الراصد القديم

2016/08/04

الارهاب في فرنسا نتاج "الدولة الاسلامية" أم من مخلفات الاستعمار الفرنسي

ميشيل حنا الحاج

تشهد فرنسا من بين الدول الأوروبية الأخرى، النسبة الأعلى من العمليات الارهابية. فدول أخرى كثيرة في تلك القارة، لم تواجه قط (أو بعد) بأي أعمال ارهابية مهما كان حجمها، ومنها سويسرا والنمسا والبرتغال ولوكسمبرج وايطاليا واسبانيا ودول أوروبية أخرى. والبعض الآخر عانى من بعض تلك العمليات، ولكن لمرة واحدة لم تتكرر، كما حدث في بلجيكا في 22 آذار (مارس) 2016، ومرة في الدانمارك في14 شباط 2015، عندما هوجم أحد المقاهي في كوبنهاجن، وفي 16 شباط 2015 عندما تم اغتيال أحد حراس معبد يهودي من قبل مسلحين مجهولين. وكانت ماسادونيا، وهي احدى الدول التي أفرزتها عملية تفكيك يوغوسلافيا الى عدة دول، قد واجهت أكثر من هجمة مسلحة ومنها واحد في 21 نيسان، وأخرى في 9 أيار 2015. ومثلها البوسنة التي شهدت عمليات مشابهة أبرزها في 27 نيسان 2015. الا أنها جميعها، سواء في البوسنة أوماسادونيا، لم تكن على الأرجح نتاج مخططات نفذتها الدولة الاسلامية، بل جاءت افرازا لصراعات سياسية داخلية. ولم يخرج عن هذا النمط فيما شهدته الدول الأوروبية من أعمال ارهابية، غير المانيا التي ظلت هادئة مطمئنة، الى أن شهدت فجأة أربع عمليات كهذه في أسبوع واحد، وذلك خلال شهر تموز (يوليو) 2016.

ولكن الأمر لم يتوقف لدى تميز فرنسا بنسبة أعلى كثيرا من غيرها من الدول الأوروبية بعدد الهجمات الارهابية الني مورست على أراضيها، اذ تميزت أيضا بحجم الخسائر الكبيرة والعدد المرتقع من الضحايا، سواء كنتاج لعمليات الذئاب المنفردة أو غزوات الدولة الاسلامية الداعشية، كما حدث في الغزوة الداعشية التي ضربت باريس في تشرين ثاني 2015 في ثلاثة مواقع ومنها مسرح باتوكلان، حيث حصدت تلك العملية 130 ضحية وجرح مائتين أو أكثر. ومثلها عملية الدهس في نيس في 14 تموز، اذ أن هذه أيضا قد أدت الى مقتل 84 من المشاة على الأرصفة، كما تسببت بجرح أكثر من مائتين... وذلك خلافا لعدد الضحايا في عملية داعشية كبرى نفذت في بلجيكا في الثاني والعشرين من آذار 2016، والتي حصدت نسبة عالية من الضحايا بلغت 30 قتيلا. فمع أن رقم الضحايا كان عاليا قياسا بهجمات سابقة فيها، الا أنه ظل أقل كثيرا من عدد ضحايا هجمات باريس في العام الماضي، وهجمة نيس في هذا العام، خصوصا اذا أضفنا اليها الهجمة التي وقعت على مجلة تشارلي أبيدو في مطلع العام الماضي. وكانت بلجيكا قد شهدت في ايار 2014 هجمة على متحف يهودي أدى الى مقتل اربعة أشخاص، كما سيطر مسلح في 15 كانون أول 2014 على مقهى في مدينة غانت البلجيكية وحاول اخذ رهائن، لكن الشرطة البلجيكية استطاعت السيطرة عليه دون أن يلحق أي أذى برواد المقهى. ووقعت هجمة أخرى بالسلاح الأبيض في آب 2015، استهدفت ركاب قطار، فجرح المهاجم البعض، قبل أن يتمكن الركاب من السيطرة عليه. والمعلوم أن عدد البلجيكيين المتواجدين في سوريا للقتال الى جانب الدولة الاسلامية، يشكل العدد الأكبر بين مشاركي الدولة الاسلامية في عملياتها الجهادية، والقادمين من الدول الأوروبية. ولا يضاهيها في ذلك، الا المجاهدين الفرنسيين المتواجدين في صفوف داعش ويبلغ عددهم الفي مقاتل.

وفي الوقت الذي يلاحظ فيه أن ايطاليا، أقل الدول تعرضا لهجمات كهذه حتى الآن، فان اسبانيا كادت تتعرض لحوادث كهذه، لكن يقظة رجال الأمن الاسباني قد حالت دون ذلك ( حتى الآن). ففي 19 كانون أول 2014، حاول رجل اقتحام مركز الحزب الحاكم بسيارة مفخخة، لكن رجال الأمن حالوا دون ذلك واعتقلوه. وقد جرى ذلك بعد اربعة ايام من قيام رجال الأمن الاسبان، بالقاء القبض على سبعة مشتبه بهم، متهمين بتجنيد النساء لارسالهم الى سوريا، اما للمشاركة بالقتال أي الجهاد، او بجهاد من نوع آخر اسمه جهاد النكاح.

وازاء هذه المعلومات التي ترجح أن الجمهورية الفرنسية، هي أكثر الدول تعرضا للهجمات، واكثرها حصدا لعدد الضحايا، يضطر المرء للتوقف عند ذلك متسائلا عن السبب الكامن وراءه . هل وراءه ضعف في أجهزة الأمن الفرنسية، أم هناك أسباب أخرى.

الأسباب المباشرة للوضع الفرنسي المتميزعن الدول الأوروبية الأخرى:

1) أحد أهم الأسباب المباشرة لهذا التميز، أن الدولة الاسلامية المعروفة ببطشها ووحشية نهجها، وجدت في فرنسا الأرض الأكثر خصوبة من غيرها، لتنفيذ حاجتها بالحاق الضرر بالدول الأخرى، تأكيدا لبقائها قوية صامدة، خصوصا في اللحظات التي تعاني فيها من خسائر بشرية في صفوف مقاتليها، وخسائر جغرافية باضطرارها للتخلي عن مساحات من الأراضي التي تسيطر عليها.

2) الحجم السكاني للجاليات من أصل عربي أو اسلامي المقيمة في فرنسا، هي أكبر من حجم اولئك المقيمين في الدول الأوروبية الأخرى. وشريحتهم الواسعة تلك، تمكن الدولة الاسلامية من تجنيد بعضهم للقتال في صفوفها، أو لتنفيذ عمليات في الداخل الفرنسي، سواء نتيجة تخطيط مسبق مع البعض منهم الذين انضموا اليها كأعضاء في التنظيم، أو أولئك الذين لم ينضموا، لكنهم تأثروا بدعوتها وآمنوا بتجهاتها، فنشطوا من تلقاء أنفسهم، لتنفيذ عمليات بتخطيطهم الخاص وتمويلهم الخاص، والمعروفون باسم الذئاب المنفردة.

3) السبب المباشر لتواجد شريحة أوسع من الرعايا العرب أو المسلمين في فرنسا، والذين حمل الكثيرون منهم الجنسية الفرنسية، كان مرده الاستعمار الفرنسي لعدة دول عربية واسلامية، وخصوصا دول شمال أفريقيا كتونس والجزائر والمغرب، والذي في ظله شجعت العديد من رعايا تلك الدول المستعمرة فرنسيا، على الانتقال للاقامة في فرنسا، بل ومنحت الكثيرين منهم الجنسية الفرنسية، وخصوصا اولئك القادمين من الجزائر التي اعتبرتها فرنسا أرضا فرنسية على مدى 130 عاما. وساعد على ذلك أيضا قرب اراضي الشمال الأفريقي من البر الفرنسي الذي ساعدهم على الانتقال بيسر وسهولة الى فرنسا. فالجمهورية الفرنسية لم تستعمر سوريا مثلا، لكنها انتدبت لادارتها على مدى ربع قرن من الزمان، (ومثلها لبنان)، ومع ذلك لم تقع هجرة سورية كبرى الى فرنسا، ربما لبعد المسافة، أو نتيجة سعة الشعور القومي لدى السوريين الأكثر قربا جغرافيا من الدول العربية الأخرى. ووقعت حركة انتقال من الجانب اللبناني الى فرنسا، ولكنها ظلت محدودة، وتكاد تكون محصورة بين مسيحيي لبنان الذي اعتبروا فرنسا أمهم الرؤوم وحامية المسيحيين في لبنان. وهؤلاء لم يكونوا بكل تأكيد مهيئين للانضواء أو التعاون مع الدولة اسلامية.

اذن أحد الأسباب االمباشرة لزخم النشاط الارهابي في فرنسا عنه في دول أوروبية أخرى، هو الاستعمار الفرنسي للدول العربية وخصوصا دول شمال افريقيا. ففرنسا تدفع الآن ثمن استعمارها لتلك الدول، والذي تميز بكونه استعمارا جشعا سعى لضم أراض ولاجتذاب أيد عاملة رخيصة، فشجع الانتقال اليها مع تسهيلات في الاقامة والحصول على الجنسية.

ولكن فرنسا لم تكن هي الدولة المستعمرة الوحيدة في القرن الماضي. فبلجيكا قد استعمرت الكونغو وربما دولا افريقية أخرى. الا أنها لم تشجع كثيرا انتقال سكان المستعمرات اليها. وان حصل بعض من ذلك، فرعايا الدول المستعمرة أي بلجيكيا، لم يكونوا من المنتمين الى الطائفة الاسلامية، ولذا لم يكن من الممكن تجنيد أيا منهم من قبل الدولة الاسلامية.

واسبانيا لم تستعمر دولا عربية، بل كانت الدولة العربية والاسلامية، هي التي فتحت اسبانيا والأندلس وهيمنت عليها لعدة قرون في عهدي الخلفاء الأمويين والعباسيين. وهناك بعض الرعايا العرب الذين ما زالوا يقيمون في اسبانيا، ولكن عددهم محدود، والكثيرون منهم ينتمون للطائفة المسيحية مما جعلهم ممتنعين عن التعاون مع الدولة الاسلامية.

والأمر ذاته ينطبق على المانيا التي استعمرت بعض الدول الدول الأفريقية، ولكن أيا منها لم يكن من الدول العربية أو الاسلامية. وان تواجد الآن بعض المسلمين المقيمين في المانيا، فأولئك قد انتقلوا اليها لأسباب خاصة، كلجوء بعض الايرانيين اليها هربا من نظام الحكم الديني الذي سيطر على ايران منذ عام 1979، وبعض الأفغان هربا من الحرب الدامية في افغانستان، دون نفي أن بعضهم قد انتقل أيضا طلبا للعمل. اذ يوجد في المانيا نسبة عالية من العمال الأتراك الذي انتقلوا اليها، لا نتيجة استعمار المانيا لبلادهم، بل نتيجة حاجتهم للعمل وحاجة المانيا دائما لمزيد من الأيدي العاملة وخصوصا الرخيصة منها. وربما انتقل البعض اليها، خلال مرحلة التحالف العسكري الألماني التركي في الحرب العالمية الأولى. الا أن الأتراك المقيمين في المانيا، والذين ينتسبونلولة علمانية، ظلوا ممتنعين عن تعاون بعضهم مع الدولة الاسلامية. أما المانيا، فلعل احد الأسباب الكامنة وراء العمليات الارهابية الأربعة الأخيرة والمفاجئة، مرده اللجوء الانساني الكبير من قبل السوريين الى ألمانيا، حيث أن منفذي اثنين من تلك العمليات، كانا من القادمين الى ألمانيا كلاجئين.

أما ايطاليا، فقد استعمرت كفرنسا دولا عدة في افريقيا ومنها اريتريا والصومال وليبيا. بل وسيطرت لفترة ما على أجزاء من اُثيوبيا. لكن الجيش الأثيوبي الامبراطوري كان قويا، فلم تفلح بالبقاء طويلا في الدولة الأثيوبية. وذهبت ايطاليا الى حد ارتكاب الخطأ الذي ارتكبته فرنسا بالنسبة للجزائر. اذ قامت بضم أريتريا والصومال اليها وحولت سكانها الى مواطنين ايطاليين. ومع ذلك لم يؤد ذلك كما يبدو، الى تواجد شريحة كبيرة من سكان الدولتين على أراضيها. ومع ذلك هناك تواجد واضح احيانا لليبيين في بعض المناطق الايطالية. الا أنه رغم هذا التواجد الليبي على أراضيها، والذي عززه ومكن من نجاحه، كون الشواطىء الليبية لا تبعد الا مائتي كيلومترعن الشواطىء الايطالية، مما سهل كثيرا الانتقال من ليبيا الى ايطاليا وخصوصا بعد اشتعال حالة اللجوءالأخير اليها. ولكنه نشاط (أي الليبي في ايطاليا) قد لا يظل ساكنا لفترة طويلة، نظرا لتعزيز تواجد الدولة الاسلامية في ليبيا والتي بات لها خلال العام الماضي قواعد في سرت ودرنه وأجزاء من بنغازي. فالأرجح أن يزداد لاحقا تأثير الدولة الاسلامية على المواطنين الليبيين المتواجدين على الأراضي الايطالية، فتلحق ايطاليا بفرنسا من حيث تزايد العمليات الارهابية على أراضيها والتي لم يسجل بعد الكثير منها حتى الآن.

الأسباب الأخرى للنشاط الارهابي في فرنسا

لكن الاستعمار الفرنسي لم يكن هو السبب الوحيد لما يحدث حاليا في فرنسا. فقد كان هناك استعمار ايطالي ولم يؤد الى النتائج ذاتها في ايطاليا كما سبق وذكرت. والأدهى من ذلك، كان هناك استعمار بريطاني لعشرات الدول ومنها بعض الدول الشرق اوسطية بل والاسلامية كباكستان مثلا التي جاء منها العديد للعمل في بريطانيا وما زالوا يعملون فيها الى الآن، دون أن يتوجهوا نحو الدولة الاسلامية وارهابها. بل كانت الشمس في مرحلة ما، لا تغيب عن الامبراطورية البريطانية. ومع ذلك لم تحص بريطانيا عددا مماثلا من الاعمال الارهابية على اراضيها رغم وقوع بعضها، لكن بعدد أقل وضحايا أقل أيضا. وهذا قد يفيد بوجود أسباب اخرى لما جرى ويجري في فرنسا منذ ثلاث سنوات غير مخلفات استعمارها لبعض الدول العربية والاسلامية.

ولعل أحد أهم تلك الأسباب، ضعف الأجهزة الأمنية في فرنسا. اذ بات من المعلوم أن محمد بو هلال، التونسي المولد، المقيم في فرنسا، منفذ عملية نيس، كان معروفا لأجهزة الأمن الفرنسية، ولكن ليس لأجهزة الاستخبارات الفرنسية التي لم تشركها الأجهزة الأمنية بالمعلومات المتوفرة لديها عنه نظرا لضعف التنسيق بين الجهازين. فالرجل كان قد أوقف أكثر من مرة لارتكابه جرائم عادية ومنها السرقة. بل وصدر حكم عليه بالسجن لستة أشهر مع وقف التنفيذ. ولم تعلم اجهزة المخابرات الفرنسية بهذا الأمر، مما سهل عليه تنفيذ عمليته، بل والدخول بشاحنته الى شارع مخصص للمشاة فقط، مما يدل على ضعف آخر في أجهزة الشرطة الفرنسية التي تراقب الحركة في الشوارع، ويفترض بها ان تحول دون دخول شاحنة كبرى الى شارع مخصص للمشاة فحسب.

ومثل ذلك ايضا قضية الكاهن المسن الذي ذبح في الكنيسة بسانت اتيان، من قبل عادل كرميش، وهو شاب فرضت عليه بعد محاولاته المتعددة للذهاب الى سوريا للانضمام الى داعش، المراقبة الدائمة وعدم السماح له بمغادرة المنزل الا لساعات قليلة في اليوم، يبقى خلالها أيضا تحت مراقبة الاجهزة الامنية في حركته الحرة تلك، نظرا لتواجد سوار أمني في يده يساعد أجهزة الامن على تتبع حركته حتى خلال خروجه للتجول في مرحلة الساعات القليلة المسموح له فيها بالتجول، لكن تحت رقابتهم ومتابعتهم. فالشاب قد استطاع رغم ذلك، التهرب من رقابتهم، ليذهب الى الكنيسة مع رفيق له، فيسيطر على رهائن ويذبح كاهنا مسنا امام أعين أولئك الرهائن المذعورين.

بل وكانت العملية الكبرى التي نفذت في بلجيكا في هذا العام، من نتاج الاهمال الأمني الفرنسي أيضا. اذ كان المغربي صلاح عبد السلام، يتنقل بحرية بين فرنسا وبلجيكا ذات الحدود المشتركة، فيخطط وينفذ العملية الثلاثية في باريس في 15 تشرين الثاني وأبرزها في مسرح بارتكلان، ومن ثم عملية التفجيرين في مطار بروكسل ومحطة القطار في الثاني والعشرين من آذار 2016، أي بعد قرابة أربعة شهور من التحقيقات غير المجدية. كل ذلك نتيجة تأخر اكتشاف رجال الأمن الفرنسيين لدوره في العملية الثلاثية الباريسية. فلو اكتشفت صلته بها بشكل مبكر، لتمت الحيلولة دون تنفيذ العمليات اللاحقة في بروكسل.

الأمن اذن في بريطانيا وكذلك في ايطاليا، يبدوان أكثر دقة ونجاعة. والواقع أن ايطاليا لم تشهد الا بضع عمليات تفجير صغيرة وقعت في عام 2014، كان أهمها تفجير وقع في 24 كانون ثاني في موقع قريب من الفاتيكان بينما كان الرئيس الفرنسي وقداسة البابا يلتقيان، سبقه تفجير آخر وقع أيضا في روما قرب السفارة الفرنسية في 12 كانون الثاني. ولم تعرف أهداف التفجيرين أو من يقف وراءهما. ووقع تفجيران آخران نفذا في العاشر من حزيران وآخر في الأول من تموز. وكلاهما كانا قرب مقرات للحزب الدمقراطي، مما يرجح كون النزاعات الحزبية وراءهما. ووقعت ثلاثة تفجيرات في شهر كانون أول أكبرها كان في الحادي والعشرين منه، وكانت جميعها في محطات للقطار، ونفذتها جميعها مجموعة تحتج على استخدام القطارات السريعة لمخاطرها على الحياة. ولم يجد المراقبون علاقة واضحة بين كل هذه التفجيرات في عام 2014 وبين الدولة الاسلامية.

أما في بريطانيا، فقد نفذت عدةعمليات ارهابية خلال عام ،2014 ولكن المنفذين كانوا من الثوار الايرلانديين المناهضين لاتفاق السلام المعقود بين بريطانيا وال (IRA)، ولم يكن لها علاقة بالدولة الاسلامية.

وفي نيسان 2013 اعتقل رجال الأمن البريطانيين، أحد عشر مسلما كانوا يعدون لتفجيرات انتحارية. وفي الشهر ذاته قام طالب من أوكرانيا، بطعن مسلم اسمه محمد سليم من سكان برمنجهام.. حتى الموت، معترفا بأنه يريد اشعال حرب عنصرية ضد المسلمين. وكان الطالب ينتمي لمجموعة يمينية متطرفة. وكان الطالب المذكور، باعداد أكثر من قنبلة خطط لتفجيرها قرب جوامع أثناء صلاة الجمعة. وفي 22 أيار 2013 قتل جندي بريطاني في مدينة وولويتش، ونفذ الهجوم أثنان من الاسلاميين المتشددين اللذين حكم عليهما لاحقا بالسجن المؤبد.

ولم تقع حوادث ارهابية خلال عام 2014. لكن في 12 شباط 2015 أحبط رجال الأمن البريطانيين بالتعاون مع ال FBI محاولة لتسميم العديد من مواطني ليفربول مستخدما مادة Ricin التي كان "محمد عمار علي" يحاول شراءها من الولايات المتحدة. فأحبطت ال أف بي آي محاولته بتزويده ببودرة بيضاء عادية. وقد وجدت في شقته عدة ارانب اعترف بأنه كان ينوي اجراء تجارب المادة السامة عليها قبل استخدامها في تسميم العديد من سكان المدينة.

وفي السابع من تموز 2015 حكم بالسجن على "محمد الرحمن وسناء احمد خان" لحيازتهما لعشرة كغم، من مادة نيترات اليوريا المتفجرة. وأسمى محمد الرحمن نفسه بالمتفجر الصامت.

وفي الخامس من كانون أول 2015 ، قام أحدهم مزودا بمدية بطعن ثلاثة مسافرين في أحد أنفاق المترو في شرق لندن. وقد كشفت الكاميرات الموجودة في محطة قطار الأنفاق، أن المهاجم كان يصرخ وهو يهاجم ضحاياه "هذا من أجل سوريا". وقد وقع الحادث اثر مشاركة سلاح الجو البريطاني بالاغارة على مواقع للدولة الاسلامية في سوريا.

ووقع آخر تلك الحوادث الارهابية في السادس عشر من حزيران 2016، أي قبل بضعة أسابيع، عندما قام أحدهم وهو "توماس مايير"، بقتل مواطن بريطاني في يوركشاير. وكان القاتل من المنتمين لجماعة تؤيد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. ووجدت في منزله أدلة عن قناعاته بالأفكار النازية، ولكن لم يكن له أي علاقة بالدولة الاسلامية. وهكذا نلاحظ أنه لم يتجاوز مجموع الضحايا في بريطانيا في تلك الهجمات، عدد اصابع اليد الواحدة (قتيلان وثلاثة جرحى)، مما يرجح القدرات الأمنية المتفوقة في بريطانيا، كما هي أيضا في ايطاليا وذلك رغم الاستعمار البريطاني للعديد من الدول، ورغم تواجد واقامة آلاف المسلمين وخصوصا الباكستانيين منهم على أراضيها.

وقد يدخل عنصر آخر كامن وراء أسباب ارتفاع عدد العمليات الارهابية وتزايد عدد الضحايا في فرنسا، وذلك بتشبث الجمهورية الفرنسية بتطبيق مبادىء حقوق الانسان والطروحات الدمقراطية أكثر من غيرها من الدول الأوروبية. ذلك أن مبادىء حقوق الانسان وما أفرزته من فكر دمقراطي، قد انطلق من فرنسا، من قلب الثورة الفرنسية الكبرى، مما يجعلها تتمسك حرفيا بمبادىء حقوق الانسان، الأمر الذي يفرض على الأجهزة الأمنية بعض التراخي وخصوصا في مرحلة التحقيق أو مراقبة المشتبه بهم. وهذا أمر يسجل لمصلحتها ولمثاليتها، رغم ما قادت اليه من أخطار وضحايا.

مسك الختام

اذن، الأسباب الكامنة وراء ذلك كله، يمكن ردها من ناحية الى بشاعة النهج المغولي للدولة الاسلامية المتشددة، ولتواجد عدد كبير من العرب والمنتمين للطائفة الاسلامية الذي تسبب الاستعمار الفرنسي بكثافة تواجدهم على أراضيها، مما شكل (مع تراخي الأجهزة الأمنية أو ضعفها)، أرضا خصبة استطاع النهج الداعشي المتشدد استثمارها لمصلحته.

لكن الرئيس اوباما الذي ولد من أب مسلم، لا يعترف بأن التشدد من بعض الاطراف (كالدولة الاسلامية والفكر الوهابي) هو السبب وراء ذلك. فالمشكلة في بعض النصوص في الديانة الاسلامية ذاتها، كما يقول الرئيس الأميركي في خطاب منسوب له في العاشر من شهر تموز 2016. فالرئيس الأميركي في خطابه، ينتقد العنف المستخدم في الشرق الأوسط قائلا بأنه حاول فصل ذلك عن جوهر الاسلام، "ولكن الحقيقة أن الاسلام ذاته هو المشكلة" على حد قول الرئيس الأميركي في الخطاب المنسوب اليه، والذي طالب فيه المسلمين باعادة النظر في نصوص دينهم، والاقدام على تحديث الاسلام ليتلاءم مع العصر الحديث، كما تفعل الكنيسة بتحديثها بعض المفاهيم الدينية المسيحية.

وقد تكون أمنيات الرئيس الأميركي مبكرة بعض الشيء. فالتراجع عن التشدد في تفسير بعض النصوص، قد لا يتم في وقت قريب، ومع بقائه يظل العنف قائما وممارسا بشكل واسع الى فترة مقبلة يتعذر تحديد مداها. ومع بقائه، يظل العنف والعمليات الارهابية ممارسين في العراق وسوريا ودول اوروبية أخرى وخصوصا في الجمهورية الفرنسية التي تدفع الآن ثمن استعمارها لدول عدة، وخصوصا دول شمال افريقيا. فاستعمارها ذاك، هو ما تسبب في تواجد شريحة واسعة من المنتمين للطائفة الاسلامية على أراضيها، والذين باتوا هدفا سهلا لشباك الدولة الاسلامية وغيرها من التنظيمات المتشددة التي تشعل النار في الشرق الأوسط، وفي مواقع أخرى من العالم.

يوميات نصراوي: بورسعيد عربية والقنال مصرية


نبيل عودة

*برنامج بن غوريون "الخيالي" لشرق اوسط جديد* الانذار السوفييتي وهزيمة العدوان الثلاثي على مصر* صفحة ناصعة من نضالنا ضد العدوان الثلاثي* حلم مملكة سليمان الثانية

قرأت خلال مشوار حياتي الفكرية والسياسية الكثير من كتب التنظير، التاريخ، المذكرات والأبحاث المتنوعة العربية والأجنبية، بما في ذلك مؤلفات مختلفة عن حرب السويس، أو ما يعرف باسم العدوان الثلاثي على مصر، وهو العدوان الذي نفذته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عام 1956 لضرب وإسقاط نظام عبد الناصر الوطني المعادي للاستعمار، النظام الذي كسر احتكار السلاح ، بعقده صفقات سلاح مع المعسكر الاشتراكي بسبب رفض الغرب تسليح الجيش المصري، وكسر الحواجز التي كانت مفروضة على الاتحاد السوفييتي وقتها، وأمم قناة السويس، التي كانت خاضعة للبريطانيين، بعد ان رفض البنك الدولي تمويل مشروع بناء السد العالي، عمليا مشروع توفير الكهرباء لبناء الاقتصاد المصري لأنه بدون الكهرباء لا مستقبل لمصر.

عرض وقتها الاتحاد السوفييتي ان يمول مشروع بناء السد العالي والمحطة الكهرمائية وينفذه مع الخبراء السوفييت ذوي الخبرة الكبيرة ببناء السدود لتوليد الكهرباء. كذلك دعم عبد الناصر الثورة الجزائرية ضد فرنسا وساهم في بعث الشعور القومي العربي بشكل لا سابق له في التاريخ العربي. في فترة العدوان الثلاثي على مصر كنت عضوا بمنظمة ابناء الكادحين الشيوعية (ابن 9 سنوات)

وما علق بذاكرتي هي نشاطات رفاق الشبيبة ضد العدوان الثلاثي والذي اذكر منه بالأساس كتابة شعارات على الحيطان في الناصرة مناهضة للحرب العدوانية ، كان هذا تقليدا دارجا في وقته واحفظ حادثة مضحكة ومعبرة سأرويها بعد ان اقدم للقارئ الخلفية السياسية والعدوانية للحرب ضد مصر، الى جانب اطماع المؤسسة الصهيونية بتوسيع حدود اسرائيل وضم سيناء. برنامج بن غوريون "الخيالي - fantastic ": هدف إسرائيل عبر عنه رئيس حكومتها في ذلك الوقت بن غوريون ويهدف الى احتلال سيناء التي تبشر بآبار نفط، واحتلال مضائق تيران ،

التي تعتبرها إسرائيل قناة السويس الخاصة بها، واقامة مملكة سليمان الثانية، التي تعتبر سيناء جزءا منها، حيث تتحدث اساطير التوراة عن نزول التوراة على موسى في جبل سيناء، الى جانب الوصايا العشر المخصصة لليهود وهي منسوخة من الوصايا الفرعونية ونزلت خصيصا لليهود وليس لأي شعب آخر كما يتوهم البعض- لكنه موضوع آخر. كان بن غوريون يطمح الى تغيير خارطة الشرق الأوسط بما يتلاءم ورؤية إسرائيل السياسية والتوراتية ومصالح الاستعمارين البريطاني والفرنسي. كان لبن غوريون برنامج لتنظيم كل الأمور في الشرق الأوسط حمل اسم "الخيالي" (fantastic – بالعبرية: פנטסתי) وحسب بن غوريون: "البرنامج قابل للتنفيذ بشرط ان توجد ارادة ورغبة صادقة عند البريطانيين،

الأمر الذي أشك به" حسب اقواله. من بنود برنامج "الخيالي" التي كشف عنها:

1 - القضاء والتخلص من جمال عبد الناصر!

2 - تقسم الأردن الى قسمين، الضفة الغربية تسلم لإسرائيل، الضفة الشرقية تسلم للعراق والشرط الإسرائيلي في هذا الشأن أن يوقع العراق على اتفاقية سلام مع إسرائيل يوافق بموجبها على توطين اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه". ملاحظة من الكاتب: كان العراق وقتها ضمن "حلف بغداد" الاستعماري، الذي تم إنشاؤه عام 1955 للوقوف بوجه "المد الشيوعي في الشرق الأوسط "– عمليا ضد تحرر الشرق من استمرار السيطرة الاستعمارية وكان الحلف معاديا بالطبع لنظام عبد الناصر- ضم الحلف إلى جانب بريطانيا كل من العراق وتركيا وإيران وباكستان. اسقط الحلف بعد ثورة 14 تموز 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم التي أسقطت النظام الملكي وأعلنت العراق جمهورية. 3 - تقليص حدود لبنان وسلخ قسم من لبنان واعطائه لسوريا ، قسم آخر حتى نهر الليطاني (مصدر المياه) يسلم لإسرائيل، في القسم المتبقي من لبنان تقوم دولة مسيحية، بالنسبة لسوريا سيستقر النظام عندما يقف على رأسه حاكم يدعم الغرب، وللأمريكيين ثقة بالشيشكلي!! كان دافيد بن غوريون، يقول عن عبد الناصر انه: "إبن موظف بريد، قائد ثورة الضباط الأحرار، الذي يعتبر البطل الطبيعي للعالم العربي، صورته التي رسمت على مئات ألاف المطبوعات والملصقات في البيوت، الدكاكين،

الأسواق وفي كل أنحاء الشرق الأوسط. عرف عبد الناصر كيف يزعزع الغرب وكيف يستقطب العرب كونهم عانوا من الاستعمار الأوروبي عشرات السنين، وعلم عبد الناصر متى يتوقف وأين، وعرف كيف تعالج الأمور مانعا بذلك انقطاع محتمل بالعلاقات مع أوروبا ومع العالم الغربي". انذار سوفييتي يشل المعتدين كان الهجوم الانجلو فرنسي على مصر بحجة حماية قناة السويس، الممر المائي الاستراتيجي من الحرب المصرية الاسرائيلية، التي كانت ضمن المؤامرة المتفق عليها لضرب نظام عبد الناصر بين اسرائيل وفرنسا وبريطانيا. المفاجأة التي شلت العدوان واوقفته، الى جانب المقاومة الباسلة للشعب المصري، كان صدور الإنذار السوفيتي الشهير الذي هدد بضرب باريس ولندن بصواريخ غير تقليدية، القصد كان ضرب العاصمتين باريس ولندن بصواريخ نووية اذا لم يتوقف العدوان على مصر فورا. الأمر الذي أرعب المعتدين وأفشل خططهم وعمليا قاد إلى اضمحلال الدور الدولي للاستعمارين العجوزين، فرنسا وبريطانيا. حتى بن غوريون الذي كان يطمح الى اقامة مملكة اسرائيل التي تشمل سيناء أيضا ، لف ذنبه وانسحب. كانت لبن غوريون نظرة دونية ضد العرب، تحاور في أولى سنوات الدولة مع جنرال اسرائيلي، ونشرت تفاصيل الحوار في صحيفة " هآرتس" على الأغلب. الجنرال عبر عن قلقه الأمني، قال له بن غوريون ما معناه انه لا ضرورة للخوف "العرب قوم لا يقرؤون" . تساءل الجنرال:" وإذا تعلموا القراءة؟" رد بن غوريون:" وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فَهِموا لا يطبِّقون فلا خوف على اسرائيل " وثيقة: نص الانذارات السوفييتية للمعتدين : جاء في نص الانذار السوفييتي لبريطانيا وفرنسا: "أن قناة السويس استعملت كمبرر فقط من اجل شن حرب عدوانية مدبرة ضد الامة العربية بقصد تصفية الاستقلال الوطني لدولها...واننا نتساءل في اي موقف تجد فيها بريطانيا (او فرنسا) نفسها اذا هوجمت بواسطة قوى اكبر منها تملك انواعا حديثة من اسلحة الدمار الشامل؟ ان هذه القوى الكبيرة (القصد الاتحاد السوفييتي) لن ترسل اساطيلها البحرية او الجوية لتقتحم الشواطئ البريطانية او الفرنسية، وبدلا من ذلك فانها تستطيع ان تستعمل وسائل اخرى كالصواريخ مثلا. واذا استعملت الصواريخ ضد بريطانيا وفرنسا، فانكم بالتأكيد سوف تسمون ذلك عملا بربريا، ومع ذلك فأي فارق بين هذا وبين غزوكم لمصر..؟"

وجاء في الانذار لحكومة اسرائيل: "ان حكومة اسرائيل تلعب بأقدار العالم وبأقدار شعبها بطريقة مجرمة وغير مسئولة، وهي تحصد الكراهية ضد دولة اسرائيل من جانب كل الشعوب الشرقية، ومثل ذلك لا يمكن الا ان يترك اثره على مستقبل اسرائيل، ويضع موضع التساؤل احقية وجوها ذاته كدولة. ان حكومة الاتحاد السوفيتي تتخذ الآن خطوات تكفل وضع نهاية للحرب وردع المعتدي، وعلى الحكومة الاسرائيلية ان تعيد تقدير موقفها قبل ان يفوت الاوان، ونحن نأمل في أن الحكومة الاسرائيلية سوف تعي تماما وتقدر معنى هذا التحذير الذي نوجهه"!! هكذا توقف الاعتداء.. ولا بد من الاشارة الى المقاومة الباسلة للشعب المصري ضد المعتدين حيث اوقعوا بهم خسائر فادحة، وبرز بين ابطال المقاومة ضابط البحرية السوري جول جمال الذي تطوع للقتال ضد المعتدين وقام بتفجير المدمرة الفرنسية الضخمة "جان دارك" في وسط البحر وهي بطريقها لضرب بورسعيد، حيث مركز المقاومة المصرية للعدوان، وذلك بعملية انتحارية بواسطة قارب طوربيد صغير عبأه بالمتفجرات وقاده لوسط البحر حيث قام بصدم المدمرة في وسطها فاشتعلت فيها النيران وقتل وغرق العشرات من بحارتها، بذلك منع وصولها الى بورسعيد. من صفحاتنا النضالية بعض التفاصيل غير المهمة ضاعت من ذاكرتي، لكنها لا تضر بالصورة عن الأشكال النضالية التي مارسها الجيل الطليعي، عن جرأته وثقته بنفسه وطريقه وفكره واكاد اقول انه جيل لم يكن يعرف الخوف والتردد في مواجهة المخاطر من اجل فكرة وطنية سامية. جيلا شكل نموذجا للكثيرين من ابناء جيلي، كنا نحلم ونحن على ابواب العقد الثاني، ان نصبح شبابا اقوياء لنواصل ما بدأوه. بعض الاسماء لا تغادر ذهني، منها اسماء رزق المشهور بجرأته واقدامه ، جوزيف الهادئ الرصين، النعيمان اللذان لا يعرفان التردد، سهيل فنان الخط الذي يكتب بسرعة واتقان مستعملا الفرشاة ،

البير الفنان الرسام المبدع للوحات السياسية وغسان المنظم الذي يقود "غرفة العمليات النضالية" (اذا صح التعبير) وآخرين ضاعت اسمائهم من ذاكرتي.. لا اذكر اسماء عائلاتهم لأني لا اعرف كل الأسماء ولست متأكدا من جميع الأسماء، لذلك اقول ان بيتهم وعائلتهم هي منظمة الشبيبة الشيوعية في الناصرة، التي لعبت دورا نضاليا وتثقيفيا في وقته.. قبل ان تصبح جسما مفككا بلا عمود فقري ولا دور مميز او ملموس لها اليوم. معظم أولئك الأبطال اصبحوا نزلاء في العالم الآخر لكنهم أحياء في الذاكرة بنضالهم المتفاني والبطولي في احلك الأوقات التي مرت على شعبنا. كانوا نموذجا للإنسان الثوري والوطني الذي يضع مصلحة شعبه فوق اي مصلحة اخرى، لم ترهبهم السجون، لم يكسرهم العنف والقيود على مصدر رزقهم، كان ايمانهم بشعبهم وحقوقه يجعلهم اصلب من الفولاذ، سيرتهم كانت وراء قناعتي ان لا اهاجر من وطني حين تملكني اليأس بسبب القيود العسكرية التي فرضت علي في شبابي المبكر... لذا لم اغادر وطني "قسرا".. ولم اتحول الى انتهازي يضع مصلحته الشخصية في المكان الأول. للأسف لم يتبق من ذلك التاريخ الا ذكريات عن جيل صنع التاريخ... لكنه أضحى اليوم نسيا منسيا!! كنت شبلا في منظمة تحمل اسما رمزيا "ابناء الكادحين" حيث تلقينا ثقافتنا السياسية والفكرية الأولى، لم نكن نُحمل واجبات نضالية، بل لا نعرف بشكل مباشر شيئا عن الذين ينفذون المهام النضالية ليلا مثلا..

رغم انني كنت اعرف من يكتب الخط بهذا الاتقان وتلك السرعة على الحيطان، وكانه ماكينة طباعة مشحمة جيدا. لم يكن صعبا علي ان اعرف من ينفذ النشاطات التي تثير غضب الشرطة والحاكم العسكري ، لكننا تثقفنا ان نحافظ على سرية نشاطنا واسماء رفاقنا ، بسبب سياسة الارهاب والتضييق على الرزق التي كانت تمارس بكل قساوتها وعنفها. العام 1956.. العدوان الثلاثي على مصر.. ارهاب بوليسي في الوسط العربي.

جريمة قتل خمسون مواطنا في كفرقاسم.. الجو كان مشحونا بالتوتر والارهاب، ظهرت شعارات على الحيطان في الناصرة، اذكر منها: "ارفعوا ايديكم عن مصر"، "يسقط العدوان الثلاثي على مصر" و"بورسعيد عربية والقناة مصرية"، كان هذا الشعار ردا على مطالبة اسرائيل بفتح قناة السويس امام الملاحة الاسرائيلية.. ولم تكن تفاصيل الجريمة في كفرقاسم قد كشفت بعد!! كانت بلدية الناصرة في تلك الأيام تحت سيطرة قوى لا تجرؤ على معارضة السلطة، بل تخدم سياستها . كما يبدو ان البلدية بادرت، او أمرها الحاكم العسكري، ان تمحو فورا الشعارات التي ملأت حيطان الناصرة ضد العدوان على مصر. قام عمال البلدية بدهن الشيد على الشعارات ، فاختفت تحت اللون الأبيض، ما اتذكره كفتى ان كادر الشباب بدأ يفكر كيف يزيل الشيد عن الشعارات بطريقة سريعة وسهلة بدل كتابتها من جديد. كانت دوريات الشرطة جاهزة لالقاء القبض على كل من يحمل علب الدهان، خاصة في ساعات الليل وتتهمه بكتابة الشعارات ولا بد ان يلقى التعذيب والسجن.. طبعا الارهاب فرض اثاره على الشارع في الوسط العربي، ربما كان نوعا من منع التجول ليلا أيضا.. اتذكر ان منفذي كتابة الشعارات احضروا مضخات يدوية بسيطة كنا نستعملها لرش المبيدات الحشرية ( الدي . دي . تي ) في منازلنا للقضاء على البعوض ولسعاته المؤذية وعلى تكاثر الذباب في المنازل.

كتبوا بالدهان على حائط في النادي جمل عشوائية وطلوها بالشيد، جربوا الماء كما اذكر لإزالة الشيد عن الدهان، لم تنجح التجربة ، ثم جربوا الكاز، نجحت التجربة وزال الشيد عن الدهان وبدى الشعار اكثر بروزا وكأن الشيد دهن خصيصا ليكون خلفية للشعارات. هكذا مع مضخات (الدي.دي. تي) معبأة بالكاز جرى مغافلة الشرطة ورش الكاز على الشيد الذي طليت به الشعارات، فجرا برزت الشعارات أكثر قوة واكثر توهجا بخلفيتها البيضاء... كالعادة نفذت الشرطة حملة اعتقالات لكنها فشلت بإثبات تهمها رغم معرفتها الأكيدة بمن نفذ تلك المهمة. غضبت السلطة العسكرية وامرت البلدية ان تسارع الى ازالة الشعارات. ارسلت البلدية مرة أخرى عمالها مع المطارق والأزاميل "لتنقية" الحيطان من الشعارات، العمال نفذوا الأوامر بان تزال الشعارات بواسطة المطارق والأزاميل . حفروا بطرقة مقصودة .. بأن يصبح الشعار محفورا في الحائط، في اليوم التالي ارسلت البلدية عمالها مع اكياس الإسمنت والرمل لإغلاق الحفر في الحيطان ، فبرزت الشعارات بقوة باللون الرمادي، لون الاسمنت، كما يبدو زهق الحاكم العسكري من "غباء البلدية وعمالها" ، اذكر ان بعض تلك الشعارات ظلت محفورة على الحيطان لسنوات طويلة جدا.

 ملاحظة: ما اسجله هو تاريخ نضالي لجيل طلائعي.. لعب دورا هاما في حياة الجماهير العربية، اليوم لا اجد الا تنظيما للثرثرة والمنافسة على المكاسب الشخصية، لكن التاريخ مقدس وأبطاله مقدسون، ولو عادوا للحياة اليوم وشاهدوا واقع تنظيمهم لأنكروه!!

خيبة في خيمة

عبد الحليم قنديل
 
ما من جديد، سوى أن قمة «الخيمة» تحولت ـ كما كان متوقعا ـ إلى قمة الخيبة.

لم تقصر موريتانيا بلد المليون شاعر في شيء، واستضافت القمة الحائرة الخائرة بعد اعتذار وجيه من المغرب، ونصبت خيمة بدوية فخمة لاجتماع الرؤساء والملوك والأمراء العرب، ووضعت لها شعار «قمة الأمل» كتميمة حظ بلاغية، لكن الخيام المكيفة لا تخفي قسوة الصحراء من حولها، وبلاغة الكلمات والأمنيات بدت كنوع من واجب الضيافة، فقد جرت الأمور على نحو ما كان منتظرا، حضر من حضر متثاقلا، وغاب من غاب متواريا، وبدت الكلمات مكررة محفوظة كتقاليد العزاء في الجنازات الباردة، وفضوا السيرة سريعا، وعلى عجل، وأصدروا بيانهم الختامي نفسه، الذي أصدروه مرارا من قبل، وإن وضعته وسائل الإعلام العربية هذه المرة كما يستحق في ذيل اهتماماتها وتغطياتها.

ولا نريد أن ندخل في سجال التقييم العقيم المعتاد عقب كل قمة عربية، وعلى مدى الأربعين سنة الأخيرة على الأقل، فلا الحكام أو المتحكمون العرب يحفلون بها، ولا الشارع يبتاع منها سوى خيبة الأمل «راكبة الجمل»، ولا أحد يكاد يتذكر وجودا محسوسا لشيء اسمه الجامعة العربية، بلغت السبعين من عمرها، وشاخت قبل الأوان بأوان، وصارت كالزائدة الدودية، أو كقبر من رخام، أو كعنوان بريد، يتذكر به العرب أيام أن كانوا عربا.

ولا نريد أن نذرف دموع التماسيح ولا دموع العذارى على ما كان، وعلى آلاف القرارات والاتفاقيات والوثائق المحكمة، التي لم تذر من شيء، إلا وناقشته وقررت فيه بخبرة وحماس، ومن اتفاقات الدفاع إلى اتفاقات الاقتصاد، ثم رقدت الأوراق كلها بسلام في الأدراج، وبدون أن تجد من ينفذها، ولا حتى من يجرفها إلى سلال القمامة.

صحيح أن القمم العربية اجتماع حكومات لا محفل شعوب، وأن الجامعة العربية منظمة دول لا لقاء جماهير، وليس ذلك عيبا في ذاته، فكل المنظمات الإقليمية كذلك، والجامعة العربية أقدم نظام إقليمى في العالم، وعمرها من عمر الأمم المتحدة ذاتها، لكن الجامعة العربية صارت أفشل المنظمات الإقليمية بامتياز، وربما لا ينافسها في الفشل سوى منظمة التعاون الإسلامي التي تضم الدول العربية مع غيرها، رغم أن تغيرات طرأت على بنية الحكم في دول عربية وإسلامية، وتكونت بعض نظم ديمقراطية أو شبه ديمقراطية، ونهض بعضها اقتصاديا، ولو على طريقة الفوائض الريعية، لكن ذلك لم يعن شيئا كثيرا ولا قليلا في محنة القمم العربية عبر أربعين سنة إلى اليوم، زالت فيها بالتدريج فكرة وجود إرادة عربية، ففاقد الشيء لا يعطيه، وقد وقعت غالبية النظم العربية أسيرة لتبعية مفرطة، وجرى تعميم التبعية لأمريكا بالذات في العقود الأربعة الأخيرة، بل أن دولا عربية ذهبت لشراء الاحتلال بالمال، وعلى طريقة ما جرى في سيرة الاحتلال الأمريكي للعراق، ثم في تدمير ليبيا وسوريا من بعد، وكان طبيعيا أن تستريح إسرائيل لهدايا تحطيم العرب بأموال العرب، ثم زهدت أمريكا نفسها في إلحاف وإلحاح التابعين العرب، فهي تستطيع تحصيل المعلوم بغير مجهود، وبدون أن تفقد جنودا، ولا أن تشغل بالها بمآسي العرب التي لا تنتهي، وهو ما يفسر الانهيار المتدرج الذي آلت إليه قمم الأربعين سنة، فقد كان الوحي الأمريكى حاضرا على طاولات الاجتماعات فيما مضى، ثم انقطع الوحى بإذن صاحبه، ولم تعد من إرادة أمريكية مستعارة، لمن فقدوا الإرادة الذاتية طوعا وكرها، وصارت اجتماعات القمم عبئا ثقيلا عليهم، فاجتماع قمة يعني ـ بالبداهة ـ وجود خلافات أو اتفاقات، ويعني نقاشا مفتوحا للوصول إلى إرادة مشتركة، وأي إرادة مشتركة هي «إرادة ناقصة» بطبيعتها، فلا يمكن لطرف فرض إرادته بالكامل، وإذا غابت الإرادات الكاملة أو الناقصة من أصله، فلا مفر من «أكل الهوا»، والوقوع في الخيبة الصفرية.

والذي أقام الجامعة العربية، وبصرف النظر عن دور المصالح البريطانية الاستعمارية وقتها، كان سعيا هائما للبحث عن إرادة مشتركة، ولم يكن تصميما عقلانيا لإطار اقتصادي واجتماعي ودفاعي كالاتحاد الأوروبي اللاحق مثلا، ولم تكن مصادفة أن يتواقت إنشاء الجامعة مع اكتمال التجمع الإسرائيلي الغازي «الييشوف» في فلسطين.

كان الإحساس بالخطر هو دافع البحث عن إرادة لمواجهته، وكان ما كان في نكبة 1948، التي هزم فيها العرب معا، وخلقت الهزيمة طوفانا من التمرد في الشارع العربي، وتشكلت ظاهرة المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات وصولا إلى أواسط السبعينيات، كانت الأحلام القومية تزدري البنية الهزيلة للجامعة العربية، وكانت الأنظمة منقسمة بين نظم تقدمية وأخرى رجعية بتعبيرات الزمان الثوري، لكن الروح القومية العامة منحت الجامعة زادا من حياة، وتأسس تقليد القمم العربية على وقع الخطر الإسرائيلي بالأساس، خصوصا مع القمة التي دعت إليها مصر عبد الناصر لبحث سبل التصدي لمساعي إسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن، ووصلت الجامعة إلى سنوات ازدهارها اليتيمة في الفترة من هزيمة 1967 إلى حرب 1973، فلم تكن القصة في اختلافات النظم، ولا في حروبها الباردة والساخنة التي كانت ضارية، ولا حتى في غياب الديمقراطية الذي كان معمما، فكل ذلك كان موجودا وبإفراط، وبما يدفع إلى فرقة واختلاف وتمزق، لكن الروح العامة في الشارع كانت تغلب مزاج القصور، وتجعل الإحساس بالخطر موحدا في غالب الأحوال، فلم يكن من صوت يعلو على صوت المعركة مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وكان الإجماع الغالب على طبيعة الخطر، هو ما خلق صورا عملية مباشرة ومؤثرة لمعنى الإرادة المشتركة، وجرى تقسيم أغلب الدول العربية، بين كيانات مواجهة بالسلاح وكيانات دعم بالمال، وكسبت القمم العربية مهابتها التي لم تتكرر، وكانت النتيجة نصرا عزيزا للأمة العربية كلها، تحقق في ميادين القتال، كما في ميادين الثروة، فقد لعب قرار وقف تدفق البترول لأوروبا وأمريكا دوره في الانتصار السياسي الداعم للمقاتلين بالسلاح، وعند نهاية وقت وقف التصدير، زادت أسعار البترول بصورة طفرية هائلة، ضاعفت من عوائد دول الدعم، وخلقت طوفانا من الثروات المستجدة، كانت كفيلة بتوليد ثورة تصنيع عربية شاملة، لولا أن جرى العصف بكل ما كان، وخانت السياسة نصر السلاح، ووقع الخرق أولا في مصر التي كانت وتد الخيمة العربية، ووقعت الأمة كلها ضحية لخديعة كبرى حملت زورا اسم «السلام»، أسقطت كل المحرمات والمقدسات من حسابها، وعادت بالعرب إلى عصور التيه، وبالجامعة إلى وقت الفراغ العدمي، وبالقمم إلى زمان الخيبة المتصلة.

والدرس ظاهر في معناه ومغزاه، فالاجتماع على وحدة الخطر، هو الذي يؤسس ويبني، ويفتح المسالك لإرادة مشتركة، وفى غيبة الإجماع على أولويات الخطر، فلا يصح الحديث عن إرادة مشتركة، ولا عن فائدة ترتجى من قمم النظم، فما بالك بنظم تفرق عندها الإحساس بالخطر، أحل بعضها إيران محل إسرائيل، مع أن الخطر الإيراني من طينة مختلفة، فقد بدأت القوة الإيرانية المعاصرة صعودها مع ثورة الخميني 1979، وهو العام نفسه الذي عقدت فيه ما تسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ثم تمددت القوة الإيرانية في الفراغ المخيف الذي خلفه انهيار المشروع القومي، وساعدتها جهالات عربية من نوع إذكاء حروب السنة والشيعة، وتفتيت نسيج الأمة بزج الإسلام في عداوة مفتعلة مع القومية والعروبة، وتفاقم الخطر الإيراني بالذات عندما سكت العرب عن مواجهة إسرائيل، بل أن بعضهم صار يحالفها سرا فجهرا بلا خجل، وكأن إسرائيل صارت زعيمة للسنة العرب في مواجهة إيران وشيعتها العرب، فلا تكون النتيجة سوى فسح المجال للمزيد من التمدد الإيراني، وإطلاق يد إسرائيل في سحق عظام الشعب الفلسطيني بعد ابتلاع أرضه وتهويد مقدساته.

رغم الغياب...عبد الناصر حاضر في العقول والقلوب


محمود كعوش

برغم مضي 64 عاماً على تفجر ثورة 23 يوليو/تموز 1952 بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فإنها ما تزال الثورة الرائدة والعنوان الأبرز لنضال الشعب المصري. وعلى ما يبدو فإنها ستحافظ على نبضها في وجدان المصريين عقوداً أخرى كثيرة بعدما تأكد لهم من خلال التجارب المتواصلة التي شهدتها مصر على مدار حوالي ستة عقود ونصف أنها الثورة الأم والحدث الأهم الذي غير وجه الحياة في مصر على جميع الأصعدة. فتأثير ثورة 23 يوليو/تموز 1952 تمدد لأبعد من حدود مكانها وزمانها وطال المحيط العربي والإقليمي والدولي.

وبرغم كل المتغيرات التى شهدها العالم وتلك التي شهدتها الثورة نفسها إلا أن هذه لم تتقوقع ولم تعزل نفسها عن متغيرات العصر بل تواصلت معها وواكبتها وصححت مسارها لما في خير وسلامة المسيرة الوطنية المصرية والقومية العربية والأممية على المستوى الدولي، من منطلق حقيقة أن حركة التاريخ تحافظ على استمرارها ولا تعرف التوقف.

لا شك أن التطرق لثورة 23 يوليو/تموز 1952 في ذكراها الجديدة بكل ما حفلت به من تجربة فكرية وسياسية واقتصادية كان لها الأثر في تشكيل التيار الشعبي الناصري على امتداد خارطة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، يستدعي ضرورة الربط المنطقي والعملي فيما بين الثورة وشخصية قائدها، الذي كان له ولنفر من الضباط الأحرار في الجيش المصري فضل تفجيرها والإطاحة بالملكية الإستبدادية وإعادة السلطة للمصريين أصحابها الحقيقيين، لأول مرة في تاريخ مصر الحديث.

ولا شك في أن مُضي 64 عاماً على قيام الثورة المجيدة ومضي 46 عاماً على غياب قائدها جمال عبد الناصر لم ينالا من وهج وبريق حضورهما، أكان ذلك على الصعيد المصري أو على الصعيد العربي. فعقول وقلوب المصريين وغالبية العرب لم تزل مشدودة إليهما، ولم تزل تنبض بالحب والوفاء لهما. ويؤكد قولنا هذا ذلك الإقبال الجماهيري المتنامي على أدبيات ثورة 23 يوليو/تموز 1952، والفكر الناصري، والدراسات التي تناولت سيرة جمال عبد الناصر كقائد عربي تجاوز بزعامته وفكره المحيطين العربي والإقليمي. ويؤكد ذلك أيضا تصدر شعارات الثورة وصور قائدها معظم المظاهرات والتجمعات الشعبية التي تشهدها مصر والعديد من الأقطار العربية بين الحين والآخر، تعبيرا عن رفض الجماهير لحالة الخنوع الرسمي العربي والاستسلام للإملاءات الأميركية – الصهيونية، وعن رفض السياسات الاستعمارية – الاستيطانية التي تستهدف الوطن العربي، والتي تعبر عن ذاتها بشتى الصور وصنوف العدوان، وعن السعي وراء الإصلاحات التي تتواءم مع متطلبات العصر.
هذه الحقيقة تستدعي إعادة طرح السؤال الذي اعتدت طرحه كلما تطرقت بحديثي إلى ثورة يوليو/تموز وقائدها:

ترى لماذا كل هذا الحب والوفاء للثورة وشخص قائدها، برغم كل ما تعرضا له من مؤامرات ومحاولات تشويه متعمدة ومقصودة من قبل القوى العربية المضادة والأجنبية الاستعمارية – الاستيطانية، وبرغم مضي وقت طويل على ولادة الثورة ورحيل قائدها؟

ولماذا تسمرت جميع التجارب العربية الفكرية والسياسية عند أقدام أصحابها وانتهت مع رحيلهم في حين بدل أن تنتهي التجربة الناصرية مع رحيل صاحبها تضاعف زخمها الجماهيري واتسعت رقعة مناصريها لتشمل جميع الأقطار العربية بلا استثناء؟
مع تفجر ثورة 23 يوليو/تموز 1952 أظهر جمال عبد الناصر براعة فائقة في محاكاة عواطف وأحلام الجماهير المصرية والعربية، وذلك من خلال عرضه لخطوط الثورة العريضة والشعارات التي طرحتها، كما أظهر براعة فائقة في محاكاة حاجات هذه الجماهير على الصعيدين الوطني والقومي، وذلك من خلال عرضه للأهداف التي حددتها. فقد كان عبد الناصر الإبن البار لتلك الجماهير، وكان المعبر عن آمالها وآلامها، كما وكانت الثورة حلما لطالما راود خياله ودغدغ عواطفه تماماً كما راود خيال تلك الجماهير ودغدغ عواطفها. والشعارات والأهداف التي تراوحت بين القضاء على الاستعمار والإقطاع والاحتكار وسيطرة رأس المال وإرساء العدالة الاجتماعية والحياة الديمقراطية ورفع مستوى المعيشة وزيادة الإنتاج وإقامة جيش وطني قوي يتولى الدفاع عن مصر والأمة العربية، جاءت بمجملها متناغمة مع أحلام وحاجات المواطنين المصريين والعرب، لأنهم كانوا ما يزالون تحت وطأة الهزيمة العربية الكبرى التي تمثلت بنكبة فلسطين 1948، وتحت وطأة الإفرازات والإرهاصات التي نجمت عنها.

صحيح أنه كان لثورة يوليو/تموز المصرية سلبياتها وإيجابياتها مثلها مثل جميع الثورات التي عرفها العالم، إلا أنه وبرغم سلبياتها فقد كان لها الفضل الكبير في التحولات الوطنية والقومية التي شهدتها مصر والوطن العربي.

وبالرغم من عدم توفر الفرص الرحبة التي كانت ستمكن الثورة من تحقيق جميع الشعارات والأهداف التي رفعتها وحددتها وبالأخص في مجال ديمقراطية المؤسسات والفرد لاعتبارات كانت خارج إرادتها وإرادة قائدها أبرزها قصر عمريهما وتكالب القوى العربية المضادة والأجنبية الاستعمارية – الاستيطانية عليهما، إلا أنه كان لها ولقائدها الفضل الكبير في التحولات الوطنية والقومية التي شهدتها مصر والوطن العربي على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والروحية، خاصة خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، حيث عرف المد القومي زخمه وأوج مجده.

ولعل من الإنصاف أن نسجل لثورة يوليو/تموز وقائدها نجاحهما في إعلان الجمهورية وإعادة السلطة لأصحابها الحقيقيين وتحقيق الجلاء وإرساء دعائم الاستقلال وتطبيق الإصلاح الزراعي وتقوية الجيش وتسليحه وإقامة الصناعة الحربية وتأميم قناة السويس وتحقيق الوحدة بين مصر وسوريا وبناء السد العالي وإدخال مصر معركة التصنيع وتوفير التعليم المجاني وضمان حقوق العمال والضمانات الصحية والنهضة العمرانية. ولاشك أن هذه منجزات كبيرة جدا، إذا ما قيست بالمسافة الزمنية العمرية القصيرة للثورة وقائدها وحجم المؤامرات التي تعرضا لها. فالتجربة الثورية الناصرية لم تكن بعد قد بلغت الثامنة عشر من عمرها يوم اختطف الموت قائدها وهو يؤدي دوره القومي دفاعا عن الشعب الفلسطيني وقضيته وثورته. إلا أنها وبرغم ذلك، استطاعت أن تفرض ذاتها على الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج من خلال طرحها مشروعا نهضويا قوميا عربيا حقيقيا، لطالما حلمت به هذه الجماهير وأحست بحاجتها الماسة إليه، ومن خلال حمل قائدها أعباء قضايا الأمة والتعبير عن آمالها وشجونها حتى اللحظات الأخيرة من حياته.

لقد مثلت ثورة 23 يوليو/تموز 1952 نتاج مرحلة تاريخية بالغة التعقيد عرفت جملة من المتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضتها نتائج الحرب العالمية الثانية، مثل بروز الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي (الذي كانت تشكل روسيا الحالية الجزء الأهم منه والأكثر تأثيراً فيه) كقوتين عظميين، ومثل حدوث نكبة فلسطين وولادة الكيان الصهيوني العنصري في قلب الوطن العربي. لذا كان بديهيا أن تتشكل مع الثورة الحالة النهضوية القومية الوحدوية البديلة للواقع العربي القطري المفكك والمشرذم. وكان بديهيا أن تتشكل معها الحالة الثورية الوطنية التقدمية البديلة لحالة التخلف والإقطاع والاستبداد والرأسمالية الغربية والشيوعية الشرقية، من خلال بروز عبد الناصر كواحد من الأقطاب العالميين للمثلث الذي أسهم في ولادة معسكر الحياد الإيجابي الذي تمثل بمجموعة دول عدم الإنحياز.

فعلى مدار 46 عاما أعقبت رحيل عبد الناصر، منيت جميع التجارب الفكرية والسياسية العربية بالفشل الذريع، لأنها لم تستطع تشكيل البديل الذي يحظى بثقة الجماهير العربية وتأييدها، بل على العكس من ذلك قادت الأمة إلى العديد من الخيبات المؤلمة. وقد أخذ على تلك التجارب منفردة ومجتمعة أنها بدل أن تتناول التجربة الناصرية بوضعيتها الثورية وشخصية قائدها الفذة بالتقييم المنطقي المجرد والنقد الموضوعي والبناء على ضوء نجاحاتها وإخفاقاتها والظروف الداخلية والإقليمية والدولية لغرض تصحيحها والبناء عليها، إختارت مواجهة الجماهير بمفاهيم جديدة إتسمت بروحية إنقلابية تصادمية وتغيرية، الأمر الذي أدى إلى لفظ الجماهير لتلك المفاهيم والعمل على إسقاطها وبقائها على وفائها للثورة وتجربتها وقائدها.

أليوم ونحن ننظر بحزن وألم إلى ما آلت إليه الأوضاع العربية بفضل الخريف العربي الذي لم تزل رياحه المدمرة تعصف بالعديد من البلدان العربية، أجدد طرح السؤال الذي لطالما طرحته من قبل:

ترى ألم تحن لحظة الحقيقة التي يفترض معها أن يعترف المصريون والعرب بحالة التميز التي شكلتها ثورة 23 يوليو/تموز 1952، بتجربتها وشخص قائدها، والتي يمكن أن يخطوا معها خطوات إلى الأمام تحفزهم على تقييمها ونقدها بشكل بناء وموضوعي لأخذ العبر من نجاحاتها وتصحيح إخفاقاتها ووضعها موضع التطبيق العملي والبناء عليها، والعمل الجدي لوقف تدمير الوطن العربي بدعاوي الديمقراطية المزيفة و"الربيع العربي" الكاذب وإخراجه مما هو عليه من تفكك ووهن وضعف واستكانة، وتحقيق الربيع العربي الحقيقي الذي لطالما انتظرناه !!

الفكرة القومية بين دعاتها ومعارضيها!



أتردد أحياناً كثيرة في الرد على بعض التعليقات التي تكتب حول الفكرة القومية سواء من قبل دعاتها أو معارضيها لأن هذه الكتابات في الحالتين تتناول أفكارا نمطية عتيقة وكلاسيكية عنها تتوزع بين النقض والتهميش والتتفيه أو تعبر عن التقديس والافتخارية والوثوقية الايمانية وأراها لا تحاول المتابعة أو الإطلال على ما يكتب عنها ويحتل مساحات فكرية واسعة في مجالات ومؤتمرات ومراكز دراسات عالمية كثيرة ، وكأن الفكرة القومية قد توقفت لدى هؤلاء عند ما كتب عنها قديما في الخمسينيات والستينيات وتحوّلت تلك النصوص بأعرافها الى مقدسات وأنساق ثابتة وأصنام عقائدية لا تتطلب النقد والمراجعة ومتابعة الدراسات الحديثة والما- بعد حداثية التي تكتب عنها وخصوصا ما ظهر من أدبيات تفصيلية ونوعية عنها منذ عام 1989 وحتى وقتنا الراهن .

ومع أن العولمة التي استبطنت الأمركة حاولت واستطاعت إلى حد ما بحمولاتها واكراهاتها وهيمنتها الثقافية والسياسية أن تحتوي الفكرة القومية – بالمعنى التهميشي الإلغائي الاستخفافي – بمقولات وأفكار تلغي وتطمس معناها ودورها في حياة الشعوب والأمم بوازع من كوننة افتراسية لا تقدم البديل الفكري المنطقي عن القومية والانتماء والشعور القومي وتقتصر على أطروحات تبشر بعالم مشترك ومتداخل بلا سيادة وبلا هوية قومية وثقافية ويتأسس على معاني غامضة حول الوجود والتاريخ والمستقبل .

تعلم السياسي الإسلاموي التقليدي في بلادنا أن يرتل افكارا نمطية تكرارية عن القومية بربط القومية بالعصبية والعصبوية المشؤومة والقول عنها أنها “منتنة” مع أن السياق الذي قيلت فيه هذه العبارة أو هذا الحديث كان مغايرا تماما للمنطوق والمعنى والسياق المرتبط بها . أما السياسي الاسلاموي الحديث فيقول أنها من صنع الاستعمار جاء بها لإسقاط الخلافة العثمانية وإثارة العصبيات وتحويل الأنظار عن الدين لغايات علمنته وازاحته عن الحياة ، وفي تجلٍ آخر يضع القومية كنقيضة للاسلام دون أن يأخذ في الاعتبار طبيعة النشوء والأصل والدور والتكون التاريخي المختلف للقومية العربية التي اقترنت بالإسلام أساساً ، ويربط الاسلاموي بين الفكرة القومية والأقليات ” وأحياناً باليهود عندما يجري الحديث عن تركيا ” فيجد دعاتها وأنصارها ينتمون إلى أديان أخرى وأن لهم بالضرورة مقاصد أخرى تقويضية وتفكيكية معادية للدين الاسلامي وعقائد الأمة ، وعندما يريد الإسلاموي أن يسترسل ويمعن في الاتهام الاعتباطي غير المبرر يذهب إلى حجته القدحية التقليدية في أن يعزو إلى من عبّروا ويعبّرون عن القومية وفكرها ممن وصلوا الى السلطة أو تحت شعاراتها في بعض الدول العربية خطايا الانهيار العربي المديد وأن هؤلاء كانوا مثالا للخيبة وسبباً لهزائم الأمة المتكررة منذ عام 1948 وحتى اللحظة ونموذجا للفكر الشعاري الساقط المهزوم.

وتعلم الماركسوي أن القومية تنزلت خطاً على الأمم وكان من اللازم نزولها على الطبقات ووفقا لذلك ربط القومية بتطور الرأسمالية واحتياجاتها في البحث عن وحدة السوق وأعطى الأولوية للعامل الاقتصادي وبشر العمال بأن لا وطن ولا هوية قومية لهم دون أي تمييز أيضا بين نشوء تاريخي أصيل وآخر طاريء وتلفيقي ومصطنع للقومية وخصوصا في الدول من خارج العالم الأوروبي أو دول العالم الثالث وكانت تلك من الأغلوطات الكبيرة للفكر الماركسي التقليدي التي أسهمت في اساءة فهم المسألة القومية عموما وفي بلادنا بشكل خاص وأدت في الممارسة إلى الوقوف منها موقف الضد والنقض .

يغتبط هؤلاء وأولئك بهذا الوعي الفقير الملتبس المقتطع من سياقاته حول معنى القومية وتطور هذا المعنى ويسترسلون في هذا التنميط السياسي والواحدية التفكيرية ذات البعد الواحد ويجدون لدى بعض الأوساط الشعبية تأييدا متعجلا ورضىً شعبوياً ولا يقولون للناس لماذا لا يجد التركي والإيراني والإندونيسي تعارضا بين انتمائه لعقيدة كونية ورسالة دينية لكل الأمم وبين الانتماء لقوم ووطن وأمة ولا يطرح الأمر والسؤال عليه باعتبار قوميته متعارضة مع اسلامه وفي تجابه معه كما أن أوساطاً كثيرة لا تنزعج من صورة أتاتورك – العلماني المتأورب الثائر على الخلافة والعثمنة – تتصدر حائط قاعة لمؤتمر لحزب اسلامي عريض في تركيا ولا تتذمر من علمانية الحزب الاسلامي التي يشهرها ويدافع عنها بحرارة فائضة .

وتكمن المحنة في أن دعاة القومية لا يدافعون في المرحلة الراهنة عن أصالة وحقيقة فكرهم وضرورة تجديد الحديث عنه ولا يراجعون بعض جوانب فكرهم العتيق بالنقد والإضافة والتعديل والتجديد وبما تمليه وتتطلبه الضرورات والتغيرات السياسية والمعرفية الجارية على قدم وساق ومغاير بشكل كامل للمعهود والمألوف على الصعيد العربي والإقليمي والدولي ، وكذلك يفعل من يعارضون ويعادون الفكرة القومية من خلال مواصلة التمسك بأفكار نقضية جامدة ومتكلسة ووثوقية ترى في القومية شراً محضا مع أن دراسات هامة وغزيرة ظهرت في الكثير من مناطق العالم ( يمكن تخصيص مساحة واسعة للحديث عن غزارة الكتابات الحديثة عن القومية وراهنيتها ) من التي لا تزال تطرح موضوع الفكرة القومية وإشكالياتها وتعاين صحة أطروحاتها وبعض تجلياتها الجديدة على ضوء التصدعات الهوياتية الحديثة ، وتضيف اليها كل ما يتجلى من الظواهر الجديدة التي انبثقت بعد عام 1989 في لحظة استيقاظ القوميات في دول شرق اوروبا وتجدد الحديث عن الذات والهويات القومية والثقافية في عالم اصبحت فيه هذه الهويات تتحاور وتتصارع في الكثير من الاحيان من أجل الانبثاق والارتقاء والتبلور .

إنها صيغة من صيغ التباس المفاهيم واختلاطها والارتباك المفهومي لدى البعض وضحالة التناول وسهولة واستسهال المقاربة ، أو هي الاشكاليات الزائفة التي تطرح هنا وهناك بمجانية وبلا محددات وضوابط من أجل إعاقة عملية الاستنهاض القومي المطلوب راهناً ، أو هي عملية إعادة إنتاج لهذه الاشكاليات الزائفة لإبقاء وتكريس حالة دائمة من سوء الفهم والانغلاق على الآخر والانسياق وراء دعوات المروق والهروب من القومية والاستسلام لمشروع التفتيت المذهبي والعصبوي التحتي المتصاعد !

الإعلام والأجندات السياسية


صبحي غندور

هناك مزيج يفعل فعله الآن، ليس فقط في صناعة الرأي العام، بل أيضاً في صناعة الأحداث نفسها. وهذا المزيج يقوم على الدور الخطير الذي تلعبه الشبكة المعلوماتية وملحقات الهواتف النقالة في تحويل وسائل “الإعلام” إلى وسائل “تحريض” أو “تغيير” أو ربما أحياناً وسائل “فتنة”، فالأمر يتوقف على الأجندة السياسية لمن يملكون وسائل الإعلام وأيضاً على ما يتوفر لها من معلومات ومن “تسريبات معلوماتية”.

فتركيا شهدت مؤخراً محاولة إنقلابية عسكرية جرى احباطها نتيجة تمكن الرئيس اردوغان من استخدام هاتفه النقال لإجراء مقابلة تلفزيونية دعا فيها مناصريه إلى الخروج للشوارع لتأييده ضد الإنقلابيين، ونجح في ذلك. أيضاً، شهدت الولايات المتحدة مؤخراً تظاهرات شعبية في عدة مدن أميركية ضد ممارسات بعض عناصر الشرطة بحق الأميركيين الأفارقة، وهذه الممارسات ما كانت لتعرف لولا استخدام الهواتف النقالة وشبكات التواصل الإجتماعي لتصويرها ومن ثمّ نشرها عبر وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة.

أيضاً، فإن استطلاعات الرأي العام الأميركي أظهرت تفوق دونالد ترامب على هيلاري كلينتون بعد إنتهاء مؤتمر الحزب الجمهوري ثمّ حدثت حالة معاكسة بعد إنتهاء مؤتمر الحزب الديمقراطي حيث تُظهر الاستطلاعات تفوق كلينتون على ترامب الآن. وطبعاً حدث ذلك كلّه بسبب التغطية الإعلامية لكل من المؤتمرين على مدار أربعة أيام متتالية. فالإعلام الذي يصنع الرأي العام يصنع المرشحين أيضاً ويساهم إلى حد كبير في “انتخاب” الرئيس الأميركي.

إنّ الإعلام، في أيّ مكانٍ أو زمان، هو وسيلة لخدمة سياسة أو ثقافة أو مصالح معيّنة. وهذا ما انطبق أيضاً على مرحلة نشوء الإعلام العربي في مطلع القرن الماضي حيث كان الإعلام “العربي” انعكاساً لصراعات السياسات والمصالح والمفاهيم التي سادت في ذاك الزمن. ولذلك وجدنا أنّ الدول الغربية الفاعلة آنذاك – خاصّةً بريطانيا وفرنسا- حرصت على موازاة تأسيس الكيانات العربية الراهنة، واحتلال بعضها، بتكوين مؤسسات إعلامية، تخدم الطروحات الثقافية الغربية وتعزّز أعمدة التقسيم الجغرافي الجديد للمنطقة. ومن أجل ذلك كانت الحاجة الغربية لمنابر إعلامية، ولأدباء وكتّاب لا ينتمون فكرياً وثقافياً إلى المدافعين عن “الهويّة العربية”. فالغرب أدرك أنّ تجزئة المنطقة العربية، عقب الحرب العالمية الأولى، تتطلّب محاربة أي اتّجاه وحدوي تحرّري عربي مهما كان لونه، تماماً كما أدرك الغرب في مرحلةٍ سابقة أنّ إسقاط الدولة العثمانية ووراثة أراضيها يستدعي إثارة النعرات القومية بين الأتراك وغيرهم من المسلمين في العالم. لهذا تميّزت الطروحات الثقافية لمطلع القرن العشرين بألوان قومية أولاً (في تركيا وفي البلاد العربية) مدعومةً من الغرب، ثمّ جرى الفرز الغربي فيما بعد بين تعزيزٍ للطرح القومي التركي، وبين محاربةٍ للطرح القومي العربي بعد أن استتبّ الأمر لبريطانيا وفرنسا في المنطقة، وأُقيمت الحدود والحواجز بين أبناء الأرض العربية الواحدة.

وفي المرحلتين، استهدِفت أيضاً الهُويّة الحضارية والثقافية للأمّة العربية لأنّها تعارضت مع المشروع الغربي الاستعماري بوجهيه (هدم الدولة العثمانية أولاً، ثمّ بناء الكيانات العربية الإقليمية والسيطرة عليها بشكلٍ لا يسمح بوحدتها في المستقبل).
لكن من الضروري الإشارة إلى مسألتين تجنّباً للتعميم فيما سبق ذكره.

– المسألة الأولى: أنّ الإعلام العربي في مطلع القرن العشرين (وهو هنا إعلام الصحافة) لم يكن كلّه تغريبياً، بل ظهرت مطبوعات عربية كان لها الأثر البالغ في إحياء حركة الإصلاح الديني والدعوة للنهضة الحضارية العربية (“العروة الوثقى”، و”المنار”).
– المسألة الثانية: أنّ الكثير من الأدباء والكتّاب المسيحيين العرب قد لعبوا دوراً هامّاً في الحفاظ على اللغة العربية وتنقيتها وتخليصها من الشوائب التي لحقت بها في عصور الانحطاط، وكذلك في إعداد مجموعات كبيرة من كتب قواعد اللغة العربية (البستاني، اليازجي)، وكان لهم الفضل أيضاً في استيراد المطابع وتسهيل عمليات النشر والطباعة وتكوين النواة التقنية لمؤسسات إعلامية عربية كبيرة.

في النصف الثاني من القرن العشرين، وبعد استقلال الدول العربية عن الانتداب الأجنبي، تميّز الإعلام العربي عموماً بإخضاعه للرقابة الحكومية. وكان لبنان، في تلك الفترة، استثناءً إلى حدٍّ ما على صعيد الحريات الإعلامية خاصّةً في مجال الصحافة. ويمكن القول أنّ حصيلة التجربتين الإعلاميتين في المنطقة العربية (أي الانفتاح الكامل في لبنان والانغلاق الكامل في غيره بشكل عام) لم تساعد في صيانة وحدة المجتمعات العربية أو تذويب الانقسامات داخل البلد الواحد.

إنّ الاستثناء اللبناني في مجال الحريات الإعلامية العربية، خلال عقود ما بعد مرحلة الاستقلال، لم يمنع مثلاً من تفجّر الأزمات السياسية والأمنية داخل هذا البلد، بل على العكس، فالصحافة في لبنان تحوّلت في تلك الفترة إلى سلع تُباع وتُشرى من أطراف عربية ودولية لتكون منابر إعلامية تخدم هذه الجهات في صراعاتها ومشاريعها بالمنطقة العربية.

فللأسف تظهر في مراحل مختلفة أصواتٌ وأقلامٌ عربية تكون هي أيضاً عنصراً مساهماً في إشاعة مناخ الانقسام الطائفي والمذهبي بين أبناء الأمّة العربية، حيث تكرّر تصنيفاتٍ وتسميات كانت في الماضي من الأدبيات الإسرائيلية فقط، فإذا بها الآن تتقدّم التحليلات السياسية لبعض الأقلام العربية، وأصحابها يتنافسون على الفضائيات وعلى صفحات الجرائد فيما يؤدّي إلى مزيدٍ من عوامل الانقسام والانحطاط في أحوال الأوطان والمواطنين!.

ولقد تحوّل الإعلام العالمي في السنوات الأخيرة إلى صناعةٍ قائمة بذاتها، بل إلى مؤسسات تجارية كبرى مثلها مثل باقي الشركات والمؤسسات المالية التي تتحكّم في كثيرٍ من اقتصاديات العالم.

ويكفي الإشارة إلى أمثلة محدّدة حتّى ندرك خطورة ما يحدث على صعيد الإعلام وانعكاسه على بلادنا العربية وقضاياها المتعدّدة. فروبرت موردوخ، مثلاً، وهو من أصل أوسترالي ومعروفٌ بتأييده الكبير لإسرائيل، يملك امبراطوريةً إعلامية كبيرة تشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وأوستراليا وأكثر من خمسين بلداً في العالم. وتضمّ إمبراطوريته، عدّة صحف ومجلات ودور نشر وشبكات تلفزيونية وشركات سينمائية معروفة عالمياً، كشركة فوكس (Fox) للقرن العشرين، وخدمات على الكمبيوتر للمعلومات.
مثالٌ آخر، شركة جنرال إلكتريك في أميركا، وهي نفسها مالكة لشبكة NBC ولعددٍ آخر من وسائل الإعلام الإذاعية، أمّا شركة “والت ديزني” فقد حازت منذ أكثر من عقدٍ من الزمن تقريباً على ملكية شبكة ABC الإخبارية المشهورة في أميركا..

طبعاً هذه الشركات لها مصالح وسياسات خاصّة داخل أميركا وخارجها، وهي تلعب دوراً كبيراً في صنع السياسة الأميركية وفي ترشيح العديد من الأشخاص للمناصب الحسّاسة في الولايات المتحدة. لذلك من المهمّ التساؤل عمّا يخدمه الإعلام وليس فقط عن من يملكه.

هو الآن، في عموم العالم، عصر التضليل السياسي والإعلامي. فالتقدّم التقني، في وسائل الاتصالات والشبكات العنكبوتية وإعلام الفضائيات، اخترق كلّ الحواجز بين دول العالم وشعوبها. وأصبح ممكناً إطلاقُ صورةٍ كاذبة أو خبرٍ مختلَق، ونشره عبر هذه الوسائل، لكي يُصبح عند ملايين من الناس حقيقة. هو أيضاً، كما كان في القرن العشرين، عصر “المال والإعلام”، ومن يملكهما يملك قدرة التأثير على صنع القرارات السياسية. هكذا فعل “اللوبي الإسرائيلي” في الغرب عموماً، وفي أميركا خصوصاً، من حيث تركيزه على المؤسسات المالية والإعلامية في الغرب.

لذلك، من المهمّ أن يُعنى الآن المفكّرون والمثقّفون والإعلاميون العرب بحجم مسؤولياتهم في صنع الرأي العام العربي وبالتفكير في كيفيّة الوصول إلى مستقبل عربي أفضل، لا الاكتفاء بالتحليل السياسي للواقع الراهن فقط .. فالملاحظ هذه الأيام في وسائل الإعلام العربية هيمنة التحليل السياسي لحاضر الأمَّة، وأيضاً كثرة عدد “السلفيين” القابعين في ماضي هذه الأمّة، لكن عدد العرب، المُعدّين والساعين لمستقبلٍ أفضل لأوطانهم ولأمّتهم، يتضاءل يوماً بعد يوم ..

السوريون في لبنان يعانون من الاعتقالات وحظر التجول

أدت تفجيرات انتحارية وقعت في لبنان الشهر الماضي إلى اعتقالات جماعية وفرض حظر للتجول، وسط أنباء عن وقوع اعتداءات انتقامية على اللاجئين السوريين الذين يتواجدون بأعداد كبيرة، وهو ما بث بين الكثير منهم شعورا بالخوف والقلق.

يقول لاجئون ونشطاء حقوقيون إن الإجراءات الأمنية تصعب على السوريين -الذين يخشون بالفعل الاعتقال التعسفي- التحرك بحرية أو العمل. ويشعر البعض أيضا بتزايد العداء ضدهم من السكان في بعض المناطق.

وقال لاجئ في مخيم بسهل البقاع، طلب عدم نشر اسمه، “نحن خائفون. كانت هناك مداهمة كبيرة عند الفجر قبل بضعة أيام. جاء (الجيش) وضرب أناسا واعتقل أناسا لا يحملون وثائق أو معهم وثائق منتهية.

وأضافت “إذا حاول أحد الفرار يطلقون النار في الهواء”.

وللبنان تاريخ طويل من الصراع الطائفي وتأثر بالحرب المستمرة منذ خمس سنوات في سوريا المجاورة، ويستضيف أكثر من مليون لاجئ سوري يمثلون نحو ربع سكانه.

وتكررت الحوادث الأمنية ذات الصلة بالصراع السوري، ويشمل ذلك هجمات نفذها متشددون سنّة. وتقاتل جماعة “حزب الله” اللبنانية في سوريا دعما لرئيس النظام السوري بشار الأسد.

وفي أحدث هجوم يوم 27 يونيو حزيران فجّر ثمانية انتحاريين أنفسهم في قرية القاع قرب الحدود السورية مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص.

ولم تجد السلطات صلة مباشرة بين الهجمات التي نفذها المتشددون وبين اللاجئين السوريين الذين يغلب عليهم السنّة. وقالت إنها تعتقد أن تنظيم “الدولة الإسلامية” مسؤول عن تفجيرات القاع، وإن المهاجمين جاءوا من داخل سوريا وليس من مخيمات اللاجئين.

لكن قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي قال إن في أواخر العام الماضي مثلت المخيمات تهديدا أمنيا متناميا كمخابئ محتملة للمتشددين. وبعد هجمات القاع قال وزير الخارجية جبران باسيل إن الإرهابيين تسللوا وسط اللاجئين.

واستهدفت معظم المداهمات الأمنية بعد تفجيرات القاع مخيمات اللاجئين، بما في ذلك المخيم الموجود في سهل البقاع. وألقي القبض على أكثر من 700 سوري خلال أسبوع، ويعيش كثير منهم بأوراق إقامة منتهية أو لا يملكون إثباتات قانونية لإقامتهم. وقالت مصادر أمنية إن نحو 450 من هؤلاء ما زالوا محبوسين.

أثارت الحملة خوف اللاجئين، الذين يتجنب الكثير منهم الابتعاد عن مساكنهم خشية إلقاء القبض عليهم عند نقاط التفتيش. ويقيم كثيرون بشكل غير مشروع في لبنان لأنهم لا يستطيعون سداد رسوم الإقامة السنوية التي تبلغ 200 دولار، حتى لو كانوا مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وتنبع مخاوف بعض الساسة بشأن اللاجئين من تجربة لبنان مع المخيمات الفلسطينية، التي أنشئت بعد قيام دولة إسرائيل. وأصبح بعض هذه المخيمات قواعد للجماعات المسلحة التي تتهم بلعب دور في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية التي دارت بين عامي 1975 و1990.

وهم يشعرون بالقلق من تأثير اللاجئين على التوازن الطائفي في لبنان، حيث يتقاسم المسيحيون والشيعة والسنّة وطوائف أخرى السلطة.

حظر التجول

خلال المداهمات الأمنية في المخيمات صودرت دراجات نارية غير مرخصة، وهو ما أعاق حركة اللاجئين.

في الوقت نفسه فإن الكثير من البلديات فرضت حظر التجول على السوريين أثناء الليل.

وقال ربيع (25 عاما)، وهو سوري يعيش في بلدة خارج بيروت، “ضيقوا الخناق علينا بعد الهجمات في القاع″.

وأضاف، خلال مسيرة مناهضة للتمييز دعما للاجئين في العاصمة، “أريد أن أتمكن من مغادرة المنزل ليلا، لكنني لا أستطيع لأن البلدية فرضت حظر تجول”.

ومضى قائلا إن حظر التجول جعل من الصعب على السوريين، الذين يعملون في نوبات عمل ليلية، الوصول إلى أماكن عملهم.

وقال “في الليلة الماضية ذهب صهري ليحضر لابنه دواء لأنه كان مصابا بالحمى. تم إيقافه وإبلاغه بأنه لا يستطيع الخروج”.

وأضاف أن الشرطة صادرت بطاقات هوية ربيع وأصدقائه، بينما كانوا متجمعين في منزل في وقت متأخر بإحدى الليالي هذا الأسبوع.

وقال مسؤولون إن حظر التجول إجراء أمني احترازي.

وقال نائب رئيس بلدية مرجعيون بجنوب لبنان ساري غلمية إن حظر التجول يستمر من السابعة مساء وحتى السابعة صباحا. وأضاف أن البلدية اتخذت قرارا بمنع الأجانب من الخروج خلال هذه الفترة.

وتابع أن أهم شيء هو تعزيز مراقبة ما يحدث في البلدة وإبلاغ السلطات بأي شيء يثير الريبة.

وقال عاملا إغاثة كبيران، طلبا عدم نشر اسميهما لحساسية الموضوع، لـ “رويترز″ إن حظر التجول غير قانوني.

وأضافا أن البلديات ليست لها سلطة فرض حظر التجول، وأن هذه الصلاحية تقتصر على الحكومة والجيش بعد إعلان منطقة عسكرية أو حالة الطوارئ.

هجمات

وفي الشهر الماضي دعا باسيل وزير الخارجية إلى زيادة دوريات الشرطة للبحث عن السوريين.

وأضاف أن المجالس البلدية لها دور أساسي في منع الخروقات الأمنية، ويجب أن تمنع أي تجمهرات أو مخيمات للاجئين السوريين.

وعبّر باسيل عن رفضه لما قال إنها خطة دولية لإعادة توطين اللاجئين السوريين في لبنان بصفة دائمة، وهو ما نفته منظمة الأمم المتحدة.

وأبدت جماعات حقوقية قلقها بشأن الحملة والمشاعر المعادية للسوريين.

وقال جورج غالي من منظمة ألف الحقوقية اللبنانية إن هناك الكثير من الاعتقالات والكثير من الضرب، معبرا عن أسفه لأن القيادة المحلية بل والشرطة المحلية تهاونت معها في أحيان كثيرة وتم تبرير ذلك في إطار الوضع الأمني الحالي.

وعبّر عن قلقه من أن الاعتقالات ليست انتقامية فحسب، بل تنطوي على خوف عام من الأجانب.

وأفادت تقارير إعلامية محلية بوقوع عدد من الهجمات التي استهدفت سوريين في الأسابيع الأخيرة، منها ضرب عدة رجال في قرية مسيحية شمالي بيروت وهجومان طعنا في أماكن أخرى وحادث قتل بالرصاص في سهل البقاع.

وجرى تداول منشورات في إحدى مناطق سهل البقاع تهدد السوريين بالاغتصاب أو القتل إذا لم يرحلوا خلال 48 ساعة. وأدانت البلدية المحلية هذا المنشور.

وقال الناشط الحقوقي أشرف الحفني إن في ظل المناخ الحالي يخشى الكثير من السوريين بشدة الحديث علنا عن أي انتهاكات.

وأضاف الحفني أن هذا يحدث منذ فترة، لكن لا أحد يريد الحديث عن الأمر. وأشار إلى أن الأمور تكون على هذا الحال كل عام، بل وتزداد سوءا، وقال إن الناس يخشون الحديث وبالتالي لا تحظى القضية باهتمام.

طرائق «داعش» في إقناع الشباب الوديع بأفكاره الوحشية… رؤية نفسية




التطرف ظاهرة موجودة في جميع الأمم، وعلى مدى التاريخ. ويمثل «داعش» في الوقت الحاضر أحد أكبر منتجاته وأخطرها، نظراً إلى نطاق عمله الواسع، والتزايد المضطرد لأتباعه والمتعاطفين معه، وتأثيره الإعلامي الكبير، وقدرته الفائقة على استقطاب المراهقين والشباب ودفعهم للقيام بأعمال إرهابية غاية في القسوة وصلت إلى قتل الوالدين والإخوة. ويمكن تناول «داعش» من أبعاد دينية وسياسية وثقافية وإعلامية واجتماعية، لكن البعد النفسي لا تقل أهميته عن هذه الأبعاد، فهو يحاول توظيف النظريات والأبحاث النفسية لفهم كيف يستطيع «داعش» التأثير على الشباب واستقطابهم للانضمام إليه أو تنفيذ عملياته أو التعاطف معه.
يقدّم علم النفس بفروعه المختلفة تفسيرات مهمة لظاهرة التطرف والإرهاب من منطلق اهتمامه بديناميكيات الجماعات، والتأثير والإقناع وتغيير الاتجاهات، وسيكولوجية الطاعة، وتحول الإنسان من كائن خيِّر إلى شرير، والحرب النفسية. ويعود الاهتمام بالجوانب النفسية إلى توظيف داعش الأساليب والنظريات النفسية بأسلوب فعال غير مسبوق من الجماعات الإرهابية والسرية، ما يدل على طابع مؤسسي واحترافي في إدارة خطابه الإعلامي ووسائل الاستقطاب القائمة على المعرفة النفسية العلمية.



كيف يتحول الأخيار إلى أشرار؟
أحد الأهداف الرئيسية لعلم النفس هو فهم سلوك الإنسان والعوامل المؤثرة فيه، وهذه مهمة بالغة التعقيد، فالسلوك الإنساني تؤثر فيه عوامل عدة ولا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط. وفي كتاب «تأثير إبليس (The Lucifer Effect) فهم كيفية تحول الناس الأخيار إلى أشرار»، يقدّم عالم النفس فيل زيمباردو Phil Zimbardo تفسيراً لعملية تحول الإنسان إلى الشر (كما كانت الحال مع إبليس) يمكن توظيفه لفهم العوامل المؤدية للسلوك الإرهابي، حيث قدم في الكتاب نظرية متكاملة قائمة على دراسات علمية كان هو من أوائل من عمل عليها في واحدة من أشهر التجارب النفسية، وهي تجربة سجن ستانفورد (The Stanford Prison Experiment)، والتي تمكّن فيها من تحويل طلاب جامعيين عاديين إلى سجانين يقومون بتعذيب زملائهم الذين تحوّلوا في التجربة سجناء، حيث يعزو زيمباردو – ويشاركه في ذلك علماء نفس آخرون – أسباب السلوك الإنساني، ومن ذلك السلوك العدواني والإرهابي والمتطرف، إلى ثلاثة عوامل تعمل مجتمعة وتتفاعل في ما بينها، وهي:
– السمات الشخصية للفرد واستعداده النفسي ونزعته لسلوك معين، وهذا يتشكل من خلال الأساليب التربوية والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، ما يجعل بعض الأفراد، ونظراً إلى تكوينهم النفسي، أكثر احتمالاً للتأثر بالأفكار المتطرفة والقيام بأعمال عنف وإرهاب.
– المنظومة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها الشخص، وتشمل المعايير والأنظمة والقوانين والمعايير الاجتماعية وثقافة المجتمع بشكل عام (وتشمل البيئة على المستوى المحلي أو العالمي).
– السياق الآني الذي يوجد فيه الشخص في وقت من الأوقات، فهو قد يشكل دافعاً للفرد لتبني موقف أو سلوك معين، وتدخل تحت ذلك السياق المؤثرات الاجتماعية والإعلامية وغيرها.
لذلك، فإن التفسير المبسط الذي يعتمد على عزو أسباب تأثُّر الشباب بأفكار «داعش» والانضمام إليه أو التعاطف معه لعامل أو سبب واحد، يعيق فهم الظاهرة بشكل صحيح ولا يمكن أن يؤدي إلى حلول فعالة لها، بل إنه قد يساهم في تفاقمها وانتشارها وخروجها عن التحكم.
البروفايل الشخصي للإرهابي
حاولت الدراسات النفسية تحديد «بروفايل» معيّن للشخصية المتطرفة والإرهابية، ومنها «داعش»، ولكن من دون جدوى كبيرة، فنوعية المنتمين لـ «داعش» أو المتأثرين به أصبحت متنوعة بشكل كبير، حيث رأينا ازدياد انضمام الفتيات والنساء، واتساع النطاق العمُري ليبدأ من مرحلة مبكرة (13 سنة). كما لم يعد الانضمام إلى «داعش» أو التعاطف معه يقتصر على جنسيات أو أعراق معينة بل تجاوز ذلك ليشمل أشخاصاً من بلدان وأصول عرقية عدة. أما من ناحية المكانة الاجتماعية والمهنية، فقد شمل من ينضم لـ «داعش» الأطباء والمهندسين ورجال الأعمال وغيرهم من المهنيين، ما يخالف الصورة النمطية الشائعة، من أن أعضاءه ومثيلاته (من المنظمات الإرهابية) هم من أصحاب المستوى التعليمي والاجتماعي والاقتصادي المتدني أو العاطلين من العمل.
أما ما يعتقده البعض من أن الإرهابيين والمتطرفين هم أشخاص مختلون عقلياً أو من متعاطي المخدرات أو أصحاب السوابق أو نحو ذلك، فهو تبسيط مخل لمشكلة بالغة التعقيد، فالدراسات النفسية تدل إلى أنهم في الغالب لا يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية أو نحو ذلك، بل الكثير منهم من مرتفعي الذكاء، وهذا منطقي، لأن الجماعات المتطرفة لا تستقطب في الغالب من هو غير مستقر نفسياً، خصوصاً في الأعمال القيادية والمهام الإرهابية، لأن تلك الأعمال تتطلب السرية الكاملة والالتزام الكامل والاضطراد في المواقف والتصرفات، وهذا لا يتوافر لدى من لديه اضطراب نفسي أو عقلي. ولا يعني ذلك عدم فائدة دراسة الخصائص النفسية لأعضاء الجماعات المتطرفة، بل على العكس، فعلم نفس الشخصية وعلم النفس الاجتماعي وغيرهما من فروع علم النفس، تقدم أدوات مهمة تساعد في التعرف إلى كيفية تشكل الجماعات الإرهابية وأسلوب عملها ووسائلها في التأثير الواسع النطاق والتأثير على أفرادها، خصوصاً المستقطَبين الجدد، لكن المهم هو توظيف تلك الأدوات والأبحاث لفهم الظاهرة بشكل معمق، وألا يركز على الشكل على حساب المضمون.

الاستراتيجية النفسية في الاستقطاب
تقوم استراتيجية داعش في استقطاب أعضائه، خصوصاً من النشء والشباب، على الجوانب النفسية بشكل أساسي، وذلك من خلال الاعتماد في خطابه على تلبية الاحتياجات الرئيسية للإنسان والتي تحدث عنها علماء النفس، مثل أبراهام ماسلو وغيره. بل إن بعض علماء النفس يشير إلى أن داعش يعتمد في الاستقطاب على العامل النفسي أكثر من العامل الديني، حيث يشكك الدكتور كروغلانسكي (Kruglanski) أستاذ علم النفس في جامعة ماريلاند في الولايات المتحدة الأميركية، وأحد مؤسسي المركز الوطني للتميز في دراسة الإرهاب والتعامل معه، في أن المعركة الحقيقية التي تدور حول عقول المتحمسين لـ «داعش» وقلوبهم يمكن كسبها بالاعتماد على مرتكزات دينية فقط، إذ إن استراتيجية «داعش» في الاستقطاب تقوم في الغالب على أسس نفسية وليست دينية كما يقول، ومن هنا فإن التناول يجب أن يكون نفسياً لدرجة كبيرة.
وفي ما يلي بعض الاستراتيجيات ذات الأبعاد النفسية التي يستخدمها «داعش» في الاستقطاب:
توفير أجوبة لتساؤلات حائرة (الإغلاق المعرفي). من أهم الحاجات النفسية عند الإنسان الحاجة إلى الإغلاق المعرفي (Cognitive Closure) التي تشير إلى الحاجة للابتعاد من حالة عدم اليقين (Uncertainty) والغموض التي تؤدي بالإنسان إلى التوتر والقلق والتنافر المعرفي (Cognitive Dissonance)، والحاجة للوصول إلى حالة يكون فيها نوع من يقين الشخص حول مستقبله: ماذا سيعمل، وإلى أين سيذهب، وماذا سيقدم في حياته. ويربط كروغلانسكي بين الحاجة إلى الإغلاق المعرفي والتطرف، حيث يشير إلى أن الأوضاع الحالية التي يعيشها العالم تزيد في حاجة كثير من الناس إلى الإغلاق المعرفي وتوفير إجابات مقنعة حول ما يجري، ما يؤدي بهم إلى حالة من عدم اليقين، تدفعهم للبحث عن تفسيرات مقنعة وإلى الحصول على الجواب. هنا تأتي الجماعات المتطرفة، ومنها «داعش»، بتوفير أجوبة قطعية (أسود أو أبيض) مباشرة لتلك التساؤلات، وتعِدُ بحلول سريعة للمشكلات التي تواجه الأفراد والمجتمعات و «الأمة» بشكل عام، حيث تربط أجوبتها والحلول التي تقدمها مباشرة بين السبب والنتيجة، وتُشعر الناس بأنه في إمكانهم توقع المستقبل والتأثير فيه والتحكم به. وبغض النظر عن صحة الأجوبة التي تقدم، إلا أن تأثيرها على الناس كبير، فهي تنقلهم من حالة عدم اليقين وما يصاحبها من قلق وتوتر إلى حالة أخرى يشعرون بارتياح أكثر فيها. فـ «داعش» بهذا يقدم صورة أكثر وضوحاً للعالم، يستطيع الأشخاص (وخصوصاً النشء والشباب) فهمها وتبنّيها بسهولة، كما أنه يقدم لهم خيارات ويعدهم بحلول لمشكلاتهم ومشكلات مجتمعاتهم وأوطانهم وأمتهم. ويشير كروغلانسكي إلى مجموعة من الأبحاث التي وجدت أنه كلما زادت الحاجة إلى الإغلاق عند الشخص زاد التطرف. هذه النتيجة تم التوصل إليها في دراسات أجريت في دول عدة، منها المغرب وفلسطين وإسبانيا والفيليبين وإرلندا الشمالية وسيريلانكا، بل إن الدراسات وجدت أن الأشخاص الذين يتوقون للإغلاق بشكل كبير يحملون أفكاراً متطرفة يصاحبها انتقاص وازدراء للأشخاص الذين لا يشاركونهم أفكارهم والشعور بأن لديهم مبررات أخلاقية لتحطيمهم بأي طريقة.
توفير الهدف والمعنى للحياة والشعور بالقيمة الذاتية
من الحاجات الرئيسية للإنسان حاجته إلى وجود هدف ومعنى في حياته والشعور بأن له قيمة في المحيط الذي يعيش فيه. ويوظف «داعش» هذه الاستراتيجية بشكل فعال، حيث يسعى إلى ملء الفراغ الذي يعيشه بعض النشء بسبب عدم وجود أهداف لحياتهم يسعون إلى تحقيقها أو شعورهم بعدم القيمة أو التهميش، كما أن «داعش» يقدم مكافأة لمن ينتمي إليه، بزعمه أنه يتيح لهم الفرصة ليكونوا من «النخبة المميزة» التي تسعى لتحقيق هدف سام يتمثل في «قتال الكفار» وتحقيق «دولة الخلافة» أو «الشهادة في سبيل الله»، أي المكانة العليا كمجاهد في الحياة الدنيا، وخير الجزاء عند الاستشهاد، وغير ذلك من المزاعم الضالة. وهذه استراتيجية فعالة في الكثير من المتلقّين، خصوصاً من هم في سن المراهقة والشباب، فعندما يعتقد الواحد منهم بأن عملاً ما سيوصله إلى الجنة فسيتعاطف معه، ويكون من السهل استقطابه إلى المنظومة التي ستساعد في تحقيقه.
إثارة روح الإحباط وتوفير فرص «للانتقام»
يستخدم «داعش» والجماعات الإرهابية بشكل عام أسلوب إثارة روح الغضب لدى النشء حول مختلف جوانب حياتهم وحياة مجتمعهم ودفع صاحبها للانتقام، ومن الوسائل المتبعة لذلك غرس السلبية واليأس والإحباط وتقديم فكرة «الدولة الإسلامية» كحل. إن من عناصر القوة لدى «داعش» والجماعات الإرهابية الأخرى قدرتها الفائقة على توظيف الإحباط والشعور باليأس لخدمة أغراض العنف والإرهاب، واستغلال البنية النفسية الهشة عند بعض الشباب وعدم تمتعهم بشخصية مستقلة أو القدرة على قول «لا» ومواجهة الضغوط أو المغريات. وجدير بالتنويه هنا، أن علاقة عامل اليأس والإحباط بالتطرف أو العدوان بشكل عام، ليست علاقة سببية، بل هناك متغيرات وسيطة بينهما، مثل طريقة تفكير الإنسان وقدرته على التعامل مع ضغوط الحياة والتفكير المنطقي الذي يحول الإحباط إلى دافع للعمل والإنتاج.
التصنيف (نحن وهم)
التصنيف أحد أهم الوسائل التي يستخدمها المتطرفون لاستقطاب النشء لأفكارهم أو جماعاتهم. ويُستغل التصنيف لتوفير هوية للفرد تميزه عن الآخرين، وتستغل هذه الحاجة عند بعض الشباب فيوفرها لهم المتطرفون، فيصبح الشاب منتمياً إلى كيان له أفكاره وأهدافه الواضحة، كيان يُشعر أتباعه بأنهم «أفضل وأكمل وأنقى» من الآخرين، وأن الآخرين لا قيمة لحياتهم. وبالتالي، فهم لا يستحقون العيش، ناهيك عن التعايش. ويوظف «داعش» والجماعات المتطرفة ذلك بأسلوب يحقق أهدافها ويبرر ممارساتها الإجرامية، فإخراج الإنسان من دائرة المؤمنين إلى الكفار، يقود للتقليل من قيمة حياته، وأنه لم يعد يستحق الحياة أو الاحترام.
الطاعة العمياء
هذه استراتيجية أخرى مهمة يستخدمها المتطرفون لاستقطاب الشباب، وهي تعتمد على طمس شخصيتهم المتفردة والمستقلة، وإدخالهم في نمط التفكير الجمعي والالتزام بأفكار الجماعة والطاعة العمياء لها. فرسالة «داعش» وغيره من الجماعات السرية والإرهابية لأفرادها هي: اتبعني أوصلْك إلى الطريق الصحيح لتحقيق «أهدافك»، وأنه ليس هناك داعٍ للتفكير باستقلالية أو التصرف وفقاً لقناعات شخصية، وبالتالي طمس التفرد والاستقلالية لدى الفرد وجعله يتحرك وفقاً لما تريد الجماعة.
توفير نموذج البطل وتمهيد الطريق للبطولة
الحاجة إلى الإنجاز والنجاح من الاحتياجات الأساسية عند الإنسان، والنشء والشباب يتطلعون لأن يكونوا أبطالاً لهم إنجازات، وأن يشار إليهم بالبنان، وأن يحظوا بتقدير الآخرين. ويستغل المتطرفون هذه الحاجة عندما يُشعرون الشاب بأنه هو أيضاً يمكن أن يكون بطلاً وفقاً لمفهومهم المنحرف للبطولة. وتزداد الخطورة عندما يتحول «داعش» وقادته في أذهان الشباب ليصبح رمزاً للثورة والتمرد، كما كان غيفارا وغيره، خصوصاً أن بعض الشباب يبحثون عن هذه الرموز نتيجة شعورهم برفض المجتمع والسلطة الوالدية والسياسية، وحاجتهم إلى رموز بديلة.
إشباع الحاجة للانتماء
الحاجة للانتماء من أهم الحاجات التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها، وتقوم الجماعات الإرهابية، و «داعش» منها، بمحاولة إشباع هذه الحاجة عند النشء والشباب من خلال إتاحة الفرصة لهم للانتماء إلى كيان أو فكرة أو جماعة، وغرس الشعور عندهم بأنهم جزء من كيان له رسالة سامية تتمثل بإعادة «أمجاد الأمة» التي حكمت العالم من المحيط إلى الصين. والشعور بالانتماء لا يشبع حاجة ملحة فقط، بل يشكل مؤثراً قوياً على أفكار الفرد وسلوكه. ولا تقتصر استراتيجية داعش على إشباع حاجة الفرد للانتماء، بل توفر له المساندة الاجتماعية والعاطفية والمادية، ولذلك يصبح كل شيء في حياته يتمثل فكرها حتى يضمن مكانه فيها، وحتى يحافظ على الامتيازات التي تقدم له فيها، وحتى إنْ وجد أن بعض قناعات الجماعة تخالف قناعاته الشخصية والأخلاقية وما تربى عليه سابقاً، إلا أنه يتبنى رأي الجماعة، لأنها تمارس ضغوطاً على الأفراد المنتمين بسحب المميزات التي حصلوا عليها، وبعقابهم إذا انحرفوا عنها، ولذلك يجد الشاب نفسه في النهاية قد «تورط»، ما يجعل عصيانه الجماعة خطراً عليه. ويرتبط بهذه الاستراتيجية التي يستخدمها «داعش» لاستقطاب الشباب أسلوب آخر يعتمد على فصل الشاب شعورياً عن مجتمعه «الجاهلي» أو «الكافر»، على حد زعمهم، من خلال غرس القناعة لديه بأن الانتماء إلى المجتمع أو «الوطن» يتعارض مع الانتماء إلى الكيان الأكبر، وهو «الأمة»، وأن تلك التنظيمات هي الوحيدة الجديرة بأن تمثل الأمة، من خلال «الخلافة» المزعومة. وهذا الأسلوب يجعل من السهل وقوع الشاب فريسة للاقتناع بأفكار الجماعة وممارساتها المتطرفة مهما بلغت من الوحشية.
دروس مستفادة من الأبحاث النفسية
– إن الاقتصار على نقض خطاب «داعش» وتكذيبه وتخطئته لن يكون فعالاً من دون أجوبة على التساؤلات التي تحير الشباب وتعرضهم لحالات مستمرة من عدم اليقين، حيث يجب تقديم إجابات مقنعة لهم قبل أن يلجأوا إلى الجماعات المتطرفة بحثاً عن ذلك.
– إعادة صياغة مفهوم البطولة ونصرة الدين في أذهان النشء من خلال توجيههم بأن تميُّز الفرد في دراسته أو عمله هو أفضل خدمة للدين، وأن البطولة تتحقق بعمل الخير ونبذ الشر والمساهمة في بقاء الوطن قوياً ومتماسكاً وآمناً وليس بالقتل والإرهاب. بالإضافة إلى إتاحة الفرص للشباب لأن يكونوا أبطالاً حقيقيين من خلال توفير مشاريع إنتاجية تتيح لهم الإبداع وإظهار طاقاتهم الكامنة وتحتفي بإنجازاتهم.
– تربية النشء لتكون له أهدافٌ في حياته يكرس جميع جهوده وتفكيره وطاقته من أجلها، فمن لديه هدف وتعلم كيف يحققه سيستمر في طريق ذلك، أما من يعيش بلا هدف فسيسهل اختطافه لتحقيق أهداف الآخرين والتضحية بحياته «وحياة الآخرين» ثمناً لذلك.
– تركيز الممارسات التربوية والتعليمية على تنمية الشخصية والتفكير المستقلين، وعلى عدم مسايرة الآخرين من دون تفكير ونظر في عواقب أفعاله على نفسه وعلى الآخرين. إن البيئة الأسرية والمدرسية والمجتمعية التي تشجع التساؤل ولا تكبته، وتدعم الحوار الحقيقي، هي التي يخرج منها جيل يصعب نجاح المتطرفين في التأثير فيه.
– إشباع حاجة الفرد للانتماء، بأن تكون الأسرة متماسكة وتهتم بجميع أفرادها وتمارس معاً اهتمامات مشتركة، وتعزيز تماسك المجتمع المحلي والجوار وتكثيف برامج تعزيز الانتماء للوطن والهوية الوطنية.
– تربية النشء والشباب على التحكم بمشاعر الغضب والإحباط وتوجيههما ليصبحا قوة إيجابية تدفعهم إلى العمل والإنتاج ومنع الإحباط، وذلك بتعليمهم أن يفرقوا بين الغضب والسلوك الذي قد ينتج عنه، فمن الطبيعي أن يغضب الإنسان، ولكن ليس من الطبيعي أن ينتقم بنفسه، أو أن يسمح لمشاعر الغضب بأن تتحول إلى كراهية تمنعه من التمييز بين الصواب والخطأ.
– تصميم برامج الوقاية وفق أسس علمية منتظمة وليس في شكل جهود مشتّتة لا توظف أساليب الإقناع والتأثير والتنشئة الاجتماعية المناسبة، وإشراك المجتمع ومؤسساته في تنفيذها.
– تبنّي خطاب إعلامي فعال غير تقليدي يوظف النظريات والأساليب النفسية في الإقناع وتغيير الاتجاهات بأسلوب جذاب يراعي خصائص المستهدفين.


 

2016/07/01

هل حصل الطلاق البائن بين ريفي والحريري؟!




الهوّة التي بدأت بين أبناء البيت السني الأزرق، لم تردمها القبلات المتبادلة عشية مهرجان ذكرى 14 شباط في البيال، إذ أعلن الوزير استقالته من الحكومة في 20 شباط 2016 وأنّه لن يكون شاهد زور في ظلّ هيمنة حزب الله على الدولة.

الشرخ بين الحريري وريفي لم يتوقف عند تغريدة تويترية، بل تمثّل بعدة مواقف متتالية، منها إعلان الوزير المستقيل أنّه ليس من تيار مستقبل وإنّما حالة حريرية مستقلة، ثمّ دعوته فيما بعد الحريري للعودة لنهج ابيه ولخطّه وللثوابت، وتأكيده أنّ مواقفه الأخيرة تتقاطع مع مواقف الشهيد.

كلّ هذه التطوّرات كانت باكورتها الانتخابات البلدية، والتي خاضها الرئيس الحريري بتحالف سياسي مع الأطراف النقيضة، ممّا دفع الوزير أشرف ريفي لمواجهة هذا التحالف الهجين كما سمّاه، بلائحة مستقلة تعكس مناخ طرابلس الذي لا يمكن أن يسمح لا لحزب الله ولا لمشروع النظام أن يتظلل به.

تَرّشُح ريفي أمام الحريري، حوّل المعركة إلى معركة زعامات، ووجه الأنظار نحو القائد السني الأوّل، لا سيما وأنّ طرابلس هي عاصمة السنّة.

هذا التحدي، زاد المسافات فأصبح الالتقاء بين الطرفين صعباً وهذا ما أوضحته وسائل إعلامية سرّبت أنّ الرئيس الحريري طلب من السفير السعودي عدم دعوة الوزير أشرف ريفي لمأدبة العشاء التي دعا إليها جميع أفرقاء السياسة.


الأزمة الحريرية- الريفية، انفجرت جلياً بعد الانتخابات البلدية، فكان التوّجه الشعبي – السني لصالح الوزير المستقيل، نتيجة لم يتوقعها التحالف السياسي المؤلف من حيتان المال والسياسة، كما لم ينتظرها ريفي نفسه الذي كان يعتبر أنّ الخرق ولو باسم واحد هو انتصار، وكان من انعكاساتها استقالة النائب روبير فاضل.

هذه الإعادة الموجزة للمرحلة الريفية – الحريرية، إنّما للتوقف عند زيارة الحريري إلى طرابلس والتي ترافقت بتصريح ناري قال من خلاله علناً لاشرف ريفي “حل عن رفيق الحريري وعن المزايدات والعنتريات على بيت الحريري باسم رفيق الحريري”، كما اتسمت بتجاهل لزيارته أو زيارة النائب خالد الضاهر.

الحريري وأثناء تواجده في طرابلس حاول أن يستوعب المناخ العام، وعمل على استقبال العديد من الناشطين والشباب الذين ينتقدونه عبر مواقع السوشيل ميديا سياسياً، فاستمع لاسألتهم وأجابهم بصراحة، وكان من الأسئلة التي طرحت عليه، لماذا من يحمل مفهوم الاعتدال ومن يقدم التنازلات إن لحزب الله أو لميقاتي أو لغيره، لا يقوم بأيّ خطوة ايجابية تجاه الوزير اشرف ريفي .

عن هذا السؤال، يفصل سعد الحريري بين الخصم والحليف وبين ابن البيت الأزرق، موضحاً أنّ الحليف لا يعوّل على مواقفه ولا يؤذيه طعنه وكذلك الخصم، وهو إن قام بخطوة اتجاه أيّ منهما فكونهما يخالفانه، والتضحية هي لأجل الوطن، إنّما ابن البيت الواحد فهو ليس بحليف ولا خصم بل يجمعه به السقف السياسي والخط والنهج، وأيّ خروج عليه هو انقلاب.

كذلك، يتساءل الحريري أمام زواره إن كان أشرف ريفي أو خالد ضاهر يريدان أن يقيما زعامات على حسابه بالمزايدة عليه بمواقفهما.

من جهة ثانية، تهمس مصادر متابعة أنّ أيّ تنازل سوف يقدّمه الحريري في هذين الملفين، سوف يزعزع مكانته السياسية، فالحريري رئيس تيار سياسي في نهاية المطاف وتقديمه التنازلات للمعترضين سوف سؤذيه شخصياً.

في سياق آخر، يصرّح النائب خالد ضاهر عن استقبال عكار وببنين للحريري بعد ما أعلنه مؤخراً، بأنّ “أهل عكار وببنين هم أهالي الكرم، والزائر هو سعد الحريري ابن الشهيد رفيق الحريري ولا بدّ أن يتم استقباله أفضل استقبال”.

ويضيف ضاهر”انتقادي للحريري أنّه كان عليه أن يدخل البيوت من أبوابها”، متسائلاً، “ليقرأ مستشاروه الشارع الطرابلسي بعد تَجاهُل كل من أشرف ريفي وخالد ضاهر”.

مظاهر غياب العقل العربى ومهامه للحضور ..!

 
محمود كامل الكومى 

افضل مارزق الله بة عبادة ومَن بة عليهم (العقل)-الذى هو الدعامة لجميع الاشياء ,والذى لا يقدر احد فى الدنياعلى اصلاح معيشتة ولا احراز نفع الا بة .

وكذلك طالب الآخرة,المجتهد بالعمل المنجى بة روحة, لايقدر على اتمام عملة,الا بالعقل,الذى هوسبب كل خير ومفتاح كل سعادة.

والعقل مكتسب بالتجارب والادب.
ولة غريزة مكنونة فى الانسان كامنة كالنارفى الحجر,لاتظهر ولايرى ضوئها حتى يقدحها قادح من الناس ,فاذا اُقدحت ظهرت طبيعتها.

وكذلك العقل كامن فى الانسان لايظهر حتى يظهرة الادب وتقوية التجارب.
ومن نتاج العقول يتشكل العقل الجمعى للمجتمع....

كان لابد من هذة التقدمة,,ونحن ندرك غياب العقل العربى فينا.
ولعل ابرز مظاهر غياب العقل العربى ..........

انة لايستطيع ان يفرق بين العدو والصديق,بل فى كثير من الاحيان يساهم العقل العربى المغيب ,فى تمرير مؤامرات الاعداء التى تُحاك ضد الامة العربية ..........

ويبدو العقل العربى (اليوم)ممثلا فى شعوبة وعلى الاقل نخبة, وكأنهم منقسمون على كل القضاياالرئيسية فى حياة الامم... فهم منقسمون :

1-على القيم الحاكمة لحياتهم 2-على رؤيتهم لتاريخهم 3-على علاقتهم بالخارج الثقافى والحضارى
4-على فهمهم لكليات دينهم ذاتة(الاسلام -خاصة).

ان صعود بعض تيارات الاسلام السياسى -ممثلة فى الاخوان المسلمين - وكذلك التيارات التكفيريه المنبثقه عن الوهابيه التى تأصلت فى حكم آل سعود وما نشأ عنها من تنظيمات جاهليه " القاعده وداعش والنصره وبيت المقدس وجند الشام وأحرار الشام , وما نتج عنها من نشر الفوضى والارهاب فى ربوع أمتنا العربيه .
يساهم الآن بدرجة اوبأخرى فى تغييب هذا العقل العربى .
فقد عملت هذة التيارات على ..
1- تأجيج الصراع والانقسام الداخليين فى البلد الواحد 2- تبنى تصورها الخاص للاسلام

3- اختزال دينا توحيدياعظيما ,الى مجرد خطاب وشعارات سياسية .

4-ادلجة الاسلام ,وتحويلة الى مجرد برنامج عمل سياسى .

5-تجربة الحكم فى السودان من قبل لم تكن مضيئة,وتجربة تونس ومصر,بداياتها متعثرة, ومقدماتها المبنية على الشعارات الكاذبة . وعدم تحقيق حد ادنى مما وعد بة ,لاتؤدى الى نتائج, لكنهاترسخ استغلال معاناة الشعب لتحقيق مكاسب الوصول للسلطة , دون انتشال التدنى فى العقل والوصول الى الرشد,,وهو ماساهم فى غياب العقل العربى بشكل او بأخر وحتى حينما انكشف زيفها وأنهار حكمها فى مصر وتونس , فأن ذلك لم يصب فى خانة تنوير العقل بسبب تأصيل الثأر بين أبناء البلد الواحد مما ساهم أكثر فى تغيب العقل وترديه .
—————
كان تغيب العقل العربى (ابتداءا)من احداث الفتنة الكبرى التى دارت ست سنوات وانتهت بقتل عثمان.
وخلال الخلافة الاموية والعباسية برز بعض من التجليات للعقل العربى , لكن كلها انتهت الى ضمورفى العقل العربى لسبب اولآخر.
وخلال القرن ال17 وبداية ال18 ,,دعا علماء ومصلحون كبار الى تحرير الدين مما علق بة من قيود التقليد والخرافة ..والى احياء الاجتهاد.

حتى كان القرن ال19 فكان قرن ازمة العقل العربى الاسلامى,وفية..
تراجعت الجيوش العثمانية
واحتل نابليون بونابرت مصر وسيطرت بريطانيا على عدن ثم مصر وسيطرت فرنسا على تونس والجزائر.
وهوماادى الى تراجعات شديدةنحو تقدم العقل العربى,,,,,,,,,,,,, صاحبها ,,

اختراق ثقافى (تمثل فى محاولات طمس الهوية , وفصل الحدود, والقضاء على اللغة العربية واستبدالها بلغات دول الاحتلال (دول شمال افريقيا),

ثم اختراق غربى واسع للاسواق العربيةعلى شواطىء المتوسط والخليج ,, مما دفع البعض من القائمين على الدول العربية الى اتخاذالقوانين والمؤسسات الاوربية مثالا لها,,وهو ما أدى الى تعزيز سلطة الدولة وسيطرتها على التعليم .
وكان هدف النظام التعليمى انتاج موظفين ,,مماساهم فى انحدار العقل العربى -لاعلماء تنتشل العقل العربى من الانحدار-
وقد استوردت الانظمة القانونية من الغرب كما هى ..واخذت طبقة العلماء فى الانحداروبدأ النظام الاخلاقى فى التراجع.
وسط دباجير الظلام هذة لاحت نقطة ضوء ,فترة من الزمن,ساعدت فى نمو العقل العربى واتقادة.

فاذا كنا فى البداية قد عرفنا العقل بانة لة غريزة كامنة فى الانسان لايرى ضوئها حتى يقدحها قادح من الناس,

فقد لاح فى الافق ذلك القادح . وظهر جمال عبد الناصر.حيث اخذت الفترة الناصرية من 1953 حتى1967 تساهم بشكل اوبأخر فى عودة الروح للعقل العربى .
فعرف العقل العربى طريقة نحو الصديق وعدائة للعدو ,
وساهم فى تعميق الانتماء العروبى , والنضال من اجل الوحدة,وانتشرت من القاهرةالبعثات والعلماء الى كافة انحاء الدول العربية من اجل الارتقاء الثقافى والادبى والعلمى بشعوبها
فنتج عن ذلك تنوير اضاء العقل العربى , ولو لبعض الوقت .
وصارت مصر والامة العربية,محط انظار العالم ,وفاعل يخشى منة.

وكانت النظرة الامبريالية قد استشاطت من هذا النمو للعقل العربى.

1 فنفذت مؤامرة عدوان 1967 على مصر والاردن وسوريا , وهو ما اعاد العقل العربى الى ضمورة من جديد.

2 وفرضت معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية (السادات -بيجين)ثم وادى عربه بين (النظام الأردن واسرائيل ) وأتفاقية أوسلو (عرفات أسرائيل )التى أدت جميعها الى تبعية العقل العربى من جديد لقوى الاستغلال الامبريالى.
3 وأخيراً فرضت الأمبرياليه والصهيونيه على دول الخليج تكوين مجلس التعاون الخليجى ليكون آليتها لتدمير الجامعه العربيه وهو ما تحقق الآن لتواصل تلك الآليه تفتيت الدول العربيه فى العراق وسوريا واليمن وليبيا بتمويل كل الحركات الأرهابيه تحقيقا للأمن الصهيونى , وهنا يكون العقل وقد تفتت هو الآخر .
4 أنشاء قناة الجزيره القطريه التى ساهمت فى أصابة العقل العربى بالسرطان الفكرى وغدت الديماجوجيه تحوم حول للفكر فتشيطنه .
5 نقل مراكزالتنوير الفكرى من القاهره ودمشق وبيروت وبغداد حيث الثابت مدى اشعاعاتها الفكريه التى تنير العقل العربى على مدى التاريخ ,الى دبى وابو ظبى والدوحه حيث الثابت مدى سيطرة الموساد الصهيونى وال C I A على هذه المراكز وجعلها طريق العقل العربى الى الغياب .
6 مشاركة بعض المحسوبين ععلى الفكر العربى وكذلك الشخصيات الرسميه العربيه مؤتمرات الصهيونيه التى تعقدها سواء خارج فلسطين المحتله وعلى ارض فلسطين وأخرها :أنعقاد مؤتمر فى هرتسيليا ً تحت عنوان " نحو بلورة استراتيجية صهيونية للمناعة ا لقوميه "
المشاركون :عرب من الخليج خاصة قطر"سلمان الشيخ،" مدير سابق لمركز بروكينجز الدوحة، والسعوديه ضمت قائمة المشاركين كذلك سفيرى مصر والأردن لدى الصهاينه وعضو من اللجنه التنفيذيه لمنظمة التحرير الفلسطينيه .. وكذلك ممثل مايسمى بالجيش السورى الحر عصام زيتون " وهو شىء طبيعى للأخير كعميل ينفذ سياسة أسرائيل فى تفتيت سوريا "..
ورياض خوري، أستاذ جامعي أردني،
الهدف : أمن أسرائيل القومى بتقويض الأمن القومى العربى وأشعال النار فى ربوع الدول العربيه من اجل القضاء نهائيا على فكرة الوحده العربيه وانهاء القوميه العربيه .

وهو ماادى الى ماوصلنا الية اليوم من غياب الرؤى ,وتعامى العقل العربى عن المفاضلة بين العدو والصديق.

بل ان الامر وصل الى حد تفضيل العدو على الصديق والادهى انة ساهم فى نجاح مؤامرات الاعداء لتفتيت الامة العربية,(كما حدث للعراق وليبيا , وما يبغون لة ان يحدث فى سوريا واليمن ).
——————-
والسؤال الآن..أليس من قادح يقدح النارالكامنة فى العقل العربى حتى يرى ضوئها وتظهر طبيعتها؟؟
يرى د|محمد عابد الجابرى(نقد العقل العربى -3 )

انة يجب الا ينسينا ذلك ((النموذج الامثل ))الذى برزت كثير من ملامحة خلال الدعوة المحمدية, لقد رفض النبى (ص)مرارا ان يسمى ملكا اورئيسا ..محددا هويتة بأنة نبيا رسولا لاغير.
وان اتباعة لم يكونوا ينظرون الى انفسهم ولم تكن قريش تنظر اليهم (على انهم مرؤسون محكومون)
بل كانوا يسمون انفسهم وكان العرب يسميهم (اصحاب محمد او صحابتة).

وقد رسم القرآن الاسس التى تبنى عليها هذة الصحبة ,فذكر منها الشورى.

فكان اسلام عهد النبوة (نموذج مفتوح)بمعنى انة يقبل اضافات كثيرة مختلفة ومتباينة.
ومع ذلك فان اعتبار هذة المعالم الاربعة ..
1-وامرهم شورى بينهم 2-وشاورهم فى الامر 3-انتم ادرى بشئون دنياكم4-كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيتة , كضوابط موجهة او كأصول تأسيسية,تسد الباب امام جميع انواع التسلط والاستبداد

واذا كان العاقل هو من يبلغ بحيلتة مالايبلغ بالخيل والجنود .

فان مهام العقل العربى تتجلى فى..

1-تحويل القبيلة فى مجتمعنا ..الى تنظيم سياسى اجتماعى(احزاب ,نقابات ,مؤسسات دستورية ) ,أى بناء مجتمع فية تمايز واضح بين المجتمع السياسى (الدولة واجهزتها)والمجتمع المدنى (التنظيمات المستقلة) , مما يؤدى الى فتح الباب لقيام مجال سياسى حقيقى يتم فية صنع القرار-ويقوم فاصلا وواصلا-بين سلطة الحاكم و امتثال المحكوم.
واذا كان هذا التحول يتم عبر تطور اجتماعى ,سياسى ,ثقافى ........اِلا أن هذا لايلغى دور العقل والممارسة .
2-تحوبل الاقتصاد الريعى الى اقتصاد انتاجى .

ان التكامل الاقتصادى الاقليمى ,وفى اطار سوق عربية مشتركة تفسح المجال لقيام وحدة اقتصادية بين الاقطار العربية..........هو الاساس الضرورى لتنمية عربية مستقلة, وهذا يتطلب التصدى للآليات الصهيونيه التى أُنشئت لغزو العقل العربى وتفتيت بنيان الأمه العربيه " مثل مجلس التعاون الخليجى وكافة القنوات الفضائيه الخليجيه المموله بالبترودولار", وفى العموم التصدى للرجعيه العربيه وعدم الأمان لها على الأطلاق بأعتبارها عميلة الأستعمار والصهيونيه , والفاعله على تدمير العقل الجمعى للشعب العربى ونشر اللاوعى .

3-تحويل العقيدة الى مجرد رأى.
وهذا معناة التحرر من سلطة عقل الطائفة ,,والتعامل بعقل اجتهادى نقدى, فالفكر العربى مطالب الآن اكثرمن اى وقت مضى بنقد المجتمع ونقد العقل .
وبدون ممارسة ذلك بروح علمية سيبقى كل حديث عن النهضة ووحدة الوطن العربى اضغاث احلام.

فهل من يحول الحلم الى حقيقة؟,ويقدح الغريزة المكنونة فى الانسان العربى (العقل)حتى يرى ضوئها ويظهرطبيعتها .

ثمن المصالحة التركية الروسية

 
 سمير صالحة
 
عندما يعرب الناطق الرسمي باسم الحكومة التركية، نعمان كورتولموش، عن أمنيته في أن تساهم تهنئة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه، بن علي يلدرم، لنظيريهما في روسيا فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف، بمناسبة العيد الوطني لروسيا، في إعادة العلاقات بين البلدين التي تضرّرت نتيجة إسقاط المقاتلة الروسية في أكتوبر/ تشرين الثاني المنصرم إلى سابق عهدها ، فهو يوجه بذلك رسالةً تركية واضحةً تعكس استعداد أنقرة لتفعيلها سياسياً ودبلوماسياً باتجاه تحريك قنوات الاتصال المباشر وغير المباشر، وعلى المستويات كافة، للوصول إلى النتيجة المرضية للجانبين. 

لم تتأخر موسكو كثيراً في الرد على التحية التركية، عندما أعلن بوتين أن بلاده ترحب بإعادة العلاقات إلى سابق عهدها، مع بعض التحفظ حول وجود ما ينبغي أن تفعله أنقرة أولاً. وسارع الرئيس التركي، مرة أخرى، للإعلان أنه تسلم رسائل موسكو الانفتاحية، فأمر بإدراج اسم السفير الروسي في أنقرة، ألكسندر كارلوف، على لائحة المدعوين للإفطار الرئاسي الذي أقيم لأعضاء السلك الدبلوماسي في تركيا، ليأتي الرد الإيجابي بقبول الدعوة الذي لم يكن ليتم من دون موافقة الكرملين مباشرة. ثم جاء دور موسكو، هذه المرة، مع قرار وزارة الدفاع الروسية إشعال الضوء الأخضر أمام طائرات استطلاع تركية بالطيران في الأجواء الروسية وفق اتفاقية "الأجواء المفتوحة"، على الرغم من أنّ تركيا رفضت طلباً روسياً مماثلاً في فبراير/ شباط الماضي، ليعقبه، على الفور، إعلان نائب وزير الخارجية الروسي، فايلي نيبنزيا، أن بلاده وجهت الدعوة لتركيا لحضور اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود، في مدينة سوتشي جنوب غرب روسيا الشهر المقبل، تاركا الباب مفتوحاً أمام جلسة مباحثات تركية روسية مباشرة، في حال حضور وزير الخارجية التركي، مولود شاووش أوغلو القمة. 

باتت المسألة أكثر وضوحاً حول تقدّم لغة الانفتاح على أسلوب التصعيد والانغلاق في البلدين. ويستخدم الرئيس التركي نبرةً لا تُقارن بنبرة ما قبل سبعة أشهر من التحدّي والتهديد والوعيد "لا نعرف ما تتوقعه موسكو، لدي صعوبات في فهم الخطوة الأولى التي ينتظرونها". ويذكّر بوتين الأتراك، في زيارته اليونان أخيراً، بأن "روسيا لم تفكّر مطلقاً في الذهاب إلى الحرب مع تركيا، لكن الأمر لم يقتصر على طائرتنا التي أسقطت، بل قتل طيارنا أيضاً. تلقينا تفسيرات، ولكن لم يصل إلينا اعتذار". هل يعني هذا التطور أن تركيا جاهزة لمد يدها أولاً نحو روسيا، وأن ذلك لن يفسّر على أنه أقصى ما يمكن لأنقرة أن تقدّمه باتجاه إعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين؟
قبل أن يقول بوتين إن روسيا لن تنسى إسقاط الطائرة وقتل الطيار، وإن تركيا ستندم على فعلتها، ولن تفلت من العقوبات، كان البلدان يتجهان نحو شراكةٍ استراتيجيةٍ في مجال الطاقة بمشروع محطة الطاقة النووية وخط أنابيب الغاز بعقودٍ تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، لتنقلب الأمور رأساً على عقب، بدأتها موسكو بتجميد واردات الخضروات والفواكه التركية، ثم ألحقتها بجملةٍ من القيود على أنشطة رجال الأعمال الأتراك في روسيا، ليتبعها وقف تدفق السياح إلى تركيا، ما أدى إلى انخفاض بنسبة 90% في عدد السياح الروس أخيراً. وقالت أنقرة أيضا ما عندها وقتها، عبر إبطاء مشروعات الطاقة مع روسيا، وتعطيل مشروع بناء محطة الطاقة النووية "أك كويو"، كما تم تجميد مشروع خط أنابيب الغاز الرئيس الذي تعلق عليه موسكو أهميةً كبيرةً، وكان مخططاً أن يحمل مشروع "السيل التركي" 63 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا سنوياً.
يتزايد الحديث عن تحولاتٍ في السياسة الخارجية التركية في صفوف القيادات السياسية التركية والإعلام المقرب منها، والتوتر التركي الروسي أحد أهم الملفات العالقة التي تحتاج إلى معالجةٍ سريعة، وتحرّكٍ لا يمكن تأخيره أكثر من ذلك. يعرفون في أنقرة جيداً أن لروسيا اليوم اليد الطولى في توتير علاقات تركيا بإيران والعراق ولبنان، وتسليح حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وتحريض حزب العمال الكردستاني، ومحاولة الضغط على لاعبين إقليميين ودوليين لعدم الاقتراب من أنقرة، مثل إسرائيل ومصر. كما يتابع الأتراك عن قرب ما تقوم به موسكو في سورية في تضييق الخناق على التحرّك العسكري واللوجستي التركي في المناطق الحدودية التركية السورية، وإيقاف حركة الطيران التركي فوق غرب الفرات البقعة الجغرافية الحسّاسة للأتراك.
وفي صلب التحول في الموقف التركي حيال روسيا، ربما هناك قناعة تركية جديدة باستحالة الرهان على موقف أميركي أوروبي داعم في المواجهة مع روسيا. هناك قلق تركي حقيقي حيال سيناريوهات تناقش في المحافل الغربية أن مواجهة عسكرية تركية روسية تعني للغرب فرصة إضعاف البلدين، وإخراجهما من لعبة التوازنات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد التفاهم الغربي النووي مع إيران. المصالحة التركية الإسرائيلية وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بين الأسباب التي ستأخذ مكانها في مسألة التحوّل التركي الروسي في قراءة مسار علاقاتهما ومستقبلها. قد تكون أنقرة قادرةً على إيلام موسكو في الملف الأوكراني، وكذلك موسكو في ردّها من خلال الملف الأرمني، لكن واشنطن قادرة على إيجاعهما معاً وبسهولة. وتندرج رسائل واشنطن إلى موسكو، أخيراً، في أن صبرها قد نفد حيال السياسة الروسية في سورية، وإبلاغها أنقرة مجدّداً على هامش قمة وزراء دفاع حلف الناتو أنها جاهزة لمناقشة مشروع المنطقة الآمنة في شمال سورية، تندرج، بعد هذه الساعة، في إطار المحاولة الجديدة للعب ورقة التوتر التركي الروسي، وعرقلة الغزل الجديد بين أنقرة وموسكو لا أكثر.
ألن يسأل أحد عن دور الإدارة الأميركية في تغريم أنقرة الثمن الاستراتيجي الباهظ الذي دفعته، بعد قرار تعليق الجيش التركي الطلعات الجوية فوق سورية؟ تقول موسكو إنه لا حل في سورية لا تتبناه وتعتمده هي، وواشنطن لا تقول أي شيء سوى تكرار مواقف قديمة، قد تكون غايتها منح روسيا الوقت والفرص التي تريدها هناك، فكيف ترضى أنقرة أن تبقى بين المطرقة الروسية والسندان الأميركي؟ تقول أنقرة إنها لا تعرف ما الذي تريده موسكو لإنهاء الأزمة، لكن الجانب الروسي، وعلى لسان السفير في أنقرة، كان واضحاً عندما طالب بتنفيذ شروط بلاده، وبينها اعتذار تركيا عن إسقاط الطائرة ودفع تعويضات، بالإضافة إلى محاسبة المسؤولين عن الحادثة. 

السيناريو التركي هو اعتذار بسبب سقوط القتيل الطيار ربما، والاستعداد لتقديم الدعم المالي لأسرته، لكن موسكو تريد الاعتذار بسبب إسقاط الطائرة ومعاقبة الفاعلين، وهو تباعدٌ من الممكن سد فجواته، في حوار سياسي دبلوماسي بعيد عن الأعين، من المفترض أن يكون قد بدأ بوساطة الجاليات الإسلامية في روسيا ورجال الأعمال الروس من أصل تركي المنتشرين في البلدين. وينقل الإعلام الرسمي في الجانبين الصورة مبتورةً، ويقدّم ما يرضي متابعيه، وهو عائق آخر أمام التهدئة تتطلب إزاحته من الطريق. 
 
ويطاول تراجع العلاقات مصالح البلدين التجارية والاستثمارية والسياسية، وليس مقبولاً بعد الآن الاكتفاء بإبراز خسائر الطرف الآخر. ربما مشكلة القيادات السياسية في الدولتين، والتي تحول دون إطلاق التغيير الواسع في ملف العلاقات التركية الروسية، هي الهتافات التي تردّدها القواعد الشعبية المناصرة في كل مناسبة، وفي كل موقف داخلي وخارجي، كرسالة تعبير عن دعمهم الواسع قيادييهم "تابع، فأنت في الطريق الصحيح". 

تكرّر موسكو دائماً أنها متمسكة بتنفيذ أنقرة شروطها ومطالبها، قبل الدخول في أي نقاش باتجاه إنهاء التوتر وإعادة العلاقات إلى سابق عهدها، لكن تركيا حصلت على ما تريد كما يبدو، وهو تحريك قنوات الاتصال السياسي والدبلوماسي بين البلدين، لتسخين عملية الحوار، والانتقال إلى الخطوة التالية التي قد تكون على طريقة لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم. لا بد أن تكون المصالحة حلقةً في إطار تفاهم حول إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، لكن المطلوب أيضا هو بناء الآلية السياسية والدبلوماسية والعسكرية المشتركة التي تحول دون وقوع أحداث مماثلة في المستقبل. 

في العلاقة مع روسيا، تعرف أنقرة تماماً أنه حكم عليها بمجاورة دولةٍ عظمى، لن يكون من السهل محاكاتها. يقول التاريخ، والأرشيف أيضاً، إن التهديد والوعيد ليست اللغة التي يقبل بها الأتراك والروس في علاقاتهما.

مشكلة فهم معنى الحوار مع “الآخر”


صبحي غندور

تقوم وسائل الإنترنت والإعلام الفضائي بدورٍ كبير الآن في التواصل والحوار بين الأفراد والجماعات والشعوب، غير أنّ المنطقة العربية انتقلت من حالة تجاهل كلمة (الحوار) في عقودٍ ماضية إلى حالة استهلاكٍ عشوائيٍّ شديدٍ لها أفقدها معناها الحقيقي.

فالحديث يكثر الآن عن “حوار” مطلوب بين أطراف عديدة في المنطقة، وبين العرب ودول أخرى، دون إدراك أنّ المطلوب لحلّ الكثير من الأزمات القائمة حالياً هو التفاوض، وليس أسلوب الحوار.

فالحوار هو أسلوبٌ يحدث في التعامل بين الأفراد والجماعات من أجل التعرّف إلى الآخر وفهم هذا “الآخر” دون التوصّل معه بالضرورة إلى مرحلة التفاهم والتوافق.

الحوار هو تعبير عن الاعتراف بوجود “رأي آخر” وعن حقّ صاحبه بالمشاركة في الرأي، وإفساح المجال أمامه للتعبير عن فكره ومعتقده دون تشويه أو ضغط مانع لذلك.

فهل تحتاج الآن قضايا المنطقة المتنازَع عليها إلى هذا المفهوم عن أسلوب الحوار؟ وهل يجهل أصلاً كلّ طرفٍ معنيٍّ بهذه القضايا ماهيّة الرأي الآخر؟

إنّ الفرق كبير بين الحوار والتفاوض. فالحوار هو أسلوب مكاشفة ومصارحة وتعريف بما لدى طرفٍ ما، دون شرط التوصّل إلى اتفاق مع “الآخر”، وأيضاً دون مدًى زمني محدّد لهذا الحوار.

أمّا التفاوض فهو ينطلق من معرفة مسبَقة بما يريده الآخر، لكن في إطار المحادثات التي تستهدف لاحقاً الحصول على مكاسب في جانب مقابل تنازلاتٍ في جانب آخر. أي أنّ كلّ طرفٍ مفاوض يكسب ويتنازل في الوقت نفسه، ثم يكون الفارق في مدى حسابات الربح والخسارة.

أمّا الحوار، فليس فيه مكاسب أو تنازلات، بل هو تفاعل معرفي فيه عرض لرأي الذات وطلب لاستيضاح الرأي الآخر دون شرط القبول به أو التوصّل إلى نتيجة مشتركة معه، بل ربّما يحدث تأثّر وتأثير متبادلان دون إقرار بذلك من الطرفين.
الحوار يقوم به أفراد ومؤسسات، وليست الحكومات والدول، التي هي معنيّة أصلاً بأسلوب المفاوضات القائم على موازين القوى والمصالح المادية، لا على بلاغة الأفكار والكلمات أو صدق المشاعر!.

إنّ أسلوب الحوار مهمّ جداً بين الشعوب عبر مؤسسات المجتمع المدني حيث لا يجوز هنا استخدام تعبير “التفاوض”. فالشعوب “تتحاور” بينما الحكومات “تتفاوض”. لكن كما “التفاوض” له أسس للنجاح، كذلك أسلوب “الحوار” يحتاج إلى إدراك عام مسبَق بالمواضيع، وإلى مراعاة لضوابط الحوار وقواعد نجاحه.

وهناك عوامل كثيرة تدفع بعض الناس إلى الانحباس في خنادق فكرية، فيعتقدون أنّهم بذلك يصونون أنفسهم من مخاطر جحافل “الفكر الآخر”، بينما هم في الواقع يسجنون ما لديهم من فكرٍ ورؤى، فلا “الآخر” يصل إليها أو يتفاعل معها، ولا هم يتطوّرون أو يكسبون فكراً جديداً، بل يبقون على ما هم عليه جامدين متحجّرين.

ومن دون شك، يرى صاحب كل فكر الصوابَ في فكره والخطأ في فكر غيره، لكنْ قليلٌ من المفكّرين من يرى احتمال الخطأ في فكره أو احتمال الإصابة في فكر الآخر. فهذا منطلقٌ مهمّ لإمكان نجاح أي حوار بين أفكار وآراء مختلفة، ومن دونه، سيسير أي حوار في طريقٍ مسدود.

قد يكون مهمّاً في هذا المجال أيضاً التمييز بين “الحوار” و”الجدل”، كما هو مهمٌّ التمييز بين “المفاوضات” و”المباحثات”، حيث تكون المفاوضات بين أطراف متساوية في الحقوق، وإن لم تشترك في المساواة على صعيد ميزان القوى، بينما “المباحثات” هي التي تُمهّد عادة الطريق للمفاوضات ولا تحكمها ضوابط الحقوق والواجبات.

أمّا “الجدل”، فهو تعبيرٌ مظلوم في الثقافة العربية المعاصرة، إذ هو منهجٌ مطلوب ومهم إذا أحسن الأفراد أو الجماعات معرفة متى وكيف يُستخدم. “الجدل” هو التقاء نقيضين وتفاعلهما في محتوى (أو موضوع) واحد، وبظروف معيّنة وزمان محدّد، وتخرج حصيلة هذا التفاعل نتيجة جديدة بديلة عن النقيضين. فهو منهج علمي من جهة، وهو أسلوب تعامل بين البشر من جهة أخرى.

“الجدل” في أحد أوجهه، هو “حوار” حول موضوع محدّد لكن بشرط التوصّل إلى نتيجة مشتركة جديدة في زمان محدّد أيضاً، ولا يكون (الجدل) ذا جدوى ما لم تتوفّر لدى كلّ الأطراف المعنيّة فيه الموافقة عليه والقدرة على أدائه.

ونجد هذا الخلط العجيب بين (الحوار) و(الجدل)، في عددٍ لا بأس فيه من البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية، حيث المتوجّب في هذه البرامج هو الحوارات الجادّة التي لا تشترط من طرف الموافقة على رأي الطرف الآخر، وتُبقي الاختلاف في حدود الآراء بحيث لا تتحوّل إلى خلافٍ بين الأشخاص.

إنّ البلاد العربية هي بحاجةٍ قصوى الآن لكلّ هذه المفاهيم معاً. هي بحاجة للحوار كأسلوب داخل العائلة الواحدة، كما أنّ العائلة بحاجة للجدل أحياناً لحسم بعض الأمور على أسس سليمة .

الأوطان العربية بحاجة إلى حوار داخل شعوبها بين مؤسساتها المدنية وبين دعاة الفكر والدين والثقافة، لكن البلاد العربية، وعلى الأخصّ تلك التي تشهد أزمات لها امتدادات إقليمية ودولية، تحتاج أيضاً إلى اتّباع أسلوب “المفاوضات” مع الأطراف المعنيّة بالنزاعات، لا إلى أسلوب الحوار فقط.

إنّ “الجدل” مطلوب الآن داخل الأمَّة العربية حول موضوع الهويّة الوطنية وضرورة حسم ذلك لصالح وحدة الهويّة المشتركة بين العرب، بغضّ النظر عن اختلافاتهم الفكرية والسياسية، وعن خصوصياتهم الوطنية والدينية والإثنية.

فالعرب يشتركون في ثقافة عربية واحدة لا تقوم على أصل عنصري ولا يختصّ بها أبناء دينٍ دون آخر..

و”الحوار” مطلوب الآن داخل كل بلد عربي حول مفهوم المواطنة وصيغ العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد والحفاظ على التنوع الفكري والعَقَدي والسياسي في المجتمع الواحد ..

وحينما يتحقّق ذلك، تصبح البلاد العربية أكثر قدرةً على تحقيق المصالح الوطنية والعربية في مفاوضاتها مع القوى الإقليمية والدولية، فالمعيار في “ميزان القوى” حين “التفاوض” هو “كفَّة القويّ الموحَّد” لا “كفَّة الضعيف المنقسم”.

إنّ التوافق على فهمٍ مشترَك لمعنى أي مصطلح فكري هو المدخل الأهم لأي حوار فكري متميّز. هذا الأمر ينطبق حتّى على ما يندرج تحت خصوصياتٍ قائمة داخل الأمَّة الواحدة.

فالحلُّ لا يكون برفض المصطلح لمجرّد اختزان خلاصات عن تجارب محدّدة سلبية تحمل تسمية المصطلح نفسه، إذ المشكلة هنا أنّ المصطلحات كلّها تعرّضت إلى تجارب تطبيقية سلبية ومسيئة: في الفكر الإسلامي والفكر القومي والفكر العلماني، كما على صعيد شعارات الحرّية والديمقراطية والوطنية.

هنا أهمّية دور “الآخر” في المجتمعات العربية وبين العرب أينما وجدوا، وهذا “الآخر” قد يكون على أساسٍ مذهبي أو طائفي أو إثني أو حتّى عقائدي وسياسي. لكن المعيار ليس بإقرار حقّ وجود “الآخر” فقط، بل في القدرة على التعامل السليم معه وبحقّه في دوره كشريك طبيعي في المجتمع المحلي أو في المواطنة، وبضمان صيانة حقوقه الكاملة كإنسانٍ متساوٍ مع الإنسان “الآخر” في كلّ الحقوق والواجبات.

إنّ الأمّة العربية تقوم ثقافتها الدينية وحضارتها على الحوار مع الآخر بينما لا يفعل ذلك ناسُها.

الأمّة العربية هي مهبط كل الرسل والرسالات، وفيها ظهرت قبل الإسلام حضاراتٌ كثيرة ورسالاتٌ سماوية.

كذلك في الدين الإسلامي دعوةٌ صريحة للتّعارف بين الشعوب ولعدم التفريق بين الرسل والأنبياء.

فهي أمَّة عربية مجبولة على التعدّدية والتنوع وعلى حقّ وجود الآخر، وتقوم روحياً على تعدّد الرسل والرسالات، وتقوم ديموغرافياً على تعدّد الأجناس والأعراق والألوان، وحضارياً على تجارب وآثار أهمّ الحضارات الإنسانية، بينما يسود واقع الأمَّة العربية الآن حال التخلّف والتفرقة والفئوية والتعصّب.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر