر مهما يطل الزمن ، كشفت أجهزة المخابرات التي عملوا لحسابها وتحالفوا معها أكاذيبهم وتدليسهم .

لقد زورت جماعة الإخوان المسلمين تاريخ جمال عبد الناصر وزيفت وعي أجيال من الشعوب العربية ، ظنت أن جماعة تلصق باسمها صفة الإسلام لا يكذب قادتها ولا يزورون وثائق ولا يتهمون الناس بالباطل ولا يتعاملون مع مخابرات غربية ضد بلادهم.

ولكن هذه هي أخلاق الإخوان المسلمين مع خصومهم الكذب والافتراء والتدليس ورمي الناس بالباطل، ولأنهم يتوهمون أنهم هم الإسلام لذا فكل شيء مباح في نقدهم وتشويههم لخصومهم السياسيين.

وتكرارا لسيناريو استخدام السلطة لجماعة الإخوان، أخرج السادات الإخوان المسلمين من السجون ودعاهم للعمل من جديد ليواجهوا التيارين اليساري والناصري؛ فترك الباب مفتوحا أمام الإخوان للعمل الدعوي في الجامعات والمساجد والجمعيات الخيرية والعمل السياسي في البرلمان والنقابات والاتحادات, وغض الطرف عن ممارستهم الوحشية والعنيفة ضد خصوم النظام خاصة من الناصريين، كما فتح الباب واسعا أمام باقي الحركات الإسلامية من جماعات إسلامية متشددة، حتي انقلب السحر علي الساحر، وكانت نهايته علي أيديهم في أكتوبر 1981، بعد أن أطلق سراح شيطان الإرهاب جماعة الإخوان الذي كان قيده عبد الناصر.

ثم جاء خليفة السادات حسني مبارك - ليشن حربا علي الجماعة، استمرت حتي منتصف التسعينيات، حتي استطاع نظام مبارك أن يقضي علي الجناح العسكري للجماعة، وتخلت الجماعة مؤقتاً عن نهج العنف، فيما سمي مراجعات الجماعة.

وبدأ النظام يستخدم الجماعة لخدمة أهدافه؛ في كونه يظهر أمام الغرب والولايات المتحدة باعتباره حليفا مهما واستراتيجيا في حرب الإرهاب الديني، وفي المقابل استخدمت الجماعة مساحة الانفتاح الديمقراطي التي كان النظام يجمل بها صورته أمام خصومه، وعقدت الجماعة صفقة ضمنية مع النظام؛ بأن يغض الطرف عن الجماعة في النقابات ومؤسسات العمل الأهلي، مقابل ألا تطمع الجماعة فيما هو أكثر.. ثم عقد النظام في السنوات الأخيرة أكثر من صفقة منها المعلن أو غير المعلن لتمرير مشروع التوريث، ومواقف النظام من العلاقة مع إسرائيل والقضية الفلسطينية، والولايات المتحدة الأمريكية.

ولذلك لم يكن غريبا أن نجد تصريحاً يقول فيه محمد مهدي عاكف، المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في حوار لموقع «إخوان ويب»، الناطق بلسان الجماعة باللغة الإنجليزية: «إن الجماعة توافق علي ترشيح جمال مبارك رئيسًا لمصر».

هذا بالإضافة إلي موقف الجماعة من ثورة 25 يناير 2011؛ فقبل يومين من اندلاع الأحداث رفضت الجماعة شأنها شأن كل تيارات الاسلام السياسي الخروج عن الحاكم، وكانت دعواتهم لأنصارهم بعدم المشاركة، وقاموا بنشر روايات وأحاديث وفتاوي دينية تُحَرِّم الخروج عن الحاكم.

وبعدما لاحت بوادر نصر الثوار في 28 يناير 2011، وبرز للعيان دعم الشعب المصري للثوار في كل ربوع مصر، تبدل موقف الجماعة 360 درجة ضد الحاكم ووصفوه بالطاغية والمستبد والفاسد، وأنهم مع الثورة تماماً، وأعلنوا في مخالفة لأدبياتهم الرصينة ـ تأييدهم للدولة المدنية الحديثة ورفعوا شعارات الثورة.






ولأنهم انتهازيون، طلاب سلطة، لا عهد ولا شرف كلمة لهم، تآمرت الجماعة علي الثورة؛ ففي خضم الأحداث، وفي أثناء صمود الشباب المصري الحر في ميادين الثورة من أجل إسقاط النظام، قاموا بالاتصال مع رموز النظام المخلوع، وعرضوا في اجتماعهم الشهير مع نائب مبارك - عمر سليمان - قيامهم بإيقاف المظاهرات مقابل إعطائهم دور في المشهد السياسي المصري!!، إلا أن إصرار الثوار علي رفض التفاوض علي مبادئ الثورة، واستبسالهم في الدفاع عن ميدان التحرير يوم ما يسمي بموقعة الجمل التي يشار إلي تواطؤ جماعة الإخوان فيها ــ أجهض المؤامرة.

وعقب خلع مبارك، وتولي المجلس العسكري إدارة شئون البلاد انبرت جماعة الإخوان لتقديم نفسها علي أنها القوة السياسية الوحيدة المنظمة والتي لها شعبية في الشارع المصري، تستطيع أن تعاون المجلس في هذه المرحلة، وأن توفر لقراراته وسياساته الشرعية.

وكان المجلس العسكري يدرك أن ما تقدمه الجماعة لا يخلو من الحقيقة؛ ويبدو أن الطرفين قررا التعاون وفي خلفية كل منهما تجربة الجماعة مع مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952، فالمجلس العسكري يدرك أنه يملك القوة الفعلية علي الأرض، ويضع خطوطا حمراء في التعامل معه، وعلي الجانب الآخر، تدرك الجماعة أن العائق الرئيسي في سبيل تحقيق طموحها بالهيمنة علي السلطة في مصر التي توهموا أنها دانت لهم هو المجلس العسكري، وعليهم أن يتعاملوا معه بحكمة، ويهادنوه حتي تتكشف الأمور أمامهم، ويرتبوا أوراقهم جيدا للإطاحة به.

وهكذا، يبدو أن كلاً من الطرفين كان في حاجة إلي بناء علاقة إيجابية مع الآخر مع الحذر منه والقلق مما قد يضمره له في الوقت نفسه. فقد قامت العلاقة التوافقية بينهما علي اعتبارات المواءمة السياسية التكتيكية وليس علي منطق الصفقة الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، نشير إلي دراسة أمريكية بعنوان («الإخوان والسلام» أو فلنقل «الإخوان والعسكر»)، منشورة في أحدث إصدارات مجلة الشئون الخارجية «فورين أفيرز» (عدد سبتمبر/ أكتوبر 2011) وهي بقلم اثنين من الأكاديميين الباحثين في مؤسسة «راند»، «جيف مارتيني وجولي تايلور» تؤكد أن زعماء الإخوان يعتقدون أن توطيد مواقعهم في ساحة السياسة المصرية إنما يقتضي منهم إقناع العسكر بأنهم لا يشكلون خطرا علي النظام الأساسي القائم، ولهذا يسعون بكل الطرق لكسب رضاء المجلس العسكري الحاكم، حتي ولو كان علي حساب خروجهم علي إجماع الجماعة الوطنية المصرية، أو تحقيق مبادئ وأهداف ثورة 25 يناير، وهو ما بدا واضحاً في حشدهم لأنصارهم في مظاهرات تأييد لسياسات المجلس العسكري في مواجهة طلبات المحتجين التي عبرت (أو تجاوزت) الخطوط الحمراء التي سبق الي وضعها العسكريون.

وفي هذا السياق، تنكرت الجماعة للجماعة الوطنية، والقوي الثورية، وبدأت تعمل بمفردها وفق منطق المغالبة لا المشاركة- مستغلة قواعدها المنظمة علي الأرض واللعب علي وتر الدين. وكانت البداية، جري استفتاء 19 مارس 2011، والذي اشتهر بـ »غزوة الصناديق»، في جو مشحون بالمزايدات الدينية، والزج بالدين في السياسية، حيث روجت التيارات الإسلامية إلي أن المشاركة في الاستفتاء والموافقة علي التعديلات سبب لدخول الجنة، بينما التصويت بلا يدخل النار.

وتمت من خلاله تعديلات دستورية شكلت نقطة تحول في الثورة المصرية، وأول مسمار في نعش الثورة، فكانت بداية الانقسام الذي واجهه الشعب المصري، وتشتت إلي قسمين «مع و ضد»، كما سمحت هذه الفرصة للمزايدات بين أبناء الثورة؛ حيث كانت النواة الصلبة للثورة من شبابها وقادتها يسعون لكتابة دستور جديد لبدء صفحة جديدة بعد أن طويت صفحة نظام مبارك.

وفي الإطار نفسه، وبمخالفة ما تعهدت به الجماعة مع القوي الثورية بعدم تنظيم مظاهرات ترفع شعارات دينية، نظمت الجماعة مليونية دعت لها مع الأحزاب والقوي الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة الدعوة السلفية بعنوان «مليونية دعم الشريعة الإسلامية»، والتي كانت في الأساس اعتراضا علي وثيقة الدكتور علي السلمي نائب رئيس الوزراء وقتها، وهي المليونية التي عرفت بـ «مليونية قندهار»، حيث كانت المليونية التي ظهر فيها الهتاف الشهير للإسلاميين «دقن وجلابية.. والعسكر مية مية».

وشهدت هذه المليونية دعما كبيرا للمجلس العسكري والمشير حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلي للقوات المسلحة؛ حيث ردد وقتها عشرات الآلاف من الإسلاميين هتافات «يا مشير يا مشير ألف تحية من التحرير»، «ألف تحية من المشير من قلب ميدان التحرير», «يا مشير يا مشير.. من النهارده أنت الأمير»، كما قام متظاهرون إسلاميون وقتها بتكسير منصة شباب 6 إبريل حال اعتراضهم علي الهتافات المؤيدة للمجلس العسكري.

كما يأتي ذلك في سياق خيانتهم العهود، وطمعهم في السلطة، أيضا مخالفتهم ما تعهدوا به منذ تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك بأن منهجهم المشاركة لا المغالبة، وأعلنوا أنهم لن يترشحوا في انتخابات مجلس الشعب إلا علي 40% من مقاعد البرلمان ولن يقدموا مرشحا للرئاسة، إلا أن ما حدث كان خلاف هذه التصريحات، إذ ترشحوا علي 80% من مقاعد مجلسي الشعب وكل مقاعد مجلس الشوري، وحصدوا 70% من مقاعد مجلس الشعب، وأغلب مقاعد مجلس الشوري.

كما تراجعوا عن قرارهم بعدم ترشيح رئيس للجمهورية، وقاموا بترشيح خيرت الشاطر وكلفوه بكتابة مشروع النهضة الشاملة، ولم يكتفوا بذلك بل رشحوا معه مرشحا احتياطيا هو محمد مرسي، خوفا من استبعاد الشاطر من سباق الرئاسة لعدم حصوله علي حكم قضائي برد الاعتبار عن الأحكام العسكرية التي صدرت ضده في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، وهو ما حدث بالفعل.

وهنا لابد أن نشير إلي أن رؤية الإخوان للديمقراطية أقرب إلي تقنين انتخابي للوصاية علي النخبة والجمهور، في إطار رؤية أشمل تحلم بالوصاية علي البشرية كلها «أستاذية العالم»!، فالديمقراطية تبدو في فكر الجماعة حتي الآن مجرد أداة مناسبة لـ »الاستعلاء بالحق« (مثلها مثل مراجعات الجهاديين).

كل ذلك ترك انطباعاً سيئاً لدي المواطنين بسبب تراجع الجماعة عن قراراتها وعدم الالتزام بالوعود، فضلا عن الأداء البرلماني السئ الذي لا يرتقي لما كان ينتظره المواطنون من برلمان الثورة في الدفاع عن الحريات وإصدار قوانين لحمايتها، وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين، وإعادة محاكمة الثوار الذين حكم عليهم في محاكم عسكرية وغيرها من القضايا؛ خاصة قضايا قتل الثوار.

مع اقتراب المرحلة الانتقالية من نهايتها، لم يعد هناك متسع من الوقت؛ إذ يُفترض أن يعود الجيش إلي ثكناته بعد أقل من ثلاثة أشهر دون أن تتضح معالم وضعه في النظام السياسي الذي سيحدده دستور يقوم «الإخوان» بالدور الرئيسي في عملية إعداد مشروعه بعد أن سيطروا علي تشكيل الجمعية التأسيسية التي ستكتبه، قبل أن يصدر القضاء الإداري حكما ببطلان تشكيلها فيما بعد، فمن الطبيعي أن يثير ذلك قلق القوات المسلحة ومجلسها الأعلي.

في الوقت نفسه، يتوجس «الإخوان» من إصرار هذا المجلس علي إبقاء حكومة الجنزوري التي يتهمونها ليس فقط بالعجز عن حل المشاكل الأساسية بل بافتعال بعضها لوضع البرلمان الذي يتصدرونه في وضع حرج أمام الشعب.

ولذلك، أخذ الخلاف يتصاعد بين جماعة «الإخوان» والمجلس الأعلي للقوات المسلحة، وصولاً إلي إعلان ترشيح الشاطر ثم سليمان لرئاسة الجمهورية، نتيجة تداعيات الأفعال وردود الأفعال في الأسابيع الأخيرة.

وفي هذا الإطار، استطاعت الجماعة ـ للأسف - تزييف وعي جناح كبير من شباب الثورة، واقناعهم بأن المجلس العسكري يماطل في تسليم السلطة، ومررت شعار «يسقط حكم العسكر»، معلنة الدخول في معركة تكسير عظام مع المجلس العسكري، متوهمة أنها ملكت الشارع، وركبت موجة الثورة، ولن يستطيع أحد أن يثنيها عن السلطة، وأن تجربة 1953 لن تتكرر، مدعومة في ذلك بموقف أمريكي وآخر أوروبي أقنعته الجماعة بأنها حليف يمكن الاعتماد عليه بما له من شعبية علي الأرض- لا يمانع في وصول الجماعة للسلطة في مصر.

ويبدو أن المجلس العسكري أدرك أن الموجة عالية، وأن أي صدام عنيف مع الجماعة سوف تحوله الأخيرة لصدام مع الشعب، وهو ما لا يمكن أن يقع فيه الجيش في مصر مهما تكن الضغوط.

وبدا المجلس العسكري، وكأنه يرتب أوراقه في مرحلة ما بعد هيمنة الإخوان علي السلطة في مصر.

وبالفعل استطاع مرشح جماعة الإخوان الوصول لقمة السلطة في ظل أجواء يشوبها الغموض تارة، والتآمر تارة أخري، ولا تخلو من المفارقات، ولابد هنا أن نشير إلي الدور التحريضي الذي لعبته النخبة المصرية في إقناع جمهور الناخبين بمقاطعة الجولة الحاسمة بين أحمد شفيق ومحمد مرسي أو منح أصواتهم إلي مرشح الإخوان بزعم أن أحمد شفيق سيعيد إنتاج نظام مبارك من جديد، وهو ما ندموا عليه فيما بعد!!.

وعقب وصول ممثل جماعة الإخوان ـ محمد مرسي - إلي سدة الحكم في مصر في 30 يونيو 2012، كشفت الجماعة عن وجهها القبيح، وبدأت في سعار ممجوج، وكأنها تسابق الزمن، تحاول إحكام قبضتها علي مفاصل الدولة، وتعاملوا معها كأنها «غنيمة حرب» ينبغي الاستيلاء عليها، ولم تستطع أن تدير علاقاتها بالمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية علي نحو كفء، هذا في الوقت الذي لم تمتلك فيه رؤية واضحة لإدارة البلاد، ولجأت إلي قيادات تدين لها بالولاء أقل كفاءة وقدرة علي مواجهة مطالب متزايدة ومتنامية، وكان لتحالفاتها مع الجماعات الراديكالية الإسلامية التي علي يمين الإخوان المسلمين مثل الجماعة الإسلامية والجبهة السلفية دور مهم في انصراف المجتمع عنهم

وهنا ظهر بقوة المعني الحقيقي لأخونة الدولة؛ التي اعتبرها القيادي الإخواني محمد البلتاجي «قمة الديمقراطية»، وكانت تبشيرا بصيغة استبدادية تلوح في الأفق تمسك بمفاصل الدولة، وتقبض علي مفاتيح الموارد الحكومية، وتتحكم في مخرجات العملية الانتخابية علي النحو الذي يروق للجماعة الغالبة، وهو ما بلغ ذروته حين أصدر محمد مرسي إعلانا دستوريا مساء يوم الخميس (22 نوفمبر 2012)، يحتوي علي بند لتحصين الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات الصادرة عن رئيس الجمهورية من الطعن عليها أمام أية جهة قضائية، وعدم جواز حل مجلس الشوري ـ الحالي ـ أو الجمعية التأسيسية ـ الحالية ـ من قبل أي جهة قضائية.

وفقدت الجماعة خلال الشهور الأخيرة من حكمها شعبيتها في الشارع المصري، الذي تكتل بكل أطيافه ضدها، بعد أن أدرك فاشيتهم وخطرهم علي الدولة المصرية، بعد وقائع عديدة كانت شديدة الدلالة علي افتقاد الجماعة لكل معاني الوطنية، وإعلائها مصالح التنظيم الدولي للإخوان المسلمين علي مصالح الدولة المصرية، وتكرر خروج ملايين هادرة إلي الشوارع حاولت ميليشيات الجماعة قمعها بعنف دموي إرهابي، صاحب ذلك استقالات أعضاء التيار المدني في مجلس الشوري، واتساع دائرة الاحتجاج في إطار حركة «تمرد» الشبابية التي تلقت دعما من أطراف كثيرة في المجتمع، وغاص المجتمع في مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة.

ولأنهم طلاب سلطة بالدرجة الأولي والأخيرة، رفض الإخوان كل المطالب التي قدمت إليهم بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، إنقاذا للبلاد من حرب أهلية، وفوضي كادت تلوح نذرها في الأفق، فما كان من المصريين سوي إنقاذ وطنهم وتخليصه من حفنة أقل ما توصف به بأنها فاشية بعيدة عن أي معني للوطنية؛ وخرج عشرات الملايين ليملأوا ميادين مصر، مطالبين بإنهاء حكم جماعة الإخوان الظلاميين، مدعومين في ذلك بجيشهم الوطني، الذي لم ولن ينحاز سوي لإرادة الشعب، وكان لافتا للأنظار أن جماهير ثورة 30 يونيو الشعبية رفعت صور الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر قائد ثورة 23 يوليو، وإلي جانبه صور القائد عبد الفتاح السيسي قائد الجيش المصري في تأكيد واضح لثقة الشعب المصري في جيشه الوطني.

وهكذا، كانت ثورة 30 يونيو ملحمة وطنية كبري سطرها الشعب والجيش وأنهت أسطورة جماعة الإخوان المسلمين إلي الأبد، وبددت حلمهم نهائيا في الوصول لحكم مصر، وكأن المصريين أرادوا أن »يوصولهم« للقمة ثم يلقوهم من عليها في مزبلة التاريخ.

ترامب والذين معه

عبد الحليم قنديل

مع ترامب لا توجد صفقات سياسية، فالرجل لا يفهم في السياسة أصلا، وقد لا يكمل مدته الرئاسية في البيت الأبيض، وهو «كاوبوي» أمريكي كلاسيكي، لا يفهم سوى في التلويح بالمسدس واقتناص الثروة وحلب الأبقار، وقد فعلها في جولته الأخيرة بالمنطقة، وكسب قرابة 500 مليار دولار نقدا ووعودا في ساعات.

ولم تنس ابنته اليهودية إيفانكا أن تحصل هى الأخرى على نصيبها، وأخذت 100 مليون دولار باسم مؤسسة وهمية لرعاية النساء، ودعك هنا من أحاديث الكنوز والهدايا الشخصية، التي لم ترد في خيال ولا في بال كتاب أساطير «ألف ليلة وليلة».

المهم أن ترامب لم يدفع في المقابل شيئا على الإطلاق، سوى أنه انتهز الفرصة السعيدة، وسوق لمبيعات السلاح الأمريكي، ومن وراء شعار «نحن أفضل من يصنع السلاح»، ودون أن يتعهد باستخدام السلاح ضد إيران، ولا ضد غيرها، وقال لمضيفيه «نحن لن نحارب نيابة عنكم»، هكذا ببساطة، ودون تكلف سياسي لا يجيده، فالرجل ـ الكاوبوي ـ لا يعرف سوى عوائد الثروة وحقائق القوة، ويعرف أنه لا يمكنه خوض حرب مباشرة ضد إيران، تماما كما تراجع وابتلع لسانه في حالة كوريا الشمالية، فقد أرغى وأزبد أمام الكاميرات، وعلى «تويتاته» التي صارت من مساخر الدنيا الجارية، وهدد بتدمير كوريا الشمالية، لو أجرت تجربة صاروخية جديدة، وقد فعلتها كوريا الشمالية مرتين لا مرة واحدة بعد تهديد ترامب، ودون أن يعاود ترامب التبجح، بل رفع القبعة لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ، وعبر عن إعجابه واحترامه لشخصه، وتمنى أن يلتقيه في أقرب فرصة، ودون أن يصدر عن كوريا الشمالية، الصغيرة الفقيرة، أي ترحيب بغزل ترامب، فليس لديها خزائن ذهب ودولارات وهدايا تدفعها له، وكل ما لديها عقاب الصواريخ والقنابل النووية التي يخشاها «الكاوبوي» الأمريكي.

والخوف الأمريكي من إيران يشبه الخوف من كوريا الشمالية، وقد قالها أركان إدارة ترامب، الذين يفهمون في السياسة عوضا عن جهل رئيسهم، وحذروا من كون إيران تمضي قدما على طريق «بيونغ يانغ»، أي أنها في الطريق إلى تحصين نهائي للبلد، ليس فقط بفوائض السلاح ونوعياته المتطورة، المصنعة ذاتيا، ولا بالتعبئة الوطنية الداخلية الجارفة، بل باتباع ما قد تصح تسميته «حزام السياسة الواقي»، فكوريا الشمالية تحتمى بالجوار الصيني المنيع، وهو ما تفعله إيران، بمد طوق حماية روسي من حولها، وهو ما يجعل من فكرة الحرب على إيران شروعا في إشعال حرب عالمية ثالثة، نووية بطبائع أطرافها، لا تبقي ولا تذر على الأرض حيا، وهو ما لا يريده أحد، ولا يطيق مجرد التفكير فيه، حتى لو كان في فظاظة ترامب وتهديداته الجوفاء.

نعم، دونالد ترامب لا يفهم سوى في سرقة واقتناص الثروات، وقد كان ذلك طبعه دائما، فقبل تولية الرئاسة، كان نجما مسليا في برامج تلفزيون الواقع، وكانت تعليقاته موحية على ما خسرته أمريكا في حرب العراق وأفغانستان من قبلها، وقال من قبل حملة الرئاسة وبعدها، أن أمريكا خسرت في الحربين قرابة الستة تريليونات دولار، ودون أن تقبض الثمن المقابل لما خسرته من دماء وأموال. وقال إنه كان على أمريكا أن تأخذ بترول العراق كله، أو أن تقتضي منه قرابة 15 تريليون دولار على الأقل، وهذا في رأيه مشروع جدا، فقانون الحرب يعطي الغنائم للمنتصرين، وجريمة بوش وأوباما عنده ظاهرة، وهي أنهما لم يأخذا الغنائم، وهو ما يحاول فعله الآن، حتى لو كان قبض الثمن بأثر رجعي، وربما لن يجد في الدنيا كلها كرما مخبولا كالذي عندنا، وهو ما يفسر غبطته الجنونية بما حصل عليه من مئات مليارات الدولارات، فقد كان يهتف من قلبه «دولارات.. دولارات.. وظائف.. وظائف»، وكأنه يكرر سيرة «علي بابا» في حواديت «ألف ليلة وليلة»، وعلى طريقة صيحته الذاهلة «ذهب .. ياقوت.. مرجان، أحمدك يا رب».
وربما لا نكون في حاجة إلى نصح أحد من بنى جلدتنا وديننا، فقد ثبت أن أحدا لا ينتصح، ولا يريد أن يسمع، ولا أن يرى حقائق الواقع العارية، فقد كسب ترامب هدايا المال والذهب بلا حدود، وكسبت إيران ـ للمفارقة ـ هدايا السياسة، وهو ما يفسر رد فعل إيران الفوري، الذي بدا هادئا ساخرا من مهرجانات القمم إياها، فحقائق القوة على الأرض تفرض نفسها، وتصوير إيران كعدو أول لأمريكا، يكسبها عطفا شعبيا هائلا، ليس في داخل إيران فحسب، بل في المنطقة العربية بالذات، ولسان حال الشارع العربي صريح بلا التباس، فهو يكره السياسة الأمريكية، ويكره ارتباطها واندماجها الاستراتيجي بكيان الاغتصاب الإسرائيلي، الذي بدا ظاهرا من فرط تهذب وتأدب ترامب في حضرة إسرائيل، وتعهده لها بدوام الحماية، وضمان التفوق العسكري النوعي على الدول العربية مجتمعة، مع ثرثرات وتهتهات غامضة عن سلام لا يأتي، فقد حرص ترامب على أداء الفروض والطاعات كلها لإسرائيل، وحتى من حيث الشكل والبروتوكول، فقد جعل زيارته للرئيس الفلسطيني محمود عباس مجرد جملة اعتراضية عابرة، وقد أجراها في بيت لحم، وليس في رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية، ووضعها بين قوسين من زيارته الأصلية لإسرائيل، فقد بدا بلقاء بنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، وانتهى بارتداء «القلنسوة اليهودية» عند ما تسميه إسرائيل «حائط المبكى» بجوار المسجد الأقصى في القدس الشرقية، وما هو إلا «حائط البراق» العربي الإسلامي بشهادة قرارات «اليونسكو» وإجماعها الدولي، وأجرى ترامب لقاءاته الرسمية كلها في القدس المحتلة، وهو ما لم يفعله أي رئيس أمريكي من قبل في زيارة رسمية، وهو ما يعني تسليم ترامب التام برؤية وأولويات إسرائيل، من نوع جعل القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، واعتبار أن القضية الفلسطينية شأن داخلي إسرائيلي، وأن مفهوم السلام لا يزيد عن معنى حفظ أمن إسرائيل أولا وأخيرا، وأن المشكلة هي في «التحريض الفلسطيني وقتل الإسرائيليين بالسكاكين»، كما قال ترامب مرارا وتكرارا، ودون أن يذكر أو يتذكر أبدا كلمتي «الاحتلال» و»الاستيطان»، بل أكد أن خطر إيران عنده مفهوم السبب، وهو دعمها لحزب الله وحركة حماس في الحروب ضد إسرائيل، وهو ما يضيف مددا عظيما لصورة إيران في المنطقة، ويكسبها نفوذا معنويا، فوق ما حققته من تمدد فعلي في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وبصورة مدت حدودها الفعلية إلى شواطئ البحرين الأحمر والأبيض، وسط أجواء هوان وبلاهة عربية، لم تعد تذكر القضية الفلسطينية، ولا احتلال إسرائيل، اللهم إلا في خطابات قليلة استثنائية.

ماذا يعني ذلك كله؟ يعني ببساطة أن إيران كسبت سياسيا، بقدر ما كسب ترامب ماليا، ودون أن يورط ترامب نفسه في صفقات سياسة لا يفهمها ولا يريدها، ومن نوع «صفقة القرن» السلامية التي تحدث عنها بعضهم، فقد قطع ترامب الطريق على الأوهام كلها، واكتفى بما ردده أسلافه من رؤساء أمريكا السابقين، بجعل الأولوية المطلقة للاعتبارات الإسرائيلية، وتكرار الدعوات الباهتة لخطوات بناء ثقة، واستئناف ما يسمونه «الحوار الإسرائيلي الفلسطيني»، أي العودة للمفاوضات إياها، التي توقفت قبل أربع سنوات، وبعد أن استمرت قبلها لعشرين سنة، ودون أن تنتهى لتسوية من أي نوع، سوى مضاعفة استيطان الضفة الغربية وتهويد القدس مرات، وبما يوحى بأن الصفقة المتاحة عند ترامب هي تصفية القضية الفلسطينية نهائيا، والاكتفاء بمنح تسهيلات عبور ومساعدات اقتصادية للفلسطينيين، وجعل الاحتلال أخفض تكلفة لإسرائيل، وأكثر نعومة للفلسطينيين، وشيء كهذا لا يعني أي إمكانية للتهدئة، بل يدفع الشعب الفلسطيني إلى مواصلة كفاحه بكل السبل، فوق إتاحة المزيد من فرص الكسب السياسي لطهران بالذات، فهي الوحيدة في المنطقة التي تلتحف بعباءة العداء لإسرائيل، ونصرة الحق الفلسطيني في المقاومة المسلحة، وهكذا يهدي العرب قضية فلسطين إلى إيران، تماما كما أهدوها العراق من قبل بدعم الاحتلال والغزو الأمريكي، وتماما كما أهدوها ملايين الشيعة العرب على طبق من ذهب، وجعلوا منهم أدوات جاهزة لخدمة النفوذ والتوسع والتوحش الإيراني، وقد جرى كل ذلك بفضل التصورات الطائفية المريضة المقيتة، التي تكفر الشيعة بالجملة، وتنفق عشرات المليارات لدعم جماعات التكفير والإرهاب بزعم الدفاع عن أهل السنة، ثم أضافت مئات المليارات لخزانة أمريكا «أم الإرهاب»، وعلى ظن أنهم يخوفون إيران، ويحتمون منها بغطاء أمريكا، الذي يكشف ولا يستر أحدا، فلا أحد يريد أن يفهم الحقيقة البسيطة متكررة الشواهد والأمارات، وهي أن «المتغطي بالأمريكان عريان» .

هل إنكسرت ″الجرة″ بين الحريري وطرابلس؟




من المفترض أن يستدعي الرئيس سعد الحريري نوابه ومستشاريه ومنسقيته وكوادره وأعضاء المكتب السياسي في طرابلس، الى إجتماع عاجل للبحث في كيفية وقف ″النزف الشعبي الأزرق″ الحاصل في المدينة والذي ترجم خلال زيارته الأخيرة لتفقد بعض المشاريع بحضور خجول وبرودة شعبية لم يسبق أن شهدهما في زياراته السابقة التي كان فيها المناصرون يقفون على ضفتيّ الشوارع لاستقباله.

تشير المعلومات الى أن الرئيس الحريري عاد من طرابلس متجهما، بعدما أيقن أن الأشهر التي أمضاها في رئاسة الحكومة لم تف حتى الآن بغرض إستعادة الشارع الطرابلسي كما كان يتوقع، والذي كان بدأ بخسارته منذ إنتخابات العام 2009، عندما أقفل ″حنفية″ التقديمات المالية والمساعدات الاجتماعية والصحية، ومن ثم خاض حربا شعواء ضد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وحكومة طرابلس المصغرة (رئيس حكومة وأربعة وزراء) وضعت البلاد على شفير حرب أهلية عاشتها طرابلس التي أشركها الحريري بـ″الغرم″ وتخلى عنها في ″الغنم″، قبل أن ينقلب على كل الشعارات واللاءات، ويحاور حزب الله، ويشكل معه حكومتين، ويتبنى مرشحه لرئاسة الجمهورية، وصولا الى التخلي عن بعض الصلاحيات التي لم ترق للشارع السني، الى أن أخرجت بعض قياداته عن صمتهم، وترجمها ميقاتي قبل إسبوعين نيابة عن الجميع بعبارة ″كفى يا سعد″.

يبدو أن الجرة قد إنكسرت بين سعد الحريري وبين طرابلس، وأن الجهود التي يبذلها لم تثمر حتى الآن في ترميمها، وأن ثمة صعوبات بالغة تحول دون عودته الى قلب الشارع الطرابلسي الذي تغيّر مزاجه وتبدلت خياراته السياسية باتجاه من يقف الى جانبه ويحمل همومه ويفتح مؤسساته من أجل خدمته، ويقوم مقام الدولة في تنفيذ العديد من المشاريع الملحة في المدينة، في وقت مضى فيه ثماني سنوات على أقل مشروع ينفذه مجلس الانماء والاعمار ولم يبصر النور حتى الآن، وقد جاءت زيارة الحريري الأخيرة لتعطي شرعية لهذا التأخير الذي أضنى طرابلس وأهلها، بدل أن يبادر الحريري وأمام وسائل الاعلام الى إرضاء الطرابلسيين بمحاسبة ومعاقبة كل من تسبب بتأخير مشاريعهم وبظلم مدينتهم، بدل أن يضعهم على يمينه ويساره خلال جولته ويستمع الى شروحاتهم.

واللافت أن الحريري ما يزال يصرّ على التفرد بكل ما يتعلق بالساحة السنية عموما، وبطرابلس بشكل خاص، وهو أمر يرفضه أكثر من تيار سياسي، وقد عبرت عنه الجماعة الاسلامية في مؤتمرها العام من دون تسمي رئيس الحكومة.

لكن رئيس الحكومة ترجم هذا السلوك في زيارته الأخيرة التي آثر عدم إبلاغ أي من قيادات المدينة بها، لا الخصم ولا الحليف ولا الصديق، باستثناء الوزير محمد كبارة الذي كان معه قبل يوم واحد في جلسة مجلس الوزراء، والمفتي مالك الشعار المتخصص بتبرير أخطاء الحريري، وباقامة الغداء التكريمي له وجمع قيادات المدينة على شرفه، لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة، حيث إقتصر غداء المفتي الأخير على لون سياسي معيّن، بعدما أراد الخصم والحليف والصديق أن يقولوا للحريري أن للمدينة أبوابا شرعية يجب أن تدخل منها.

ويبدو واضحا أيضا أن كل المتغيرات على الساحة الطرابلسية لم تصل الى الحريري الذي ينقل عنه زواره أنه يتحدث عن طرابلس وفق التقارير التي ترفع له، وتؤكد أنه ما يزال الأكثر شعبية فيها، وذلك قبل أن يكشف المستور بنفسه على أرض الواقع في الزيارة الأخيرة، التي من المفترض أن يكون إستفاق فيها الحريري على حقيقة التراجع الشعبي لتياره في عاصمة الشمال.

لماذا فتح لافروف ملف الإعدام البشع للقذافي اثناء زيارته للقاهرة؟ وما علاقة ذلك بالافراج عن سيف الإسلام و”تحرير” رجالات النظام السابق من سجن الهضبة؟ وما هو السيناريو الجديد الذي يتهيأ للازمة الليبية؟





لا نعتقد اننا بحاجة الى المستر سيرغي لافروف، وزير خارجية روسيا لاتحادية لكي يذكرنا بالطريقة المأساوية التي اعدم فيها الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وان يكشف لنا سرا معروفا يؤكد ان الذين نفذوا عملية الإعدام البشعة هذه ومثلوا بجثة الضحية، عادوا الى أوروبا وحصلوا على جنسيات بلدانها، وكأنه يغمز في قناة بريطانيا التي اكتشفت ان ابناء هؤلاء يقفون خلف التفجير الانتحاري الذي استهدف حفلا في مدينة مانشستر قبل اسبوع وادى الى مقتل 22 شخصا واصابة العشرات.

نقول ذلك لأننا كنا، وما زلنا، على رأس المعارضين المتشددين لتدخل طائرات حلف “الناتو” في ليبيا لتغيير النظام، وقتل الآلاف من الليبيين تحت أكاذيب الديمقراطية وحقوق الانسان، لأننا كنا ندرك جيدا ان الهدف لم يكن مطلقا تحقيق طموحات الليبيين المشروعة في هذا الاطار، وانما الثأر من مواقف الزعيم الراحل في دعم قضايا التحرر والاستقلال والسيادة في الشرق الأوسط وافريقيا، والتصدي للمشاريع الاستعمارية الغربية في صيغتها الاقتصادية الجديدة، ومنح عقود ليبيا النفطية والتنموية والاعمار لمن يستحقها في تركيا (انقلبت عليه) والصين والهند وروسيا وبدرجة اقل إيطاليا، مع تسليمنا مقدما بانه كان ديكتاتورا، وان سحله على صعيد حقوق الانسان لم يكن ورديا على الاطلاق.

الرئيس باراك أوباما، الذي بات يحن الى جذوره الافريقية وعقيدة والده الإسلامية في أيامه الاخيره، لم يتردد مطلقا في التعبير عن ندمه لاتخاذ قرار التدخل العسكري في ليبيا الذي اعتبره من اكبر أخطاء ادارته، وتحميل فرنسا وبريطانيا المسؤولية الكبرى عن هذا التدخل الذي جاء من منطلقات غير أخلاقية او إنسانية، وانما تجارية نفطية واقتصادية أيضا الى جانب الاعتبارات الثأرية المذكورة آنفا.

لا يمكن ان ننسى المؤتمر الصحافي الذي عقده السيد مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي، والسيدة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، واعلن فيه عن وضع مكافأة بمليون دولار لمن يقتل الزعيم القذافي، وسط فرحة السيدة كلينتون التي عبرت عنها بابتسامة عريضة وتصفيق حاد، وهي التي من المفترض انها تمثل العالم الحر الذي يعظنا ليل نهار بالحريات وسيادة القانون، والقضاء العادل المستقل.

ليبيا الآن تعود الى الاضواء مجددا، حيث يدخل الصراع منعطفا مختلفا، مثلما يتجدد التدخل العسكري الخارجي، بطرق متعددة، ونشهد طائرات حربية مصرية وليبية تقصف أهدافا للجماعات المتشددة الارهابية في درنة والجفرة، حسب البيانات العسكرية الرسمية، مثلما تتوارد الانباء عن الافراج عن السيد سيف الإسلام القذافي بقوة القانون، مثلما قال وكيل وزارة العدل الليبية.

واللافت ان هذه الانباء حول الغارات المصرية الليبية والافراج عن النجل الأكبر للقذافي تتزامن مع أخرى حول اقتحام سجن الهضبة في طرابلس للافراج عن شقيقه الساعدي، وعبد الله السنوسي، وابو زيد عمر دوردة، والبغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء للعهد السابق.

لا نعتقد ان كل هذه لتطورات تأتي بمحض الصدفة، ونذهب الى ما هو ابعد من ذلك و”نتكهن” بأنها قد تتم جميعا في اطار سيناريو جديد لليبيا يجري طبخه على نار هادئة لبلورة نظام جديد قد يكون على رأسه القذافي الصغير في اطار شراكة سياسية مع المشير خليفة حفتر، احد الأبناء العاقيّن والمنشقين عن النظام السابق.

نحن هنا نتكهن، وكل ما نعرفه ان أوروبا التي تعاني من مشاكل الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من السواحل الليبية (2000 كيلومير على المتوسط)، باتت تلتقي مع روسيا ودول الجوار الليبي في ضرورة الوصول الى حل يضع حدا لحالة الفوضى الدموية التي تسود ليبيا، وتحولها الى حاضنة للجماعات الإسلامية المتطرفة.

لعل غمز لافروف من قناة بريطانيا وأوروبا وتفجير مانشستر الهدف منه هو القول بانكم خلقتم المشكلة وتدفعون ثمن اخطائكم، ونحن الذين نملك طوق النجاة لانقاذكم من المستنقع الليبي الذي حفرتموه، ولا نعرف ما اذا كان مصيبا في تلميحاته هذه ام لا، وهل تسير ليبيا على طريق الحل.. ام اننا امام تدخل عسكري قد تكون نتائجه اكثر سوءا من سابقه؟ ليس امامنا من خيار غير الانتظار.

2017/05/01

ماذا بقي من عيد العمال




لا أعلم ماذا بقي للعمال من عيد لكي يحتفلوا به كما جرت العادة في الأول من أيار، الذي اصبح له مذاقا ولونا خاصا, ولكنه ليس عماليا، ولم يعد هناك قيمة لهذه المناسبة ولكنه عيدا باسم العمال يحتفل به من هم أعداء العمال تحت أسماء وعناوين مختلفة ، ولكن ما أعرفه أيضا أن الأول من أيار أصبح مجرد يوما للاحتفالات والبذخ المبالغ فيه، وعندما يشاهدها العمال لا يملكون من امرهم إلا التحصر والآلام على ظروفهم ومن يزاود باسمهم، ولازلت أذكر رسما كاريكاتوريا نشر في جريدة العربي الناصري في عيد العمال يقول (بعيد العمال الكل يرتاح إلا العمال ، أبنائهم الاغنياء يسهروا ويشربوا في أشهر الفنادق وأبناء العمال يجمعوا العلب الفارغة) .

الأول من ايار من كل عام وجد ليكون مناسبة لتكريم العمال في هذا اليوم الذي أجمعت عليه البشرية كنوع من الاعتراف بحق هذه الطبقة التي كانت وستبقى كالجندي المجهول يعطي ويقدم حتى روحه بلا ممنة من أحد ولا بهدف الظهور أمام الشاشات، وربما يموت بصمت في ميدان العمل أو في حادث عمل ما ولا أحد يعلم عنه شيء.

في عيد العمال حتى في الدول الرأسمالية المستغلة يكرم رواد العمال من خلال نقاباتهم أما في بلادنا للأسف فالعمال مضطهدين وغاية أحلامهم ايجاد فرصة عمل محترمة يعتاشوا منها وبيت يأويهم ، أما الحقوق الأخرى فهم يشاهدوها على شاشات التلفزة خاصة في عيدهم اذا وجدوا وقتا لمشاهدة ذلك ولو بالصدفة ، ومن أعطى وقدم من أجل حقوق العمال جرى خنقه وقطع رزقه وما حدث مع كاتب هذه السطور ليس بعيدا عن ذلك .

ويأتي اليوم من يحدثنا عن عيد العمال ولكن ليوم واحد فقط من العام ، والمؤسف أكثر أن من يحتفل بعيد العمال ويكرم بعضهم هم أنفسهم صوتا لدى الجهات المتنفذة من أرباب العمل والسلطة لمحاربة أي وعي عمالي ولو نظرنا لمعظم النقابات العمالية سنجد في وطننا أن معظمها شبه تعيين ودورها وأد ومحاربة حقوق العمال ومكتسباتهم وليس العكس .

الأول من ايار لم يعد عيدا للعمال منذ انهيار دولتهم الأولى الاتحاد السوفيتي بكل ما عليها من ملاحظات لكنها كانت ندا لإمبراطورية الشر الأولى أمريكا وبالتالي كان هناك نوعا من المكتسبات للعمال حتى في امبراطورية الشر وأتباعها وعملائها بهدف ابعاد العمال عن دولتهم الأولى الأم ، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ظهر الوجه الأكثر قباحة لأمريكا والرأسمالية بشكل عام .

وفي هذه المناسبة التي فقدت معناها وقيمتها الانسانية أتمنى تحديد من هم العمال وهناك من يقول كل من يعمل مقابل الأجر هو عامل وهذا ببساطة غير صحيح وإلا أصبح العالم كله عمال وطبقة واحدة .

وعلى هذا الأساس تحديد هوية من هو العامل أصبح ضروريا ، وما هو مطلوب في هذه المناسبة أن تشد الهمم والنضال من اجل ايجاد نقابات عمالية حقيقة تفرز من يمثل مصالح العمال وليس من يتاجر على حسابهم ، اليس ملفتا للانتباه أن أكبر النقابات هي النقابات العمالية وبنفس الوقت هي أضعف تلك النقابات لأن الهدف محاربة كل صحوة عمالية ، ووجدنا من يبقى على رأس عمله في اتحادات عمال أكثر من 25 عاما فماذا يعني ذلك وما هو دوره إلا تنفيذ مطالب من أوجده في ذلك المكان .

وما نشهده اليوم من تحالف طبقي بين السلطات الحاكمة ورأس المال هو ما افرز ما تمر به الحركة العمالية من ظروف ، ومن يدفع الثمن في كل ذلك هم العمال الكادحين .

وعلى هذا الاساس لا بديل عن نقابات عمالية حقيقة تناضل من أجل العمال وحقوقهم ومنتخبة بشكل صحيح من العمال بدون تدخل السلطة وأرباب العمل، وغير ذلك سنبقى ندور في حلقة فارغة لا طائلة منها ولنعيد لهذه المناسبة واليوم التاريخي معناه الحقيقي الأول من ايار عيد العمال، ولا عزاء للصامتين .

هل يعتمر الحريري ″القبعة البرتقالية″؟!


 
 
 
تطول لائحة المآخذ على رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يقدم التنازلات السياسية الواحد تلو الآخر، بشكل لم يعد لديه ما يقدمه في حال لزم الأمر ذلك، ما ينعكس سلبا على طائفته بالدرجة الأولى، ويُضعف من حضور الرئاسة الثالثة التي يخشى البعض أن تتحول الى مطية، بفعل ″الشخصانية السياسية″ التي يتعاطى بها ″زعيم المستقبل″، بهدف تأمين ديمومة وجوده في السراي الكبيرة، وسعيه الى إستعادة أكثريته النيابية في الانتخابات المقبلة، ولو كان ثمن ذلك إنقلابه على موافقه، أو أن يسير في ركب التيار الوطني الحر ورئيسه وزير الخارجية جبران باسيل.

يبدو واضحا أن الحريري يلتقي مع باسيل إستراتيجيا، فالأول يسعى منذ زمن الى التفرد بقرار طائفته، وإلغاء كل قياداتها أو دفعهم الى العمل السياسي تحت مظلته، والى أن يكون رئيس حكومات كل ″العهد العوني″ الذي أنتجته تنازلات جوهرية قدمها، وتراجعه عن لاءات شهيرة كان أطلقها تجاه حزب الله وساهمت بتحريض الشارع وصولا الى شفير الفتنة (لا حكومة ولا حوار ولا جلوس مع الحزب إلا بعد خروجه من سوريا، وتسليم سلاحه الى الدولة!!!)

أما الثاني فيرى الفرصة ذهبية لالغاء كل خصومه من الموارنة وأبرزهم سليمان فرنجية ″غريم رئاسة الجمهورية″، وبطرس حرب منافسه على زعامة البترون، وهو يجد أن تحالفه مع القوات اللبنانية، يخوله السيطرة على الشارع المسيحي، لا سيما بعد الانقلاب على القانون النسبي الذي لطالما روّج له مع القوات، لمصلحة القانون الأكثري ″الستين″ الذي يمكن من خلاله لأكبر قوتين مسيحيتين في لبنان أن تستأثر بأغلبية النواب المسيحيين.

لذلك يلتقي الرجلان على هدف واحد في معركة إلغاء سياسي واضحة المعالم، لكن بفارق وحيد، هو أن الحريري يقدم التنازلات الى الحدود الدنيا، وباسيل يجمع المكاسب، فضلا عن توافقهما على تعطيل جلسة مجلس النواب في 15 أيار المقبل.

يحاول الرئيس الحريري أن يُشيع بين أوساطه بأنه يقوم بمسايرة التيار الوطني الحر، لكي لا يعطلوا مجلس الوزراء، في حين يرى البعض أن الحريري لم يدع مجلس الوزراء الى الانعقاد أيضا كرمى لعيون التيار، وأنه إنقلب على الاتفاق الذي كان أبرمه مع الرئيس نبيه بري باقرار التمديد الذي كان يُعتبر مطلبا حريريا، سواء كان تقنيا أو غير تقني، وذلك للحؤول دون الوصول الى الفراغ في المؤسسة التشريعية والذي من شأنه أن يدخل البلاد في المجهول.

هذا الواقع يطرح سلسلة تساؤلات لجهة: هل بات الحريري بما يمثل وبمن يمثل، أداة تنفيذية في يد التيار البرتقالي؟، وماذا عن صقور تيار المستقبل وبياناتهم وتصريحاتهم النارية وإتهاماتهم السابقة للتيار نفسه بالتعطيل؟، وهل يرضى هؤلاء أن يكون الحريري أداة للوصول الى تعطيل جديد وهذه المرة للمؤسسة التشريعية؟، ولماذا هذا الصمت المطبق حيال سلوك الحريري؟، وماذا عن الحليف الأبدي السرمدي وليد جنبلاط؟، وأين أصبحت الاستراتيجيات المتفق عليها معه ومع الرئيس بري؟.

ثم بعد ذلك، هل يستطيع الحريري أن يتحمل مسؤولية أخذ البلد الى الفراغ مجددا، وأن يتحول بعد 21 حزيران الى رئيس حكومة تصريف أعمال؟، وهل يمكن لجمهور الحريري أن يواجه نتائج وتداعيات الأزمة التي قد تنتج عن هذا الفراغ؟.

تقول مصادر سياسية مطلعة: إن الرئيس سعد الحريري يغامر بطائفته وبالمؤسسات الدستورية اللبنانية على حد سواء، من أجل البقاء في الحكم، وهذا أمر لن يكون بالأمر السهل، لا سيما على مستوى الطائفة التي توجد فيها قيادات وازنة سياسيا وشعبيا ومن بينها قيادات مستقبلية ترفض ما يحصل، وهي إذا ما قررت مجتمعة الخروج عن صمتها، عندها لن يجد الحريري شارعا يركن إليه في الانتخابات النيابية المقبلة، مهما كان القانون الانتخابي.

دراسة حول الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين في نيسان


في نيسان نتذكر، فنترحم ونجدد العزم على مواصلة النضال

إصرار فلسطيني على مواجهة الإرهاب الصهيوني المتواصل


محمود كعوش



نيسان الوفاء والعطاء والتضحية

في هذا الزمن "الأغبر" الذي بات فيه الحكام والمسؤولون العرب يسبقون التطبيع في الهرولة سراً وعلناً لأداء "فريضة الحج" عند الصهاينة في تل أبيب وتقديم واجب الطاعة لهم طمعاً بنيل رضا البيت الأبيض المتصهين ومن تبقى من حثالات المحافظين الجدد في واشنطن أملاً في الحفاظ على عروشهم وكراسيهم ومواقعهم في سلطة الحكم، يُصبح من واجب كل من الإعلامي والمقاتل البقاء في حالة استنفار دائمة للدفاع عن قضايا الأمة، الأول للنضال بالكلمة وتدوين الصفحات تلو الصفحات من السير الذاتية الأسطورية لشهداء القضية الأبرار الذين يتساقطون زرافاتٍ ووحدانا نتيجة الإرهاب الصهيوني الإجرامي الذي عادة ما يتخندق وراء الاستكبار الأمريكي وتوثيقها وحفظها في"موسوعة الشهادة والاستشهاد"، وتوريثها للأجيال القادمة، بدون تزييف أو تزوير أو تدليس، والثاني للنضال بالبندقية وممارسة الكفاح المسلح، ليكمل أحدهما الآخر استجابة لمتطلبات دحر الاحتلال واستعادة الحقوق الوطنية وإعلاء كلمة العدل في فلسطين، كل فلسطين من البحر للنهر.



فأنا من ناحيتي لا أرى فارقاً أو تبايناً يُذكر بين الإعلامي والمقاتل، طالما أن كليهما مُعرضان للاغتيال والاستشهاد في كل لحظة، وطالما أنهما يحملان نفس الرسالة ويتبنيان نفس العقيدة ويدافعان عن نفس القضية ويقاتلان من أجل نفس الغاية والهدف. وإن وجد هذا الفارق أو التباين بين الاثنين فلا يكون بغير نوعية السلاح الذي يستعمله كل منهما والذخيرة التي يحشوه بها، ولا أظن أن مثل هذا الفارق يشفع لإعلامي دون مقاتل أو لمقاتل دون إعلامي عند العدو الصهيوني المجرم.
فكم من العقول والأقلام والرموز الثقافية والقيادات السياسية الفلسطينية استهدفها الإرهاب الصهيوني، تماماً كما استهدف المقاتلين والكوادر والقيادات والعسكرية!! وهل من مرة واحدة ميز أو فرّق فيها هذا الإرهاب بين المدنيين والمسلحين الفلسطينيين، أو بين الأطفال الرضع والنساء والشيوخ، الأصحاء والمقعدين الفلسطينيين؟ ألم يستهدف السياسيين والعسكريين من شعب الجبارين في كل مكان فلسطيني وزمان فلسطيني دون ما تمييز أو تفريق؟ وألم يستهدف الشجر والحجر والحرث والزرع والنسل وباطن الأرض وأديمها والماء والهواء وكل البحر والفضاء في فلسطين؟ وألم يحول كل هذه منفردة ومجتمعة إلى أهدافٍ عسكرية استراتيجيةٍ لجيشه وعصابات مستوطنيه وآلة بطشه وجبروته وفاشيته بزعم "الضرورات والمقتضيات والدواعي الأمنية" للكيان الصهيوني العنصري القائم فوق التراب الفلسطيني المبارك منذ عام 1948، بمنطق القوة العسكرية ودبلوماسية الطائرات والبوارج والقاذفات الصاروخية!!
في زمن العجز والتخاذل والانبطاح العربي هذا الذي يوغل فيه الإرهاب الرسمي الصهيوني، تحت مظلة الاستكبار الأمريكي الذي يضرب يميناً ويساراً في سورية والعراق وليبيا واليمن وغيرها من البلدان العربية بذريعة محاربة "داعش" الكاذبة، في ارتكاب جرائمه البشعة والنكراء ضد الفلسطينيين خاصة والعرب عامة، أقبل علينا شهر نيسان هذا العام بكل ما حملته جعبته واختزنته ذاكرته من قوافل الشهداء الفلسطينيين الأبرار الذين سقطوا على مدار السنوات ال 69 التي تمثل عمر الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.
لا أظن أن أحداً من الفلسطينيين في أي مكان تواجد، في الوطن أو خارجه وفي الحل أو الترحال قد نسي أو غاب عن باله ولو للحظة واحدة مسلسل المجازر والمذابح وعمليات الاغتيال التي ارتكبها جزارو وسفاحو الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني على المستويين الجماعي والفردي في شهور تلك الأعوام كلها، وبالخصوص الشهور النيسانية منها.
ولا أظن أن واحداً مِن هؤلاء المظلومين والمضطهدين دائماً وأبداً قد نسي أو غاب عن خاطره ولو لبرهة قصيرة أو لمحة بصر خاطفة جرائم عصاباتي "شتيرن" و"الهاغاناة" وغيرهما من العصابات الصهيونية الإرهابية المنظمة وغير المنظمة التي حدثت قبل نكبة عام 1948 الكبرى وأثنائها وبعدها وصولاً إلى زمن الانحطاط والردة الذي نعيشه هذه الأيام، وبالأخص جرائم رجال جهاز الموساد التي ارتكبت بحق الفلسطينيين الأبرياء داخل الوطن وفي الشتات.
جرائم اغتيال ومجازر ومذابح بربرية وإبادات جماعية، لا أخلاقية ولا إنسانية كبيرة لا حصر ولا وصف لها إلا في سجلات التتار والمغول والنازيين، دأب الجزارون والسفاحون الصهاينة على ارتكابها بدم بارد بحق الفلسطينيين بشكل خاص والعرب بشكل عام، منذ عهد الإرهابي المقبور ديفيد بن غوريون حتى عهد الإرهابي الحالي بنيامين نتنياهو. وشلالات من الدماء الفلسطينية الذكية والطاهرة سفكها الإرهاب الرسمي الصهيوني الإجرامي على مدار 69 عاماً من الاحتلال القهري المتواصل. مسلسل دموي صهيوني بغطاء استكبار أمريكي ما تزال حلقاته تتواصل حتى أيامنا هذه.



الإرهاب الصهيوني واغتيال القادة الفلسطينيين في نيسان

ما أن يطل علينا شهر نيسان في كل عام إلا ونكون قد هيأنا أنفسنا لنعيش الأيام النيسانية الفلسطينية بكل ما تستدعيه من مستلزمات التأمل والاستنفار وما تفترضه من متطلبات الصبر والأمل والحيطة والحذر، بسبب ما تحمله هذه الأيام من مفاجآت مؤلمة ومحزنة، وما يترتب عليها من مخاطر وتبعات وارتدادات سلبية محتملة. ففي هذه الأيام الاستثنائية نجد أنفسنا مدفوعين بتلقائية تامة لإنعاش ذاكرتنا واسترجاع شريط تلك المجازر والمذابح وجرائم الاغتيال التي دفع فيها الشعب الفلسطيني من دمه الذكي والغالي الكثير من أجل أرضه المباركة وقضيته المقدسة، جراء صنوف وأنواع الإرهاب الصهيوني التي مورست ضده ولم تزل تُمارس حتى اليوم.
والآن ونحن نعيش هذه الأيام بحلوها ومرها، نستذكر مجازر القسطل ودير ياسين وفردان وسيدي بوسعيد والسارة وغيرهم الكثير الكثير، ونستذكر معها أرواح الشهداء الأبرار الذين سقطوا في شهور نيسانية سابقة اصطُلح على تسميتها فلسطينياً شهور البذل والعطاء والشهادة والاستشهاد من أجل الشرف والكرامة وحرية الأرض والإنسان، لكثرة الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا خلالها وبالأخص في صفوف القادة والكوادر. نستذكر أرواح الشهداء عبد القادر الحسيني وكمال عدوان وأبو يوسف النجار وكمال ناصر وخليل الوزير "أبو جهاد" والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والعقيد طيار محمد درويش والعقيد طيار غسان ياسين والمهندس طيار ثيودوروس جيورجي. نستذكر أرواح ثمانية عشر شهيداً أبت أرواحهم إلا أن تهاجر من الأرض الفلسطينية المحتلة لتعانق روح "أمير الشهداء" يوم وصلت يد الغدر الإرهابي الصهيوني إلى جسده الطاهر في العاصمة التونسية، وتُزف معها في عرس شهادةٍ ما بعدها شهادة. نستذكر أرواح هؤلاء الذين قالوا للكيان الصهيوني لا وألف لا، لن تموت جذوة الانتفاضة المباركة مع اغتيال "أمير الشهداء". نستذكر أرواح الشهداء الثلاثة الذين قضوا دفاعاً عن "الأمير" والقضية، مصطفى وحبيب التونسي وأبو سليمان.
وحتى لا أُلام أو أقع تحت طائلة لوم نفسي قبل لوم الآخرين لي أو يؤخذ علي مأخذ النسيان أو"التجاهل المتعمد لا قدر الله"، أرى أن من العدل والإنصاف استذكار أرواح كل الشهداء الفلسطينيين والعرب الذين وصلتهم يد الغدر الصهيونية خلال الشهور النيسانية. لكن اقتصار الحديث على هذا الشهر اللعين يستدعي مني التوقف فقط عند رموز قياديةٍ كبيرةٍ ومميزة كان شغلها الشاغل وهمها الأول الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني من أجل خدمة القضية المقدسة، ولم تقدم في وقت من الأوقات "الأنا" أو المصلحة الذاتية أو الحركية على المصلحة الوطنية الفلسطينية والمصلحة القومية العربية، استهدفها الإرهاب الصهيوني في شهور نيسانية لعينة سابقة.
فالحديث عن القائد الشهيد عبد القادر الحسيني يعيدنا بالذاكرة إلى الوراء 69 عاماً، حين استشهد في معركة القسطل في 8 نيسان 1948. ويعيدنا أيضاً إلى أيام بالغة الظلمة والسواد، أوغلت خلالها عصاباتا "شتيرن" و"الهاغاناة" الإرهابيتان في عدوانهما النازي والفاشي ضد الفلسطينيين لغرض ترحيلهم والاستيلاء على أراضيهم، فارتكبتا من المجازر والمذابح الجماعية ما لا يُعد ولا يُحصى، وما يندى لها جبين الإنسانية. ومن بين تلك المجازر كانت مجزرة "دير ياسين" التي حدثت في 9 و10 من ذات الشهر والعام والتي اغتال الصهاينة الأنذال فيها جميع أبناء البلدة إلا من نجا منهم بأعجوبة ، في واحدةٍ من أسوأ عمليات الإبادة الجماعية .
والتوقف عند 10 نيسان 1973 يذكرنا بذلك اليوم الذي تمكن فيه الإرهاب الصهيوني النازي بواسطة مجموعات مجرمة تابعة لجهاز "الموساد" من اغتيال ثلاثة من القادة الفلسطينيين الكبار في شارع فردان في قلب العاصمة اللبنانية بيروت هم كمال عدوان وأبو يوسف النجار وكمال ناصر.
فقد كان الشهيد القائد كمال عدوان واحداً من أهم وأبرز الإعلاميين إن لم يكن أهمهم وأبرزهم. وكان الحريص على أن تتعانق الكلمة الحرة مع البندقية الحرة. ورأى عدوان العالم من خلال القضية الفلسطينية فكان القائل الذي صَدَقَ قوله: "حتى تكون أممياً لا بد أن تكون فلسطينياً أولاً". وأتقن فن الثورة ودرب الآخرين على إتقانه وممارسته. أصدر جريدة "فتح" من قلب المعركة عندما تطلبت الضرورة ذلك.
وكان الشهيد القائد أبو يوسف النجار "السهل الممتنع" في مرونته وتصلبه. أما شعاره الثابت والدائم فكان "الحق أولاً والمبدأ أولاً". ومثل أبو يوسف النجار نموذجاً لجيلٍ فلسطينيٍ كاملٍ عَبَرَ عنه بنقاء ثوري أصيل.
أما "ضمير الثورة" الشهيد القائد كمال ناصر فقد أحبه جميع الثوار كما أحبهم، وكان لحركة فتح كما كان لجميع فصائل المقاومة الفلسطينية. كان أديباً وشاعراً ومفكراً، وكان إنساناً بكل معاني الإنسانية النبيلة. حبّب القتال إلى قلوب الجماهير فأصبحت الجماهير الحاضن الأمين والحُضن الآمن والدافئ لفكر المقاومة وممارساتها. وكان حريصاً على الوحدة الوطنية الفلسطينية وعمل من أجلها. سُمي "ضمير الثورة" لما مثّله من قاسمٍ فكريٍ وسياسيٍ مشتركٍ بين جميع فصائل المقاومة، مع تعدد نزعاتها الفكرية والسياسية.
وما من أحد عرف أمير الشهداء القائد الرمز خليل الوزير"أبو جهاد" إلا واحترمه وأحبه، وأنا كنت واحداً من هؤلاء وهم كُثر جداً في الأوساط الفلسطينية والعربية والإسلامية. فما أقوله أنا وغيري عن الأمير الشهيد القائد لا يُمثل جزءاً يسيراً مما اتصف به من نُبل وعُرف عنه من أخلاق حميدة ومسلك مُشرف. ولا أبالغ حين أقول أنني مهما اخترت له من الصفات النبيلة والكريمة والإنسانية الشائعة والجديدة لن أوفيه بعض ما استحقه في حياته وما يستحقه في مماته، وهو أكثر بكثير.
لقد كان "أبو جهاد" قائداً بكل معاني الكلمة، وما أحوجنا لأمثاله وأمثال إخوانه الذين عاصروه وقضوا قبله وبعده في هذه الأيام العصيبة والظرف الدقيقة والخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية وكل قضايا الأمة الوطنية والقومية. وصلت يد الإرهاب الصهيوني المجرم إلى جسده الطاهر في 16 نيسان 1988 فاغتالته مع ثلاثةٍ من مرافقيه بعد معركةٍ غلب عليها طابع الغدر في ضاحية سيدي بوسعيد التونسية.
ويوم اغتال الكيان الصهيوني الشهيد الكبير الذي سُميت "دورة الانتفاضة" للمجلس الوطني التي انعقدت في مدينة الجزائر في تشرين الثاني 1988، اعتقد أنه بذلك الاغتيال سيتمكن من اغتيال الانتفاضة المباركة. لكن وفاء أبنائها للقائد والقضية التي قضى من أجلها زاد الانتفاضة اشتعالاً وتوهجاً، إلى أن جاءت "أُوسلو" اللعينة فاغتالتها بالإنابة.
أما القائد الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، فقد وصلت إليه يد الغدر الحاقدة عن طريق الطائرات الحربية الصهيونية أمريكية الصنع التي قامت بقصف سيارته مساء 17 نيسان 2004، لتعانق روحه وروحا مرافقيه أكرم نصار وأحمد الغرة اللذان قضيا معه أرواح جميع شهداء فلسطين الأبرار الذين سبقوهم، وفي مقدمهم ملهمهم وقائدهم ومؤسس "حركة حماس" التي كانوا ينتمون إليها المغفور له الشيخ الجليل أحمد ياسين، الذي اغتالته الطائرات الصهيونية قبل 25 يوماً من اغتيالهم. ومسيرة القائد الرنتيسي المميزة نسخة مشرفة عن مسيرة الملهم والقائد، تجعلنا هي الأخرى أعجز من أن نذكر كل صفاته ومآثره الكريمة في كلمات أو سطور قليلة.
وكلا الرجلين، القائد والملهم، حرصا دائماً على الوحدة الوطنية الفلسطينية وعملا وقضيا من أجلها ومن أجل وحدة الشعب والأرض والقضية، ولربما أنه لو كتب لهما أن يعيشا أطول لما حدث ما حدث، ولما كان ما كان، ولما وصل الحال إلى ما وصل إليه، ولما فُرض على قطاع غزة أن يدير ظهره للضفة الغربية وقلبها مدينة القدس المباركة ويتباعد عنهما.
اقتصار حديثي على ستة فقط من القادة الرموز الكبار في مسيرة النضال والاستشهاد الفلسطينيين وفي مسيرة الوحدة الوطنية الفلسطينية لا يقلل أبداً من شأن وقيمة الشهداء الأبرار الآخرين. فكلهم شهداء القضية النبيلة، من أصغر طفل رضيع وامرأة وشيخ مسن حتى أكبر قائد فلسطيني، وكلهم تتمزق قلوبنا ألماً وحسرةً على فراقهم . فقوافل سبقت وأخرى تنتظر والعطاء مستمر. لكن "نيسانية" الموقف افترضت التوقف عند هؤلاء القادة للتدليل على فيض العطاء الفلسطيني، بانتظار وقفات أخرى قادمة.

إنه قدر فلسطين وشعبها أن يُلازمهما على الدوام حصادٌ دموي"نيسانيٌ" يعقبه حصاد بعد حصاد. مسلسل من الحصاد الدموي المستمر والمتواصل. فالإرهاب الصهيوني بشتى أشكاله وصوره الهمجية والمقززة مستمر ومتواصل، وشلال العطاء الفلسطيني من أجل الأرض والإنسان والقضية بشتى أشكاله وصوره النبيلة والمشرفة مستمر ومتواصل بغزارة هو الآخر. ولنا في كل يوم وأحياناً كثيرة في كل ساعة أو لحظة شهيد بل عشرات الشهداء، و"موسوعة الشهادة والاستشهاد" التي استوجبتها النكبة الكبرى لتخليد الدم الفلسطيني الطاهر تبقى مشرعة الأبواب ومفرودة الصفحات لاستقبال سير جديدة لكواكب من الشهداء الجدد ينضمون إلى إخوان ورفاق لهم سبقوهم إلى شرف الشهادة، إلى أن تتم العودة ويتحقق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة ويعترف العالم كله بالمدينة المقدسة عاصمة لها.

رحم الله شهداء فلسطين والأمتين العربية والإسلامية.

حديثي عن الشهداء والشهادة والاستشهاد يتواصل، طالما أن العطاء الفلسطيني متواصل في مواجهة الإرهاب الصهيوني الذي لا يتوقف، والذي لن يتوقف إلا باستئناف الكفاح المسلح واستئصال الاحتلال واستعادة الأرض والحقوق كاملة ان شاء الله.



الإرهاب الصهيوني وارتكاب المجازر والمذابح في نيسان

من المعروف أن الإرهاب الصهيوني قد اتخذ منذ حدوث النكبة في عام 1948، ولربما منذ المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897، وحتى يومنا هذا أشكالاً ووجوهاً متعددة ومختلفة سعياً لتحقيق أهدافه، فمن شن الحروب العدوانية الإجرامية الخاطفة إلى ممارسة عمليات الاغتيال والتصفيات الجسدية وارتكاب المجازر والمذابح والإبادات الجماعية وممارسة عمليات الاغتيال والتصفيات الجسدية التي باتت أوسمة عار سوداء تُزين صدور الإرهابيين من قادة الكيان الصهيوني في تل أبيب كلّما شنّوا عدواناً أو مارسوا إرهاباً ضد الفلسطينيين والعرب في هذا البلد أو ذاك.

ولربما أنه كان لأيام الشهور النيسانية النصيب الأوفر من ذكريات الألم والوجع والدم الفلسطيني، بسبب ما ارتكبه جيش الحرب "الإسرائلي" وعصابات المستوطنين من مجازر ومذابح واغتيالات يندى لها ضمير الإنسانية في هذه الشهور، بإيعاز من قادة كيان العدو الصهيوني ودعم من الولايات المتحدة زعيمة الاستعمار العالمي الجديد وحلفائها في الغرب والشرق.

في ما يلي أبرز أبرز المذابح والمجازر التي ارتكبها الصهاينة الأشرار خلال الشهور النيسانية، في إطار مسلسل الإرهاب الصهيوني المتواصل ضد الفلسطينيين والعرب:



مجزرة قرية اللجون

كان عدد سكان قرية اللجون عام 1940 لا يتجاوز 1103 شخصاً، وعام 1937 كان فيها 162 منزلا، وست طواحين للحبوب، وسبعة باصات ومدرسة واحدة بلغ عدد طلابها 83 طالبا. وتقع القرية على الطرف الجنوبي الغربي من مرج ابن عامر.

في عام 1937 حاولت العصابات الصهيونية اقتحام قرية اللجون أكثر من مرة لكنها فشلت، وفي 13 نيسان 1948، هاجمت عصابة "الهاجاناة" الإرهابية الصهيونية القرية، قرب مدينة جنين فقتلت 13 شخصاً من أهلها.



مجزرة دير ياسين

حاول بعض المؤرخين الصهاينة التقليل من أهمية وحجم المجازر الصهيونية التي ارتكبت؛ فاعترفوا بمجزرة دير ياسين وبعض المجازر الصغيرة، ليحصروا جرائمهم فقط بدير ياسين ويغطوا على عشرات الجرائم التي ارتكبت وما زالت ترتكب بحق الشعب الفلسطيني. فدير ياسين قرية عربية فلسطينية تبعد حوالي 6 كم للغرب عن مدينة القدس، وعدد سكانها عام 1948 كان 750 نسمة، وعدد منازلها 144 منزلا. في عام 1943 كان فيها مدرسة للبنات وأخرى للذكور.

في عملية مفاجئة بدأت قوات العصابات الصهيونية "اتسل والأرغون والهاجاناه" ليلة 9 نيسان 1948 مزودة بالاستراتيجية الإرهابية الصهيونية القائمة على قتل المدنيين لتحقيق أمانيهم، بالتسلل إلى القرية بهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وذلك بذبح سكان القرية وتدمير منازلها وحرقها على سكانها وهم في غفلة من ذلك، ولم ينج من تلك المذبحة الإرهابية البشعة إلا القليل من السكان ليصفوا للعالم بأسره مدى الهمجية التي وصلت لها الصهيونية، فقد بدأ الهجوم والأطفال نيام في أحضان أمهاتهم وآبائهم، وقاتل العرب كما يقول مناحيم بيغن في حديثه عن المذبحة، دفاعاً عن بيوتهم ونسائهم وأطفالهم بقوة، فكان القتال يدور من بيت إلى بيت، وكان اليهود كلما احتلوا بيتاً فجروه، ثم وجهوا نداء للسكان بوجوب الهروب أو ملاقاة الموت، وصدق الناس النداء فخرجوا مذعورين يطلبون النجاة لأطفالهم ونسائهم، فما كان من عصابات شتيرن والأرغون إلا أن سارعت، بحصد من وقع في مرمى أسلحتهم، وبعد ذلك أخذ الإرهابيون يلقون القنابل داخل البيوت ليدمروها على من فيها، في صورة همجية قل ما شهدت مثلها البشرية إلا من حثالات البشر، وكانت الأوامر تقضي بتدمير كل بيت، وسار خلف المتفجرات إرهابيو الأرغون وشتيرن فقتلوا كل من وجدوه حياً، واستمر التفجير بهذه الهمجية حتى ساعات الظهر من يوم 10 نيسان 1948، ثم جمعوا من بقي على قيد الحياة من المدنيين وأوقفوهم بجانب الجدران والزوايا وأطلقوا النار عليهم، وأخرجوا من داخل المنازل نحو 25 رجلاً، نقلوهم في سيارة شحن، واقتادوهم في جولة انتصار، في حي محانيه يهودا وزخرون يوسف، وفي نهاية الجولة، أحضروهم إلى مقلع للحجارة يقع بين تحوعات شاؤول ودير ياسين، وأطلقوا الرصاص عليهم بدم بارد، ثم أصعد "محاربو" اتسل وليحي النساء والأطفال، الذين قدر لهم أن يبقوا على قيد الحياة إلى سيارة شحن ونقلوهم إلى بوابة مندلباوم، ثم جاءت وحدة من الهاجاناه، فحفرت قبراً جماعياً دفنت فيه 250 جثة أكثرهم من النساء والأطفال والشيوخ .

ووصفت إحدى الناجيات من تلك المجزرة، واسمها حليمة عيد، ما حدث لأختها فقالت إنها "شاهدت جندياً يمسك بشقيقتها صالحة الحامل في شهرها التاسع وهو يصوب رشاشه إلى عنقها ثم يفرغ رصاصة في جسدها، ثم يتحول إلى جزار فيمسك سكيناً ويشق بطنها ليخرج الطفل مذبوحاً. وفي موقع آخر من القرية شاهدت الفتاة حنة خليل رجلاً يستل سكيناً كبيرة ويشق بها جسم جارتها جميلة حبش من الرأس إلى القدم، ثم يقتل بالطريقة ذاتها على عتبة المنزل جارها فتحي. كما وصفت صفية، وهي امرأة في الأربعين، كيف فوجئت برجل يفتح سرواله وينقض عليها فقالت: "رحت أصرخ وأولول، وحولي النساء يُكرهن على مصيري ذاته، وبعد ذلك، انتزعوا ثيابنا وجردونا منها ليلامسوا نهودنا وأجسامنا بحركات لا توصف وقد عمد بعض الجنود إلى قطع آذان النساء للاستيلاء على بعض الحلي الصغيرة".

وبعد تسرب أخبار المجزرة حاولت بعثة من الصليب الأحمر زيارة القرية، فلم يسمح لها بزيارة الموقع إلا بعد يوم من طلبها، وحاول الصهاينة أن يخفوا آثار جريمتهم، فجمعوا ما استطاعوا جمعه من أشلاء الضحايا وألقوها في بئر القرية وأقفلوا باب البئر، وحاولوا تغيير معالم المكان، حتى لا يعثر عليه مندوب الصليب الأحمر، لكنه استطاع معرفة مكان البشر ووجد فيه 150 جثة مشوهة، لنساء وأطفال وشيوخ، وفضلاً عن الجثث التي وجدت في البئر دفنت عشرات الجثث في قبور جماعية في حين بقيت عشرات أخرى مبعثرة في زوايا الطرقات وخرائب البيوت.

ـ ذكر رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق الإرهابي مناحم بيجين في كتابه "الثورة" أن الاستيلاء على دير ياسين "كان جزءاً من خطة أكبر، وأن العملية تمت بكامل علم الهاجاناه وبموافقة قائدها، وأن الاستيلاء على دير ياسين والتمسك بها يُعَد إحدى مراحل المخطط العام رغم الغضب العلني الذي عبَّر عنه المسؤولون في الوكالة اليهودية والمتحدثون الصهاينة".

ـ ذكرت "موسوعة الصهيونية وإسرائيل" التي حررها العالم الصهيوني روفائيل باتاي أن لجنة العمل الصهيونية "اللجنة التنفيذية الصهيونية" وافقت في آذار من عام 1948 على "ترتيبات مؤقتة، يتأكد بمقتضاها الوجود المستقل للإرجون، ولكنها جعلت كل خطط الإرجون خاضعة للموافقة المسبقة من جانب قيادة الهاجاناه".

ـ كانت الهاجاناه وقائدها في القدس ديفيد شالتيل يعمل على فرض سيطرته على كل من الإرجون وشتيرن، فلما أدركتا خطة شالتيل قررتا التعاون معاً في الهجوم على دير ياسين. فأرسل شالتيل رسالة إليهما تؤكد لهما الدعم السياسي والمعنوي في 7 نيسان، أي قبل وقوع المذبحة بيومين، جاء فيها: "بلغني أنكم تخططون لهجوم على دير ياسين. أود أن ألفت انتباهكم إلى أن دير ياسين ليست إلا خطوة في خططنا الشاملة. ليس لدي أي اعتراض على قيامكم بهذه المهمة، بشرط أن تجهِّزوا قوة كافية للبقاء في القرية بعد احتلالها، لئلا تحتلها قوى معادية وتهدِّد خططنا".

ـ جاء في إحدى النشرات الإعلامية التي أصدرتها وزارة الخارجية الصهيونية أن ما وصف بأنه "المعركة من أجل دير ياسين" كان جزءاً لا يتجزأ من "المعركة من أجل القدس"!!



مجزرة قرية قالونيا

كانت قرية قالونيا تقع على الطريق العام للقدس – يافا وتبعد عن الأولى 7 كلم. في عام 1931 بلغ عدد سكانها 632 نسمة، وكان عدد منازلها 156منزلاً، وكان فيها مسجد ومدرسة ابتدائية. في عام 1945 كانت أراضيها مقسمة كالتالي، 846 دونمًا مخصصة للحبوب و1022 دونمًا من البساتين والأراضي المروية و200 دونم مزروعة بأشجار الزيتون.

في 12 نيسان 1948هاجمت قوة من "البالماخ" الإرهابية قرية قالونيا، وقضت يومين في نسف بيوتها الحجرية. قال اليهودي الانجليزي هاري ليفين الذي رافق قوة البلماح أثناء مهاجمة القرية أنها "كانت تبدو كبركان ثائر، قصف مدفعي وإطلاق نار عشوائي كان يأتي من كل حدب وصوب"، وأنه أحصى 14 جثة، إلا أن "عدد القتلى كان أكبر من ذلك بكثير".



مذبحة ناصر الدين

في عام 1931 كان عدد منازل قرية ناصر الدين 35 منزلًا، وفي عام 1945 بلغ عدد سكانها 90 مواطنا فقط. تقع القرية على تلة تشرف على بحيرة طبريا، واشتهر سكانها بتربية الماشية وزراعة الحبوب على مساحة وصلت 4172 دونمًا. قصد الصهاينة من وراء تدميرها إشاعة الرعب لدى سكان مدينة صفد والقرى المجاورة، فكانت اول قرى قضاء صفد تتعرض للتدمير.

في 14 نيسان 1948 اشتدت حدة القتال في مدينة طبربة بين العرب والصهاينة، وكان التفوق في الرجال والمعدات في جانب الصهاينة منذ البداية. وجرت محاولات لنجدة مجاهدي طبرية من مدينة الناصرة وما جاورها. وجاءت أنباء إلى أبناء البلدة عن هذه النجدة وطُلب منهم التنبه وعدم فتح النيران عليها. ولكن هذه الأنباء تسربت إلى العدو الصهيوني الذي سيطر على مداخل مدينة طبرية فأرسلت منظمتا "ليحي والإرجون" في الليلة المذكورة قوة إلى قرية ناصر الدين تنكر أفرادها بالملابس العربية، فاعتقد الأهالي أنهم أفراد النجدة القادمة إلى طبرية فاستقبلوهم بالترحاب، وعندما دخل الصهاينة القرية فتحوا نيران أسلحتهم على مستقبليهم، ولم ينج من المذبحة سوى أربعين من سكان القرية ال 90 استطاعوا الفرار إلى قرية مجاورة. وقد دمر الصهاينة بعد هذه المذبحة جميع منازل ناصر الدين.



مذبحة تل لتفنسكي

تل لتفنسكي كان معسكراً سابقاً للجيش البريطاني، وبعد اخلائه سكنته بعض العائلات الفلسطينية التي هربت من قراها إلى يافا، بحكم وجود المعسكر في قضاء المدينة ووقوعه بين قريتي العباسية وسلمة. في 16 نيسان 1948 قامت عصابات صهيونية مسلحة بمهاجمة المعسكر، وأطلق أفرادها النيران على ساكنيه، فقتلوا نحو 90 منهم معظمهم من النساء والأطفال.



مجزرة طبريا

بتاريخ 19 نيسان 1948 نسفت العصابات الإرهابية الصهيونية أحد منازل مدينة طبريا، فقتلت 14 شخصاً من سكانها كانوا يختبئون في ذلك المنزل.



مجزرة مدينة حيفا

بتاريخ 22 نيسان 1948هاجم الغزاة الصهاينة، بعد منتصف الليل، مدينة حيفا، قادمين من هادار الكرمل "الحي اليهودي في أعالي جبل الكرمل"، فاحتلوا البيوت والشوارع والمباني العامة، وقتلوا 50 فلسطينياً وجرحوا 200 آخرين. وقد فوجئ سكان المدينة فاخرجوا نساءهم وأطفالهم إلى منطقة الميناء لنقلهم إلى مدينة عكا، وأثناء هربهم هاجمتهم المواقع الصهيونية الأمامية فاستشهد 100 شخص من المدنيين، وجرح 200 آخرون.



مجزرة القدس

ارتكبها الصهاينة في 22 نيسان 1953 واشتشهد فيها 10 مدنيين فلسطينيين.



مذبحة غزة الثانية

للتذكير، حصلت مذبحة غزة الأولى مساء 28 شباط 1955.

مساء يوم الخميس 5 نيسان من العام التالي 1956 قام جيش الحرب الصهيوني بإطلاق النار من مدافع مورتر عيار 120 ملم على مدينة غزة، وقد ركز القصف على وسط المدينة المكتظ بالسكان المدنيين الذين كانوا يمارسون أعمالهم المعتادة، وقد تركز القصف على شارع المختار وميدان فلسطين والشوارع المجاورة ومنطقة الشجاعية. وقد قتل نتيجة تلك المجزرة الإرهابية التي اقترفتها عصابات الجيش بحق الشعب الفلسطيني 56 وجرح 103 أشخاص بين رجل وامرأة وطفل، وقد توفي في وقت لاحق بعض الجرحى فارتفع رقم القتلى إلى 60 قتيلاً من المدنيين، منهم 27 سيدة و29 رجلاً و4 أطفال.

مذبحة بحر البقر "مصر"

وقعت هذه المذبحة في 8 نيسان 1970 بتأثير وجع حرب الاستنزاف داخل كيان العدو الصهيوني، حيث قامت طائراته القاذفة في ذلك اليوم بالهجوم على مدرسة صغيرة لأطفال الفلاحين في قرية بحر البقر، إحدى القرى التي تقع على أطراف محافظة الشرقية في جمهورية مصر العربية، وأمطرتها بالقذائف لمدة زادت على عشر دقائق متواصلة وراح ضحيتها 19 طفلاً وجُرح أكثر من 60 آخرين. تجدر الإشارة إلى أن القرية كانت خاوية من أية أهداف عسكرية.



مذبحة قانا "لبنان"

لم تقتصر عمليات التطهير العرقي التي قام بها جيش الحرب الصهيوني خلال سنوات الاحتلال على المدنيين الفلسطينيين فحسب، وإنما تعدتهم لتشمل المدنيين اللبنانيين الأبرياء. ففي 18 نيسان 1996 وفي سياق عملية عسكرية همجية كبيرة حملت اسم "عناقيد الغضب"، بدأت يوم 11 من ذلك الشهر واستمرت حتى 27 منه، حين انتهت بقرار أممي أوقف بموجبه إطلاق النار، ارتكب هذا الجيش الهمجي العديد من المذابح والمجازر كان أبرزها مذبحة "قانا" التي كانت الأكثر دموية.

كانت عملية "عناقيد الغضب" الرابعة من نوعها لهذا الجيش تجاه لبنان، بعد اجتياح 1978 وغزو 1982، واجتياح 1993، واستهدفت 159 بلدة وقرية في الجنوب والبقاع الغربي. رمت "عناقيد الغضب" إلى ثلاثة أهداف أساسية غير تلك التي أعلنها القادة والزعماء الرسميون والإعلاميون في كيان العدو وهي، الحد من عملية تآكل هيبة الجيش الصهيوني، ومحاولة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه وتقييد نشاطه من خلال الضغط إلى الدرجة القصوى على القيادتين اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف، ورفع معنويات عملاء كيان العدو في جيش لبنان الجنوبي الذي كان جنده وقادته يعيشون حالة من الرعب والقلق والارتباك والخوف على المصير المتوقع بعد الوصول لتسوية نهائية للوضع في لبنان. وكانت القيادات الرئيسية في كيان العدو قد أعلنت أن الهدف من وراء هذه العملية هو أمن مستعمرات الشمال وأمن الجنود الصهاينة في الحزام المحتل في جنوب لبنان، إلا أن المراقبين رصدوا في حينه تصريحات لرئيس الحكومة الصهيونية شيمون بيريز ووزيري الحرب والخارجية فيها أشارت للأهداف الثلاثة التي ذكرناها، ولا يمكن تجاهل اقتراب موعد الانتخابات العامة في تل أبيب ورغبة بيريز آنذاك في استعراض سطوته وجبروته أمام الناخبين الصهاينة حتى يواجه الانتقادات التي وجهها له المتشددون داخل الكيان، بعد الخطوات التي قطعها في سبيل تحقيق قدر يسير من التفاهم مع العرب.

فمنذ تفاهم تموز 1993 الذي تم التوصل إليه في أعقاب اجتياح 1993 المعروف بعملية تصفية الحسابات، التزم الطرفان اللبناني والصهيوني بعدم التعرض للمدنيين، والتزم الجانب اللبناني بهذا التفاهم وانصرف عن مهاجمة شمال كيان العدو إلى محاولة تطهير جنوب لبنان من القوات التي احتلته في غزو 1982 الذي عُرف بعملية تأمين الجليل. ومع تزايد قوة وجرأة حزب الله في مقاومة القوات المحتلة لجنوب لبنان أصيب الكيان بحالة من الفزع وشرع في خرق التفاهم ومهاجمة المدنيين قبل العسكريين في عمليات محدودة إلى أن فَقَد قادته أعصابهم، الأمر الذي ترجمه شيمون بيريز إلى عملية عسكرية، حاول أن يسترد من خلالها هيبة جيشه الذي تحطَّم على صخرة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، ويستعيد الوجه العسكري لحزب العمل بعد أن فَقَد الجنرال السابق اسحق رابين باغتياله. ومما يُعَد دلالة في وصف سلوك الصهاينة بالهلع، كان حجم الذخيرة التي استخمت مقارنةً بضآلة القطاع المُستهدَف. فرغم صغر حجم القطاع المُستهدَف عسكرياً وهو جنوب لبنان والبقاع الغربي إلا أن طائرات جيش الحرب الصهيوني قامت بحوالي 1500 طلعة جوية وتم إطلاق أكثر من 32 ألف قذيفة، أي أن المعدل اليومي لاستخدام قوات الاحتلال كان 89 طلعة جوية، و1882 قذيفة مدفعية. وقد تدفَّق المهاجرون اللبنانيون على مقار قوات الأمم المتحدة المتواجدة بالجنوب ومنها مقر الكتيبة الفيجية في بلدة قانا، فقامت القوات القوات الصهيونية المجرمة بقذف الموقع الذي كان يضم 800 لبنانياً إلى جانب قيامها بمجارز أخرى في الوقت نفسه في بلدة النبطية ومجدل زون وسحمر وجبل لبنان. وأسفرت هذه العملية عن مقتل 250 لبنانياً منهم 110 لبنانيين في قانا وحدها، بالإضافة للعسكريين اللبنانيين والسوريين وعدد من شهداء حزب الله. كما بلغ عدد الجرحى الإجمالي 368 جريحاً، بينهم 359 مدنياً، وتيتَّم في هذه المجزرة أكثر من 60 طفلاً قاصراً. وبعد قصف قانا سرعان ما تحوَّل هذا إلفعل الصهيوني الإجرامي إلى فضيحة كبرى عُريت فيها "دولة" البغي والعدوان أمام العالم، فسارعت بالإعلان زوراً وبهتاناً "أن قصف الموقع تم عن طريق الخطأ". ولكن الأدلة على كذبها تواترت تباعاً، وتجسد أبرزها بفيلم فيديو تم تصويره للموقع والمنطقة المحيطة به أثناء القصف، ظهرت فيه طائرة استطلاع صهيونية بدون طيار كانت تحلق فوق الموقع تأكد أنها استُخدمت في توجيه المدفعية الصهيونية التي قصفته، بالإضافة لما أعلنه شهود العيان من العاملين في الأمم المتحدة من أنهم شاهدوا طائرتين مروحيتين بالقرب من الموقع المنكوب.

ومن جانبه اعترف رئيس وزراء كيان العدو شيمون بيريز بالجريمة في قوله "إنها فضيحة أن يكون هناك 800 مدني يقبعون أسفل سقف من الصاج ولا تبلغنا الأمم المتحدة بذلك". وجاء الرد سريعاً وواضحاً، إذ أعلن مسؤولو الأمم المتحدة أنهم أخبروا المسؤولين الصهاينة مراراً بوجود تسعة آلاف لاجئ مدني يحتمون بمواقع تابعة للأمم المتحدة. كما أعلنوا للعالم أجمع أن قوات الاحتلال وجهت نيرانها للقوات الدولية ولمنشآت الأمم المتحدة 242 مرة في تلك الفترة، وأنهم نبَّهوا تلك القوات إلى اعتدائهم على موقـع القوات الدولية في قانا أثناء القصف ولقد أكد تقرير الأمم المتحدة مسؤولية حكومة شيمون بيريز وجيشه عن هذه المذبحة البربرية المتعمدة. ورغم الضغوط الأمريكية والصهيونية التي مورست على الدكتور بطرس بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة آنذاك لإجباره على التستر على مضمون هذا التقرير فإن غالي كشف عن جوانب فيه، وهو الأمر الذي قيل إنه كان من بين أسباب إصرار واشنطن على حرمانه من الاستمرار في موقعه الدولي لفترة ثانية. وفي عام 1997 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً دعا كيان العدو الصهيوني إلى دفع تعويضات لضحايا المذبحة، لكن قادته امتنعوا عن ذلك.

وقد اكتسبت مذبحة قانا 1996 أهمية خاصة لأنها كشفت كذب ادعاء حكومة ائتلاف العمل الصهيوني بما روجته عن سعيها للسلام مع العرب وزيف دعوة شيمون بيريز لفكرة السوق الشرق أوسطية. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن بيريز رغم قيامه بعملية عناقيد الغضب وارتكاب جيشة "مذبحة قانا" الرهيبة إلا أن العملية فشلت في تحقيق أي من أغراضها المباشرة أو غير المباشرة، فلم تستطع القضاء على المقاومة وها هي تزداد يوماً بعد يوم قوة فوق قوة وتشكل قوة ردع يُحسب لها ألف حساب، في حين ذهب بيريز إلى الجحيم.



مخيم جنين...من الملحمة إلى المجزرة

بعد عشرين عاماً على مذبحة صبرا وشاتيلا، وخمسين عاماً على مذبحة قبية، ارتكب الجزار نفسه، والقاتل نفسه مذبحة في مخيم جنين. حدثت المجزرة بين 2 و14 نيسان 2002 وقال عنها في حينه مندوب الأمين العام للأمم المتحدة تيري لارسن أنها تفوق الوصف من حيث بشاعتها. نعم، لقد فاقت تلك الجريمة النكراء كل ما هو مألوف لدى البشر.

بدأت عملية الاقتحام الفعلي لمخيم جنين، فجر يوم 2 نيسان 2002، وحشد جيش الاحتلال أكثر من 20 ألفاً من قوات الاحتياط وأكثر من 400 دبابة وناقلة جند ومجنزرة، بالإضافة إلى الدعم والقصف الجوى، واستخدام شتى أنواع المدفعية والصواريخ، وكما عُرف بالمقابل فقد اشتدت المقاومة، وتحولت إلى حرب ضروس تعرض خلالها لواء "جولاني"، الذي كان يقود عمليات الاقتحام، إلى خسائر فادحة أدت إلى اتخاذ رئيس الأركان الصهيوني في حينه شاؤول موفاز، قرارًا بعزل قائد اللواء العسكري المكلف بالمهمة العقيد يونيل ستريك، وتعيين نائبه المقدم ديدي بدلا منه، وتجرع القائد الجديد مرارة الفشل، فقام الجزار المقبور أرئيل شارون بتكليف رئيس الأركان نفسه، بقيادة العمليات العسكرية ضد المخيم، وهو أمر له دلالة كبيرة على مدى شراسة المقاومة، ومدى الصعوبة التي واجهها جيش الحرب الصهيوني وقيادته.

فقد أكدت المقاومة الفلسطينية بأنها لن تسمح باحتلال المخيم إلا فوق جثث أفرادها وأنها، لن تنسحب، رغم علمها بنية قوات الاحتلال باقتحام المخيم. وبالفعل عجز هذا الجيش المجرم عن اقتحام المخيم لمدة ثمانية أيام كاملة، واضطر إلى تكثيف القصف الجوى، بالقنابل والصواريخ لتدمير المنازل ودفن السكان تحت الأنقاض، وسيلة للتغلب على المقاومة الباسلة. 

ورغم كل آلة الحرب والدمار، حول الفلسطينيون المخيم إلى ساحة حرب حقيقية، وملعبًا للبطولة الفذة النادرة، وقاموا ببراعة ومهارة، بتحويل المخيم إلى مصنع كبير لإنتاج العبوات الناسفة في الأزقة والمنازل وساحات المخيم، وقام الجميع بزرع العبوات في كل زاوية، وعلى كل مدخل أو زقاق، ووصل الأمر إلى زرع العبوات المتفجرة على أعمدة الكهرباء وفى السيارات، وتلغيم بيوت كاملة كان يتوقع دخول الجنود الصهاينة إليها، مثل، بيت الشهيد محمود طوالبة الذي قتل فيه جنديان وجرح خمسة آخرون.

ووصف الصحفي الفرنسي في جريدة "لوماتينيه" بيار بابا رنسي ما حدث في جنين لوكالة أنباء "فرانس برس" قائلاً: "قام جنود الاحتلال بحفر فجوة واسعة بوسط المخيم، يوم 14 نيسان 2002، لدفن عدد غير قليل من جثث الضحايا الفلسطينيين، وقال أن "وسط المخيم بات يشبه برلين عام 1945 نظراً لحجم التدمير الفظيع".

وأضاف بيار بابا رنسي: "شممت رائحة الجثث، وشاهدت أكواماً من النفايات والحشرات وظروفاً صحية مريعة وأطفالاً متسخين ونساء يصرخن وهن يحملن أطفالهن، ونقصاً في مياه الشرب، وانقطاعاً للأغذية والحليب الضروري للأطفال، ورأيت في مبنيين مختلفين جثثاً محترقة بالكامل، وجثتين تحت الركام والأنقاض، وتم العثور على 14 جثة تحت أنقاض أحد المنازل".

بنتيجة تلك المذبحة أزيل المخيم بالكامل عن الوجود، ووقع ضحيتها أكثر من 500 شهيد من الأطفال والنساء والشيوخ، وبقي الكثير منهم تحت أنقاض المباني المهدمة، وأكثر من 100 من المدنيين أعدموا دون محاكمة في أزقة المخيم، وعشرات الجرحى استشهدوا بعد أن تُركوا ينزفون حتى الرمق الأخير دون أن يتمكن أحد من تقديم العلاج لهم، وعائلات بأكملها، من أطفال ونساء ورجال وشيوخ ومرضى، أبيدت بالكامل، ومئات من جثث الشهداء دفنت في مقابر جماعية سرية حتى يتم إخفاء معالم الجريمة، وعشرات الجثث سحقت بجنازير الدبابات، وأطفال ماتوا لأنهم لم يجدوا الحليب خلال عشرة أيام من محاصرة المخيم.

كان جيش الحرب الصهيوني قد شرع في 29 آذار 2002، إي قبل 4 أيام من بدء المذبحة، بحملة عسكرية احتل فيها العديد من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وبعد أسبوعين من حصار مخيم جنين واندلاع قتال عنيف بين المقاومين الفلسطينيين والقوات الصهيونية التي قادها رئيس الأركان شاؤول موفاز في ظل حكومة المجرم أرييل شارون، لم يعد من سبيل أمام تلك القوات للقضاء على المقاومة سوى هدم المخيم على رؤوس ساكنيه ونفاد ذخيرة المقاومين الفلسطينيين، وعندها باشرت تلك القوات حملة إعدامات مكثفة في صفوف هؤلاء الفلسطينيين، وقد ترافقت حملة الإعدامات تلك مع جهد دؤوب من قبل الجرافات بإزالة المخيم من الوجود.
قتل في الهجوم 23 جنديا صهيونياً واصيب العشرات منهم، بعضهم وقع في كمائن للمقاومة التي شكلت وحدة عمليات مشتركة حيث خاض مقاتلو كافة الفصائل الوطنية والاسلامية المعركة موحدين . ويتذكر اهالي المخيم انه ورغم نداءات الجيش لهم بالاستسلام قررت قيادة المقاومة من كتائب شهداء الاقصى وسرايا القدس وكتائب القسام وعناصر الامن الوطني، الذين كان يقودهم الشهيد ابو جندل، ومن الجبهة الشعبية مواصلة المعركة خاصة بعد سقوط عدد من قادة المعركة رافضين تسليم اسلحتهم والاستسلام .
وحسب شهود عيان فقد حفر جنود الاحتلال حفرا عميقة وضعوا فيها جثث الشهداء الفلسطينيين، بعد منع محكمة العدل في الكيان الصهيوني جيش الاحتلال من التصريح بذلك.

أكد شهود عيان أن شاحنات تابعة لقوات الاحتلال شوهدت وهي تدخل المخيم وتخرج منه، وهي محملة بجثث الشهداء ومتجهة إلى جهة مجهولة. وأفاد بعضهم فيما بعد أن تلك الشاحنات اتجهت إلى منطقة الغور ودفنت الجثث في قبور جماعية. وأظهرت الصور التلفزيونية جثثاً متفحمة وأخرى متعفنة تحت الأنقاض، وقيام الصهاينة بإعدام ميداني للعديد من المدنيين والمسلحين بعد نفاذ ذخيرتهم.‏

أعلنت السلطة الفلسطينية أن جيش الحرب الصهيوني المجرم قام بدفن الشهداء في مقابر جماعية في محاولة يائسة لإخفاء معالم المجزرة. وأكدت أن دباباته وطائراته وجرافاته قامت بهدم منازل المخيم واحداً بعد الآخر على رؤوس من تبقى من الأهالي، ونسفت الجوامع والمساجد والمستوصفات وجميع المؤسسات المدنية وأتت على البشر والشجر والحجر وكل شيء في المخيم.

اكتملت الدراسة

مصادر المجازر:

1 – الموسوعة الفلسطينية

2– مؤسسة الدراسات الفلسطينية

3– مركز المعلومات الوطني الفلسطيني – وفا

4 – ملحمة جنين (كتاب القدس)

5 – من مقالاتي السابقة حول المجازر الصهيونية

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر