الراصد القديم

2017/03/01

لوبان والموارنة والدم المراق

 
  محمود الزيباوي
 
وصلت مرشحة اليمين المتشدد للرئاسة الفرنسية مارين لوبان إلى بيروت مساء الأحد الفائت، وكان أوّل المحتفلين بها رئيس "حزب السلام اللبناني" روجيه إده الذي أقام على شرفها مأدبة عشاء في مدينة جبيل. في هذه المناسبة، ألقى عضو المجلس السياسي في "التيار الوطني الحر"، ناجي إميل الحايك، كلمة ترحيبية تحدث فيها عن الروابط التاريخية التي تجمع بين فرنسا ولبنان، وقال ان الموارنة أرسلوا إلى الملك لويس، 25 ألف مقاتل منهم لمساعدته في حملته الشرقية، وأن الدم اللبناني اتحد بالدم الفرنسي منذ تلك الفترة. من جهتها، ردّت لوبان التحية، وقالت: "أومن بأن أقوى رابط هو رابط الدم المراق، ونحن معاً لدينا هذا الرابط".

بحسب وليم الصوري (نسبة إلى مدينة صور)، اتّصل الموارنة بالفرنجة للمرة الأولى في نهاية القرن الحادي عشر، يوم وصلت الجيوش الصليبية إلى عرقا، في عكّار، وتطوّرت هذه العلاقة، وأدّت إلى اتحادهم بكنيسة روما العام 1182. في رصده لهذه العلاقة، يقول مؤرخ الفرنجة باختصار شديد: "لم يكن هؤلاء الناس قليلي العدد، وقدّروا بأنّهم أكثر من أربعين ألفًا، وكانوا شعبًا قوي البنية ومقاتلين شجعان، وقدّموا فوائد عظيمة للمسيحيين في المعارك الصعبة التي كانوا قد خاضوها مرارًا مع العدو". تؤكّد الروايات المارونية المتأخّرة أن حالة التعاون الماروني استمرّت في زمن تصدّع سلطة الفرنجة في الشرق، وتصاعدت مع مجيء الملك الفرنسي القديس لويس التاسع، على رأس الحملة الصليبية السابعة العام 1250 الى عكا. في "اخبار الاعيان في تاريخ لبنان"، يروي طانيوس الشدياق :"ارسل أمير المردة ولده سمعان، ومعه خيل بخمسة وعشرين ألف مقاتل الذين استقبلوا بالترحاب. ثم كتب الملك لويس إلى أمير الموارنة ورؤساء كهنتهم كتاباً ومضمونه أولا اظهار محبته للموارنة، ثانيا امتداح كنيستهم وإتحداهم الدائم مع خلفاء بطرس الرسول، ثالثاً تأكيد الحماية لهم منه ومن خلفائه ومن شعب فرنسا".

لا نجد في الحوليات الغربية المعاصرة لتلك الأحداث أي إشارة لهذه الواقعة، ويُجمع أهل الاختصاص اليوم أن الكتاب المرسل من الملك لويس التاسع إلى الموارنة في 24 أيار 1250 هو في الواقع كتاب ابتُدع في الأزمنة الحديثة فحسب، وأوّل من نقله المطران نقولا مراد في مقالة طويلة بالفرنسية صدرت العام 1844 في باريس تحت عنوان "نبذة تاريخية في أصل الأمّة المارونية وعلاقتها بفرنسا، وفي الأمّة الدرزية، وفي مختلف شعوب جبيل لبنان". في العام 1987، قدم يوسف حميد معوض وأنطوان محسن القوال وعرّب هذه الرسالة، وأشار في التوطئة إلى مسألة "اختلاق" رسالة الملك لويس إلى أمير الموارنة. وفقاً لهذه المراجعة العلميّة الحديثة، كان المطران نقولا مراد رئيس أساقفة اللاذقية "حامل القضية المارونية إلى الآستانة وروما وباريس خلال السنوات المضطربة (1840-1860)"، وكانت رسالته الصادرة في باريس "أوّل كتاب يضعه ابن جبل لبنان باللغة الفرنسية، وأوّل تعبير منظّم للخطاب السياسي الماروني".

في هذا الكتاب، "حاول مراد ارساء مشروعه السياسي، فلم يتوقّف عند نشر رسالتي الحماية الصادرتين عن لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، اللتين لا شك في صحتهما، بل أبرز جملة من الاعترافات تضمن خروج الموارنة والإمارة من نير السلطنة. وقناعة منه أن الحماية التقليدية المؤمنة بهاتين الرسالتين غير كافية، نسج أخباراً هي مزيج من التاريخ والأسطورة، ليبرهن أن الموارنة هم فرنسيو الشرق أو "الموارنة الإفرنج" حسب تعبيره. ومن هذا الاختلاق رسالة لويس التاسع في العام 1250 وكلام بونابرت العام 1799. فالأول الذي يحمل حجة الأقدمية، يدمج الموارنة بالأمة الفرنسية ويثبت شرعية منزلتهم بقوله "نحن على قناعة بأن هذه الأمة القائمة على اسم القديس مارون، هي جزء من الأمة الفرنسية". كما أن كلام بونابرت، وهو الأقرب زمنياً، يعطي برهاناً قاطعاً على استمرار العلاقة حين يعترف "بأن الموارنة فرنسيون منذ زمن بعيد". وكلا المقولتين من نسج الخيال، فإن من وضعهما هو مراد بذاته، وهو أوّل من روّجهما، إذ لا نجد لهما أثراً قبل 1844، سنة صدور "النبذة التاريخية". ولم يكن اختيار مراد لشخصيتي لويس التاسع وبونابرت عبثاً، إذ مثّلا بنظره وبنظر موارنة تلك الفترة نموذج القائد الغربي الذي ترتفع راية جيوشه في الشرق، فتُعقد عليه الآمال. وكم كان المطران مراد يحلم بحملة عسكرية فرنسية تبعث الإمارة المسيحية المفقودة، الا أنه قليلا ما كان يجاهر بهذه الأمنية".

تقول الرسالة المنسوبة إلى الملك لويس: "امتلأ قلبنا سروراً عندما شاهدنا ولدكم سمعان على رأس خمسة وعشرين ألف رجل، آتين من قبلكم لمقابلتنا، معبرين عن مشاعركم، وحاملين لنا الهدايا عدا الجياد الجميلة التي بعثتم بها إلينا. الواقع ان الصداقة الحميمة المخلصة التي بدأنا نشعر بها أثناء وجودنا في قبرص حيث هم مقيمون، ما دامت تزداد وتنمو. فنحن على قناعة بأن هذه الأمة، القائمة اسم القديس مارون، هي جزء من الأمة الفرنسية لأن صداقتها للفرنسيين هي مثيلة الصداقة التي يكنها الفرنسيون لبعضهم البعض. ومن ثم، فحق أن تنعموا أنتم وكل الموارنة بالحماية عينها التي ينعم بها الفرنسيون من قبلنا، وأن تكونوا مقبولين في الوظائف كما هم مقبولون. اننا ندعوكم أيها الأمير الشهير إلى العمل بحماسة في سبيل سعادة سكان لبنان، وأن تهتموا في منح الأكثر جدارة بينكم ألقاب النبل، كما هو مألوف في فرنسا. واننا نرى بالرضا التام أنكم أيها السيد البطريرك، والسادة الأساقفة، وكل الأكليروس، وأيها الشعب الماروني وأميرك النبيل، نرى برضى كبير تعلّقكم الشديد بالدين الكاثوليكي، وخضوعكم لرأس الكنيسة خليفة القديس بطرس في روما. اننا ندعوكم إلى الاستمرار في هذه الطاعة وفي إيمانكم. أما في ما يتعلّق بنا وبالذين سيخلفوننا على عرش فرنسا فإننا نعدكم بأننا نوليكم وشعبكم الحماية، كما نوليها للفرنسيين أعينهم، وسننهج دائما بما ضروري لسعادتكم. حرّر في عكا في اليوم الحادي والعشرين من شهر أيار 1250، السنة الرابعة والعشرين لجلوسنا".

من أين أتت هذه الرسالة، وما مصدرها الأصلي؟ يجيب المطران مراد في تعليق مختزل ورد في حواشيه: "هذه الرسالة مأخوذة من مخطوطة عربية جداً وهي جزء من محفوظات الموارنة، واضع المخطوطة يدّعي أنه نقلها من اللاتينية إلى العربية".

ترجم يوسف حميد معوض وأنطوان محسن القوال، كتاب المطران نقولا مراد، الا أنهما تفاديا نقل أجزاء منه يتحدّث فيها المؤلف عن الدروز، وأشارا إلى هذا "الحذف" في تعليقهما، وكتبا في تبرير هذه الرقابة الذاتية: "لقد حذفنا من هذا النص المترجم بعض العبارات التي تمس الشعور الديني". ويتّضح لنا عند مراجعة النص الفرنسي الأصلي الذي يرافق الترجمة، أنّ هذا الحذف طاول كذلك هذا النص. ويمكن القول، أننا لا نزال نخاف من مواجهة تاريخنا، بعد مرور أكثر من 330 عاماً على كتابة "نبذة" المطران نقولا مراد. في الواقع، تشهد هذه النبذة لبدايات حرب الجبل التي اشتعلت بين الموارنة والدروز في لبنان العام 1860، وامتدت سريعا إلى سوريا. سجّل عدد من الرواة وقائع هذه الحرب، وصدر بعض من هذه الروايات في كتب، ومنها كتاب نشره يوسف خطار أبو شقرا عام 1952 تحت عنوان "الحركات في لبنان في عهد المتصرفية".

تطرّق العلّامة الدمشقي محمد كرد علي، إلى هذا الكتاب عند صدوره، ورأى فيه "شهادة درزية صريحة في مخطوطة تلمّ في حوادث لبنان"، وكتب معلّقا: "أن أسلاف الدروز أهل ذلك العصر كانوا ذوي ولع وغرام بالحرب والقتال، ولأخفّ مسألة كنت تراهم ينقلدون العدد، فيخوضون الأهوال، ويوقدون نيران الفتنة والقتال، حتى انك ترى تاريخ لبنان الحديث أشبه برواية حماسية، وسلسلة حروب أهلية آخذ بعضها برقاب بعض، ومتصل منتهى الأولى بمبتدأ الأخرى وهلمّ جرا. وهذا الرأي يصدق على الدروز في كل مكان حلّوا فيه من الديار الشامية، فكان جهلتهم دعاة فتن دائمة بين الدروز وجيرانهم من أهل السنّة والشيعة والمسيحيين، وكان الدروز إلى عهد قريب يقتلون أنفسهم كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، ولما منّ الله على بلادنا بنعمة التعلّم بطلت هذه العادات الوحشية وأصبح الدروز وسائر الطوائف من إخوانهم السنيين والشيعيين وغيرهم إخوانا يتحابون ويتآلفون وكذلك مع سائر الطوائف النصرانية".

أثبتت الأحداث الأخيرة في سوريا أن محمد كرد علي لم يكن صائباً في تقييمه، وأنّ "العادات الوحشية" لا تزال قائمة في بلادنا اليوم كما في القرن التاسع عشر. واكبت الصحافة الفرنسية زيارة مارين لوبان إلى لبنان، وقالت أن مرشحة اليمين المتشدد للرئاسة الفرنسية "بقيت في زمن الصليبيين" يوم "ساند الجنود الموارنة الملك لويس"، ويبدو أننا ما زلنا نعيش في منتصف القرن الثالث عشر، ونحن في شتاء 2017.

نحو مشروع نهضة مصرى


سامى شرف

شهد تاريخ مصر الحديث والمعاصر مشروعان كبيران للنهضة الوطنية؛ الأول قاده محمد علي مؤسس مصر الحديثة، والثاني قاده الرئيس جمال عبد الناصر.
وكم هي عديدة عوامل التشابه بين المشروعين من حيث الغاية والوسيلة، وكذلك التحديات التي واجهتهما.
بداية، كلا الرجلان كانا يمتلكان رؤية إستراتيجية واضحة لضرورة أن تتبنى الدولة في مصر مشروع نهضة قومي؛ قائم على قراءة دقيقة وعميقة للتاريخ، وموقع مصر الاستراتيجي الفريد، وقدرات شعبها، ولمفهوم الأمن القومي المصري.
كلا الرجلان آمن وأدرك أنه حتى يكتب لمشروعه النجاح يجب على مصر أن تتفاعل بقوة مع محيطها الجغرافي، وأن تتولى الدفاع عن أمنها القومي الذي يمتد حتى جبال طوروس في الشمال الشرقي ومنابع النيل في الجنوب.
وفي هذا السياق، كان خلق وبسط نفوذ مصري خارج الحدود في كلا المشروعين ضرورة لا غنى عنها لتأمين المشروع، وهذا إدراك لا يملكه سوى القادة العظام.

كما يحسب لكلا الرجلان أنهما تخطيا مرحلة الرؤية إلى مرحلة ترجمتها لواقع ملموس بناء على خطط واستراتيجيات محكمة، تمت صياغتها بدقة، ومن خلال الاعتماد على عدد من الركائز الأساسية:
الركيزة الأولى: استنهاض عوامل القوة والتميز اخل الإنسان المصري، من خلال تنمية قدراته وطاقاته، بالاعتماد على التعليم؛ فكثيرا ما يشاد بمحمد على لإنشائه ديوان المدارس في عام 1838، والذي يعتبر أول وزارة للتعليم في مصر، ولافتتاحه العديد من المدارس المتخصصة في طول البلاد وعرضها، ولإرساله البعثات التعليمية لأوروبا، بالإضافة إلى رعايته لمشروع ترجمة طموح استطاع أن يترجم المئات من الكتب الأجنبية.

وبالمثل فإن الكثيرين يعتبرون أن من أهم انجازات ثورة يوليو تلك السياسات التعليمية التي كفلت بها الدولة تعليما مجانيا للجميع حتى المستوى الجامعي، وأن جيل ثورة يوليو كان جيلا تنويريا بكل المقاييس، أشع بنوره على المحيطين العربي والأفريقي.
الركيزة الثانية: الدور المركزي الذي لعبته الدولة في كلا المشروعين؛ حيث أدارت الدولة قطاع الزراعة وتحديدا لمشروعات الري الكبرى، بالإضافة إلى الصناعة التي نالت هي الأخرى قدرا كبيرا من اهتمامها.

الركيزة الثالثة: كان دعم المؤسسة العسكرية المصرية، وإقامة جيش وطني قوي وقادر محورا رئيسيا في كلا المشروعين؛ غاية ووسيلة هامة من وسائل تحقيق المشروع، وحمايته.

الركيزة الرابعة: كلا المشروعان كان غايتهما الأسمى إقامة دولة مدنية حديثة تأخذ بكافة أسباب القوة؛ لتحافظ على مصالحها، وأمنها القومي بمفهومه الأشمل، وتحمي استقلالها وإرادتها.

وكما اشترك المشروعان في كثير من ركائز البناء والهدف، اشتركا في التحديات الجسام التي واجهتهما.
فبالرغم من الاعتراف بوجود نقاط خلل وضعف داخلية في كلا المشروعين، إلا أنها لم تكن جوهرية، ولم تكن كافية أو سببا رئيسيا في إجهاض أي منهما، وكان بوسع التجربتين التغلب عليها في إطار "قانون التجربة كفيلة بتصحيح الخطأ"، لكن سببا جوهريا كان له الدور الأكبر في إجهاض هذين المشروعين، وهو التدخل الخارجي، من قبل القوى الكبرى التي لها أطماع في المنطقة، وعملائها من دول المنطقة، لأن هذه القوى الامبريالية والعميلة تدرك أن مصر القوية القادرة هي العقبة الكئود في سبيل تحقيق أطماعهم في الاستيلاء على مقدرات المنطقة.
وإذا كان من الصواب التأكيد على أن تاريخ علاقة مصر بالخارج ملئ بالمؤامرات؛ فإن تصوير تاريخها الحديث والمعاصر على أنه سلسلة من المؤامرات التي حيكت ضدها يعد تبسيطا مخلا لهذا التاريخ؛ إذ أنه يبرئ ساحة الكثير من الفاعلين المحليين من المسئولية التاريخية.
ولأن التاريخ هو معمل تجارب العملية السياسية؛ أوجه السطور القادمة لكل من يهمه نهضة هذا الوطن الغالي ..
يقول الدكتور أنور عبد الملك، "إن هدف مشروع النهضة هو إقامة القوة الذاتية، وإذا كان التحرك أصلا من الداخل، وعائده إلى الداخل عبر التفاعل المستمر غير المتردد مع العالم الخارجي، فان هذا الداخل وتلك الذات الوطنية تعني أولا وقبل كل شيء تحديد الخصوصية المصرية المتميزة، وهذا بيت القصيد في جميع صراعات تاريخنا الألفي".

وهنا أؤكد على أن أي مشروع نهضة يقوم على وسيلة وغاية؛ الوسيلة هي الجبهة الوطنية الموحدة، أي اتحاد جميع القوى الوطنية صاحبة المصلحة في بناء دولة قوية .. قرارها مستقل، تقوم على احترام قيم العدل والمساواة والحرية وسيادة القانون، ودولة قادرة على حماية مقدراتها وتنميتها .. دولة تكون نموذجا يشع حضارة لمحيطها وعالمها، وبجانب الجبهة الوطنية الموحدة يقف جيش قوي وطني يحمي إرادة هذه الجبهة، ويزود عن استقلال ومكانة الدولة.
وهنا لدي كلمة لله وللوطن من رجل يظن أن له تجربة ودور يسمحان له بأن يقولها .. جيش مصر يا سادة عمود خيمتها، وحصنها ودرعها القوي، ومكمن قوتها في المحن والأزمات .. وهو واحد من الجيوش الوطنية العريقة التي لعبت أدوارا كبيرة ومؤثرة في تاريخ أمتها .. تعدت الدور العسكري لتمتد إلى الاجتماع والسياسة، ولا يعد هذا نقصا أو عيبا كما يريد البعض أن يصور، فجيش مصر ليس مرتزقة أو عسكر محتل، وإنما هو جزء من نسيج الوطن ومؤسساته الوطنية؛ وكل سهام النقد التي توجه إليه هي سهام مغرضة حاقدة، أو غير واعية بحجم الدور الخطير الذي يلعبه الجيش في حماية الوطن والأمة العربية بأسرها.
ولكي تتأكد من صدق قولي، يكفيك أن تتأمل مصدر الانتقادات للجيش المصري؛ فهو يأتي إما من قوى خارجية لا تريد لمصر أن تكون دولة قوية لها دورها المستقل في محيطها، أو قوى داخلية لها أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع مصالح الوطن دولة وشعب، سواء من قبل جماعات مصالح رأسمالية تريد أن تنفرد بنهب ثروات هذا الوطن وتتحكم في موارده ويقف الجيش الآن حائلا ضد أطماعها، من خلال قيامه بدور وطني رائع في بناء الوطن، والمساهمة في تخفيف العبء عن أبنائه، أو من قبل جماعات وتيارات دينية وسياسية لها أجندات خارجية لا تصب في صالح مصر، وقف الجيش ضدها ومازال يجهض مخططاتها واحدة تلو الأخرى، باعتباره ذراع الوطن القوي القادر في هذه المرحلة.
وفي المقابل، حين نتأمل من يدعم الجيش ويؤمن بدوره الوطني ستجدهم الملايين من أبناء هذا الوطن الذين أدركوا -بفطرتهم وبخبرة آلاف السنين المليئة بالمحن والأزمات كان فيها الجيش المصري طوق النجاة- أن جيش مصر منهم ولهم، وأن أي سوء يوجه له ينالهم جميعا.
وأختم مقالي بالتأكيد على أن أي مشروع النهضة لابد أن يجمع بين الفكر والعمل؛ الفكر يشمل الرؤية التأسيسية، والهوية والانتماء، ومداخل التغيير، وأولويات المرحلة.
والعمل يشمل التوعية والاتصال بقطاعات المجتمع المختلفة، وآليات عدة لإنشاء أو تبني كيانات تقوم على تفعيل فكر النهوض، وآليات للتحريك والتحويل من الفكر إلى الحركة، ضمن تدبير عملي، وآليات للتنسيق والتجميع، وآليات ترشيد وحفز.
كل ذلك من أجل تحقيق غاية كبرى؛ وهي صياغة فلسفة ثقافية ووطنية متميزة، تهدف إلى بناء متميز للإنسان .. صاحب الرسالة ومقصدها، وإقامة وطن قوي قادر.
وحتى يتحقق ذلك، على صانع القرار في مصر، وكل من يشارك في صياغة وتنفيذ مشروع نهضة حقيقي -وليس فنكوش كمشروع نهضة الشاطر وجماعته- أن يعي درس تجربتي محمد علي وجمال عبد الناصر، كي يعظم الايجابيات فيهما، ويتلافى سلبياتهما، والأخطاء التي وقعا فيها، والأهم بذل كل الجهد من أجل تفويت الفرصة على الخارج في أن يجهض هذا المشروع للمرة الثالثة، وهذا الهدف في حد ذاته تحد حقيقي كبير.

لبنان.. تمارين على الطائفية


 مالك ونوس

يحتاج الأمر في لبنان بين الفينة والأخرى، إطلاقَ أبناء الطائفة إلى الساحات، أو إلى زاويةٍ ما على ناصية شارع، للهتاف ذوداً عن زعيم طائفي، أو إلى تقديسه والطائفة، من أجل شدِّ أزر أبناء الطائفة الآخرين الذين قد تسوِّل لهم أنفسهم، في وقت الراحة، التفكيرَ في التغريد خارج سرب <">الطائفية، وتحقيقاً للهدف الأسمى، تلميعَ وجهِ الزعيم، إن علاه الغبار من قلَّة الحوادثِ الجِسام. وهو ما حصل حين هاجم أنصار حركة أمل <اللبنانية مبنى قناة تلفزيون الجديد، هاتفينَ ذوداً عن زعيم حركتهم الحالي، في حين أن برنامجاً، بثَّته المحطة، قيل إنه تناول زعيمها السابق بشكل غير لائق. 

وجاء هجوم أنصار حركة أمل بعد يومين من بث القناة المذكورة حلقةً من برنامجها السياسي الفكاهي "دمى كراسي"، في 12 فبراير/ شباط الحالي، والذي جُسدت فيه شخصيات الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، ورئيس مجلس النواب اللبناني ورئيس حركة أمل، نبيه بري، والرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي الذي اتهمه بري باختطاف الزعيم الشيعي، موسى الصَّدر، مع اثنين من مرافقيه وإخفائهم في أثناء زيارتهم ليبيا سنة 1978. كما استضاف البرنامج النائب السابق في البرلمان اللبناني، حسن يعقوب، نجل محمد يعقوب، الذي كان والصحافي عباس بدر الدين رفقة الصدر حين اختفى. وإذ تتناول الحلقة موضوع اختفاء الصدر ومُرافقيه، 

ويتحدث فيها يعقوب عن بعض حيثيات القضية، ينحصر دور الدّمية التي تجسّد بري في التعليق على الحديث، مع بروز سؤال نطقت به الدمية التي تجسّد القذافي، والذي يرد بها عنه تهمة الاختطاف، قائلاً إن السيد بري يعرف ذلك، ويسأله: "هل خطفتهم أنا يا سيد بري؟". ثم يقول لبري: "أتحداك أن تقول إنك لا تعرف أين المكان الذي يوجد فيه الإمام الصَّدر". ويعقِّب النائب يعقوب على كلام القذافي إنه، طوال فترة تغييبهم، أصبح غير خافٍ عن الرأي العام أنه لم يكن هنالك عمل جَدّي لمعرفة مصيرهم، وكل ما يجري من كلام ومهرجانات تطالب بمعرفة مصيرهم كانت ذات طابع انتخابي. ولعل سؤال القذافي وكلامه الموجَّه لبري وإقرار يعقوب هي الأسباب الخفية وراء هجوم أنصار بري على القناة، فهي تكرّس ما يقال همساً عن دور لبري ومصلحة له في اختفاء الصَّدر.
والمستغرب هو كيف انتظر أنصار حركة أمل يومين، قبل أن يقرّروا مهاجمة القناة، حيث لمتدفعهم الحَميَّة


إمكانية شن حرب ضد مصر عوضا عن إيران!


محمد عبد الحكم دياب

تعود القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام من جديد، ولا يعني ذلك أن المهتمين هم أهل فلسطين أو أصحاب الحق الأصيل في تحديد مصيرها ومستقبلها من العرب والمسلمين، ومن يؤازرهم من أنصار المقاومة والساعين إلى العدل والمنادين بالمساواة في العالم ومن كل الملل والنحل، والمشكلة في أن الطبقة العربية الحاكمة في مجملها هي الأدنى اهتماما بفلسطين، وشغلت نفسها بالاستقطاب المذهبي والطائفي، وتصفية حساباتها فيما بينها، وتقوية علاقاتها بواشنطن وتل أبيب، والمهتمون بفلسطين أبعدوا من دوائر الحكم والقرار، واقتصر الاهتمام بها على من هم خارج هذه الدوائر من قوى مؤمنة بتصحيح مسار التاريخ وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاستيطان والاحتلال والتهجير.‬

ومركز الاهتمام انتقل إلى الرئاسة الأمريكية، وهو اهتمام بالمصلحة الصهيونية، البعيدة عن الحل العادل أو المتوازن، والعمل على تمكين الدولة الصهيونية لتكون دولة يهودية خالصة، مع التراجع عن حل الدولتين.‬ حيث تحتفظ الدولة الصهيونية بما استولت عليه، بالحرب والاستيطان وبطش الآلة العسكرية، وسن قوانين القضم والحيلة والابتزاز، ولم يبق من فلسطين التاريخية إلا خُمسها.‬ ودولتها المقترحة «القابلة للحياة»، بمنطق «الشرعية الدولية»، منزوعة الثروة والسلطة والسلاح.‬

تسارعت التطورات وأتت مع إصرار الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب على أن يكون صهيونيا أكثر من مؤسسي الحركة الصهيونية.‬ هذا بينما تشهد «القارة العربية» تغييرات وتحولات من المتوقع أن تنتهي بحرب صهيونية خاطفة أو طويلة نسبيا، والسبب هو حاجة تل أبيب لحسم الأوضاع بعد اطمئنانها إلى المساندة الأمريكية المطلقة، والتأييد الغربي النسبي، والضعف العربي العام.‬

ومؤخرا تكررت كثيرا تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن حكومات عربية لم يسمها صارت حليفا للدولة الصهيونية، ودعا لقيام تحالف عسكري إقليمي جديد أو اتفاق دفاع مشترك، يضم مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وعواصم خليجية أخرى، وذلك بالإضافة إلى الدولة الصهيونية، على أن تكون القيادة أمريكية، وكان الهدف من هذه الترتيبات دخول حرب مذهبية مؤجلة ضد إيران، وإبعاد أنظار «القارة العربية» عن الخطر الصهيوني الحقيقي.‬

واستبعد سيرغي دولغوف كبير الباحثين في مركز الدراسات العربية والإسلامية التابع لمعهد الاستشراق في موسكو، استبعد الحرب ضد إيران، واعتبرها كارثة للجهود الروسية في سوريا وتجعلها «هباء منثورا»، على حد قوله.‬ وطلب عدم الأخذ بالخيار العسكري، وبذل الجهود الدبلوماسية وإطلاق المفاوضات المباشرة بين الأطراف المتصارعة، وأعلن قلقه من الأصابع الصهيونية في إشعال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وراهن على الضغط الروسي للحيلولة دون وقوعها.‬

إذن سترمي موسكو بكل ثقلها، إنْ لم يكن لمنع الحرب ضد إيران، فعلى الأقل لاستمرار تأجيلها.‬ ولهذا يجب على الدول العربية التفكير بعيدا عن مراوغات السياسة ومداهنات ومبالغات الإعلام وأوهام «المحللين الاستراتيجيين»، وعليهم التخلي عن التفكير التقليدي والمسلمات القاصرة والاختيارات البائسة، وتجنب الاطمئنان لأي تكتل عسكري أو سياسي أو اقتصادي جديد تسعى إليه تل أبيب أو تقوده وتؤيده واشنطن.‬
ونأتي إلى إشكالية سحب الدولة الصهيونية لسفيرها في القاهرة، حيث بدا كأنه خارج السياق، إذا ما تم قياس ذلك على حالة الانسجام السياسي والشخصي بين رئاسة الدولة في القاهرة ورئاسة الوزارة في تل أبيب، ومظاهرها الحميمية والاستراتيجية.‬ وسحب السفراء حدث ليس بسيطا في القوانين والعلاقات الدولية، فما بالنا إذا ما حدث مع حكومة ترتبط مع تل أبيب بـ «معاهدة سلام».
إنه أمر يثير الاستغراب والعجب، ويدفع للشك في النوايا وفي صدق المبررات التي سيقت مع إعلان الخبر من جانب الطرف الصهيوني، وفيما بدا من استرخاء واطمئنان عربي ومصري، وكان أول من نشر الخبر ـ‬ حسب ما ذكرت صحيفة التلغراف البريطانية ـ‬ محلل سياسي مصري هو أمين المهدي، على صلة وثيقة بمصادر المعلومات الصهيونية.‬ وأشار إلى وجود توترات سياسية مكتومة بين تل أبيب والقاهرة تتعلق بقطاع غزة والحدود بين فلسطين المحتلة ومصر، وهذه أسباب سياسية وليست مخاوف أمنية كما ادعت تل أبيب.‬

والحديث عن الحرب ليس حديثا في الهزل، ويؤخذ دائما على محمل الجد، ويعني أنه كالحرب تماما، وكما أن الحقيقة أول ضحايا الحرب، وغالبا ما يكون الحديث جزءا من التمويه والخداع الاستراتيجي، وهو ما نجحت فيه مصر وسوريا في حرب 1973، وأوضح المهدي أنه يعتقد أن الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي على خلاف بسبب قطاع غزة والحدود مع مصر، وأن ذلك الخلاف هو الذي أدى إلى سحب السفير، وإذا ما ربطنا ذلك بما كرره نتنياهو من مزاعم عن تأييد عواصم عربية وتحالفها مع الدولة الصهيونية.‬ وذكرت القناة العاشرة الإسرائيلية أن نتنياهو سحب سفيره تعبيرا عن غضبه مما أسماه بتقارب مصر وحماس، وضيقه من تأييد مصر لقرار إدانة الاستيطان في مجلس الأمن، وكشفت مصادر أمنية صهيونية لموقع «همكور»، أن هناك أسبابا عديدة جاءت وراء سحب السفير وتتلخص في تلقي الحكومة الصهيونية تقارير عقب تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أشارت إلى عمليات نوعية يستعد لها تنظيم «الدولة» (داعش) في مصر، وقد تشمل دبلوماسيين صهاينة من العاملين في القاهرة.‬
ويبدو أن الحديث عن محاربة إيران أصبح أقل جدوى، بسبب ما طرأ على موازين القوى في مركز الصراع العربي والإقليمي، وتمثله سوريا حاليا، فبعد الحضور الروسي، واصطفاف المحور الروسي الإيراني السوري والجماعات ذات العلاقة، كحزب الله اللبناني، وتنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني بجانب تطورات شمال العراق وما يجري في الموصل، والتقارب التركي الروسي، ومد جسور أنقرة مع أطراف فاعلة في الإقليم بما فيها الدولة الصهيونية.‬ وشهدت موازين القوى تغييرات جوهرية بدت أكثر توازنا من ذي قبل، ومن المحتمل أن تميل لصالح المحور الروسي الإيراني السوري وحلفائه.‬
ألا ينبه ذلك إلى إمكانية تغيير بوصلة الحرب لاتجاهها صوب مصر بدلا من إيران، وعادة فإن قرار الحروب الصهيونية ضد دول الطوق في فلسطين ومصر وسوريا ولبنان والأردن أسهل وأيسر فالدولة الصهيونية لا تسعى لاستصدار قرار من مجلس الأمن، وهي كدولة مارقة تضرب عرض الحائط بكل ما يصدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وكل حروبها وتوسعاتها تمت بعيدا عنهما، أما استصدار قرار بضرب إيران فصعب، بسبب حق النقض (‬الفيتو)‬ الذي تتمتع به كل من روسيا والصين، وهو غطاء يحمي إيران، أما دول الطوق فلا يتوفر لها مثل ذلك الغطاء..‬ من حق مصر أن تقلق من حرب قد تكون خاطفة أو طويلة وظروف تغري تل أبيب بالمغامرة، فليس لدى مصر سياسة واضحة..‬ وتتعامل مع الصديق كتعاملها مع العدو..‬ ويلعب أغلب مسؤوليها الكبار على كل الحبال..‬ ولهذا خسروا الجميع فازدادوا ضعفا..‬ وهل تجد الدولة الصهيونية ظرفا مواتيا أفضل من هذا، والحرب ستؤثر على فلسطين تأثيرا شديدا، وعلى كامل «القارة العربية»، ومع ذلك لا يجب أن يكون المصريون دعاة حرب، وعليهم أن يكونوا دعاة سلام يقوم على العدل ويحق الحق، ويعملون من أجله اعتمادا على أنفسهم، وعلى إمكانيات أمتهم وقدرات وبسالة شعبها!!

السرية المصرفية في لبنان تغطي الفساد


حسين طرّاف


لطالما شكّل نظام السرية المصرفية في لبنان غطاءً لمن يريد القيام بعمليات تبييض الأموال. فقد تمتع هذا النظام بمزايا تُسهل القيام بعمليات تبيض الأموال والتهرب الضريبي، مثل الاستعمال الكثيف للنقد الأجنبي والتحويل دون قيد أو شرط وتجيير الشيكات عدة مرات والإيداع النقدي دون ضوابط وإمكانية فتح حسابات مصرفية مُرقمة... وهذا كله تحت غطاء من السرية المصرفية المُطلقة.
من ناحية أخرى، أسهم نظام السرية المصرفية في جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وشجع على الاستثمار، ووفّر الثقة بالائتمان المصرفي، منعكساً بنحو إيجابي على مناخ الاستقرار الاقتصادي في لبنان.

تلقّى قانون السرية المصرفية في لبنان ضربات عدة في السنوات الأخيرة، جعلته يفقد الكثير من مزاياه، وبالتالي لم يعد هذا القانون يُحقق للبنان ما كان مرجواً منه، بل أصبح أشبه «بالغربال» بعد إقرار العديد من القوانين المالية والتعاميم المصرفية استجابةً للمتطلبات الدولية، وبالتالي أصبحت حسابات المُودع في لبنان مكشوفة أمام سلطات كل دول العالم، ما عدا سلطات الدولة المعنية مباشرةً - أي لبنان. فلماذا التمسك بالإبقاء على قانون السرية المصرفية؟

صدر قانون سرية المصارف في لبنان بتاريخ 3 أيلول 1956. بموجب هذا القانون، تلتزم المصارف في لبنان السرية المطلقة، حيث لا يمكن كشف الحساب المصرفي للجهات الخاصة أو السلطات العامة، سواءٌ أكانت قضائية أم إدارية أم مالية أم عسكرية إلا في حالات معينة وردت حصراً في هذا القانون. إن السرية المصرفية التي طُبقت في لبنان بموجب قانون 3 أيلول 1956 كانت من أكثر أنواع السرية المصرفية المُطبقة في العالم شمولاً وإطلاقاً، بحيث أجبر هذا القانون المصارف اللبنانية على كتمان السر المصرفي لمصلحة العملاء بصورة مُطلقة، وجعل هذا القانون إفشاء السر المصرفي عمداً جريمة يعاقب عليها القانون بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة. استفاد لبنان من اعتماد السرية المصرفية، في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي كانت سائدة في تلك الفترة، وسُمّي «سويسرا الشرق»، وحظي بمكانة مالية واقتصادية استثنائية جعلت منه ملاذاً آمناً للرساميل الأجنبية الهاربة من عمليات التأميم التي شهدتها القطاعات المالية والإنتاجية بعد ثورات مصر والعراق وسوريا لتحتمي بالنظام المصرفي اللبناني الجديد الذي وفّر حرية حركة رؤوس الأموال والسرية المطلقة بالإضافة إلى المزايا الضريبية.

انتشار الفساد في لبنان
مرتبط إلى حد كبير بقانون
السرية المصرفية

بالفعل، أسهم هذا القانون إسهاماً كبيراً في ازدهار لبنان مصرفياً وخدماتياً، إذ ازدادت الودائع بنسبة 467% بين عامي 1950 و1961، وارتفع عدد المصارف اللبنانية من 31 مصرفاً عام 1955 إلى 72 مصرفاً عام 1968. واستمرت الودائع المصرفية بالازدياد بصورة كبيرة في خلال الحرب الأهلية وبعدها نتيجة لعمليات تبيض الأموال، وخاصة المتعلقة بتجارة المخدرات وتجارة السلاح والإثراء غير المشروع والتهرب الجمركي والضريبي وعمليات الفساد والاحتيال المالي.
إلا أنّ الأمور لم تعد كما كانت، ففي خلال السنتين الماضيتين، صدرت قوانين شكلت تحدياً لقانون السرية المصرفية، أهمها:
1- قانون الالتزام الضريبي الأميركي: بدأت المصارف في لبنان تطبيق قانون الالتزام الضريبي الأميركي في الأول من تموز سنة 2014، ويفرض هذا القانون على المصارف والمؤسسات المالية تزويد مصلحة الضرائب الأميركية دورياً بمعلومات عن العملاء الذين يُعَدّون أشخاصاً أميركيين من الناحية الضريبية. ولا يمكن المصارف اللبنانية التذرع بقانون السرية المصرفية لعدم التعاون مع السلطات الأميركية. ومن المُلاحظ في ما يتعلق بهذا الموضوع، أن مصرف لبنان كان قد اتخذ قراراً سمح بموجبه للمصارف اللبنانية بأن توقِّع اتفاقيات منفردة مع الإدارة الأميركية حول تطبيق هذا القانون في إطار عملية مباشرة بين المصارف اللبنانية ومصلحة الضرائب الأميركية. وبنتيجة هذا القانون، أُجبر جزء من المودعين في المصارف اللبنانية على التنازل عن حقهم في السرية المصرفية.
2- قانون تبادل المعلومات لغايات ضريبية: وافق المجلس النيابي على إقرار هذا القانون بتاريخ 27/10/2016، ويُجيز هذا القانون لوزير المالية إبرام اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف مع أية دولة أجنبية لتبادل المعلومات المتعلقة بالتهرب الضريبي أو الاحتيال الضريبي، وبالتالي يجب على وزير المالية إجابة طلبات الحصول على المعلومات المُقدمة من هذه الدول، سواء بموجب اتفاقيات موقعة أو بشكل تبادل تلقائي للمعلومات. ومن المُلاحظ أن هذا القانون أعطى وزير المالية صلاحية إدخال لبنان في اتفاقيات مع دول من شأنها المساس بالسرية المصرفية في لبنان. وبالرغم من نص هذا القانون على ضرورة إجابة طلب المعلومات المُقدم من الدولة المعنية إذا استند إلى حكم مُبرم أو وقائع جدية أو قرائن دامغة على ارتكاب المُستعلَم عنه جرم تهرب أو احتيال ضريبي في البلد مُقدم الاستعلام، إلا أنه لم يحدد ماهية «الوقائع الجدية»، تاركاً بذلك للدولة المُستعلِمة حرية التذرع بوجود وقائع جدية بهدف الوصول إلى معلومات مصرفية ومالية متعلقة بأشخاص لبنانيين. وبالرغم من أن هذا القانون أقرّ بوجوب إحالة الطلبات المُقدمة إلى هيئة التحقيق الخاصة عندما تكون المعلومات المطلوبة مشمولة بقانون السرية المصرفية، إلا أن هذه الهيئة مُلزمة هي الأخرى بالتقيد بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بتبادل المعلومات، وبالتالي ستستجيب حُكماً لمُعظم الطلبات المُقدمة، مُعرِّضة بذلك السرية المصرفية للاختلال، خاصة أنه يمكن تزويد الدولة المستعلِمة بالمعلومات دون الإخطار المُسبق للشخص المُستعلَم عنه إذا كان إبلاغه قد يؤثر بفرص نجاح التحقيقات التي تقوم بها الدولة مُقدِّمة الطلب.
3- قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب: أُقرَّ هذا القانون بتاريخ 24/11/2015 لتعديل قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 318/2001. فقد ألغت المادة الأولى من هذا القانون المادة القديمة ووسعت نطاق الأموال غير المشروعة لتشمل 21 جريمة بدلاً من الجرائم السبع الأساسية المنصوص عليها في القانون القديم. كذلك نصت المادتان 5 و 7 على أنه يتعين على المحاسبين المجازين وكُتّاب العدل تطبيق موجبات الحيطة والحذر عند إعدادهم أو تنفيذهم عمليات تتعلق ببيع العقارات أو شرائها أو إدارة أموال العملاء أو إدارة الحسابات المصرفية وإبلاغ هيئة التحقيق الخاصة فوراً عن تفاصيل العمليات المنفّذة والتي يشتبهون بأنها تتعلق بتبييض الأموال أو تمويل الأرهاب.
نتيجة لما تقدم، لم يعُد قانون السرية المصرفية في لبنان يلعب الدور الذي وُضع لأجله، لأسباب عدة، أهمها التزام لبنان القوانين الدولية ذات الصلة، وبالتالي لم يعد لبنان يستفيد مالياً واقتصادياً من وجود السرية المصرفية التي لم تعُد السبب في جذب الودائع التي أصبحت مرتبطة أساساً بتحويلات اللبنانيين وبمستوى الفوائد المرتفع جداً نسبةً إلى الدول الأخرى. إن استمرار التمسك بقانون السرية المصرفية سيزيد من التشكيك بسلامة النظام المصرفي اللبناني وشفافيته، وسيقف عائقاً أمام محاولات الإصلاح ومحاربة الفساد، فانتشار الفساد في لبنان مرتبط إلى حد كبير بقانون السرية المصرفية الذي يقف عائقاً أمام التدقيق المالي لحسابات الأفراد والمؤسسات، في ظل الازدياد الهائل للثروات الشخصية، وبالتالي يمنع تتبُّع مصادر هذه الثروات وحركتها. وعليه يبقى الهدف الرئيسي من إبقاء هذا القانون هو حماية الأثرياء وعدم السماح بإمكانية محاسبتهم على إثرائهم غير المشروع أو تهربهم الضريبي.

روسيا تحدد لإيران ثمن دعمها السياسي

 
بسام مقداد

نشرت صحيفة " kommersant" المستقلة في 14 من الجاري نبأ إلغاء نائب رئيس الوزراء الروسي لشؤون الصناعات الحربية ديمتري راغوزين زيارته إلى إيران ، التي كان من المقرر أن تتم في 13 من الجاري. وكان من المزمع أن يلتقي خلال زيارته هذه نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا سورين الستاري ووزير الدفاع الإيراني حسين دهقان. وكان راغوزين ينوي أن يناقش في طهران مستقبل التعاون الثنائي ، ولا سيما، في حقل الطيران ، حيث كان سيطرح مسألة شراء إيران طائرات ركاب روسية . وتنقل الصحيفة عن مصادرها الخاصة ، بأن سبب إلغاء الزيارة هو كشف الجانب الإيراني عن خبر زيارة المسؤول الروسي ، على الرغم من أن موسكو كانت قد طلبت من إيران إبقاء الزيارة سرية .

وتنقل الصحيفة عن احد مصادرها في جهاز الدولة القول ، بأن راغوزين كان سيتطرق في محادثاته إلى موضوعات حساسة ، منها الحديث عن " أسباب توجه الشركاء الإيرانيين لشراء طائرات من البلدان الغربية" . ويقول هذا المصدر ، أنه " في حين نقدم لطهران دعماً هائلاً ، يأخذون هم التقنيات من اولئك الذين يذلونهم بالعقوبات".

وتذكر الصحيفة ، بأن شركة الطيران الإيرانية " Iran Air" وقعت في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2016 عقداً مع شركة بوينغ الأميركية لشراء 80 طائرة خلال السنوات العشر القادمة . إضافة إلى ذلك ثمة عقد مبرم مع شركة " Airbus" الأوروبية على شراء 100 طائرة من أنواع مختلفة ، تبلغ قيمتها حوالي 20 مليار دولار ، بالمقارنة مع 10 مليار دولار قيمة الصفقة مع بوينغ .

من جانب آخر تشير الصحيفة ألى أن حجم التعاون مع روسيا هو أكثر تواضعاً من ذلك بكثير . في العام 2016 عقدت شركة صناعة طيران روسية "مذكرة تفاهم" مع إحدى شركات الطيران الإيرانية حول شراء طائرات للإستخدام المناطقي ، لكن الوثيقة كانت "وثيقة – إطار" لا أكثر ، ولا تحمل طابعاً إلزامياً . غير أن الشركتين لا يسعهما توقيع إتفاق نهائي حول الصفقة ، لأن الأمر يحتاج إلى إذن من وزارة الخزانة الأميركية ، بما أن الطائرة الروسية المعنية تحتوي على قطع غيار أميركية .

وتقول الصحيفة أن إيران مهتمة بالطائرات الروسية المقاتلة من نوع سوخوي، غير أن بيع مثل هذه الطائرات يستحيل حاليا بسبب قرار مجلس الأمن الدولي المرتبط بالصفقة حول برنامج إيران النووي . وتشير الصحيفة إلى حديث السفير الروسي في إيران الأسبوع المنصرم ، الذي ذكر فيه أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 2 مليار دولار .

وكانت صحيفة الكرملين "vzgliad "قد كتبت في اليوم عينه في 14 الجاري تحت عنوان "روسيا تحدد لإيران ثمن دعمها السياسي "، معلقة على إلغاء زيارة المسؤول الروسي ، تقول أن السبب الحقيقي لإلغاء الزيارة هو عزم موسكو على "إعادة تفصيل" العلاقات الثنائية مع طهران لصالحها . كما أنها تريد ، إضافة إلى ذلك ، الحصول على تعويض عن كل ما تقوم به وما سوف تقوم به لاحقاً في تغطيتها إيران من غضب الولايات المتحدة الأميركية .

وتقول الصحيفة ، أن إلغاء الزيارة قد أعيد رسمياً إلى "اسباب تقنية" ، لكن ما تسرب يشير إلى أن ما جرى هو أعقد من ذلك بكثير، إذ انه قد شُرعت في اللحظة الراهنة النافذة على إمكانيات لإعادة تشكيل معينة للعلاقات الروسية ـــ الإيرانية وتوجيهها لصالحها .

إن إيران قد تخلصت من العقوبات بعد سنين طويلة ، وتعززت قدرتها وحريتها على المناورة . وقد عادت في السنوات الأخيرة إلى الواجهة في السياسة الدولية ، وتعزز نشاطها على الساحة الدولية ، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط ، حيث تنجح في استعادة وضع الدولة الأساسية في المنطقة ، حسب الصحيفة .

لقد كانت طهران تمسك ببعض الأوراق الرابحة ، وكان بوسعها، حتى وقت قريب ، إستخدامها في الحديث مع موسكو من مواقع القوة ، وأول هذه الأوراق هي تجميد صفقة منظومات s-300 . وعلى الرغم من أن الصفقة قد رفع الحظر عنها وتم تنفيذها ، إلا أنها بقيت حجة مناسبة لطهران للضغط على الكرملين والقول له "أنتم لستم شريكاً موثوقاً" في سبيل انتزاع هذا المكسب أو ذاك منه .

الورقة الثانية بيد طهران تتمثل في حاجة موسكو إلى دعم إيران في العملية العسكرية في سوريا . وليس المقصود بذلك العمليات الحربية "على الأرض" فقط . فالأجواء الإيرانية ضرورية للقوات المسلحة الروسية لتنفيذ عدد من المهمات القتالية ، إذ أن مسار القاذفات الإستراتيجية يمر عبر إيران بالذات ، وهو الأمر ، الذي تسبب في إحدى المرات بإشكال بين الطرفين بسبب استخدام القاعدة الجوية الإيرانية من قبل القوات الجوية الروسية .

لكن الوضع تغير كلياً خلال الأسابيع الأخيرة مع الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب ، الذي اختار إيران بالذات "عدو المجتمع رقم واحد" . وعلى الرغم من أن تهديدات الرئيس وإدارته لم تنفذ حتى الآن ، إلا أنه لا يجوز الإسقاط من الحسبان احتمال الإنتقال من الكلام إلى الفعل . وليس سراً ، أن حرمان إيران من دعم روسيا ودق إسفين بين البلدين أمر تعتبره الإدارة الأميركية الجديدة توجهاً مهماً في السياسة الخارجية . وإذا تمكن البيت الأبيض من إحراز نجاح في هذا المجال ، وعلى الرغم من كلفته بالنسبة للكرملين ، إلا أن نتائجه بالنسبة للجمهورية الإسلامية سوف تكون أكبر بكثير . فقد تجد إيران نفسها وقد عادت عشرات السنين إلى الوراء في إنجازاتها الجيوسياسية .

إن إلغاء زيارة راغوزين أمر يُنظر إليه على أنه رسالة مباشرة ومكشوفة إلى طهران (بقدر ما تتيحه الدبلوماسية الشرق أوسطية) .

لقد كان كبيراً جداً إسهام موسكو في عودة إيران لاعباً جيوسياسياً كاملاً في الساحة الدولية . وإذا أخذنا بالحسبان الموقف الراهن للإدارة الأميركية الجديدة ، فإن موسكو ينتظرها عمل أكثر لتأمين التغطية السياسية (بل والعسكرية) لطهران ، الأمر ، الذي يهدد الكرملين بصعوبات جدية في العلاقات مع الولايات المتحدة .

هذه الظروف تخلق الشروط لتعزيز مواقع الكرملين في الحوار الروسي ـــ الإيراني ، وهو ما سيجعل الظروف السابقة ، التي كانت تضعف موقف الكرملين ، خارج السياق . وعلى طهران أن تدرك ، أن عليها تعويض التكاليف ، التي تتحملها موسكو وسوف تتحملها وهي بصدد توفير الغطاء الجيوسياسي لها .

ماذا تبقّى من "الثورة السورية"؟

  
محمد أبو رمان

ما وصلت إليه الأوضاع الراهنة في سورية يثير معضلة الجوهرية، ليس فقط بالنسبة للمعارضة السورية أو حتى السوريين، بل ربما لكثير منّا ممن تعاطفوا مع الثورة السورية في البداية، ووقف مع حق الشعب السوري الأصيل في الحرية والديمقراطية، بل وقبل ذلك الإنسانية.

تضعنا المعضلة المطروحة اليوم بين خيارين رئيسين؛ الأول هو الخيار الواقعي المدعّم بمؤشرات موازين القوى العسكرية على الأرض من جهة، وبالمعادلات السياسية الدولية والإقليمية من جهةٍ ثانية. أمّا الخيار الثاني فهو الأخلاقي- الإنساني المرتبط بالمبادئ والقيم وثيمة العدالة وبالمنطق الثوري المثالي، أي الإصرار على خيارات الحرية ومعاقبة النظام السلطوي الاستبدادي على الجرائم التي اقترفتها يداه أولاً، وبوصفه المسؤول الحقيقي عمّا آلت إليه سورية من دمار وكوارث ألمّت بأغلبية الشعب، بين القتل والتعذيب والأسر، والذبح، والهجرة القسرية والنزوح الداخلي.

ينبثق عن ذلك سؤال كبير؛ هل على المعارضة السورية القبول بالمنطق الواقعي، والتسليم بأنّ هنالك تحولات جوهرية في المرحلة الراهنة، عسكرياً وسياسياً، تجعل من الإصرار على إسقاط النظام أمراً غير ممكن، وكلفته ستستمر طويلاً، أم أنّ عليها الإبقاء على الحلم المشروع بالحرية والتحرر والتخلص من النظام الدكتاتوري؟

صحيحٌ أنّ المعارضة السياسية السورية قبلت، منذ البداية، بمنطق الحل السلمي، وذلك كان مشروطاً بانتهاء الصيغة الراهنة من النظام، وبإسقاط الأسد، وهي شروط عادلة محقّة، تمثّل الحدّ الأدنى لو كانت هنالك عدالة دولية حقيقية؛ لكن ما هو مطروح اليوم دولياً وإقليمياً لا ينسجم مع هذه الشروط والمطالب، بل هنالك تحول كبير تجاه القبول بالنظام السوري، حتى من الحليف الأكبر للمعارضة السورية، الأتراك (وقد ألقى ذلك بالون اختبار نائب رئيس الوزراء التركي في منتدى دافوس أخيراً)، وخروج شبه كامل للنظام الرسمي العربي من المعادلة السورية، وتحوّل في مواقف الإدارة الأميركية بالكلية، من ادعاء الدعوة إلى إسقاط النظام، إلى التخلي عن ذلك والتركيز على "داعش"، ونمو الدور الروسي، والتفاهمات الروسية- التركية..إلخ.

لبت هذه المتغيرات موازين القوى العسكرية بالكلية في المشهد السوري، فبعدما كاد النظام أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في أكثر من مرّة، في بداية الـ2012، ثم في منتصف العام 2015، جاء التدخل الخارجي لينتشله تماماً، بداية بدور حزب الله وإيران والحرس الثوري، وتالياً بالدور الروسي المؤثّر.

مع ذلك، لم يكن التحالف الروسي- الإيراني ليقلب نتائج المعركة، لولا الانقلاب التركي، فهو قاصمة الظهر الحقيقية للمعارضة السورية، وكانت معركة حلب "نقطة التحول" الكبيرة. ولا ينفصل ما يجري اليوم في محافظة إدلب عن التحولات التركية، وعملية الفرز والاستقطاب في أوساط المعارضة السورية المسلحة هناك، إذ انقسم جيش الفتح على نفسه، وبدأ الصراع بين الفصيلين الرئيسين، جبهة فتح الشام وحركة أحرار الشام، وهو التحالف الذي رعاه ودعمه الأتراك سابقاً، لكنّهم يفككونه اليوم، بعد أن تغيرت "المعادلة" والحسابات!

على الطرف الآخر؛ توقفت غرفة "الموك العسكرية" (العمليات المشتركة بين الأردن وأميركا وفرنسا والسعودية والإمارات) عن الدعم العسكري للمعارضة المسلحة، وعمل الأردن على التوصل إلى تفاهمات "جنتلمان" مع الروس، فحيّد المناطق الجنوبية في سورية (درعا) عن كل الصراعات المسلحة، منذ عام تقريباً، وأعاد تصميم (وترسيم) الدور العربي والدولي في دعم المعارضة المسلّحة لمواجهة "داعش" حصرياً، مع عدم السماح بأي صدام مسلّح مع النظام السوري، فانتهت، عملياً، فعالية الجبهة الجنوبية القريبة من دمشق التي كانت أحد أهم روافد الثورة العسكرية الضاربة!

هذه العوامل جميعاً، بالضرورة، شبه حاسمة، ومؤثّرة جداً على "المسرح السوري"، فالمعارضة المسلّحة لا تعيش في فراغ، ولا تمتلك، في النهاية، قدرات خارقة، إذ اشتغلت البيئتان الدولية والإقليمية ضدها، فهنالك شروط رئيسة، مثل التسليح والتمويل والدعم والإسناد العسكري والفني والسياسي، ولا نتصوّر وجود مقاومةٍ مسلحةٍ نجحت سابقاً في تحقيق أهدافها السياسية في ظل ظروف دولية وإقليمية متواطئة، مثلما يحدث اليوم ضد "الثورة السورية".

مع ذلك، لم يكن العامل الأكثر حسماً، ومقتل المعارضة السورية كل ما سبق، بل هو الحالة الداخلية لها، ولا أتحدث هنا عن الفجوة الكبيرة بين السياسيين والعسكريين، ولا عن ارتهان السياسيين لأجندات إقليمية ودولية متضاربة، بل عن الداخل نفسه، أي واقع الفصائل المسلحة وعلاقتها بالحاضنة الاجتماعية الشعبية السورية.

يكفي أن ننظر في "ساحات القتال"، ونعيد تعريف الواقع وتقييمه بصورة موضوعية وأمينة، بعيداً عن الأوهام، ونتساءل: ماذا تبقى من المعارضة السورية، ومن قيم الثورة السورية، على الأرض؟! في الرقة ودير الزور وبادية الشام تنظيم داعش، في إدلب وريفها جبهة فتح الشام (هيئة تحرير الشام لاحقاً) و"أحرار الشام"، وهم لا يؤمنون (في أغلبيتهم) بالديمقراطية وبالدولة المدنية، والفصائل الإسلامية الأخرى (الجبهة الشامية سابقاً) اضطرّت إلى الانضواء تحت عباءة "أحرار الشام" خشية من "فتح الشام"، بينما انضمت أجزاء من أحرار الشام- الجناح الأيديولوجي، سابقاً، إلى جبهة الفتح.

سلّمت المعارضة أغلب ريف دمشق، وما تزال التوترات والصراعات الداخلية بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن وجيش الفسطاط قائمة، وسينتهي الأمر إلى خروجهما معاً، واستلام جيش الأسد هذه المنطقة، بعدما صمدت ببطولة خلال الأعوام الماضية.
وفي الجبهة الجنوبية، كما ذكرت السطور السابقة، انتهت المعارضة المسلحة عملياً، وآلت إما إلى جيش خالد بن الوليد (جزء من "داعش") أو إلى فصائل موالية للأردن، تنتظر تقرير مصيرها على طاولة التفاهمات الإقليمية والدولية.

أمّا باقي الفصائل فتحولت إلى أدوات في خدمة الأجندات الإقليمية والدولية، تارة تحت شعار "محاربة الإرهاب" وتارةً أخرى "تحت شعار: هذا أفضل من ذلك، كما هي الحال في معركة الباب حالياً"، لكن العامل الأكثر تأثيراً على هذه الفصائل هو المال، وبروز ظاهرة "أمراء الحروب" وبزنس الصراعات الداخلية.

بالنتيجة؛ دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً غير مسبوق، وتعسكر عشرات الآلاف من أبنائه، وقتل مئات الآلاف، واعتقل مثلهم، وهجّر الملايين، ليس ليجدوا أنفسهم أمام خيارين؛ إما النظام أو القاعدة أو داعش أو المرتزقة؟!

أعتذر عن الصرامة والوضوح في التعابير. لكن أظن أن المطلوب اليوم هذا المنطق الواضح في قراءة الحالة الراهنة وتعريفها للانطلاق من ذلك إلى إعادة تقييم المقاربات التقليدية والخطابات التي تقدمها المعارضة، وإعادة تدوير الاستراتيجيات والأفكار في التعامل مع النظام، وترسيم أهداف جديدة، مثل إعادة التفكير في الجانب الإنساني، وإعطائه أولوية وأهمية، المطالبة بعودة المهجّرين وبتصفية حساب مع المرحلة السابقة، وبمحاولة بناء تفكير جديد ضد النفوذ الإيراني المتنامي، إعادة تدشين الحوار مع الأتراك على قواعد جديدة،.. إلخ.

طرابلس خرجت من قيادة المستقبل



دموع الاسمر

رغم الخلافات بين الكتل والتيارات السياسية حول صيغ قانون الانتخابات فان التحضيرات للمعركة الانتخابية في طرابلس جارية على قدم وساق حيث تتشكل الماكينات الانتخابية وتبدأ في افتتاح مكاتب لها في الاحياء والمناطق وكأن المعركة الانتخابية واقعة غدا، فيما تستمر الاصطفافات الشعبية الواسعة تتوزع بين الرئيس ميقاتي والوزير السابق اشرف ريفي، في ظل مشهد يوحي بالتقارب اللافت على مستوى انصار ميقاتي وانصار ريفي وبغياب اي حملات بين الطرفين التي حلت مكانها لغة التودد والحوار، وفي الوقت الذي ارتفع فيه منسوب الخلاف بين انصار الحريري وانصار ريفي الامر الذي دفع بالقواعد الشعبية لميقاتي وريفي الى التمني على قياداتهم السياسية ايجاد الصيغة المناسبة لعقد تحالف انتخابي ائتلافي يخفف من احتقان الشارع السني.

ترى اوساط طرابلسية متابعة ان الانقسام السياسي الذي تشهده الساحة الطرابلسية وخصوصا بين القيادات السنية يرفع من منسوب التوتر على كافة الصعد خصوصا ان هذا الانقسام سيولد ثلاث لوائح انتخابية في المدينة لائحة ميقاتي ولائحة الحريري ولائحة ريفي الامر الذي رأت فيه الاوساط ان هذا الانقسام يمكن ان يولد كتل نيابية صغيرة بينما المطلوب تقول الاوساط وصول كتلة نيابية شمالية كبيرة الى مجلس النواب لترفع الحرمان والاهمال عن مدينة طرابلس واقضية الشمال. ولفتت الاوساط الى ان مدينة طرابلس اليوم خرجت من عباءة تيار الحريري الذي نال حصة الاسد من شمال لبنان لكتلته النيابية، وبعد كشف حقيقة وعود التيار الازرق الوهمية ادرك الطرابلسيون ان خيارهم الان هو الاتجاه نحو القيادات الطرابلسية الرئيسية وحدها التي تحمل هموم المدينة وتجهد في حل مشاكلها من خلال اللقاءات الشعبية اليومية.

وتقول الاوساط ان الشارع الطرابلسي يرى ان الانقسام السياسي بين قيادات لا يمكن ان ينتج كتلة وازنة للمدينة لذلك هناك احاديث جانبية عن امكانية تشكيل تحالف ائتلافي بين ميقاتي وريفي لضمانة وصول كتلة نيابية طرابلسية الى مجلس النواب تعيد الى عاصمة لبنان الثانية مكانتها التاريخية كما كانت قبل عام 2005.

وكشفت الاوساط ان هذه التمنيات يمكن ان تترجم فعليا على ارض الواقع خصوصا ان دعوة ريفي الرئيس ميقاتي الى عقد اجتماعات تخدم المدينة انمائيا ليست مستحيلة بعد تشكيل لجنة من الطرفين للاجتماع دوريا وتناول ابرز الملفات الانمائية خصوصا ملف كهرباء طرابلس 24/24 وهذا الملف قطع شوطا مهما بانتظار اعلان نتائج الاجتماعات في اقرب وقت.

وكشفت الاوساط ان التحالف الائتلافي بين ميقاتي وريفي ليس مستحيلا خصوصا بعد تمنيات واسعة على القيادات الطرابلسية العمل على تخفيف الانقسام السني في الشارع الطرابلسي. وكشفت الاوساط انه على الرغم من امكانية تحالف ائتلافي بين ميقاتي وريفي الا ان الرجلين مستمران في تشكيل لائحتيهما وباتت لوائحهما شبه منجزة.

وتقول الاوساط انه في حال نجح التحالف الائتلافي بين ميقاتي وريفي فان اللائحة تتوزع مناصفة بين الرجلين واختيار الاسماء المناسبة لمعركتهما وفي حال تم ذلك فان معركة الانتخابات في طرابلس تصبح نتائجها معروفة سلفا حيث ستكون معركة تيار المستقبل صعبة جدا واصعب في حال نجح التحالف الائتلافي بين ميقاتي وريفي.

لكن هناك من يسأل هل تسمح الدول الراعية بقيام مثل هذا الائتلاف بين قوتين رئيستين في طرابلس مما يحول هذا الائتلاف الى «محدلة» انتخابية ينهزم فيها الحريري ويخسر من كتلته؟
ومن جهة ثانية: هل يستطيع الرئيس ميقاتي حمل شعارات اللواء ريفي في معركته الانتخابية؟ وبالتالي هل يستطيع الوزير ريفي تحمل شعارات ميقاتي الوسطية ؟
حسب مصدر ان اللقاءات الجارية حاليا بين كوادر الفريقين من شأنها ان تزلل العراقيل والعقبات وقد تمهد للقاء على مستوى القيادة بين الفريقين تحت شعار «من اجل انماء طرابلس...»!!؟؟

ماذا بعدُ يا بني صهيون !!





محمود كعوش

هنا كان ” كنيساً يهوديا” وهناك “هيكل سليمان” !!
(مذبحة الحرم الابراهيمي الشريف في ذكراها السنوية الثالثة والعشرين)

بنتيجة احتلال “إسرائيل” للضفة الغربية الفلسطينية من ضمن الأراضي العربية التي احتلتها إثر الحرب العدوانية التي شنتها ضد ثلاثة من الأقطار العربية هي مصر وسوريه والأردن في الخامس من شهر يونيو/حزيران عام 1967، تحول الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل من مجرد مسجد عادي للعبادة كبقية المساجد المنتشرة فوق تراب فلسطين من البحر للنهر إلى بؤرة صراع عقدي وسياسي مثله مثل المسجد الأقصى المبارك في الشطر الشرقي لمدينة القدس. فبالاتكاء إلى المزاعم والأضاليل التلمودية والتوراتية الباطلة والمفبركة اعتاد الصهاينة الأنذال على الكذب والادعاء زوراً وبهتاناً بأن الحرم الابراهيمي الشريف “كان كنيساً يهودياً” وفعلوا كل شيء من أجل إبعاد الفلسطينيين عنه بشكل نهائي، تماماً كما اعتادوا على الكذب والادعاء بأن المسجد الأقصى المبارك “أقيم على أنقاض هيكل سليمان” وتمادوا كثيراً في حفرياتهم تحته وعاثوا فساداً وجوراً وبهتاناً فوقه، بانتظار اللحظة التي تمكنهم من هدمه وتحقيق حلمهم المزعوم!!

فمذ سيطرت “إسرائيل” على مدينة الخليل في الضفة الغربية، دأب الجنود والمستوطنون الصهاينة على اقتحام الحرم الإبراهيمي وتدنيسه وممارسة جميع أساليب القذارة والسفالة حوله وداخل أروقته، حيث أقاموا فيه حفلات الرقص والمجون والزواج والختان دون مراعاة لحرمته. ورويداً رويداً تطور الأمر إلى درجة أنهم تجاسروا وأدوا فيه صلواتهم التلمودية وأدخلوا إليه مقاعد وطاولات ونسخاً من التوراة ومارسوا طقوسهم الدينية وألقوا العظات والمحاضرات الدينية، وحولوا أجزاء هامة منه، وخاصة الساحات الإسحاقية واليعقوبية والإبراهيمية، إلى مدرسة دينية وكنيس يهودي.

ولعل التطور الأخطر الذي حل بالمسجد الإبراهيمي كان في 25 فبراير/شباط من عام 1994م الموافق 15 رمضان من عام 1414 هجري عندما نفذ المستوطن الصهيوني الحاقد “باروخ غولدشتاين” مجزرته الشهيرة والخطيرة التي راح ضحيتها عشرات الشهداء ومئات الجرحى من المصلين الفلسطينيين، والتي على إثرها شكلت حكومة الاحتلال لجنة تحقيق صهيونية أطلق عليها “لجنة شمغار” قضت ظلما وزورا بتقسيم المسجد إلى قسم يهودي وآخر إسلامي وأمرت بإقامة حواجز حديدية فاصلة بين القسمين، في الوقت الذي منع فيه المصلون المسلمون بتاتا من دخول القسم المدعى أنه يهودي، بينما دأب الجنود والمستوطنون من وقت لآخر على اقتحام القسم الذي يصلي فيه المسلمون، ووصلت قذارتهم حد منع هؤلاء من دخول هذا القسم وتأدية صلواتهم فيه أثناء الأعياد اليهودية التلمودية!!

وهكذا حولت سلطة الاحتلال “الإسرائيلية” الحرم الإبراهيمي الشريف إلى ثكنة عسكرية، ونصبت على أبوابه الحواجز الحديدية والخشبية والبوابات الإلكترونية التي حولتها في ما بعد إلى حواجز اسمنتية، وسيطرت على عشرات المباني والأسطح والحوانيت القريبة من المكان بذريعة “الدواعي الأمنية”، وتحولت المنطقة بأكملها الى مربع أمني حُظر على الفلسطينيين دخوله. ولما كانت غاية سلطة الاحتلال من وراء تلك الإجراءات التعسفية منع الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد لأداء صلواتهم، اغتال الجنود والمستوطنون الصهاينة الحاقدون عشرات الشبان الفلسطينيين والشابات الفلسطينيات عند تلك الحواجز والبوابات بدعوى “قيامهم بمحاولات طعن بالسكاكين والآلات الحادة”. وحتى اليوم تخضع إجراءات الدخول والخروج إلى ومن المسجد لمتغيرات كثيرة بين لحظة وأخرى، وتكون الذريعة دائماً “لدواعٍ أمنية” !!

وبالعودة إلى مذبحة الحرم الابراهيمي الشريف، التي تستحق ذكراها الثالثة والعشرون في 25 فبراير/شباط الجاري، فقد أثارت في حينه استنكاراً عارماً لدى الرأي العام العالمي الذي دانها بشدة، مما اضطر “إسرائيل” إلى المبادرة بالاعتذار عن ما أسمته “الحادثة التي تسبب فيها رجل مختل عقلياً”، بحسب تصريحات المسؤولين في تل أبيب. وقد ترافق الاعتذار مع قيام “إسرائيل” بتقديم تعويضات لأهالي الضحايا، كما ترافق مع اتخاذها خطوات وإجراءات سياسية استثنائية اعتادت على اتخاذها في مثل هذه الحالة. كما ونجحت بدهاء إعلامي في طي صفحة المذبحة، مستغلة مقتل الإرهابي “باروخ غولدشتاين” على أيدي المصلين الفلسطينيين.

صحيح أن “إسرائيل” اعتذرت للشعب الفلسطيني والعالم، إلا أن ذلك الاعتذار كان من قبيل رفع العتب ليس أكثر، بعدما فشلت في فبركة المبررات والذرائع المنطقية والمقبولة لتلك الجريمة. وما دعا للحزن والأسى أن العرب تعاملوا مع المذبحة في حينه بشكل أضاف نقطة أخرى إلى سجل ضعفهم في التعامل مع الإعلام العالمي وإمكانية استثماره لصالح القضية الفلسطينية ومجمل القضايا الوطنية والقومية العربية.

وكما هو الحال في وضعية جميع المذابح والمجازر البربرية والوحشية التي تعرض لها الفلسطينيون داخل الوطن وخارجه على أيدي جلاوذة الإرهاب الصهيوني الرسمي والفردي، فإنه من غير الممكن لأي عاقل أن يتكهن باحتمال خروج مذبحة الحرم الإبراهيمي من الذاكرة القومية، وبالأخص من الذاكرة الفلسطينية، وبأخص الخصوص من ذاكرة أهالي مدينة الخليل الذين عاشوا أحداثها المفجعة وتبعاتها المأساوية والكارثية لحظة بلحظة.

كانت مذبحة الحرم الابراهيمي الشريف مذبحة رهيبة خُطط لها بعناية فائقة ونُفذت بدقة متناهية. ودلل على ذلك أنه بعد مضي كل هذا الوقت على ارتكابها لا يمكن لأي مواطن فلسطيني تسنح له الظروف دخول الجزء القديم من مدينة الخليل إلا ويخرج منه بانطباع واحد مفاده أن المذبحة قد نجحت في تحقيق الأهداف التي ارتكبت من أجلها وأن من خططوا لها نجحوا في ترحيل المواطنين الذين كانوا فيه، إذ أن من لم يخرج منهم بالترغيب أجبر على الخروج بالترهيب. وهكذا حولت المذبحة الرهيبة الجزء القديم من الخليل إلى بؤرة أشباح، مَن يدخلها يعيش حالة من الذعر والخوف والترقب ومن يسكنها يعيش حالة من الرعب ومن يخرج منها لا يفكر بالعودة إليها بسبب ما يتعرض له من استفزاز وآلام واعتداءات منظمة ومبرمجة.

أكدت المعلومات التي تداولتها بعض وسائل الإعلام لاحقاً أنه ما كان للمتطرف “باروخ غولدشتاين” أن يجرؤ على ارتكاب تلك المذبحة البربرية لو لم يشاركه فيها الجنود الصهاينة والمستوطنون ولو لم يقدموا له جميع التسهيلات الضرورية للقيام بها، مثل إغلاق باب الحرم الإبراهيمي لمنع المصلين من مغادرته ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة. فحين حاول المواطنون الفلسطينيون نجدة إخوانهم المصلين قابلهم الجنود المجرمون بإطلاق الرصاص الكثيف. وقد لاقت مذبحة الحرم تأييداً من الغالبية العظمى في “إسرائيل”. وعند سؤال أحد خامات اليهود عما إذا كان يشعر بالأسف على من قتلهم غولدشتاين رد قائلاً “إن مقتل العربي يؤسفني بالقدر الذي يؤسفني مقتل ذبابة”.

والأسوأ من كل ذلك أن “إسرائيل” حولت السفاح “باروخ غولدشتاين” إلى بطل قومي يهودي، لا بل جعلت منه “قدوة وحلماً” لمن رضعوا مما رضعه هو من حليب الحقد والغدر، فقامت بدفنه في قبر عند مدخل مستوطنة “كريات أربع” التي أقيمت على أرض فلسطينية شرق مدينة الخليل وعُرفت باحتضانها لأشد العقول الصهيونية عنصرية وتعصباً وتطرفاً وإجراماً، وخصصت للقبر عدداً من جنود حرس الشرف مهمتهم حراسته وتأدية التحية العسكرية لساكنه كل صباح. ويعتبره الصهاينة حتى يومنا هذا بمثابة قديس، إذ حولوا قبره إلى مزار يقصدونه في ذكرى المذبحة وفي العديد من مناسباتهم الدينية والوطنية. وقد دأبوا مع اقتراب موعد الذكرى الأليمة في كل عام على ذرف الدموع المسمومة على مقتل طبيبهم المجرم، في وقت يذرف الفلسطينيون دموع الحُزن والألم والأسى على فراق شهدائهم الأبرار.

ولمن لا يعلم من العرب والمسلمين وأحرار العالم فإنه لم يتبقَ من الحرم الإبراهيمي الشريف لأصحابه، وربما لهم أيضاً، سوى التأمل في بنيانه عن بُعد، وقراءة تلك اليافطة التي تصدرت واجهته وكُتب عليها “ممنوع الصلاة في هذا المكان”، ولم يتبقَّ للفريقين سوى رؤية هذا المعلم الديني المبارك في وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، والحصول على صوره من خلال شرائها من الأسواق الصهيونية فقط!!

وليس من باب المبالغة القول أن حدوث مذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف بالكيفية التي جاءت عليها وما ترتب عليها من نتائج قد فتح أمام الإرهابيين الصهاينة باب الغنائم على مصراعيه فنهلوا من الشريان الفلسطيني ما لم يكفهم وسينهلون منه ما لن يشبع نهمهم في قابل الأيام، بحيث يُترك الجسد الفلسطيني ينزف حتى الموت تحت سمع وبصر “الإخوة الأعداء” في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين اختلفوا وتقاتلوا وتصارعوا وتناحروا وتباعدوا من أجل سلطة واهية هي بالأصل ليست موجودة إلا في خيالاتهم وأوهامهم، وفي ظل خيانة أو تواطؤ أو تماهي غالبية الحكام العرب والمسلمين وأصحاب القرار في العالم أجمع.

تنظيم قومي من أجل الوحدة الاشتراكية


عصمت سيف الدولة

بنتيجة احتلال “إسرائيل” للضفة الغربية الفلسطينية من ضمن الأراضي العربية التي احتلتها إثر الحرب العدوانية التي شنتها ضد ثلاثة من الأقطار العربية هي مصر وسوريه والأردن في الخامس من شهر يونيو/حزيران عام 1967، تحول الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل من مجرد مسجد عادي للعبادة كبقية المساجد المنتشرة فوق تراب فلسطين من البحر للنهر إلى بؤرة صراع عقدي وسياسي مثله مثل المسجد الأقصى المبارك في الشطر الشرقي لمدينة القدس. فبالاتكاء إلى المزاعم والأضاليل التلمودية والتوراتية الباطلة والمفبركة اعتاد الصهاينة الأنذال على الكذب والادعاء زوراً وبهتاناً بأن الحرم الابراهيمي الشريف “كان كنيساً يهودياً” وفعلوا كل شيء من أجل إبعاد الفلسطينيين عنه بشكل نهائي، تماماً كما اعتادوا على الكذب والادعاء بأن المسجد الأقصى المبارك “أقيم على أنقاض هيكل سليمان” وتمادوا كثيراً في حفرياتهم تحته وعاثوا فساداً وجوراً وبهتاناً فوقه، بانتظار اللحظة التي تمكنهم من هدمه وتحقيق حلمهم المزعوم!! 

فمذ سيطرت “إسرائيل” على مدينة الخليل في الضفة الغربية، دأب الجنود والمستوطنون الصهاينة على اقتحام الحرم الإبراهيمي وتدنيسه وممارسة جميع أساليب القذارة والسفالة حوله وداخل أروقته، حيث أقاموا فيه حفلات الرقص والمجون والزواج والختان دون مراعاة لحرمته. ورويداً رويداً تطور الأمر إلى درجة أنهم تجاسروا وأدوا فيه صلواتهم التلمودية وأدخلوا إليه مقاعد وطاولات ونسخاً من التوراة ومارسوا طقوسهم الدينية وألقوا العظات والمحاضرات الدينية، وحولوا أجزاء هامة منه، وخاصة الساحات الإسحاقية واليعقوبية والإبراهيمية، إلى مدرسة دينية وكنيس يهودي.

ولعل التطور الأخطر الذي حل بالمسجد الإبراهيمي كان في 25 فبراير/شباط من عام 1994م الموافق 15 رمضان من عام 1414 هجري عندما نفذ المستوطن الصهيوني الحاقد “باروخ غولدشتاين” مجزرته الشهيرة والخطيرة التي راح ضحيتها عشرات الشهداء ومئات الجرحى من المصلين الفلسطينيين، والتي على إثرها شكلت حكومة الاحتلال لجنة تحقيق صهيونية أطلق عليها “لجنة شمغار” قضت ظلما وزورا بتقسيم المسجد إلى قسم يهودي وآخر إسلامي وأمرت بإقامة حواجز حديدية فاصلة بين القسمين، في الوقت الذي منع فيه المصلون المسلمون بتاتا من دخول القسم المدعى أنه يهودي، بينما دأب الجنود والمستوطنون من وقت لآخر على اقتحام القسم الذي يصلي فيه المسلمون، ووصلت قذارتهم حد منع هؤلاء من دخول هذا القسم وتأدية صلواتهم فيه أثناء الأعياد اليهودية التلمودية!!

وهكذا حولت سلطة الاحتلال “الإسرائيلية” الحرم الإبراهيمي الشريف إلى ثكنة عسكرية، ونصبت على أبوابه الحواجز الحديدية والخشبية والبوابات الإلكترونية التي حولتها في ما بعد إلى حواجز اسمنتية، وسيطرت على عشرات المباني والأسطح والحوانيت القريبة من المكان بذريعة “الدواعي الأمنية”، وتحولت المنطقة بأكملها الى مربع أمني حُظر على الفلسطينيين دخوله. ولما كانت غاية سلطة الاحتلال من وراء تلك الإجراءات التعسفية منع الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد لأداء صلواتهم، اغتال الجنود والمستوطنون الصهاينة الحاقدون عشرات الشبان الفلسطينيين والشابات الفلسطينيات عند تلك الحواجز والبوابات بدعوى “قيامهم بمحاولات طعن بالسكاكين والآلات الحادة”. وحتى اليوم تخضع إجراءات الدخول والخروج إلى ومن المسجد لمتغيرات كثيرة بين لحظة وأخرى، وتكون الذريعة دائماً “لدواعٍ أمنية” !!

وبالعودة إلى مذبحة الحرم الابراهيمي الشريف، التي تستحق ذكراها الثالثة والعشرون في 25 فبراير/شباط الجاري، فقد أثارت في حينه استنكاراً عارماً لدى الرأي العام العالمي الذي دانها بشدة، مما اضطر “إسرائيل” إلى المبادرة بالاعتذار عن ما أسمته “الحادثة التي تسبب فيها رجل مختل عقلياً”، بحسب تصريحات المسؤولين في تل أبيب. وقد ترافق الاعتذار مع قيام “إسرائيل” بتقديم تعويضات لأهالي الضحايا، كما ترافق مع اتخاذها خطوات وإجراءات سياسية استثنائية اعتادت على اتخاذها في مثل هذه الحالة. كما ونجحت بدهاء إعلامي في طي صفحة المذبحة، مستغلة مقتل الإرهابي “باروخ غولدشتاين” على أيدي المصلين الفلسطينيين.
صحيح أن “إسرائيل” اعتذرت للشعب الفلسطيني والعالم، إلا أن ذلك الاعتذار كان من قبيل رفع العتب ليس أكثر، بعدما فشلت في فبركة المبررات والذرائع المنطقية والمقبولة لتلك الجريمة. وما دعا للحزن والأسى أن العرب تعاملوا مع المذبحة في حينه بشكل أضاف نقطة أخرى إلى سجل ضعفهم في التعامل مع الإعلام العالمي وإمكانية استثماره لصالح القضية الفلسطينية ومجمل القضايا الوطنية والقومية العربية.

وكما هو الحال في وضعية جميع المذابح والمجازر البربرية والوحشية التي تعرض لها الفلسطينيون داخل الوطن وخارجه على أيدي جلاوذة الإرهاب الصهيوني الرسمي والفردي، فإنه من غير الممكن لأي عاقل أن يتكهن باحتمال خروج مذبحة الحرم الإبراهيمي من الذاكرة القومية، وبالأخص من الذاكرة الفلسطينية، وبأخص الخصوص من ذاكرة أهالي مدينة الخليل الذين عاشوا أحداثها المفجعة وتبعاتها المأساوية والكارثية لحظة بلحظة.

كانت مذبحة الحرم الابراهيمي الشريف مذبحة رهيبة خُطط لها بعناية فائقة ونُفذت بدقة متناهية. ودلل على ذلك أنه بعد مضي كل هذا الوقت على ارتكابها لا يمكن لأي مواطن فلسطيني تسنح له الظروف دخول الجزء القديم من مدينة الخليل إلا ويخرج منه بانطباع واحد مفاده أن المذبحة قد نجحت في تحقيق الأهداف التي ارتكبت من أجلها وأن من خططوا لها نجحوا في ترحيل المواطنين الذين كانوا فيه، إذ أن من لم يخرج منهم بالترغيب أجبر على الخروج بالترهيب. وهكذا حولت المذبحة الرهيبة الجزء القديم من الخليل إلى بؤرة أشباح، مَن يدخلها يعيش حالة من الذعر والخوف والترقب ومن يسكنها يعيش حالة من الرعب ومن يخرج منها لا يفكر بالعودة إليها بسبب ما يتعرض له من استفزاز وآلام واعتداءات منظمة ومبرمجة.

أكدت المعلومات التي تداولتها بعض وسائل الإعلام لاحقاً أنه ما كان للمتطرف “باروخ غولدشتاين” أن يجرؤ على ارتكاب تلك المذبحة البربرية لو لم يشاركه فيها الجنود الصهاينة والمستوطنون ولو لم يقدموا له جميع التسهيلات الضرورية للقيام بها، مثل إغلاق باب الحرم الإبراهيمي لمنع المصلين من مغادرته ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى المنطقة. فحين حاول المواطنون الفلسطينيون نجدة إخوانهم المصلين قابلهم الجنود المجرمون بإطلاق الرصاص الكثيف. وقد لاقت مذبحة الحرم تأييداً من الغالبية العظمى في “إسرائيل”. وعند سؤال أحد خامات اليهود عما إذا كان يشعر بالأسف على من قتلهم غولدشتاين رد قائلاً “إن مقتل العربي يؤسفني بالقدر الذي يؤسفني مقتل ذبابة”.

والأسوأ من كل ذلك أن “إسرائيل” حولت السفاح “باروخ غولدشتاين” إلى بطل قومي يهودي، لا بل جعلت منه “قدوة وحلماً” لمن رضعوا مما رضعه هو من حليب الحقد والغدر، فقامت بدفنه في قبر عند مدخل مستوطنة “كريات أربع” التي أقيمت على أرض فلسطينية شرق مدينة الخليل وعُرفت باحتضانها لأشد العقول الصهيونية عنصرية وتعصباً وتطرفاً وإجراماً، وخصصت للقبر عدداً من جنود حرس الشرف مهمتهم حراسته وتأدية التحية العسكرية لساكنه كل صباح. ويعتبره الصهاينة حتى يومنا هذا بمثابة قديس، إذ حولوا قبره إلى مزار يقصدونه في ذكرى المذبحة وفي العديد من مناسباتهم الدينية والوطنية. وقد دأبوا مع اقتراب موعد الذكرى الأليمة في كل عام على ذرف الدموع المسمومة على مقتل طبيبهم المجرم، في وقت يذرف الفلسطينيون دموع الحُزن والألم والأسى على فراق شهدائهم الأبرار.

ولمن لا يعلم من العرب والمسلمين وأحرار العالم فإنه لم يتبقَ من الحرم الإبراهيمي الشريف لأصحابه، وربما لهم أيضاً، سوى التأمل في بنيانه عن بُعد، وقراءة تلك اليافطة التي تصدرت واجهته وكُتب عليها “ممنوع الصلاة في هذا المكان”، ولم يتبقَّ للفريقين سوى رؤية هذا المعلم الديني المبارك في وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، والحصول على صوره من خلال شرائها من الأسواق الصهيونية فقط!!

وليس من باب المبالغة القول أن حدوث مذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف بالكيفية التي جاءت عليها وما ترتب عليها من نتائج قد فتح أمام الإرهابيين الصهاينة باب الغنائم على مصراعيه فنهلوا من الشريان الفلسطيني ما لم يكفهم وسينهلون منه ما لن يشبع نهمهم في قابل الأيام، بحيث يُترك الجسد الفلسطيني ينزف حتى الموت تحت سمع وبصر “الإخوة الأعداء” في الضفة الغربية وقطاع غزة الذين اختلفوا وتقاتلوا وتصارعوا وتناحروا وتباعدوا من أجل سلطة واهية هي بالأصل ليست موجودة إلا في خيالاتهم وأوهامهم، وفي ظل خيانة أو تواطؤ أو تماهي غالبية الحكام العرب والمسلمين وأصحاب القرار في العالم أجمع.

هل بدأت الحرب الأهلية الأميركية؟


زياد حافظ

تتسارع الأحداث في المشهد السياسي الأميركي بشكل ينذر بتطوّرات خطيرة جدّا تهدّد استقرار الولايات المتحدة ومعها العالم أجمع. فإذا كان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016 زلزالا سياسيا في المشهد الأميركي وحتى العالمي فإن النخب التي كانت متحكّمة في مفاصل السلطة في الولايات المتحدة لم تقبل ولم تستسلم للواقع الجديد. وبات واضحا من أول يوم بعد الانتخابات أن ما يُسمّى بالدولة العميقة ستجهد لجعل ولاية ترامب صعبة، هذا إذا ما كُتب لها البقاء. فهناك من يتكهن أنها لن تتجاوز مئتين يوم حسب موقع انرفورماشيون كليرينغ هاوس الواسعة الانتشار. فالدولة العميقة أعلنت الحرب على ترامب لإسقاطه دون الانتظار أو حتى التفكير بترويضه. فعلى ما يبدو اعتبرت الدولة العميقة أنه غير قابل للتطويع وإن كان ميله الطبيعي عقد الصفقات. فلا صفقات معه والمعركة على ما يبدو ذاهبة إلى النهاية.

الدولة العميقة اليوم يتصدّرها مجمع مؤسسات الاستخبارات ضمن المجمع العسكري السياسي الأمني والمالي. واليوم يمكن إضافة السلطة الرابعة، أي الاعلام المهيمن إلى ذلك التحالف حيث أسقط الاعلام أي زعم بالمهنية وأخذ بتصنيع الأخبار الكاذبة حول ترامب. بالمقابل يعتبر ترامب أن “الاعلام هو العدو”. ويجب الاعتراف أن ترامب سهّل ويسهّل إلى حدّ كبير مهمة خصومه بسبب تسرّعه في اتخاذ القرارات ثم التراجع عنها وكأنها ستكون دون أي تأثير. وهذا ما يجعل هدفه في “تجفيف المستنقع” مهمة في غاية الصعوبة لشراسة أرباب “المستنقع” وخفّة الرئيس الأميركي في اتخاذ القرارات.
وبالفعل، ارتكب الرئيس الجديد عدة أخطاء متتالية ساعدت الاعلام وأجهزة الاستخبارات على خوض حملة ناجحة ضدّه وكأنه عاجز عن الرد حتى الآن. وليس في الأفق ما يدّل على إمكانية ردّ فعّال غير المكابرة في الكلام أو التراجع الموقت. أما الأخطاء التي ارتكبها عديدة: أولا ما زال يعتبر نفسه في مرحلة الحملة الانتخابية ولم يستوعب أنه أصبح الآن في الحكم. فما زال يطلق مواقف لا تتجاوز مرحلة الشعارات، أي دون دراساتها بعمق وخاصة تداعياتها وسرعان ما يقوم بالتراجع عنها.
الخطأ الثاني هو عدم اعداده لفريق عمل متجانس يمكن الاتكال عليه. فالتسميات لمناصب عديدة أثارت العديد من الجدل خاصة فيما يتعلق بأمرين: أولا التناقض مع شعاراته الانتخابية بأنه يمثّل الشعب وأنه سينقل السلطة إلى الشعب كما صرّح في خطاب القسم، وإذ يعّين العديد من أصحاب المليارات في وزاراته. وثانيا، يفتقد العديد من هذه أصحاب هذه التعيينات الحد الأدنى من الكفاءة في علم إدارة الدولة أو الشأن العام، أو أنهم يمتلكون تصوّرا لما يمكنوا أن يقوموا به.
فوزيرة التربية بتسي ديفوس نالت على موافقة مجلس الشيوخ بشق الأنفس بسبب قلة خبرتها وحنكتها رغم أنها كانت رئيسة فرع الحزب الجمهوري في ولاية ميشيغان، وهي ومن أصحاب المليارات وشقيقة أريك برنس مؤسس إحدى أكبر الشركات الأمنية في العالم “بلاك واتر”. الجدير بالذكر أنها لم تكن من أنصار ترامب واعتبرت أنه لا يمثّل الحزب الجمهوري فكيف تمّت تسميتها من قبل ترامب؟ أو هل هناك جهة أخرى داخل الفريق المقرّب من ترامب تقترح الأسماء دون التعمّق في خبرة المرشّحين وكأنها تريد إفشاله؟

المرشح الثاني الذي اضطر إلى الانسحاب هو المرشح لمنصب وزارة العمل اندرو بوزدر وذلك بسبب عدم كفاءته. مثل ثالث على عدم كفاءة فريق العمل داخل الإدارة تعيينه لشون سبايسر كناطق باسم البيت الأبيض الذي يتخبّط بالتناقضات والمعلومات الخاطئة أو الناقصة. يرافق كل ذلك أخبار وتسريبات عن صراعات داخل البيت الأبيض بين فئات متخاصمة تسعى للتأثير على الرئيس ما يزيد من البلبلة والغموض حول آليات العمل داخل الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. هذه بعض الملاحظات حول فريق العمل الجديد ويمكن الاسترسال في الأمثال لتأكيد ما أوردناه.
ومن الهفوات القاتلة في التعيينات تعيين مايك فلين كمستشار الأمن القومي الذي أربك الرئيس الأميركي ونائبه مايك سبانس بسبب معلومات ناقصة لم يفصح عن كاملها ما أفقده ثقتيهما به. وقضية فلين تنذر بإعادة سيناريو إسقاط نيكسون في السبعينات من القرن الماضي حيث بادر بعد النوّاب والشيوخ في الكونغرس إلى طرح ضرورة تحقيق من قبل محقّق مستقل لمعرفة ما كان يعلم ترامب من محادثات بين فلين والروس. لسنا متأكدين أن هذه الحملة قد تنجح بإطاحة ترامب ولكنها قد تضرب مصداقيته على الصعيد الدولي. وقد تجلّى ذلك من النتائج المحدودة للزيارة الأولى لوزير الخارجية الجديد ريكس تيللرسون ولقائه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.
لكن رغم كل ذلك فما زال ترامب يتمتع بشعبية كبيرة تقارب أكثر من خمسين بالمائة ما يغيظ خصومه. فمعهد رساموسن لاستطلاع الرأي العام، والمعروف بجدّية ودقّة استطلاعاته، نشر استطلاعا الأسبوع الفائت يدّل على مدى موافقة الجمهور الأميركي على سياسات ترامب. والأهم من ذلك، جاء في ذلك الاستطلاع أن الجمهور الأميركي يثق أكثر بترامب مما يثق بأخبار الاعلام المهيمن، أي بمعنى آخر أن مصداقية ذلك الاعلام لدى الجمهور الأميركي مشكوك بأمرها. كما أكّد ذلك الاستطلاع عدم رغبة الجمهور الأميركي بالتورّط في قضايا خلافية خارجية. من جهة اخر فإن استطلاعا آخرا قام به موقع يوغوف (YouGov) حول التهديدات الخارجية كما ينظر إليها الجمهور الأميركي أبرز أن روسيا تأتي في المرتبة السادسة (22 بالمائة)، وراء كل من كوريا الشمالية (57 بالمائة) في المرتبة الأولى، ويليها كل من إيران (41 بالمائة)، وسورية (31 بالمائة)، والعراق (29 بالمائة) وأفغانستان (23 بالمائة). لكن جميع هذه الاستطلاعات، باستثناء الخطر الكوري الشمالي) تفيد أن التهديد لا يتجاوز الخمسين بالمائة عند الجمهور الأميركي. فكل الكلام الإعلامي ولرموز الاستخبارات أن روسيا هي الخطر الأول يتعارض مع رأي الأميركيين.


لكن بات واضحا أن الانفصام بين النخب والجمهور العام الأميركي يتزايد. لذلك نرى “التقدّميين الليبراليين” في الولايات المتحدة يدعون إلى ابتكار الوسائل الفاشية كعدم السماح لإعطاء رأي مخالف لرأيهم. كما أن هذه الجوقة من “التقدميين الليبراليين” يدعون إلى تصعيد المواجهة مع روسيا والصين. فسخرية القدر هو تبدّل المواقع بين المحافظين التقليديين والذين كانوا من “الصقور” وبين الليبراليين الذين كانوا يبدون اعتراضهم على المغامرات الخارجية الأميركية. فمنذ ولاية كلنتون أصبحت النخب الأميركية بمختلف تشكيلاتها تؤيّد التدخّل الخارجي واليوم متحالفة مع صقور الأمس من الجمهوريين في إعادة أجواء الحرب الباردة. وما يؤكد ذلك هو استطلاع آخر أجرته مركز المصلحة الوطنية بالاشتراك مع مؤسسة كوخ حيث تبيّن أن 69 بالمائة من الأميركيين أن المصلحة الوطنية هي التي يجب أن تحرّك السياسة الخارجية وليس المواقف العقائدية تجاه الصين أو روسيا. كما أن نشر الديمقراطية في العالم عبر القوة العسكرية كما يتمنّاه المحافظون الجدد والمتدخّلون الليبراليون لم يحظ على 24 بالمائة من التأييد بينما الأكثرية خالفت ذلك التوجه.
تحالف مراكز الاستخبارات الأميركية مع الاعلام الأميركي أطاح بمايكل فلين. ولكن هل يستطيع ذلك التحالف في الاستمرار في هجومه على الرئيس الأميركي للوصول إلى إما تنحّي الرئيس أو إسقاطه في الكونغرس؟ وماذا ستكون ردّة الفعل الشعبية؟ الانقسام الحاد بين الأميركيين من جهة وبين النخب الأميركية وجمهور ترامب يساهم في ضرب تماسك النسيج الاجتماعي خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. من الواضح أن النخب لا تكترث إلى حال المواطن الأميركي العادي وتريد أن تصوّر وتتصوّر أن معظم الاميركيين يؤيّدونها في صراعها مع ترامب. من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية يكتشف مدى حدّة الانقسام الذي يحاول أن يخفيه الاعلام المهيمن. والاستمرار بالصراع المفتوح ودون ضوابط ينذر بالتحوّل إلى مجابهة شعبية مع أنصار ترامب الذين لا يقل عددهم عن نصف الناخبين. لم نصل إلى تلك المرحلة ولكن هناك العديد في الولايات المتحدة من يعتبر أن احتمال حرب أهلية أصبح واردا.
أجواء الحرب الباردة ضرورة حيوية للمجمع العسكري الصناعي. ففي عصر التراجع الاقتصادي تزداد الضغوط على الحكومة لخفض النفقات العامة. ولكن ما لا يمكن تخفيضه بالنسبة للمجمع العسكري الأمني الصناعي هو نفقات الدفاع والأمن الذي يحظى بتأييد الجميع. يبقى تخفيض نفقات الخدمات الاجتماعية وهذا يمس مباشرة مصالح الجمهور الأميركي. فأصحاب المليارات الذي يتولّون مناصب في إدارة ترامب مهمتهم تخفيض نفقات الإدارة وخاصة في البرامج الاجتماعية والتربوية والبيئية والصحية ولكن دون المس بالدفاع والأمن.

وفقا لهذه المعطيات فإن إدارة ترامب مقبلة على اتخاذ قرارات تمسّ برفاهية المواطن الأميركي. هناك أحاديث حول إعادة هيكلة الضمان الصحي للمتقاعدين. كما أن الحديث عن إبطال قانون التغطية الصحية الذي أوجده الرئيس أوباما والمعروف “باوباماكير” يتفاعل في الكونغرس رغم الصعوبات في إبطاله. الاوليغارشية الأميركية أصبحت تحكم بشكل مباشر الولايات المتحدة بينما كانت توظّف سياسيين لذلك الغرض. الغريب أن الهجوم على ترامب لا يتناول بشكل ملموس الأجندة الداخلية التي قد تكون في الحد الأدنى مطابقة للنيوليبرالية التي بدأت في الولايات المتحدة في عهد ريغان وتصاعدت في عهد كلينتون لتصل إلى ذروتها في عهد أوباما. الخلاف هو حول الأجندة الخارجية حيث ترامب أعلن في حملته الانتخابية عن رغبة في “تحسين العلاقات” مع روسيا وعدم التورّط في حروب لا تخدم المصلحة الأميركية كما يفهمها هو.
























فما هو مستقبل سياسة ترامب، على الأقل بالنسبة للشعارات التي رفعها؟ من الواضح أن المجمّع العسكري الصناعي ومعه الإعلام المهيمن ربح جولة كبيرة في إبعاد مايكل فلين ولكن هل كانت حاسمة؟ النتيجة الأولية هي إضعاف مصداقية الولايات المتحدة في المحافل الخارجية. المؤتمر الأمني الأخير الذي عقد في ميونخ الأسبوع الماضي تحدّت عن الخطر الروسي الذي يهدّد كل من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. الجدير بالذكر أن نفقات وزارة الدفاع الروسية في حدود 66 مليار دولار بينما نفقات بلاد الحرمين وصلت إلى 88 مليار دولار. معظم الدول الأوروبية تنفق أكثر من روسيا على الدفاع فكيف تحوّلت روسيا إلى تهديد حيوي لأوروبا؟ هذا التهديد هو ما شدّد عليه الشيخ الأميركي جون ماك كين على هامش المؤتمر مخالفا بالتالي موقف ترامب. صحيح أن وزيري الخارجية والدفاع الأميركي تكلّما عن تهديد روسي ولكن بشكل غير مقنع. فأين يقين الموقف الأميركي؟ الأسابيع المقبلة ستحمل بعض الأجوبة ولكن في اعتقادنا فإن إدارة ترامب ومعها الولايات المتحدة دخلت مرحلة لا توازن ولا استقرار وحالة ضعف خطيرة قد تطول طالما لم تستوعب النخب مدى عمق التغيير الحاصل في المجتمع وضرورة الانصياع إلى ذلك الواقع الجديد.

2017/02/01

ترامب وداعش: دولة مهاجرين ضد دولة مهاجرين

  
وليد بركسية
 
"الحظر المبارك" هي الجملة التي يستخدمها مناصرو "داعش" عبر تطبيق "تيليغرام" تعليقاً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنع دخول اللاجئين والمسافرين من 7 دول شرق أوسطية ذات غالبية إسلامية إلى الولايات المتحدة، بما فيهم حملة البطاقة الخضراء. وفيما لم يصدر أي "رد رسمي" من "داعش" حول القرار الأميركي بعد، إلا أن أنصار التنظيم التكفيري يطالبون زعيمهم أبو بكر البغدادي بالظهور والتعليق على ترامب "من رئيس دولة إلى رئيس دولة".

القرار الأميركي هو خطأ استراتيجي كبير كما يصفه روبرت رايتشر، الرئيس السابق لقسم الشرق الأدنى في وكالة المخابرات المركزية الأميركية "CIA"، في تصريحات نقلتها صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، الاثنين، ليس بسبب عنصريته وخرقه للقوانين الدستورية الأميركية فقط، بل لأنه يشكل خدمة حقيقية لـ"داعش" إعلامياً، مع تنبؤات بأن تستفيد بروباغندا التنظيم من القرار لحث المسلمين على التوجه إلى "دولة الخلافة" بدلاً من "الغرب الكافر" الذي ينبذ المسلمين.

ومن اللافت هنا أن دعاية "داعش" مهما بالغت في إظهار قوتها وتبجحت بعظمة الدين وغيرها من المصطلحات، إلا أنها تبقى دعاية ديماغوجية مبنية على الخوف من الآخر أي "الغرب الكافر" وتدعو لرفع الظلم عن فئة من الناس، أي الأفراد السنة ضد السلطات الشيعية - العلوية، تماماً كما كانت حملة ترامب ديماغوجية إلى أبعد حد في اجتذاب الناخبين الأميركيين بناء على مخاوفهم الاقتصادية لرفع الظلم المزعوم الذي أفرزته سياسات باراك أوباما ضد الناخبين البيض.

ولن يكون مفاجئاً أبداً أن يبث "داعش" إصداراً مرئياً في الفترة المقبلة للعب على وتر العداء الغربي للمسلمين من أجل محاولة استقطاب مزيد من المهاجرين إليه، خاصة أن إصداراته السابقة في الأشهر الستة الماضية ضمت مقاطع عامة عن موت المسلمين على شواطئ الغرب بدلاً من توجههم إلى أرض الإسلام، إضافة للقول أن الدول الغربية تميز بين مواطنيها وتتضطهد المسلمين منهم، وتلاحظ الخاصية الأخيرة بشكل اكبر في مجلة "دابق" التي يصدرها التنظيم باللغة الانجليزية، والتي تحدثت عن ذلك وهجرة المسلمين للغرب منذ العدد الأول لها، قبل أن تتعاظم تلك الخاصية الدعائية منذ شهر أيلول/سبتمبر 2015 حينما حاولت الاستفادة من صورة الطفل السوري إيلان الكردي لمهاجمة الهجرة إلى الغرب.

ومن المثير للاهتمام أن كلاً من الولايات المتحدة و"داعش" يتقاسمان هوية واحدة كدولة مهاجرين مهما كانت الخلافات الثقافية - الحضارية كبيرة بينهما، فإن بنى المهاجرون حضارة أميركا كدولة عظيمة ديموقراطية، ليس بمفهوم الإنتاج والتقدم العلمي فقط، بل عبر دفع البلاد حضارياً من الناحية الفكرية لتعزيز الحريات والمساواة بين الأميركيين على مختلف أصولهم وتعدد ثقافاتهم بما في ذلك المسلمون والسود والنساء وغيرها، لدرجة أفرزت تلك السنوات الطويلة رموزاً في هذا المجال مثل مارتن لوثر كينغ في الستينيات وليندا صرصور التي اشتهرت مؤخراً.

أما "داعش" فأحدث خرقاً حقيقياً في طريقة تعامل كافة التنظيمات الجهادية السابقة مع المهاجرين إليه، ربما لأنه خرج من كونه مجرد تنظيم متشدد يقاتل من أجل إقامة دولة إسلامية، إلى إقامة تلك الدولة فعلاً، فلم يقم بتوظيف المهاجرين إليه كمشاريع مقاتلين وانتحاريين فقط، بل استخدمهم في بناء دولته، بحيث كان المهاجرون هم القادة الفعليين كما تشير التقارير الاستخباراتية الغربية وإصدارات "داعش" نفسها، وقد يكون الإعلام هو أبرز مجال تم توظيف المهاجرين فيه، حيث يشرف عبد الرحمن الأميركي على صناعة البروباغندا الداعشية على سبيل المثال، إلى جانب رجلين فرنسيين مجهولي الهوية يشرفان على مكتب التنظيم الإعلامي في مدينة الرقة السورية.

والحال أن ترامب بقراره الأخير حول منع اللاجئين والمسافرين المسلمين من دخول الولايات المتحدة، ينسف كل التنوع الحضاري الأميركي، ويقترب فكرياً من فكر تنظيم "داعش" العنصري، حيث تبدو "أميركا ترامب" منزوعة من سياقها التاريخي وبعيدة عن تنوع الثقافات التي بنيت عليه أصلاً، وهنا يمثل ترامب صوت "الرعاع البيض"، وهم من المهاجرين أصلاً، كما يصف الإعلام الأميركي، وهي خطابات عنصرية تستمد سياقها من الفكر النازي القديم حول تفوق الرجل الأبيض الذي يمثله ترامب اليوم كرئيس لأكبر ديموقراطية في العالم. ويتشابه ذلك مع الإلغائية الداعشية الكلاسيكية، والتي تقوم على نبذ غير المسلمين من بنية الدولة نفسها، الفرق الوحيد أن "داعش" بدأ دولته من هذه الخاصية بالذات بينما يحاول ترامب الوصول إليها.

وإن كان "داعش" يمثل أقصى اليمين في الإسلام السياسي، فإن ترامب يمثل أقصى اليمين في السياسة التقليدية الديموقراطية في الدول الغربية، وفيما يبني "داعش" دولته على أسس دينية بحتة، تبدو عنصرية ترامب أكثر تنوعاً بين العنصرية الدينية المسيحية والعنصرية العرقية أيضاً، وتتقاطع العنصريتان الداعشية والترامبية معاً في نقاط كثيرة، مثل العداء لمواطني الدولة أنفسهم البعيدين عن النمط النموذجي، مثل المثليين والنساء، إضافة لوجود عقدة الرجل الذكر المتفوق في الخطابين العنصريين، ليصبح الصراع هنا محصوراً بين الرجل الأبيض الترامبي والرجل المسلم الداعشي.

يقول ترامب في معرض دفاعه عن قراره التنفيذي الأخير، بأنه لن يسمح لأحد بأن يأخذ حضارة أميركا من الأميركيين، وبنفس الأسلوب يكرر "داعش" منذ ظهوره في المنطقة العام 2013 أنه لن يسمح لأحد بأن يمحي الإسلام من الوجود، وكما يقول ترامب في شعاره الشهير أنه سوف يجعل أميركا عظيمة من جديد، يقول "داعش" أنه سوف يرفع راية الإسلام عالية من جديد، وتحديداً فوق العاصمة الإيطالية روما التي يعطيها التنظيم أهمية خاصة كعاصمة للمسيحية الغربية.

وتقوم داعش على أنها دولة للحضارة الإسلامية مقابل الحضارات الدينية الأخرى، في تكريس شبه حرفي لفلسفة صراع الحضارات التي تحدث عنها الفيلسوف الأميركي صامويل هنتنغتون العام 1991، ظهور هذه القوة ثقافياً، ولو بصورة إرهابية عنفية، يستلزم حدوث رد فعل في الطرف الآخر من العالم، والشرخ القائم اليوم بين مركزي الحضارة الغربية، أميركا وأوروبا طبيعي وفق هذه الرؤية قد يكون أعمق مما هو عليه، خاصة أن تيارات اليمين المتطرف ناشطة في أوروبا أيضاً وإن لم تصل إلى السلطة إلا في بريطانيا، أما العلاقات الإنسانية على المستوى الفردي، في أوروبا وأميركا تجاه اللاجئين والأجانب والمرحبة بالآخر، في المطارات الأميركية ومحطات القطار الألمانية، فلا تعبر بالضرورة عن شخصية الدولة نفسها ككيان مستقل نظرياً.

إلى ذلك، يعتبر "داعش" أكثر تنظيم متطرف استخداماً للسوشيال ميديا لنشر خطابه المتطرف وتحديداً "تيليغرام" منذ حرب شركات التكنولوجيا لمكافحة المحتوى المتطرف، أما ترامب فيفضل حسابه الخاص في "تويتر" للحديث مع مناصريه وتوجيه النقد اللاذع لأعدائه، ملغياً أي دور حقيقي لوسائل الإعلام في البلاد، ليتشابه مع "داعش" في عداء وسائل الإعلام التي توصف في الخطابين على أنها وسائل كاذبة ومدمرة وشريرة.

وهنا يبرز الفرق بين "داعش" وترامب، فبينما يعتمد الأول على طرق همجية دموية لتنفيذ فلسفته يبدو الثاني أكثر نظافة وحضارة في تحويل حملته الدعائية إلى تصرفات فعلية، فلقمع الإعلام مثلاً يقوم "داعش" بإصدار القوانين والفتاوى وتدمير ومصادرة أجهزة التلفزيون وإعدام الصحافيين، بينما لا يحتاج ترامب لتنفيذ فلسفته لأكثر من توقيع أمر تنفيذي ثم تبريره عبر "تويتر".

الفرق الجوهري الآخر أن أميركا ليست ترامب، كما يصرخ الأميركيون في وسائل التواصل الاجتماعي منذ أيام، بل هي دولة مؤسسات عريقة وشخصيات حضارية، رفض بعضها تنفيذ قرار ترامب الأخير. وهي أيضاً تاريخ طويل من الكفاح المدني من أجل حقوق المرأة والمثليين والسود والأقليات العرقية، والذي تترجم إلى قوانين وحقوق دستورية، وهو تاريخ ليس من السهل تجاوزه أو إلغاؤه، وعليه يجب القول أنه مهما كان ترامب الشعبوي بعنصريته يقارب "داعش" الدموي في كل شيء، فإن "داعش" لا تقارب أميركا في أي شيء، ولو حاول ترامب تحويلها إلى نموذج مظلم لا يمت لتطورها الحضاري بصلة.

هل يواجه بهاء الحريري شقيقه في الانتخابات؟


ليا القزي

«خبريات» عدّة تنتشر عن نية بهاء رفيق الحريري العودة إلى لبنان والتحرك سياسياً في وجه شقيقه سعد الحريري. التنسيق لهذه الغاية يجري مع الوزير المتمرد على تيار المستقبل أشرف ريفي، وفق ما تروّجه مصادر الأخير. في حين أنّ المطلعين على موقف بهاء يضعون حركته في إطار «زكزكة» رئيس الحكومة .

بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في شباط ٢٠٠٥، احتشدت جماهير تيار المستقبل أمام منزل العائلة تصرخ: «بهاء… بهاء… بهاء». أراد هؤلاء إلقاء عباءة الوراثة على كتفَي بهاء الدين رفيق الحريري. وصوّرت كاميرات التلفزيون الابن البكر يومها يخرج لملاقاة الناس. إلا أنّ هتافات «الحريريين» لم تصل إلى مسامع العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، التي قررت أن تؤول السلطة إلى شقيق بهاء، سعد الدين الحريري الذي سيتحول بعد سنوات قليلة إلى رئيس للوزراء.

أما بهاء، فسينكفئ إلى الاهتمام بأعماله الخاصة، من دون أن يهضم سحب بساط السلطة من تحت رجليه. ملاحظاته على شقيقه، سياسياً وإدارياً، كثيرة. صحيح أنّ أي تصريح لم يصدر عنه شخصياً، لكنه لم ينفِ، وخاصة في الأشهر الثمانية الأخيرة، الأخبار المتداولة عنه، ما أدى إلى تعزيزها. الأمثلة كثيرة، آخرها العلاقة بينه وبين اللواء المتقاعد أشرف ريفي التي برزت مع الانتخابات البلدية. لم يُكذب بهاء المعلومات التي شاعت عن تمويله لائحة ريفي. وعوض أن يردّ على «شائعات» التنسيق مع وزير العدل السابق بصورة مع شقيقه تدحض ما يُقال، انتشرت بعد الانتخابات البلدية صورة تجمعه وريفي ومسؤول فريق حماية الأخير الرائد محمد الرفاعي. حتى وزير العدل المتمرّد على الرئيس سعد الحريري لم يتبرّع لنفي ما شاع، وبات يجري التعامل معه كحقيقة. الأخبار لم تتوقف عند هذا الحدّ، خاصة بعد البلبلة التي أثارها قرار مجلس الأمن المركزي خفض العناصر المكلفين حماية ريفي.

شخصيات إماراتية تُساعد بهاء الحريري على التوسع سياسياً

الجديد في القصة هو الشائعات التي تحدثت عن أن بهاء اشترى لريفي 7 سيارات مصفّحة، ردّاً على القرار الذي صدر بطلب من رئيس الحكومة. وأضيف إلى ذلك كلام عن نية بهاء العودة إلى لبنان وبدء العمل السياسي. مطلعون على أجواء الأخير يقولون إنّ «مشكلته هي في سياسة شقيقه سعد، والقشة التي قصمت ظهر البعير بينهما كانت ترشيح جمال عيتاني إلى الانتخابات البلدية في بيروت، واعتبار بهاء ذلك طعنة من شقيقه له، بسبب خلافاته مع عيتاني». طبيعة عمله حالياً «لا توحي بأنه يريد العودة والترشح إلى الانتخابات النيابية. فهو لا يهتم بتفاصيل السياسة اللبنانية، وهمّه «التنقير» على شقيقه». لكن هذه المعلومات تتناقض مع ما يُروّجه عدد من السياسيين الشماليين ومناصرو ريفي في طرابلس.

يتحدث أحد أعضاء فريق عمل اللواء المتقاعد عن بهاء الحريري الذي «تأثر سلباً باختيار السعوديين لشقيقه سعد ليُكمل المسيرة عوضاً عنه». سيطرت عليه حالة «القرف» حين رأى السياسة التي ينتهجها شقيقه «من إبعاد المقربين من رفيق الحريري إلى زيارة سوريا ولقاء (الرئيس السوري) بشار الأسد والحوار مع حزب الله». كذلك سجّل ملاحظات عدّة «على غياب رئيس الحكومة ٤ سنوات عن لبنان، وتحميله مسؤولية تردي الوضع التنظيمي والشعبي لتيار المستقبل». لم يكن الحريري يحسب أبعاد خطواته «لأنه كان لديه الغطاء السعودي»، وبهاء لم يحسم قرار المواجهة. إلى أن قرّر «سعد الحريري عدم إقامة اعتبار لشقيقه وترشيح جمال عيتاني الذي يُحمّله بهاء مسؤولية فشل مشروع سوليدير الأردن». مقابل هذه العلاقة المتردية بين الشقيقين، «الوزير (ريفي) لم يقطع تواصله مع بهاء ومع السيدة نازك الحريري التي يزورها في باريس». يعي بهاء أنه لا يحظى بغطاء دولي أو إقليمي»، لكنه قرر «أن يواجه انطلاقاً من أنّ هذا تيار أبيه، وحقه إعادة وصل ما قطعه شقيقه مع الناس»، بحسب العضو في فريق عمل ريفي. والعلاقة الجيدة مع وزير العدل سببها «إدراك بهاء أننا نحن مع يحمل قضية والده».

ينفي المصدر أن يكون بهاء قد موّل حملة «البلدية» في طرابلس، أو قدّم سبع سيارات مصفحة، «التواصل حصل بعد البلدية خلال لقاء في الأردن، أبلغ خلاله بهاء الوزير ريفي بأنه يريد التعاون معه في السياسة». يؤكد المصدر أنّ «التواصل بين بهاء وريفي شبه يومي، ويلتقيان من حين لآخر. ما نعرفه أنّ بهاء قرر العودة، ولكن لا نحسم نيته للترشح إلى الانتخابات النيابية. هذا الأمر يُقرره هو». ولكن، هل يجرؤ أن يعمل ضدّ شقيقه ومن دون غطاء إقليمي؟ «مش فرقانة معو حدا. الدعم الإقليمي يلحقنا كما حصل بعد البلدية»، يجيب المصدر.

مسلسل الشائعات لم يتوقّف. في أزقة طرابلس، انتشرت «خبرية» تقول إنّ ولي العهد السعودي محمد بن نايف قدّم سيارتين مصفحتين إلى ريفي. وتُستخدم هذه «الخبرية» للقول إن وزير العدل السابق بات رجل الرياض في لبنان، بدلاً من رئيس تيار المستقبل. عضو فريق عمل ريفي ينفي «الخبرية»، قائلاً إنّ «لدى الوزير السابق 4 سيارات مصفحة، إحداها قدّمها صاحب معرض سيارات في طرابلس، رافضاً الإفصاح عن هوية من قدّم السيارات الثلاث الأخرى». وهذه العبارة يكررها ريفي رداً على سؤال، لافتاً إلى أنه تلقّى، كتقدمة، ثلاث سيارات مصفحة أخرى، «تبيّن أنني لستُ بحاجة إليها، وسأعيدها إلى من قدّمها إليّ ونشكره».

مقابل هذا الجو، يستبعد أحد المطلعين على أجواء بيت الوسط أن تكون المعلومات عن نية بهاء لخوض غمار السياسة صحيحة، «لأنه لا يحظى دعم السعودية». يشرح أنه «قبل أشهر، وفي ذروة الخلافات بين المملكة وسعد، استُقبل بهاء، قبل أن يتبين للسعوديين أنه لا يصلح أن يكون بديلاً لشقيقه». إلا أنه «مع آل الحريري كل الأمور مُمكنة». لم تعد العلاقات بين السعودية وسعد الحريري إلى سابق عهدها، لكنها في الوقت نفسه لم تسحب ورقة تكليفه بعد. لا يعني ذلك أنّ الأفق الخليجي مسدود أمام بهاء. اعتراضه على أداء شقيقه صبّ في الاتجاه نفسه مع شخصيات إماراتية تُساعده على التوسع سياسياً، كمؤسس ورئيس مجلس إدارة إحدى أهم الشركات الهندسية في الإمارات.

متى يتوقّف العرب عن الانقياد لغيرهم؟!


صبحي غندور

يبدو أنّ التفاهمات الدولية - الإقليمية هي الأمل الوحيد المتاح حالياً لمعالجة أزمات المنطقة، ولوقف انحدار أوطانها نحو هاوية التقسيم والحروب الأهلية المدمّرة. وهي حتماً مراهناتٌ عربية جديدة على "الخارج" لحلّ أزمات مشكلتها الأساس هي في ضعف "الداخل" وتشرذمه. لكن هذه المرحلة هي الأخطر، لأنّ كلّ طرف معني بصراعات المنطقة سيحاول تحسين وضعه التفاوضي على "الأرض" قبل وضع الصيغ النهائية للتسويات، خاصّةً في ظلّ عدم وضوح مسار السياسة الخارجية الأميركية في بداية عهد ترامب.

تحدث كل هذه التطورات الهامّة والعرب منشغلون في أوضاعهم الداخلية، أو منقسمون ومتصارعون حول قضايا جوارهم العربي والإقليمي. فليس هناك توافق عربي على أي أزمة عربية، ولا مرجعية عربية واحدة فاعلة، ولا رؤية عربية مشتركة لمستقبل المنطقة في ضوء المتغيّرات الحاصلة. ولعلّ ما يزيد من حجم المرارة في وصف الحاضر العربي أنّ الشعوب، وليس الحكومات فقط، غارقة أيضاً في الانقسامات والتحريض ضدّ "الآخر" في الوطن نفسه أو في الأمَّة عموماً.

هو انحطاط، وهو انحدارٌ حاصلٌ الآن، بعدما استباحت قوى عديدة استخدامَ السلاح الطائفي والمذهبي والإثني في حروبها، وفي صراعاتها المتعدّدة الأمكنة والأزمنة خلال العقود الأربعة الماضية. وقد ساهم في ترسيخ هذا الواقع الانقسامي على المستوى الشعبي العربي، هيمنةُ الحركات السياسية ذات الشعارات الدينية، وضعفُ الحركات السياسية ذات الطابع الوطني أو العربي التوحيدي.

ومهما حدثت من تطوّرات على الصعيد الدولي أو على صعيد التفاهمات مع اطراف إقليمية، فإنّ السؤال يبقى: كيف يمكن إنهاء الانقسامات الطائفية والمذهبية، وتحرير العقول العربية من قيود التخلّف والفهم الخاطئ للدين وللهُويّة!؟.

لقد مرّ أكثر من عقدٍ من الزمن على إشعال الحروب الأهلية العربية المستحدثة في هذا القرن الجديد، والتي كانت شرارتها من خلال الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية فيه، ثمّ من خلال اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في العام 2005، ثمّ بالمراهنة على تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، ثمّ بتقسيم السودان في مطلع العام 2011 وفصل جنوبه المختلف دينياً وإثنياً عن شماله، ثمّ بتحريف مسارات الحراك الشعبي العربي الذي بدأ بتونس ومصر متحرّراً من أي تأثير خارجي، وسلمياً في حركته، فانعكس على دولٍ عربية أخرى، لكنّه انحرف عن طبيعته السلمية المستقلّة بسبب التأثيرات والأجندات الإقليمية والدولية المختلفة، حيث أراد بعضها تغيير خرائط أوطان، وليس حكومات وأنظمة فحسب.

وقد رافق هذه الأجندات الإقليمية والدولية المتصارعة على الأرض العربية نموّ متصاعد لجماعات التطرّف المسلّحة التي استفادت من حالات الفوضى والعنف لكي تمتدّ وتنتشر، كما استغلّت إسرائيل طبعاً هذه الصراعات العربية البينية، فواصلت عمليات التهويد والإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، مراهنةً أيضاً على تحوّل الصراع الأساس في المنطقة من صراعٍ عربي/إسرائيلي إلى صراعاتٍ عربية/عربية، وإسلامية/إسلامية، وعلى تقسيمات طائفية ومذهبية تبرّر أيضاً الاعتراف بإسرائيل كدولةٍ يهودية.

هي حقبةٌ جديدة في المنطقة الآن، فيها تفاهم روسي- تركي- إيراني مدعوم دولياً لوضع الأزمة الدموية السورية على سكّة الحلول السياسية، وفيها أيضاً إدارة اميركية جديدة تتحدّث عن علاقات إيجابية أفضل مع روسيا ممّا قد ينعكس على تسهيل جهود التسوية السياسية في سوريا، لكن ما هي آثار المواقف الأخرى للإدارة الأميركية الجديدة على أزمات المنطقة عموماً، وكيف ستكون تأثيرات التشدّد الأميركي مع إيران والتساهل الشديد مع إسرائيل على مصير هذه الأزمات العربية وعلى مصير الملف الفلسطيني؟!، ثمّ ما هي تبعات تصريحات ترامب عن منابع النفط العراقي؟!... تساؤلات تفرض الآن مراجعةً عربية شاملة لما حدث ويحدث على الأرض العربية.

وإذا كان من المتعذّر الآن وقف الصراعات بين الحكومات العربية، فما الذي يمنع المؤسسات المدنية العربية من التحرّك الجاد لإعادة وحدة المجتمعات والشعوب المهدّدة بمزيدٍ من الانقسام مع ما هو قادم من تطوّرات؟!.

والحديث عن دور المؤسسات المدنية وعن ضرورة إصلاح الفكر السائد لا يعني فقط النخب المثقفة في المجتمع، بل هو شامل لما يسود الأمَّة من ممارسات سياسية واجتماعية، ومن تراث فكري ديني، ومعتقدات وعادات وتقاليد ومفاهيم لأمور الدين والدنيا، شكّلت بمجملها الواقع العربي الراهن.

فالفكر السائد الآن في المنطقة العربية تغلب عليه الانتقائية في التاريخ وفي الجغرافيا، بحيث يعود البعض في تحليله لغياب الديمقراطية في الأمَّة إلى حقبة الخمسينات من القرن الماضي وما رافقها من انقلابات عسكرية، وكأنّ تاريخ هذه الأمَّة كان قبل ذلك واحةً للديمقراطية السليمة، عِلماً أنّ معظم بلدان العرب كانت في النصف الأول من القرن العشرين تحت الهيمنة العسكرية والسياسية الأوروبية!.

الحال نفسه ينطبق على ما تعيشه الأمَّة العربية الآن من ظواهر انقسامية مرَضيّة بأسماء طائفية أو مذهبية أو إثنية، حيث ينظر البعض إليها من أطر جغرافية ضيّقة وبمعزل عن الدور الخارجي وعن الفهم الخاطئ أصلاً للدين أو للهويّة القومية اللذين يقوم كلاهما على التعدّدية والتنوع ورفض التعصّب والانغلاق الفئوي. أيضاً، تظهر المشكلة الفكرية بشكل حادٍّ في كيفيّة قبول بعض العرب والمسلمين عموماً لمبدأ استخدام العنف الدموي المسلّح ضدَّ مدنيين أبرياء أينما كان، دون وجود ضوابط فكرية حازمة في رفض هذا الأمر.

لكن في إطار التساؤل عن كيفيّة الخروج من هذه المحنة التي تعيشها الآن الأمّة العربية، هل دور الفكر هو هامشيٌّ في العلاج المطلوب للمرض العربي المزدوج؟ لو كان الأمر كذلك، كيف نُفسِّر تحوّل مسارات أمَم بفعل أفكار سبقت نهوض تلك الأمم؟!.

حدث ذلك مع العرب أولاً حينما ظهرت الدعوة الإسلامية، ولاحقاً عندما استوعبت الخبرة العربية والإسلامية أفكار حضاراتٍ أخرى. كما حدث ذلك أيضاً مع الأوروبيين في القرون الوسطى من خلال تأثّرهم آنذاك بأفكار الفيلسوف ابن رشد، فكانت "المدرسة الرشدية" هي وراء الدعوة لاستخدام العقل بعد عصور الظلام الأوروبي وتحريك سياقات الإصلاح والتنوير. كذلك كانت لأفكار الثورة الفرنسية تأثيرات كبيرة على شعوب عديدة في العالم، وهكذا كان الأمر مع الأفكار والنظريات التي غيّرت في القرن الماضي مجرى تاريخ روسيا والصين وبلدان أخرى.

لكن هذه الحقيقة البَدَهيّة لا تأخذ الآن موقعها الصحيح في سياق التفاعلات التي تشهدها حالياً عموم البلاد العربية. فالنقطة المركزية الآن، التي يتمحور حولها الاهتمام السياسي والإعلامي العربي، هي مسألة الديمقراطية كعملية إجرائية ترتبط بآليات انتخابية أو بمؤسسات دستورية، دون الانتباه إلى أنّ أساس العطب في الجسم العربي هو في الفكر أولاً، وقبل أن يكون في طبائع نظم الحكم أو كيفيّة المشاركة الشعبية في الحياة العامّة.

البلاد العربية تعاني من أمراض مشتركة لا يكفي لإنقاذها مسكّنات فكرية بين فترة وأخرى، ولا يحتمل جسدها مزيداً من تجارب المتخرّجين الفكريين الجدد، أو أولئك الذين وضعوا رؤوسهم في الرمال وفكرهم في قوالب التكلّس ويكتفون بالحديث عن العدوّ الخارجي وهم يسبحون في بحرٍ من الأمراض!.

إنّ إصلاح الفكر العربي بشموليته التاريخية والجغرافية لا يضع فقط الأهداف السليمة للمستقبل، بل أيضاً يحدّد ضوابط الأساليب ووسائل العمل التي تكفل النجاح والتغيير والتقدّم.

إنّ إصلاح الفكر العربي هو المدخل لإصلاح الأعطاب الداخلية بكلّ أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أنّه الأساس أيضاً لإصلاح العلاقات العربية/العربية وبناء تكامل عربي فاعل على مختلف الأصعدة.

ورحِم الله المفكّر الجزائري مالك بن نبي الذي أحسن الكتابة عن "القابلية للاستعمار"، فحينما تنتج هذه الأمَّة أفكاراً سليمة سوف يتوقّف العرب عندها عن الانقياد لما يفكّر ويخطط لهم الغرباء!!.

الأنظمة العربية تغتال الوطن وأهله


طلال سلمان
 
أرضنا مشاع، سماؤنا مشاع، وبحارنا مشاع.. يمكن لأى «قادر» أن يأخذها، وإسرائيل أولا وأساسا، وإن كانت عمليا، تهيمن على معظم قرارها.

من شاطئ البحر الأحمر فى شبه الجزيرة العربية إلى تونس، مرورا بليبيا ومصر (وفلسطين كلها).. وصولا إلى سوريا فالعراق، ثمّ إمارات الخليج العربى من دون أن نستثنى السعودية وسلطنة عُمان، وانتهاء باليمن السعيد شمالا وجنوبا وبين بين.

ليس بين«المحيط الهادر والخليج الثائر»، كما كان الهتاف بين منتصف الخمسينيات وأوائل السبعينيات، بلد عربى واحد يمكن اعتباره حرا، مستقلا، سيدا، يعيش بموارده ومصادر الخير فى أرضه، يمارس حقه فى كل قرار يتصل بمصالحه الوطنية وتحقيق إرادة شعبه.. فالكل مرتهن قراره للخارج، مباشرة بالاحتــــلال أو القواعد العســكرية والاحتيــاج إلـى المــساعدات (مالية، مباشرة، أو عبر المؤسســـات الدولية الخاضعة للقرار الأمـريكى خصوصا والغربى عامة).

جامعة الدول العربية «تكية» للترويح عن نفوس السلاطين بالثرثرة عن الأهداف القومية، التى تدرجت نزولا من الطموح إلى الوحدة أو الاتحاد إلى الرضا بالتعاون والتنسيق فى أضيق الحدود، وبما لا يغضب الغرب بالقيادة الأمريكية، وبما لا«يستفز» إسرائيل ــ وهى بكل وجودها كاحتلال أجنبى ودولة معادية فى نهجها العنصرى الذى باشرته مع أقامتها بالقوة، على ارض فلسطين.

أكوام من الاتفاقات والمعاهدات والمواثيق التى كانت تجمع هذه الدول، أو معظمها، وتلك التى عقدت بين «دولتين» أو أكثر، لم تنفع حتى فى مجالات الضرائب والرسوم على التبادل التجارى، ولا هى عززت «العلاقات الأخوية بين الأقطار الشقيقة».. فعند أول خلاف بين أى «زعيمين» عربيين تلغى الاتفاقات والمبادلات وتحشد القوات العسكرية على حدود «الدولة الشقيقة»، بينما العدو الإسرائيلى والمخابرات الأجنبية، الأمريكية خصوصا، تنفخ فى نار الخلافات لعلها تتفجر حروبا.. ثمّ فى اللحظة المناسبة تتقدم للعب دور «الوسيط».

تشن إسرائيل حروبها الدورية على العرب، بعنوان مصر أو سوريا أو كلتيهما، أو على لبنان الذى قدم شعبه نموذجا فذا فى المقاومة حتى التحرير، فيدير حكام العرب وجوههم إلى الناحية الأخرى.. ويطير بعض وزرائهم إلى واشنطن لاستئذانها بخطب نارية فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن فى نيويورك، ثمّ يجلسون فى الكواليس يفاوضون على المفاوضات بين المعتدى والضحية، ويخطبون ولا يتعبون مع الأخذ بقاعدة «لكل مقام مقال»، وما يقال فى الخطب الجماهيرية يسحب من التداول، لكلام دبلوماسى ناعم لا يُغضب «المرجعية» ولا يستفز المعتدى.

ثمّ.. كان أن تدهورت العلاقات بين الدول الأغنى والدول الأفقر، عندما رفضت الدول ذات التاريخ أن تسترهنها الدنانير والريالات «والشرهات» فتُؤخذ إلى حروب «الإخوة الأغنياء» ضد «الإخوة الفقراء»، كما فى اليمن، حتى إذا غضب الإخــوة المذهبون أوقفوا المساعدات، بل وعادوا يحركون المواجع مطالبين بأراض ليست لهم (كما فى اليمن) أو بجزر تخلوا عنها ودفع المصريون سيولا من الدماء دفاعا عنها (كما فى تيران والصنافير..).

بل إن بعض هذه الدول العربية المذهبة لم تتردد فى تجنيد المرتزقة وتسليحها وتدريبها لكى تقاتل بالنيابة عنها، ضد سوريا، وضد العراق كما ضد اليمن.. وهكذا غذّت وأدامت حروبا بالوكالة عن إسرائيل فى سوريا وفى العراق وفى اليمن وفى ليبيا وحتى فى تونس، مع محاولات ترهيب بالعمليات الانتحارية فى لبنان.. إلخ.

كذلك فإنها لم تتورع عن التحالف مع تركيا، علنًا، ومع إسرائيل سرا يماثل العلن، فى التآمر على العراق وسوريا ولبنان ومصر وتونس، مرة تحت عباءة الإخوان المسلمين، ومرة باسم «المعارضة» ودفاعا عن «ديمقراطية» لا تعرفها ولا هى تعترف بها.. ودائما فى التخلى عن فلسطين والحق المقدس لشعبها فيها.

أن العرب، الآن، يقاتلون العرب، ويصالحون عدوهم جميعا، وشعب فلسطين المتروك للريح يقاتل فتيته وفتياته باللحم الحى وبعض السكاكين والحجارة ضد عدو عاتٍ يقتل ويدمر وينسف البيوت والمساجد ويصادر الكنائس ويطرد أهل القدس ــ بناتها – ليتخذ منها عاصمة لملكه الذى لم يكن له وجود فى التاريخ.

أن فى الحرب على اليمن متآمرين ملكيين عربا يرسلون طائراتهم المقاتلة التى لم تخض أى حرب من قبل لتدمر معالم الحضارة الأولى فى التاريخ الإنسانى.

كذلك الأمر فى الحرب على سوريا وعلى العراق، بذريعة مقاومة «المد الفارسى»، كأنما إيران دولة معادية.. فأنواع السلاح التى تُزود بها دول الخليج العربى بالقيادة السعودية أشتات المعارضات فى سوريا (وفيها أفغان وألبان وباكستانيون وأتراك، كثير من الأتراك، وعرب استقدموا من مختلف جهات الوطن العربى، بامتداد المسافة بين تونس وبين اليمن) تكفى لتسليح جيش بل جيوش، ومهمتها الآن تدمير معالم الحضارة فى كل من اليمن والعراق وسوريا، مدنا عريقة يتجاوز بنيانها سبعة آلاف سنة (كما فى حلب) وتدمر، وبعض أنحاء العراق فى الموصل وشمالها، (سنجار وجوارها.. إلخ ).

إن الوطن العربى الذى تفتت، بأفضال أنظمته، إلى إخوة ــ أعداء ــ يصطرعون فيدمرون بعضهم بعضا، وتستنجد دوله العريقة بالأجنبى فيأتى إلى العراق جيوش من حوالى عشر دول عربية، للنجدة من الجو!! بالطائرات التى تقاتل أشباحا، ويأتى إلى أرض سوريا وجوها آلاف مؤلفة من المرتزقة الذين يشاركون المتعصبين ولا دين (داعش، جبهة النصرة أو القاعدة، فضلا عن المنظمات ذات الهوية التركية شعارا أو مقاتلين).. وبالمقابل تأتى إيران ومعها «حزب الله» فى لبنان، قبل أن تتدخل روسيا بالطيران ثم عبر المشاركة الميدانية الفعالة، عسكريا وسياسيا (مؤتمر كازاخستان، مثلا).

إن هذا الوطن العربى قد فقد أو يكاد يفقد، مع « دوله» هويته القومية.. وبات كثير من زعامات الطوائف التى صار لها عسكرها الذى يتولى الأشقاء المذهبون تسليحه بسخاء، وكأنها جيوش، وهو مكرس لقتال أية أفكار وطنية أو تقدمية أو وحدوية ولو عبر شعاراتها القومية، يقاتلون ضد دولهم، بل أوطانهم، وهم يعرفون قطعا أن المستفيد الأول والأخطر هو الامبريالية أو الاستعمار الجديد بالشراكة مع إسرائيل.

إن «الطوائف» هى بديل من الأحزاب السياسية فى الوطن العربى عموما بدءا من مشرقه.. من دون أن يعنى أن ذلك أن الأنظمة براء من هذا الداء، فالوهابية حزب سياسى وان كانت شعاراتها إسلامية – أصولية بمعنى العودة إلى السلف الصالح (مع اختيار النموذج الأكثر انغلاقا ومجافاة لروح العصر) وكل أقطار الخليج تحكم باسم الإسلام كبديل عن الهوية القومية.

وإذا كان الإسلام السياسى ممثلا بحركة النهضة (إخوان تونس) قد فشلت فى الهيمنة على السلطة فى تونس فإنها لا تزال «تناضل» للعودة مجددا إلى هذا الهدف، فضلا عن الوجود المتنامى للإسلاميين فى الجزائر (ولو وراء أبواب مغلقة) فى حين أن الحكومة فى المغرب الآن يهيمن عليها الإسلاميون.

و«الإسلام السياسى» هو الشعار المهذب للدعوة إلى القضاء على العروبة كهوية جامعة لأبناء هذه الأمة وطموحاتهم وتطلعهم إلى غدهم الأفضل بعيدا عن الهيمنة الأجنبية ومفاعيل الاحتلال الإسرائيلى لأرض فلسطين وإرادة العديد من الدول العربية.

كيف لا يكون الغد العربى مهددا، والحال هذه.

لهذا، وكثير من التفاصيل المؤذية، فإن أرضنا مشاع، سماؤنا مشاع، وبحارنا مشاع.. وكل قادر (ودائما من خارج أهلها، غريب عن أحلامهم وأمانيهم وآمالهم) هو الذى يسعى إلى الهيمنة على مصائرهم فى مختلف معظم دول المنطقة وهى ساقطة قوميا، وساقطة عسكريا واقتصاديا وتعليميا وثقافة، وبلا مقاومة تذكر، مع الأسف الشديد؛ لأن الأنظمة ــ قبل إسرائيل ومعها وبعدها ــ تتواطأ على روح الأمة كما على مصيرها.

من يتقرّب من الآخر «القوات اللبنانية» أم «حزب الله»؟




لم تمرّ الصورة التي جمعت وزير الإعلام ملحم رياشي، ونائبي «حزب الله» محمد رعد في حفل تكريم رئيس تحرير “السفير” طلال سمان مرور الكرام. إذ لاقى هذا الاجتماع جدلا واسعا أعاد إلى الواجهة من جديد موضوع التقارب بين حزب الله والقوات سيما أن هذه الدعوة تمت بحضور السفير السوري. وهو التقارب الذي نفى رياشي حصوله مرارا، بالقول إنّ ما بين الحزب والقوات «تواصلاً لا تفاوض».

وفيما لم تهدأ الأقلام بتحليل اللقاء، حتى سارع امس رياشي إلى عقد لقاء مع النائب سليمان فرنجية في بنشعي وصرّح في نهاية الزيارة أن “لا حاجة لوساطة بين فرنجية والرئيس عون”.

هذا العرض إضافة إلى موقف رئيس حزب القوات سمير جعجع الذي كان أكثر دعما للنائب وليد جنبلاط بعد صرخة الأخير حيال ملف القانون الانتخابي، وضع علامات استفهام حيال سياسة الإنفتاح الجديدة التي تعتمدها القوات على سائر الأطراف اللبنانية. وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كان هذا الإنفتاح سيؤدي إلى تعاونانتخابي في مناطق معينة مع خصوم الأمس؟

وقد رأى الصحافي والسياسي اللبناني نوفل ضوّ  انه “من الواضح أن الجوّ العام في لبنان يميل إلى التخلي عن المواضيع السياسية الخلافية، وخاصة تلك التي لها علاقة بالسلاح الغير الشرعي على الأقل خلال هذه الفترة”. وتابع “في مثل هذه الأجواء يصبح الانفتاح والحوار أمرا متوقعا”. وتابع “على الاغلب أن هذه الاتصالات تتم في إطار النيابة هدفها تسيير أمور البلاد لخلق جوّ من الطراوة وتنفيس الاحتقان”.

وانطلاقا من الاتفاق المعلن بين القوات والتيار الوطني القاضي بالتحالف في الانتخابات النيابية، أشار ضوّ إلى “المناطق التي فيها تتداخل مسيحي – شيعي، ومن الممكن أن يكون هدف الإنفتاح على حزب الله هو قول الأخير بأنه معني بمرشحين التيار فقط دون مرشحي القوات في هذه المناطق، لذا من الممكن أن يكون هدف القوات اقناع الحزب بعدم الفصل بين المرشحين في اللوائح”.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي كمال ريشا،  أن “سياسة الانفتاح هذه ليست جديدة على القوات اللبنانية، إنما المشكلة مع الأطراف الأخرى التي رفضت سابقا الانفتاح والحوار مع القوات وفي مقدّمهم حزب الله“. وتابع “أن اللقاء الذي جمع أمس الوزير ملحم رياشي بالنائب سليمان فرنجية في بنشعي مفهوم، وواضح أنه أعدّ على أساس الخلاف الواقع بين الطرفين”. إلا أن الغير مفهوم “انفتاح الحزب على القوات بعد القطيعة، مع العلم أنه لم تحدث أيّة مواجهة بين الطرفين أثناء الحرب اللبنانية، إلا أن الحزب دائما يتهم القوات بالعمالة لاسرائيل لتبرير قطيعته لها”.

وبرأي ريشا أنه “يبدو أن حزب الله قرر الانفتاح على القوات لاسبابٍ تتعلق بالوضع السوري ومشروع الحلّ السياسي، سيما أن عودة الحزب إلى لبنان لن تتم على قاعدة الانتصار المزعوم إنما على أساس تسوية سياسية سيتبعها إنفراج سياسي في الداخل اللبناني”. لافتا إلى أن “الحزب والقوات الطرفان الوحيدان اللذان لا حوار بينهما”. وإنطلاقا من كون الحزب يمهّد لتغيير سياسته الداخلية، قال ريشا “يلعب التيار الوطني الحرّ دورا بفتح قنوات تواصل بين الطرفين سيما أنه على علاقة جيدة معهما. فحزب الله يثق بالعونيين، كذلك القوات تبني جسر ثقة معه”.

إلى ذلك لم يستبعد في النهاية أن “يتبع هذا التقارب حوار يجمع بين القوات والحزب”. و خلص ريشا بالقول “لا شيئ مستحيل في مثل هذا الوضع”.

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة


زياد حافظ

يسود القلق في الأوساط العروبية إلى ما يمكن أن تؤول إليه الحالة في منطقة الجزيرة العربية خاصة فيما يتعلّق بعروبة وتماسك المجتمع ووحدة الجزيرة. المخاوف في رأينا ليست فقط على عاتق النخب الحاكمة من زاوية مصالحها الخاصة بل أيضا على التيّار العروبي الذي لا ولن يمكن أن يقبل بتمزيق الجزيرة واحتلالها المحتمل وتدمير عروبتها. هذا كان منطق تقديرنا في المؤتمر القومي العربي في ورقة قدمناها في الاجتماع الدوري السادس والعشرين في حزيران 2016 في حمامات في تونس حيث أنذرنا بإمكانية ضرورة لجوء التيّار العروبي إلى الدفاع عن النخب الحاكمة في دول الجزيرة العربية بشكل عام وفي بلاد الحرمين بشكل خاص. لكنها قد تكون فرصة لمساعدة تلك النخب على مراجعة سياساتها والتصالح مع جماهير الأمة وشعوب الدول المنكوبة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها في الآونة الأخيرة. وهذا ما يسعى إليه التيّار العروبي الذي ننتمي إليه. 

الوضع الميداني في ساحات عربية ملتهبة أدّت إلى تحوّلات في موازين القوة العربية والإقليمية والدولية. فالصراع في الساحة العربية بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص هو صراع بين محورين يقود إحداهما مجموعة الكتلة الاوراسية، ومحور المقاومة جزء أساسي منها، والثانية الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن. والتحوّل في موازين القوة يميل بشكل واضح وحاسم لمصلحة الكتلة الاوراسية ومحور المقاومة. هذه التحوّلات تستدعي بحدّ ذاتها مراجعة لسياسات اتبعتها دول عربية وإقليمية منخرطة في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة. فهل ستُقبل على ذلك وتتجاوز حالة الانكار التي تسودها؟ 

وإضافة إلى تلك التحوّلات الميدانية هناك تحوّلات في مراكز القرار الغربي يعود قسم كبير منها إلى التطوّرات الميدانية في المشرق العربي. فمع اندلاع الحرب الكونية الغربية/العربية على سورية بدأت موجات من الهجرة من النازحين من سورية وغير سورية تجاه أوروبا سبّبت توتّرات شديدة وتلازمت مع عمليات إرهابية داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فتسارع أحداث العنف على يد أفراد ينتسبون أو يزعمون أنهم منتسبون لجماعات التعصّب والتوحّش خلقت مزاجا معاديا للمسلمين وللعرب تجلّى في خطاب سياسي تحريضي ضد المسلمين للمرشح آنذاك للرئيس المنتخب دونالد ترامب وتلازم مع إجراءات في الكونغرس الأميركي تجاه حكومات عربية متهمة بتمويل جماعات التعصّب والتوحّش بشكل عام ومسؤولة عن أحداث أيلول/سبتمبر 2001. 

الرئيس المنتخب الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المرتقب لفرنسا فرنسوا فييون، وربما قيادات أخرى في أوروبا أعلنوا بصراحة ضرورة انتهاج سياسة جديدة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش. هل هذا يعني مراجعة العلاقات مع سورية وروسيا نحو المزيد من التفاهم والتنسيق بدلا من النهج العدواني السائد لدى حكومات الغرب؟ الأرجح أن هذا ما قد يحصل رغم الاعتراض لمراكز قوة داخل أوروبا والولايات المتحدة على تغيير السياسة الحالية. وإضافة إلى النهج الجديد المرتقب فقد أعلنت تلك القيادات عزمها على ملاحقة من موّل الجماعات المعنية! أما الاعلام الغربي والأميركي بشكل خاص فأصبح معاديا بشكل واضح لنهج وفكر دول الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين. أي النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي معبّئون لتمرير سياسات وقرارات قاسية بحق هذه الدول. 

هذه بعض المؤشرات التي تدلّ على تغيير جذري في النظرة لدول الجزيرة العربية، التي كانت دائما في صلب التحالفات الغربية. فماذا يعني كل ذلك لمستقبل تلك الدول؟ 

الخيارات المطروحة أمام هذه الدول خيارات صعبة وأحلاها مرّ. وليس هناك من مبالغة في تقدير أن الأزمة التي ستواجه بعض هذه الدول أزمة وجودية. طبعا، في مقدمة هذه الدول بلاد الحرمين. فالمملكة تواجه تراكما من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطلّب مراجعة جذرية في نهجها وأسلوب الحكم وإدارة شؤون البلاد. كما أن على صعيد المنطقة عليها أن تتخذ نهجا تصالحيا ليس فقط مع حكاّم دول المنطقة العربية بل خاصة مع شعوب هذه الدول. 

فالإخفاقات المتعدّدة على الصعيد السياسة الخارجية والداخلية وضعت المملكة في موقف حرج جدّا. فلا العدوان على اليمن أتى بالنتائج المرجوة بل العكس، (اللهم إذا كان الهدف إضعاف وتدمير اليمن وتقسيمه ففي تلك الحال “نجحت” السياسة ولكن بأي كلفة؟)، ولا تمويل الجماعات المسلحّة في كل من سورية والعراق أدّت إلى قلب المعادلات بل العكس، ولا سياسة محاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في منع الوصول إلى التفاهم الدولي مع الجمهورية بل العكس، ولا سياسة ابتزاز الدول العربية وفي مقدمتها مصر أدّت إلى تطويعها بل العكس، ولا سياسة إغراق سوق النفط التي سبّبت انهيارا في أسعار برميل النفط أدّت إلى انهيار كل من روسيا والجمهورية الإسلامية بل العكس، ولا سياسة كسر التفاهم التاريخي وركيزة المملكة بين الأسرة الحاكمة وطبقة التجار حيث أصبحت الأسرة الحاكمة البديل عن تلك الطبقة في تلك الشراكة في إدارة المقدّرات الاقتصادية والمالية للمملكة أدّت إلى تعزيز موقع الأسرة الحاكمة بل العكس. وهنا لا بد من التذكير أن أحد أسباب سقوط نظام الشاه في إيران هو كسر العلاقة مع طبقة التجّار أو البازار الإيراني ما أدّى إلى تأييد الأخيرة للثورة. فهل هناك من النخب في بلاد الحرمين من يعتبر؟ 

أما على الصعيد الداخلي فالبطالة المتفشّية عند الشباب وتزايد عدد السكّان الذين يعيشون تحت حد الفقر فهذا يعني فشل سياسات اقتصادية واجتماعية في استيعاب الشباب المتدفقّين على أسواق العمل. والأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها بلاد الحرمين هي نتيجة تراكمات وسياسات أوصلت الأمور إلى الوضع المتأزم. كما أن الطبيعة الريعية للاقتصاد لا تشجّع على المبادرة والمجهود المبدع، ولا حتى على المجهود بأبسط أشكاله طالما مصادر الريع مؤمّنة. لكن على ما يبدو هناك وعي متزايد بين النخب حول الإخفاقات على الصعيد الاقتصادي ما يجعلها تفكّر جدّيا بتنويع القاعدة الإنتاجية والتخفيف من الاتكال على النفط. وتنويع تلك القاعدة يتطلّب وقتا طويلا قبل أن يأتي بثماره فهل تستطيع الأمور انتظار ذلك؟ كما أن السياسة الداخلية على الصعيد الاقتصادي تتطلّب استقرارا على الصعيد الخارجي لتحصين الوضع الداخلي وهذا ما يدفع إلى مراجعة تلك السياسات. 

من جهة أخرى فإن سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني واستبدال العداء للجمهورية الإيرانية بالعداء له وتجاهل محنة الشعب الفلسطيني ضربت عرض الحائط موروثا سياسيا وثقافيا ليس فقط عند جماهير الأمة بل حتى عند سكان الجزيرة. وهذه السياسة التي تخاطب الود الصهيوني لن تحميها بل العكس. فمن يحمي المملكة؟ 

السيناريوهات المتداولة عديدة. السيناريو الأول يعود إلى تأزّم الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وتفاقم الصراعات بين مختلف أجنحة الأسرة الحاكمة. ليس هناك من آلية داخلية مؤسسية لفض الصراعات خاصة في غياب الشخصية المرجعية للأسرة الحاكمة. فالتعديلات التي أدخلها خادم الحرمين الراحل عبد الله بن عبد العزيز حول آلية نقل السلطة تعارضت مع عرف مستقر منذ نشأة المملكة. كما أن العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز ضرب عرض الحائط الترتيبات التي أقدم عليها سلفه وأيضا على حساب التراتبية المعهودة منذ نشأة المملكة. هذا يعني أن عدم الاستقرار في البنية الحاكمة قد يكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة خاصة بوجود نقمة غير بسيطة بسبب هذه التعديلات داخل الأسرة الحاكمة والتي قد تضع مصير الأسرة قاب قوسين أو أدنى. 

السيناريو الثاني هو التقديم المزيد من التنازلات للولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن حماية الولايات المتحدة لن تكون مجّانية بالنسبة للمستفيدين من تلك الحماية. فالقواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الجزيرة ودول الخليج ستُموّل بشكل كامل وسخي من قبل المملكة ودول مجلس التعاون إذا ما أرادت بقاء هذه القواعد لحمايتها. فهل تستطيع المملكة وسائر دول مجلس التعاون دفع ما هو مطلوب على حساب رفاهية سكّان دول مجلس التعاون وذلك في زمن الضيق الاقتصادي وعدم الاستقرار؟ كما أن للرئيس المنتخب تصريحات مفادها أن ملكية النفط لن تعود للمملكة أو لدول مجلس التعاون بل للولايات المتحدة مباشرة، فهل تستطيع تلك الدول تحمّل ذلك؟ أضف إلى ذلك الشكوك المشروعة حول مصداقية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها إذا ما تغيّرت المعادلات الإقليمية لتجعل مسؤولية حماية دول الجزيرة العربية أمرا غير ذي جدوى. فالسوابق عديدة حيث تخلّت الولايات المتحدة في لحظة ما عن دعم حلفائها الدائمين والطيّعين، بدءا من شاه إيران، إلى فردينان ماركوس، إلى أغوسطو بينوشي، إلى مانويل نوريغا، إلى زين العابدين بن علي، إلى حسني مبارك، إلى الجماعات المسلّحة في سورية! 

هناك من بين النخب الحاكمة في بلاد الحرمين وسائر دول الجزيرة العربية من نشأ وترعرع في الولايات المتحدة ويعتبر نفسه عالما في المزاج الأميركي ونيّاته. ومن هذه النخب من يراهن على أن التغييرات المرتقبة نتيجة انتخاب دونالد ترامب قد تكون ظرفية وأن حزب الحرب في الولايات المتحدة الذي يضم المجمّع العسكري الصناعي والأمني، والمجمّع المالي والنفطي، والإعلام المهيمن الذي تملكه خمس شركات فقط، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة والتحالفات التي تلازمها. فالتمرّد على النخب الحاكمة في الولايات المتحدة التي حقّقته قاعدة برني سندرز في الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب في الحزب الجمهوري قد لا يصمد أمام الهجوم المضاد الذي سيشنّه حزب الحرب، وقد بدأ فعلا الهجوم المعاكس لنتائج الانتخابات. هذا رهان في غاية الخطورة لأنه لو تحقّق فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة التفكّك السريع والفوضى مما يغيّب الحماية المطلوبة أميركيا. أما إذا فشل الهجوم المضاد فإن الحماية الأميركية تصبح مكلفة جدّا لمن يريد الاستفادة منها. 

السيناريو الثالث هو المضي في التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة أن التحالف معه سيحميها وسيجبر الولايات المتحدة ودول الغرب إلى حماية دول الجزيرة. هذا المنطق لا يخلو من التسطيح والتبسيط وسوء تقدير لموازين القوة حول مستقبل الكيان. فالأخير أصبح بحاجة لمن يحميه. فإذا لم يستطع دخول غزّة، ولم يقدر على تحجيم المقاومة في لبنان، ولم يستطع حماية فصائل مسلّحة في سورية، فكيف يمكنه حماية دولة كبلاد الحرمين التي تسبح عكس التيّار الشعبي! 

الحماية السياسية المطلوبة من الكيان الصهيوني محدودة حتى في الولايات المتحدة. فتراجع اللوبي الصهيوني إثر الهزيمتين المتتاليتين له في الانتخابات الأميركية حيث دعم المرشّح الخاسر (رومني عام 2012 وكلنتون عام 2016) يعني أن نفوذه لا يتعدّى النخب الحاكمة ومجمع الكونغرس، وأن المزاج الشعبي الأميركي ليس مؤيّدا له كما يوحي الاعلام المهيمن والمملوك من قوى قريبة من اللوبي الصهيوني. وإذا كان الكيان الصهيوني قادرا على التأثير في الكونغرس كما يعتقد الكثيرون من المراقبين والمحلّلين العرب والدوليين فلماذا لم يمنع قانون “جاستا”؟ فإما الكيان الصهيوني متواطئ مع الكونغرس الأميركي وبالتالي “حمايته لبلاد الحرمين” مشكوك بها وإما نفوذه أقلّ مما يتصوّره البعض! فما جدوى تلك “الحماية” في كلا الحالتين؟ 

وإذا التطبيع مع الكيان الصهيوني هو لضرب الجمهورية الإسلامية في إيران فإن الكيان يحسب ألف حساب ولن يجرؤ على ذلك إن لم يضمن دخول الولايات المتحدة إلى جانبه. والمزاج الأميركي الحالي لا يوحي بأن مغامرة عسكرية جديدة قد يقبلها الشعب الأميركي رغم التصريحات المتشدّدة لبعض رموز الإدارة المرتقبة لدونالد ترامب. فواقع موازين القوة قد يفرض نفسه ويردع أي مغامرة. أما الرهان على الحماقة فهذا يخرج عن سياق التحليل العقلاني للأمور وإن لن يّستبعد. لكن ماذا ستكون الكلفة على بلاد الحرمين؟. 

كما أن التطبيع يناهض المزاج العربي والإسلامي مهما كانت التشكيلات السياسية التي تدور في فلك دول الجزيرة. فالقاعدة الشعبية للدول العربية بما فيها دول الجزيرة العربية لن تقبل بهذا التحوّل رغم التلويح بالخطر الإيراني. فورقة الجمهورية الإسلامية التي دخلت من خلالها عقول وقلوب العرب والمسلمين هي ورقة الالتزام بأحقّية القضية الفلسطينية ودعم مقاومة الكيان الصهيوني. هذا لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية مقبولة دون أي ملاحظة وخاصة في العراق واليمن. بالمقابل فإن التطبيع الذي تسعى إليه نخب دول الجزيرة وفي مقدمتها بلاد الحرمين لن يستقيم مع المزاج الشعبي رغم الضغط الإعلامي والتسويق المفرط له. رهاننا هو دائما على الشعب وليس على النخب. فلا المال ولا القوة العسكرية كافية لكسر إرادة الجماهير إذا ما حزمت أمرها ومضت في طريق مخالف لتوجّهات النخب. هذه انتفاضة البحرين مستمرة رغم عدم تكافؤ القوة بين النظام وبلاد الحرمين من جهة والمطالبين بالإصلاح. وكذلك الأمر في اليمن، وكذلك الأمر في سورية والعراق! 

إذا من يحمي دول الجزيرة العربية؟ في رأينا لن يحمي الدول الجزيرة العربية إلاّ التيّار العروبي الذي يحرص دائما على وحدة الأرض والشعب ووحدة الأمة وعروبتها ومكوّناتها مهما كانت الظروف ومهما كانت سياسات النخب الحاكمة سلبية تجاه التيّار وتجاه الجماهير التي يمثّلها التيّار. هذا هو السيناريو الرابع. 

نذكّر هنا أن عندما حصلت الكويت على استقلالها كانت سياسة الزعيم العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم لا تخفي طموحات العراق في الكويت. من حمى استقلال الكويت هو التيّار العروبي الذي كان يقوده الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر. أما السياسات المعاصرة لدول الخليج التي سمحت احتلال العراق ومن بعد ذلك تدميره وبعد ذلك تدمير ليبيا وسورية واليمن، فإن تلك السياسات خلقت مزاجا سلبيا عند الجماهير العربية تجاه تلك الدول. التطوّرات الميدانية في بلاد الشام وبلاد الحرمين وربما في ليبيا وفي سيناء غيّرت موازين القوّة لمصلحة العراق وسورية وليبيا ومصر على حساب نفوذ وسياسات دول الجزيرة العربية وفي مقدمتها بلاد الحرمين. 

والسؤال هل ستقوم محاسبة ومساءلة لدول الجزيرة العربية من قبل الدول التي تجاوزت محنتها أو قيد تجاوزها؟ هناك منطقان نقيضان يتصارعان. المنطق الأول هو منطق رد الكيل تجاه الدول التي ساهمت في تأجيج الأزمات. أما المنطق الثاني فيدعو تلك الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين إلى مراجعة نهجها وسياساتها وذلك من باب الحرص على وحدة وتماسك الجزيرة. 

المنطق الأول سيؤدّي إلى المزيد من التأزيم في المشهد العربي وهذا ربما ما يراهن عليه أعداء الأمة. أما المنطق الثاني فالمضي به رهن تجاوز الحاجز النفسي الذي أوجدته تلك السياسات في نفوس جماهير الدول المنكوبة. هذا المنطق يعزّزه التقدير أن انهيار النظام القائم في الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين سيؤدّي إلى فراغ سياسي يصعب ملئه عربيا في المدى القريب. البديل الوحيد الجاهز هو مجمع جماعات التعصّب والغلو التي ستنتقل من بلاد الشام وبلاد الرافدين إلى بيئة حاضنة وجاهزة في الجزيرة العربية.
أما على الصعيد الخارجي فهناك دول في الإقليم القريب والمتوسط لها حضور شعبي في الجزيرة العربية كيد عاملة قد تستدعي حالة التفكّك المحتملة وعدم الاستقرار الذي قد ينجم عنها تدخلّها العسكري المباشر لحماية رعاياها. فالهند والباكستان دولتان نوويتان وجزء من منظومة شانغهاي الأمنية والاقتصادية. كما أنه يوجد في بلاد الهند والسند كتلة إسلامية أكبر من الوجود الإسلامي في الجزيرة! فكيف يمكن ردعهما خاصة وأن النظام العربي غير جاهز حاليا لملء الفراغ؟ من ناحية أخرى، إن سقوط النظام في هذه الدول سيعطي الذريعة المفقودة حتى الآن عند الولايات المتحدة للتدخل واحتلال أجزاء من الجزيرة وخاصة آبار النفط. فمن يردعها؟ ويمكن التساؤل أليست هناك مشاريع أميركية للقضاء على النظام وتقسيم الجزيرة بغية احتلالها؟ فعلى ماذا تراهن إذن النخب الحاكمة في دول الجزيرة؟. 

في الخلاصة لا مفرّ من العودة إلى البيت العربي عبر تثبيت العداء للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني بكل الإمكانيات، وعبر إنهاء الدعم لجماعات التعصّب والتوحّش التي ستنقلب على الجهات التي تدعمها للإحلال مكانها، وعبر المصالحة مع الجماهير العربية. هذا ما سحمي تلك الدول فهل من يعتبر؟

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر