الراصد القديم

2016/09/01

"حزب الله" و"القوات": "حليف حليفي حليفي"؟!



استطاعت صورة "يتيمة" لعشاءٍ جمع على طاولة واحدة عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب علي فياض وعضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب شانت جنجنيان في أحد المطاعم في الضاحية الجنوبية لبيروت أن تشكّل "حديث البلد" خلال اليومين الماضيين.

وعلى الرغم من أنّ الكثير قد قيل عن إمكانية حصول "تقارب" بين الحزب و"القوات"، منذ إبرام التفاهم الشهير بين الأخيرة و"التيار الوطني الحر"، فإنّ هذه الصورة شكّلت "التوثيق" الأول من نوعه في هذا الاتجاه، ليكسر الاعتقاد السائد بأنّ أيّ لقاءٍ بين الجانبين من "سابع المستحيلات"، خصوصًا أنّ "حزب الله" كان واضحًا في "التمييز" بين "حلفائه" و"حلفاء حلفائه"، وهو ما حسمه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بعيد الانتخابات البلدية الأخيرة، حين أعلن أنّ الحزب لا يعتبر نفسه ملزَمًا بحلفاء "التيار"، من قريبٍ أو من بعيد.

وفي حين "استنفر" كلّ من "حزب الله" و"القوات اللبنانية" عبر فياض وجنجنيان خاصةً للقول بأنّ اللقاء أتى عن طريق "الصدفة" وأنه "اجتماعي"، و"لا أبعاد سياسية له"، فإنّ جولةً على مواقع التواصل الاجتماعي كافية لاستنتاج أنّ مثل هذه "الإيضاحات" كانت بلا قيمة، بل إنّ الناشطين تعاملوا معها باستهزاء، إذ سأل أسامة شلحة عن طبيعة "الشيء الاجتماعي" الذي يمكن أن يجمع شانت جنجنيان بعلي فياض، مرجّحًا بطريقة ساخرة أن يكون "كأس العرق ربما"، فيما استهجن أحمد محاولة تصوير الأمر وكأنه مشاركة في "توقيع كتاب"، معرباً عن اعتقاده بأنّ توصيف "كتب الكتاب" قد يكون ملائمًا أكثر. وطالت سهام النقد جنجنيان نفسه، حيث تساءل خالد شلحة عمّا إذا لم يكن يعرف فياض، كما حصل خلال المفاوضات مع "المردة"، واصفاً الأمر بـ"المشهد المسرحي"، الأمر الذي أيّدته فيه ستيفاني سعد، معتبرة أنّ القصة كلّها "تمثيل على الشعب، الذي لا يزال يهتف بالروح بالدم نفديك يا فلان".

وبعيدًا عن السخرية، حفلت وسائل التواصل ببعض التحليلات للقاء وأبعاده، وما يمكن أن ينتج عنه في المستقبل، حيث سأل كارلوس عبود عمّا إذا كان يمكن اعتبار هذا اللقاء "خطوة أولى باتجاه لقاءٍ على صعيدٍ أكبر لتكريس ورقة تفاهم على شاكلة ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله". وفيما تساءلت نسرين مرعب عمّا إذا كان رئيس حزب القوات سمير جعجع سيخرج غداً ليصف "ثوار داريا" بـ"المجرمين" كرمى لعيون السيد نصرالله، اعتبر ليبان صليبا أنّ اللقاء ليس حواراً وإن تخلل الحديث كلام في السياسة وهذا طبيعي كلما اجتمع لبنانيان، زوجان، صديقان، شقيقان، مشدّداً على أنّ "باب الحوار كان وما زال مقفلاً من جهة حزب الله"، وأضاف ساخراً أنّ اللقاء "ليس رداً أو خشية أو إستلحاقاً لإجتماع فتى الكتائب الحردان (في إشارة لرئيس حزب الكتائب سامي الجميل) و(رئيس الحزب القومي السوري الاجتماعي السابق) أسعد حردان وإحتمال التحالف بينهما الذي يمكن أن يقلب المنفضة على الجميع".

وفي حين رأى الياس شدياق أنّ "المهمّ بكلّ الموضوع أنّ القوات اللبنانية قامت وستقوم بكل شيء من اجل انقاذ الجمهورية ورئاسة الجمهورية"، على حدّ تعبيره، كان مجرّد حصول اللقاء بين "الأضداد" محطّ سخرية بالنسبة لكثيرين، حيث اعتبر محمد خير الغباني الحسيني أنّ رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط، المتهم بكثرة الانعطافات والتقلبات، تبيّن أنّه "ثابت مثل جبل لبنان أمام البقية الباقية"، فيما بادر عبد كيدية بالقول: "مرحبا مبادئ، وأهلاً قضية وسلام على القيم"، وذكّرت مهى عون بأنّها سبق أن توقعت وقوف "القوات" على أبواب الضاحية منذ مدة، مضيفة: "سبحان الله، الذي يغيّر ولا يتغيّر".

في المقابل، لم يرَ عددٌ من الناشطين أيّ "عيبٍ" أو "مشكل" إذا حصل حوار بين الحزب و"القوات"، وهو ما أكّدته ريما حليص، التي وجدت مثل هذا الحوار، على العكس من ذلك، أمراً "مرحّباً به"، ووافقها أسامة نور الدين في هذا المنحى، مذكّراً بأنّ "حزب الله" يدعو دائماً للحوار بين الأطراف اللبنانية، "فطبيعي أنّه لن يكون عيباً أو حراماً إذا تحاور مع القوات"، ملاحظاً كذلك أنّهما يتشاركان عضوية البرلمان نفسه، وأيّدهما زياد صالح، الذي ذكّر بأنّ حزب الله يتحاور منذ سنوات مع من يشتمونه.

ولم يبدُ الصحافي علي الأمين مرتاحاً للجلسة بين "حزب الله" و"القوات اللبنانية"، حيث استخدم تعبير "الله يستر" الشعبي للتحذير من خلفياته، داعيًا "القواتيين" حتى لا "ينغرّوا" لأنهم سيعودون "عملاء"، بعد بضعة أيام، غامزًا من التوصيف الممنوح لهم من جانب مناصري الحزب. وعلى السرب نفسه، غرّد عماد قميحة، ليقول هازئاً أنّه متفائل من زيارة وفد "القوات" إلى الضاحية، مضيفاً أنّ "حزباً مثل حزب القوات يجب أن ينفتح على كلّ دول المنطقة".

"عادي ومفهومة من الاول، حليف حليفي حليفي، قوات عونيين وحزب". هي الخلاصة التي خرج بها أحد الناشطين وسط كلّ هذه المعمعة، خلاصة قد لا تبدو واقعية في الظرف الراهن، لكنّها تبقى أكثر من واردة، في بلدٍ أثبتت الأيام أن لا مستحيل فيه على الإطلاق...

الحرب في سوريا تشبه "بروفة" للحرب العالمية الثالثة



تناولت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" التطورات الأخيرة في سوريا، مشيرة إلى أن ما يحدث الآن هناك يشبه عرضا تجريبيا للحرب الثالثة العالمية.

جاء في مقال الصحيفة:

أصبحت إسرائيل والصين في مواقع مختلفة في الشرق الأوسط. فقد قامت الطائرات الإسرائيلية بعد سقوط قذيفة طائشة في الجولان المحتل بتوجيه ضربة إلى مواقع قوات بشار الأسد الحكومية في سوريا.

في هذه الأثناء قامت القوات التركية بقصف مواقع الجهاديين والكرد في المناطق الحدودية السورية.

وعلى هذه الخلفية، أصبح معلوما أن الصين تنخرط بنشاط في النزاع، حيث أرسلت إلى المباحثات في دمشق ضابطا برتبة لواء بحري، وعينت سفيرا جديدا هناك.

وكتبت صحيفة "تايم أوف إسرائيل" أن قذيفة الهاون، التي أطلقها الجنود السوريون، سقطت على هضبة الجولان، التي تسيطر عليها إسرائيل، دون أن تحدث أضرارا. وردا على ذلك قامت الطائرات لإسرائيلية بغارة جوية على وحدة المدفعية ودمرتها، ولم يصب أي من جنود القوات الحكومية السورية بأذى.

وقد أصبحت مرتفعات الجولان السورية في السنوات الأخيرة ميدانا للمعارك العنيفة بين قوات "جبهة فتح الشام" (الاسم الجديد لـ"جبهة النصرة" – فرع "القاعدة" في سوريا) وقوات الأسد. كما أن هذه المرتفعات أصبحت هدفا لـ"حزب الله" اللبناني والفصائل الإيرانية، التي تنظر إلى هذا المكان كجبهة محتملة ضد إسرائيل.

في غضون ذلك، قامت القوات التركية بقصف مواقع تنظيم "داعش" الإرهابي وحزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي. في المنطقة الحدودية من شمال سوريا. وتعرضت للقصف ضواحي منبج، التي انتزعها الأكراد للتو من قبضة "داعش".

وكتبت صحيفة "غارديان" البريطانية أن الأخبار الأخيرة تدل على أن تركيا غيرت أولوياتها في السياسة الخارجية. فإذا كانت أنقرة تطلب في السابق بشكل قاطع استقالة الأسد، فإنها الآن على لسان رئيس وزرائها بن علي يلدريم اعترفت بأن الزعيم السوري يستطيع البقاء في منصبه في المرحلة الانتقالية.

ولا يستبعد الخبراء أن تكون أنقرة قد عقدت صفقة مع دمشق.

يقول الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية أرسين خيزرييف إن "الأكراد يتهمون إيران وتركيا بالتآمر مع النظام السوري للقضاء على منطقة الحكم الذاتي الكردية في سوريا".

وكتبت الصحيفة الإيرلندية "إيريش تايمز" أن انعطافا فجائيا ظهر في النزاع السوري. فالصين دخلت العراك في سوريا إلى جانب الأسد، وشكلت مع روسيا وإيران حلفا ثلاثيا ضد "جبهة فتح الشام".

ووفق صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية، فإن بكين أرسلت إلى سوريا خبراء وعسكريين وأسلحة.

وترى الصحيفة أن تخوف بكين من فلتان الوضع في سوريا له ما يبرره. إذ يوجد في سوريا أكثر من 200 مقاتل إيغوري من المسلمين الصينيين يقاتلون ضد الدولة السورية.

بيد أن رئيس معهد الدين والسياسة ألكسندر إيغناتينكو يشكك في أن تنخرط الصين بنشاط في العمليات الحربية في إحدى دول الشرق الأوسط، وفي أن "تفرض "سلطة الإعصار" كما يقولون في بكين. فالصين تفضل تحيُّن الفرصة المناسبة، للانخراط إما في الصراع، أو في البناء عندما تصبح واضحة نتيجة النزاع".

هذا، وتلوح في النزاع السوري حيثية مقلقة. فلأول مرة سلَّم أحد القادة العسكريين الأمريكيين الكبار بإمكان قيام الجيش الأمريكي بتنفيذ عمليات حربية ضد قوات الأسد.

فقد أعرب قائد القوات الأمريكية في سوريا والعراق ستيفن تاونسند عن امتعاضه من قصف الطيران الحربي السوري مواقع الأكراد العسكرية في مدينة الحسكة، حيث يوجد في هذه المنطقة قرابة 300 عسكري من مشاة البحرية الأمريكية، وقال: "سندافع عن أنفسنا في حال شعورنا بالخطر".

2016/08/31

هل أسقط السنيورة فرصة عودة الحريري إلى السراي الحكومي؟


ماهر الخطيب

خلال فترة قصيرة، عاد الجناح "المتشدّد" في تيّار "المستقبل" إلى تسجيل إنتصار جديد على الجناح الآخر، وتحت العنوان نفسه أيضاً: ترشيح رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، في وقت يقضي فيه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إجازة صيفية، لكن التداعيات قد تكون كبيرة على "الشيخ" نفسه، في حال كان ما صدر عن كتلته النيابية، بعد إجتماعها الدوري، رداً رسمياً على مبادرة أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله، خصوصاً أنها قدّمت له ما كان يسعى إليه منذ فترة طويلة.

في هذا السياق، تشير مصادر نيابية في قوى الثامن من آذار، عبر "النشرة"، إلى أن مبادرة السيد نصرالله جاءت رداً على ما يشبه السؤال الذي كان يطرح في أوساط "المستقبل"، أيّ لناحية الموافقة على عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة، بعد إنتخاب رئيس الجمهورية المقبل، بالرغم من أن الحريري يملك الأغلبية النيابية التي تؤهله الوصول لمرحلة التكليف من دون موافقة الحزب، لكنها تلفت إلى أن المسألة متعلقة بالقدرة على التأليف، نظراً إلى أن أيّ رئيس حكومة مكلّف لن يتمكن من التشكيل من دون موافقة الحزب وحلفائه بسبب التوازنات القائمة في البلاد، وتؤكد أنّ ما صدر عن السيد نصرالله يُعَدّ بمثابة مبادرة إيجابية، تفتح الباب أمام حلّ أزمة الفراغ على المستوى الرئاسي، وتستغرب طريقة التعامل معه من قبل كتلة "المستقبل" النيابية.

وعلى الرغم من هذه الأجواء السلبيّة، تشدّد هذه المصادر على أنها لا تزال تنتظر رداً واضحاً يأتي من الحريري نفسه، سواء كان ذلك بشكل علني أو من خلال قنوات الإتصال القائمة مع الحزب والتيار "الوطني الحر"، وتوضح، أن البيان الصادر عن "المستقبل" يمثّل بشكل أساسي توجهات رئيس الكتلة النائب فؤاد السنيورة، الذي لا يريد أصلاً عودة "الشيخ" إلى رئاسة الحكومة، لكنها تطرح علامات الإستفهام حول ما إذا كان هذا الردّ يحمل بصمات المملكة العربية السعودية، التي قد لا تكون راغبة في إنجاز الملفّ اللبناني في الوقت الراهن، خصوصاً أن الأوضاع على مستوى المنطقة لم تتّضح بعد، وبالتالي هي تفضل الإنتظار على أمل مقايضته بملفٍّ آخر، وتتمنى أن تكون الإشارات التي أرسلتها الرياض مؤخراً، بعدم وجود "فيتو" على إسم "الجنرال" جدّية.

بالنسبة إلى هذه المصادر، لا يمكن أن ينتظر "المستقبل" أفضل من هذه المبادرة، ولا توافق الحديث عن أن أمين عام "حزب الله" يتصرف وكأنه الأمر الناهي في لبنان، وتوضح أن السيد نصرالله قدّم مبادرة كغيره من الأفرقاء لا أكثر ولا أقل، لكنها تشير إلى مفارقة هي بأن هذه المبادرة من المفترض أن تكون مقبولة من جميع المعنيين، على إعتبار أنها تكرس عدالة التمثيل بين مختلف المكوّنات، وتضيف: "هذا الأمر من الممكن أن يساهم في نقل الأزمة إلى داخل المؤسسات الدستورية، على عكس الإتّهامات الّتي وجهتها كتلة المستقبل"، وتسأل: "ما الذي ينتظره الحريري أكثر من ذلك؟"، لتجيب: "العقدة تكمن في قانون الإنتخاب الذي يريد الفريق الآخر منه تكريس الأغلبية النيابيّة الحالية لا عدالة التمثيل، في حين أنّ المطلوب البحث عمّا هو أفضل".

في الجانب المقابل، تُصرّ مصادر نيابيّة في كتلة "المستقبل"، عبر "النشرة"، على أنّ الحريري لا يمكن أن يقبل بتكريس السيد نصرالله مرشداً أعلى للجمهورية اللبنانية، وتشير إلى أن أمين عام "حزب الله" تصرّف على هذا الأساس في خطابه الأخير، في حين ان أيّ مبادرة كان من الممكن أن تطرح بطريقة أو بأخرى، وتؤكد بأن ما قُدِّم مرفوض بالشكل قبل أن يُبحث في المضمون، وتسأل: "كيف من الممكن تبرير أي موافقة على هذه المبادرة، بغض النظر عما إذا كانت تستحق البحث، خصوصاً أنها لا تحترم الحد الأدنى من الأصول الدستورية والقانونية"؟.

وفي حين تشدد هذه المصادر على رفضها الحديث عن أن الأمور كلها متوقفة على قانون الإنتخابات النيابية المقبلة، تؤكد بأن ليس لديها ثقة بما يطلقه "حزب الله" من مبادرات، وتذكّر بالإنقلاب الذي حصل على حكومة الحريري على خلفيّة ملفّ شهود الزور، من دون أن تتمّ معالجته من قبل الحكومة التي شكّلها الحزب بنفسه بعد ذلك، وترى أن ليس هناك ما يضمن الإستمرار بالمعادلة التي طرحها أمينه العام، أي رئيس الجمهورية مقابل رئيس الحكومة، في المرحلة المقبلة، وتضيف: "قوى الثامن من آذار قادرة على إسقاط أي رئيس حكومة متى تريد في حين نحن سنكون مضطرين على التعايش مع العماد عون 6 سنوات، مع كل ما يحمله هذا الخيار من تداعيات سلبية على البلاد".

من وجهة نظر هذه المصادر، المشكلة ليست شخصية مع رئيس تكتل "التغيير والإصلاح"، كما أنها لا تتعلّق بموقعه أو مواقفه، طالما أنه تم ترشيح رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجية من جانب تيارها السياسي، بل في إسلوبه "العدائي" ورغبته في الذهاب نحو مؤتمر تأسيسي يطيح باتّفاق الطائف، وتشدّد على أنه "لا يمكن تجاهل كل كلامه السابق، لا سيما عندما كان يتّهمنا بأننا من أنصار تنظيم "داعش" الإرهابي"، وتؤكد أنها لا يمكن ان تقبل بفرض رئيس عليها، وتدعو من يريد وصول العماد عون إلى قصر بعبدا إلى تأمين الأصوات له، وإلا الإنتقال في البحث إلى مرشح آخر، سواء كان النائب فرنجية أو شخصية ثالثة. في المحصلة، لم تنضج ظروف التسوية اللبنانية حتى الساعة، بالرغم من كل المشاورات والمبادرات التي تقدم بين الحين والآخر، حيث لا يزال العامل الإقليمي هو المانع الأول، خصوصاً في ظل العلاقات المتوترة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران، وبالتالي لا يمكن الرهان على أكثر من عمليات ربط نزاع.

مظاهر غياب العقل العربى ومهامه للحضور ..!

 
محمود كامل الكومى

افضل مارزق الله بة عبادة ومَن بة عليهم (العقل)-الذى هو الدعامة لجميع الاشياء ,والذى لا يقدر احد فى الدنياعلى اصلاح معيشتة ولا احراز نفع الا بة .

وكذلك طالب الآخرة,المجتهد بالعمل المنجى بة روحة, لايقدر على اتمام عملة,الا بالعقل,الذى هوسبب كل خير ومفتاح كل سعادة.

والعقل مكتسب بالتجارب والادب.
ولة غريزة مكنونة فى الانسان كامنة كالنارفى الحجر,لاتظهر ولايرى ضوئها حتى يقدحها قادح من الناس ,فاذا اُقدحت ظهرت طبيعتها.

وكذلك العقل كامن فى الانسان لايظهر حتى يظهرة الادب وتقوية التجارب.
ومن نتاج العقول يتشكل العقل الجمعى للمجتمع....

كان لابد من هذة التقدمة,,ونحن ندرك غياب العقل العربى فينا.
ولعل ابرز مظاهر غياب العقل العربى ..........

انة لايستطيع ان يفرق بين العدو والصديق,بل فى كثير من الاحيان يساهم العقل العربى المغيب ,فى تمرير مؤامرات الاعداء التى تُحاك ضد الامة العربية ..........

ويبدو العقل العربى (اليوم)ممثلا فى شعوبة وعلى الاقل نخبة, وكأنهم منقسمون على كل القضاياالرئيسية فى حياة الامم... فهم منقسمون :

1-على القيم الحاكمة لحياتهم 2-على رؤيتهم لتاريخهم 3-على علاقتهم بالخارج الثقافى والحضارى
4-على فهمهم لكليات دينهم ذاتة(الاسلام -خاصة).

ان صعود بعض تيارات الاسلام السياسى -ممثلة فى الاخوان المسلمين - وكذلك التيارات التكفيريه المنبثقه عن الوهابيه التى تأصلت فى حكم آل سعود وما نشأ عنها من تنظيمات جاهليه " القاعده وداعش والنصره وبيت المقدس وجند الشام وأحرار الشام , وما نتج عنها من نشر الفوضى والارهاب فى ربوع أمتنا العربيه .
يساهم الآن بدرجة اوبأخرى فى تغييب هذا العقل العربى .
فقد عملت هذة التيارات على ..
1- تأجيج الصراع والانقسام الداخليين فى البلد الواحد 2- تبنى تصورها الخاص للاسلام

3- اختزال دينا توحيدياعظيما ,الى مجرد خطاب وشعارات سياسية .

4-ادلجة الاسلام ,وتحويلة الى مجرد برنامج عمل سياسى .

5-تجربة الحكم فى السودان من قبل لم تكن مضيئة,وتجربة تونس ومصر,بداياتها متعثرة, ومقدماتها المبنية على الشعارات الكاذبة . وعدم تحقيق حد ادنى مما وعد بة ,لاتؤدى الى نتائج, لكنهاترسخ استغلال معاناة الشعب لتحقيق مكاسب الوصول للسلطة , دون انتشال التدنى فى العقل والوصول الى الرشد,,وهو ماساهم فى غياب العقل العربى بشكل او بأخر وحتى حينما انكشف زيفها وأنهار حكمها فى مصر وتونس , فأن ذلك لم يصب فى خانة تنوير العقل بسبب تأصيل الثأر بين أبناء البلد الواحد مما ساهم أكثر فى تغيب العقل وترديه .
—————
كان تغيب العقل العربى (ابتداءا)من احداث الفتنة الكبرى التى دارت ست سنوات وانتهت بقتل عثمان.
وخلال الخلافة الاموية والعباسية برز بعض من التجليات للعقل العربى , لكن كلها انتهت الى ضمورفى العقل العربى لسبب اولآخر.
وخلال القرن ال17 وبداية ال18 ,,دعا علماء ومصلحون كبار الى تحرير الدين مما علق بة من قيود التقليد والخرافة ..والى احياء الاجتهاد.

حتى كان القرن ال19 فكان قرن ازمة العقل العربى الاسلامى,وفية..
تراجعت الجيوش العثمانية
واحتل نابليون بونابرت مصر وسيطرت بريطانيا على عدن ثم مصر وسيطرت فرنسا على تونس والجزائر.
وهوماادى الى تراجعات شديدةنحو تقدم العقل العربى,,,,,,,,,,,,, صاحبها ,,

اختراق ثقافى (تمثل فى محاولات طمس الهوية , وفصل الحدود, والقضاء على اللغة العربية واستبدالها بلغات دول الاحتلال (دول شمال افريقيا),

ثم اختراق غربى واسع للاسواق العربيةعلى شواطىء المتوسط والخليج ,, مما دفع البعض من القائمين على الدول العربية الى اتخاذالقوانين والمؤسسات الاوربية مثالا لها,,وهو ما أدى الى تعزيز سلطة الدولة وسيطرتها على التعليم .
وكان هدف النظام التعليمى انتاج موظفين ,,مماساهم فى انحدار العقل العربى -لاعلماء تنتشل العقل العربى من الانحدار-
وقد استوردت الانظمة القانونية من الغرب كما هى ..واخذت طبقة العلماء فى الانحداروبدأ النظام الاخلاقى فى التراجع.
وسط دباجير الظلام هذة لاحت نقطة ضوء ,فترة من الزمن,ساعدت فى نمو العقل العربى واتقادة.

فاذا كنا فى البداية قد عرفنا العقل بانة لة غريزة كامنة فى الانسان لايرى ضوئها حتى يقدحها قادح من الناس,

فقد لاح فى الافق ذلك القادح . وظهر جمال عبد الناصر.حيث اخذت الفترة الناصرية من 1953 حتى1967 تساهم بشكل اوبأخر فى عودة الروح للعقل العربى .
فعرف العقل العربى طريقة نحو الصديق وعدائة للعدو ,
وساهم فى تعميق الانتماء العروبى , والنضال من اجل الوحدة,وانتشرت من القاهرةالبعثات والعلماء الى كافة انحاء الدول العربية من اجل الارتقاء الثقافى والادبى والعلمى بشعوبها
فنتج عن ذلك تنوير اضاء العقل العربى , ولو لبعض الوقت .
وصارت مصر والامة العربية,محط انظار العالم ,وفاعل يخشى منة.

وكانت النظرة الامبريالية قد استشاطت من هذا النمو للعقل العربى.

1 فنفذت مؤامرة عدوان 1967 على مصر والاردن وسوريا , وهو ما اعاد العقل العربى الى ضمورة من جديد.

2 وفرضت معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية (السادات -بيجين)ثم وادى عربه بين (النظام الأردن واسرائيل ) وأتفاقية أوسلو (عرفات أسرائيل )التى أدت جميعها الى تبعية العقل العربى من جديد لقوى الاستغلال الامبريالى.
3 وأخيراً فرضت الأمبرياليه والصهيونيه على دول الخليج تكوين مجلس التعاون الخليجى ليكون آليتها لتدمير الجامعه العربيه وهو ما تحقق الآن لتواصل تلك الآليه تفتيت الدول العربيه فى العراق وسوريا واليمن وليبيا بتمويل كل الحركات الأرهابيه تحقيقا للأمن الصهيونى , وهنا يكون العقل وقد تفتت هو الآخر .
4 أنشاء قناة الجزيره القطريه التى ساهمت فى أصابة العقل العربى بالسرطان الفكرى وغدت الديماجوجيه تحوم حول للفكر فتشيطنه 5 نقل مراكزالتنوير الفكرى من القاهره ودمشق وبيروت وبغداد حيث الثابت مدى اشعاعاتها الفكريه التى تنير العقل العربى على مدى التاريخ ,الى دبى وابو ظبى والدوحه حيث الثابت مدى سيطرة الموساد الصهيونى وال C I A على هذه المراكز وجعلها طريق العقل العربى الى الغياب .
6 مشاركة بعض المحسوبين ععلى الفكر العربى وكذلك الشخصيات الرسميه العربيه مؤتمرات الصهيونيه التى تعقدها سواء خارج فلسطين المحتله وعلى ارض فلسطين وأخرها :أنعقاد مؤتمر فى هرتسيليا ً تحت عنوان " نحو بلورة استراتيجية صهيونية للمناعة ا لقوميه "
المشاركون :عرب من الخليج خاصة قطر"سلمان الشيخ،" مدير سابق لمركز بروكينجز الدوحة، والسعوديه ضمت قائمة المشاركين كذلك سفيرى مصر والأردن لدى الصهاينه وعضو من اللجنه التنفيذيه لمنظمة التحرير الفلسطينيه .. وكذلك ممثل مايسمى بالجيش السورى الحر عصام زيتون " وهو شىء طبيعى للأخير كعميل ينفذ سياسة أسرائيل فى تفتيت سوريا "..
ورياض خوري، أستاذ جامعي أردني،
الهدف : أمن أسرائيل القومى بتقويض الأمن القومى العربى وأشعال النار فى ربوع الدول العربيه من اجل القضاء نهائيا على فكرة الوحده العربيه وانهاء القوميه العربيه .

وهو ماادى الى ماوصلنا الية اليوم من غياب الرؤى ,وتعامى العقل العربى عن المفاضلة بين العدو والصديق.

بل ان الامر وصل الى حد تفضيل العدو على الصديق والادهى انة ساهم فى نجاح مؤامرات الاعداء لتفتيت الامة العربية,(كما حدث للعراق وليبيا , وما يبغون لة ان يحدث فى سوريا واليمن ).

والسؤال الآن..أليس من قادح يقدح النارالكامنة فى العقل العربى حتى يرى ضوئها وتظهر طبيعتها؟؟
يرى د|محمد عابد الجابرى(نقد العقل العربى -3 )

انة يجب الا ينسينا ذلك ((النموذج الامثل ))الذى برزت كثير من ملامحة خلال الدعوة المحمدية, لقد رفض النبى (ص)مرارا ان يسمى ملكا اورئيسا ..محددا هويتة بأنة نبيا رسولا لاغير.
وان اتباعة لم يكونوا ينظرون الى انفسهم ولم تكن قريش تنظر اليهم (على انهم مرؤسون محكومون)
بل كانوا يسمون انفسهم وكان العرب يسميهم (اصحاب محمد او صحابتة).

وقد رسم القرآن الاسس التى تبنى عليها هذة الصحبة ,فذكر منها الشورى.

فكان اسلام عهد النبوة (نموذج مفتوح)بمعنى انة يقبل اضافات كثيرة مختلفة ومتباينة.
ومع ذلك فان اعتبار هذة المعالم الاربعة ..
1-وامرهم شورى بينهم 2-وشاورهم فى الامر 3-انتم ادرى بشئون دنياكم4-كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيتة , كضوابط موجهة او كأصول تأسيسية,تسد الباب امام جميع انواع التسلط والاستبداد

واذا كان العاقل هو من يبلغ بحيلتة مالايبلغ بالخيل والجنود .

فان مهام العقل العربى تتجلى فى..

1-تحويل القبيلة فى مجتمعنا ..الى تنظيم سياسى اجتماعى(احزاب ,نقابات ,مؤسسات دستورية ) ,أى بناء مجتمع فية تمايز واضح بين المجتمع السياسى (الدولة واجهزتها)والمجتمع المدنى (التنظيمات المستقلة) , مما يؤدى الى فتح الباب لقيام مجال سياسى حقيقى يتم فية صنع القرار-ويقوم فاصلا وواصلا-بين سلطة الحاكم و امتثال المحكوم.
واذا كان هذا التحول يتم عبر تطور اجتماعى ,سياسى ,ثقافى ........اِلا أن هذا لايلغى دور العقل والممارسة .
2-تحوبل الاقتصاد الريعى الى اقتصاد انتاجى .

ان التكامل الاقتصادى الاقليمى ,وفى اطار سوق عربية مشتركة تفسح المجال لقيام وحدة اقتصادية بين الاقطار العربية..........هو الاساس الضرورى لتنمية عربية مستقلة, وهذا يتطلب التصدى للآليات الصهيونيه التى أُنشئت لغزو العقل العربى وتفتيت بنيان الأمه العربيه " مثل مجلس التعاون الخليجى وكافة القنوات الفضائيه الخليجيه المموله بالبترودولار", وفى العموم التصدى للرجعيه العربيه وعدم الأمان لها على الأطلاق بأعتبارها عميلة الأستعمار والصهيونيه , والفاعله على تدمير العقل الجمعى للشعب العربى ونشر اللاوعى .

3-تحويل العقيدة الى مجرد رأى.
وهذا معناة التحرر من سلطة عقل الطائفة ,,والتعامل بعقل اجتهادى نقدى, فالفكر العربى مطالب الآن اكثرمن اى وقت مضى بنقد المجتمع ونقد العقل .
وبدون ممارسة ذلك بروح علمية سيبقى كل حديث عن النهضة ووحدة الوطن العربى اضغاث احلام.

فهل من يحول الحلم الى حقيقة؟,ويقدح الغريزة المكنونة فى الانسان العربى (العقل)حتى يرى ضوئها ويظهرطبيعتها .

القدس والمقدسات في خطر


فؤاد دبـور

القدس، مدينة عربية المنشأ والطابع والهوية منذ فجر التاريخ، ثم أصبحت عربية إسلامية منذ البيعة العمرية عام 637م، وهي رمز حضاري وديني مقدس عند المسلمين والمسيحيين حيث المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومكان نهاية إسراء الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وانطلاق معراجه إلى السماء وفيها مسجد عمر، مثلما توجد فيها كنيسة القيامة المقدسة، هذه حقائق تاريخية مجسدة على ارض الواقع تدحض مزاعم اليهود والصهاينة وتوراتهم المزيفة.

وقع الجزء الغربي من القدس تحت الاحتلال الصهيوني في أيار عام 1948م حيث استولت عليها العصابات اليهودية المسلحة وأقدم الصهاينة على تهويد هذا الجزء وضمه للكيان الصهيوني خلافا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية .

ثم وقع الجزء الشرقي من المدينة المقدسة في قبضة الاحتلال الصهيوني اثر عدوان الخامس من حزيران عام 1967، وبذلك أصبحت المدينة كاملة تحت الاحتلال الصهيوني وكان هذا حلماً طالما سعت الحركة الصهيونية وقادتها لتحقيقه، منذ انعقاد مؤتمرها المنظم الأول عام 1897 بقيادة الصهيوني ثيودور هيرتزل الذي قال، إذا ما وقعت القدس تحت الاحتلال في حياتي فسوف احرق كل ما هو ليس يهوديا فيها. اما ديفيد بن غوريون فقد قال (لا معنى “لإسرائيل” بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل)

ولم تمر سوى أيام، بعد احتلال الجزء الشرقي من المدينة، وبالتحديد في الحادي عشر من حزيران 1967م أي بعد خمسة أيام فقط من احتلال الضفة الغربية حتى بدأت عمليات تهويد القدس عبر إصدار الحكومات المتعاقبة قرارات استيطان المدينة وضواحيها وفي السابع والعشرين من حزيران عام 1967م اصدر الكنيست الصهيوني قرارا أعطى حكومة الكيان الصهيوني حق ضم الجزء الشرقي من المدينة إلى الكيان الصهيوني بمعنى ان احتلال الجزء الشرقي من المدينة قد شكل انعطافا هاما في الواقع السياسي والجغرافي والديموغرافي لها حيث أخذت سلطات الاحتلال الصهيوني تعمل وبشكل مكثف على مضايقة السكان العرب المقادسة من أجل إجبارهم على الرحيل عن منازلهم ومدينتهم ليحل مكانهم المهاجرون اليهود، كما أقدمت هذه السلطات على بناء أحياء يهودية في المدينة على حساب المنازل العربية حيث اقدمت هذه السلطات على هدم العديد منها، كما استولت على مساحات واسعة من أراضيها وأقامت عليها مستعمرات استيطانية من أجل تطويقها وعزلها عن بقية المدن والقرى العربية وتشديد القبضة الصهيونية عليها في محاولة لطمس هويتها العربية والإسلامية تهيئة لتهويدها وجعلها عاصمة موحدة للكيان الصهيوني وأصبحت القدس محورا للصراع بين الصهاينة والفلسطينيين الذين قدموا قوافل الشهداء من أجل الدفاع عن القدس ومقدساتها وما زالوا، فالقدس تحتل مكانة خاصة عند شعب فلسطين مثلما هي محط اهتمام العرب والمسلمين وكذلك المسيحيين وهذا الاهتمام نابع من المكانة التي تمثلها المدينة المقدسة.

ان ما تعرضت وتتعرض له مدينة القدس من إجراءات صهيونية يشكل جزءا من عملية إبادة للسكان العرب حيث ترتكب المجازر والمذابح ويتم التهجير القسري للمواطنين العرب مقدمة لتهويد المدينة مثلما يتم الاعتداء على المقدسات والتراث الحضاري والديني، وإذا كانت قضية الصراع حول مدينة القدس مع الصهاينة يشكل محورا ومرتكزا أساسيا لدى شعب فلسطين الذي انتفض من اجل القدس وقاوم وضحى، ولا يزال، فإن قضية القدس تتجاوز كونها قضية فلسطينية، لأنها في حقيقة الأمر قضية عربية إسلامية ومسيحية وهي من حيث جوهرها تشكل سببا هاما من أسباب الصراع الرئيسية على المستويات السياسية والحضارية والتاريخية والدينية والاجتماعية والاقتصادية.

كما انها تحمل من المنظور الصهيوني أبعادا تاريخية ودينية كما يدّعون مما يجعلها تدخل دائرة الصراع السياسي والديمقراطي والاقتصادي والعسكري، بمعنى ان المدينة المقدسة وفقا للأساطير اليهودية تأخذ أبعادا متداخلة دينية وسياسية .

تأتي التحركات الصهيونية التلمودية التي تشهدها مدينة القدس العربية هذه الايام والتي استهدفت المقدسات الإسلامية والمسيحية وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك اثر إقدام الصهاينة على تدنيس المسجد الاقصى واستهدافه عبر الحفريات وكذلك التوسع في بناء المستعمرات الاستيطانية التي تحيط بها وكذلك المستعمرات الاستيطانية المنتشرة في مساحات واسعة من الضفة الغربية وتلك التي تخطط حكومة الإرهابي نتنياهو لاقامتها مما يشكل على المدينة خطرا كبيرا وعلى حقوق الشعب العربي الفلسطيني في أرضه ووطنه ومدنه وقراه حيث يصبح المواطنون الفلسطينيون في الأرض المحتلة عام 1948م مجرد سكان (جالية) يخرجهم الصهاينة منها متى يريدون مثلما إن هذا العمل يقضي على حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي أكدته هيئة الأمم المتحدة في قرارها رقم 194 الصادر عام 1948، والذي يعتبره أبناء فلسطين في أولوية حقوقهم ويمهد لتهويد فلسطين لتصبح “دولة يهودية”.

وهذا ما تسعى الإدارة الأمريكية على انجازه، وتأتي هذه الممارسات الصهيونية في ظل ما يجري في سورية من أحداث وبعد أن أقدمت “جامعة الدول العربية” على تجميد عضوية سورية.

المدينة المقدسة مدينة عربية وإسلامية مما يجعلنا نؤكد على مسؤولية كافة العرب والمسلمين في شتى أنحاء الأرض ويحتم عليهم الحفاظ على هويتها العربية والإسلامية وشرعيتها التاريخية وعدم التخلي عنها مهما بلغت التضحيات خاصة وإنها حاضنة لمقدساتهم، ويجب عدم تحميل الفلسطينيين فقط مسؤولية الدفاع عن القدس والمقدسات حيث يؤدون واجبهم الوطني والقومي والديني.

ان القدس هذه الأيام تتعرض لأفدح الأخطار فهل يتجه العرب والمسلمون باتجاه القدس لوقف العدوان الصهيوني عليها وعلى مقدساتها وخاصة المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة؟ وتحريرها بالقوة والقوة فقط، نعم لا تعود المدينة المقدسة إلى أهلها وأصحابها الشرعيين إلا بالدم.

لا بد لنا وان نذكر لمن تنفعه الذكرى بأن الحقد الصهيوني قد نفث نارا حارقة للمسجد الاقصى يوم 21/8/1969 وما زالت هذه الاحقاد الصهيونية تنفث عدوانها للقدس والمقدسات وفلسطين وشعبها والامة العربية جمعاء بأشكال متعددة تدعمها في ذلك الادارات الامريكية والعصابات الارهابية المصنوعة في دهاليز السياسات الامريكية والصهيونية حيث يتم توجيهها لاستنزاف القوى العربية المقاومة في سورية ولبنان والعراق واليمن ومصر واقطار عربية اخرى.

تدفع انظمة عربية مليارات الدولارات لتحقيق هدف التدمير والقتل والاستنزاف لقوى المقاومة في الوقت الذي تبخل هذه الانظمة على القدس ومقدساتها وفلسطين وشعبها حتى ولو بدولار واحد.

مثلما نذكر ونؤكد على استمرار الصهاينة في ارتكاب المجازر والقتل والتدمير في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية والعربية في سورية ولبنان مما يشكل مخاطر كارثية على فلسطين والعرب، كما نؤكد على تضامن العرب المخلصين المقاومين مع شعب فلسطين العربية وكل قطر عربي يتعرض للمؤامرات الامريكية الصهيونية بسبب وقوفه مع فلسطين وشعبها في مواجهة المشاريع الصهيونية والامريكية وكذلك نؤكد على صوغ استراتيجية عسكرية واعلامية عربية مقاومة موحدة كطريق وحيد لتحرير الارض والانتصار على العدوان الامريكي- الصهيوني الذي يستهدف كل اقطار الامة العربية وعلى الذين يطبعون مع الكيان الصهيوني ان يدركوا ابعاد اطماع هذا العدو في الوطن العربي ارضا وثروة واستقلال وسيادة وهذا ما ظهر ويظهر من مشاريع تقسيم اقطار الامة دون استثناء.

رثاء جمال عبد الناصر في الشعر الفلسطيني - دراسة


زاهر محمد الجوهر حنني

" كثيرون مروا على هذا التراب، ولكن قليلون هم الذين تركوا آثارا تدل على عظمة من مروا فوقه ".

مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله النبي العربي الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن صفحات كثيرة في تاريخنا العربي بكل محتوياتها ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث، لعل رثاء جمال عبد الناصر وصورته في الشعر الفلسطيني، واحدة من تلك الصفحات التي لم تفتح بعد. وقد آن الأوان لهذا الفتح، الذي أعده بداية للبحث في هذا المضمار وليس خاتمة له، ولدى قراءة الشعر الفلسطيني نلاحظ بروز ظاهرة رثاء القادة في كل أوان، الأمر الذي يدعو إلى الكشف عن هذه الظاهرة وتجلياتها، ودلالاتها.

ظلت القضية الفلسطينية طوال القرن المنصرم مركزا لهموم الأمة العربية والإسلامية على حد سواء، فقد امتطى صهوة هذه القضية كل القادة دون استثناء، فمنهم من كان صادقا وحاول العمل من أجل تخليص الفلسطينيين والعرب من هموم المحتل والمعاناة تحت سطوته، فناضل من أجل فلسطين وقضيتها، وقضى في سبيلها، ومنهم من اتخذها مطية يصل إلى أهداف شخصية من خلالها، فكان كاذبا في ادعائه بأنه يعمل من أجل تخليص الفلسطينيين من الاحتلال البغيض، ومنهم من لم يستطع فعل شيء من أجلها ولم يحاول إلا بالكلام.

جمال عبد الناصر واحد من القادة العرب الذين حاولوا النهوض بالحالة العربية من العجز والهوان إلى مصاف الأمم المتحررة، فوقفت كل قوى الشر أمام تطلعاته التي ظل يرنو لتحقيقها حتى وفاته، وقد اختلفت الآراء حول مدى صدقه في ما كان يقوله ويفعله من أجل الأمة وتحررها وفلسطين وأهلها، فذهب بعضهم إلى أنه كان دكتاتوريا ظالما لم يعمل إلا من أجل تحقيق مصالح شخصية وتطلعات فردية وآمال العظمة الذاتية، وذهب آخرون إلى أنه كان صادقا في كل ما يقوله ويفعله من أجل الأمة وقضاياها المصيرية.
في الشعر الفلسطيني لم أقرأ لشاعر واحد قصيدة تقول أنه لم يكن صادقا، والشعر تعبير عن حالة شعورية في واحدة من صوره وهمومه، فكان في الشعر الفلسطيني فارسا وقائدا ومجاهدا وشهيدا وبطلا ومقداما ومخلصا. وقد يقول قائل: إن العرب اعتادوا على ذكر محاسن موتاهم، فلا يذكرون المتوفى إلا في خير. وفي هذه الحالة أقول: لا يمكن أن يجتمع الجميع على خطأ.

لهذا كان هذا البحث في ثلاثة أقسام؛ تناول القسم الأول منها صورة جمال عبد الناصر في عناوين القصائد، التي أضاءت م
ساحة واسعة من المكانة التي حظي به عند الشعراء. وجاء القسم الثاني متحدثا عن مطالع القصائد التي أضاءت مساحة أخرى عبرت عن لحظة المفاجأة ولحظة الصدمة الأولى لخبر الموت، واللمحة الأولى لصورة عبد الناصر في أذهان الشعراء. وربما يجد بعضهم هذا التقسيم غريبا في البحث ولكنني أتحدث عن صورة اكتملت بإضاءات مرحلية أجدها استدعت هذه الطريقة في العرض والدراسة.
أما القسم الثالث فقد عرضت فيه صورا في مضامين قصائد هؤلاء الشعراء، مسبوقا بإيضاح لرؤى مختلفة حول الصورة الفنية، ثم أوضحت أن ذلك الجزء من البحث اعتمد على ما يقارب الدراسة الانطباعية، تبعا لأهمية ذلك في هذا الجزء من البحث.

وقد تناولت الدراسة تسعة نصوص من بين مجموعة كبيرة في رثاء القائد جمال عبد الناصر، رأيت فيها معبرا واضحا عن الشعر الفلسطيني، فهي نصوص لعدد من كبار الشعراء الفلسطينيين، وهم معين بسيسو، سميح القاسم، هارون هاشم رشيد، فدوى طوقان، محمود درويش، توفيق الحاج.

ولما كانت القصائد في الرثاء فقد رأيت أن المنهج الشخصي القريب من الانطباعية هو الأفضل لاستخدامه في هذا البحث، فمحاكمة النصوص على أساس غير هذا لا يليق بقصائد قيلت في لحظة سيطر فيها هم الموت والفقد والمشاعر الإنسانية على الشعراء.
راجيا المولى تعالى أن أكون قد وفقت لما فيه الخير، وأن يكون هذا البحث فتحا فيه جدة وإضاءات مفيدة للباحثين.

والله الموفق
أولا- في عناوين القصائد
لم يشغل جمال عبد الناصر السياسيين وحدهم، ولو كان كذلك لظل رجل سياسة وحسب، كذلك فإنه خرج من دائرة القيادة الضيقة إلى الجماهير العريضة التي هتفت له ومعه طوال عشرين سنة، فاستقر في أذهان الناس جميعا عربا ومسلمين وغيرهم قائدا وفارسا وطنيا قوميا أمميا، استحق أن يتربع على عرش فوق قصائد الشعراء[1]، فكانت قصيدة الشاعر معين بسيسو تحت صورة عبد الناصر لا تحته. فهذا القائد الأسمر – كما دأب الناس على تسميته – برغم انتقاله من حياتنا الدنيا إلى حياة أخرى، إلا أنه ظل محفورا كصورة في أذهان الناس ومنهم الشعراء، وتلك الصورة محلقة في علو مهما بلغ ارتفاع تحليق خيال الشعراء يظل تحت ذلك العلو، ولا يبلغه، وإذا كانت صورته قد بلغت تلك المرتبة العالية التي لا يبلغها خيال الشاعر مهما حلق في فضاء الموجود واللاموجود، فإن صاحب الصورة في مرتبة أعلى وأسمى وأعز وأجل. وظلت القصيدة عند معين بسيسو تحت جمال عبد الناصر وتحت صورته. وهذه الدلالة في عنوان القصيدة تلتقي مع دلالة أخرى أعمق غورا وأكثر بعدا في رؤيا بسيسو في قصيدته (رسالة في زجاجة إلى جمال عبد الناصر)[2] فبعدما كانت قصيدة صارت رسالة، والرسالة ينبغي أن تحمل أخبارا من المرسِل إلى المرسَل إليه، وهي تشير في مجمل الأحوال إلى التواصل المعنوي في أقل تقدير، ولا يتواصل فرد مع آخر إلا إذا كانت بينهما علاقة (رسمية أو شخصية) والعلاقة العامة التي نسجها عبد الناصر مع جماهيره جعلت كل عربي يشعر بأن له علاقة خاصة معه، أما لماذا في زجاجة؟ فمع أن الأمر منوط بالشاعر أولا إلا أن ذلك يشير إلى الخصوصية التي يحتلها المرسل إليه عند المرسل، فالزجاجة عازل جيد لما بداخلها عما بخارجها، وعليه يظل مضمون الرسالة محفوظا بطريقة لا يمكن أن يؤثر ما هو خارجها على ما بداخلها. وكأن الشاعر أراد أن يقول أن رسائل الفلسطينيين أو العرب أو رسائل الإنسان في كل مكان إلى عبد الناصر مهما حاول بعض الناس أن يغيروا محتواها تظل محفوظة ولا يؤثر ما يقولونه في تاريخه النضالي. ويدلل على ذلك مضمون القصيدة نفسها. وفي قصيدة ثالثة يتأكد المعنى والإحساس نفسه عند الشاعر عندما يضع عنوانا لقصيدته (شهرزاد وفارس الأمل –جمال عبد الناصر-)[3] أهي مصر حلم الفارس أم فلسطين أم الأمة كلها يمكن أن تكون شهرزاد؟ كل ذلك يمكن أن يكون صحيحا، فالفارس عبد الناصر (شهريار) يبحث عن شهرزاده لا التي تسامره حتى يأتي الصباح فتسكت عن الكلام المباح، بل تلك التي يحلم بلقائها، لأنه الفارس الذي يتطلع إلى تحقيق الأمل، والأمل مرتبط في كل مرة بتطلع إنساني أرحب يتجاوز حدود الفردية والشخصية إلى الجماعية وهمومها الواحدة، حتى صارت كأنها شهرزاد وصار الجميع كأنهم شهريار، ممثلين في الفارس (فارس الأمل) الذي يتطلع الجميع إليه محققا لتطلعاتهم التي يعجز عن تحقيقها الإنسان العادي، وهي بحاجة إلى فارس يمتلك كفاءات خاصة، وليس ذاك إلا جمال عبد الناصر.

أما الشاعر سميح القاسم فقد اتخذت دلالات العنوان عنده منحى آخر[4]، أقرب إلى الوجد الصوفي، عندما يتوحد الشاعر مع ذاته محلقا في أجواء دينية ترسخت في أعماقه بالاعتقاد والتقادم، وفي ظلال تلك الأجواء يبدأ الشاعر أمام الموت بالبحث في الذاكرة عن مكنونات لم تبارحه ولم يبارحها، فيستحضر ما تيسر من تلك الدلالات. وإذا كانت كلمة (سورة) مرتبطة في ذهن الشاعر وفي أذهاننا أيضا بسور القرآن الكريم ودلالاتها الدينية التي تعكس جانبا من الاعتقاد بها، فإن القرآن الكريم لم يحتو سورة بعنوان (سورة الموت) لكنه أكدها في كثير من الآيات الكريمة الواردة فيه. وإن لم يفرد لها سورة خاصة، سميح القاسم أراد أن يقول إن الموت حق وكأنه مثلما هي سور القرآن الكريم حق، وعقيدة التوحيد التي يؤمن بها سميح القاسم تقر بهذا المعنى، كذلك أراد أن يبين بعض جوانب متعلقة بهذا الاعتقاد، الأمر الذي لم يتناوله بهذا الوضوح في القصيدة، وإنما راح يستعرض صور الحياة التي عندما تتوقف يستدعي بعضها البكاء دون إرادة، فالحياة مرتبطة بالعطاء، وبالموت يتوقف ذلك العطاء.

الشاعر هارون هاشم رشيد الذي تميزت قصيدته (شهيد الفداء)[5] بالمباشرة أكثر من غيرها، عبر عن نبض عام عند العرب عموما يمثل الاعتزاز الكبير بتاريخ هذا الرجل الزعيم القائد، فجعله مع الشهداء، ومعروف أن الشهداء ثلاثة؛ شهيد دنيا وشهيد آخرة وشهيد دنيا وآخرة.وعليه يحق للشاعر أن يعتقد في هذا ما يشاء، وأن يحتسب الإنسان الذي يحبه شهيدا عند الله – تعالى – والله أعلم بذلك، فالشاعر رشيد اعتقد ذلك عندما ربط بين الشهيد والفداء، فإذا كان الشهيد من قتل مدافعا عن دينه أو ماله أو عرضه أو... فإن الفداء يرتبط بهذه الأمور جميعها لأنه يرتبط بالدفاع. وعبد الناصر كان مدافعا عن الإنسان وإنسانيته بكل معاني الدفاع وأنواعه، الأمر الذي يجعله من أهل الفداء، وأن يقضي بالطريقة التي أثارت كثيرا من الشكوك يجعل الناس يعتقدون باستشهاده وهذا من حقهم، ليكون شهيدا للفداء. وقد ربط الشاعر عنوان القصيدة بمضمونها الذي حمل بعضا من هذه المعاني وغيرها.

أما الشاعرة فدوى طوقان فقد كانت لها رؤية أخرى في الأمر، إذ اعتقدت غير ما اعتقده هارون هاشم رشيد، فلفظ (مرثية)[6] يحمل معنى الاعتقاد بالموت لا الشهادة، لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، أما الموتى فهم غير ذلك. ومع هذا فلم تقلل فدوى طوقان من شأن عبد الناصر لأنها ربطت المرثية بالفارس، والفارس وإن كان اللفظ ومعناه استخدمه الشاعر معين بسيسو رابطا إياه بالأمل (فارس الأمل) فإن طوقان حملت قصيدتها معنى الفروسية المرتبطة بالبطولة والفداء، من خلال استعراض صفحات من التاريخ ترتبط في أجزاء منها بالبطل عبد الناصر، إذ قسمت القصيدة إلى أربعة أقسام ووضعت لها عنوانين جانبيين، هما (أيلول والفادي)، ويبدو جليا أن قصيدتها هذه جاءت بأثر الفاجعة التي أصيبت بها بموت جمال عبد الناصر.

إذا كانت الألوان تحمل دلالات عامة في العادة، فإن لها دلالات خاصة في كل مرة عند محمود درويش، وهذه المرة يصف عبد الناصر بالرجل[7] لأن الرجولة لها دلالات ومواصفات خاصة عند العربي فلا يوصف المرء بالرجولة إلا إذا تحققت فيه تلك المواصفات، وعبد الناصر رجل لأنه يحمل معاني الرجولة كلها، وهو ذو الظل الأخضر، والظل هو أثر وقوف المرء بين الضوء والسطح الذي يتكون عليه، وهو دائما يبدو أسود أو بدرجة من درجاته، ولا يمكن أن يكون ملونا، حتى لو كان الضوء نفسه كذلك، وهذا يعني أن درويشا وصف ظل الرجل كما هو في نفسه لا كما في الواقع، واللون الأخضر يترك في العادة انعكاسا إيجابيا في النفوس، ويكاد يكون كذلك عند جميع الأمم. هذا من جانب أما من جانب آخر إذا كان ظل الرجل أخضر في نفس الشاعر فكيف يكون الرجل نفسه؟! إنه أكثر من ذلك بكثير، إنه حياة بكل إيجابياتها، وعطاء بكل تجلياته، وفداء بكل معانيه، وخلود في كل زمان ومكان. وهذه المعاني جميعها نقرأها في النص نفسه وليس في العنوان وحده.

(صلاة أخرى.. و..موت أخير)[8]، هو عنوان قصيدة الشاعر توفيق الحاج في الذكرى العاشرة لرحيل (الأب المعلم) جمال عبد الناصر –كما كتب تحت العنوان مباشرة-، أي صلاة أعمق من صلاة في حضرة الحاضر الغائب الذي تمر عشر سنوات على رحيله وما زالت الصلاة في حضرة ذكراه تستدعي موتا أخيرا وكأنه آخر من تبقى من العرب ممن يستحقون الحياة، وكأنه العربي الذي في حضوره حضور وفي غيابه غياب، بل موت، وموت أخير بجزم هكذا..، فالصلاة أخرى بينما الموت أخير، وبين الآخر والأخير فرق كبير، كالفرق بين حضور عبد الناصر وغيابه.

وعليه فإن جمال عبد الناصر حلق في ضمائر الشعراء الفلسطينيين إلى مكانة غير مسبوقة في عصرنا هذا، قائدا فوق الشعر كله، يتواصل الشعراء معه على الرغم من انتقاله من عالمنا إلى عالم آخر، فارس الأمل شهريار الباحث عن شهرزاد الوطن والأمة، الذي قضى لأن الموت حق على كل البشر، وترك لنا عملا كثيرا علينا أن ننجزه، وهو شهيد الفداء، الذي لم يحتمل الناس ومنهم الشعراء فراقه، لأنه الرجل المضحي الذي توقف لون تضحياته بقضائه، ففي حضرته وغيابه صلاة أخرى من نوع آخر، وفي موته غياب أخير عن هموم هذا العالم؛ عالم الحياة الدنيا.

ثانيا- مطالع القصائد
لا يختصر معين بسيسو مصر كلها في طفل من (بولاق)، وإنما أراد لكل مصر أن تكون كذلك الطفل الذي يرفع صورة قائد مصر، ويحمل فوق الأعناق، وفي قوله لا يعرف أين يسير تعبير يحتمل تأويلات كثيرة أبرزها ربما أن هذا الطفل ليس الوحيد - بدليل تنكيره- الذي يريد أن يصل إلى تطلعات الأطفال جميعهم في مصر والوطن العربي، تلك التطلعات التي حماها عبد الناصر وعمل من أجل تحقيقها ، وعليه يكون هذا الطفل هو أطفال العرب جميعا، أو رمز لهم. وهذا المطلع يفتح النص على تأويلات كثيرة لكنها تظل في إطار رؤيتنا قابلة للتحديد، يقول[9] :
هى ذى مصر ...
طفل من "بولاق" ...
محمول فوق الأعناق ...
يرفع "صورتك" ، ولا يعرف أين يسير
ويرادف هذه المعاني معنى آخر في مطلع قصيدته الثانية (رسالة في ....) التي تبدو منذ الوهلة الأولى وكأنها دفاع عن عبد الناصر الذي تعرض لكثير من الطعن في الخاصرة، وبشيء من الجزم أنه شهيد الفقراء والشعراء، الأمر الذي يجعله شهيد الغالبية العظمى من أبناء الأمة، إذ يبدأ الشاعر قصيدته بقوله[10]:
سقط شهيـداً
كى يستبدل أحـد الفقراء
رغيفا بجريـدةْ
كى نكتب نحن الشعـراء التعساء
قصـيدةْ ...
ولفظ الفقراء يحملنا على تأويل الرؤية الطبقية للمجتمعات، ولكن الشاعر في لفظ الشعراء لم يترك لنا مجالا للتأويل؛ إذ وصفهم بالتعساء مقدما، ليسد الباب علينا. أما في قصيدته (شهرزاد وفارس الأمل....) فقد صار شهريار أبا الليالي، ويقدم روحه على النطع أمام السياف فداء لشهرزاد الحلم والأمل والتطلع العربي، وشهرزاد هذه ليست شهرزاد الحكاية، بل هي حكاية خاصة وفيها جراح خاصة أيضا، لا تحتمل مطلقا أن تكون هي الحكاية، يقول[11]:
يا شهـر زاد ـ
على جناح السيف كان "أبـو الليالي" شهريار
يهوى إليك وفى الـركاب
النطـع والسياف ـ
يا أم الليالـى والحكايةْ
غير الحكاية والجـراح
غير الجـراح
أما سميح القاسم فيقسم قصيدته ( ما تيسر من سورة الموت) إلى قسمين الأول تحت "عنوان تهليلة لأجمل الجياد"، والثاني تحت عنوان "مصارع الرجال"، يفتتح القسم الأول بمفارقة فنية فيها رؤيا فلسطينية نابعة من واقع المأساة الفلسطينية فالرقص وعرس الموت ضدان لا يجتمعان إلا في حالة كالفلسطينية، والفلسطيني مرهق من تكرار هذه الحالة، إنه يعيش الحياة رغما عن الموت الذي يحاول أن يصبغ التفاصيل الكثيرة، ويصير الرقص موحيا بتحد غير مسبوق للموت الذي يمتد الآن أعواما على أعوام عندما يستشهد عبد الناصر ولما يتحقق الحلم، فعبد الناصر سيد لا يشبهه السادة إنه قادم من الأحلام، وهذا تصريح واضح أن الحلم الذي ارتبط بعبد الناصر هو حلم الشعب الفلسطيني والأمة كلها،وقوله[12]:
أرهقني الرقص .. وعرس الموت
يمتد أعواماً على أعوام ،
خوفي ، يمر الوقت
ولم أعانق سيدي الآتي من الأحلام
يتعانق مع قوله في مطلع القسم الثاني:
وجهي إلى كل جهات الأرض
مجللاً بالنار
وجهي إلى الأعالي
وجهي إلى الأغوار
وفى جراحي تكبر الأزهار
وصية الميلاد ملء جبهتي
ملء فمي ورئتي
فالعفو ، إن سال دمى .. سال على الأوتار
أبكيك لكن واقفاً
وصامداً وزاحفاً

فيشكلان حالة واحدة تكاد تكون الحالة الفلسطينية الناصرية – إن جاز التعبير- ففي عرس الموت لا يكون رقص وإنما يكون بكاء الأمر الذي لا نقرأه في مطلع القسم الأول ونقرأه في مطلع القسم الثاني، ليلتقي المطلعان ويشكلان حالة من التكامل في الرؤيا، قلما نجدها عند شاعر، إلا أنها عند القاسم تتخذ بعدا فكريا شخصيا أقرب إلى توحيده بالبعد الوطني القومي الذي لا يجد القاسم مندوحة من توحيده في بوتقة واحدة في الجانب الفكري وهذا انعكاس لفكر القاسم.
ويرفد هذه الفكرة ويؤكدها مطلع قصيدة الشاعر هارون هاشم رشيد، إذ يعلن فيها منذ البداية عن تلك الآمال التي يتطلع لتحقيقها العرب وفي مقدمتهم الفلسطينيون، فقد كان الفلسطينيون يتطلعون إلى تحقيق النصر على يد القائد جمال عبد الناصر، حبيب الأمة الذي يمضي بها إلى شاطئ تحقيق الآمال، في وقت علقت الأمة كلها من المحيط إلى الخليج لآمالها على هذا القائد الذي لا يتكرر كثيرا في التاريخ، فهو الذي يحمل عبء الأمة كلها بصبر، ولم يأبه لأي نوع من أنواع الأعداء مهما كانوا سيئين، ومهما تلونوا وكثرت أعدادهم ، ومهما كانت مواصفاتهم السيئة، فأنت برغمهم جميعا بقيت فارسنا ورائدنا ليوم جولة الحق التي سننتصر فيها على الشياطين، يقول[13]:
كنا على موعد للنصر ميمــون
لراية الحق تعلو في فلســـطين
وأنت تمضي بنا يا حــب أمتنا
لشــاطئ رائـع الآمـال مأمـون
من المحيط حملت العبء مصطبرا
إلى الخليج ولـم تأبه لمـأفـون
ولا تعثرت والدرب الطويل بـه
آلاف .. آلاف تجـار التـلاويــن
هذا يقــول ويهـذى دونمـا عمـل
وآخـر غائص في الوحـل والطيـن
وأنت فارسنـا المـرجو رائـدنـا
لجولة الحــق في وجـه الشياطيـن
وعلى الرغم من سطحية هذه المعاني إلا أنها حملت صدقا مباشرا يعبر عما في خواطر ملايين العرب تجاه هذا القائد الذي لم يعط من العمر إلا القليل.

فدوى طوقان تنقلنا في مطلع قصيدتها (مرثية الفارس) إلى أجواء واحدة من العواصم العربية التي ضجت بموت الفارس عندما سمعت نبأ موته، فتنظر إليها وكأنها في مهرجان لكنه ليس مهرجان فرح وإنما مهرجان موت القائد العربي، الذي لا ينبغي لموته أن يكون موتا عاديا، وإنما في ذروة الزمان والمكان والمشاعر التي تلتحم أمام الموت الذي يحيلها إلى تابوت وقبر، وفي هذا الوقت نفسه لا يفرح إلا طواغيت الشر في كل مكان ويعبرون عن فرحهم بالسكر والنشوة، لحالة من الجنون والجنون له بحر مليء بما يقذف به في وجوهنا، وهذا الحدث الكبير واحد من تلك التي فاض بها بحر الجنون، إذ تقول[14]:
مهرجان الموت في الذروة ، عمّانُ
استحالت فيه تابوتاً وقبرا
والطواغيت سكارى منتشون
بالذي فاض به بحر الجنون
محمود درويش يبدأ كعادته بداية غير عادية، بذكر الحياة أولا، ثم العيش فيها ثم ما فيها من معاناة، وكل ذلك نحن فيه، نحن الذين نحب عبد الناصر نكون معه في كل شيء، ولأن الحياة لها فضل على الموت في أن من يظل، يظل كي يعمل من أجل الأمة التي تريد الحياة - ومحمود درويش يؤكد دائما أنه يحب الحياة وأننا نحب الحياة- وحتى عندما نموت فإننا نموت من أجل أن نحيا، ولهذا فإننا نرفض الموت، وإن كان هذا الرفض أخذ شكل استحياء أو رفض غير مجزوم فيه، بقوله (نحاول) عندما يقول في مطلع قصيدته (الرجل ذو الظل الأخضر)[15]:
نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت
نحاول ألا نموت معك !
أما الشاعر توفيق الحاج فيبدأ قصيدته ( صلاة أخرى .. و.. موت أخير) في الذكرى العاشرة لرحيل جمال عبد الناصر، مصورا الذكرى وكأنها ما زالت حديثة جدا فهي تدق الباب ومهما حاولنا تجاهلها ونسيانها أو تناسيها تظل مصرة على الحفر في الذاكرة لأنها مرتبطة بأشياء كثيرة ظل عبد الناصر عنوانا لها كما ظلت هي الأخرى عنوانا له، وكأنه في أمس القريب على الرغم من مرور عشر سنوات على رحيله، الأمر الذي يشير إلى أن القصائد التي قيلت في رحيله ليست حالة آنية عند الفلسطينيين ارتبطت بوقت وفاته، وإنما ظلت جديدة وكأن جمال عبد الناصر محفور في الذاكرة، بكل تاريخه وأعماله، يقول الشاعر في مطلع قصيدته[16]:
· دق الباب
ولا أحباب تدق الباب قبيل الفجر برغبتها
- من؟!
اعتقد رفيق يكبرنا أنا الليلة مدعوون إلى الديون رقم "6"
مصادفة... أم عين القصد
هذي ال "6" تلج النجمة
جرح حزيران
وباب النفط
هكذا حاول كل شاعر جهده أن يكون مطلع قصيدته متميزا عن غيره على الرغم من أن كل شاعر منهم كتب قصيدته دون أن يقرأ قصائد الآخرين، باستثناء الشاعر توفيق الحاج ربما، الذي كانت له قصيدة أخرى في ديوانه نفسه بعنوان (أبتاه) مهداة إلى روح الهرم الرابع، وقد كتبها في الذكرى التاسعة لرحيل جمال عبد الناصر.

ثالثا- صور في مضامين القصائد
ما زلت أعتقد جازما أن الشكل والمضمون في الشعر لا ينفصلان في أي حال من الأحوال، وفي هذا وذاك تظل الصورة الشعرية المحرك المحسوس لمشاعرنا، والرابط المعنوي الأقوى بينهما، مهما اختلف في تحديد ماهيتها وفاعليتها، فلقد استغرقت الصورة الشعرية مساحات واسعة من الجهود المبذولة لتحديد مفهومها بدقة ووضوح ، ولم تتوقف تلك الجهود حتى اللحظة ، غير أنها ترسمت الخطوط العريضة لملامحها العامة ، وجدير بالقول أنها لا تنفصل بحال عن بقية مكونات القصيدة ، فالنص شكلا ومضمونا وحدة واحدة يكمل بعضه بعضا ، ولا يمكن النظر إلى النص الشعري بوصفه أجزاء منفصلة بعضها عن بعض ، وإنما هو كل تترابط أجزاؤه ترابطا وثيقاً . إن الصورة الشعرية قديمة قدم الشعر نفسه ، وإن يكن المصطلح قد ظهر بعد ذلك . فالصورة الشعرية جزء أساس من مكونات النص الشعري ترتبط مع بقية الأجزاء ارتباطا وثيقا وتتفاعل معها لتشكل تكامل القصيدة الشعرية ، وقد ذهب بعض النقاد في الحديث عن الصورة الشعرية إلى أنها هي الشعر ، وأن الشعر الحديث أصبح الكتابة بالصورة، يقول شاكر النابلسي : " وكما أن الشعر هو اللغة .. فإن الصورة هي الشعر ... فالصورة الشعرية هي المغامرة .. هي اللعب الشعري ... وهي الحلم ، لأنها لا تطابق الواقع . ربما تتصل به من بعيد ، ولكنها لا تنسخه ، ولا تنقله كما هو . والحلم فيه السحر ، وفيه غير المألوف ، وفيه الأسر . ومن هنا كانت علاقة وثيقة بين الشعر وآلية الحلم ."[17] بينما يوضح ذلك عبد الخالق العف على نحو آخر بقوله: " إن الصورة الشعرية بوتقة تنصهر فيها الرؤى والأفكار والمدركات الحسية فتشكل بنى تصورية متتابعة ينظم الشعور علاقاتها الجديدة " [18] وكان أدونيس قد ذهب قبل ذلك إلى أن " شعر الصورة يكون شعر المفاجأة ، والدهشة، والرؤيا، وتغير نظام التعبير عن الأشياء " [19] ويتضح فصله بين شعر يسميه شعر الصورة وأشعار أخرى قد لا تكون الصورة مركزها . ويؤكد هذا الفصل ساسين عساف ، عندما يقول إن الصورة الشعرية أصبحت " أداة توحيد بين أشياء الوجود .. وصهر وإعادة تركيب ، بها نمتلك الأشياء امتلاكا كليا ، .. والشعر الذي يمتلك الصور هو فعل نفاذ وفعل إضاءة لجوهر الوجود ، والصورة – بهذا المعنى – رؤية فكرية وعاطفية في لحظة من الزمن ، لئن تجردت من فعلها الرؤيوي أغلقت دوننا أبواب الواقع " [20] وكأنه يقول بوجود شعر لا يمتلك صورا . مع العلم أنه لا يخلو الشعر من الصور الشعرية ، فالشاعر عادة " لا يصور الشيء كما هو ، ولكن كما يبدو له ، ولا يرسم منه هيكله العريان ، بل يخلع عليه من حلل الخيال بعد أن يحركه الإحساس " [21] فبعض الألفاظ الحسية " ليست في الحقيقة إلا رموزاً لما تأخذه العين من الأشياء " [22] ومما يؤكد عدم إمكانية خلو النص الشعري من الصورة ، مقاربة تحديد مفهومها بأنها " تشكيل لمعطيات عمليتين تمثلان جناحي الوعي الإنساني بنفسه وبعالمه ، هما عمليتا "الإدراك " Perception و" التخيل " Imagination " [23] وهو ما نعتقد به ، ويؤكد جابر عصفور عدم إمكانية خلو النص الشعري من الصورة صراحة بقوله : " إن الصورة الفنية هي الجوهر الثابت والدائم في الشعر ، قد تتغير مفاهيم الشعر ونظرياته، فتتغير –بالتالي– مفاهيم الصورة الفنية ونظرياتها ، ولكن الاهتمام بها يظل قائما ما دام هناك شعراء يبدعون ، ونقاد يحاولون تحليل ما أبدعوه ، وإدراكه ، والحكم عليه "[24] .

لا يمكن تصور النص الشعري خاليا من الصورة الشعرية التي هي جزء من الصورة الفنية العامة ، وفي حين يذهب النابلسي إلى التفريق بينها وبين التشبيه ، نرى أن التشبيه بمكوناته جزء من الصورة الشعرية على نحو ما . يقول : " التشبيه يجمع بين طرفين محسوسين ، ويبقى الجسر ممدودا بين الأشياء لذا ، فالتشبيه ابتعاد عن العالم . والصورة اقتراب من العالم ، والصورة تهدم الجسر ، لأنها توحد بين الأشياء . وهي إذ تتيح الوحدة مع العالم تتيح امتلاكه " [25].

الصورة الشعرية تتكون في العادة من ثلاثة أنواع رئيسة تتفرع إلى أقسام جزئية كثيرة يذهب إليها النقاد عادة لتحديد فاعليتها ضمن سياقها النصي ، وارتباطاتها بعضها مع بعض ، ومع المكونات الأخرى للقصيدة فالصورة الشعرية " يجب أن تتجاوب أصداؤها في كل مكان مع القصيدة ، فإذا انفصلت الصورة الجزئية عن مجموعة الصور الأخرى المكونة للقصيدة ، فقدت دورها الحيوي في الصورة العامة . أما إذا هي تساندت مع مجموعة الصور الأخرى اكسبها هذا التفاعل الحيوية والخصب" [26] ونقصد بالأنواع الثلاثة ؛ الصورة المفردة، والصورة المركبة، والصورة الكلية [27].

لا يخفى أن تجويد الصورة الشعرية وإبداعها يحتاج قدرات فنية وإمكانيات عالية ، لا تتيسر للجميع ، وهي تتفاوت من شاعر لآخر ، وتشكيل الصور الشعرية لا يتأتى للشاعر بمجرد أن يلم بالحقائق ، وإنما تتفجر الرغبة في الاتجاه نحو هذا التشكيل الجديد في نفس الشاعر المعاصر وفقا لثقافته ومدى وعيه بحقيقة التعبير الفني. ومن ثم لا يجدي التقليد قط إذا لم يكن الشاعر على وعي تام بهذه الحقيقة الفنية . ومن ثم كذلك تخفق بعض محاولات التشكيل الجديدة أو يجانبها النجاح على أقل تقدير[28].

ربما يتساءل البعض عن سبب ضرورة توجه الشعر إلى الواقع النفسي والاجتماعي والهموم الذاتية والموضوعية في الوقت نفسه. ولماذا لا يكون النثر وحده متصديا لهذه الغاية فهو أقدر عليها وعلى تحقيق أهدافها من الشعر ؟ إن السبب في ذلك يعود إلى أن الشعر نشاط تخيلي متميز في طبيعته عن غيره من الأنشطة الإنسانية عامة والفنية بشكل خاص . وعندما نقول بأن الشعر نشاط تخيلي فإننا نقصد أن الصورة الشعرية تتخلق بفعل القوى التخيلية عند الشاعر ، فالخيال يقوم "بالدور الأساسي في تشكيل الصورة الشعرية وصياغتها، فهو الذي يلتقط عناصرها من الواقع المادي الحسي، وهو الذي يعيد التأليف بين هذه العناصر والمكونات، لتصبح صورة العالم الشعري الخاص بالشاعر بكل ما فيه من مكونات شعورية ونفسية وفكرية " [29] و" إنه بمقدار نشاط الخيال وإيجابيته في التأليف بين العناصر ، ترتفع القيمة الفنية للصورة الشعرية وتتضاعف إيحاءاتها" [30] فالتركيز يكون على التأليف بين العناصر ، لأن كل عناصر الصورة الشعرية مأخوذة في الأصل من الواقع الحسي " مهما ابتعد التخيل عن الواقع ومهما ابتكر أشكالا وصورا خيالية لا وجود لها في عالم الحس ، فإنه لا يمكن أن يبتكر شيئا لم يؤد إليه الحس بنحو من الأنحاء. قد يشكل التخيل عالما لا حقيقة له ، وقد يصل إلى عالم بعيد كل البعد عن المادة، ولكن ذلك العالم – في النهاية – لا يمكن صياغته ، أو تشكيله أو التعبير عنه ، إلا من خلال جزئيات وعناصر أدركها الحس من قبل " [31].

وينصب اهتمامنا بشيء من التركيز حول فكرتين أساسيتين ؛ الأولى تحدث عنها شوقي ضيف بقوله :" والشاعر الحق هو الذي تبلغ عنده ملكة هذا الكشف أقصى حدودها، فإذا كل ما حوله في الوجود أرواح وأشباح وعالم من الرؤى والأحلام ، عالم تتحول فيه الأشياء من صورة إلى صورة تحولا مستمرا ، وكأنما يصيب الشاعر ما يصيب المتصوفة من الاتحاد بالوجود ، أو كأنما تهبط عليه أنوار من السماء يرى خلالها روح الكون منبثة في كل مظهر من مظاهره وفي كل شيء من أشيائه ، بل يرى الأبد كله في اتساعه وفي أسراره التي تتفجر فيه " [32] ، أما الثانية فقد تحدث عنها محمد غنيمي هلال في قوله : " ... ولا نقصد إلى القول بأن الشاعر يحصر عمله في دائرة "الذاتية" المحضة ، إذ إن مثل هذه الحالة لا تتصور إلا إذا غاب في شعوره عن كل شيء حوله ، وهو في هذه الحالة لا يكون على وعي يمكنه من التعبير الشعري، ومن إثارة ما يريد من صور إيحائية، لأنه في تعبيره التصويري يعتمد على الأشياء والحقائق والموضوعات التي تحيط به، والصور التي ينقلها في شعره موجودة ولها صبغة إنسانية عامة، وقد تكون هذه الصور حقائق خارجية ذات وجود مادي أو اجتماعي خارج في الأصل عن نطاق ذاته. وقد يحتوي الشعر على عنصر قصصي يتخذه الشاعر أساسا لتجربته الشعرية وقد توحي تجربته باتخاذ موقف ذي أثر كبير في دلالته الاجتماعية، وفي هذا الموقف تتجلى تعبيراته التصويرية نفسها قوية مؤثرة تترجم عن آمال واسعة أو عن قلق وضيق قد يتمخضان عن صراع بين الواقع الموجود والمستقبل المنشود " [33] وما بين الفكرتين يتضح دور العقل في ضبط الصورة كي لا تكون عشوائية إلى الدرجة التي يصعب معها لم أشتاتها، فالعقل هو الذي يحدد كيفية تشكيل الصورة الشعرية بعد أن يكون قد حدد دور كل جزء منها، وحتى لا يكون الخيال مجرد زينة، فالخيال " جوهر الأدب وهو ليس زينة كزينة الحلي والرياش، وإن من أخطر الأشياء على الأديب أن يستعمله وشيا وتطريزا لأدبه، وأن يصبح كالأصداف التي تغري البصر ببريقها دون أن تفضي إلى رمز أو دلالة تؤديها " [34]وهذا لا يتعارض بحال مع القول إن من " خصائص الخيال الشعري الأصيل أنه يحطم سور مدركاتنا العرفية، ويجعلنا نجفل لائذين بحالة من الوعي بالواقع، تجعلنا نشعر كما لو كان كل شيء يبدأ من جديد، وكما لو كان كل شيء يكتسب معنى فريدا في جدته وأصالته" [35] بل إن ذلك كله يؤكد أن الخيال في معناه الحديث ليس ركضا مع النجوم بل غوص في أعماق النفس والحياة [36].

لقد ظلت الصورة الشعرية الفلسطينية لها خصوصيتها التي تنبع من الواقع الخاص الذي يعيشه الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الصهيوني، لذلك تعارف الجميع على مفاتيح خاصة أيضا للصور الشعرية الفلسطينية، حتى أصبحت سمة لها ، ومن ابرز تلك المفاتيح [ الأرض، التراب، الأنبياء، الزيتون، الصلاة، المسيح، الصلب، الدم، البرتقال، التضحية، الفداء، البحر، الرمل، ... وما يتصل بها من صور شعرية] وقد رأى بعضهم [37] أنها فقدت بريقها وفاعليتها في نفس المتلقي بعد أن صارت تقليدية أو كادت، لذا كان لا بد من تفعليها من جديد، وبث الحياة فيها، وجعلها قادرة على التطور واستيعاب المستجدات في الحياة عامة، وقد حاول الشاعر الفلسطيني المعاصر تحقيق فكرة إحياء تلك الصور مضيفاً إليها بعداً فلسطينيا خاصا ينسجم مع إطارها القومي والإنساني من خلال حديثه عن موضوعات قومية ترتبط بمشاعر الإنسان الفلسطيني تجاهها، وليس أدل على ذلك من رثاء القادة العرب الذين امتلكوا مشاعر الإنسان الفلسطيني الشاعر، فكانت لهم خصوصية في حياتهم، ولكن الخصوصية الكبرى كانت لهم عندما قدموا أرواحهم فداء للأمة، فكانت عنوانا لتاريخهم، الأمر الذي ما زال ينفي بقوة خلو الأمة العربية من القادة العظماء.

يحاول هذا الجزء من البحث أن يترسم خطوات تفعيل الصورة الفنية الفلسطينية في رثاء الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر عند عدد من الشعراء الفلسطينيين. وذلك من خلال رسم صورة انطباعية عن صورة شعرية كلية أو جزئية بارزة عند كل واحد منهم، وهي ليست دراسة انطباعية بكل معنى الانطباعية كما هي مفهوم (لوميتر) مثلا إذ يقول:" أكان النقد اعتقاديا أم لا، وأيا كانت ادعاءاته، لا يهدف إطلاقا إلا إلى تحديد الانطباع الذي يتركه فينا في وقت معين هذا المصنف الأدبي الذي دون فيه المؤلف نفسه الانطباع الذي تلقاه من العالم في ساعة معينة، وإذا كان الأمر على هذا الأساس لنحب الكتب التي تعجبنا"[38] ولا كما في إعلان (أناتول فرانس) عندما قال:" النقد كما أفهمه هو كالفلسفة والتاريخ نوع من الرواية تستخدمه العقول النبيهة والفضولية، وكل رواية إذا أخذناها كما يجب، ليست سوى سيرة حياة كاتب يدونها بقلمه، والناقد الجيد هو ذاك الذي يسرد مغامرات نفسه في وسط الروائع. اللذة التي يقدمها مصنف ما، هي القياس الوحيد لجدارته"[39] إذ هي لا تحتكم إطلاقا لتلك الأفكار على ما فيها، وإنما تتجاوز ذلك إلى بعض الخصوصية، وخصوصا تلك التي ينبغي أن تميز الدراسات العربية من غيرها بحكم الخصوصية العربية في فهم النصوص وعرضها والتأثر بها.

الشاعر معين بسيسو تأخذه انفعالاته بموت عبد الناصر إلى رؤيا شعرية مرتبطة بفكر حاول عبد الناصر تجسيده من خلال حديثه عن آلام العروبة وآمالها، وفي مقدمتها جميعا حرية الإنسان التي تصبح بعد وفاة عبد الناصر – كما يرسمها بسيسو – عمياء لا هادي لها، تتحسس باحثة عن جنسيتها وانتمائها وعن الذي رسم لها طريق الانتماء لهذه الأمة بالطريقة الصحيحة وهو جمال عبد الناصر"وكنت لها الجنسية"، تلتقي هذه الصورة مع صورة كرسي الزعيم الذي مهما جاء بعده من زعماء يظل شاغرا، لأنه لن يوجد من يسد مكان هذا الزعيم الذي أعطى لهذا الكرسي معنى خاصا، حتى أن الكرسي نفسه بقي فاغرا فمه، مثل جرح مفتوح، لا توقف نزيفه أية ضمادة، وكبر هذا الجرح حتى أصبح في حجم الهرم الأكبر، وحوله يلتف نهر النيل كتنين أخضر، ولا نعرف من الخرافات ما يقول أن لون التنين أخضر، ففي الصورة رسم جديد لتنين جديد، ومع أن الصورة مرعبة إلا أن اللون الأخضر خفف من هول الصورة ليضعها بشيء من الطمأنينة في النفوس، وهذه الطمأنينة خلقها ذكر عبد الناصر، أما عن ارتباطه باللون الأخضر في شعر بسيسو كما سنقرأه فيما بعد عند درويش، فنحن نعلم أن اللون الأخضر قبل درويش وبسيسو هو دلالة رمزية في حياة عبد الناصر وفكره.يقول بسيسو[40]:
والحرية ...
تتحسس بأصابعها المرتعشة ...
أوراق جواز السفر ، وأوراق الجنسية ...
كنت جواز السفر ، وكنت لها الجنسية ...
والكرسي الشاغر يا عبد الناصر ...
هذا الجرح الفاغر ...
فمه ،
أكبر

قطار الديمقراطية على سكّة تجزئة الكيانات!


صبحي غندور

تخضع الصراعات العربية الدائرة الآن إلى توصيفين يكمّل كلٌّ منهما الآخر: التوصيف الأول الذي يراها كصراعٍ بين قوى إقليمية ودولية فقط، أمّا التوصيف الثاني، فيصوّرها فقط صراعاً داخلياً على الحكم ومن أجل إقامة أنظمة ديمقراطية

.فإذا كانت هذه التوصيفات تعتمد المواقف السياسية كمعيار، فإنّ ذلك يُسقط عنها السِّمة الطائفية أو المذهبية أو الإثنية، حيث نجد حلفاء هذا الطرف أو ذاك ينتمون لطوائف وجنسيات مختلفة إقليمياً ودولياً

.هي ليست طبعاً صراعاتٌ بين “خيرٍ وشر” ولا بين “أيديولوجية الكراهية” و”عقائد الحب”، ولا هي أيضاً بين “شرقٍ وغرب”.. تماماً كما أنّها ليست بصراعاتٍ طائفية ومذهبية وإثنية. فلا تكبير طبيعة هذه الصراعات يصحّ معها، ولا تصغيرها يحجب حقيقتها.

أيضاً، بعد أكثر من عقدٍ من الزمن على بدء هذا القرن الجديد الذي اقترنت سنته الأولى بالأعمال الإرهابية في سبتمبر 2001، نجد أن جماعاتٍ كثيرة ما زالت تمارس أسلوب العنف المسلّح تحت شعاراتٍ دينية إسلامية، وهي تنشط الآن في عدّة دول بالمنطقة، وتخدم في أساليبها المشروع الإسرائيلي الهادف لتقسيم المجتمعات العربية وهدم وحدة الأوطان والشعوب معاً

.صحيح أنّ القتل العشوائي لناسٍ أبرياء هو أمرٌ مخالف لكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، لكنه يتكرّر رغم ذلك في أكثر من زمانٍ ومكان، ولا نراه يتراجع أو ينحسر، وفي ذلك دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية، وعلى وجود قوى مستفيدة من أعمال الإرهاب

.ومن الواضح الآن أنّ هناك سعياً محموماً لتدويل الأزمات الداخلية في المنطقة العربية، ممّا يُعيد معظم أوطانها إلى حال الوصاية الأجنبية التي سادت بالنصف الأول من القرن الماضي، وربما أيضاً إلى إعادة رسم خرائط هذه الأوطان

.كذلك نجد الآن توظيفاً واسعاً واستثماراً كبيراً لما حصل من حراك شعبي عربي من أجل خدمة مصالح وأجندات خارجية، وهناك وضعٌ مأساوي داخل عدّة بلدانٍ عربية، ممزوجٌ أحياناً بتدخّلٍ خارجي، تزداد فيه الانفعالات الغرائزية التي نراها تحدث بأشكال طائفية يواجه فيها بعضُ الوطن بعضَه الآخر، وكأنَّ هذه البلاد العربيّة قد فقدت البوصلة التي توجّه حركة مجتمعاتها وقياداتها، فإذا هي ببحرٍ هائج تدفع بها الرياح في كلّ صوب !!.

إنَّ التطورات الحاصلة في المنطقة، تحمل طابع المصالح والمنافع الإسرائيلية فقط، بينما “الآخرون” – وهم هنا العرب وجوارهم الإسلامي والأوروبي- يتضرّرون ممّا في هذه التطورات من تهجير جماعي ومن مخاطر أمنيّة وسياسية على مجتمعاتهم وأوطانهم وعلى مصالحهم المشتركة

.المؤسف أنّ المنطقة العربية أصبحت أيضاً سوقاً استهلاكية لمشاريع دولية وإقليمية، وحكوماتها المعنيّة بالأزمات “تحصد ممّا تزرع أمنياً، لكن لا تلبس ممّا تصنع سياسياً”. فالمشكلة عربياً ليست في كيفيّة فهم الصراعات وأحجامها فقط، بل أيضاً في المقدار المتاح لحرّية الإرادات المحلية !

وهناك بلا شك مسؤولية “غربية” وإسرائيلية عن بروز ظاهرة الإرهاب بأسماء “إسلامية”، لكنْ هذا هو عنصرٌ واحد من جملة عناصر أسهمت في تكوين وانتشار هذه الظاهرة. ولعلّ العنصر الأهمّ والأساس هو العامل الفكري، حيث تتوارث أجيال في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي مجموعةً من المفاهيم التي يتعارض بعضها مع أصول الدعوة الإسلامية، وحيث ازدهرت الآن ظاهرة فتاوى “جاهلي الدين” في قضايا عديدة، من ضمنها مسألة استخدام العنف ضدّ الأبرياء أو التحريض على القتل والاقتتال الداخلي.

إنّ المنطقة العربية بمعظمها تعيش الآن مخاطر التهديد للوحدة الوطنية كمحصّلة لمفاهيم أو ممارسات خاطئة لكلٍّ من الوطنية والعروبة والدين. وقد عانى العديد من الأوطان العربية، وما يزال، من أزمات تمييز بين المواطنين، أو نتيجة ضعف بناء الدولة الوطنية ممّا أضعف الولاء الوطني لدى الناس وجعلهم يبحثون عن أطر فئوية بديلة لمفهوم المواطنة الواحدة المشتركة.

هي الآن مرحلة حاسمة ليس في “تاريخ” العرب فقط، بل أيضاً في”جغرافية” أوطانهم وفي “هويّتهم” وفي مستقبل أجيالهم. فالمجتمعات العربيّة أمام تحدٍّ خطير يستهدف كلَّ من وما فيها. هو امتحان جدّي لفعل المواطنة في كل بلدٍ عربي إذ لا يمكن أن يقوم وطنٌ واحد على تعدّدية مفاهيم “المواطنة” و”الهويّة”. وحينما يسقط المواطن في الامتحان يسقط الوطن بأسره

لقد استغلّت أطراف خارجية ومحلية سلبيات كثيرة لحال “النظام الرسمي العربي المريض”، لكن هذه الأطراف قزَّمت الواقع العربي إلى مناطق ومدن وأحياء في كلّ بلدٍ عربي، فتحوّلت الهويّة الوطنية إلى “هُويّة مناطقية”، والهويّة الدينية الشمولية إلى “هويّة طائفية ومذهبية” في مواجهة الشريك الآخر في الوطن، إنْ كان من طائفةٍ أخرى أو مذهبٍ آخر، أو حتّى من اتجاهٍ سياسيٍّ آخر!

لقد جرى في العقود الماضية “تسييس” الدين، ويتمّ الآن “تطييف” و”مذهبة” كل عمل سياسي وعسكري، وهذا بحدّ ذاته يُحوّل الخلافات السياسية وصراعات المصالح إلى فتن طائفية ومذهبية لا يمكن التنبّؤ بنتائجها

لقد أصبح فرز “قوى المعارضة” عربياً يتمّ على أسسٍ طائفية ومذهبية وإثنية، في ظلّ التركيز الإعلامي العالمي على التيّارات السياسية الدينية في المنطقة ككل، فعن أيِّ “معارضة وطنية” يتحدّثون؟ !.

ثمّ لو سألنا كلَّ إنسانٍ عربي عن أولويّة اهتماماته العامّة الآن، لكانت الإجابة حتماً محصورةً في أوضاع وطنه الصغير، لا “وطنه العربي الكبير”، ولا قضيّته الكبرى فلسطين، فالأمَّة الواحدة أصبحت الآن “أمماً”، وفي كلٍّ منها “أممٌ متعدّدة” بتعدّد الطوائف والأعراق والعشائر، ولدى كلٍّ منها أزمته الحادّة وصراعاته المفتوحة دون أن يلوح أفقُ أملٍ أو حلٌّ قريب .

الآن، تعيش الأمّة العربية كلّ أنواع الحروب الأهلية والأزمات الإقليمية والصراعات الدولية وأعمال العنف والإرهاب وبروز جماعات متطرّفة في أكثر من بلد عربي.. وكلُّ ذلك يحدث دون بوصلة سليمة ترشد هذه الأمّة إلى الهدف الصحيح، وفي غياب قيادة عربية جامعة لإرادات الأمَّة المبعثرة.

لذلك، هي حاجة كبرى الآن إعادة تصحيح البوصلة في الحدِّ الأدنى، وتلك مسؤولية تقع أولاً على عاتق مفكّري هذه الأمَّة وقياداتها المدنية الفاعلة، ممّا يستوجب ضرورة صياغة رؤية عربية لمستقبلٍ أفضل، تحمل في مضامينها حسماً لمنطلقات، ورسماً لغايات، وتحديداً لوسائل تؤدّي بمجملها إلى تصويب منشود للصراعات، وإلى إعادة ترتيب أولويّات هذه الأمَّة وطنياً وعربياً.

صحيحٌ أنّ المسألة الديمقراطية هي أساس مهمّ للتعامل مع كلّ التحدّيات الخارجية والداخلية، لكن العملية الديمقراطية هي أشبه بعربة تستوجب وجود من يقودها بشكل جيّد، وتفترض حمولةً عليها، وهدفاً تصل إليه. وهذه الأمور ما زالت غائبة عن الدعوات للديمقراطية في المنطقة العربية. فتوفُّر آليّات الحياة السياسية الديمقراطية وحدها لن يحلّ مشاكل الأوطان العربية، بل العكس حصل في عدّة بلدانٍ عربية شهدت من الديمقراطية مظاهرها فقط وآلياتها الانتخابية.

ففي الأمَّة العربية مزيجٌ مركّب من الأزمات ممّا يحتاج إلى مزيجٍ أيضاً من الحلول. فبناء آليات ديمقراطية وانتخابات نزيهة لا يحقّق وحده فقط العدل السياسي والاجتماعي بين الناس، أو يصون وحدة المجتمعات، أو يمنع التدخّل الأجنبي، أو يحرّر الأوطان المحتلّة .. وهي كلّها مسائل معنيّةٌ بها أوطانٌ عربية مختلفة، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي ..

وإذا كان من الطبيعي أن تنتفض بعض شعوب دول المنطقة وأن تُطالب بأوضاع أفضل وأن تسعى من أجل حقّ المشاركة الفعّالة في الحياة العامّة، فإنّ المشكلة بالتحرّك الجماهيري السليم أنه يحتاج إلى آفاق فكرية واضحة المعالم وإلى أسلوب سلمي في العمل، وإلى أطر تنظيمية سليمة البناء، وإلى قيادات مخلصة للأهداف، وليس لمصالحها الخاصّة.. فهل توفّرت هذه العناصر كلّها في الانتفاضات الشعبيىة العربية؟!.

إنّ الديمقراطية السليمة والإصلاح الشامل مطلوبان فعلاً في دول المنطقة، بل في أنحاء العالم كلّه، والحاجة ماسّة لهما كذلك في مجال العلاقات بين الدول، وفي ضرورة احترام خيارات الشعوب لصيغ الحياة الدستورية فيها، وفي عدم تدخّل أيّة دولة (كبرى أو صغرى) في شؤون الدول الأخرى.

لكن يبقى السؤال المهمّ: لِمَ يسير قطار الديمقراطية الآن في البلاد العربية فقط على سكّة تجزئة الكيانات وعلى الفتن بين الشعوب، وصولاً إلى محطة الإخضاع الكامل للسيطرة الأجنبية؟!.

في ذكرى استشهاد القائد ابو علي مصطفى مطلوب مراجعة وطنية


عباس الجمعة


حين نقف امام ذكرى قادة عظام من قادة الشعب الفلسطيني يبرز اسم الشهيد القائد الوطني الكبير ابو علي مصطفى الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، شهيد الانتفاضة والمقاومة ، وهنا نشدد في الذكرى الخامسة عشر على رحيله على ضرورة ان نستلهم من مواقف الشهداء الحديث عن أهمية ربط النظرية بالممارسة الكفاحية، حتى نفي حق الشهداء الذين قدموا حياتهم من اجل فلسطين ، فاذا كان للحياة معنى، ففي الشهادة تكمن أعمق المعاني، ورغم المسافة الزمنية بين ذكرى استشهادالقائد ابو علي ، وبين الواقع الفلسطيني اليوم، هي المسافة التي امتلأت وذخرت بالأحداث والتطورات على الصعيد الفلسطيني، والعربي، والدولي، فالواقع الفلسطيني اليوم يئن من الجراح، ويفتقد إلى الحكماء ، نتيجة انقسام كارثي ووهم البعض باقامة له دويلة في قطاع غزة ، بينما الشعب الفلسطيني يتصدى بلحمه الحي للاستيطان وتهويد الارض والمقدسات وسياسة القتل والاجرام الصهيونية ، ومخيمات الشتات تدفع ثمن بعض القوى المتطرفة التي تريد تنفيذ اجندات خارجية من اجل تدمير المخيمات وتهجير سكانها وشطب حق العودة متزامنة مع قرارات الاونروا الظالمة بوقف عدة خدمات للشعب الفلسطيني ، حيث ضاعت البوصلة .

وامام هذه الذكرى لقائد وطني وقومي عظيم نرى الواقع العربي الذي يندى له الجبين، حيث تشتد الهجمة الامبريالية الصهيونية الاستعمارية الارهابية التكفيرية ضد دول وقوى المقاومة في المنطقة، بهدف الوصول الى تقسيم المنطقة الى كانتونات طائفية ومذهبيه واثنية بعد ان تفشت الطائفية بأفكارها الرجعية والسلفية، ولم تعد الدولة القطرية الواحدة قادرة على حماية نفسها من نفسها ومن عدوها، وابعاد الشعوب العربية عن البوصلة الرئيسية فلسطين ، والحالة العربية ليست أفضل من الحالة الفلسطينية، هذا هو الواقع الفلسطيني والعربي كخلاصة ، حيث تجري الاحداث على مدار هذه المسافة الزمنية في ظل فرض معادلات، وتوازنات.

نعم، لم يترجل ابو علي ومازال يقاوم فاشية وعنصرية دولة الابرتهايد االصهيونية، كما يقاتل من موقعه المتقدم في الالتزام بقضية واهداف الشعب دفاعا عن وحدة الارض والشعب والمصالح الوطنية العليا، ويدعو للوحدة الوطنية، الرافعة الاساسية للنضال الوطني، غير آبه بالحسابات الصغيرة، حيث كان مقداما في كل معارك الدفاع عن المشروع الوطني، لم يهادن، ولم يتردد لحظة واحدة في امتشاق البندقية والقلم على حد سواء، فكان مدافعا عن وحدة الارض والشعب والقضية والاداة الوطنية، وتبنى الخيار الديمقراطي للحوار بين فصائل العمل الوطني لتعميق القواسم المشتركة بين الكل الوطني، كما كان رفاقه القادة عمالقة الثورة الفلسطينية وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد ياسر عرفات والحكيم جورج حبش وفارس فلسطين ابو العباس وكل الشهداء الذين دافعوا عن قناعاتهم بقوة في كافة المحطات الكفاحية، وشكلوا محور ثقل اساسي في صفوف الثورة ، وفي مسيرة الكفاح الوطني الطويلة، دفاعا عن فلسطين الدولة والحرية والعودة.

إن استهداف القائد أبو علي مصطفى في انتفاضة الاقصى عام 2002، كان استهدافا لما يمثل من فكر ثوري، وطرح سياسي وطني، وخيار كفاحي لا يستجيب لشروط الاحتلال، كان استهدافاً لمنحى تنظيمي بدأ يخطه لجبهته نحو الفعل الكفاحي والمقاومة، كان اغتيالاً يستهدف قطع الوصل بين الفكرة والأداة.

وفي ظل هذه الظروف تأتي ذكرى استشهاد ابو علي مع ذكرى حرب غزة ، التي اسقطت أوهام الاحتلال ومشاريعه ، حيث انتصر الشعب الفلسطيني بصموده وتضحياته ومقاومته ، وكان هذا الصمود الذي ترسخ بوحدة وطنية بهدف الحفاظ على المشروع الوطني الذي يتجسد أولا في إظهار الحق، وعدالة القضية، ووحدة أصحاب الحق والقضية، وخيار الوحدة والمقاومة، وأن الحق لا يتجزأ، بل مطلوب إظهاره وإشهاره، والعمل على استحقاقه، من خلال وحدة الصف الفلسطيني، واستنهاض الوضع الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني.

ونحن اليوم نؤكد على اهمية انهاء الانقسام الكارثي وتعزيز الوحدة الوطنية احتراما لمن قدموا حياتهم من اجل فلسطين وفي طليعتهم الشهيد القائد ابو علي مصطفى من اجل مواجهة الاحتلال الذي يمارس كل اشكال العدوان في كل مدن الضفة والقدس وحصاره المفروض على قطاع غزة ، لانه بالوحدة الوطنيه تسقط كل أوراق التوت التي تغطى بها الاحتلال وكيانه العنصري أمام الرأي العام العالمي بأنه دولة عنصرية ارهابية وهي أخطر دولة على السلام العالمي.

مما لا شك فيه أن ذكرى الشهيد ابو علي مصطفى الذي كان له بصماته ودوره وتاريخه في صون منظمة التحرير الفلسطينية وحمايتها ، تتطلب من جميع الفصائل والقوى صوغ رؤية سياسية ونضالية ودعم الانتفاضة التي تقودها شابات وشباب فلسطين وهذا الشيئ يكون بمثابة بوصلة نهديها للشعب الفلسطيني وكل المناضلين ،بدلا من التهرب من المسؤولية الوطنية التي تستدعي اليوم ضخ دم جديد في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ، وبدلا من الذين غيبهم الموت او الاستشهاد ، او من اصبحوا كبار في السن حتى تستمر المنظمة بتحمل مسؤولياتها و القيام بدورها وواجبها تجاه شعبها، رغم حالة الانقسام الفلسطيني الجغرافي والسياسي، وتغليب المصالح الخاصة و الفئوية ، وتوحيد كافة جهود كل القوى والفصائل ضمن اطارها على اساس شراكة وطنية حقيقية،بدلا من الحديث عن انتخاب فقط المستقلين بدلا المتوفين ، فنحن بحاجة لمجلس وطني يخطو خطوات جدية نحو تعزيز وحدة الصف الفلسطيني ،ويعيد التفاف وثقة الجماهير حول المنظمة ومشروعها الوطني وبرامجها ورؤيتها، وبما يليق بنضالات وتضحيات الشعب الفلسطيني.

وفي ضوء التطورات الجارية ، ومن اجل مجابهة المخاطر ووقف آثارها ومفاعليها على حاضر ومستقبل القضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني ، والتي وصلت الى عوامل اليأس والقلق والخوف بدلا من تعليق الامال على استمرارية النضال الوطني وصولا الى التحرير، مطلوب وقف حالة التراجع والعجز ، والعمل على حماية المشروع الوطني رغم موازين القوى المختلة من جهة ، ونتيجة انشداد البعض لأصوليته ومنطلقاته الدينية من جهة ثانية، مما يحمل مخاطر على المشروع الوطني، وهذا يستدعي القيام بعمليات جراحية متعددة وحماية المجتمع الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية، في اللحظة الصعبة الراهنة، ووقف الانهيار الداخلي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أن ما نشهده اليوم هو بحاجة الى تطوير وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير على ارضية شراكة وطنية حقيقية ، ولا بد للجنة التنفيذية ان تقوم بدورها كقيادة يومية للشعب الفلسطيني والوقوف أمام دوائر المنظمة وعملها، ومؤسساتها ، ووضع استراتيجية وطنية تستند الى الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق العودة وتوطيد التحالفات الشعبية والرسمية والعربية والدولية، المستندة إلى حقوق شعبنا، وتوطيد هذه التحالفات وبنائها على أسس ثابتة،وإعادة تشكيل المجلس الوطني على أساس قانون انتخاب يقوم على التمثيل النسبي.

في ذكرى استشهاد القائد ابو علي مصطفى نرى وردة حمراء ، وخاصة ان ذكراه هذا العام كانت نموذجا للحركة الاسيرة فانتصر بها المناضل الاسير بلال كايد ، وسطرها وصمد فيها القائد المناضل الامين العام للجبهة الشعبية احمد سعدات ورفاقه في معركتهم، ليثبتوا للعالم، انهم آخر من يبحث غن المغانم، واول من يتصدى للاحتلال وللسجان ، فكانت رسالة الانتصار واضحة ، وهنا انتصر احرار العالم والاحزاب والقوى العربية مع الحركة الاسيرة ، كما الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه حيث شكل ارادة الاسرى آفاقا ارحب لتنظيم التضامن الاممي مع قضية فلسطين.

ان الشعب الفلسطيني اليوم في الضفة وغزة يخوض معركة انتخابات البلدية والمحلية التي نتطلع اليها لتكون مدخلا الى الانتخابات الرئاسية والتشريعية ، رغم ما يعانيه الشعب الفلسطيني من الاحتلال ، ونحن نرى ايضا في مخيمات اللجوء والشتات ان هذه التجربة الديمقراطية يجب ان تنتقل الى الخارج من اجل اعادة انتخاب اللجان والاتحادات الشعبية التي اصبحت مهمشة، كل هذا بحاجة إلى مراجعة وتقييم، فمن حق شعبنا علينا ان نسعى الى اعطائه حق في الاختيار الديمقراطي ، واعتماد الكفاءة والخبرة أساساً المجلس واللجان الشعبية ،وتجنّب إثارة الحساسيات التنظيمية، والمشاكل الداخلية، إضافة إلى توسيع العلاقة مع الجماهير وتحديدا فئات الشباب، والسعي إلى استقطاب الكفاءات المهنية لخدمة العمل الوطني،انعكاساً لأهميتها في توسيع نطاق العلاقات الديموقراطية و النضال، من أجل مصالح الشعب الفلسطيني وحل مشكلاته اليومية.

وهذا بحاجة الى الجرأة لتجزئة الجغرافية التي تميّز تجربتنا كشعب في"ميدان التحرير" بالمعنى الملموس، وبالتالي يجب خلق مساحة عامة مشتركة عبر الحدود، وان نعمل كفريق واحد، المهمة الأولى لنا الآن هي إعادة بناء كل مؤسساتنا، التي تتسع لنا جميعا، وخاصة ان التجربة الديمقراطية والانتخابات المحلية تشكل ارضية لمصلحة الشعب الفلسطيني الذي لديه نظرة الأمل والرجاء بأنه ما زال يحمل الهم القومي والوطني بجرأة وخطاب صادق، مما بدد عنده أحاسيس القلق والحزن على الأوضاع، وفجّر عنده روح التفاؤل والرجاء من اجل التغيير والأمل بمستقبل أفضلـ وهو يتمنى اليوم من الانتخابات المحلية ايجاد اشخاص له مصداقية والالتصاق بهموم الناس والوطن، وتركيزهم على روح المقاومة.

ختاما لا بد من القول : ان اللحظة السياسية التي غاب فيها القادة الشهداء ياسر عرفات وأبو علي مصطفى وابو العباس وأبو جهاد الوزير سمير غوشه وطلعت يعقوب وابو احمد حلب وابو عدنان قيسى وسليمان النجاب والشيخ احمد ياسين وفتحي الشقاقي وجهاد جبريل وعبد الرحيم احمد وزهير محسن وكل القادة الشهداء تستدعي تكريمهم لأنهم ضحوا من أجل فلسطين ومن اجل المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ومن اجل ان تبقى راية منظمة التحرير الفلسطينية هي الكيان السياسي والمعنوي والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ومن اجل حماية المشروع الوطني ، فهذا يستدعي منا ان نبقى على العهد لفلسطين ولنحقق الأهداف التي استشهدوا من أجلها وأن نعمل يدا بيد لإنهاء الانقسام الوطني الداخلي ونعمل على حماية منظمة التحرير الفلسطينية.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر