الراصد القديم

2018/01/01

وصية زعيم لبناني فاسد على فراش الموت لأبنه…


 ك. رسلان

ابني الحبيب ؛

هذا انا اليوم على فراش الموت, وقد افارق الحياة خلال أشهر ~ أيام وربما ساعات , إلا ان بالي مشغول بمستقبلك ومستقبل العائلة من بعدي …

خلال أيام معدودة , سأترك لك العشرات بل المئات من العقارات والسيارات والاملاك واموال تقدر بمئات ملايين الدولارات في الداخل والخارج …

فأنا امضيت أكثر من 25 عاما في السلطة أعمل ليلا ونهارا في نهب وسرقة اموال خزينة الدولة ودافعي الضرائب من اللبنانيين , ولا اخاف عليك من خسارة هذه الثروة , فأنت وأخوتك خريجي اغلى وارقى مدارس وجامعات العالم , وتتمتعون من العلم والخبرة الكافية للمحافظة عليها وإدارة شركات واموال العائلة…

ألا انني تركت لك يا بني شي اكبر واعظم من الشركات والاموال والعقارات , وانني نادم اني لم يتسن لي الوقت الكافي ﻷعلمك كيفية أدارته والحفاظ عليهم.. ولم يتسن لي ان أعلمك فنون وأصول النهب ولكن خذها يا بني مع الأيام القادمة…

 لقد تركت لك يا بني حزب سياسي كبير في وطن الفساد, ومعه أكثر من 200 الف رأس غنم سيبقونك في السلطة عند كل مناسبة انتخابية وحزبية , ومستعدون لﻹنتحار واشعال البلد من أجل اصبع إجرك الصغير , فواجبك با بني الحفاظ على هذه الأغنام…
… تذكر يا بني

العدو الحقيقي ليس الخصم السياسي الذي تراه يهاجمنا ونهاجمه في وسائل الاعلام والمنابر , فذاك الخصم هو حليفنا اﻷول ولدينا معه عشرات من المصالح الاقتصادية المتقاسمة والمشتركة الناجمة عن الفساد في هذه الدولة…

تذكر يا بني ان كافة أﻷزمات السياسية ليست سوى مسرحيات مُتفقٌ عليها مع خصمنا السياسي للحفاظ على اغنامنا واغنامهم , وأخفاء فسادنا وفسادهم في هذه الدولة…

يا بني لا تترك اي مناسبة وطنية , محلية , قومية , عالمية او دينية بدون ان تبرز عضلاتك السياسية في وسائل الاعلام عبر تجييش اﻷغنام , وأن اضطررت اطلق بعض الشعارات الطائفية التقليدية…

واطلق مع الشعارات الطائفية بعض الشعارات التي تدعو الى اصلاح ومكافحة الفساد , ولكن إياك تنفيذها , فنحن بحاجة للشعارات الرنانة للحفاظ على النظام الحالي, والفساد لمصالحنا الشخصية , والمشاكل الحياتية كأزمات الكهرباء والمياه والنفايات وحقوق المرأة ﻹلهاء الناس عن المشاكل الاساسية المنبثقة عنها…

العدو الحقيقي يا بني هم هولاء الذين يريدون الاصلاح ومكافحة الفساد في هذا الوطن , وعليك التصدي لهم بشتى الوسائل…

ارسل الزعران من خرافنا لتهديدهم والإعتداء عليهم جسديا , خونهم في الوسائل الاعلامية التي تركتها لك من التليفزيون والراديو وصفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي عبر نشر تقارير كاذبة عن عمالتهم لمخابرات خارجية لا تنوي إلا الشر في لبنان , لفق لهم التهم امام المحاكم الوطنية التي نتمتع بنفوذ واسع فيها…

 احذر من ان تندم في يوم لا ينفع فيه الندم, وتستفيق فيه الغنم في لبنان على حقوقها ومسلسلات الفساد التي نخرجها , وتمسك بالنظام الطائفي فهو سلاحك الاخير الأوحد الناجح والأخير …

أسلمك امانة واوصيك ان تسلمها لأبنائك واحفادك …
عشت وعاشت العائلة مع المذهب والذهب والدولار …

منظمة التحرير الفلسطينية: ماذا تبقّى منها؟!


رشاد أبوشاور

سألت نفسي: ماذا أكتب مساهما في هذا الكتاب الذي شغلني أنا والصديق فيصل جلول، وأخذ منا وقتا وجهدا؟
هناك مواضيع كثيرة ملحة يمكن الكتابة حولها، وهي تهم القارىء والمتابع العربي للشأن الفلسطيني، وللقضية الفلسطينية، ولحالة الهوان العربي الرسمي التي تنعكس في المقدمة، ودائما، على القضية الفلسطينية.
ترددت بين الكتابة عن الذاكرة الفلسطينية الفردية والجمعية،أو الكتابة في موضوع غير واضح حتى لبعض المتابعين العرب للشأن الفلسطيني، وهو: منظمة التحرير الفلسطية وتزوير وجهها ودورها، وتحويلها إلى قناع لتقديم التنازلات للعدو الصهيوني، وللأنظمة الرسمية العربية المتواطئة علنا..في السنوات الأخيرة، وبخاصة بعد ( أوسلو) 1993 الذي منحها وقاحة الادعاء بأنها ترضى بما يرضى به الفلسطينيون، وأنها لن تكون أكثر ملكية من الملك.
بعد أوسلو عقد الأردن اتفاقية وادي عربة، ومن قبل خرج السادات على الأمة العربية كلها وأبرم مع مناحم بيغن اتفاقية كامب ديفد، بالرعاية الأمريكية، وأخرج مصر عن دورها، وعن أمتها، وفتح أبواب مصر في ما سمي زمن الانفتاح، وأعلن بأن حرب تشرين – أكتوبر هي آخر الحروب، وبهذا أنهى ما كان يسمى وحدة الصف العربي الشكلية، وبدأ زمن: نحن أولاً..مصلحتنا أولاً، فباتت القضية الفلسطينية مجرد صراع إقليمي فلسطيني – ( إسرائيلي)!!.
بعد طول تأمل اتخذت قراري بأن أطرح السؤال التالي: ماذا بقي من منظمة التحرير الفلسطينية؟ وأحاول الإجابة عليه، علّي أسهم في حوار جدي، وأقدم (معرفة) بواقع حال منظمة التحرير الفلسطينية راهنا، وتذكيرا بمسيرتها، وما آلت إليه في متاهة البحث عن حلول ( سلمية) – هي في الجوهر استسلامية- بل وتدمير مقصود، وإفراغ من الدور الذي نشأت من أجله.
منذ سنوات وأنا أتألم لما آلت إليه منظمة التحرير الفلسطينية، ولامتهان اسمها، وتراثها، وتزييف حضورها، وتحويلها إلى ( ممسحة) على أعتاب أعداء فلسطين.
ينطلي على كل من يسمع اسم منظمة التحرير الفلسطينية أنها موجودة، وأنها هي التي فاوضت في عتمات أوسلو من وراء ظهر الشعب العربي الفلسطيني، وأنها من وقعت على اتفاقات أوسلو في باحة البيت الأبيض في واشنطن بتاريخ 13 ايول، 1993، وهذا غير صحيح، بل هو التزوير بعينه.
من موقعي كمواطن عربي فلسطيني، وكعضو مجلس وطني فلسطيني منذ العام1983، وككاتب عربي فلسطيني، فإنني أجد من واجبي أن أسهم في تبرئة منظمة التحرير الفلسطينية من كل ما لحق بها، وتطهيرها من الدنس الذي ألحقه بها أوسلو، وتحميلها كل الأخطاء والآثام والخسارات من قبل من فاوضوا ووقعوا ، وما زالوا سادرين في غيهم رغم ضياع الأرض، وانتشار الاستيطان السرطاني في الضفة الفلسطينية، وغزو قرابة المليون مستوطن لللضفة الفلسطينية والقدس التي هوّدت والتي تخنق بالمستوطنات المُسمنة يوميا.
منظمة التحرير الفلسطينية بريئة من كل هذا، وهي مغيبة، ومنتحل تمثيلها، وهي لا تعدو أن تكون قناعا يوراي المتنازلون وراءه وجوههم الحقيقية.
بدأ الكذب على منظمة التحرير بترويج انها صناعة الأنظمة العربية، ومن لم يعيشوا فترة بروز المنظمة ستمر عليهم الكذبة والتزوير، بسبب النفور من الأنظمة العربية، ولذا لا بد من تذكير من نسي، وتعريف من لا يعرف من الأجيال التي لم تطلع على الحقائق والوقائع بالحقيقة.
أعلن العدو الصهيوني بأنه سيحول منابع نهر الأردن، وكانت هذه خطوة غاية في الخطورة، فدعا الرئيس جمال عبد الناصر إلى مؤتمر قمة عربية عاجل عقد في القاهرة، في مقر جامعة الدول العربية بتاريخ 13 كانون ثاني / يناير 1964، وكان أحد الذين حضروا المؤتمر الأستاذ أحمد الشقيري ممثل فلسطين في الجامعة العربية، وقد تم انتدابه ليتصل بالتجمعات الفلسطينية ، وهنا أستشهد بما كتبه المناضل والصحفي الكبير الأستاذ شفيق الحوت في مذكراته: في الثالث عشر من كانون الثاني/ يناير 1964، وفي لحظة تاريخية ، انعقدت القمة العربية الموعودة، وخرج المؤتمر بمجموعة من التوصيات يهمنا واحدة منهالم تتجاوز كلماتها أربعة سطور، جاء فيها: يستمر السيد أحمد الشقيري ممثل فلسطين لدى جامعة الدول العربية في اتصالاته بالدول الأعضاء، والشعب الفلسطيني، بغية الوصول إلى إقامة القواعد السليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني، وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره. (ص91 مذكرات شفيق الحوت: بين الوطن والمنفى) .
ويضيف الأستاذ الحوت:توصية عامة لا ذكر فيها ولاإشارة إلى كلمة (كيان) أو ( منظمة) أو ( شخصية وطنية)، أو أي شىء من هذا القبيل، توصية عامة وغامضة، ومن دون آلية، وتعطي الدول العربية أولوية على الشعب صاحب القضية في تقرير مصيره. (ص 91) نفس المصدر.
وإنصافا للأستاذ أحمد الشقيري، وعزيمته التي تميز بها، وإصراره على تحقيق مصلحة الشعب العربي الفلسطيني المغيّب، يكتب الأستاذ الحوت: لكن بدلاً من النواح والغضب والصراخ في الأودية، حمل الشقيري هذه السطورالأربعة في حقيبته، عازما أمره على تحويلها إلى حقيقة مادية راسخة ، وانطلق مرة ثانية يزور مراكز التجمع الفلسطينية حيثما أمكنه، ، ليعد عدته لعقد اللقاء التاريخي المرتقب لتأسيس الكيان الوطني الفلسطيني. وبعد مشاورات مضنية مع بعض العواصم العربية والقيادات الفلسطينية، تحدد أن يعقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته التاسيسية الأولى في الثامن والعشرين من ايّار /مايو 1964 في مدينة القدس. ( ص92 نفس المصدر).
هل مرت الأمور بيسر وسلاسة؟ لو كان نشوء منظمة التحرير الفلسطينية قرارا عربيا رسميا لتحقق الأمر بيسر وسهولة، ولكن حقائق الأمور لم تكن كذلك. لنتأمل ما كتبه الأستاذ شفيق الحوت، وأنا أستشهد بما كتبه الصحفي المناضل شفيق الحوت لمصداقيته، ولأنه تابع تأسيس المنظمة منذ لحظاتها الأولى، وعرف مواقف الدول العربية آنذاك بالتفاصيل.
بعد التاسيس في القدسن كان على الأستاذ الشقيري أن يواجه الرفض العربي الرسمي لخطوات تاسيس المنظمة، ولمؤتمرها الأول في القدس: ومن فندق ( إنتر كونتيننتال) في القدس إلى فندق فلسطين في الإسكندرية ، حيث كان الملوك والرؤساء على موعد مع قمتهم الثانية ، وذلك يوم الخامس من ايلول سبتمبر 1964. وكان على الشقيري أن يدلي بمرافعة طويلة كي يتمكن من أنتزاع قرار يعطيه الضوء الأخضر لإعلان قيام منظمة التحرير بشرعية عربية ، تمهيدا لبدء عملية البناء.
كان من الممكن أن يفلت زمام الأمور في خضم التناقضات العربية ، وتصور كل عاصمة عربية لماهية دور المنظمة، فمنها من كان يريدها ( يافطة)، أو ( عنوانا) لفلسطين شعبا وقضية ، لا أكثر ولا أقل، ، ومنها من كان يريد أن يمتطيها سلفا عن طريق المزايدات، وغيرهم على العكس يريد (ترويضها) ثم استيعابها كورقة في جيبه، وطبعا كان هناك من الدول من هو موجود لكنه في سبات عميق.
وكالعادة لولا تدخل الرئيسين عبد الناصر وبن بيلا لما تلحلحت الأمور، ولا سيما بعد أن ضم عبد السلام عارف صوته إلى صوتيهما، وبادر باريحية عراقية إلى إعلانه مساعدة مالية _ كدفعة أولى- لحساب المنظمة، وأقفل النقاش وتمت الموافقة على قيام منظمة التحرير الفلسطينية . ( ص 93 نفس الكتاب) .
استشهدت بفقرات طويلة من مذكرات الأستاذ المرحوم شفيق الحوت، لأنه شاهد وشارك عن قرب، وكم أتمنى على كل مهتم أن يتأمل كل صفة وضعها بين قوسين للدول العربية آنذاك، والتي تبرهن على أنها بمجموعها كانت رافضة لنشوء وبروز منظمة تحرير فلسطينية حقيقة، لولا ( ثقل) حضور الرئيس جمال عبد الناصر ومصر التي يقودها، ودور الرئيس الجزائري المناضل أحمد بن بلة،، وانضمام رئيس العراق عبد السلام عارف لهما .
هل يتصور أحد أن خلافا نشأ واحتاج لدهاء وجرأة الأستاذ الشقيري للجلوس مع الملوك والرؤساء؟
يكتب الأستاذ الشقيري: وغداة وصولي للقاهرة وجدت خبراء الفقه الدستوري، والعرافين بالمراسم الدولية مشغولين بأمري: هل يحضر ممثل فلسطين مؤتمر الملوك والرؤساء، وهو ليس من الملوك والرؤساء؟ وخضت مع الخائضين في هذه الأبحاث القانونية ، ولما لم أجد سندا في ( القانون) لجأت إلى الإنذاار بالاستقالة من المهمة التي أوكلت لي!

في النهاية تقرر ان يجلس ممثل فلسطين على كرسي عادي، مختلف عن كراسي الملوك والرؤساء، وأن يكون الكرسي بعيدا بمقدار خطوتين إلى الوراء عن كراسي الملوك والرؤساء.( من كتاب: مع الملوك والرؤساء ، المجلد الثاني من الأعمال الكاملة ص38 )
ولكن الأستاذ الشقيري اقتحم القاعة، ودفع بكرسيه_ كرسي فلسطين العادي الأقل أهمية من كراسي الملوك والرؤساء العرب، وجلس بجوار الملك الحسن الثاني، وسط ذهول خبراء البروتوكول والتشريفات الذين بلعوا ما رأوا مضطرين!
الشقيري انتزع كرسيا لفلسطين، رغم عدم ترحيب كثير من الملوك والرؤساء، وحمل قصاصة ورقة وبها أنشأ منظمة التحرير الفلسطينية.
عن معاناته في مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في القاهرة في جامعة الدول العربية، وفي كتابه ( مع الملوك والرؤساء ص 52) كتب: وعدت إلى منزلي وأنا افكر في الأمانة الثقيلة التي آلت على كتفي، واسمها تنظيم الشعب الفلسطيني،. لقد عاد الملوك والرؤساء إلى عواصمهم، يطلقون التصريحات الكبيرة ، يتفاخرون بإنجازات مؤتمرهم، وبقيت أنا وحدي أفكر بالكيان الفلسطيني، كيف أبدا من نقطة الصفر ومن العدم..من الفراغ الرهيب، وكيف أبنيه مع حكومات عربية متفرقة ؟ ومع الشعب الفلسطيني الشريد الطريد؟ ولم يمنحني مؤتمر القمة إلاّ قرارا من سطرين، بأن (أتصل بالدول العربية ، والشعب الفلسطيني بغية الوصول إلى إقامة القواعد السليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني) ( ص52)
ذلك هو القرار الذي أصدره مؤتمر القمة، وخرجت من المؤتمر وليس في جيبي إلاّ هذا القرار.

لم ( يلملم) مؤسس وباني منظمة التحرير الفلسطينية أشخاصا يخضعون له، بل اختار رجالاً أكفاء يتمتعون بسمعة وطنية، وبتاريخ وطني معروف لدى الشعب العربي الفلسطيني.
يكتب الأستاذ بهجت أبوغربية – شيخ المناضلين في الضفتين، في كتابه ( من النكبة إلى الانتفاضة) : لم أكن أتوقع، بل لم يخطر ببالي أن يعرض علي أحمد الشقيري الاشتراك في عضوية اللجنة التنفيذية، إذ أن الأجواء التي سادت بيننا قبيل انعقاد المؤتمر الأول لم تكن إيجابية، وعندما زارني في بيتي الصديق عبد الخالق يغمور رئيس بلدية مدينة الخليل الذي رافق الشقيري في جولاته في الضفة الغربية ، وعرض علي الاشتراك في عضوية اللجنة التنفيذية بتكليف من الشقيري، لم يكن من السهل علي اتخذا القرار، وتداولت الأمر طويلاً مع عبد الخالق يغمور من عدة أوجه. (ص264)
كان الأستاذ الشقيري يبحث عن الشخصيات الوطنية المشهود لها لدى الشعب الفلسطيني، ولذا أصر على ضمهم، ومنهم الأستاذ المناضل الكبير بهجت ابوغربية صاحب التاريخ الوطني العريق.
لم يكن الشقيري يسعى لجذب وتعيين ( إمعات) مهمتهم الموافقة على ما يقول ومايريد، وهذا ما لفت الانتباه في شهادة الأستاذ بهجت أبوغربية، فهو يثبت أن الأستاذ الشقيري اختاره رغم الخلافات قبل أن انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في القدس، وهي خلافات بدت حادة..ولكنه وافق وانضم لأول لجنة تنتفيذية، ضمن كفاءات وثق بها شعبنا، وراهن عليها، وهي مع الأستاذ الشقيري التي أسست وبنت: المجلس الوطني الفلسطيني، وجيش التحرير الفلسطيني، والمنظمات والاتحادات الشعبية، ومركز الأيحاث الفلسطيني، والصندوق القومي الفلسطيني..أي أرست دعائم وأسس منظمة التحرير الفلسطينية بميثاقها الذي وضعه الأستاذ الشقيري وهو المحامي المشهود له في الدفاع عن ثوار فلسطين إبان الانتداب البريطاني، والوطني والقومي العربي الذي يملك تاريخا ناصعا، والديبلوماسي الخبير في الأمم المتحدة طيلة خمسة عشر عاما مثل فيها سورية، والسعودية.,وخرج منها بنتيجة حاسمة: لا أمل في أن نحصل على حقوقنا من هيئة الأمم المتحدة، ومن العمل الديبلوماسي.
إن من يتأمل موقف السعودية السلبي والرافض لترؤس الأستاذ الشقيري لمنظمة التحرير الفلسطينية، يعرف أن السبب المباشر يعود إلى رفض الشقيري تقديم شكوى ضد مصر في هيئة الأمم باسم السعودية تتهمها بالتدخل في اليمن، ومن ثم الاستقالة من موقعه كممثل للسعودية في هيئة الأمم، ليصار إلى تعيينه بدفع من مصر التي حفظت له هذا الموقف القومي الشريف والجرىء، ممثلا لفلسطين في الجامعة العربية.

وضيّعت في متاهات أوسلو وواشنطن، والرهان على ( سلام) مع العدو الصهيوني..والذين رغم كل ما جروه على قضيتنا من خسارات فإنهم لا يتوقفون ، ولا يتراجعون، ولا يعيدون الحسابات، ولا يصغون لصوت الشعب العربي الفلسطيني، ولنداءات شرفاء العرب..ويواصلون الادعاء بأنهم يمثلون منظمة التحرير الفلسطينية التي أفرغوها من كل أهدافها ومضامين مؤسساتها، وفي مقدمتها الميثاق القومي والوطني الفلسطيني.
كلماتنا لا نريدها أن تتبدد في وديان صحارى العرب ..عرب زمن ترامب وأوباما والرهانات على أن أوارق الحل في يد أميركا، وليست في يد شعبنا الفلسطيني وملايين العرب الذين يقاومون، لا الذين يطبعون ويمنحون المليارات رشاوى ابتزازوية لأمريكا، ويمولون الإرهاب والإرهابيين لتدمير المقاومة وجذوتها المتبقية في فلسطين ولبنان وسورية، والتأييد الذي تحظى به من ملايين الجماهير العربية.
نثق بالمستقبل، ولذا نقدم كلماتنا الداعية للفعل، وعدم التقاعس، فالثقافة فعل، والمثقف ليس متفرجا مترفا يقول كلمته ويمشي، ولكنه يقول كلمته ويدفع ثمنها مع المقاومين الذي لا يعرفون اليأس..المقاومين المؤمنين بعروبة فلسطين، وأن المقاومة – وليس التفاوض- هي ما تصنع حاضر ومستقبل فلسطين والأمة الحرة السيدة على مصيرها وثرواتها ومستقبل أجيالها.

توترات أميركية – تركية بسبب أكراد سوريا



أكد مراقبون دوليون للوضع في سورية على أن أي خطط لإنهاء عمليات نقل الأسلحة إلى قوات الدفاع الذاتى في سورية، يجب التعامل معها بعناية، إذا كانت واشنطن تأمل فى منع عودة الدولة الإسلامية، وتخفيف التوترات مع تركيا، والحفاظ على حليف محلي قديم، والحد من النفوذ الإيراني.

وقال وزير الخارجية التركي ميفلوت كافوسوغلو ان الرئيس ترامب اعلن في اتصال هاتفي اجراه معه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في 24 تشرين الثاني / نوفمبر الماضي انه تعهد بوقف تقديم الاسلحة الى وحدات الدفاع الشعبية الكردية السورية.

وقد اقر المسؤولون الأميركيون بمثل هذه التقارير، مما يشير إلى أنه لا توجد قطع فورية فى الأعمال ،وأن تخفيضات الأسلحة ستكون تدريجية، غير أن كافوس اوغلو أصر على أن الوعد صريح ،وقال إن انقرة تريد أن ترى ذلك يتم تنفيذه عمليا”.

وقد ساعدت الولابات المتحدة وحدات حما?ة الشعب منذ عام 2015 وتسھلت مباشرة القوات الد?مقراط?ة السور?ة التي تقودھا وحدات حما?ة الشعب منذ أيار / مابو 2017.

وفي المقابل، کانت قوات الدفاع الذات?ة ھي الشاغل الأکثر أھم?ة في واشنطن في المعركة ضد الدولة الإسلام?ة في سوريا، استولت على “عاصمة” الجماعة الإرهابية في”الرقة” بعد معركة استمرت أربعة أشهر انتهت في تشرين الأول / أكتوبر الماضي.

ومنذ ذلك الحين، لاحظ مسؤولو الدفاع أن الولايات المتحدة ستبقى عسكريا في سوريا، لكن تصريحات إدارية أخرى تبدو وكأنها تشير إلى حدوث تراجع وشيك.

وفى الاول من ديسمبر، اعلن وزير الدفاع جيمس ماتيس ان الوحدة البحرية التى تقدم الدعم المدفعى لقوات الدفاع الذاتى سوف تسحب. ووصف أيضا مرحلة ما بعد الرقة بانتقالها من “جهد يقوده الجيش” إلى “حل دبلوماسي”.

وبالمثل، أصدر ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بيانا مشتركا الشهر الماضي يؤكدان مجددا أن محادثات السلام التي تجري بوساطة الأمم المتحدة في جنيف هي الطريق الى الامام.

وفي حال توقفت واشنطن في الواقع عن تسليح قوات الدفاع الذاتى – وهي تفعل ذلك بطريقة مستعجلة أو غير مشروعة – فإنها قد تواجه اتهامات بالتخلي عن حلفائها الأكراد مرة أخرى، خاصة بعد البقاء على الهامش خلال أزمة الاستفتاء الكردي العراقية الأخيرة.

وقد يؤدي سوء التعامل مع قضية قوات الدفاع الذاتى أيضا إلى السماح لإيران بجني ثمار كبيرة من التقاعس الدولى فى مجال آخر، فإما أن التصور سيؤكد على عدم موثوقية أميركا كحليف في الشرق الأوسط.

ولتجنب هذه النتائج، سيحتاج المسؤولون الأميركيون إلى إدارة عدة مهام صعبة بعناية في وقت واحد: إصلاح العلاقات مع أنقرة، والحفاظ على الانتصارات والتحالفات التي تحققت بشق الأنفس في سوريا، والدفع من أجل التوصل إلى تسوية سياسية قابلة للحياة للحرب.
ويجب على الأكراد السوريين أن يلعبوا دورهم من خلال إدارة منطقتهم “روج آفا” المعلنة ذاتيا بطريقة أكثر شمولية وتجنب الأعمال التي تهدد تركيا.

شراكة “مؤقتة”

في 17 مايو / أيار، وصف نائب مساعد وزير الخارجية جوناثان كوهين العلاقة مع وحدات حماية الشعب بأنها “مؤقتة، ومعاملات، وتكتيكية”، مشيرا إلى “لم نعد أي شيء من وحدات حماية الشعب”.
وبالمثل، فإن المجموعة لا تأوي توقعات سياسية غير واقعية الولايات المتحدة، مع الحرص على الحفاظ على علاقات عملية مع العناصر الفاعلة الأخرى في سوريا، بما في ذلك نظام الأسد وروسيا.

ومنذ اندلاع الحرب واستولت الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من العراق وسوريا، كانت واشنطن مترددة في التدخل مباشرة، بدلا من ذلك تسليح وتدريب وتقديم الدعم الجوي للشركاء المحليين لغرض عسكري ضيق لهزيمة داعش.

وفشلت هذه الجهود في البداية، بما في ذلك برنامج البنتاغون 500 مليون دولار الذي أنتج قوى عربية صغيرة غير فعالة كانت عرضة للانشقاقات،وفي نهاية المطاف ألغت إدارة أوباما هذا البرنامج وسعت إلى قوى أكثر قدرة.

وفي عام 2014، وقاتلوا في عين ضد حصار تنظيم الدولة الإسلامية لمدة ستة أشهر.

وفي تشرين الأول / أكتوبر 2015، أنشأت وحدات حماية الشعب قوات الدفاع الذاتى، وهي منظمة جامعة جديدة بقيادة الوحدات الكردية وتضم مجموعات عربية ومسيحية وآشورية.

وسرعان ما كان قادة قوات الدفاع الذاتى ينسقون مع الجيش الأميركى بشكل منتظم، وتسليح الجماعة ثبت انه اكثر التبعات فى دحر “داعش” وبلغ ذروته فى تحرير “الرقة” الشهر الماضى.

لكن في الوقت نفسه، كان للدعم الأميركي لحزب الشعب / قوات الدفاع الذاتى أثر عميق على العلاقات الثنائية مع تركيا، خاصة بعد أن اتخذت القوات الأميركية تدابير لحماية وحدات قوات الدفاع الذاتى من الهجوم التركى (على سبيل المثال، وخلق حاجز بين الحدود التركية وأراضي قوات الدفاع الذاتى).

وتعارض أنقرة بشدة إنشاء كيان سياسي كردستاني تسيطر عليه وحدات حماية الشعب في سوريا، بحجة أن الجماعة لها روابط عضوية بحزب العمال الكردستاني، وهي جماعة إرهابية تم تعيينها من قبل الولايات المتحدة ،وشنت حربا متقطعة ضد الحكومة التركية منذ عقود.

كما تعارض أنقرة باستمرار منح الأكراد مقعدا على طاولة المفاوضات مع أطراف سورية أخرى،على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين لا يساوون وحدات حماية الشعب مع حزب العمال الكردستاني، إلا أنهم يشعرون بالقلق من الأيديولوجية القومية الكردية للمجموعة، مدركين أنه لن يكون مقبولا في المناطق ذات الأغلبية العربية والمحافظة في سوريا.

في نهاية الأسبوع الماضي، نظمت السلطات الكردية انتخابات المجالس المحلية في “روجافا” في محاولة لتعزيز استقلاليتها، واكتساب الشرعية، والتحول من القتال إلى الحكم، ومنع الصراعات العرقية مع العرب المحليين. ومن المفترض ان تتوج عملية الانتخابات المكونة من ثلاث مراحل باقامة برلمان اقليمى فى بداية العام القادم، بيد ان التصويت اثار توترات مع تركيا ونظام الاسد.

الانتقال من الدعم العسكري إلى الدعم السياسي
إن قرار إدارة ترامب بتنسيق حل دبلوماسي مع روسيا، وربما وقف تسليح قوات الدفاع الذاتى يخلق فرصا جديدة لإنهاء الحرب.

وتشير واشنطن إلى أنها ستبقى متورطة في سوريا بعد الهزيمة العسكرية لداعش، وإن لم تكن بطريقة مفتوحة.

وتشير الإجراءات الأخيرة أيضا إلى أن الولايات المتحدة تعيد وضع نفسها مع الحلفاء الوطنيين الرئيسيين بدلا من الجهات الفاعلة غير الحكومية.

واشار ماتيس إلى أن وقف عمليات نقل الأسلحة إلى قوات الدفاع الذاتى يمكن أن يسمح لواشنطن باعادة تخصيص الأموال لبرامج الاستقرار، واعادة الاعمار التى تتطلب تعاون الجيران السوريين. ومع ذلك، فإن أي انتقال من الدعم العسكري إلى الدعم السياسي يجب أن يدار بعناية.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى الاختيار بين تركيا وقوات الدفاع الذاتى، إلا أن إقامة علاقات أفضل مع أنقرة ضرورية لتحقيق الاستقرار فى سوريا، وخاصة إذا اكتسبت تركيا مزيدا من النفوذ عبر مشاركتها مع روسيا.

كانت أنقرة قد تخلت عن نفسها في وقت متأخر من خلال اتخاذ مواقف متطرفة على مستقبل الأكراد السوريين، وبالتالي فإن الاستراتيجية الأميركية المقترحة لتحويل المساعدات العسكرية إلى دعم الاستقرار يمكن أن تساعد على تهدئة مخاوف أنقرة من الطاقة الناشئة في “روجافا”.

ولكن هذا لن يكون سهلا نظرا للتوترات الأميركية التركية حول قضايا أخرى خارج سوريا، بما في ذلك الخلاف الدبلوماسي حول الراهب التركي المفترض فتح الله غولن.

أما بالنسبة للأكراد، فمن المؤكد أنهم سيشعرون بالهدوء عند تركهم يجفون، خاصة إذا كانت تركيا قادرة على مهاجمة أجزاء من “روجافا” بحرية، وسيكون انسحاب الدعم العسكري أكثر إيلاما إذا تم حجب الدعم السياسي أيضا.
وهكذا، حتى لو توقف الجيش الأميركي تسليح قوات الدفاع الذاتى، فإنه يجب أن يظل متورطا فى شمال شرق سوريا من أجل حماية الانتقال – وهو عنصر ضرورى فى هدف واشنطن المتمثل فى منع عودة تنظيم الدولة الإسلامية.

ألأكراد والاطراف المتصارعة في سورية

وعلى الرغم من أن الجهد العسكري ضد تنظيم الدولة الإسلامية آخذ في التراجع، فإن إمكانات نشوب صراعات أخرى في سوريا ما زالت مهيأة.

وهذا يشمل النزاعات العرقية بين الأكراد والعرب، ومزيد من الانتفاضات من قبل أولئك الذين هم في الغالبية العربية السنية الذين ما زالوا غاضبين من الأسد والداعمين الروس والإيرانيين، ولذلك، فإن أي حل دبلوماسي للحرب يجب أن ينبثق من فك الارتباط بين مختلف الفصائل المسلحة والتوفيق بين مناطق النفوذ.

وستستخدم روسيا وإيران وتركيا وكلاءها للتأثير على هذه العملية، ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على العلاقات الأميركية مع الشركاء المحليين.
وقد استخدمت طهران “حزب الله” والميليشيات الشيعية الأخرى لتعزيز نظام الأسد وإنشاء جسر بري عبر جنوب سوريا، مما يعرض الهدف الإقليمي الأميركي لاحتواء الهيمنة الإيرانية. وتواصل المملكة العربية السعودية تعزيز قوى المعارضة العربية السنية المتمسكة بمواصلة القتال ضد الأسد.
وقد عملت تركيا مع بعض الجماعات المتمردة العربية والتركمانية داخل سوريا، لذلك لا يمكن استبعاد مزيد من التدخلات.

ومن شأن وقف المساعدات المقدمة لقوات الدفاع الذات?ة أن ?قوض فرص أم?رکا في ھذه المعركة من أجل التأث?ر في سور?ا ما لم تکمل باسترات?ج?ة واضحة بعد داعش،وهناك حاجة إلى الحوكمة، والشرطة، والجهود المكلفة لإعادة الإعمار لمنع عودة الجهاديين.

وعلاوة على ذلك، إذا اضطرت قوات الدفاع الذاتى إلى التراجع فى مواجهة التأخر فى دعم الولايات المتحدة، فإن الفراغ الناتج عن ذلك سيملأ على الأرجح بنظام الأسد و”حزب الله”.

هذا الاحتمال الأخير لا يكاد يكون في مصلحة واشنطن على المدى الطويل، أو أنقرة لهذه المسألة، وبالتالي فإن بعض المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية للأكراد ستكون ضرورية في المستقبل المنظور.

ومع ذلك، يجب أن تكون هذه المساعدات مشروطة بتعهدات وحدات حماية الشعب / قوات الدفاع الذاتى بالتحكم بطريقة ديمقراطية وشاملة ومعالجة تصورات تركيا المتزايدة للتهديد.

في الحالة الأولى، يتوقف الاستقرار الطويل الأمد في “روجافا” والمناطق المجاورة على السكان غير الأكراد الذين يشعرون بالتمكين والإدماج، وليسوا تحتلهم القوات الكردية.

وفي الحالة الأخيرة، يجب على الأكراد السوريين أن ينأوا عن حزب العمال الكردستاني إذا كانوا يأملون في إيجاد مقعد في محادثات السلام.

ومن بين التحركات الأخرى، فإن ذلك يعني تجنب المزيد من الاستفزازات الرمزية، كما هو الحال عندما قامت القوات الكردية بشكل غير منظم بتصوير صورة لحجم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في الرقة بعد تحرير المدينة.

ويمكن أن تشمل أيضا إصلاح الأسوار مع المؤتمر الوطني الكردستاني، وهو فصيل كردي سوري رفض منذ فترة طويلة حزب العمال الكردستاني.

القطبة المخفية بين عون وبري


 منير الربيع

تتخطى الأزمة السياسية الحاصلة بين رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، مسألة ترقية ضباط العام 1994. لا شك أن هذا المرسوم الذي لم يوقع عليه وزير المال علي حسن خليل، ويعتبر بري أنه مُرر من وراء ظهره، شكّل المحطّة التي أنهت شهر العسل بين الرجلين، وفتحت الأبواب بين عين التينة وبعبدا، على تصعيد سياسي يحمل أكثر من وجه، وله أكثر من غاية وهدف.

لا حاجة إلى الدخول في تفاصيل الخلافات اليومية، التي يجري تراشقها بين بعبدا وعين التينة، وقد باتت معروفة، لكن هناك من يعتبر أن ثمة خفايا وخلفيات عديدة لهذه الأزمة، التي لا تجد بعبدا، أسباباً موجبة لافتعالها. ويلفت هؤلاء إلى أن ثمة مراسيم مشابهة صدرت قبل فترة، لضباط كانوا قد خاضوا معارك في جرود عرسال، وهذه إجراءات غالباً من تتخذ في الجيش، لتحفيز الضباط على مناقبيتهم. وهذه المراسيم لم يوقعها وزير المال. فلماذا لم يتخذ بري موقفاً بشأنها؟ تسأل المصادر هذا السؤال لتذهب إلى ما هو أبعد، معتبرة أن عين التينة تريد استمرار تكريس وصايتها على كل القرارات المهمة في البلد، وتجاهل الدور المحوري لرئيس الجمهورية.

في المقابل، ترفض عين التينة هذه التوصيفات، وتعتبر أن ما يجري هو خرق لاتفاق الطائف، وخروج على المواد الدستورية التي تشير إلى وجوب توقيع وزير المال على كل المراسيم والقرارات التي تصدر ولا يمكن الخروج عن الدستور أو العرف في هذا الأمر. لا يبدو أن أياً من الطرفين مستعد للتراجع عن موقفه، ولكن ثمة قطبة مخفية في هذا الأمر، وهي أن وزير المال وقّع مراسيم ترقيات مختلف الضباط في مختلف الأسلاك، بمعزل عن ضباط دورة العام 1994. وفي هذا السياق، وقع رئيس الجمهورية مرسوم ترقية ضباط كل الأسلاك العسكرية إلى رتبة أعلى، في حلول الأول من كانون الثاني 2018. وتصف المصادر خطوة عون هذه بأنها تحفظ حقوق الضباط بالترقية. وهذا يعني أنه لا يمكن التهديد بوقفها.

يتمسّك بري في الدستور مع إيصاله رسالة عبر وسطاء بأنه لا يعارض هذه الأقدمية، لكنه يشترط أن يتم التوقيع عليها من قبل وزير المال، لعدم تسجيل سابقة، تتيح تخطّي توقيع وزير المال على مراسيم أخرى،. وهذا ما يعتبره بري محاولة للالتفاف عليه، ويضعه في خانة الميثاقية والحق الدستوري. وهو يعتبر أن هذه هي المشكلة الأساسية، فيما قضية الترقية قابلة للنقاش، ولا خلاف بشأنها. وتلفت المصادر إلى أن بري يبدي امتعاضه من الرئيس سعد الحريري، ومن موافقته على تكريس هذا المبدأ، أي تخطي توقيع وزير المال، وبأنه لا يوافق الحريري الذي يعتبر أن الأزمة بسيطة ويجب ألا تُضخم. وتسأل المصادر إذا ما كان الحريري اقتنع بالإطاحة باتفاق الطائف.

وسط هذا السجال، المستمر على ما يبدو إلى ما بعد الأعياد، تبرز وساطات عديدة بعيداً من الأضواء. وقد يدخل حزب الله ورئيس الحكومة على خطّ إيجاد حلّ لمعالجتها في الأسبوع المقبل. وهنا، تعتبر المصادر أن الحريري يولي أهمية كبرى لحلّ هذه الأزمة، لعدم تأثيرها على حكومته وإنتاجيتها. وذلك بالتزامن مع اهتمامه بتحديد موعد لتقديم السفير السعودي وليد اليعقوب أوراق اعتماده لوزير الخارجية، يوم الثلاثاء المقبل، وفق المصادر.

لكن، بمعزل عن الحلّ الذي سيتم الوصول إليه في أزمة مرسوم الترقيات، والذي سيكون بحسب المصادر قائماً على مبدأ 6 و6 مكرر، إلا أن عون وبري يريدان الاستثمار بهذا التجاذب، لشد العصب، والاستثمار الانتخابي. فعون سيشد عصب الشارع المسيحي، وبري من خلال تلويحه بالميثاقية، سيشد عصب الشارع الشيعي، خصوصاً أنه يركّز في أوساطه على أنه يتمسك بتوقيع وزير المال، من مبدأ ميثاقي دستوري، وحفاظاً على حقوق الشيعة. وتوضح المصادر المعنى الأبعد لهذا الكلام، وتقول إن "بري يريد من خلال موقفه، تأكيد أحقية الطائفة الشيعية بوزارة المال، وعدم التخلّي عنها في الحكومات المقبلة، وهي رسالة يوصلها بري إلى الجميع. في المقابل، تنتقد مصادر معارضة لبري هذا الموقف، معتبرة أنه بحسب كلام بري، يجب أن يعترف بخطأ ارتكبه سابقاً، حين تنازل عن وزارة المال للسنّة والمسيحيين، على مدى 15 سنة.

عام مضى بمئوية الوعد المشؤم وعام آت حاملا مئوية ميلاد الزعيم


محمود كامل الكومى

مابين النكبات والأحلام ... طُرق فى الغابات وصراع مع الثعالب والحيات
ودروب هى الغيمات وحلكة السواد فى ليل يتعذر فيه ضوء النهار, لكن بالأمل تتحول الأحلام الى ميلاد يشق غبار الضباب ليزيح حُلكةِ الظلام فيتهادى النهارويبقى الأنتظار يطول ..لكان لابد من شروق الشمس لتصنع ميكانيزم الحياة , وأستمرارها بالكفاح والعرق والنضال .


باى .. باى .. 2017 بما حملت من مآسى مازال يجسدها أطفال اليمن , فى صراعهم ضد الطاغوت الذى يواصل قذف اجسادهم النحيلة المتهالكه بالحِمم عبر صواريخ الطيران القابع فوق السحاب على مدار ثلاث اعوام ,دون رحمة ولادين , بعد أن تحول خُدام الحرمين , الى ترس فى آلة الصهيونية والأمبريالية الأمريكية , فمولوا معهم الأرهاب والدمار- قبل الفُرقة- حكام قطر , ومازال حكام الأمارات يمارسون مع التحالف السعودى و الأسرائيلى الذى أعلن مؤخراً أنه يقود بطائراته وطياريه الحرب الملعونه على "بلقيس "اليمنيه فدمروا الزرع والحجر على ربوعها , وحاصروا الأطفال والنساء والشيوخ فى ديارها , وتفشى الطاعون والكوليرا بين أُنَاسِها,وبدى أنه لاخلاص اِلا بأبادة شعبها ,لكن رغم الأنات والدم المُهدر هناك وتشرذم عظام الأطفال جراء صواريخ الدمار السعودية والصهيونية ,"فهدهد سُليمان " آت من بعيد حاملا بين جناحية كتاب المولى القدير مغرداً ,اليمن لن يلين , فصموده من حديد , وليعلم الجميع أن الحرمين الشريفين فى أم القرى والمدينة المنورة تئِن وأنينها تعبير عن بكاء الرُبى فى الروضة الشريفة المطهرة و الحجر الأسعد والكعبة المُشرفة , ليكون بكائهم نذير أمل فى التغيير مع العام الجديد .

حمل العام الذى سينصرم الآن أو بعد الآن بقليل 2017 مئوية وعد بلفور المشؤم حين نعق البوم والغربان الصهاينة والأنجليز , فساد الظلام أرض فلسطين , وغدت مرتع لقطعان المستوطنين , وبدى التهجير طابور طويل يصطف النازحون المُجبرون فيه على ذلك بفعل دمار بيوتهم ونهب أرضهم , وشن الحرب عليهم ومطاردتهم أما خارج فلسطين , أو بداخلها فى مخيمات بعد هدم البيوت والضيعات بفعل عصابات الهجناه وباقى العصابات الصهيونية الأرهابية المموله والمدعومة من جانب الاستعمار وقواها الغاشمه فى كل مكان , وبدت الحكاية من 1917 الى الآن نهاية 2017 قرن من الزمان على المؤامرة التى دشنها الأستعمار العالمى فى قلب وطننا الكبير "فلسطين" لتحطيم قواة وخلق "أسرائيل" كنواة ذرية تفجر عالمنا العربى فى كل لحظة ليؤب خاضعاً الى هدى الأمبريالية والرأسمالية العالمية والصهيونية , والى صراطهم اللا مستقيم حتى كَمن الشيطان الصهيونى فى كل التفاصيل , فآثر أَلا ينهى عام 2017 اِلا بمحاولة تجسيد الدولة اليهودية العنصرية وعاصمتها "القدس الشريف" فكان قرار "ترامب" اللعين ", ومن أسف أن بعض الحكام ممن لهم سفارات فى تل أبيب وكذا ملوك وأمراء الخليج كانوا لصفقة القرن -التى باعت فلسطين – سند ومعين وآثروا أَلا ينتهى العام الممحون (2017) اِلا وهم على الخيانة ضالعين ومع المومس الشمطاء فى تل أبيب عاشقين , فكان السقوط فى أحتفال أسرائيل بمئوية بلفور اللعين .

وقبل أن تُطوَى الصفحات على عام مضى , بدت ساعات النهاية من العام 2017 تستدعى جذوة النضال الشعبى , وثارت أنتفاضة شعبنا الفلسطينى تجدد شبابها الدائم , وتتحدى كل من حاول طمس هوية القدس , لتؤكد أن القدس عاصمة أبدية لفلسطين العربية- وتضخ الساعات الباقية من عام قارب على الرحيل الأمل فى تنظيف سورية والعراق من من بقايا الأرهاب
على أمل أن يسود السلام ويتحقق الحلم مع نسمات عام جديد على الأبواب , فالنفتح النوافذ والأبواب لنستقبل عام 2018 بنسماته عسى أَلا تحمل أعاصير و تُنَقَى من رياح الهبوب.

مرحباً ...فالعام 2018 حاملا بشاير مئوية ميلاد الزعيم الخالد " جمال عبد الناصر", لتبقى رباعيات االميلاد مع البطل الذى آتى به القدر والهمته فلسطين ثورته , حين حُوصِرَ فى الفلوجه وهو يخوض غِمار النضال ضد العدو الصهيونى فى العام 1948 ,فأعتصر ألماً وهو يرى خيانة الحكام العرب وتواطئهم مع الأستعمار والصهيونية لتمكين عصابات أسرائيل من فلسطين ,فأثر الثورة ضد الحكام كأولى خطوات الطريق لتحرير فلسطين , فقاد ثورة 23 يوليو 1952 التى غيرت وجه الحياة فى مصر والعالم العربى والعالم الثالث , وقادت حركات التحرير فى العالم ضد الأمبريالية والأستعمار, وغيرت شكل العلاقات الأجتماعية فى مصر فنهضت الطبقة الدُنيا والوسطى تمتلك وسائل الأنتاج وتقود التنمية .

مئوية ميلاد عبد الناصر ,أستدراك لما فات وعبور فوق الأحزان ,وتعويض عن الدماء التى سالت جراء الأرهاب , لتُذكر بأن وهم السلام مع أسرائيل كلف العالم العربى ومصر آلاف الضحايا التى فاقت شهداء العرب فى كل الحروب مع العدو الصهيونى , وتذكير بقيادة عبد الناصر الحكيمة للأمة العربية , التى حلت كل النازعات البينية ,بين العراق والكويت , وبين سوريا ولبنان وبين الجزائر والمغرب , وبوفاته أفتقدت الأمة العربية الزعيم الذى يجهض دسائس الرجعية العربية التى تمثلت اليوم فى حكام الخليج الذين مولوا الأرهاب على سوريا وليبيا ودمروا اليمن , فهل من ناصرى ملهم يولد من رحم الأحداث فى ذكرى مئوية ميلاد عبد الناصر يصنع مع تباشير العام الجديد ثوره ناصرية تعيد اللُحمَة الى أقطارنا العربية وتتعالى على الأحزان وتضمد الجراح لتصل ما بدأه الزعيم على طريق الوحدة العربية .

مئوية الميلاد الناصرى أستدراك ومراجعة للنفس البشرية لجماهير شعبنا العربى , لتطرح على نفسها السؤال , لماذا فرطنا فى المكاسب الناصرية والمبادىء التى أرساها الزعيم ؟ وكان لبُها أن الصراع مع أسرائيل صراع وجودى , مما يستدعى التساؤل من جديد لماذا تركنا حكوماتنا العربية تخون وتُعَبِد الطريق مع الكيان الصهيونى؟.

مئوية ميلاد الزعيم فى بداية العام الجديد وبالتحديد فى 15يناير 2018 لابد تستدعى العقل وتحلل السقوط المهين وتلك مهام ملقاة على عاتق الجمع العقلى للشعب العربى تستدعى التفكير فى الأسباب التى أدت الى بيع الحكام العملاء - لمكتسبات عَمِل عبد الناصر لتكون فى مُكنة قوى الشعب العامل , والتى تمثلت فى القطاع العام والمصانع التى حققت التمنية - لمافيا أصحاب رأس المال الحرام وأذناب الشركات المتعددة الجنسية الصهيونية والأمبريالية ؟
عام 2017 مضى بكل مافيه من مآسى وأنكسارات ونكسات , لكن ولأن جمال عبد الناصر علمنا أن النكسة لابد أن تضيف لتجربتنا عمقا جديدا وتدفعنا الى نظرة فاحصة وشاملة وأمينة على جوانب عملنا ,فنسمات العام الجديد 2018 وهى تهل علينا بمئوية ميلاد عبد الناصر فى 15يناير 2018 لابد أن تهيىء لنا أستكمال الطريق الذى بناه جمال عبد الناصر طريق (الحرية والأشتراكية والوحدة ),نُنَقى منه الشوائب وننزع عنه سنوات عجاف مرت منذ وفاة عبد الناصر الى الآن ,ونطور الميكانيزم بما يتوافق مع التطور التقنى والعلمى والتكنولوجى والتقدم الهائل فى عالم الأتصالات الذى نعيشة الآن فى القرن ال 21 ,لتضحى الأمة العربية قوة أقليمية تشارك فى صنع التاريخ .

ومع غيوم العام 2017 , تضحى نسمات العام 2018 أكثر أشراقا ً
وسنه حلوه على جميع شعبنا العربى من المحيط الى الخليج .

أشباح أردوغان في الخرطوم


عبد الوهاب الأفندي

أسرت القوات المسلحة السودانية، في عام 1997، في إحدى جبهات شرق السودان، شاباً سودانياً كان يقاتل في صف حركات التمرّد التي كان يتزعمها جون قرنق. المفارقة أن الأسير كان نظرياً يقبع في سجن مصري، تنفيذاً لحكم بالسجن سبع سنوات صدر ضده قبل حوالى عامين، لاختطافه طائرة سودانية إلى الأقصر. ولدى استجوابه، قال إن المخابرات المصرية عرضت عليه إطلاق سراحه، إذا قبل تسفيره إلى إريتريا للانضمام لإحدى التشكيلات المسلحة التي تقاتل الحكومة بدعم إثيوبي- إريتري، فلم يستطع أن يرفض العرض.

وكانت المخابرات قد تحوّلت وقتها إلى "متعهد أنفار" لصالح التحالف الإريتري – الاثيوبي -اليوغندي (والمدعوم من كينيا ودول إفريقية أخرى)، حيث "فوضت" هذا التحالف إدارة شأن الحرب والسلام في السودان، و"أمرت" كل فصائل المعارضة المقيمة في مصر بالانضمام إلى الحركات المسلحة. وكانت تزوّد من يقبل من المعارضين بتذاكر السفر ودعم مالي، وتُمارس الضغوط والإكراهات على من يمتنع.

تذكّرت هذه الوقائع، وأنا أتابع ما بدا أنه يقظة مفاجئة هذا الأسبوع في القاهرة وعواصم "عربية" (إن صحّت النسبة) أخرى على خطر عظيم يهدد "الأمن العربي"، متمثلاً في زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الخرطوم وانجامينا (عاصمة تشاد) وتونس. ذلك أن هذه العواصم نفسها كانت قد سلمت أمن السودان ووادي النيل لغيرها منذ عقود، طوعاً وبحماس شديد. وقد فعلت الشيء نفسه، وأسوأ منه، فيما يخص أعضاء آخرين في جامعة الدول العربية، مثل الصومال وجيبوتي، حيث سلمت الثانية لفرنسا، والآن لتحالف من فرنسا وأميركا، وتركت الصومال يتمزّق، حتى تدخل الجيران (والأباعد) الأفارقة الذين كان لهم ما يكفي من الهمّة والشجاعة لإرسال قواتٍ، تستعيد الأمن في ربوع ذلك البلد المنكوب بأشقائه. حدث الأمر نفسه في العراق الذي ساهم العرب في حصاره وتدميره، ثم سلموه لشراكة أميركية - إيرانية، مع منافسةٍ داعشية قاعدية. وقبل ذلك، سلم لبنان لمليشيات طائفية، وتلته سورية التي ضاع دمها بين قبائل عدة.

هل نسبتشر خيراً إذن بهذه اليقظة التي طال انتظارها؟ ربما لو لم تكن هذه العواصم التي تندب الأمن العربي هي عينها التي تُجاهر بالعشق والوله بنتنياهو، وتدعوه إلى المخادع نهاراً جهاراً، وليس في جنح الليل بغرض الستر. ربما لولا أن تركيا كانت البلد "العربي" الذي استضاف قمة القدس التي غاب عنها حتى وزراء تلك البلدان. ربما لولا أن تركيا هي البلد "العربي" الوحيد الذي زار رئيسه الصومال بصحبة أسرته، وهو الذي يدير موانئ ذلك البلد ومرافقه، ويدرب جيشه ويدعم اقتصاده. ربما لولا أن تركيا هي البلد "العربي" الأخير الذي ما زال يدافع عن حقوق شعب سورية ويؤوي لاجئيها ومعارضتها. ربما لو لم يكن السودان (على الرغم من اعتراضنا على موقفه) هو البلد غير الخليجي الوحيد الذي لديه جنود يدافعون عن السعودية، المتهمة سابقاً عنده بتسليح التمرد في الجنوب، في وقت رفضت مصر مجرد إرسال طائرات لدعم أولياء النعمة.

هناك إذن ما يدعو إلى القلق الشديد على الأمن القومي العربي، لأن مفهوم الأمن عند هذه العواصم "الكبرى" في العالم العربي هو تسليم ترامب ونتنياهو مقدّرات العرب وأموالهم طمعاً في الحماية من خطر إيراني مفترض. ويزداد القلق، لأن من يدافع عن هذه الدول إنما يفعل في واقع الأمر وليس في الأماني. وعلى الرغم من تطوعها بأكثر من مائة مليار دولار من أثمان الأسلحة، هم أفقر العرب الذين ساهمت في إفقارهم وحصارهم وتمزيق بلادهم. ويزداد القلق أكثر، لأن غاية نجاح هذه الدول كانت في بناء "جيوش إلكترونية" من القاعدين غير أولي الضرر، لكيل السباب العنصري للرجال الذين يدافعون عن أمنهم وأعراضهم. ويتضاعف القلق، لأن مفهوم هؤلاء للأمن العربي لا يعني إرسال جنودٍ من جيش الجمبري، أو الذباب الإلكتروني، للدفاع عن عروبة لبنان كما يزعمون، وإنما التعاقد من الباطن مع متعهدين (إسرائيليين هذه المرة) ينوبون عن الأمة في الدفاع عن هذه العروبة المهدّدة. المفارقة أن يرفض المتعهدون علناً هذه الصفقة، لأنهم "غير مستعدّين للمحاربة نيابة عن آخرين". أما أصحاب "الرز" فلم يتبرّعوا حتى بكلمة تعاطفٍ مع أولياء النعمة، بل استضافوا جماعة الحوثي في القاهرة، وتقاربوا مع إيران والعراق، ودافعوا عن حزب الله، ودعموا الأسد بالسلاح والتخابر ورعاية "معارضين" من محبّيه.

ولكن ما يدعو إلى أقصى حالات القلق هو ارتجاف هذه العواصم رعباً من زيارةٍ تستغرق ثلاثة أيام لبلد مجاور، لم يتطوّع أي من قادتهم بزيارته، ناهيك عن دعمه ومساندته. فأي رسالةٍ ترسل هذه الهستيريا لمجرد زيارة لزعيم منافس (وليس معادياً، وكان رئيس وزرائه في الرياض في موعد زيارة الرئيس الخرطوم) إلى عاصمة عربية؟ فيا ليت زيارات الحكام العرب لبلد ما تثير القلق لدى من يتّهمونهم بتهديد الأمن العربي. فلم نسمع إيران مثلاً تبكي وتندب لأن قادة عرباً زاروا العراق قريباً، أو قدّموا الدعم العسكري لجيش لبنان. وهل أظهرت إسرائيل ذرّة من الاهتمام بتدافع العرب على واشنطن وبذلهم البلايين لاقتناء أحدث الأسلحة من كل حدب وصوب؟

مشكلتنا "العربية" مركّبة. فمن جهة يقتصر مفهوم "كبار" القادة للأمن على الهرولة تجاه أعدى أعداء الأمة، من أمثال ترامب ونتنياهو، والتنافس على رضاهم. وثانياً، المرعب أن جيوش هذه البلدان، على الرغم من البلايين التي صرفت عليها (خصوصاً في مصر التي يؤكد رئيسها كل يوم أنها "فقيرة") إلا أنها عاجزة ليس فقط عن الدفاع عن حدود البلاد، بل حتى عن بعض أجزائها، كما في سيناء. وثالثاً، لأن مظاهر الرهاب (البارانويا) التي تعبر عنها أبواق هذه الدول تجاه خطواتٍ دبلوماسيةٍ عاديةٍ تقع كل يوم، تعطي رسالة أن الأمن العربي هو حقاً غاية في الهشاشة. وأخيراً، فإن متلازمة الاعتماد على الغير في الأمن هي أكبر خطر يتهدّد هذا الأمن.

في مطلع الثمانينات، أطلق قائد سعودي نداءً للجهاد من أجل تحرير القدس (إي والله، صدّق أو لا تصدّق، "الجهاد" بكل هذه الحروف، ولتحرير القدس وليس كابول). وتعقيباً على هذه الدعوة، أطلق ظرفاء في ذلك البلد نكتة تقول إن الأمير المعني جمع مستشاريه بعد عام لمتابعة تطورات هذا الجهاد المبارك، والتحقّق من الخطوات العملية التي اتخذت لتنفيذ التوجيهات. فأجابه كبير المستشارين: "يا طويل العمر، طرحنا عطاء لتنفيذ هذه المهمة، وبحمد الله رست على الكوريين".
وما نقترحه هو إرساء عطاء الأمن العربي على الأتراك، عسى ولعل.

أمةٌ مستهدَفة.. الجغرافيا والتاريخ يؤكدان ذلك


صبحي غندور

مع بدء عامٍ جديد، تقف المنطقة العربية أمام مفترق طرق وخيارات حاسمة حول قضايا تتفاعل منذ سنوات طويلة، وليس كحصاد للعام الماضي فقط. فما كان قِطَعاً مبعثرة ومتناثرة، من أزمات إقليمية متنوعة، ومن حالات فوضى وحروب أهلية ترافقت مع حالات ظلم واستبداد وفساد على المستوى الداخلي، ومن مفاهيم ومعتقدات فكرية وثقافية فئوية سائدة في المجتمعات، تجمعت كلها الآن وامتزجت مع بعضها البعض في ظل تنافس دولي وإقليمي اشتد مؤخراً من أجل حصاد ما جرى زرعه في السنوات القليلة الماضية.

وتتميز المنطقة العربية عن غيرها من بقاع العالم بميزات ثلاث مجتمعة معاً:

فأولاً، تتميز أرض العرب بأنها أرض الرسالات السماوية، فيها ظهر الرسل والأنبياء، وإليها يتطلع كل المؤمنين بالله على مر التاريخ، وإلى مدنها المقدسة يحج سنوياً جميع أتباع الرسالات السماوية من يهود ومسيحيين ومسلمين.

وثانياً، تحتل أرض العرب موقعاً جغرافياً مهماً جعلها في العصور كلها صلة الوصل ما بين الشرق والغرب، ما بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وبين حوض المتوسط وأبواب المحيطات. ومن هذا الموقع الجغرافي المهم خرجت أو مرَت كل حضارات العالم سواء القديم منه أو الحديث.

وثالثاً، تمتلك أرض العرب خيرات طبيعية اختلفت باختلاف مراحل التاريخ، لكنها كانت دائماً مصدراً للحياة والطاقة في العالم. فهكذا هو الحال منذ أيام الإمبراطورية الرومانية التي كانت خزائن قمحها تعتمد على الشرق العربي وصولاً إلى عصر «البترو - دولار» القائم على مخازن النفط في أرضنا.

وهذه الميزات الإيجابية جعلت المنطقة العربية دائماً محط أنظار كل القوى الكبرى الطامعة في السيطرة والتسلط..

فتحْتَ شعار «تحرير أرض مهد السيد المسيح» برر الأفرنجة (الصليبيون) غزواتهم للمنطقة العربية، بينما الهدف الحقيقي منها كان السيطرة على المنطقة العربية وخيراتها الاقتصادية، في ظل الصراعات والأزمات التي كانت تعصف بأوروبا.

وتحت شعار استمرارية «الخلافة الإسلامية» برَر العثمانيون سيطرتهم على معظم البلاد العربية..

وتبريراً لإقامة حاجز بشري يفصل المشرق العربي عن مغربه، كانت فكرة إقامة دولة إسرائيل في فلسطين بذريعة أنها أرض هيكل سليمان!!

كذلك الأمر بالنسبة للموقع الجغرافي الرابط بين القارات، منذ الإسكندر الكبير الذي احتل مصر وبنى الإسكندرية ليصل إلى شرق آسيا، وحتى مرحلة حملة نابليون، ثم الاحتلال البريطاني وبناء قناة السويس لتسهيل السيطرة على المحيط الهندي.

أيضاً، تتميز المنطقة العربية في تاريخها المعاصر عن باقي دول العالم الثالث، أن الدول الكبرى، الإقليمية والدولية، تتعامل مع هذه المنطقة كوحدة متكاملة مستهدَفة وفي إطار خطة استراتيجية واحدة لكل أجزاء المنطقة، بينما تعيش شعوب المنطقة في أكثر من عشرين دولة وفق ترتيبات دولية وضعتها القوى الأوروبية الكبرى في مطلع القرن العشرين.

ولقد أدى هذا الواقع الانقسامي، ولا يزال، إلى بعثرة الطاقات العربية (المادية والبشرية) وإلى صعوبة تأمين قوة فاعلة واحدة لمواجهة التحديات الخارجية أو للقيام بدور إقليمي مؤثر تجاه الأزمات المحلية، بل أدى أيضاً إلى وجود عجز أمني ذاتي في مواجهة ما يطرأ من أزمات وصراعات داخل المنطقة مما برر الاستعانة بقوى أمنية خارجية في أكثر من مكان ومحطة زمنية.

حصل هذا الأمر أيضاً مع أوروبا الغربية التي اضطرت للاستعانة بالولايات المتحدة الأميركية لمعالجة تداعيات الحرب اليوغسلافية في عقد التسعينات بعدما عجزت دولها عن وقف هذه الحروب على أرضها، إذ رغم القوة العسكرية الخاصة للبلدان الأوروبية ورغم ما بينها من صيغ للتعاون الأوروبي إلا أنها افتقدت الأداة العسكرية المشتركة والإرادة السياسية الواحدة، فاضطرت إلى اللجوء لواشنطن لطلب المساعدة.

وقد نجحت الدول الأوروبية في تطوير صيغ التعاون فيما بينها على مدار سبعة عقود ماضية، رغم ما هي عليه من تباين عرقي وثقافي واجتماعي ومن تاريخ مليء بالحروب والصراعات الدموية، بينما لم يدرك العرب ذلك بعد، وعجزت جامعة الدولة العربية عن فعل ذلك رغم العمر الزمني المشترك بين التجربتين: الأوروبية المشتركة وجامعة الدول العربية! ألا يؤكد ذلك أن المشكلة هي في انعدام القرار السياسي أو في سوء استخدام هذا القرار وليس في توفر الظروف المناسبة أو الإمكانات المتاحة؟! فما يربط بين الدول العربية هو أكبر بكثير من عوامل الربط بين دول الاتحاد الأوروبي، لكن هناك على الطرف العربي غياب للقرار السياسي بالتعاون والتكامل، ثم أنه إذا توفر هذا القرار فيكون من خلال سوء أسلوب في الإدارة والتعامل والخطط التنفيذية، كما حصل في تجارب وحدوية عربية عديدة أدت نتائجها إلى مزيد من الشرخ والانقسام بدلاً من الاتحاد والتعاون.

لكن أيضاً من دروس التجربة الاتحادية الأوروبية، أن هذه الدول تحكمها مؤسسات سياسية ديمقراطية وتُخضع قرار الاتحاد فيما بينها إلى الإرادة الشعبية في كل بلد فلا تفرض خيار الوحدة بالقوة، ولا يضم الكبير القوي في أوروبا... الصغير الضعيف فيها، وكان ذلك درساً كبيراً من دروس الحربين العالميتين الأولى والثانية ومن تجارب ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشستية، حيث إنه تأكد لشعوب أوروبا أن خيار الديمقراطية، وأسلوب الإقناع الحر بأهمية الاتحاد، هما الطريق لبناء مستقبل أفضل لكل بلد أوروبي وللتعاون الأوروبي المشترك.. فهل أدرك العرب أيضاً هذه الدروس من تاريخهم وتاريخ تجارب الشعوب الأخرى؟!

إن سلبيات الواقع العربي الراهن لا تتوقف فقط على المخاطر الناجمة عن عدم إدراك دروس التاريخ والجغرافيا، بل أيضاً على كيفية رؤية وإعداد أصحاب الأرض العربية لأنفسهم ولهويتهم ولأوضاعهم السياسية والاجتماعية.

ففي هذا الزمن الرديء الذي تمر به المنطقة العربية، تزداد مشاعر اليأس بين العرب وتصل ببعضهم إلى حد البراءة من إعلان انتمائهم العربي، وتحميل العروبة مسؤولية تردي أوضاعهم. فهؤلاء يخلطون بين إيجابيات الانتماء للأمة العربية وبين الظروف التي تمر بها، أي الخلط بين العروبة وبين الأنظمة والمنظمات، بين الهوية الثقافية وبين الممارسات السياسية. فهي مشكلة التعامل مع الانتماء العربي بالنظرة الآنية إليه وليس بمقدار ما هو قائم موضوعياً.

إن الحالة العربية السوداوية الراهنة هي مسؤولية الرافضين لهويتهم العربية المشتركة قبل غيرهم، فهؤلاء هربوا من المشكلة إما إلى «الأمام» لانتماءات أممية تُغيب الهوية العربية (بأسماء علمانية أو دينية)، أو إلى «الخلف» بالعودة إلى القبلية والطائفية والعشائرية.

إن الأمة العربية تعيش الآن حالات انقسامية مرَضية بأسماء طائفية أو مذهبية أو إثنية، والبعض ينظر إليها للأسف من أطر جغرافية ضيقة وكأنها تحدث فقط في هذا البلد أو ذاك، وبمعزل عن التأثير الدولي والإقليمي المغذي لهذه الانقسامات في المنطقة كلها، وعن الفهم الخاطئ أصلاً للدين أو للهوية القومية اللذين يقوم كلاهما على التعددية ورفض التعصب أو الانغلاق الفئوي.

ناصر بعيون فرنسية


جان لاكوتير

كان جمال عبدالناصر، ابن ساعي البريد المنحدر من صعيد مصر، وطنيا منذ نعومة أظافره، فأدرك مبكرا أن من واجبه أن يقود بلاده نحو الاستقلال، وترسخ في وعيه أن مصير مصر لا ينفصل عن مصير الأمة العربية، كان يحلم بتوحيد هذه الأمة وأن يصبح صلاح الدين الجديد.
كانت مصر تبدو في بداية 1918 وكأنها مصابة بنوع من الموت المدنى، منهكة من تاريخها الأطول في التاريخ ومكبلة بدسائس القوي الكبرى، وتغط في نوم شعبها العميق الذي كان مبعدا عن مسئولياته.
وكانت بريطانيا التي كانت بدورها في حالة حرب منذ ثلاث سنوات قد فرضت عليها انتدابا بغيضا إحلالا للحكم المباشر ونظام اللورد كرومر الاستعماري المباشر. ولأن الحرب تلعب دورها في ولادة الثورات، كانت هناك في أعماق البلاد ترتسم ملامح حركة ليبرالية قومية ستعرف في نهاية ذلك العام باسم الوفد التي ستحرك لمدة ثلاثين عاما جسد مصر الثقيل. ففي الوقت الذي كان سعد زغلول يعد للانتفاضة التي انتزعت مصر من أنياب الاستعمار، وُلد في الاسكندرية يوم 15 يناير 1918، الابن الأول لمستخدم في هيئة البريد اسمه عبدالناصر حسين.
كانت جذوره مثالية إذ أن هذا المستخدم الصغير نفسه كان ابنا لفلاح من بني مُر، وهي قرية في صعيد مصر، قريبة من أسيوط في قلب الصعيد، وهو جنوب وادي النيل الذي أهدي للبلاد ابناءه الأكثر توهجا والأكثر عنادا، فهكذا كان أجداد الرئيس فلاحين ممن التهبت أقدامهم من ماء الترع الطينية،أي من كانوا يفلحون الأرض وهؤلاء الموظفون الصغار الذين تم إرسالهم إلي المدن من مجتمع في طريقه للتمدن.

 في مدرسة النهضة
كان يمكن لجمال عبدالناصر أن يظل قابعا طويلا في قريته مثل غيره من المصريين النابهين، كسعد زغلول أو طه حسين، إلا أن مهنة أبيه دفعت به من اقليم لآخر، فبعد الاسكندرية حيث ولد وحيث استشعر بشكل كامل لأول مرة في مدرسته تبعية وطنه، فالمدينة المتوسطية كانت بحكم موقعها كوزموبوليتية أي يقطنها الأجانب وبعد ذلك تتبع أبيه في إحدي قري الدلتا وهي الخطاطبة وهي قرية فقيرة ومنسية إلي حد أنه لم يكن بها حتي مدرسة ابتدائية.
وعندما بلغ جمال الثامنة وبعد موت أمه عهد به والده إلي خاله خليل، وهو أيضا موظف صغير ولكن توجهاته السياسية كانت أعمق من عبدالناصر حسين، وهكذا وجد الصغير جمال نفسه في أحد معاقل الوطنية المصرية في مدرسة النحاسين، علي مقربة من الجامع الأزهر في الحي الأكثر حيوية والأكثر ضجيجا في القاهرة: حي الجامعة الإسلامية العريقة وخان الخليلي حيث تختلط المعتقدات الدينية والتجارة.
في عام 1933 حين بلغ جمال الخامسة عشرة عين أبوه مرة أخري في القاهرة وأقام في حي الخرنفش الشعبي المحاط بحواري باب الشعرية المكتظة: وقد كانت تجربة جديدة في الاختلاط بالشعب والوطنية لجمال الذي دخل مدرسة النهضة حيث أظهر حماسا غير معهود في النقاش وفي مواجهة السلطة، وقد تلقي أول ضربة له من أحد أفراد شرطة راسل باشا في مظاهرة حينما كان يقضي إجازة الصيف في الإسكندرية، ولكنه سرعان ما راح يبحث عن جماعة ينضم إليها حتي يتمكن من النضال بطريقة أفضل.
وفي عام 1934 كان انسحاب صدقي باشا من الساحة السياسية من العوامل المشجعة للشباب وللوفد باعتبار أن صدقي باشا كان رجل الدولة المحافظ الوحيد الذي كان باستطاعته أن يعوق المدي التحررى، إلا أن سعد زغلول والنحاس كانا بمثابة الأجداد في عيون جمال، فقد كان أكثر انجذابا لحزب أحمد حسين الاشتراكي وكان مناضلو مصر الفتاة، يرتدون قمصانا خضراء، لكن هل انضم جمال إلي هذا التنظيم ذي الميول الفاشية؟ من المؤكد أنه احتفظ ببعض الوفاء للقائمين عليه فسوف نجد رجالا مثل فتحي رضوان ونور الدين طراف في الرعيل الأول من رجال الدولة في نظام 1952 ولكن يبدو أنه خاض تجربة في هذا الحزب ولم يكن مجرد إبداء للولاء، وهناك وثيقة ترجع لعام 1935 تصف بشكل مذهل شخصية المراهق المتمرد الذي سوف يتحول إلي ثوري! ففي رسالة كتبها لصديقه حسن النشار يقول فيها جمال يقولون إن المصري جبان وأنه يخشي أقل مواجهة.. إنه يحتاج إلي زعيم يقوده في كفاحه من أجل بلده. وهكذا يصبح هذا المصري رعدا يهز صروح الظلم والاضطهاد … لقد قلنا أكثر من مرة إننا سنعمل معا علي ايقاظ الأمة من سباتها … يا عزيزي إني انتظرك من أجل ذلك عندى، في 4 سبتمبر 1935 الساعة الرابعة بعد الظهر، لكي نناقش هذا الأمر.
من نص الرسالة يبدو واضحا أن الحلم الكبير لم يؤثر علي حس جمال التنظيمي: هذه الرسالة تعتبر تنبؤا مؤهلا للريس سنعرفه فيما بعد.
لم يكتف جمال ببحث الآخرين علي النضال الوطني ففي 12 نوفمبر 1935 جرح في جبينه أثناء مظاهرة كان يقودها أمام بيت الأمة، المقر السابق لسعد زغلول. وعندما وقعت مصر مع لندن معاهدة 1936، وهي معاهدة الاستقلال التي ظلت مقيدة بتحالف مع إنجلترا، كان جمال ينظم ويقود المظاهرات ضد ما كان يراه عارا أو تنازلا مخزيا.

طلبة منقباد
عندما بلغ الثامنة عشرة كان عليه أن يختار مسار حياته العلمية.
بدأ دراسة الحقوق ولكنه لم يحقق فيها نجاحا يذكر. أشار عليه أصدقاؤه بالانضمام للجيش وكانت حكومة الوفد قد قامت لتوها بفتح أبواب الكلية الحربية أمام أبناء الفلاحين وصغار الموظفين محدثة بذلك ثورة كبرى، وها هو في عام 1937 في الكلية الحربية حيث حصل بسرعة علي رتبة ملازم وفي يونيو 1938 يتم تعيينه لأول مرة في منقباد بالصعيد، التي لا تبعد كثيرا عن بني مُر مهد عائلته.
في منقباد يتعرف علي اثنين من زملائه سوف يلعبان الدور الأخطر في حياته: زكريا محيي الدين الذي حاول أن يعينه كخليفة له في 9 يونيو 1967 وأنور السادات نائب الرئيس الحالى. وهناك كما حكي لنا ذات يوم، قام مع زميليه بأول قسم لتحرير مصر.
نقل ناصر بعد ذلك بقليل إلي السودان التي كانت تحت السيادة الأنجلو مصرية حيث يجد واحدا من زملاء الكلية الحربية والذي سوف يصبح صديقه الحميم، ظله الوفى، والذي سيطلق اسمه علي ابنه قبل أن يسقط في مؤامرة غريبة: عبدالحكيم عامر.

إغراءات المحور
وجاءت الحرب العالمية الثانية ومصر تعتبر الحليف الدائم لإنجلترا. قليل من المصريين لديهم رؤية تاريخية واضحة ليعرفوا أن هنا يكمن طريق التحرر. كثير من المصريين وجودا في المحور ليس نموذجا بالطبع ولكن القوة القادرة علي تدمير العدو الإنجليزى. هكذا كان يفكر معظم شباب الضباط.
كثير من رفاق ناصر فيما بعد حسن إبراهيم حسن صبري تم ضبطهم أثناء محاولتهم الانضمام إلي روميل بتحريض من المشير العجوز الموالي للأتراك عزيز المصرى، ولأنه كان أكثر رزانة وتوازنا من الآخرين بدا جمال بمعزل عن هذه المغامرة. ولكنه شارك في السخط العام في يناير 1942، عندما قام المندوب السامي البريطاني باستخدام دباباته لإجبار الملك فاروق علي تعيين حكومة وفدية. إذ أن زعماء الحزب الكبير كانوا مدركين لضرورة التعاون مع لندن ضد المحور وقبلوا أن يفرضوا علي الملك بواسطة الأسلحة الإنجليزية في هذه المرة.
وعندما أصبح نقيبا عين جمال عبدالناصر معلما بالمدرسة الحربية بالعباسية وهناك تعرف علي قاض شاب ماركسي التكوين وهو أحمد فؤاد الذي كان له أثر كبير في تطور جمال الفكرى. وحينذاك بدأ يجمع من حوله مجموعة من الرفاق.
لم يكن هذا هو التنظيم السري الذي استولي علي السلطة في 1952 ولكن دائرة جمعت رجالا مثل ثروت عكاشة، صلاح سالم، خالد محيي الدين وزميل معسكر منقباد القديم أنور السادات الذي كان قد ارتبط بعلاقات مع الإخوان المسلمين وهي الجماعة القومية المتطرفة وتورط بشكل ما في الإرهاب.
 
نصف حرب في فلسطين
كان لابد من حرب أخري حتي يأتي المخاض يقصد مخاص الثورة. في يوم 15 مايو 1948 تم إعلان قيام دولة إسرائيل. في نفس اليوم أعلنت جيوش الدول العربية أنها ستخوض الحرب. ولدينا نص شديد الأهمية عن حرب فلسطين كتبه جمال عبدالناصر ونشر في مجلة آخر ساعة في مارس 1955، في هذا المقال الذي كتبه وهو بعد قائد عسكري شاب نجده تارة مناضلا متحمسا للقضية الفلسطينية وتارة أخري نراه مريرا متشككا تجاه الحلفاء العرب، مستاء من أداء الجيش المصري ومستنكرا لأداء القيادة ومن حالة الاهمال التي تركت بها القوات. وبعد ثلاثة أشهر من بداية القتال أصيب بطلقة في صدره وما أن تماثل للشفاء حتي وجد نفسه محاصرا في جيب الفالوجا الشهير وحيث أثبت مع مائة من الرجال والضباط، تحت قيادة قائد أسود معروف بشجاعته وهو العقيد طه أن المصريين أيضا يعرفون القتال.

الكفاح الحقيقي يجب أن يكون في مصر
عاد الضباط المصريون إلي القاهرة مهزومين، مجرد جسد، قلوبهم تغلي بغضب جامح ضد الملك ونظامه أكثر مما كان ضد العدو، وقد روي ناصر أن العقيد عبدالعزيز الذي كان الأكثر إعجابا به بين الضباط، همس له وهو يموت بين يديه: جمال إن الكفاح الحقيقي ليس هنا وإنما في مصر في مصر
منذ ذلك الحين بدأ الكفاح الفعلي ضد السلطة علي أيدي تنظيم الضباط الأحرار الذي سيشكل ذراع التمرد العسكرى، غير أن ناصر لم يكتف بتنظيم تآمر داخل الجيش ولكنه شن حملة علي الأسلحة الفاسدة التي اعتبرت من أسباب الهزيمة والتي تم الحصول عليها بصفقة مشبوهة من الدوائر المحيطة مباشرة بالملك وشرع في البحث عن حلفاء وعناوين للكفاح، كان أنور السادات هو وسيطه لدي الإخوان المسلمين وكذلك طيار مغامر جسور يدعي عبدالرءوف، وأقام أيضا علاقات مع التنظيمات الماركسية وخاصة حدتو عن طريق أصدقائه التقدميين خالد محيي الدين، يوسف صديق أو أحمد حمروش.
أما بالنسبة للوفد فقد كان له فيه صديق عزيز في ذلك الوقت هو أحمد أبوالفتح نقيب الصحفيين وزوج شقيقته الوفي ثروت عكاشة، ثم اتجه للبحث عن ربان قائد للحركة التي يعد لها والتي لم يكن يتوقع اتساع حجمها في مجتمع مثل المجتمع المصري فإن مجموعة من الضباط في الثلاثين من العمر لا يمكنهم أن يوحوا بالثقة. ومن ثم بدأ في الاتصال ببعض من الشخصيات المهمة في الجيش لم يكن الفريق عزيز المصري يوحي بالجدية فحاول مع اللواء صادق الذي رفض ولم يبق إلا اللواء نجيب الذي برز في 1942 ثم في فلسطين الذي لم يقل لا.

الحريق
وجاء عام 1952 بينما الملك موضع ازدراء، وكانت الجماهير تهزأ به وتسخر منه علنا عند الخروج من صالات السينما. وكان الحزب القومي الكبير الوفد قد وهن وتراخي وانفصل عن السلطة.
وكان الجيش يتجرع خيبة وإهانة 1948. وكان السودان علي وشك الانفصال النهائي عن شمال وادي النيل بفعل السياسة البريطانية. وعلي القنال كانت قوات تشرشل تشبثت كما لم تفعل من قبل بالقواعد العسكرية المهمة.
إلا أنه في 26 يناير ارتكبت المدفعية مذبحة ضد ما يقرب من مائة شرطي مصري في منطقة القنال. وكانت هذه بمثابة الإشارة لانفجار قومي في القاهرة سرعان ما تحول إلي هياج شعبي ثم إلي فوضي ونهب وسلب ومجازر وأخيرا إلي حريق ليس فقط في أحياء القاهرة الراقية وإنما أيضا في النظام الملكى.
ولكن من الذي أشعلها؟
ولحساب من؟ وعندما أخطر أحد الوزراء قائد الجيش المصري بضرورة الاستعانة بالجيش لوقف الاضطرابات أجاب الأخير: استحالة فإن شباب الضباط سوف ينضم إلي المتظاهرين.
ولا نعرف بالضبط ماذا كان شعور جمال في هذا اليوم. هل أحس بالمهانة؟ أم بالقلق؟ أم أنه كان راضيا في سره برؤية دولة فاروق تنهار؟.
والواقع أن هذه الكارثة الاجتماعية كانت تكتسح أمامها من الجذور نظام حكم ولمدة ستة أشهر، وحاول الملك أن يقاوم من أجل البقاء وبعد أن جرب وزارة تلو الأخري استعان بآخر أدواته: خبرة علي ماهر ودهاء وحنكة حسين سري وسلطة الهلالى. جهد بلا طائل فقد كان الحكم لابد وأن يؤخذ كان ناصر وقتها برتبة بكباشي وقام بعملية جس نبض فقام بترشيح محمد نجيب لرئاسة نادي الضباط.
ولكن الملك قابلها بالرفض مدركا أن وراء اللواء نجيب تتواري رؤوس الجيش الساخنة. 

الانقلاب
يوم 22 يوليو1952 كان فاروق في الإسكندرية ترافقه الحاشية والحكومة التي كانت تتبعه كل عام علي الشاطئ. ولكن علي بعد 200 كم من الإسكندرية، وفي الساعة العاشرة مساء وفي فيللا منشية البكري الصغيرة، في ضاحية القاهرة، أطلق البكباشي عبدالناصر العملية التي بدأت بالقبض علي اللواء فريد رئيس الأركان.
وعند منتصف الليل كان المتآمرون قد احكموا سيطرتهم علي مراكز قيادة الجيش. وفي الساعة الثانية صباحا اتصل وزير الداخلية مرتضي المراغي باللواء محمد نجيب وقال له عبر الهاتف: جري إيه يا سيادة اللواء ما تسكت العيال بتوعك..
وقد أجاد نجيب إظهار دهشته بقدر ما كان مازال بعيدا عن أسرار العملية إذ لم يكن دوره يأتي إلا في المرحلة النهائية.
وفي السابعة صباحا وبينما كان المصريون يتأهبون للنزول للعمل سمعوا عبر المذياع صوت أنور السادات يقرأ النص الذي كتبه عبدالناصر وعبدالحكيم عامر: مرت مصر في الفترة الأخيرة بأحلك حقبة في تاريخها…

هل تقبل فاروق؟
متآمرو الليل لم يحسموا بعد أمرهم للاستيلاء علي مجمل جهاز الدول ولخلع فاروق. لم يكتفوا بوضع اللواء محمد نجيب الذي عينوه قائدا للجيش في المقدمة ولكنهم بحثوا أيضا عن العجوز علي ماهر لينصبوه رئيسا للوزراء. لكي يمهلوا أنفسهم بعض الوقت للتفكير أم لكي يضمنوا خدمات محام جيد مؤهل أكثر من المتمردين لكي يقنع فاروق بالانسحاب في هدوء؟ وطيلة ثلاثة أيام قُتل الموضوع بحثا: هل يجب قتل فاروق لتأمين الثورة؟ واعترض عبدالناصر.
وفي 26 يوليو 1952 اقتيد الملك إلي يخته الذي تعرفه مراسي مونت كارلو وترك لمصيره ولعالمه عالم القمار واللهو والكازينوهات، وهو قرار يمكن أن نستنتج منه نبذ العنف المتأصل لدي هذه الثورة ولدي المصريين والموهبة السياسية لمهندس الحركة ناصر الذي يعرف كيف يدمر خصمه دون أن يقتله.
وكم كانوا فخورين حينئذ بثورتهم البيضاء هؤلاء الضباط الشبان!
في النهاية فإن الحكم عليها يجب أن يكون من خلال أعمالها.
أعمالها؟ هي مشروع الإصلاح الزراعي الذي يحدد الملكية الزراعية بمائتي فدان والذي سيقضي علي الإقطاع ويؤدي إلي انتقال الرأسمال الزراعي إلي الصناعة، ثم تطهير وإلغاء الأحزاب السياسية، التي كانت معظمها قد ضربها الفساد إلا أن مجرد وجودها كان برغم كل شيء ضمانة لنوع من الديمقراطية التعويضية. ثم جاء بعد ذلك إعلان الجمهورية في جو يعكره القلق وحيث الخلافات بين قادة الحركة قد بدأت تستعر.
وأخيرا كانت المفاوضات مع البريطانيين من أجل الجلاء عن قاعدة القناة. عن هذه الفترة كتب جمال عبدالناصر في فلسفة الثورة: لقد فتحنا ثغرة ولم يتبعنا أحد.
أي رجل كان حينئذ ذلك الذي اطلقوا عليه البكباشي الطلاب اليساريون كانوا يسمونه الكولونيل جيمي هل كان ماردا لونه أسمر ونظرته حادة، قليل الكلام خجول يفتقر إلي أي روح دعابة في حين أن المصريين يعشقون المزحات القصيرة التي يسمونها نكتة كان المصريون يحبون نجيب، الطيب نجيب، الذي كان يذكرهم بسعد زغلول والنحاس في آن. أما ناصر فمظهره الجاد الحاد ودعواته إلي العمل والإدخار ومطالبته بالعدل وبالالتزام فقد كان معلما ومرشدا لا قائدا أو زعيما.

الجنرال والكولونيل
وها هما القائدان، الجنرال ذو البايب والكولونيل حزين النظرات، يتواجهان. فنجيب الذي لم يكن إلا عامل الساعة الحادية قد بدأ يأخذ المسألة جد. وقدبلغت شعبيته حدا جعلته يفكر في استخدامها. وبقدر ما كان غير متفق بالنسبة للمضمون: إذ إنه كان يعتقد أن الجيش يجب أن يلعب فقط دور الرافعة ليترك مكانه بعد ذلك للمدنيين. أما بالنسبة لعبد الناصر وقد كان يقولها لنا بوضوح الطبقة السياسية بأكملها كانت مهترئة والنظام الانتخابي لو أعيد لكان قد أدي إلي عودة الإقطاع
الضباط الشبان فقط كانوا قادرين علي الاحتفاظ بنوع من الطهارة وأن يطهروا الدولة وبعد ذلك سوف نرى. حاول اللواء محمد نجيب أن يفرض نفسه وطالب بحق الفيتو داخل مجلس الثورة. قام عبدالناصر بتحجيمه فاستقال فسانده ضباط اليسار الذين كانوا من رأيهم أيضا عودة الجيش إلي الثكنات وأعادوه إلي الحكم. وطوال ستة أشهر ظل الحكم يتهته ويثأثئ ويغير إلي أن اعمل عبدالناصر حسه النقابي في نقابة العمال حيث قمع التجمع وخرج من الأزمة رئيسا للوزراء.
ولكنه ظل معزولا بالإضافة إلي أن عقد الاتفاق مع البريطانيين الذي فرض عليهم الرحيل مع الإبقاء علي علاقات بين القاهرة والغرب قد أثار ضده غضب من كانوا مثل جمال عام1936 لا يقبلون إلا بتسوية غير مشروطة.
وفي نهاية 1954 كان جمال عبدالناصر الذي استقال بعد شهرين من الجيش وخلع الزي العسكري يملك كل السلطات، كل وسائل الإعلام، كل وسائل الضغط بالإضافة إلي جهاز الدولة والإنتاج. وكان يستند إلي الجيش الذي التف في غالبيته حوله وعلي قطاع كبير من الفلاحين الذين كان الإصلاح الزراعي قد حسن قليلا من مستوي معيشتهم خصوصا الإجراءات التي خفضت نسبة الايجار وعلي معظم الطبقة العمالية التي كانت تتكون وبعدها بقليل علي الطبقة الجديدة التي شكلها في آن.. الموظفون والموالون وصغار رجال الصناعة الذين حلوا مكان أثرياء السوريين واللبنانين الشوام والضباط الذين تركوا الخدمة ليتولوا الوظائف الحساسة في القطاع الاقتصادى.
كان النظام بهذا الخليط من العمالية والعسكرية والديناميكية الصناعية والقومية يذكرنا في آن واحد بنظام أتاتورك وبيرون ناقص شعبية القائد لأن جمال كان لايزال لا يتمتع بأي شعبية.
كان لابد له من مواجهة أزمات كبري دولية لكي يظهر في مواجهة القوي الكبرى، كالمدافع عن الكرامة المصرية ثم العربية وتتحول العلاقة الكئيبة إلي شهر عسل. وفي باندونج في أبريل 1955 حيث يكتشف العالم الثالث إلي جانب شو إن لاي ونهرو تكلم ضد الاستعمار وعن الحياد وعند عودته هتفت له الجماهير لأول مرة.
ثم تأتي بعد ذلك اللعبة الكبري: قناة السويس.
بدأت القصة في غزة في فبراير 1955 حيث أدت غارة انتقامية إسرائيلية إلي أن يلمس بأصابعه تدني مستوي جيشه، فحاول بكل الوسائل امتلاك أسلحة. لدي الغرب أولا ثم لدي الشرق.
في سبتمبر وقع عقد شراء أسلحة مع براج مما أثار قلق واشنطن وغضب وزير خارجيتها فوستر دالاس وتعقدت الأمور بعد إلغاء القرض الأنجلو أمريكي للقاهرة من أجل بناء السد العالي في أسوان. وقد علم عبدالناصر بالخبر أثناء اجتماعه في بريوني يوم 18 يوليو 1956 مع نهرو والمارشال تيتو.
وكان رد فعله مرعبا وصاعقا: أثناء إلقائه خطاب يوم 26 يوليو في الإسكندرية أعلن تأميم شركة قناة السويس، ولم ننس محاولة الرد الفرانكو بريطانية والعملية المنسقة بين لندن وباريس وتل أبيب التي انتصرت فقط علي الأرض.
كان الرئيس قاب قوسين أو أدني من الهزيمة العسكرية إلا أن واشنطن وموسكو أجبرا الغزاة علي الانسحاب فخرج منتصرا.
غير أن خطاب الإسكندرية خلق له في فرنسا وفي بريطانيا صورة شبه شيطانية. فباريس لن تغفر له إلا بعد وقت طويل هذا التحدي وأيضا المساندة التي أبداها للثورة الجزائرية.
إلا أن نجاح الرئيس الأكبر تحقق في الداخل. فقد عرف كيف يحول الكارثة إلي انتصار وذهب البكباشي الكئيب إلي غير رجعة: يعيش جمال، يحيا ناصر تحول الرئيس المعلم إلي زعيم، إلي صانع كلمات، صانع انتصار وصانع معجزات..
معلم مصر الفظ الغليظ أصبح أستاذ الأمل في العالم العربي كله.

الانتصار والخطر
هذا الانتصار كان مثقلا بخطر داهم: باختياره العروبة، التي فتحت له طريق تحالفات تمتد إلي ملايين من الأشقاء من الدار البيضاء حتي عدن دخل عبدالناصر في لعبة منهكة من التوازنات والانتصارات والانكسارات وإلي الحرب الدائمة مع إسرائيل. وطوال أحد عشر عاما بعد معركة السويس، أجاد اللعب بوجود القبعات الزرقاء القوات الدولية علي حدود سيناء لكي يمارس سياسة اللا سلم واللا حرب، والتي كان قد قام بتعريفها لأول وآخر مرة عام 1957. غير أن العروبة لديها حساسية من الجمود أوعدم الحركة. إحدي عشر عاما بلا حركة بالنسبة للزعيم المحبوب الذي يثير الغيرة احيانا كثيرة. وقد أثبت السوريون له ذلك في مايو 1967 وعلي الرغم من أن جيشه كان مازال في جبال اليمن وعلي الرغم من أن بناء أسوان قد ضخ الموارد الرئيسية للبلاد وبالرغم من أن الجبهة العربية كانت منقسمة كما لم تكن من قبل فقد ارتكب الخطيئة الكبري في حياته كلها.
تحدث إلي شعبه بصدق شديد ونبل أشد أعلن استقالته.
غير أن الجماهير التي هزها النبأ أبدت تعاطفا شديدا معه لأنها كانت علي قناعة بأنه ليس هناك من يقودها في الهزيمة أفضل من الذي قادها إليها. وتوسلت إليه أن يبقى.
في هذه الأمسية من التاسع من يونيو 1967 حيث استفتي في الكارثة كما لم يحدث لأحد من قبله وبلغ جمال عبدالناصر ذروة الإبداع في فن كان يمارسه باستمرار: تحويل الفشل إلي انتصار.

الحبل السرّي بين غواتيمالا وإسرائيل!



يمكن القول إن غواتيمالا لها تاريخ خاص مع إسرائيل، فهي أول دولة كان لها سفارة في القدس، عملت هناك لنحو 30 عاما، بل وامتدت الروابط إلى ما قبل قيام الدولة العبرية.

كانت غواتيمالا من بين أولى الدول التي اعترفت بإسرائيل، وقد أقامت لها سفارة في القدس عام 1955، وفي ثمانينيات القرن الماضي نقلت البعثة الدبلوماسية الغواتيمالية إلى تل أبيب.

هذه الدولة تقع في أمريكا الوسطى ولها حدود مع أربع دول هي المكسيك وبليز وهندوراس والسلفادرو، وتطل على المحيط الهادئ والكاريبي، وتعد أكثر دول المنطقة اكتظاظا بالسكان، بتعداد يقترب من 16 مليون نسمة.

في 16 يوينو/حزيران عام 1947 زار وفد من 11 دبلوماسيا يمثلون لجنة الأمم المتحدة فلسطين لدراسة الوضع هناك، بينهم مسؤول غواتيمالي يدعى خورخي غارسيا غرانادوس. وكانت هذه الزيارة بمثابة الحبل السري الذي ربط هذا الدول اللاتينية بإسرائيل.

وبما أن هذا المسؤول الغواتيمالي كان في منصب سفير بلاده لدى الأمم المتحدة، فقد صوّت أولا داخل اللجنة لصالح قرار تقسيم فلسطين الذي اتخذ بأغلبية 7 أصوات من أحد عشر.

وفي الجمعية العامة، صوت السفير الغواتيمالي أيضا ضمن 33 مندوب دولة لصالح خطة التقسيم في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، بل وأجرى مباحثات مع مندوبي دول أمريكا الجنوبية في الأمم المتحدة كي يصوت الجميع في كتلة واحدة لصالح هذا القرار.

ولاحقا، ألف غرانادوس كتابا بعنوان " كيف ولدت دولة إسرائيل"، ومكافأة له أطلق اسمه على شوارع في مدن القدس، ورمات غان، ونيتانيا.

في عام 1958 تقرر تسمية أحد شوارع القدس في حي كريات يوفيل، باسم غواتيمالا، فيما سميت في ذات الوقت، ساحة في غواتيمالا باسم إسرائيل.

التعاون العسكري بين إسرائيل وغواتيمالا بدأ عام 1971، وبلغ ذروته عام 1977، حين جمّد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر المساعدات العسكرية لغواتيمالا بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

وتقول تقارير إن إسرائيل زودت غواتيمالا مطلع ثمانينيات القرن الماضي بأسلحة كانت استولت عليها من الفلسطينيين.

ويجدر الذكر أن غواتيمالا كانت مسرحا للعديد من الانقلابات التي دبرت بعضها الاستخبارات المركزية، مثلها مثل جاراتها في هذه المنطقة التي تعرف بـ"حديقة الولايات المتحدة الخلفية".

وقد شهدت هذه البلاد بالخصوص حربا أهلية طاحنة في ثمانينات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، قتل خلالها أكثر من 200 ألف شخص معظمهم من السكان الأصليين "المايا".

وقد استعملت الحكومة المدعومة أمريكيا، خلال تلك الأحداث المأساوية ما يعرف بفرق الموت للتخلص ممن تعدهم خصومها.

ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون كان أعلن عام 1999 أن بلاده أخطأت حين دعمت الجيش الغواتيمالي الذي ارتكب مجازر وحشية في حق المدنيين.

هذا ما جرى في بيت صالح قبل يوم من مقتله!



كشف أمين عام حزب المستقبل اليمني إسماعيل الجلعي، تفاصيل مثيرة عن مبادرة قام بها للوساطة بين جماعة "أنصار الله" والرئيس الراحل علي عبد الله صالح قبل يوم من مقتله.

ونقل موقع قناة "الميادين" عن الجلعي إشارته في حوار معها، إلى أن سقف مطالب حركة "أنصار الله" كان "عاليا جدا ومن ضمنها أن يسلم صالح نفسه".

وأكد الجلعي أنه قام بالوساطة فيما: "كانت المعارك تدور في محيط منزل الرئيس السابق علي عبد الله صالح"، موضحا أنه سعى في مبادرته من دون أن يطلب منه أي طرف الوساطة، وذلك بهدف حقن الدماء.

وروى أنه مضى إلى الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في بيته بصنعاء قبل يوم من مقتله، وأنه "طلب من قيادة أنصار الله إيجاد مخرج يحفظ ماء وجه صالح ويخرجه من المأزق"، لافتا إلى أنه "كان يعمل على تهدئة الأمور أثناء وجوده في منزل صالح، بينما كانت المعارك مستمرة طيلة الليل".

وأفاد الجلعي بأنه طالب قيادة "أنصار الله" بالتعامل بمرونة مع حل الأزمة، واقترح "إبقاء صالح قيد الإقامة الجبرية على أن يستسلم أفراد حراسته"، لافتا إلى أن العميد طارق صالح ابن أخ الرئيس اليمني السابق، أبلغه أن صالح يفضل الموت على تسليم نفسه.

وقالت "الميادين" إن أمين عام حزب المستقبل اليمني وصف زعيم الحركة عبد الملك الحوثي بأنه "كان متعاونا جدا ووافق على بقاء صالح في منزله لكن المؤتمر رفض".

وبحسب المصدر، نقل هذا القيادي اليمني عن شهود عيان تأكيدهم أن "صالح قُتل في منزله أثناء المعارك التي كانت دائرة".

وذكرت "الميادين" أن الجلعي قال في سياق حواره معها: "هناك حقيقة وهي أنه لم يكن لدى أنصار الله نية في قتل صالح وطرحوا الكثير من الحلول"، وإن "القيادي في حركة أنصار الله محمد البخيتي أبدى استعداده للتوجه إلى منزل صالح والبقاء إلى جانبه مع صالح".

كما نُقل على لسان رئيس حزب المستقبل قوله إن "حركة أنصار الله بذلت جهدا كبيرا من أجل الحفاظ على حياة صالح"، وإن حزب المؤتمر الشعبي العام "لم يكن موحدا تجاه الأحداث الأخيرة وهناك أعضاء رفضوا أي تحالف مع السعودية".

ومن ذلك أيضا قوله إن: "حركة أنصار الله كانت مستعدة لوقف إطلاق النار ضمن شروط "، وإن صالح لو استجاب "لدعوة الحوثي في خطابه الأول كنا خرجنا من المأزق".ونقل المصدر على لسان الجلعي قوله: "ربما كان لصالح وعود من جهات معينة لكن رهانه كان خاسرا".

صراع بن سلمان وبن طلال.. أبعد من المليارات



اعتبرت وكالة "بلومبرغ" الأمريكية، أن حملة مكافحة الفساد التي يقودها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تهدف "لأكثر من مجرد الحصول على المليارات"، من المحتجزين بتهم فساد.

وذكرت "بلومبرغ" أن هذه الحملة، التي تشنها السلطات السعودية، لا تستهدف في معظمها مجرد الحصول على الأموال، التي جناها المتهمون من عمليات فساد وغسل أموال، وخاصة من رجل الأعمال البارز، الأمير الوليد بن طلال الأكثر ثراء في الشرق الأوسط.

وتابعت : في حالة الأمير الوليد المتصاعدة بشكل متزايد، هناك خطر أكبر من مجرد الاستيلاء على إمبراطوريته التجارية العالمية، وبعد أن وصلت المحادثات حول تسوية معينة معه إلى طريق مسدود، يبدو أن الدفاع وراء حملة التطهير بات أكثر وضوحا.

وأشارت الوكالة إلى أن السلطات السعودية، تهدف بشكل خاص مع الوليد بن طلال، إلى تحجيم أنشطته في المملكة، بعدما كون إمبراطورية تجارية كبرى، يمكن أن تشكل ورقة ضغط على السلطات.

واستخدم ابن شقيق الملك سلمان البالغ من العمر 62 عاما، ثروته الملكية للاستثمار في الصناعات من القطاع المصرفي إلى الطيران والضيافة والعقارات. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال هذا الشهر أن السلطات تطالب بما لا يقل عن 6 مليارات دولار لتسوية وضعه. وقد انخفضت قيمة ثروته الصافية بنحو 2 مليار دولار إلى 18 مليار دولار منذ احتجازه، وفقا للبيانات التي جمعتها بلومبرغ.

ونقلت "بلومبرغ" عن مصادر مطلعة على الأزمة، قائلة: "إن ولي العهد محمد بن سلمان، يسعى خلال الأشهر القليلة الحاسمة، إلى تحجيم أي مصدر قد يشكل خطرا على سلطته، وهو ما يجعله يتعنت بشكل خاص مع الوليد بن طلال".

وأشارت تلك المصادر إلى أن الوليد لا يزال يرفض وبعناد منقطع النظير، التخلي عن سيطرته المطلقة على شركة "المملكة القابضة".

وتابعت المصادر قائلة: "الوليد يقاوم أي اقتراح يمكن أن يؤثر ولو عرضا على سمعته، أو صورته، ويدافع بكل قوة عن براءته، ويرفض كافة المحاولات للتخلي عن نسبته الأكبر في مجموعته التجارية في المملكة وباقي الشركات العالمية".

وقالت إميلي هوثورن، المحللة المتخصصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في شركة "ستراتفور" الاستشارية الأمريكية: إن "قضية الوليد ستكون بمثابة بوصلة للمستثمرين الغربيين، عن وجود حملة قمع ضد رجال الأعمال".

وتابعت قائلة: "كلما ظل الوليد وراء الأبواب المغلقة لفترات أطول، كلما بات الأمر غير معقول لدى المستثمرين الغربيين، الذين سيتحولون لوصف حملة التطهير بأنها سياسة عدوانية غير مقبولة".

كما قال، بول سوليفان، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في جامعة "جورج تاون" في واشنطن: "الأمير الوليد قوي، ولديه علاقات جيدة، لكن لا أعتقد أن الأمور ستنتهي بصورة جيدة معه، لأنه يخوض معركة شرسة مع فئة أكثر ضراوة منه".

ولفتت "بلومبرغ" إلى أن "المملكة القابضة" أو أي من مسؤوليها الحاليين، رفضوا التعليق، في حين أن مركز الاتصالات الدولية السعودي الرسمي، رفض التعليق أيضا أو الرد على تلك التقارير، معللا ذلك بأن القوانين السعودية تحمي حق الفرد في الخصوصية.

وأشارت الوكالة إلى أن ولي العهد البالغ من العمر 32 عاما تخلى عن عملية صنع القرار السعودية التقليدية التي تحركت بوتيرة جليدية، ولكنه حافظ على توافق في الرأي بين أفراد العائلة المالكة. وكانت جهوده المحلية أكثر نجاحا من تلك الخارجية.

مضيفة أن الأمير، المعروف بين الصحفيين والدبلوماسيين باسم "MBS"، عزز سلطته من خلال تهميش كبار الأمراء. وقامت قوات الأمن بتدوير نقاد الحكومة قبل اتخاذ قرار برفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات في سبتمبر/أيلول الماضي.. كما أنه يتزعم خطة طموحة لإصلاح اقتصاد يعتمد بشكل كبير على البترودولار، مع بيع حصة صغيرة من شركة إنتاج النفط المتمثلة بأرامكو السعودية في عام 2018.

وقال هوثورن "لدينا سبب يدعو إلى التفاؤل بشأن مشاريعه الداخلية أكثر من مشروعاته الأجنبية". وأضاف "لقد عزز بعناية سلطته الداخلية في حين أن سياساته الخارجية حتى الآن لم تحقق أهدافها.

عرضوا عليه الصلح فقال “القدس قبل سيناء”




في عام 1957 بدا للرئيس عبد الناصر أن الثورة ومبادئها قد رسخت فى مصر ودول عربية أخرى وأن الجهد الخاص بالتسليح للقوات المسلحة قد اثمر وأن الاستقرار للحكم الداخلى قد تحقق فأراد أن يركز على تنمية الشعب بدرجة تفوق كل الدول النامية وادى هذا التفكير إلى منح الثقة الكاملة إلى المشير عبد الحكيم عامر في توجهات القوات المسلحة ونموها وقدراتها العسكرية وركز جهوده هو على شتى أفرع التنمية وبدأت مصر تضع خطة تنمية خمسية أولى 62- 67 انتجت دخلا قومياً ونمواً بمقدار 6.5 % قيمة لم يصلها أى شعب فى ظل تنمية مهددة بتحديات استعمارية وأعداء انحصرت فى إسرائيل وأمريكا.

وحدثت هزة عنيفة فى مسيرة الثورة ورسوخها بهزيمة القوات المسلحة ، تحت قيادة عبد الحكيم عامر فى 5 يونيو 1967 والتى انتهت بوقف إطلاق ناريوم 8/ 6 / 1967 ثم انتحار المشير ووفاته .

رفض الشعب وقواته المسلحة قبول الهزيمة التى تمت دون مواجهة مباشرة مع جنود مصروتحمل الرئيس عبد الناصرمسئولية الهزيمة وشعربالخطأ فى عدم متابعة ومواجهة عبد الحكيم عامرفى نفس الوقت الذى تحمس فيه لاستعادة الأرض المغتصبة بالقوة تحت شعار” ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة “وتولى قيادة- الشعب والقوات المسلحة بأسلوب جديد بادئا بحرب استنزاف ضد إسرائيل.

بدأت حرب الاستنزاف “67- 70″ بإرادة الجندى والضابط والقاند المصرى بدافع الرغبة فى الانتقام من إسرانيل وظهرت مقدرة الجندى المصرى فى القتال الشرس الذى نجح فى دب الرعب فى قلوب الجنود الإسرائيليين ونجح فى عام 1968 فى تصدير الخوف الى إسرائيل وفى عام 1969 وصلت القوات المسلحة إلى توازن قوى مع إسرائيل وفى عام 1970 – قدم الرنيس عبد الناصر أكبر هدية إلى قواته المسلحة – صفقة يناير/كانون ثاني- لصالح الدفاع الجوى الذى نجح فى إقامة حائط الصواريخ الذى نجح فى تحدى الطيران الإسرائيلى السلاح المتفوق الوحيد لدى اسرائيل .

وادركت اسرائيل أن الرئيس عبد الناصر نجح بسياسته وجهد قواته المسلحة فى إقامة حائط الصواريخ على بعد 15 كم غرب القناة . وضع يمكن عبد الناصرمن بدء الهجوم على إسرانيل عبر قناة السويس فى أى وقت يقرره.

ومما زاد من إدراك إسرانيل وأمريكا أن الوضع السياسى والعسكرى قد انعكس لصالح العرب عما كان فى يونيو/حزيران 1967 وكان تواجد افراد ووحدات الاتحاد السوفييتى بكثافة فى مصر وتطور قدرة وكفاءة تشكيلات القوات المسلحة البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوى أثره فى تغيير ميزان القوى مع التعاون الاستراتيجى مع الحليفة سوريا.

وبدأت الجهود الدبلوماسية من أمريكا عندما شعرت أن مصر شعب وقوات مسلحة ورئيسا عازمون على تحرير ارضهم بالقوة مهما كانت التضحيات. واشفاقا منها على القوات الإسرائيلية ومركزها الجديد فى المنطقة ورغبتها فى الحفاظ على مركزها بوصفها قاعدة أمريكية فى العالم العربى قامت بعدة محاولات سياسية للتسوية الشاملة بدلا من القتال الذى أثر تأثيرا مميتا على إسرائيل فكانت المحاولة الأولى للتسوية الشاملة فى 2/11/1968 عندما قدم جين راسك وزير خارجية أمريكا مشروعه من اجل السلام تتضمن انسحاب إسرائيل من الأراضى المصرية المحتلة بالكامل.

فى 6/11/68 أثناء اجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى فى القاهرة أعلن الرئيس عبد الناصر رفض مصر لهذا المشروع الأمريكى- الإسرائيلى الذى اعتبره الرئيس حلا منفردا واستطرد فى القول ” إذا وافقنا ، على هذا المشروع وتركئا وراء ظهورنا باقى الأراضي العربية المحتلة فإنه يعتبر خيانة منا لأشقاننا العرب. إن دور مصرالعربى هو قدرها.

وجاءت المحاولة الثانية للحل من أجل التسوية الشاملة مع وليم روجرز – وزير خارجية أمريكا يوم 9/11/1969، عندما قدم ورقة عمل إلى مصر مركزا على إجلاء إسرائيل عن سيناء بحيث تصبح الحدود الدولية السابقة مع – فلسطين هي الحدود الآمنة المعترف بها بين إسرائيل ومصر.

وكان إحساس إسرائيل بأن مصر وصلت إلى قدر كبير من التوازن الإقليمى فى القوى بالإضافة إلى كثرة تضحيات جنودها فى مسرح العمليات سعيا للحصول على الخبرة القتالية الأمرالذى جعل العرب يميلون بطبيعتهم وانتمائهم مرة اخرى إلى التضامن مع مصر.

وكان رد مصر على المشروع الأمريكى- روجرز (1) – أنها لاتقبل حلأ جزئيا باى حال من الأحوال ! ويجب أن يكون الحل شاملا إسرائيل بعد 4 يونيو/حزيران 1967.. وكان الرئيس عبد الناصرفى بداية عام 1970 قد نجح فى الحصول علي أكبروأهم صفقة سلاح سوفييتى للدفاع الجوى والطيران وتمت موافقة الكرملين لأول مرة على إدارة الأسلحة والمعدات والطائرات بأفراد وأطقم سوفيتية الأمر الذي لم يحدث مع أي دولة فى نطاق حلف وارسو ولذا اعتبرت أمريكا أن تأثير هذه الصفقة وفاعليتها يعتبرردعا عسكريا وسياسيا لإسرانيل بالإضافة إلى تعميق وتكثيف التواجد السوفيتى فى مصر سوف يعمق الصراع الدولى بين القوتين الأعظم وأصبح الموقف السياسى والعسكرى للدول المعنية فى الصراع العربى- الإسرائيلى كالآتي .

مصر: نشاط وفاعلية جبهة القتال ضد إسرائيل تتصف بالتحدى والردع خاصة بعد بناء حائط الصواريخ سام 3 واسقاط طائرات فانتوم واسكاى هوك واخذت مصر تصعد العمليات العسكرية فى الجبهة للدرجة التى الزمت قوة الدفاع الإسرائيلى على القناة بالتزام سياسة الدفاع بالدفاع السلبى كما نجحت القوات المسلحة على الجبهة بتصدير الخوف إلى إسرائيل بسبب العمليات الصغرى الجريئة ضد جنودها فى الجانب الشرقى من القناة .

إسرائيل: تحول الموقف السياسى والعسكرى إلى أسوأ حالة حين شعرت أن التصاعد المستمر للقتال على الجبهة المصرية أدى إلى مزيد من تعبئة المشاعر العربية ضد إسرائيل الأمر الذى أرغم مسز مائير رئيسة وزراء إسرائيل ان تعلن أنها لاترى أى فرصة للسلام مادام عبد الناصر فى الحكم وكان الرئيس يدرك معنى السلام الإسرائيلى التى تعلنه مائير.

روسيا: تحذير روسى “كوسيجن ” إلى أمريكا بسبب استمرار إسرانيل فى مغامراتها ضد الأراضى العريية وأن ذلك سوف يجعل الاتحاد السوفييتي مضطراً لإمداد الدول العربية بالوسائل التى يمكنها من الرد على المعتدى المتغطرس .

انجلترا وفرنسا : بوصفهما أعضاء فى لجنة الأربعة الكبار ينضمون فى الرأى إلى جانب العرب ويطلبان تنفيذ إسرائيل لقرار مجلس الأمن رقم 242 / 1967 وكان موقف الصلابة فى القتال على الجبهة المصرية والإرادة والتضحيات التى تتم يوميا جعلت الدولتين تنحازان للجانب العربى. أمريكا = الرئيس نيكسون يؤيد اتجاهات روجرز وزيرخارجيته نحو تسوية شاملة بحيث تتم مفاوضات بين الأطراف المتصارعة على أساس ” اتفاق تفاوضى” وكانت الإدارة الأمريكية قد اعربت عن اقتناعها ان سياسة العصا الغليظة التى نصح بها – هنرى كسينجر- أمن قومى أمريكى- ضد مصر قد استهلكت بعد ان جربت الفانتوم ضد المدنيين فى مصر وفشلت- إشارة إلى قوة العمق المصرى الذى لم يحقق اهدافه.

وأظهرت هذه المواقف السياسية والعسكرية للأطراف المعنية :

1- مدى عمق الفجوة بين الموقفين السوفييتى والأمريكى خاصة بعد انضمام انجلترا وفرنسا إلى رأى ، الجانب العربى وهو موقف يؤدي إلى عزلة امريكا .

2- انتهت مناقشات الأربعة الكبار ” بأن تحقيق السلام مرهون بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية مع ضمان أمن إسرائيل ”

3- فشل استراتيجية السماء المفتوحة ضد مصر

4- إن زيادة دعم إسرانيل بالفانتوم سوف يؤدى إلى إشعال العالم العربى كله بالعداء ضد السياسة الأمريكية.

وهكذا كانت رؤية الرئيس عبد الناصر السياسية والعسكرية قد أكسبت مصر اتجاهات الأربعة الكبار “أمريكا – روسيا- بريطانيا- فرنسا ” إلى جانب الحق العربى المشروع فى تحرير أرضهم المغتصبة وإقرار حقوق الشعب الفلسطينى .

كان هذا الجو والموقف مهيأ للرئيس عبد الناصر كى يوجه خطابه الشهير المفتوح على الهواء مباشرة إلى الرئيس نيكسون فى 1/5/1970- عيد العمال – وكان رد فعل أمريكا ان حضر جوزيف سيسكو وقدم مذكرة الإدارة الأمريكية إلى مصر تشمل :

1- عدم إمداد امريكا بطانرات الفانتوم إلى إسرائيل .

2- التزام إسرائيل بالانسحاب من كل شبر من الأراضى العربية المحتلة مع ضمان حقوق الشعب الفلسطينى.

3 – لا مفاوضة مباشرة مع إسرائيل .

4- إخراج بيجن من الحكومة الائتلافية “حكومة مائير” إذا لم يوافق على الرأى الأمريكى.

وتعتبرهذا الرأى ” المذكرة ” حرصا من أمريكا على ضرورة وقف إطلاق النار بأى ثمن .

أما رد فعل المشروع على مائير فقد اعتبرته “موينخ جديدة” وكان الجزء الخاص بفلسطين والفلسطينيين يمثل كابوسا لا يطاق بالنسبة لإسرائيل .

المحاولة الثالثة والأخيرة – مشروع روجرز ” 2″ : كلف الرئيس نيكسون وزيرخارجيته روجرزمهمة الوصول الى حل من أجل التسوية الشاملة للصراع العربي الاسرائيلي وتطور الموقف بين أمريكا واسرائيل على إثر قرار نيكسون بتأجيل إمداد إسرائيل بصفقة الفانتوم إلى أزمة سياسية صامتة بينهما.

قبلت مصر المشروع بعد- تعديله ليتفق مع الرغبات المصرية فى وقف مؤقت للنيران قدر بـ 90 يوماً . واتخذ الرئيس عبد الناصر القرار النهائي بعد أن استشار خمس قيادات دستورية فى مصر وكان السبب الواقعى للموافقة على المشروع هو:

ا- إعطاء فرصة هادئة للقوات المسلحة المصرية كى تستعد وتجهز تشكيلاتها الميدانية ومسرح العمليات لمعركة تحرير الأرض بالقوة عقب انتهاء فترة الـ 90 يوما بحيث يشمل هذا الإعدأد التدريب القوى بالأسلحة المشتركة على جميع المستويات على العملية “جرانيت “.

2- اكتساب جانب الرأى العام العالمى أدبيا ومعنويا بعد قبول مصر وقف إطلاق النار المؤقت لإزالة الصخب الإعلامى المنتشر فى العالم الغربى بان مصر وعبدالناصر يحاربون من اجل الحرب.

3- اختبار مصداقية امريكا التى قدمت المشروع وتبنته فى تنفيذه عن صدق وهى فى موقف الحياد بين مصر وإسرائيل- امتنـاع عن الإمداد بالسلاح والطائرات – لأول

كانت رؤية الرئيس عبدالناصر الاستراتيجية عن الصراع العربى/ الإسرائيلى ومعرفته الجيدة بأطماع إسرائيل واسلوب المؤسسة العسكرية الحاكمة بها هوما وضح فى خطابه الشهير يوم افتتاح المؤتمر القومى العام للاتحاد الاشتراكى يوم 22/7/1970 حين قال : ” لقد أصبح واضحا أمامنا الآن جميعا وبغير استثناء مهما كان من امر تنوع اجتهاداتنا السابقة أنه لم يعد هناك بديل عن خوض المعركة، لقد تركنا الأبواب مفتوحة لكل محاولات الحل السلمي ولم نضع غير الشروط التى تطلبها حقوق الكرامة الوطنية بل وحقوق الأمن الوطنى والقومى فى أبسط صورهما ولكن ذلك كله وحتى هذه اللحظة كان جهدا ضائعا ” مشيرا إلى محاولات الحل السلمى من أمريكا وإسرائيل ” والنتيجة المحققة التى يجب أن نستخلصها بأنفسنا ولأنفسنا من ذلك أنه لم يعد هناك طريق للخروج مما نحن فيه الآن إلا أن نشق طريقنا نحو ما نريد عنوة وبالقوة فوق بحرمن الدم وتحت أفق مشتعل من النار، ومهما بدت هذه النتيجة قاسية بما تحمله معها من تكاليف وتضحيات فإننا لا نجد امامنا غير ذلك بديلا لنصون به الشرف والحياة والمستقبل جميعا.

إن كل الذين كانوا يعتقدون فى أول حل سلمى لم يعد أمامهم الآن ما يقولونه غير اعادة وتكرار وجهة النظر الأخرى القائلة منذ البداية ” إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة “.

صـدام : الشعبيــة التـي تتعــاظم



حسابات امريكا حينما غزت العراق بنيت على اساس التمنيات ( wishful thinking ) وتصورت ان ما تريده وترغب فيه هو الذي سيتحقق ولكنها وجدت واقعا مناقضا لرغباتها وخططها بعد غزو العراق حيث ظهرت المقاومة العراقية واجبرتها على الانسحاب رغم ان رئيسها بوش الصغير وعد بعد الغزو ببقاء امريكا في العراق اكثر من نصف قرن ، اما شيطنة القائد الشهيد صدام حسين فكانت في مقدمة اهدافها عبر تلفيق اكاذيب او المبالغة في احداث وقعت بطريقة تشوه صورته امام العالم وهكذا تسوّق غزو العراق واعدام رئيسه من خلال ايجاد من يصدق الاكاذيب الامريكية . كما ان حساباتها الاخرى حول مدى قوة وصمود وبساله الشهيد القائد كانت خاطئة لانها تصورت انه سيتنازل او يعقد صفقة مغرية معها تنهي اسطورة صدام حسين البطولية .

صدام حسين اسقط كل تلك الرغبات الذاتية الامريكية وظهر في اواخر حياته اثناء ما سمي بالمحاكمة على حقيقته الخالية من التشويه والاكاذيب لدرجة ان مليارات الناس شهدته على غير ما صوره الاعلام الامريكي واكتشف الاجانب سماته الايجابية وبعضها نادرة فتعلقوا بالصورة الحقيقية له واجبروا على الاعتراف بمزاياه الحقيقية والتعبير عن اعجابهم ، به ولعل اخر من فعل ذلك المحقق الامريكي جون نيكسون ضابط المخابرات الامريكية الكبير الذي الف كتابا عن القائد الشهيد ثبت فيه اعجابة وعظمة صدام حسين وقال حرفيا ( أنه لم يحب صدام حسين بشكل عام لكنه وجد في نفسه كل التقدير والإحترام لقدرته على الحفاظ والتماسك الذي حكم به العراق طيلة هذه الفترة على الرغم أنه قبل أن يحكم العراق كانت البلاد غارقة في المشاحنات والجدالات ولكن صدام تمكن من إنهاء هذا كله وأوصل جميع الأطراف إلى إتفاق عام على أمر واحد. ) . واضاف : ( أن واشنطن إرتكبت خطأ كبير في شأن الرئيس العراقي وإن تدخلها في العراق بهذا الشكل كان خاطئا وأن الحديث عن الأسلحة الكيميائية لدى العراق كان الخطأ الأكبر مشيرا أن صدام حسين كان على حق بما ذكره بشأن فشل أمريكا في العراق ودخولها البلاد ليست نزهة كما إعتقد المحافظون الجدد في واشنطن وكان من الضروري الإبقاء على رجل قوي لا يرحم مثل صدام حسين لكي يحكم العراق الذي به عدد كبير من الأعراق ليس من السهل التعامل معهم وأن حكم صدام كان ضروري لتحجيم التطرف السني والنفوذ الشيعي الذي تقوده إيران. ).

وطبقا لما اكتشفه العالم عن حقيقة صدام حسين لم يكن غريبا ان صحيفة النيويورك تايمز الامريكية والتي تكره صدام حسين اعترفت بانه الرجل الاشهر في العالم وسجل رقما من المعجبين به في العالم تجاوز الرقم 107 مليون انسان من مختلف القارات والامم وهو رقم غير مسبوق في العالم اجمع .

بل ان شعبية صدام حسين في الوطن العربي والعالم الاسلامي تضخمت بصورة غير مسبوقة واصبح بطل القرن الحادي والعشرين بلا منازع واطلق اسمه على مئات الاف الاطفال حتى في دول ليست اسلامية كالهند في تعبير جامح عن اعتراف البشرية بانه شهيد وسجل اعظم مظاهر البطولة في العصر الحديث بوقفته الاسطورية اثناء اعدامه . وتلك الواقعة نسفت الكثير من الدعايات المعادية له والتي استمرت عقودا من الزمن بواسطة الاعلام الغربي والصهيوني ومن يتبعهما واظهرت ان صدام هو بطل فريد في العصر الحديث لاينافسه في هذا المجال اي بطل اخر وان هذا المستوى من البطولة والتنكر للذات لا يملكه الا انسان عظيم وايجابي وان ما الصق به من تهم وصفات كانت عبارة عن عمل شيطاني او اكاذيب لن تصدق بعد ما راه العالم بعيونه وسمعه باذانه ،فدخل صدام التاريخ من اوسع ابواب المجد والعز والتسامي .

اما الحكام العرب فانهم يبكون صدام بدموع من الندم ليس حبا له بل لانهم وصلوا حالة الوقوف على حافة الابادة في حين كان صدام سدا عاليا يحمي اقطارهم وبالنتيجة يحميهم من اعداء الامة العربية شرقا وغربا على حد سواء، بينما الجماهير العربية بكت صدام صدقا وحبا منذ اغتياله ومازالت تربط كوارثها بتغييبه وتتمنى رغم الارهاب الدموي عودته كي تتوقف عجلة الموت ويعود الامن والامان اللذان وفرهما صدام وحزبه العظيم .

ونحن نحتفي بالذكرى الحادية عشر لاعدامه لابد لنا من التعبير مجددا ودائما عن فخرنا بصدام واعتزازنا بسيرته الفريدة في عالمنا والتي ضمنت له التحول بعد استشهاده الى اسطورة بطولية فاقت في شجاعتها من سبقوه في التاريخ واصطف اسمه بين من خلدتهم الامم عبر الاف السنين فكان طبيعيا ان يضع 107 مليون انسان في اوربا وامريكا اللاتينية وامريكا الشمالية واسيا وافريقيا واستراليا صورته في صفحاتهم في الانترنيت بكافة برامجه . تحية للروح الطاهره للقائد الشهيد صدام حسين .

2018 فوضى إقليمية خلاقة...


زياد هواش

بدأت تظهر نتائج الاتفاق النووي الإيراني على المستوى الداخلي، الحرس الثوري في مواجهة الشعب، انتهى التحدي المبالغ فيه ولا مبرر لكل هذا الضغط والقمع، والأمة الفارسية واحدة من أقدم ثلاث أمم مستمرة في التاريخ بدأت تتفكك، والفوضى الإقليمية الخلاقة انطلقت بلا أي تأخير، وكرة النار تتدحرج.

لقد كانت سياسة الرئيس أوباما والتي تقوم على الرهانات الداخلية لإحداث التغيير في إيران والمنطقة، صحيحة وصائبة، وكانت موافقة أمريكا الحاسمة في المفاوضات النوية مع إيران خطوة في الاتجاه الصحيح، لقد كان ملفا يسمح للحرس الثوري بالهيمنة على الدولة والجيش بحجة الخطر الأمريكي والغربي.

من الواضح أن الصواريخ التي يطلقها الحليف الحوثي على السعودية لا تترك اثرا جيدا عند اغلبية الناس في إيران، كما هو الحال بالنسبة لخطابات حزب الله التصعيدية، حتى الحرب في سوريا بدأت تلقي بظلال ثقيلة على المشهد الداخلي الإيراني وكذلك هو الحال بالنسبة للعلاقة الصعبة مع الحليف الروسي البارد...

الأكيد ان هناك مطالب معيشية حقيقية في حركة الشارع الإيراني ولكن الأداء السياسي الإقليمي والدولي للحرس الثوري هو بالتحديد خلف حالة الغضب والغليان الشبابي الذي يشعر بحق بغياب الهم الوطني والهوية الوطنية خلف الهم المذهبي والهوية المذهبية التي تمنح رجال الدين سلطة مطلقة ديكتاتورية...

مع نهاية العام 2017 ينتهي بالفعل زمن إيران ويبدأ زمن إسرائيل، والأخطر أن صداما بين إيران وإسرائيل في جنوب سوريا ودمشق، يبدو حاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى الان، ولكن هل سيقف الشعب الإيراني خلف ثورته الضائعة والغارقة في ديكتاتوريها ومذهبيتها، في هكذا خيار كارثي وربما انتحاري...!

لا يملك النظام المذهبي في إيران أي حل بديل غير المزيد من الضغط الخارجي على الداخل، من خلال توتير المشهد مع الجوار العربي تحديدا، وهذا الخيار الذي دمر اليمن تماما سيأخذ سوريا الى مصير مشابه ثم لبنان في مرحلة لاحقة، وسيكون مدخلا واسعا لإسرائيل ليأخذها صوب الحدود مع العراق ومع النفط...

الفوضى الخلاقة العربية وحروبها المذهبية الدموية، والتي رأى فيها الحرس الثوري فرصته الذهبية ليوطد دعائم ديكتاتوريته في طهران، ستأخذ مسارا تصعيديا أكثر عنفا ودموية اليوم وغدا في محاولة لإنقاذ الحرس الثوري، بعد أن بدأت ترتد بشعاراتها الى الداخل الإيراني نفسه الشديد الشبه بجواره المتداعي...

قد لا يرى النظام في طهران في حركة الشارع ثورة مضادة، وقد لا يقبل توصيفه بنسخة مكررة من عهد الشاه، وقد لا يصدق ان الجماهير التي قامت بالثورة الإسلامية يقوم أحفادهم اليوم ولنفس الأسباب بالثورة على أجدادهم الذين حولوا يران الى ملكية مذهبية أبعد ما تكون عن هويتها كأمة وقومية...

إذا كان الشاه قد بالغ في تغييب التراث الإسلامي للأمة الإيرانية فان الثورة الإسلامية قد بالغت في تغييب الهوية القومية للأمة الفارسية، لقد انتهت ثورة الأطراف والفقراء بقيادة رجال الدين، وبدأت ثورة المركز والمدن الرئيسية بقياد الشباب، لقد كانت الثورة الخضراء مؤشرا خطيرا جرى تعطيل مفاعيله الى حين...

ما يحدث في إيران اليوم سيحدث غدا في تركيا، وكلما ابتعد أردوغان وتنظيم الاخوان الإقليمي في مشاريعه عن انقرة وإسطنبول مكررا مشاريع الحرس الثوري الإقليمي في ابتعاده عن طهران ومشهد، كلما اقترب الشباب المُغيب من نقطة اللا عودة وخيار الثورة القومية على الهوية الدينية_المذهبية الخلاقة...!


المبالغة في العداء ورفض أمريكا وأوروبا وإسرائيل يعطي نتائج مشابهة لحالة المبالغة في التحالف مع أمريكا والغرب وإسرائيل، التناقض في الشكل بين نظامين دينيين_مذهبيين في طهران وانقرة، يعكس تشابها بل تماثلا في جوهر نظامين ديكتاتوريين عنصريين يخدمان بعمق مشروع الفوضى الذي بدأ يلتهمهما...

لقد اجتمع النظامين في طهران وانقرة على احتقار العرب أنظمة وشعوبا، هذه الحقيقة الغائبة عن النظام الرسمي العربي الذي يحتقر الشعب العربي بدوره، لا يجب ان تغيب عن الشعوب او القبائل العربية في رهاناتها على أحد الطرفين لمواجهة توأمه، اذ ليس من المهم القطب السالب بينهما فتيار الفوضى يصعق الجميع...

في الوقت الذي بدا الشعبين في إيران وتركيا يدركان بعمق أن نظاميهما العنصريين يمارسان هذه العنصرية عليهم في المقام الأول قبل أن يفاخروا أمامهم بممارستها على العرب، لا تزال القبائل العربية تفاخر بعلاقاتها التاريخية_المذهبية الحضارية مع جوار لم يكن يوما يكن لهم الا الكراهية العميقة والمتأصلة...

وفي الوقت الذي بدأت فيه شعوب الإقليم تبحث عن هويتها الاقتصادية في المقام الأول، بالعودة الى الهوية القومية_الوطنية العاقلة، تتمسك القبائل العربية بلعناتها المذهبية وتاريخ تبعيتها للإقليم وحقيقة تبعيتها لأمريكا والغرب، ولا تزال تفاخر بغباء نادر باحتقار شعوب أمريكا والغرب بدورهم لسذاجتها وجبنها وخيانتها...

ان سقوط أي نظام في المنطقة العربية والاقليم، هو حالة إيجابية حتى لو جاء برغبة وإرادة وتخطيط "لانغلي" او أخواتها، ما دام هناك استحالة في ان تخرج العرب من قبيلتها وقبليتها صوب مواطنتها ووطنيتها، وإذا كان عليها يوما ان تفاخر بانتصاراتها فسيترافق ذلك دائما مع ذكرى الفوضى والدمار والموت والهلاك...

يبدو ان الدمار الكلي كنتيجة منطقية وحيدة للحروب الدينية_المذهبية هو الطريق الوحيد للخروج من لعنة الماضي الى نعمة المستقبل، وإذا كانت أوروبا احتاجت الى حربين عالميتين لتتغير، فمن الطبيعي ان تحتاج المنطقة والاقليم لعدة حروب ستستغرق الوقت اللازم والكافي لقطع كل رابط بالماضي الرهيب...

هناك قوانين حتمية لكل شيء، للتاريخ وللفوضى وللمستقبل وللعشوائية، وهي قوانين جماعية، لا تخضع لإرادة الأشخاص بل لوعي الجماعات ولحيويتها، القبيلة حالة فردية تخضع دائما لمحيطها وتتكيف دائما مع بيئتها الجديدة، هذا ليس قدر قبائل العرب في شرق الفوضى والشياطين بل خيار العرب في الهروب المستمر.

فلسطين بين القوميين والإسلاميين


رضوان السيد

عادت وسائل الإعلام العربية بعد قضية القدس، إلى التمييز بين ردود الأفعال على المسألة استناداً إلى التحزب باسم الإسلام أو القومية. ولستُ مع هذا التصنيف، لأنّ قضية فلسطين قضيةٌ تهم الجميع، وفي هذه الفترة بالذات عادت إلى أُصولها من دون تحزبٍ ولا تمييز.

كان وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل، وهو ليس من القوميين ولا الإسلاميين لحسن الحظ، قد هاج وماج في اجتماع وزراء الخارجية العرب قبل أسابيع، فدعا إلى تحرير فلسطين فوراً، وباسم المسيحيين والمسلمين. لكنْ يبدو أنّ أحداً عاتبه من أصدقائه في الطرف الآخر، فعاد للقول إنّ قضية فلسطين ليست قضية أيديولوجية، وهو يريد الخير والأمان للإسرائيليين، لكن ليس على حساب الفلسطينيين! وكما كان تصريحه الأول نوعاً من المزايدة على العرب الحاضرين، فإنّ تصريحه الثاني ينمُّ عن سوء فهمٍ وضآلة تقدير. فنحن العرب نتجنب الصراع بين اليهودية والإسلام، فنعتبر القضية غير دينية، وإنما هي قضية احتلال، وفلسطين آخر الأقطار المستعمرة في العالم. لكنّ الصهاينة، متدينين وغير متدينين، يُدخلون العالم الديني والاعتبار الديني، عندما يُصرُّون على الاستيلاء على المسجد الأقصى، فيدخلون بذلك الاعتبار الأَيديولوجي أو الديني، لأنّ المسجد الأقصى معلمٌ دينيٌّ كبيرٌ لدى سائر المسلمين. وفي رمضان الماضي قامت انتفاضةٌ فلسطينيةٌ لأنّ السلطات المحتلة كانت تريد منعَ من لا يعجبها من الصلاة في الأقصى!


وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان هناك انقسامٌ مختلفٌ بين الإسلاميين والقوميين من حول فلسطين. أمّا الإسلاميون فكانوا يعتبرون قضية فلسطين قضيةً إسلامية. وأما القوميون فكانوا يذهبون إلى أنّ فلسطين عربية، ولذا فهي بلادٌ عربيةٌ محتلةٌ، ولا مصلحة لأحد في إدخال الدين في الاعتبار، حتى لا يصبح الأمر صراعاً بين اليهودية والإسلام، ويستغل الإسرائيليون ذلك في اعتبار النضال من أجل القدس وفلسطين مُعادياً للسامية! إنما رغم ذلك كلّه، فإنّ الدعاية الصهيونية استغلت الأمر مرتين: مرةً عند إقامة الكيان الصهيوني، ومرةً عند احتلال القدس عام 1967. لذلك فحتى المعتدلين من أنصار الحق الفلسطيني في الحرية والدولة صاروا يقولون إنهما حقان متصارعان، لذلك لابد من سلامٍ عادلٍ ودولتين للشعبين، وتكون القدس عاصمةً للدولتين: الغربية لإسرائيل والشرقية وفيها الأماكن المقدسة للفلسطينيين.

والذي أراه أنه لا داعي الآن للتنافُس بين الاعتبار الديني والآخر القومي. فعند حصول الضياع، ما كان العامل الديني ملحوظاً، والفلسطينيون اليوم يناضلون من أجل القدس وفلسطين دونما تفرقةٍ ولا تناقُض بين الاعتبارين. وإنما البلاد بلادهم جميعاً على اختلاف أديانهم، ومقدساتهم جميعاً مهدَّدة من جانب الإسرائيليين سواء أكانوا متدينين أم علمانيين أم بين هذا وذاك!

في الاستعراض الذي جرى أخيراً أمام الجمعية العامة للأُمم المتحدة، إبان انتفاضة الأقصى، هبَّ المندوب الإسرائيلي فطالب بالوقوف دقيقة صمتٍ استذكاراً لضحايا الهولوكوست. وبدون توقعٍ من أحد، قامت ممثّلة كوبا في الأُمم المتحدة فطلبت الكلمة وقالت: لندع التجارة الصهيونية بالمذبحة في غير أوانها ولا سياقها، ولنقف دقيقة صمتٍ على الضحايا الذين يسقطون يومياً من الفلسطينيين في وجه الاحتلال الإسرائيلي لديارهم ومقدساتهم! فدوت القاعة بالتصفيق، وقال رئيس الجمعية العامة: إنها مقارنةٌ منصفة!

فيا أيها العرب دعوا عنكم التشاجُر على جلد الدب قبل صيده، ولنقف جميعاً مع الحدّ الأدنى من الحق الفلسطيني في الدولة والمقدسات. وقد قال المفكر الراحل قسطنطين زريق: أن تكون قضيتك قضية حق، هذا أمرٌ جيدٌ ومهم، لكن الأهم أن تستحقَّ هذا الحقّ بالنضال من أجل إحقاقه.

ما عاد هناك من يستطيع المتاجرة بقضية فلسطين وتكون له مصداقية. فالقضية خطيرة، وهي بحجم التضحيات التي قدمها ويقدمها الفلسطينيون، ومعهم كل المحبين والأحرار في العالم. والناس كلهم متعبون، وليسوا متعودين على ترامب وأميركا الجديدة التي ظهرت معه. ومع ذلك فقد هبُّوا للدفاع عن القدس وفلسطين في وجه ترامب وإعلاناته. وهذا أمرٌ واعدٌ ينبغي أن نتابعَه في العالم ومعه. فهذه القضية النبيلة تُشرِّف كلَّ من يعتنقها، بعد سنوات الضياع والتضييع التي صنعها الإرهاب، وصنعها مستغلُّوهُ من الإيرانيين وميليشياتهم. وسيكون علينا بالوقفة ذات الوجه الواحد حماية للقضية من المستغلين، ومن ذوي الوجهين.

2017/12/01

الغاز في شرق المتوسط: ثروة تعيد رسم خارطة القوى في المنطقة



كان أبرز ما نجم عن القمة الثلاثية الخامسة بين قادة مصر واليونان وقبرص، في نيقوسيا، الثلاثاء 21 نوفمبر 2017، التأكيد على أن الاكتشافات الهائلة من الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط، ستمثل حافزا مهما لزيادة النمو واستقرار المنطقة.

وكشفت القمة أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس قبرص نيكوس انستاسياديس، ورئيس وزراء اليونان أليكسيس تسيبراس، أدركوا أهمية التعاون الثلاثي في قطاع الغاز الطبيعي والعزم على اتخاذ مبادرات جديدة لتعزيزه.

وفجّر توالي الاكتشافات في منطقة شرق المتوسط، منذ عام 2009، والتي تقدر بحوالي 69 تريليون قدم مكعب، تساؤلا بشأن إذا كانت الثروة الضخمة من الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط ستكون أساسا لمعالجة الصراعات الإقليمية أم مادة ملتهبة لتفجيرها؟

وولدت الإجابة على هذا التساؤل نقاشا ساخنا بشأن تداعيات الاكتشافات على مستقبل الأمن والتنمية في هذه المنطقة، وذهب فريق من المتفائلين إلى أنها ربما تساعد على تطوير أطر للتعاون الإقليمي بين مصر وعدد من دول الجوار، مثل قبرص وإسرائيل، في المدى القريب لتحقيق جملة من المصالح المشتركة في مجال تنمية حقول الغاز وتصدير الناتج منها إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

وفي المقابل، أكد الفريق الآخر أن الاكتشافات ستؤدي إلى تأجيج النزاعات القائمة بين دول شرق المتوسط ولا يستبعد نشوب حروب جديدة في سبيل السيطرة على الثروات الهائلة التي تمثلها هذه الاكتشافات.

ويقف بين التيارين فريق ثالث يرى أن المكاسب الاقتصادية الكبيرة تعتمد في نهاية الأمر على تطور الأوضاع السياسية والجيوبولتيكية في المنطقة، التي تشهد حاليا درجة عالية من عدم الاستقرار والضبابية.

وأشار أنصار هذا التيار إلى أنه من غير المحتمل الاستفادة القصوى من اكتشافات الغاز الهائلة في المدى المنظور، وسط وجود مجموعة من التحديات، أبرزها:

* الخلافات العميقة والصراعات المزمنة بين دول المنطقة، والتي ربما تتفاقم نتيجة اكتشافات الغاز في المنطقة، فاستمرار الخلافات المتجذرة بين إسرائيل وكل من لبنان وسوريا، وعدم وجود ترسيم معترف به دوليا للحدود البحرية الإسرائيلية مع مصر ولبنان وفلسطين، يضعان علامات استفهام حول التعاون الإقليمي بشأن هذه الاكتشافات.

وإذا أضيف إلى ذلك، النزاع المزمن بين تركيا وقبرص حول مسألة قبرص الشمالية، وعدم الاستقرار وانتشار الأعمال الإرهابية في كل من سوريا والعراق وليبيا ومصر، يمكن تفهم مدى التعقيدات التي تحيط بالبيئة السياسية والإستراتيجية لتطوير وتصدير الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط.

* تردد الشركات الدولية في ضخ المزيد من الاستثمار في البنية التحتية للطاقة في منطقة شرق المتوسط، نتيجة استمرار عدم الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة. كما أن توفير مثل هذه الاستثمارات يواجه تحديات تجارية، مثل إمكانية تراجع الأسعار العالمية للغاز الطبيعي نتيجة زيادة الكميات المكتشفة منه حول العالم، والجدل حول كيفية استغلال الغاز المكتشف في المنطقة، وما إذا كان سوف يتم توجيهه إلى الاستهلاك الداخلي أم إلى التصدير، ومدى تأمين الحماية لجميع منشآت الغاز الطبيعي والبترول في شرق البحر المتوسط، وسط سهولة تعرضها لهجمات من قبل جماعات إرهابية.

ورغم هذه التحديات الصعبة، لا يستبعد أنصار التيار الوسط إمكانية بروز تحالفات إقليمية لتعزيز التعاون والشراكة في مجال الغاز الطبيعي، مشيرين إلى إمكانية نشوء شراكة مصرية قبرصية، وربما إسرائيلية، لتصدير الغاز الطبيعي المكتشف في منطقة شرق المتوسط إلى الأسواق الأوروبية في المستقبل.

ويبدو أن قبرص وإسرائيل، رغم اكتشافاتهما الهائلة من الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة، غير قادرتين على تنمية وتطوير هذه الاكتشافات دون تنسيق قوي مع القاهرة من أجل إقامة البنية الأساسية اللازمة لتصدير الغاز إلى الخارج، سواء كانت هذه البنية في شكل محطات لتسييل الغاز الطبيعي (عائمة أو أرضية) أو في شكل مد أنابيب الغاز إلى القارة الأوروبية، وهي السوق الرئيسي المتوقع لتصدير الغاز من هاتين الدولتين.

وتتطلع الدولتان إلى مصر في المدى القصير، باعتبارها طريق رئيسية لتصدير الغاز من حقولهما المكتشفة في شرق المتوسط، فالقاهرة لديها بالفعل بنية أساسية مهمة لتصدير الغاز الطبيعي المسال، تتمثل في محطتين لتسييل الغاز في مدينتي ادكو ودمياط على البحر المتوسط. كما أن هاتين المحطتين لا تعملان حاليا بكامل طاقتهما لتوقف مصر عن تصدير الغاز منذ عام 2014، ولعدم وجود فائض لديها في ظل ارتفاع الطلب المحلي على الغاز.

وبالتالي، يمكن لكل من إسرائيل وقبرص الاستفادة من هاتين المحطتين لتصدير الغاز المنتج من حقلي “ليفياثان” الإسرائيلي و”أفروديت” القبرصي، إذا تم ربط هذين الحقلين بهاتين المحطتين من خلال شبكة أنابيب نقل الغاز المصرية.

ما يدعم هذا الرأي أن تعاون مصر مع إسرائيل وقبرص في مسألة تصدير الغاز يسهم بشكل ملموس في تحقيق العديد من المكاسب الاقتصادية والسياسية للقاهرة، مثل زيادة الرسوم التي تفرضها على عبور الغاز عبر أراضيها، وتعزيز المكانة الإقليمية.

وتتطلع دول أوروبية حاليا إلى الاستفادة من غاز شرق المتوسط لتلبية احتياجاتها في مرحلة ما بعد عام 2020، أي بعد انقضاء الفترة الزمنية للعقود طويلة المدى، التي كانت تربط معظم دول الاتحاد الأوروبي مع النرويج وروسيا.

لذلك لم يكن غريبا أن يؤكد الرئيس المصري، في القمة الثلاثية الأخيرة، على أن آلية التعاون بين مصر واليونان وقبرص تستهدف استمرار دور الدول الثلاث في المستقبل لضمان أمن واستقرار المنطقة. كما أن وجود تأييد قوي من جانب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتعزيز الشراكة بين دول شرق المتوسط في مجال تعظيم الاستفادة من موارد الغاز الطبيعي، يلعب دورا مهما في هذا الفضاء.

وتطرح زيارة نائب الرئيس الأميركي مايك بينس إلى مصر وإسرائيل المقررة في أواخر ديسمبر المقبل، عدة أفكار لتطوير سبل التعاون والشراكة بين مصر واليونان وقبرص وإسرائيل في مجال الغاز الطبيعي.

ويعود الاهتمام الأميركي بالتعاون الإقليمي في مجال الغاز الطبيعي بمنطقة شرق المتوسط، إلى تفكير واشنطن في تدشين مقترحات سياسية بشأن سبل التعاون الإقليمي تلتحف برداء اقتصادي، ومن وراء ذلك يمكن حماية مصالح الشركات الأميركية العاملة في المنطقة وقطع الطريق على التطلعات الجامحة للشركات الصينية والروسية.

وتمتلك شركة نوبل إنرجي الأميركية حصة في حقل أفروديت القبرصي، تبلغ حوالي 70 بالمئة، بينما تمتلك مجموعة ديلك الإسرائيلية النسبة المتبقية، وتمتلك شركة نوبل إنرجي الأميركية نسبا متفاوتة في حقول الغاز الطبيعي الإسرائيلية المكتشفة حديثا في شرق المتوسط.

ومن الممكن أن يساهم التعاون بين مصر واليونان وقبرص في تحويل منطقة شرق المتوسط إلى منطقة رخاء مشترك، على خلفية ثروات الغاز الطبيعي الضخمة المتواجدة بالمنطقة.

ما يضاعف من أهمية هذا الاستنتاج أن التعاون لن تستفيد منه هذه الدول الثلاث فحسب، وإنما سيمثل فائدة كبيرة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة.

ومن الطبيعي أن تؤدي الشراكة الإستراتيجية المتنامية بين الدول الثلاث إلى زيادة قلق تركيا، فهذه الشراكة سوف تقوي كثيرا من قبرص، التي كان ضمها ولا يزال حلما تركيا، منذ تقسيم جزيرة قبرص في عام 1974 إلى قسمين؛ شمالي قبرصي تركي وجنوبي قبرصي يوناني.

وتحرم تركيا مع عوائد كثيرة يمكن أن تجنيها في حالة تصدير الغاز الطبيعي من قبرص وإسرائيل عبر أراضيها. وربما تقود الشراكة الثلاثية المتنامية إلى خلق بؤرة توتر جديدة في المنطقة، لأن تركيا تنظر إليها باعتبارها موجهة ضد مصالحها القومية، وهو ما يجعل التوتر مخيما على هذه المنطقة لفترة طويلة.

المرض يصل إلى قلب «أوروبا»: برلين ضعيفة من عوارض «اتحاد» يموت


ناصر الأمين

تشكّل الأزمة السياسية في ألمانيا عائقاً أمام حكومة برلين للحفاظ على موقعها كمركز للقرار الحقيقي للاتحاد الأوروبي. وبطبيعة الحال، أنجيلا ميركل ضعيفة يعني «اتحاد» ضعيف

شهدت الدول الأوروبية في السنوات الأخيرة ظاهرة صعود الحركات اليسارية واليمينية والوطنية (وحتى الفاشية)، التي كان من نتائجها وصول «سيريزا» إلى الحكم في اليونان، وتحوّل «بوديموس» إلى لاعب أساسي في إسبانيا، وفوز اليمين في بولندا على حساب الوسط، وحيازة اليمينية المتطرفة مارين لوبن (الداعمة لخروج فرنسي من الاتحاد الأوروبي) 33% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وتحوّل حزب «العمّال» البريطاني إلى أكبر أحزاب أوروبا، وأخيراً محاولات الانقسام في كاتالونيا.

في هذه الفترة، ساد رأي بأن لألمانيا حصانة ضد هذه الحركات والأحزاب؛ ولكن في النهاية وصلت هذه الموجة إليها، وإن تأخرت.
تُسارع المستشارة أنجيلا ميركل الآن إلى تشكيل ائتلاف مع الحزب الديموقراطي الاجتماعي اجتناباً لحصول انتخابات جديدة، متخوّفةً من أن ذلك قد يقوّي موقع «حزب البديل الألماني» اليميني المتطرف، والذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن إضعاف ميركل وإعادة الحركة السياسية إلى برلين. وقال المرشح الأول للحزب، ألكسندر غولاند «إن الوضع إلى انحدار بالنسبة إلى ميركل الآن، وهذا جزء من إنجازنا»، مضيفاً «لقد انتهى وقتها ــ نريدها أن تغادر الساحة السياسية»، مرجحاً أنه في حال إعادة الانتخابات من «المرجّح أن نحقق مكاسب».

بغض النظر عن تشكيلة الحكومة التي ستنبثق عن المفاوضات التي تخوضها الأحزاب الألمانية الآن والتي تهدد موقع ميركل، فإن الاحتمال الأكبر هو أن هذه الحكومة سوف تكون ضعيفة داخلياً وغير قادرة على لعب الدور المهيمن ذاته التي كانت تلعبه برلين في أوروبا في العقود الماضية على مستوى اتخاذ القرارات في الاتحاد الأوروبي. قد يكون ذلك خبراً سارّاً للانفصاليين في أنحاء أوروبا، إذ فيما سيعني اتحاداً أكثر صرامةً، يعني أيضاً اتحاداً أقل قوّةً وقدرة على تطبيق سياساته المعتادة من معاقبة من لا يقبل (أو من يعاني إلى حد الرفض) بسياسات وبنية الاتحاد مع ضمان الانصياع. ألمانيا ضعيفة يعني اتحاد ضعيف، يعني عودة الأصوات المعارضة على أشكالها، يعني صرامة أكبر في السياسات التعسفية... كلّها عوارض انحلال.

منذ بداية القرن الـ 21، مع تخطي ألمانيا مصاعب الانضمام إلى اتحادٍ، وصعودها إلى مستوى المهيمن الأول بعدما كانت تتشارك الموقع مع فرنسا، والاتحاد يأتمر بأوامر برلين. وقد ظهر ذلك جليّاً في تعاطي الاتحاد مع الأزمات المتتالية التي أصابت أوروبا منذ أزمة 2008 المالية وما تبعها. كان نفَس الحكومة الألمانية، ومستشارة البلاد، أنجيلا ميركل، في كل سياسة يقترحها الاتحاد والمصرف المركزي الأوروبي ردّاً على الأزمات. وتجلّى ذلك بأوضح صوره في التعامل مع الأزمة اليونانية، وخصوصاً بعد انتخاب «سيريزا» والاستفتاء الشعبي العام الذي أمر الحكومة بعدم الانصياع لأوامر «الترويكا» التي حمّلت اليونان أعباء لم تكن تختصر بقروض خيالية و«إصلاحات» ذات نتائج كارثية، بل أيضاً حمّلتها أعباء الأزمة الأوروبية ككل. لتخفي حقيقة أن الاتحاد بات على مشارف الانتهاء، قامت ألمانيا بمعاقبة اليونان على «فسادها»، حتى إن الخطاب المهيمن كان حتى 2014 أن اليونانيين هم بطبيعتهم شعب فاسد لا يمكن أن يحتكم لمعايير اليورو. يعلم «الترويكا» أنه ليس بإمكان اليونان دفع الديون الخيالية التي أجبره على مراكمتها، ولكن المشكلة لا تكمن هناك بالنسبة إلى ألمانيا، بل في انصياع وقبول اليونان بما تأمر به الأخيرة من سياسات تعطي طابع القوة للاتحاد، بينما هو يتفتت من الداخل.

بعد نجاح بروكسل بقمع اليونان، وإخماد الأصوات اليسارية المعارضة لها في اسبانيا والبرتغال وغيرها، حتى باتت تلك الأحزاب موضوع عشرات الكتب ومئات المقالات والبحوث لا أكثر، جاء دور بريطانيا التي أمضت معظم وقتها منذ الانضمام إلى الاتحاد وهي تفكّر بالخروج منه. وبخطوة غبية لرئيس الحكومة السابق ديفيد كاميرون لتثبيت قوته، جاءت نتيجة الاستفتاء وبدأت التحضيرات للخروج. صعد اليمين المتطرف للحظات، بات نايجل فاراج حديث الصحافة البريطانية، كيف يشرب جعته ويدخّن سيجارته، كيف يتلاعب بعقول أهل الشمال من دون أن يحظى بأصواتهم. اختار الشعب الخروج من الاتحاد ولم يحظ حزب فاراج بمقعد واحد حتى في البرلمان خلال الانتخابات العامة في الصيف الماضي، ثم اختفى. كان لفاراج و«حزب الاستقلال البريطاني» وظيفة واحدة بنيوياً: تحقيق «البريكست» ثم الاختفاء.

اليوم، يستغل رئيس المفوضية الأوروبية، جون كلود جونكر، ضعف موقف الحكومة البريطانية نتيجة الانقسام الداخلي في الحزب «المحافظ» الحاكم بين مؤيد لـ«بريكست» يتضمن شروط تعاون مع الاتحاد (سوق مفتوح وقوانين هجرة وتنقّل مسهّلة وغيرها) وبين مؤيد لـ«بريكست» حازم يقطع كل العلاقات الاستثنائية مع اليورو، كما يستغل الضعف الاستثنائي لرئيسة الحكومة تيريزا ماي إثر المعارضة الهائلة التي تتعرض لها من قبل حزبها و«العمّال» الذي بات أكبر حزب في أوروبا. يخاطب بريطانيا بحزم وشجاعة من تحتم عليه الموت. يعلم أنه في نهاية المطاف سيضطر الى التفاوض مع لندن، لأنها ليست أثينا ولا يمكنه سحقها والتنكيل بجسدها كما حصل مع اليونان، وخصوصاً مع انشغال ألمانيا بحل أزمة داخلية لن تنتهي بانتصار صلب لأحد. عودة الحيوية السياسية إلى برلين يعني أن ميركل لم تعد المهيمن في بلادها حتى تهيمن على سياسة الاتحاد. هذا ليس لتصوير بريطانيا على أنها في موقع القوي، تفكك الاتحاد الأوروبي ليس خبراً سارّاً للمملكة المتحدة، والتي أيضاً من المتوقع أن تشهد انقسامات داخلية (غالباً اسكتلندا وربما إيرلندا) إذا لم تتوصل «دونينغ» الى نتيجة مرضية للجميع مع الاتحاد.

قد تتراوح الآراء حول موقع ألمانيا في الاتحاد ودورها، بين السلبي والإيجابي، كما قد تتراوح الآراء حول الاتحاد دعماً ومعارضةً، ولكن لم يعد بإمكان أحد البت بأنه قابل للاستمرار سياسياً في بنيته الحالية. ما يحدث في ألمانيا اليوم، وما حدث في السنوات الماضية في دول أخرى يثبت أن بنية الاتحاد هي ذاتها تنتج العوامل التي تسمح لصعود حركات شعبوية يمينية متطرفة، ووصولها إلى قلب الاتحاد، أي ألمانيا، يعني أنه لا يمكن لـ«قيم أوروبا» إخفاء حقيقة أن حزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي، و«الاستقلال البريطاني»، و«القانون والعدل» البولندي وغيرها منتجات أوروبية بحتة اتخذت أشكالاً متعددة وافت عصر «التنوير»، والحربين العالميتين، والاتحاد بتطوره، وتبقى تنتظر أوروبا عند كل أزمة لتفاقمها.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر