الراصد القديم

2015/07/01

سقطة عادل إمام: «إحنا بتوع الثورة» يا زعيم

مالك العثامنة

«إحنا بتوع الأتوبيس».. فيلم مصري من إنتاج 1979، حتى اليوم لا أستطيع نسيانه، كما لا أستطيع مشاهدته مرة أخرى لكثرة الودع فيه، وقد شاهدته منذ سنوات طويلة.

الفيلم من بطولة عادل إمام، ونخبة من النجوم المصريين معه، وليس كوميديا بالمرة.. بل تراجيدي يحمل إدانة صارخة لعهد الزعيم المصري جمال عبد الناصر، ونظام المخابرات والأمن السياسي فيه، وهو العهد الذي تفجرت فيه نجومية عادل إمام نفسه بعد مسرحية «مدرسة المشاغبين»، التي ألفها الكاتب المصري علي سالم، صاحب أول خطوات تطبيعية مع إسرائيل في عهد السادات.
الفيلم، على عكس كل أفلام «صاحب السعادة» عادل إمام، ليس من أفلامه المتداولة، لكنه برأيي من أكثر أفلامه المؤثرة في الأداء، الذي لم يكن يسمح له بتقديم حركاته العبيطة المعتادة، والتي توظف عضلات الوجه لرسم تعابير التهريج «الإمامية» الخاصة والتي كانت ولا تزال ماركة مسجلة للفنان كمشخصاتي لا كممثل.

استطاع عادل إمام أن يتقمص شخصية مصرية غاضبة تدين عهد عبدالناصر كله من داخل المعتقل، وهذا ممكن لرجل تفجرت ثروته المليونية في عهد الانفتاح الساداتي فنجح في التعبير عن غضبه من عهد ناصر، وربما من هنا فهم عادل إمام قواعد اللعبة السياسية كرجل يمتهن التمثيل في مصر!

الثروة المليونية جعلته نجم النجوم في مصر، ليسبغ على نفسه لقب «الزعيم» وقد عنونها مسرحية من مسرحياته ذات العرض الطويل، وتلك الثروة المليونية أوهمته أيضا أنه قادر ببساطة على الاستيلاء بل وخطف الثورة المليونية ببساطة، فهو الزعيم.. البطل الذي ينقذ مصر كلها بصرخة في مسلسله الجديد «أستاذ ورئيس قسم» لتصبح ثورة 25 يناير نتاجا مباشرا لصرخة عادل إمام من داخل السجن وليست نتاجا لغضب شعبي صادق حمل إرادة جماهيرية هدفها التغيير المطلق.

حتى علي سالم، مؤلف مسرحية «مدرسة المشاغبين» نفسه، هاجم الزعيم، بقسوة وشدة، وانتقد في قفلة رسالته المقال بقوله: «لدينا أكثر من حاجتنا من الزعماء والمفكرين الاستراتيجيين وأصحاب الدم الثقيل في كل مكان.. الضحك عملة نادرة هذه الأيام يا عزيزي عادل.. بل كان عملة نادرة طوال التاريخ وعرضه.. وإلى الأبد سيظل الناس في حاجة لشارلي شابلن، وليس إلى غيفارا».

لقد أخطأ عادل إمام، والأدهى أنه يعيش في حالة عمى مطلق بحيث لا يرى جريمته بحق ثورة الشعب المصري، فهو يستمر في سياق دراما مسلسله الرمضاني بتصغير معطيات ثورة 25 يناير، وتفصيلها بما يناسب «زعامته الشخصية» ورغبات السلطة الحالية في مصر.

أخطأ عادل إمام، حين غفل عن معطيات جديدة تغلب «زعامته» الواهمة.. أولها وأهمها أن ثورة المعلومات وبكبسة زر قادرة على تشخيصه هو شخصيا بكل تاريخه وتصريحاته…

أخطأ عادل إمام، حين حاول استغفالنا بسذاجة، وهو ليس ربيب النظام السابق وحسب، بل ربيب كل نظام عاش فيه.المصريون يتابعون مهزلة عادل إمام ولسان حالهم يقول «إحنا بتوع الأتوبيس» يا دكتور فوزي، إحنا بتوع الثورة.

شيعة السفارة وسنة آل سعود وكرد البارازاني !


ثريا عاصي

موضوع ما كنت لأتطرق له لولا تعقيدات وصعوبة الأوضاع في بلادنا التي تتطلب بحسب رأيي جهراً بالحقيقة. هذه ضرورية ولازمة في الأوقات الحرجة، من أجل أن يستجمع الناس أفكارهم وقوتهم دفاعاً عن حقهم في الحياة وفي الوجود ! يلح علي منذ أن اشتعلت الحرائق التي سميت إعتباطا وعَسْفا، «ثورات» و«ربيعات»، سؤال عن الأسباب الملموسة للعداوة التي شكلت في البلد الواحد وقوداً للإحتراب المتواصل بين أقوام تعايشت على الرغم من خلافاتها، وخاضت معاً نضالات ضد المحتلين والمستعمرين والمتسلطين، وبادرت في بعض الأقطار إلى وضع أسس دولة وطنية والى الإنضمام للدعوة إلى اتحاد عربي كاطار يتجسد في فضائه المشترك الثقافي والتكامل الإقتصادي والتعاون والتضامن في مسيرة حضارية وفي مواجهة الجشع الإستعماري!
يفترق الناس ويتلاعنون ويحتربون في البلاد التي عصفت بها ثورات مساراتها مرتهنة بإرادة الولايات المتحدة الأميركي ! لا شك في أن ذلك مثير الريبة. لا سيما أن دولاً أوروبية صارت ذيلية، بالإضافة إلى أن آل سعود ومشايخ الخليج تعهدوا هذه الثورات إلى جانب العراب الأميركي.
في الواقع إن السؤال هو ما هي أسباب التخلف، والتقهقر، في جميع المجالات. صارت الديانات تجمعات خالية من الدين، والمذاهب تحاكي الكيانات القبلية القديمة. تسلم الريادة في أكثر الميادين، الأقل كفاءة والأضعف أمانة.

كيف انقسم الناصريون والبعثيون والشيوعيون الذين وقفوا إلى جانب المقاومة الفلسطينية، ضد قمع نظم الحكم العربية، وقاتلوا المستعمرين الإسرائيليين في صفوفها، كيف انقسم هؤلاء فصار جزء منهم، سراً أو علانية، يستنصرون بآل سعود والولايات المتحدة الأميركية، الذين سخطوا على الأطراف الأخرى التي ترفض رغم العجز والقصور الإستسلام للمستعمرين الإسرائيليين!

المفارقة في هذا السياق هي بحسب رأيي، هي في أن الذهنية القبلية والعصبية، ما تزال تفعل فعلها في حياتنا السياسية والإجتماعية، وتحديداً في ولاءاتنا وتقلـّبات مواقفنا. ليس فقط في مجال التنافس الداخلي، ولكن في علاقاتنا ومعاملاتنا مع الجهات الخارجية العدوة والصديقة.

ما أود قوله في الحقيقة هو الآتي: نحن لا نميز الخصم السياسي الداخلي من المستعمر المستوطن على أرض استولى عليها بالقوة والخداع.

أغلب الظن أن الخصومة بين مكونات المجتمع ليست سياسية، أين المشاريع السياسية التي نتنازع أو نتحاور حولها؟ كما أني أعتقد أن الذهنية القبلية والعشائرية هي غير قادرة على استيعاب مفهوم الإستعمار الإستيطاني. كأن التصدي للمشروع الإستعماري الإسرائيلي مسألة خيار أو ميل، وليست مسألة وجود!


«على كل لبناني، كما على كل سوري، أن يتذكر أننا الجيران المباشرون لهذا المطمع ولهذه القوة، وان المشروع الإسرائيلي لن يعرف التوسع المأمول إلا بمروره على أجسادنا..» ( 4 تشرين أول 1947 ـ ميشال شيحا).


بناء عليه لا غرابة في أن يتجند بعض الناس في بلاد العرب في جيوش الوكالات الأمنية الأميركية وفي أن يتقاضوا مرتبات من آل سعود أو من آل ثاني، وأن يقاتلوا أناسا آخرين، في بلاد العرب، إرتأى الأميركيون والمستعمرون الإسرائيليون، أن قتالهم في الراهن هو أولى.
لنتذكر، لعل الذكرى تنفع، في البدء أعلنوا الحرب تلو الحرب على الناصرية إلى أن هزمت.

ثم انتقلوا إلى معالجة المقاومة الفلسطينية إلى أن تشوهت ووهنت، فأمكن طردها، حتى استلبتها أفكار المستعمرين. بموازاة ذلك ظهر العسسُ بلادنا من الوطنيين الذين كانوا يحلمون بمحو الأمية وبإطعام الجوعى وبعلاج المرضى. لم يبق الآن إلا المذاهب والأعراق.. إن شيعة السفارة وسنة آل سعود، وكرد البارازاني لا يصنعون ثورة !

واشنطن للأكراد: ربط مناطق الحكم الذاتي وترك الرقة


عامر نعيم الياس

تقدّمت ما تسمى بوحدات حماية الشعب الكردي على امتداد مناطق الشمال السوري. خرائط أضحت تنشر من جانب الأكراد حول إقليمهم تارة، ودولتهم تارةً أخرى، وسط صمت بدأ يُكسر من قبل بعض الإعلام وإن متأخراً، كما جرت العادة.


هو تقدمٌ يهدف إلى ربط مناطق الحكم الذاتي الكردي وعاصمته «القامشلي» السورية والتي لا تزال وفق «لوموند» الفرنسية «معقلاً رئيسياً للنظام السوري». فيما عاصمة إقليم «روج آفا» بانتظار التعليمات التنفيذية من قبل الأميركي لفتح المواجهة مع الجيش السوري هناك. هذا الأميركي الذي من الواضح أنه يتحكم بكامل التوجّه الميداني الكردي على الأرض.

ففي وقتٍ تنشغل الصحافة الأوروبية بالحديث عن تداعيات التقدم الميداني الكردي في تل أبيض، الذي مثّل «خبراً سيئاً لأردوغان» وفق عنوان أحد تقارير «لوموند»، تتجه الصحافة الأميركية إلى الحديث عن الخطوات الميدانية المقبلة للأكراد وأولوياتهم على الأرض السورية.

فالجناح الكردي المقاتل في سورية والمنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي يتّجه في الوقت الحالي إلى عدم استكمال التقدم الميداني إلا في حدود ربط مناطق إقليم الحكم الذاتي الكردي الممتد من عين العرب باتجاه القامشلي وصولاً إلى عفرين.

فالرقة المعقل الرئيس لـ«داعش» وعاصمة «دولته»، ليست موضوعة اليوم على جدول الأعمال الأميركي قبل الكردي، إذ نقلت صحيفة «يو أس إي توداي» الأميركية عمّن أسمتهم مسؤولين عسكريين أكراد «ترددهم من استخدام الزخم الميداني على خلفية دخول تل أبيض في الهجوم على معقل داعش في الرقة».

هذا الإنجاز الذي وصّفته الصحيفة الأميركية خير توصيف بالقول إنه «يفتح الطريق نحو جيبين كرديين معزولين». لكن، لماذا هذا التوجّه الأميركي لعدم استكمال قتال «داعش» في الرقة؟


تشكّل وحدات حماية الشعب الكردي الذراع الأميركية الأكثر موثوقيةً في الحرب السورية اليوم. وعلى رغم اعتماد الإدارة الأميركية على «النصرة» أيضاً باعتبارها الرهان الأكثر نجاعةً على الأرض، إلا أن الأكراد وإيديولوجية أحزابهم السياسية، وتقاليد مجتمعاتهم، وطبيعة قضيتهم الانفصالية، وروايات مظلومياتهم التاريخية، تدفع واشنطن باتجاه الحرص عليهم وعدم زجّهم في مغامرات خاسرة وليست على جدول الأعمال في الوقت الحالي.

فالمهم من التقدم الميداني لكافة القوى التي تدور في فلك المشروع الأميركي، أو حتى تلك التي تحاربها واشنطن علناً، أن يتم استبعاد الجيش السوري من الأرض هذا أولاً.

وثانياً، ضمان مناطق نفوذ خالصة لواشنطن في سورية، وهو أمر تكمن أولويته الأساس في تأمين الاتصال الجغرافي بين مناطق الحكم الذاتي الكردي.

أما ثالثاً والأهم، فضمان استنزاف سورية وتدميرها سواء عبر المعارك التي تقودها الميليشيات المختلفة، أو عبر تبرير التدخل بوجود سرطان كـ«داعش» ينتشر على الأراضي السورية.

هنا يبرز دور «داعش» في الرقة وضرورة الحفاظ على وجوده في الوقت الحالي وعدم ترك القوات الكردية تتمدد باتجاه معقل التنظيم في سورية وعاصمته، فضلاً عن إدراك واشنطن حجم المعركة التي تنتظر القوات الكردية هناك.


تقطع الإدارة الأميركية وتسريباتها الإعلامية وتصريحات المسؤولين الكرد لإعلامها الطريق حالياً على معركة الرقة، فالطموح الكردي في سورية المعزّز بغطاء سياسي وجوي أميركي يقتصر على استكمال وصل الجيوب الكردية المتناثرة هنا وهناك لإنجاح عملية الولادة القيصيرية «لكردستان سورية» لتنضم إلى جارتها «دولة الخلافة».

أحكام إعدام لا تعدم أحدا

عبد الحليم قنديل

لا تبدو الضجة الكبرى المثارة حول أحكام إعدام قادة الإخوان في محلها، ولسبب غاية في البساطة، هو أنها أحكام إعدام لا تعدم أحدا، وجنازة حارة لميت حي، يأكل ويشرب وينام على سرير الزنزانة.

وقد أحاط القانون المصري أحكام الإعدام بضمانات غاية في التشدد، وألزم المعنيين بتدرج قضائي طويل المدى، ومن سبع خطوات، تستغرق في مجموعها ثلاث سنوات على أقل تقدير، فمن حق محاكم الجنايات أن تحيل أوراق من تشاء إلى فضيلة المفتي أولا، ثم لها أن تنتظر «الرأي الشرعي للمفتي» ثانيا، ثم يعرض حكم الإعدام على محكمة النقض ثالثا، التي غالبا ما تلغي الحكم، وتأمر بإعادة المحاكمة أمام دائرة جنايات أخرى رابعا، ثم يعرض حكم الإعدام لو جرى تأييده على محكمة النقض في خطوة خامسة، ولو قبلت محكمة النقض الطعن في الحكم الجديد، فسوف تباشر بنفسها نظر الدعوى من نقطة الصفر، وتتحول إلى محكمة موضوع في خطوة سادسة، وغالبا ما تلغى أحكام الإعدام، ولو حدث وأيدتها في أحوال نادرة جدا، فسوف تكون الأحكام في انتظار الخطوة الوجوبية السابعة، وهي حق رئيس الجمهورية في التصديق على التنفيذ، أو الامتناع وتخفيف الحكم إلى الدرجة الأدنى.

وقد يرى البعض عيبا هائلا في التدرج القضائي الطويل العريض، وأن العدالة البطيئة من صور ظلم الضحايا، وهذا مفهوم أخلاقيا، لكن إعدام شخص قضائيا ليس أمرا هينا، ونفاذ الإعدام لا يبقي من سبيل للمراجعة القانونية، وهو ما حرص المشرع المصري على تلافيه، وعلى توافر الثقة الكاملة الجامعة المانعة للشك في استحقاق متهم ما لحكم الإعدام، وعلى إلزام النيابة العامة وجوبيا بالطعن على أي حكم إعدام، وحتى لو لم يطعن المتهم الذي صدر ضده الحكم، وهو إجراء له حكمته الظاهرة، فأحكام محاكم الجنايات نهائية ولها قوة الأمر المقضى به، وتلقائية التنفيذ في العقوبات الأدنى من حكم الإعدام، فالمحكوم بسجنه من حقه أن يطعن مع قضائه للعقوبة، لكن المحكوم بإعدامه لن يبقى حيا لو نفذ الحكم، ولن يكون بوسعه الطعن ولا الاستفادة من الطعن أمام محكمة النقض، بل تنقضى الدعوى كلها بوفاته، وهو ما جعل الطعن إلزاميا للنيابة في حالة أحكام الإعدام، ومع تأجيل تنفيذها إلى حين استنفاد كافة درجات التقاضى، التي تجعل الحكم نهائيا وباتا وقابلا للتنفيذ، وفي انتظار تصديق رئيس الجمهورية الذي من حقه العفو.



ولسنا بصدد أحاديث أو افتراضات نظرية مرسلة، فهذه الضمانات تقيد أحكام الإعدام، وتنزل بعددها إلى أدنى حد، ويكفي أن تتابع ما جرى قضائيا خلال العام الأخير مثلا، فلم تنفذ أحكام الإعدام سوى في قضية التنظيم الإرهابي المعروفة إعلاميا باسم «عرب شركس»، وقد نظرت القضية أمام محكمة عسكرية بحكم طبيعة الجرائم فيها، والمحاكم العسكرية متعددة الدرجات، لكن أحكامها لا تعرض على محكمة النقض المدنية، بينما لم تؤيد محكمة النقض إلى الآن سوى حكم إعدام يتيم واحد في قضية إرهابي قتل طفلا في الإسكندرية، وهي جريمة موثقة بالفيديو، بينما رفضت محكمة النقض تأييد حكم إعدام الإرهابي الشهير عادل حبارة وجماعته، وأمرت بإعادة محاكمتهم من جديد، كما رفضت محكمة النقض أحكام الإعدام في قضية «العدوة» بالمنيا، وقد كانت بالمئات، وشملت محمد بديع مرشد الإخوان المحبوس، وأمرت بإعادة المحاكمة، وهو المتوقع له أن يجري في كل قضايا إعدام قادة الإخوان، بما فيها قضايا التخابر واقتحام السجون، التي تقرر فيها إعدام مرسي وبديع والشاطر مع أكثر من مئة آخرين، أغلبهم حوكموا غيابيا لكونهم من الهاربين، والأحكام الغيابية تسقط تلقائيا عند حضور المتهمين، حتى لو جرى تأييدها افتراضا من محكمة النقض نفسها. وقد لا ينازع أحد ـ خارج المجادلات الأوروبية ـ في قوة ردع أحكام الإعدام، وفي ضرورتها الشرعية والوضعية، وفي ضمانتها المؤكدة لحقوق القصاص وسلامة المجتمعات، سواء في جرائم القتل الجنائي، أو في جرائم القتل الإرهابي بالذات، لكن المشكلة تنشأ في سياق آخر، وبالذات مع التباس الإرهاب بالسياسة، ومع توجيه تهم لا ترقى إلى ارتكاب جرائم قتل مباشر بالذات لا بالواسطة، أو مع وجود جرائم قتل على الشيوع، لا يتوافر فيها شهود رؤية، ولا قرائن وأدلة جازمة، تتجاوز معاني التحريض والمشاركة في مؤامرة مفترضة، وفي مثل هذه الأحوال، قد لا تكون المجازفة بإصدار أحكام إعدام في محلها، وهو ما جعل المشرع المصري يضع الضمانات المذكورة كلها لتأجيل سريان حكم الإعدام، وتوفير درجات التقاضى، وإعادة النظر لسبع مرات، تستغرق أعواما طويلة، لا تجعل من محل لهذه الضجة الكبرى المثارة بصدد أحكام إعدام قادة الإخوان، فلسنا بصدد أحكام إعدام نافذة المفعول، وحتى يطالب البعض بوقف التنفيذ، ربما جهلا بطبائع ودرجات التقاضي في مصر، التي لا تحتاج إلى نصائح من أحد، لا من الخارجية الأمريكية، ولا من الاتحاد الأوروبي، ولا من «أردوغان» المصدوم انتخابيا، ولا من الممولين بمليارات البترودولار لدعاية بائسة، عبر منظمات وواجهات وأقنعة مريبة، دوافعها سياسية لا قانونية ولا إنسانية، «تسيس» ردود الأفعال المصطنعة، وتتوهم أن بوسعها إيذاء مصر، والنعي على أحكام الإعدام القضائية الابتدائية غير القابلة للتنفيذ، وادعاء غلبة السياسة على هذه الأحكام، وربما ادعاء الإيعاز للقضاة بإصدارها، وعلى ظن أن أحكام الإعدام تفيد النظام المصرى الحاكم، وهو ما لم يقم عليه دليل ولا شبهة دليل مرئي أو ظني، بل العكس هو الصحيح بالضبط، فأحكام الإعدام ـ بغير تنفيذ ـ لا تردع خصما سياسيا، ولا تفيد سياسيا سوى المحكوم بإعدامهم ابتدائيا، وتتيح المجال واسعا لافتعال حملات ضد النظام المصري في الدوائر الغربية بالذات، وحملات عنف وإرهاب انتقامي في الداخل المصري، فليس من مصلحة منظورة للنظام المصري في صدور أحكام إعدام لا تعدم أحدا، والحاصل أن القضاء هو الذي يورط السياسة لا العكس، ويحمل النظام المصري بانتقادات مضافة بسبب أحكام الإعدام إياها، وليس بوسع النظام أن يتدخل مباشرة، وإلا جرى اتهامه بالعدوان على القضاء، والمرة الوحيدة التي تدخل فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الآن، كانت لوقف سريان عقوبات سجن بحق صحافيين أجانب في القضية المعروفة باسم «خلية الماريوت»، وأصدر لذلك تشريعا خاصا، اعتبره البعض ـ عن حق ـ مخالفا لنصوص الدستور واستقلال المؤسسة القضائية.

لا يعني ذلك أن كل شيء على ما يرام في مصر الآن، لكنه يعني أن المصريين لا يحتاجون إلى نصيحة من أحد، وكل تحركات الاستقواء بالأجانب مصيرها معروف، وهو الذهاب إلى أقرب سلة مهملات، فالمصريون شعب عظيم، وقواهم الحية قادرة على تصحيح الخطى بإذن الله، وكفالة التوازن المفتقد في معادلة الأمن والحرية، فمصر بلد يخوض حربا منتصرة ضد جماعات الإرهاب، ومصر عصية على التفكيك، وحتى لو اجتمعت عليها الدنيا كلها، لكن المطلوب ـ ببساطة ـ فتح المجال العام واسعا لكل القوى والتيارات خارج دائرة الإرهاب، وخوض حرب موازية ضد الفساد الذي هو أخطر من الإرهاب، وتطبيق برامج «جبر الضرر» لكل أسر الضحايا بدون استثناء سياسي ولا تمييز عنصري، وتفكيك الجانب الأكبر من الاحتقان السياسي الحادث، وتعديل «قانون التظاهر» بما يوافق نص الدستور، وهو ما يتيح إخلاء سبيل فوريا لعشرات الآلاف من المحتجزين في السجون، وهم من غير المتهمين في قضايا عنف وإرهاب مباشر، وقد جرى إطلاق سراح مئات تلو مئات، سواء بقرارات النائب العام، أو باستخدام الرئيس السيسي لسلطته في العفو العام، وهو ما قد يصح التوسع فيه إلى أبعد مدى، وبالتوازي مع التحسن الظاهر الملموس في حالة الأمن.
وقد يكون السعي بالسياسة ممكنا، ومع الأخذ في الاعتبار استحالة «المصالحة» مع الإخوان ودواعشهم في المدى المنظور، وتلك على أي حال قصة أخرى، لا يصح أن تؤجل إعادة النظر في دفاتر النظام القوي الحاكم في مصر الآن، وبما يرد الاعتبار للحقوق والدماء المحرمة، واعطاؤها الأولوية قبل وبعد اختلافات السياسة، وكل ذلك قد يكون أسهل من مهمة أخرى، تتعلق بإصلاح مطلوب للنظام القضائي المصري، وعبر تشريع جديد جامع لأحوال السلطة القضائية، يبني لها استقلالا حقيقيا مشفوعا بالكفاءة الواجبة، ويخلصها من عثرات بطء التقاضي، وتحكم وزارة العدل في التفتيش القضائي، ومضاعفات السماح لرجال الشرطة بتقلد وظائف القضاة، وحظر الوظائف نفسها على أبناء الفقراء والعمال والفلاحين، ومع تنفيذ نص الدستور بوقف انتداب القضاة لوظائف إدارية، وإلى غير ذلك من شواهد خلل أصابت نظامنا القضائي عبر عقود، وهو الخلل الذي يتجلى ظاهرا في أحكام محاكم الجنايات، بما فيها أحكام الإعدام الجماعية التي تصدرها تلقائيا على الإخوان وعلى غيرهم، والتي تبدو مجازفة وبلا تدقيق كاف، وقد تنطوي على شبهة طلب رضا في غير محل، فوق أنها توحي بنقص فادح في الكفاءة المهنية لقضاة بلغوا من السن عتيا، وبدليل أن غالب هذه الأحكام تلغيها محكمة النقض، ولأسباب مهنية بديهية، من نوع سوء الاستدلال أو فساد تطبيق القانون، وهذه قضية تثير فزعا أكبر مما تثيره أحكام الإعدام المشكوك في تنفيذها، فوق استنزافها للخزانة العامة في جلسات محاكمة تمتد إلى العام والعامين، ثم تصدر فيها أحكام تلغيها محكمة النقض، ثم يستمر استنزاف المال وسمعة القضاء في جلسات إعادة محاكمة أخرى طويلة المدى، ثم تكون النهاية المعروفة في أغلب الحالات، وتلغى أحكام الإعدام التي لا تعدم أحدا.

"ديلك": وقود "الأرغون" الذي أحرق يافا

أنس أبو عرقوب

باكراً، أدركت "الحركة الصهيونية" أهمية امتلاكها أجهزة مخابرات قوية. إذ سبق إنشاء دولة إسرائيل بتسعة وعشرين عاماً، تأسيس جهاز المخابرات الأول للتجسّس على الفلسطينيين والعرب. ثم تبعه تأسيس عدّة أجهزة أتت كلّ حلقةٍ منها كمقدمة تمهّد الطريق بالخبرات للخطوة التالية.
كرّست أجهزة المخابرات الصهيونية جهودها لجمع معلومات تفصيلية حول القرى والعائلات الفلسطينية.
وأرفقت ذلك بحرب نفسية مدروسة لتفتيت النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات بين المسلمين والمسيحيين، تمهيداً لتنفيذ التطهير العرقي.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج تلك الأجهزة الاستخبارية، بدءاً من "شاي" جهاز مخابرات "الهاغاناة"، ثم وحدة "المستعربون". في هذا العدد، سنتطرق لمخابرات "الأرغون"، ثم ننتقل للحديث في الأعداد اللاحقة عن "الشاباك" و "الموساد" و "أمان"، وهي أجهزة المخابرات التي نشأت بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، بالاعتماد على ذلك التراث الإستخباريّ.


الحجّة المركزية التي ساقها قادة فرع "الهاغاناة" في القدس لتبرير انشقاقهم وتأسيسهم لمنظمة "الأرغون" كانت فشل "الهاغاناة" في توقّع ثورة الشعب الفلسطيني، نهاية شهر آب من العام 1929. إلى ذلك، أضيف فشلها في التصدّي لهجمات الثوّار. خلالها، بلغت خسائر الفلسطينيين 110 شهداء، وجُرح 232 شخصاً، وقد سقطت غالبيتهم بنيران الانتداب البريطاني، فيما قتل الثوار 133 مستوطناً، وأصيب 339 بجراح، وتم تحرير عدد من المستوطنات، رغم أن الثورة دامت لعدّة شهور فقط.
خلفت الثورة شعوراً عميقاً بالمرارة لدى بعض قادة "الهاغاناة" في القدس. وسادت قناعة بأن "الهاغاناة" ليست مؤهلة لقمع ثورة بهذا الحجم، بسبب حالة الترهّل المستشرية في صفوف قادتها، وإفتقار عناصرها للتدريب العسكري، وغياب جهاز استخبارات قويّ، يرصد إرهاصات أيّ ثورة تلوح في الأفق، وقد يتسبب نجاحها باقتلاع المشروع الصهيوني من جذوره.


في العام 1931، تم إنشاء منظمة "الأرغون"، فكانت جسداً نما كثمرة لفشل "الهاغاناة". وقد حرصت المنظمة الوليدة على إخضاع عناصرها للتدريبات الشاقّة، وأشاعت أجواء الإنضباط العسكري في صفوفها. وفي العام 1937، أسّست "الأرغون" جهاز استخبارات أطلقت عليه اسم "ميشي"، وهي الأحرف الأولى من جملة "قسم خدمة المعلومات" باللغة العبرية.
تمحورت جهود "ميشي" الإستخبارية حول الفلسطينيين والعرب، وزرع الجهاز مخبريه في فلسطين وسوريا ولبنان، كما في الدوائر الحكومية التابعة لسلطة الانتداب البريطاني. وكرس جهوداً لكشف الجواسيس الألمان والإيطاليين، وامتلك خلية تخصّصت بالتنصّت على المكالمات الهاتفية.
وبعد اندلاع الصراع الدامي مع "الهاغاناة" الذي سقط خلاله قتلى من الطرفين، استعان "الأرغون" بجهاز مخابراته، وأصبح التجسس الداخلي جزءاً من عمل "ميشي". فأظهر براعة بجمع المعلومات عن خصومه من قادة "الهاغاناة"، نشرها في تقريرٍ أسبوعي وزّعه داخل "الأرغون"، ولكنه تقريرٌ لم يتضمن تحليلاً وتقييماً للمعلومات التي يرصدها. خضع "ميشي" من الناحية الإدارية للقيادة القطرية لـ "الأرغون" المكونة من ثلاثة أشخاص بينهم القائد العام للمنظمة. وخلال فترة تعاون "الأرغون" مع بريطانيا، سلّمت الأولى مخابرات الأخيرة قوائم بأسماء العناصر الذين شكّلوا منظمة "ليحي" المنشقة عن "الأرغون"، فقامت السلطات البريطانية بإعتقالهم.
ظلّ الفلسطينيون بؤرة اهتمام "ميشي" الأولى حتى اعترتهم بوادر الضعف مطلع الأربعينيات، فركزت مخابرات "الأرغون" جهودها على جمع المعلومات عن الإنتداب البريطاني، الذي كانت تخطّط لتصعيد استهدافه تمهيداً لدفعه إلى الإنسحاب من فلسطين ثم إقامة دولة إسرائيل. في العام 1944، اختار "الأرغون" اسماً جديدا لمخابراته هو "ديلك"، ويعني بالعربية "الوقود". وتم تفسير الإسم بأن المعلومات المسبقة التي تقدّمها المخابرات للمقاتلين هي في واقع الحال الوقود الذي تشغّل محرّكات المنظمة.


بخلاف "ميشي"، كرّس "ديلك" الجزء الأكبر من مجهوده الإستخباريّ للتجسّس على سلطات الإنتداب البريطانيّ كما التجسّس الداخليّ. ومع ذلك، فإن العمل ضد الفلسطينيين لم يتوقف بشكلٍ تام، رغم أن تراخياً ألمّ به. ولكن، هذا الوضع تغيّر بشكلٍ جذريّ مطلع العام 1947، إذ ضاعف "ديلك" جهوده الإستخبارية حول مدينة يافا تمهيداً لتطهيرها عرقياً.
زوّدت مخابرات "الأرغون" عناصرها المهاجمين الذين تجاوز عددهم ستمئة مقاتل بالمعلومات المسبقة، تمهيداً لعملية احتلال المدينة التي بدأت يوم الأحد الواقع في الخامس والعشرين من نيسان العام 1948، وانتهت بعد يومين من تاريخه بتهجير الغالبية العظمى من أهالي يافا من ديارهم، ليتبقى من أصل 85 ألف نسمة يقطنونها ثلاثة آلاف فقط لا غير.
منذ العام 1944، وحتى حلّه بعد تفكيك "الأرغون" مطلع شهر حزيران العام 1948 ودمجها بجيش الإحتلال، تشكّلت هيكلة جهاز "ديلك" من قائدٍ قُطريّ، ونائب، وسكرتير عام، ومبعوثين. وتكوّن الجهاز من عدّة أقسام ترأس كلّ قسم منها مسؤول عنه. وفي كلّ فرع لـ "الأرغون"، عيّن قائدٌ محليّ تابع لجهاز مخابرات المنظمة، يجتمع بوتيرة دائمة بشكل شهريّ مع قيادة "ديلك" القطريّة. ونظّم "ديلك" دوارت تدريبية لعناصره حول أساليب جمع المعلومات والتجسّس والشيفرة وتحليل المعلومات.


يتوزّع العمل في أقسام "ديلك" على نحو منظّم، وبالشكل التالي:
- القسم العربيّ: جمع المعلومات عن الفلسطينيين بواسطة عناصر "الأرغون" الذين سكنوا في المدن المختطلة - حيفا، يافا، القدس – أو في المستوطنات المحاذية للمدن والقرى الفلسطينية. وحصل القسم على معلومات حسّاسة من شرطة ومباحث الإنتداب البريطاني، ومن مصلحة السجون، ومن الدوائر الإنتدابية الأخرى. أيضاً، تزعم أدبيات "الأرغون" أن "ديلك" استعان بخونة عرب في إطار التجسّس على مجموعات الثوار المسلّحة.

- قسم الأمن: تخصّص بجمع المعلومات حول مؤسسات الإنتداب البريطانيّ والشرطة والجيش. نجح "ديلك" في جمع المعلومات عن طريق موظفين ورجال شرطة يهود عملوا ضمن مؤسسات الانتداب. وهذا القسم كان أيضاً مسؤولاً عن ترتيب العلاقات مع "مقر قيادة الشتات في الأرغون في العاصمة الفرنسية باريس"، الذي كان يستقي معلوماته من مصادر خارجية حول التطورات في العالم العربي. أما المعلومات المتعلقة بالشؤون الدولية فتمّ جمعها في بريطانيا.

- قسم التجمّعات السكنيّة اليهوديّة: هذا القسم جمع معلومات حول المؤسسات الصهيونية العامّة داخل المستوطنات، وعن منظمة "الهاغاناة"، وعن الأحزاب الصهيونية، وعن حركات الشبيبة اليهودية في فلسطين.

- قسم الصحافة: تخصّص بإدارة العلاقة مع الصحف العبرية والإنكليزية الصادرة في فلسطين، إلى جانب بناء العلاقات مع صحف أجنبية في الخارج. العلاقة مع الصحافة كانت تبادلية، فقدم "ديلك" معلومات وأخباراً للنشر، واستعان بالمقابل بالصحافة لجمع المعلومات. أيضاً، وكحال "شاي" - جهاز مخابرات "الهاغاناة" - كان "ديلك" مرتبطاً بعلاقةٍ وثيقة باليهودي اريه زيف، وهو رئيس "جهاز الرقابة العسكرية الانتدابية على النشر"، الذي قدّم لـ "ديلك" كلّ الأنباء التي تحظر سلطات الإنتداب نشرها، سواءّ في الصحف العربية أو الصادرة باللغتين الإنكليزية والعبرية. تلك الأنباء كانت هامة لتشخيص توجّهات سلطات الإنتداب والرأي العام الفلسطيني.

- قسم الترجمة: أعدّ مواد دعائية نشرت بلغاتٍ متعدّدة. وقام بصياغة منشورات باللغة العربية، جرى توزيعها في سياق الحرب النفسية التي شنّها "الأرغون" ضد الفلسطينيين بالتوازي مع الهجمات الإرهابية الدامية. وأرسلت الكتيبات والمنشورات الدعائية التي أعدّها القسم إلى الخارج، ووزّعت على جهات صحافية في العالم وفي أوساط اليهود، بهدف جمع التبرعات.

- قسم الأمن الخارجيّ: نظّم لقاءات مع المراسلين الصحافيين الغربيّين وممثلي المؤسسات الأجنبية لتحقيق أهداف دعائية وإظهار "الأرغون" كمنظمة تقاتل الإستعمار. وهدف ذلك إلى إيجاد رأي عامٍ دوليّ مساند للهجمات التي يشنّها ضد الإنتداب، بإغفال حقيقة أن المنظمة تستهدف أيضاً وأساساً أهل البلد الأصليين.

"الأرغون"، خلال مسيرته، هاجم الفلسطينيين والبريطانيين، وحتى خصومه الصهاينة في "الهاغاناة" و "ليحي". وأدّى "ديلك" دوراً محورياً في الحفاظ على بقاء "الأرغون" كمنظمة عسكرية سريّة حتى إنشاء دولة إسرائيل. ومع ذلك، فإن "ديلك" فشل بحسب المؤرخين الصهاينة بكشف حجم إختراق "الهاغاناة" لصفوفه المنظّمة. ما يفسّر الخسائر التي لحقت بـ "الأرغون" خلال الحرب التي درات رحاها بين الطرفين.

2015/06/30

أيُّ إسلام يمنع أميركا من السيطرة على العالم؟


عصام نعمان

لصموئيل هانتينغتون نظرية ونبوءة.

النظرية هي صِدام الحضارات. النبوءة هي عجز الغرب، بفضل الحضارة الإسلامية، عن السيطرة على العالم.

كان هانتينغتون يقول إنّ الفروق بين الحضارات ليست فروقاً حقيقية فحسب بل فروق أساسية أيضاً. فالحضارات تتمايز الواحدة من الأخرى بالتاريخ واللغة والثقافة، والأهم بالدين. ولأن الإسلام والمسلمين يشكّلون حضارةً واحدة، فقد استشف هانتينغتون من تاريخ صراعات المسلمين مع جيرانهم ومنافسيهم خطراً مقيماً على الغرب.

كثيرون فسّروا نظرية صِدام الحضارات بأنها دعوة عنصرية لشن الحرب على الإسلام والمسلمين. فما دام تاريخ الإسلام خلال أربعة عشر قرناً يشكّل، بحسب نظرية هانتينغتون، خطراً على أية حضارة واجهها، بخاصة المسيحية، فإن المهدَدَين بهذا الخطر مدعوون إلى تداركه بشن حروب استباقية على المسلمين.

هانتينغتون غيّر رأيه لاحقاً إذ اتّهم أميركا بأنها أوجدت بؤرةً كبيرة لنشر صِدام الحضارات بين الإسلام والغرب بشنها الحرب على أفغانستان والعراق، وأطلق نبوءةً جديدة مفادها أن الأميركيين حققوا النصر على نظام صدام حسين، لكنهم لم ينجحوا أبداً في تحقيق النصر على الشعب العراقي.

في حديث كان أدلى به لمجلة «لوبوان» الفرنسية، وصف هانتينغتون الحرب الأميركية على العراق بأنها «فعلة سيئة للغاية»، وحذّر من أن الولايات المتحدة ستكون أول من سيعـاني من تداعيات الحرب على كلٍ من أفغانستان والعراق.

يقول هانتينغتون إنه توقع أن تواجه بلاده حرباً من الشعب العراقي بعد هزيمة نظام صدام حسين، مشيراً إلى أن هذه الحرب بدأت فعلاً لحظةَ سقوط الرئيس العراقي، و«على وجه الدقة مع بدء عملية عصيان أهل السنّة في مدينة الفلوجة».

لعل العنصر الجديد البارز بل الأبرز والأكثر إثارة للجدل في نبوءة هانتينغتون الدور الغالب للايديولوجيا في صراع الحضارات بالمقارنة مع التكنولوجيا. ففي معرض تعداد الأسباب التي جعلته يعارض الحرب الأميركية على العراق، أكد الفيلسوف الأميركي أن الغرب لن يستطيع أبداً السيطرة على العالم كما حدث عقب الحرب العالمية الأولى في الربع الأول من القرن الماضي.

هانتينغتون برر ذلك بأن الحضارة الإسلامية، على وجه الخصوص، صارت تشكّل تكتلاً أيديولوجياً سيجبر الغرب على التخلي عن أية طموحات في تعميم فكره وقيمه على العالم.

أكثر من ذلك، طالب هانتينغتون الغرب بالاعتراف بأن الحضارات الكبرى، مثل حضارات العالم العربي والإسلامي والصين، تتقدم على الساحة الدولية وفقاً لإيقاعاتها الخاصة ومن دون أن يكون لديها قيم الغرب وعاداته.

مع نبوءته هذه، توقّفت العولمة عن أن تكون الأمركة، كما ينهار إدعاء فرانسيس فوكوياما بـ «نهاية التاريخ» وانتصار ليبرالية الغرب الأميركي وحداثته الكاسحة. فقيم الغرب وعاداته وأساليبه في التفكير والتدبير ليست شرطاً للتقدم والانتصار.

ثمة دور للايديولوجيا، على ما يبدو، ما زال فاعلاً وغالباً بالمقارنة مع التكنولوجيا التي كان مفكرو الغرب الأميركي قد بكّروا في إعلان انتصارها السابق لأوانه على الايديولوجيا. هانتينغتون خرج من تأملاته في الحرب الأميركية على العراق باستنتاج مفاده أن صيرورة الحضارة الإسلامية تكتلاً أيديولوجياً سيجبر الغرب، في قابل الأيام، على التخلي عن طموحاته في تعميم فكره وقيمه وتقاليده على العالم.

هانتينغتون لا تعوزه الأمثلة لإثبات نبوءته. إنها حضارات العالم العربي والإسلامي والصين. المقصود بهذه الحضارات، باستثناء الصين، الحضارة الإسلامية الشاملة التي تنطوي على جملة حضارات أو ثقافات: العربية والفارسية والتركية والهندية والملاياوية والإندونيسية. ولعل الفيلسوف الأميركي استوقفته إنجازات ماليزيا الحضارية في ميادين عدة، كما أخذ في الاعتبار عودة إيران إلى النهوض في ظل حكم إسلامي له إيقاعاته المتميزة عن الغرب.

كما أن تركيا التي كانت سلكت طريق الحداثة الأوروبية في ظل نظام مصطفى كمال أتاتورك العلماني عادت إلى مصالحة أصالتها الإسلامية في ظل حكم حزب إسلامي متجدد العدالة والتنمية – من دون التنكر لحداثتها ورغبتها في الانتماء السياسي للاتحاد الأوروبي.

ثمة أمر آخر أعاد هانتينغتون النظر فيه. فقد كان يتهم الإسلام دائماً بأن له «حدوداً دموية»، مشيراً بذلك إلى النزاعات مع الصرب الأرثوذكس في البلقان ومع الهندوس في الهند ومع اليهود في «إسرائيل» ومع الكاثوليك في الفيليبين، بمعنى أن الإسلام والمسلمين كانوا دائماً البادئين في شن الحرب على جيرانهم ومنافسيهم وأعدائهم.

غير أن الفيلسوف الأميركي أصبح بعدئذٍ يلوم بلاده في استفزاز الإسلام والمسلمين وبشن الحروب عليهم، بل هو دان أميركا بأنها «أوجدت بؤرة كبيرة لنشر صِدام الحضـارات بيـن الإسلام والغرب بشنها الحرب على أفغانستان والعراق» لكنه نسي أو تناسى أن اليهود الصهاينة، بدعم من أميركا، شنوا حروباً على العرب الفلسطينيين .

يتأسس على مسألة اتهام أميركا باستفزاز الإسلام والمسلمين وشن الحرب عليهم حقيقة مفادها أن ما يقوم به المسلمون، أفراداً وجماعات، من أعمال معادية للغرب عموماً ولأميركا خصوصاً إنما هو من قبيل رد الفعل والدفاع عن النفس.

ليس المقصود بهذا الاستنتاج تبرير هجمات 11 أيلول 2001 في نيويورك وواشنطن، إنما تسجيل فكرة محددة هي أن هذه الهجمات وغيرها تندرج في خانة ردود الفعل على هجمات الغرب الأسبق منها زمنياً والأقوى فعاليةً والأسوأ نيّةً التي أصابت المسلمين في مناطق شتى من العالم وتطورت لاحقاً لتتخذ شكل حروب استباقية صريحة القصد والغرض وشديدة الوطأة والأثـر على بلدان إسلامية عدّة، بعضها بالوكالة كما في حرب «إسرائيل» على الفلسطينيين، وبعضها الآخر بالأصالة كما في حرب أميركا على أفغانستان والعراق.

لو لم تتخذ هجمات الغرب الغرب الأميركي تحديداً طابعاً ثقافياً وأيديولوجياً متقدماً على طابعها الاقتصادي النفعي لما كنا نشاهد اليوم رد الفعل الغاضب الشامل على أميركا خاصة وبعض أوروبا عامة في أعماق العالم العربي والإسلامي بل في أعماق أوروبا وأميركا أيضاً حيث المسلمون جاليات وافدة تعتمد في تحصيل لقمة عيشها على اقتصادات دول غير إسلامية.

إن شعور المسلمين في دول أوروبا وأميركا، ناهيـك بالمسلمين في أوطانهم الأصلية المستباحة، بأنهم عرضة لهجمات تستهدفهم في كرامتهم الإنسانية ودينهم وثقافتهم وقيمهم وسلوكهم وتقاليدهم الاجتماعية، دفعهم ويدفعهم إلى التكتل والتمسك بدينهم وثقافتهم وتراثهم في قلب الحداثة الغربية التي ينهلون منها ويفيدون من إنجازاتها.

كل ذلك أدى ويؤدي إلى جعل الإسلام والمسلمين في أربع جهات الأرض حضارة تشكّل، على حد قول هانتينغتون، « تكتلاً أيديولوجياً سيجبر الغرب على التخلي عن أي طموحات في تعميم فكره وقيمه على العالم».

بات صِدام الحضارات، بحسب اتهام هانتينغتون لبلاده، بعد حربها على أفغانستان والعراق، « بؤرةً كبيرة « لا يقتصر انتشاره على هذين البلدين بل يلتهب أيضاً في أعماق أوروبا وأميركا. صحيفة «انترناشيونال هيرالد تريبيون» كانت نشرت تحقيقاً تحت عنوان «الدعوة إلى الجهاد تتصاعد في شوارع أوروبا»، تتضح منه دعوة حارة يستجيب لها المسلمون في «شوارع الطبقة العاملة في المدن الصناعية القديمة مثل كراولي ولوتن وبرنينغهام ومانشستر في بريطانيا وشتى معاقل الجاليات العربية في ألمانيا وفرنسا وسويسرا وأنحاء أخرى من أوروبا». إنها حالة غضب وسخط عارمة ضد أميركا، إذ نسبت الصحيفة الأميركية العالمية ذاتها إلى أحد مسؤولي مكافحة الإرهاب في أوروبا قوله:

«لقد عززت الحرب على العراق بصورة دراماتيكية جهود التعبئة لدى الناشطين والمتطرفين الذين اتخذوا المساجد مسرحاً لأنشطتهم».

كما نسبت إلى أحد زعمائهم في منطقة سلاو في لندن، الشيخ عمر بكري محمد، قوله مخاطباً زعماء الغرب: «بإمكانكم أن تقتلوا بن لادن، لكن ليس بإمكانكم أبداً قتل الظاهرة… لا يمكنكم تحطيم الإسلام».

في الصحيفة ذاتها عنوان آخر عن نقد لاذع كان وجّهه 52 سفيراً ومسؤولاً ديبلوماسياً رفيعاً في بريطانيا إلى رئيس الحكومة آنذاك طوني بلير في مذكرة نددوا فيها بسياسة بريطانيا وأميركا في الشرق الأوسط. أنها، بمعنى من المعاني، صدى غضبة العرب والمسلمين في بلدانهم وإخوانهم في دول الغرب، ورد فعل عقلاني مدّوي من طرف النخبة البريطانية المفكرة والجادة على دعم بلير غير المتردد لسياسة إدارة بوش الابن في العراق وموقفها من الصراع «الإسرائيلي» الفلسطيني وإدانة لها وحكم صريح عليها بالفشل المحتوم.

المهم في هذا كله أن الفكرانية الانتلجنسيا الغربية، بشطريها الأوروبي والأميركي، تحركت أخيراً في وجه هجمة بوش الابن وأمثاله اللاحضارية على البلدان الإسلامية التي باتت في رأيهم تهدد الغرب، سياسياً واقتصادياً وثقافياً، بعواقب وخيمة.

وإذا كان إحباط هذه الهجمة يتوقف، في الدرجة الأولى، على نجاح المعارضة الداخلية السياسية والثقافية في أميركا وأوروبا لسياسات بوش الابن وأمثاله الحمقاء، فإن ذلك النجاح يبقى مشروطاً بتصعيد الضغط العربي والإسلامي، بطريق المقاومة المدنية والميدانية، على حكومات الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها لإحباط مخططاتها الشريرة في العراق وسورية وفلسطين وسائر الدول والمناطق الساخنة في العالم العربي والإسلامي، ولاسيما بعد لجوئها إلى التحالف أحياناً مع تنظيمات العنف الأعمى الإسلاموية لمواجهة قوى المقاومة العربية، المدنية والميدانية.

غياب الفهم الصحيح لمسألة الهويّة


صبحي غندور

تميّز النصف الثاني من القرن العشرين، بطروحات فكرية وبحركات سياسية ساهم بعضها أحياناً بتعزيز المفاهيم الخاطئة عن ثلاثية (الوطنية والعروبة والدين)، أو ربّما كانت مشكلتها في فكرها الآحادي الجانب الذي لم يجد أيَّ متّسعٍ للهويّات الأخرى التي تقوم عليها الأمَّة العربية. فهويّة الأمّة العربية هي مزيج مركّب من هويّات (قانونية وطنية) و(ثقافية عربية) و(حضارية دينية). وهذا واقع حال ملزِم لكل أبناء البلدان العربية حتى لو رفضوا فكرياً الانتماء لكلّ هذه الهويّات أو بعضها.

الآن نجد على امتداد الأرض العربية محاولات مختلفة الأوجه، ومتعدّدة المصادر والأساليب، لتشويه معنى الهويّة العربية ولجعلها حالة متناقضة مع التنوع الإثني والديني الذي تقوم عليه الأرض العربية منذ قرونٍ عديدة.

وأصبح الحديث عن مشكلة "الأقليّات" مرتبطاً بالفهم الخاطئ للهويّتين الوطنية والعربية، حيث المحصّلة هي القناعة بأنّ حلاً لهذه المشكلة يقتضي "حلولاً" انفصالية كالتي حدثت في جنوب السودان وفي شمال العراق، وكالتي يتمّ الآن الحديث عنها لمستقبل عدّة بلدانٍ عربية. وهذا الأمر هو أشبه بمن يعاني من مرضٍ في الرأس فتُجرَى له عملية جراحية في المعدة!!. إذ أساس مشكلة غياب "حقوق بعض المواطنين" هو غياب الفهم الصحيح والممارسة السليمة لمفهوم "المواطنة"، وليس قضية "الهويّة".

وعجباً، كيف تُمارس الإدارات الأميركية نهجاً متناقضاً في المنطقة العربية مع ما هي عليه من تاريخ وثقافة، وكيف تُشجّع على تقسيم الشعوب والأوطان وعلى إضعاف الهويّة العربية عموماً!!. ففي الولايات المتحدة نجد اعتزازاً كبيراً لدى عموم الأميركيين بهويتهم الوطنية الأميركية (وهي هُويّة حديثة تاريخياً)، رغم التباين الحاصل في المجتمع الأميركي بين فئاته المتعدّدة القائمة على أصول عرقية وإثنية ودينية وثقافية مختلفة. فمشكلة الأقليات الإثنية والعرقية والدينية موجودة في أميركا لكنّها تُعالج بأطر دستورية وبتطويرٍ للدستور الأميركي، كما حدث أكثر من مرّة في مسائل تخصّ مشاكل الأقليّات، ولم يكن "الحل الأميركي" لمشاكل أميركا بالتخلّي عن الهويّة الأميركية المشتركة ولا أيضاً بقبول النزعات الانفصالية أو بتفتيت "الولايات المتحدة".

كما أستغرب فعلاً أن تكون بعض الأصوات العربية المقيمة في أميركا والغرب، في إطار المفكرين أو الناشطين حالياً مع معارضات عربية، تُساهم في هذه الحملة المقصودة ضدّ الهويّة العربية، أو تؤيّد الآن حركات الانفصال والتقسيم لأوطان عربية، وهي تُدرك ما أشرت إليه عن خلاصات التجربة الدستورية الأميركية، إضافةً إلى تجارب دستورية أوروبية مشابهة تسعى للاتّحاد والتكامل بين "أمم أوروربية" قائمة على ثقافات ولغات وأديان وأصول عرقية مختلفة.

أيضاً، نجد في داخل بعض الأوطان العربية أنّ ضعف الولاء الوطني لدى بعض الناس يجعلهم يبحثون عن أطر فئوية (قبلية وعشائرية وطائفية) بديلة عن مفهوم المواطنة الواحدة المشتركة، وربّما يمارسون استخدام العنف ضدّ "الآخر" في الوطن نفسه من أجل تحصيل "الحقوق"، كما نجد من يراهنون على أنّ إضعاف الهويّة الثقافية العربية أو الانتماء للعروبة بشكلٍ عام سيؤدّي إلى تعزيز الولاء الوطني، أو نجد من يريدون إضعاف التيّارات السياسية الدينية من خلال الابتعاد عن الدين نفسه.

إنّ الفهم الصحيح والممارسة السليمة لكلٍّ من "ثلاثيات الهويّة" في المنطقة العربية (الوطنية والعروبة والدين) هو الحلُّ الغائب الآن في أرجاء الأمَّة العربية. وهذا "الحل" يتطلّب أولاً نبذاً لأسلوب العنف بين أبناء المجتمع الواحد مهما كانت الظروف والأسباب، وما يستدعيه ذلك من توفّر أجواء سليمة للحوار الوطني الداخلي، وللتنسيق والتضامن المنشود مستقبلاً بين الدول العربية.

إنّ الدين يدعو إلى التوحّد وإلى نبذ الفرقة. إنّ العروبة تعني التكامل ورفض الانقسام. إنّ الوطنية هي تجسيد لمعنى المواطنة والوحدة الوطنية. فأين العرب من ذلك كلّه؟.

إنّ ضّعف الولاء الوطني يُصحَّح دستورياً وعملياً من خلال المساواة بين المواطنين في الحقوق السّياسية والاجتماعيّة، وبالمساواة أمام القانون في المجتمع الواحد، وبوجود دستور يحترم الخصوصيات المكوّنة للمجتمع.

كذلك هو الأمر بالنّسبة للهويّة العربية، حيث من الضروري التمييز بينها وبين ممارسات سياسية سيّئة جرت من قِبَل حكومات أو منظمات أساءت للعروبة أولاً، وإن كانت تحمل شعاراتها. فالعروبة هي هويّة ثقافية جامعة لا ترتبط بنظام أو حزب أو مضمون فكري محدّد، وهي تستوجب تنسيقاً وتضامناً وتكاملاً بين العرب يوحّد طاقاتهم ويصون أوطانهم ومجتمعاتهم.

ما حدث ويحدث في العقود الأربعة الماضية (منذ منتصف عقد السبعينات) يؤكّد الهدف الأجنبي بنزع الهويَّة العربية، عبر استبدالها بهويّة "شرق أوسطية"، بل حتّى نزع الهويّة الوطنية المحلّية والاستعاضة عنها بهويّات عرقية ومذهبية وطائفية .. وفي هذا التحدّي الأجنبي سعيٌ محموم لتشويه صورة الإسلام والعروبة معاً، من أجل تسهيل السيطرة على الأوطان العربية وثرواتها.

لقد أكّدتُ، منذ بدء الثورات والانتفاضات الشعبية العربية في مطلع العام 2011، على أهمّية التلازم بين مسائل: "الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية". فهذا التلازم بين هذه القضايا الثلاث يصون كلٌّ منها الآخر ويُحقّق مصالح الناس والأوطان والأمَّة معاً. فكل القوى الأجنبية التي تدعم "الديمقراطية لا غير"، تدعم أيضاً التخلّي عن الهويّة العربية وتُشجّع على التناقض مع حركات التحرّر والمقاومة، وسبيلها لذلك هو تشجيع الانقسامات الطائفية والإثنية، حيث تضعف أولاً "الهويّة الوطنية" ويكون "العدو" هو "الآخر في الداخل" وليس الطرف المحتل أو الأجنبي. كذلك فإنّ إضعاف "الهويّة العربية" يبرّر العلاقة مع الأجنبي والاستنجاد به، كما يُوهن التضامن الشعبي العربي مع القضية الفلسطينية أو أي قضية عربية ترتبط بالمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي ومن يدعمه.

المؤلم في واقع الحال العربي أنّ الأمَّة الواحدة تتنازع الآن فيها "هويّات" مختلفة على حساب الهويّة العربية المشتركة. بعض هذه الهويات "إقليمي" أو "طائفي"، وبعضها الآخر "أممي ديني أو عولمي"، كأنَّ المقصود هو أن تنزع هذه الأمَّة هُويّتها الحقيقية ولا يهمّ ما ترتدي من بعدها، من مقاييس أصغر أو أكبر في "الهُويّات"، فالمهمُّ هو نزع الهويّة العربية !

لو أنَّ كيانات هذه الأمَّة العربية قائمةٌ على أوضاعٍ دستورية سليمة تكفل حقّ المشاركة الشعبية في الحياة السياسية وتصون الحقوق السياسية والاجتماعية للمواطنين، هل كانت لتعيش ضعفاً وتنازعاً كما حالها الآن؟.

فالأوضاع السائدة الآن، في معظم البلاد العربية، كلّها أزمات تحمل مخاطر كوابيس لن يكون أيٌّ منها محصوراً في دائرته المباشرة، بل ستكون المنطقة بأسرها ساحةً لها ولانعكاساتها ولتفاعلاتها المتصاعدة. وهذه الكوابيس بدأت كلّها أحلاماً من أجل "الحرية" أو "الديمقراطية" أو حقوق "الأقليات"، ثم تعثّرت بعد ذلك في قيودِ عبوديةِ أوضاعها الداخلية وفي توظيف القوى الإقليمية والدولية لحراكها. فما هو مشتركٌ بين هذه الأزمات العربية الراهنة هو أنّ بلدانها تفتقد للأرض الوطنية الصلبة، وللوحدة الوطنية السليمة، وللبناء الدستوريّ السليم، وللفهم الصحيح لمسألة "الهويّة".

خطة الخلاص من جمال عبد الناصر - خفايا الدور السعودى فى حرب 5 يونيو 1967

عمرو صابح

"السعودية من يوم العدوان لغاية دلوقتى بتهاجمنا.. بتهاجمنا فى جرايدها وبتهاجمنا فى إذاعتها، لكن لو بدينا إحنا بكره نهاجم السعودية كل الدنيا حتقول إن عبد الناصر ابتدا المهاترات وبيهاجم الملك فيصل، وباقول دلوقت بقى لنا شهر ونص من يوم المعركة، الجرايد السعودية بتهاجمنا، الإذاعة السعودية بتهاجمنا وتظهر الشماتة فينا، وبرغم كده، باقول إن إحنا قمنا بالواجب والرجال دايماً يقوموا بالواجب، ما هربناش من المعركة، كوننا خسرنا المعركة مش عيب، لكن لو كنا هربنا من المعركة كان دا اللى يكون عيب".
هذه هى كلمات الرئيس جمال عبد الناصر فى خطابه يوم 23 يوليو 1967 تعليقا على حملة الهجوم والشماتة التى شنها النظام السعودى بقيادة الملك فيصل بن عبد العزيز على هزيمة مصر فى حرب 5 يونيو 1967 .
ولكن هل أقتصر الأمر على الشماتة السعودية فقط فى هزيمة مصر أم أن الأمر أعقد وأعمق من ذلك ؟!
هذا ما سأعرضه موثقا من خلال هذه الدراسة.
فى شهر نوفمبر من عام 2007 م كتبت مقالى (غياب عبد الناصر ... هل كان صدفة ؟!)، وفيه عرضت مجموعة من الوثائق المنشورة والمتاحة للجميع والتى تثبت وجود مخطط للتخلص من الرئيس جمال عبد الناصر ونظام حكمه قبل نهاية عام 1970 م.
كان من ضمن الوثائق التى نشرتها فى المقال وثيقة خاصة بالملك السعودى الراحل فيصل بن عبد العزيز نقلتها عن كتاب (عقود من الخيبات) للكاتب /حمدان حمدان ، والوثيقة عبارة عن رسالة من الملك فيصل إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون .
وهى وثيقة بتاريخ 27 ديسمبر1966 م، وتحمل رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى ،وفيها يقول الملك السعودى:

"من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس ، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا ، وأن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا ، فلن يأتى عام 1970 – كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت – وعرشنا ومصالحنا فى الوجود

لذلك فأننى أبارك ، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا ، أن اقترحوه ، لأتقدم بالاقتراحات التالية:

-أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة ، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربية ، بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام.

- سوريا هى الثانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم ، مع اقتطاع جزء من أراضيها ، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر.

- لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة ، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين ، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية.

- نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق ، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق ، أو عن طريق تركيا و إيران.


يا فخامة الرئيس

إنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها ، دوام البقاء أو عدمه.

أخيرا

أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار".


المخلص : فيصل بن عبد العزيز

ملك المملكة العربية السعودية
عندما قرأ السيد"سامى شرف" سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق تلك الرسالة/الوثيقة فى مقالى (غياب عبد الناصر ..هل كان صدفة؟) على موقع منتديات الفكر القومى العربى قام بكتابة هذا التعليق :

"كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ أن سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى ، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه ،وناولنى وثيقة وقال لى : يا أبوهشام أريدك أن تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ،ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين ،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها ان عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة، رحم الله عبد الناصر العظيم ، كان وسوف يظل البعبع لأعداء العروبة والوحدة ، ولن يصح إلا الصحيح وإن طال الزمن."
كان هذا هو تعقيب الوزير"سامى شرف" على تلك الوثيقة بالغة الخطورة،وعندما تشرفت بلقائه سألته عن أسم الرئيس العربي الذى أطلعه على الوثيقة الأصلية لرسالة الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون ؟
فأجابنى السيد "سامى شرف" : أنه الرئيس السورى الراحل "حافظ الاسد".
وبقراءة دقيقة للرسالة/الوثيقة يمكننا ملاحظة التالى:

- الخطة التى يقترحها الملك السعودى للعمل ضد الدول العربية تكاد تكون هى خطة الحرب الإسرائيلية فى يونيو 1967م.

- زوال العرش السعودى عام 1970م إذا استمرت خطط جمال عبد الناصر واستمرت قواته فى اليمن ، والجدير بالملاحظة أن عبد الناصر هُزم عسكريًا عام 1967 م وتوفى عام 1970م.
- بذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول
( أرحموا شرير قوم ذل) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام.

هذه الجملة الواردة فى الرسالة / الوثيقة هى ما تم فعلا بعد الهزيمة فى 1967 عقب الهزيمة العربية فى حرب 5 يونيو 1967 ، تم عقد مؤتمر القمة العربى فى الخرطوم فى أغسطس 1967 وفيه تعهدت الدول العربية البترولية( السعودية ، الكويت ، ليبيا ) بتقديم مساعدات مالية إلى دول المواجهة مع إسرائيل لكى تستطيع مواصلة الحرب والعمل على محو أثار الهزيمة ، كما أتفق الرئيس عبد الناصر مع الملك فيصل على حل لمشكلة اليمن تضمن عودة فرقتين مصريتين كانتا هناك إلى مصر.
كنت أول من نشر هذه الرسالة/الوثيقة نقلا عن كتاب(عقود من الخيبات) للكاتب"حمدان حمدان" ، وقد انتشرت على الشبكة الإلكترونية ونسب الكثيرون الفضل لأنفسهم فى اكتشافها ونشرها، وليس هذا ما يعنينى فى الأمر ولكن المثير للسخرية فيه هو أن معظمهم لم يشر للكاتب "حمدان حمدان" ذاته ،وهوأول من نشر الرسالة/الوثيقة فى كتاب مطبوع.
كانت شهادة الوزير "سامى شرف" عن الوثيقة هى أكثر ما يعنينى فى الأمر،فرجل المعلومات الأول فى نظام الرئيس عبد الناصر أقر بصحتها وهذا خير دليل على كونها غير مفبركة أو مزورة.
ويبدو أننى موعود باكتشاف الوثائق الموجودة بالكتب والتى لا يراها ولا يلحظها الباحثون المختصون بالتاريخ فأثناء قراءتى لكتاب (فى تاريخ الأمة العربية الحديث .. المشروع القومى الذى لم يتم) للدكتور"ذوقان قرقوط" ،والصادر عن مكتبة مدبولى فى القاهرة عام 2006م، وجدت فى صفحتى 506،505 من الكتاب المفاجأة التالية حيث نشرالكاتب صورة أصلية من الوثيقة التالية:
توصيات اللجنة عن الوجود العدوانى المصرى فى اليمن
مولانا صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز المعظم
يا صاحب الجلالة:
بناء على توصياتكم الكريمة لوضع التقرير الخاص عن وجود العدو المصرى فى اليمن وتوجيهات جلالتكم لاقتراح ما نراه من موجبات إزالته ، اجتمعت فى يوم 5 رمضان 1386 هـ الموافق 16 ديسمبر 1966 م – اللجنة الخاصة بمجلس الوزراء بغياب بعض الأعضاء وحضور أصحاب السمو وعدد من الخبراء الأميركان الآتية أسماؤهم :
سمو الأمير فهد بن عبد العزيز وزير الداخلية.
سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران.
سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض.
صاحب المعالى كمال أدهم مندوب رئيس الوزراء ومستشار المكتب الخاص.
السيد: كيم روزفلت مدرب خبراء وزارة الدفاع والقسم العسكرى الأميركى.
وقررنا ما يلى :
1- رفع التقرير المرفق لجلالتكم المتضمن – لخطة الخلاص – من العدو الجاثم فى اليمن- وكل الأعداء لرفعه بعد إقراره من جلالتكم إلى فخامة الرئيس لندون جونسون ، والحذف منه أو الإضافة إليه ما ترونه جلالتكم .
2- تأكد لنا بما لا شك فيه أبدا أن المصريين المعتدين لن ينسحبوا من اليمن ما لم يرغموا بقوة جبارة تضربهم وتشغلهم عنها بأنفسهم عنا إلى الأبد ، وأنه ما لم تتحرك صديقتنا العظيمة أميركا لدعم إسرائيل لردع المصريين فسوف لن يأتى عام 1390 هـ او كما قال الخبراء الأميركان عام 1970 م – وفى هذه الأرض لنا ولأميركا بقية من وجود ؛ بعد أن تأكد لنا أن ما دفعناه من أموال شارك فى دفعها أصدقاؤنا الأميركان وشركة أرامكو زادت عن ألف مليون ريال بين أسلحة وذخيرة ونقليات وأدوية وعملة نقدية ورقية وفضية وذهبية ذهبت كلها دون جدوى ؛ ولسوف ندفع أضعافها فى سبيل نصرنا على المصريين والثوريين اليمنيين فى اليمن ؛ لكن هذه الأموال لن تجدى نفعا ما لم يتحرك أصدقاؤنا الأميركان لاقتلاع هذا العدو المشترك من جذوره ؛ إلا أن الشئ الذى يطمئن نفوسنا أن أميركا أصبحت متفقة بوجهة نظرنا أكثر مما مضى حسبما أخبرنا السيد كيم روزفلت والجنرال ليبى قائد القوات الضاربة فى الشرق الأوسط وإخوتنا الخبراء الأميركان الآخرون الذين كتبوا إلى مراجعهم العليا ، واستطاعت هذه المراجع إقناع الرئيس جونسون بجدوى مثل هذه التوصيات ، إلا أن الرئيس جونسون طلب شخصيا إليهم ( أن تكون المبادرة من جلالة الملك فيصل ليبعث برأيه فى الموضوع بصفته عاهل المملكة العربية السعودية المعتبرة فى المنطقة والمسئولة عن هذه المشكلة بالذات ) ويقول الإخوة الخبراء الذين فاتحوا جونسون فى رغبة المملكة السعودية أن الرئيس جونسون أردف على قوله برغبته أن يكتب عاهل المملكة رسميا قائلا:
( مع أنه سبق لإسرائيل أن تقدمت بطلب دعمها مستأذنة لخوض معركة حاسمة مع المصريين والسوريين تشل أنظارهم بعدها عن بعد النظر لشئ اسمه "القومية العربية" لكننا لم نرد للولايات المتحدة الأميركية أن تقدم على دعم إسرائيل فى معركة مصيرية كهذه فى منطقة أكثرها دول عربية تحيط بإسرائيل ما لم نأخذ رأى كبار أصدقائنا العرب فى المنطقة ، وموافقة جلالة الملك فيصل وأسرته بالذات مع الاستئناس برأى الملك حسين ، وبعد ذلك سنبدأ بدعم إسرائيل لإجراء عملية الشلل النهائى – لمصر و سوريا بواسطتها حينما نرمى بكل ثقلنا فى هذه المعركة لنضمن لها النجاح ).
هذا هو حرفيا ما نقله لنا الخبراء الأميركان عن لسان الرئيس جونسون ، وسيشرح الخبراء لجلالتكم هذا مفصلا . والله الموفق يحفظكم ويأخذ بيدكم لتحقيق الآمال .
اللجنة الخاصة بمجلس الوزراء

5 رمضان 1386 هـ الموافق 16 ديسمبر 1966 م
هذا هو النص الكامل لصورة الوثيقة المنشورة فى كتاب الدكتور "ذوقان قرقوط"
(فى تاريخ الأمة العربية الحديث .. المشروع القومى الذى لم يتم)
وهى مرقمة ومختومة بخاتم مجلس الوزراء السعودى.
هذه الوثيقة المنشورة هى اقتراحات وتوصيات اللجنة الخاصة بمجلس الوزراء السعودى للخلاص من جمال عبد الناصر والجيش المصرى فى اليمن، عبر توجيه ضربة إسرائيلية أمريكية لمصر وسوريا .
وهذه هى التوصيات التى بناء عليها قام الملك فيصل بن عبد العزيز بكتابة رسالته للرئيس الأمريكى جونسون يوم 27 ديسمبر 1966 م.
وهكذا نشر "حمدان حمدان" فى كتابه "عقود من الخيبات" الرسالة/الوثيقة للملك فيصل إلى الرئيس جونسون ، ونشر الدكتور "ذوقان قرقوط" التوصيات والاقتراحات التى ادت للرسالة/الوثيقة فى كتابه (فى تاريخ الأمة العربية الحديث .. المشروع القومى الذى لم يتم).
ولكن هل هاتين الوثيقتين فقط هما الدليل على التأمر السعودى على مصر ودور النظام السعودى فى هزيمة يونيو 1967 م؟.
سنتنقل الآن إلى أهم كاتب صحفى عربى فى التاريخ وهو الأستاذ "محمد حسنين هيكل" لكى نرى جوانب أخرى تكشف خفايا الدور السعودى فى هزيمة مصر والعرب فى حرب يونيو 1967 .
فقد نشر الأستاذ هيكل فى كتابه "المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل – الجزء الثانى"
الوثيقة التالية:

سجل السفير الأمريكى فى جدة ( باركر هارت ) فى برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية ( وثيقة رقم 36651/43 بتاريخ 19 أغسطس 1964 ) محضر مقابلة جرت بينه و بين الملك ( فيصل بن عبد العزيز (
يقول السفير الأمريكى :
"اتصل بى البروتوكول صباح أمس لإبلاغى أننى مطلوب فى الطائف فى الساعة 4:15 ولم يعطنى البروتوكول أى إيضاحات فيما عدا أن هناك طائرة سوف تحملنى إلى الطائف بعد الظهر استقبلنى الملك فيصل فى قصر الشبرة فى الساعة التاسعة مساء فى حضور السقاف و فرعون ، و قال الملك إن هناك شيئا حدث وهو يريد إخطارى به بنفسه كصديق شخصى لى و كممثل لبلد صديق له و لأسرته ، ثم قال الملك إنه خلال يومين سابقين ( يومى 13 و 14 أغسطس ) قامت ثلاث طائرات مصرية باختراق المجال الجوى السعودى جنوب شرق جيزان فوق مناطق قبائل الحارث و أبو عريش ، وإن هذه الطائرات قامت بعدة دورات على ارتفاعات منخفضة فى محاولة ظاهرة للاستفزاز ، كما أن لديه معلومات من داخل اليمن تؤكد أن هناك قوات مصرية تتحرك صوب الحدود السعودية ، وقد حاولت أن أسأل الملك بإلحاح عن تفاصيل أكثر بشأن هذه المعلومات ، ولم يكن لديه شئ لا عن حجم هذه القوات و لا عن تسليحها و لا عن مواقعها ، و قد قال الملك إن هذه التطورات تثير فى ذاكرته ما سبق أن سمعه عن مؤامرة بين مصر و العراق و الأردن ( ! ) لغزو و تقسيم بلاده على النحو التالى : حسين يأخذ الحجاز ، والعراق تأخذ المقاطعة الشرقية ، واليمن تأخذ الجنوب ، و باقى المملكة يدخل تحت سيطرة ناصر.
قال لى الملك أيضا إن ناصر أوحى إلى صديقه الصحفى هيكل بأن ينشر خطة عن منظمة عربية للبترول ، ثم أضاف إن السعودية محاصرة ، وقد لا تكون السعودية دولة كبيرة أو قوية ، ولكنها دولة تريد أن تحتفظ بأراضيها و شرفها ، و إذا كان ناصر كما هو واضح يريد أن يضع يده على المملكة متصورا أن ( فيصل ) سوف يقف ساكتا فى انتظار أن يخنق ، فهو مخطئ فى ذلك ، وأشار الملك إلى أنه سوف يقاوم عسكريا ، و هو قد أتخذ عدة قرارات يريد أن يبلغنى بها الآن :
1 ـ قرر أن يدخل أسلحة إلى المنطقة المنزوعة السلاح على حدود اليمن وقد أصدر أمرا فعلا بذلك.
2 ـ إنه أعطى أوامر بالفعل إلى قواته أيضا بأن تحتشد على حدود اليمن لتكون فى وضع يسمح لها بأن تدافع عن السعودية.
3 ـ وهو الآن لا يعتبر نفسه مرتبطا باتفاق فصل القوات فى اليمن ، وسوف يساند الملكيين بأى طريقة يراها مناسبة.
إننى أبديت دهشتى للملك ، كما أبديت له إستغرابى لكل ما قاله عن الاتفاق الثلاثى بين مصر و العراق و الأردن، ثم أطلعنى الملك على تقرير مخابرات سعودى يحوى معلومات عن أن ضباطا من الجيش المصرى رتبوا عملية لقتل ناصر يوم 26 يوليو ، وأضاف الملك ( أن ناصر مريض جدا ) ، ثم أمر بإخلاء القاعة من كل الحاضرين عداه و عداى ، وانتهزت الفرصة ورجوت الملك ألا يبعث بقوات إلى حدود اليمن ، وأن يحتفظ بما يشاء من قوات فى أوضاع تأهب فى أى مكان يراه بعيدا عن الحدود ، فتدخل الملك بحدة قائلا :
( أخرجوا القوات المصرية من اليمن و سوف ينهار هذا النظام الذى يدعون بمساعدته فى شهر أو اثنين على أكثر تقدير, ثم استجمع الملك حيويته ليقول لى ( إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل الذى يفتح الطريق للتسلل الشيوعى ) ، وكان يعنى ( ناصر) ثم قال لماذا تصبرون عليه ؟
ألا ترون أنه لا يكف عن مهاجمتكم يوميا ، مرة بسبب فيتنام ، ومرة بسبب كوبا ، ومرة بسبب الكونجو ؟ ما الذى يخصه فى الكونجو ؟ إن مقترحاته بشأن نزع السلاح فى جنيف جاءته مباشرة من فى شكل تعليمات من موسكو ، و أبديت تحفظى ولكن الملك كان لا يزال يصر على أن ( ناصر ) يعادينا و يخدعنا ، وإننا مازلنا نحاول استرضاؤه ، وذكرته أننا عطلنا توريد القمح إلى مصر طبقا للقانون 480 عقابا لناصر على سياسته ، وعقب الملك أوقفوا عنه الطعام تماما وسوف ترون ما يحدث"
انتهى نص الوثيقة التى أوردها الأستاذ هيكل فى كتابه.
يقول الأستاذ هيكل فى تعليقه على هذه الوثيقة إن هذه المقابلة كانت غريبة وفاقدة للمصداقية لأنه بخلاف طلب الملك فيصل من الأمريكيين ( تجويع المصريين وقطع القمح عنهم) ،فقد كان الأردن حليفا للسعودية فى حرب اليمن ، ويضيف الأستاذ هيكل ان إسرائيل أيضا كانت تشجع التحالف المساند للملكيين فى اليمن ولعبت دورا هاما فى العمليات العسكرية أطلق عليه الاسم الكودى ( مانجو ) حيث اشتدت حاجة قوات المرتزقة فى اليمن إلى مؤن و ذخائر تلقى على مواقعهم من الطائرات بالباراشوت وقد قام الطيران الإسرائيلى بهذا الدور .
فى كتابه "الانفجار 67" الصادر عام 1990 م، ذكر الأستاذ هيكل الواقعة التالية، : فى يوم 21 يونيو 1966 وصل الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى زيارة رسمية ،وكانت مجموعة المقدمة السعودية قد سبقته وأوضحت للمسئولين الأمريكيين ان الخطر بالنسبة للسعودية ليس إسرائيل ، وأن الخطر الحقيقى هو حركة القومية العربية كما تمثلها القاهرة ونظام حكم جمال عبد الناصر ، وأن السعودية مصرة على تنفيذ فكرة المؤتمر الإسلامى كبديل لجامعة الدول العربية ، وخلال الزيارة التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكى جونسون لمدة نصف ساعة فى اجتماع منفرد لم يحضره معهما إلا مترجم من المخابرات الأمريكية وليس وزارة الخارجية كما جرت العادة ، وقد أذيع تصريح بعد الاجتماع المنفرد جاء فيه :
( إن تدهور الأوضاع فى اليمن بعد تعثر اتفاق جده وفشله قد جرى بحثه بين الرئيس والملك ، وأن الرئيس قدم للملك تعهد الولايات المتحدة بأن السعودية تستطيع الاعتماد على صداقة أمريكا مهما كانت تطورات الأمور فى اليمن ).


و فى كتابه (عام من الازمات) الصادر عام 2001م، عاد الأستاذ هيكل مرة أخرى لتناول الدور السعودى فى حرب 5 يونيو 1967 م،فخلال الجزء الذى خصصه فى الكتاب عن الوثائق الإسرائيلية المفرج عنها بخصوص حرب 5 يونيو 1967 نجد التالى:
أن الرئيس الأمريكى ليندون جونسون فى مايو 1967م، وبعد أن تم تجهيز كل الخطط لضرب مصر ، أراد أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربى على العروش العربية فى حالة شن إسرائيل الحرب على مصر وقد أستقر رأيه بعد التشاور مع مساعديه على التوجه بالسؤال مباشرة إلى ملكين فى المنطقة تعتبر الولايات المتحدة عرشهما مسألة هامة لأمنها القومى ،وهما الملك حسين بن طلال فى الأردن ، و الملك فيصل بن عبد العزيز فى السعودية، وبالفعل قابل روبرت كومار مساعد الرئيس جونسون الملك حسين فى عمان يوم 28 مايو 1967 ، كما توجه ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز فى نفس اليوم فى لندن التى كان الملك فيصل فى زيارة رسمية لها من أجل تخيير الحكومة البريطانية بين حلين:

االأول: تأجيل تنفيذ سياسة الانسحاب من شرق السويس ، واستمرار بقاء القوات البريطانية فى المنطقة لسنة كاملة على الأقل حتى يتمكن الجميع من ترتيب أوضاعهم ، وإلا فإن إتمام الانسحاب البريطانى فى المواعيد المعلنة عام 1968 م كما أعلن رسميا من مجلس العموم البريطانى ، سوف يخلق فراغا يملؤه الجيش المصرى و يدخل إلى عدن ذاتها.

الثانى: أن تبذل الحكومة البريطانية مساعيها لإقامة تجمع يضم كل دول شبه الجزيرة العربية و الخليج لكى يكون للمنطقة تجمع إقليمى تتمايز به عن الجامعة العربية ، ويكون للسعودية فيه دور مؤثر يوازى الدور المصرى فى جامعة الدول العربية التى يوجد مقرها فى القاهرة.

وقد تمت المقابلة بين الملك فيصل و ريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 فى جناح الملك فى فندق دورشستر وحضر المقابلة بين الملك وهيلمز السيد كمال أدهم مستشار الملك الخاص ورئيس المخابرات السعودية وشقيق زوجته (الملكة عفت ) ، أستمر الاجتماع من العاشرة مساء وحتى الثانية صباحا وقد تم تأمين مكان الاجتماع بواسطة خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وعاد هيلمز عقب الاجتماع إلى واشنطن لإخطار الرئيس الأمريكى بما دار مع الملك فيصل،وكما نعلم جميعا بعد هذا اللقاء بأسبوع اندلعت حرب 5 يونيو 1967 م.

كما يروى الأستاذ هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) تلك الواقعة المليئة بالدلالات ،حيث قابل الأستاذ هيكل السيد "كمال أدهم"-رئيس المخابرات السعودية خلال حكم الملك فيصل بن عبد العزيز- فى بيته فى لندن فى ربيع عام 1985 م ،وفى اللقاء سأله الأستاذ هيكل عما جرى فى اجتماع الملك فيصل بريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 ، وهل كان الملك يعرف بالتدابير الأمريكية والإسرائيلية لمصر و لجمال عبد الناصر ؟
ورد عليه السيد كمال أدهم قائلا " أسمع لست سياسيا مثل الآخرين أقول أى كلام و السلام ، ما سألتنى فيه لن أرد عليه ، ولكنى أريدك أن تعلم ، و أنا أقولها لك بمنتهى الصراحة ، صديقك الرئيس جمال كان فى مواجهة مفتوحة و عنيفة ضد المملكة ، والمعركة كانت سياسية و نفسية وأخيرا أصبحت عسكرية فى اليمن ، والملك فيصل مسئول عن مملكته ، مسئول أمام أسرته ، مسئول أمام أخوته و أبنائه يسلم لهم الأمانة كاملة كما استلمها ، واجبه واضح أمام العرش و الأسرة ، و عليه أن يتصرف بما يحقق ( المصلحة ) وهذا هو كل شئ وليس هناك شئ أخر، لا تستطيع أن تسائل الملك فيصل إلا فيما هو مسئول عنه "العرش والأسرة" ، وهل نجح فى حمايتهما طوال حكمه أم لم ينجح ؟ و هل كانت المملكة أقل أو أكثر استقرارا عندما تركها عما كانت عليه عندما تسلمها ؟هذا هو المحك ، كان الخطر الأكبر علينا أيام ملكه هو صديقك الرئيس جمال وبالنسبة لنا فى المملكة فإن فيصل أنتصر فى التهديد الذى مثله علينا الرئيس جمال ، ونحن لا نتعب رؤوسنا بكثرة الأسئلة و لا بالخوض فى الحكايات و التواريخ ، ويتابع الأستاذ هيكل روايته لتفاصيل اللقاء ، وسكت السيد كمال أدهم وهو يشعر أننى أتابعه بتركيز شديد ثم قال : كنت صريحا معك لم أتكلم كلام سياسيين و لم أتكلم كلام رجل غامض كلمتك بصراحة و أنت حر فيما تفهمه مما قلت"
ويضيف الأستاذ هيكل أنه سمع نفس فحوى كلام "كمال أدهم" من أحد الأمراء الشبان البارزين فى الأسرة السعودية فيما بعد.
لم يسقط نظام الرئيس جمال عبد الناصر فى مصر بعد هزيمة يونيو 1967 ،وبالتالى لم يتحقق الهدف السياسى من الحرب كما لم تتوقف مؤامرات النظام السعودى على مصر بعد الهزيمة.
بينما انا أقرأ كتاب (جمال عبد الناصر .. أخر العرب) للكاتب الفلسطينى الأمريكى / سعيد أبو الريش ،والصادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" ، وجدت فى صفحة (361) من الكتاب المفاجأة التالية، حيث كتب سعيد أبو الريش :

" قام السعوديون ،على وجه الخصوص، بنشر مذكرات زائفة تعزى إلى عامر، تحمل عبد الناصر الذنب عن حالة عدم تهيئة الجيش المصرى، وتشرح الاستراتيجية التى أنتجت النكسة .
هذه المذكرات الكاذبة هى من تلفيق المخابرات السعودية، مع أرجحية مساعدة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى إعدادها.
لقد سلم المذكرات إلى والدى الذى كان مراسل مجلة تايم "نواف بن عبد العزيز" الذى أصبح فيما بعد مساعدا لأخيه الملك "فيصل" الذى تظاهر بتفضيله صديقا قديما يعمل فى الصحافة.
لقد قرر والدى ومعه زمرة من القراء ، أن وثيقة المذكرات صادقة لا غبار عليها.
لكن مجلة لايف بعد نشرها مقتطفات ثلاثة منها، اكتشفت أنها غير صحيحة،وهو ما أثار دهشة محررى لايف وأبى على السواء.
فقد أبلغهم اللواء راضى عبد الله ، رئيس المخابرات الأردنية، أنه شارك فى إعدادها.
وقد جاءت هذه المذكرات، بجانب جملة من النشاطات الأخرى، مثل دعم الإخوان المسلمين بالمال، لتقنع عبد الناصر أن ينحى قمة الخرطوم جانبا، ويقتنع أن السعوديين مازالوا مصممين على الإطاحة به، فإن لم يكن فتقزيمه على الأقل.
وهكذا أصبح مؤتمر الخرطوم مجرد لعبة تآمرية قصد منها استرضاء الجماهير العربية لا أكثر " .
وفى هامش الصفحة أشار الكاتب إلى التوضيح التالى "حتى لا يبدو هناك تناقض فأن مجلتى تايم ولايف الأسبوعيتين كانتا تصدران عن مؤسسة صحفية أمريكية واحدة باسم تايم-لايف، وذلك قبل أن تتوقف لايف عن الصدور نهائيا فى عام 1972 بعد أن كانت تحولت إلى مجلة شهرية لبعض الوقت".

هذه شهادة شاهد عيان عن حقيقة تلك المذكرات التى فبركها السعوديون ونسبوها زورا للمشير الراحل عبد الحكيم عامر.
ويبدو أن غرام الملك فيصل بن عبد العزيز والمخابرات السعودية بتزييف الكتب والوثائق لتشويه جمال عبد الناصر وعهده لم يقف عند تلك المحاولة بل لحقتها محاولات أخرى عديدة كان أشهرها وأخطرها كتاب(لعبة الأمم) لمندوب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مايلز كوبلاند .

ففي عام 1969 نشر مندوب وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ( مايلز كوبلاند ) كتابه ذائع الصيت ( لعبة الأمم ) والذي أوحى فيه بصلة الثورة المصرية وجمال عبد الناصر بالولايات المتحدة الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وقد أصبح هذا الكتاب بمثابة المرجع الرئيسي لكل أعداء عبد الناصر وثورته، وفى عام 1988 نشر الأستاذ محمد حسنين هيكل كتابه ( سنوات الغليان ) الذي أورد فيه مجموعة من الوثائق والرسائل التي تثبت أن كوبلاند نصاب ومحتال، وأنه نشر كتابه بأوامر أمريكية في إطار الحرب الأمريكية المستمرة على عبد الناصر والتي تهدف لتشويه سمعته من أجل اغتيال شخصيته معنوياً في أعين الجماهير العربية بعد الهزيمة.
وقد هاج كوبلاند بعد أن فضحه الأستاذ هيكل بالوثائق، وهدد الأستاذ هيكل برفع قضايا ضده ، وحتى الآن بعد مرور كل تلك السنوات على صدور كتاب ( سنوات الغليان ) لم يفعل كوبلاند شيء مما هدد به، وفى سلسلة حوارات للأستاذ هيكل لمجلة روز اليوسف في منتصف التسعينيات صرح أن كتاب مايلز كوبلاند ( لعبة الأمم ) مولته المملكة العربية السعودية عام 1969 في إطار سعى الملك فيصل بن عبد العزيز الدءوب للقضاء على شعبية جمال عبد الناصر بين الشعوب العربية، وهو السعي الذي وافق هوى المخابرات المركزية الأمريكية ومندوبها مايلز كوبلاند، وأشار الأستاذ هيكل إلى أن أي كتاب يصدره أحد العاملين فى وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لابد أن يحصل على موافقة مسئولى الوكالة، وتتم عملية مراجعة دقيقة لما يحتويه لمعرفة مدى خدمته لمصالح وغايات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأهداف السياسة الأمريكية وهو ما خضع له بالطبع كتاب ( لعبة الأمم ).
المدهش فى الأمر أن هناك كتب عربية عديدة ظهرت كان مرجعها الأساسى والرئيسى هو كتاب (لعبة الأمم) مثل كتاب (ثورة يوليو الأمريكية) لمحمد جلال كشك،وقد راجت تلك الكتب وأصبح بعض الموتورين من الثورة وقائدها يستعينون بها فى إطار هجومهم على ثورة 23 يوليو.
لم يكتف النظام السعودى بالتورط فى تدبير الهزيمة لمصر فى عام 1967 بل أيضا أنخرط فى عملية الاغتيال المعنوى لشخصية جمال عبد الناصر ونظام حكمه أثناء حياة جمال عبد الناصر كما نرى.

فى الحلقة الأخيرة من برنامج "مع هيكل" - مجموعة الطريق إلى أكتوبر- عرض الأستاذ هيكل مجموعة من الوثائق عن الأطراف التى تريد قتل جمال عبد الناصر وتلح عليه قبل نهاية عام 1970 ،وقبل أن يبدأ حرب التحرير ضد إسرائيل وكان من ضمن تلك الأطراف النظام السعودى، وللسعوديين باع طويل فى وضع المؤامرات للتخلص من جمال عبد الناصر سواء فى عهد الملك سعود بن عبد العزيز أو فى عهد خلفه الملك فيصل بن عبد العزيز ، وقد روى الأستاذ هيكل تفاصيل بعض تلك المؤامرات فى كتابه (سنوات الغليان) ، كما نشرها الدكتور"رفعت سيد أحمد"فى دراسته الموثقة "مؤامرات مجهولة لاغتيال عبد الناصر".

هذا ما تخبرنا به الوثائق التى تم كشفها حتى الآن عن خفايا الدور السعودى فى التأمر على مصر خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر،فمن التحريض على تجويع المصريين إلى حث الأمريكيين على ضرب مصر عسكريا عام 1967م ، إلى تلفيق وفبركة الكتب والمذكرات لتشويه تاريخ جمال عبد الناصر وثورته،إلى التخطيط الدائم لاغتيال جمال عبد الناصر والخلاص منه.
وما خفى كان أعظم .

نكسة مصر في كامب ديفيد وليس يونيو


محمود عبد الرحيم

نعم “نكسة يونيو” تجربة مريرة في تاريخ المصريين، ويجب استحضارها كدليل على كيفية صمود الشعب في وجه الأعداء، واسقاط مخططاته، وكبرهان على توحد الجماهير مع قائد تثق فيه وتعمل معه على محو آثار العدوان، والتضحية من اجل حرية وكرامة الوطن.

لكن المؤسف أن يتم التضخيم من هذه الحادثة التاريخية وتشويهها، واتخاذها منصة لضربة تجربة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر التى حققت لهذا الشعب وهذا الوطن ما لم يحققه أي حاكم، والتى تجاوزت آثارها حدود البلاد، وصنعت لمصر جغرافيا جديدة بحكم مساحة النفوذ الممتد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

والمؤسف أكثر أنه بعد كل هذه السنوات واتضاح كثير من الحقائق مازلنا نردد نفس الاتهامات الفارغة المضمون التى بعضها كان صنيعة الاستخبارات الأمريكية لتثبيت أركان قائد الانقلاب على ثورة يوليو أنور السادات، والذي شاركهم فيه بعض المثقفين الذي قاد لاحقاً التطبيع مع أعداء الأمة وتنكر لعروبة مصر، إلى جانب بعض الجماعات المعادية لناصر وثورته المجيدة مثل الإخوان المسلمين.

وفي واقع الأمر أن نكبة مصر الحقيقة وليست نكستها فقط، بل وهزيمتها على كافة المستويات جرت بعد رحيل عبد الناصر، وتحقق لأعداء مصر ما كانوا يرغبونه على يد من خلفوه، وعادت مصر إلى وضعية أشبه بما قبل ثورة يوليو تعاني التبعية الاستعمارية، ويعاني أهلها من جديد الطبقية و”ثالوث التخلف” الفقر والجهل والمرض.

ولعل أكبر خطيئة وليس خطأ يجب إبرازه هو اتفاقية العار والاستسلام المسماة بـ”كامب ديفيد” التى حققت لأمريكا وللكيان الصهيوني كل أحلامهما في إجهاض استقلال مصر السياسي، وضرب مشروع النهضة الاقتصادية والثقافية والمكتسبات الاجتماعية لجموع الشعب، تأكيد لماذا تم ضرب ناصر ومحاولة تشويهه حتى بعد مرور كل هذه السنوات، ولاشك أن تمسك مبارك من بعد السادات بها، وكذلك الإخوان يؤكد أن لا أحد فيهم يعمل لصالح الوطن والمواطن، وأن ولاءهم للخارج، وليس للداخل، وللعدو وليس للشعب، وأنهم ينطبق عليهم المصطلح القديم “أعوان الاستعمار” الذي عمل ناصر الثورة على ضربهم باعتبارهم “طابور خامس” لا يقل خطورة عن الأعداء الخارجيين.

إن هزيمة مصر الحقيقة تتجسد في معاناة المصريين على مدى سنوات، وإعادة مصر الى حقبة التبعية وتقييد حريتها وافقادها نفوذها وتقزيم دورها، للدرجة التى باتت فيه إمارة كقطر حديثة التكوين، وأحد أدوات المشروع الصهيوأمريكي هي الدولة القائدة للعالم العربي، ودولة أفريقية صغيرة تابعة كأثيوبيا تنازع مصر في حقوقها المائية وتهدد مصالحها الاستراتيجية وأمنها المائي، بل وباتت القوة الإقليمية ذات التأثير الأكبر في القرن الافريقي، والأكثر من هذا أن دولة كتركيا التى رهنت نفسها مبكرا لحلف الناتو وللمشروع الصهيوأمريكي باتت هي النموذج المحتذي ، والعلاقة الآثمة بالعدو الصهيوني بات قدرا لا يمكن الفكاك منه حتى في عهد الإخوان الذين كانوا يهتفون”خيبر .. خيبر يا يهود.. جيش محمد سوف يعود”، فيما تم وصولهم للحكم بعد التعهد بلعب دور كلب حراسة المصالح الأمريكية وأمن الكيان الصهيوني.

فعن أي نكسة يتحدثون بعد كل هذا؟ وعن أية هزيمة تتسلط الأضواء؟

لكنه تزييف الحقائق والتاريخ وتصديره للأجيال الجديدة حتي يتم تعظيم الكوارث، ونسف الانجازات، وخلط الأوراق.
وفي واقع الأمر، ان الذين يتعاملون مع 5 يونيو بشماتة أو اتخاذها دليلا على ضعف قيادة الزعيم عبد الناصر أو سوء الإدارة، يتغافلون عن عدة حقائق أهمها أن” 5 يونيو” جاءت عقابا لثورة يوليو وانجازاتها، خاصة علي الصعيد الاقتصادي بمواصلة التنمية المستقلة والوصول إلى أعلى معدل نمو في العالم الثالث، وبعد الدخول في التصنيع الثقيل بثبات وقوة، بما في ذلك التصنيع العسكري، وزياردة الرقعة الزراعية، وتحدى الغرب وتمرير مشروع السد العالي فوق أنفه، وامتداد النفوذ المصري بقوة، ليس فقط من المحيط للخليج، ولا حتى بكامل القارة الأفريقية، ولكن في كل دول العالم الثالث وتهديد مصالح الاستعمار الجديد والقديم، وحتى الحلفاء السوفيت وجدوا في عبد الناصر شخصية طموحة أكثر من اللازم ووطنية بدرجة مرهقة لهم وتتجاوزهم كثيرا، فشاركت في هذه المؤامرة الدولية بدرجة ما لترويض عبد الناصر.
وما “5 يونيو” إلا حلقة في سلسة التآمر على مصر عبد الناصر وأهم ثورة وطنية في تاريخ العالم، بدأت ب”حرب السويس” 1956 ثم التآمر على الوحدة المصرية السورية، وصولا إلى استنزاف القوات المسلحة المصرية في اليمن، وليس انتهاء ب”نكسة 67 “
وكان المقصود بها أن يتم ضرب مصر في مقتل وتكبيدها خسائر عسكرية واقتصادية كفيلة بتعطيل مشروع ناصر، فضلا عن تصور أن الشعب الذي فشل الغرب في تحريضه على الخروج على ناصر وإزاحته من السلطة في 56، سيخرج هذه المرة ليسقط ناصر، لكنه في الحالتين التف حول قائده المعبر عن طموحاته الوطنية، ووقف معه ودعم وجوده شعبيا أكثر، وهذا يدحض فكرة أن ناصر كان يحكم بالخوف وليس برضاء شعبي واسع، وانه كان ديكتاتورا وليس رجلا في كل خطوة من خطواته كان يحظي بتأييد شعبي.وإن كانت ”نكسة67 ” لا يمكن التقليل من آثارها، لكن يجب قراءة الحدث في سياقه التاريخي، وكيف حوله عبد الناصر من أزمة إلى فرصة بإعادة بناء الجيش وتطهير كل المؤسسات من الشخصيات التى تفتقر للكفاءة الكافية، وشروعه في إعطاء مساحة أوسع من الحرية، والرهان على الشباب في اطار طليعة الاشتراكيين، ومراجعة شاملة للمنهج وتحديد الأولويات من جديد.

فناصر واحد من القادة الذي يعترف بالخطأ وهو ما ظهر في خطاب التنحي، وتحمله المسئولية، وفي الاستعداد للتصحيح الذاتي، وهو المسار الذي يجب أن يسير عليه كل حاكم وطني ينحاز لشعب ووطنه، وليس الخونة والانتهازيين والمتأسلمين الذين سجدوا لله شكرا على توجيه الأعداء ضربة لمصر، أو استمرارهم في تزييف التاريخ والاحتفال بأوجاع البلاد والوقوف في خندق واحد مع الأعداء الصهاينة والأمريكان.

كيف كان عبد الناصر يختار القيادات 2


سامي شرف

لقد حرص جمال عبد الناصر في هذه المرحلة بألا يسمح للخلافات العقائدية أو السياسية بعرقلة سير الحركة وذلك عن طريق خلق قاسم مشترك بين الجميع يتمثل في توافق مواقفهم علي جعل مصر حرة. وعمل منذ البداية علي مقاومة فكرة عبادة الزعيم، وهي الصورة التي كانت منتشرة في أحزاب وجماعات ما قبل يوليو، مثل حسن البنا في جماعة الإخوان المسلمين، وأحمد حسين في حزب مصر الفتاة، ومصطفي النحاس في داخل حزب الوفد. وكان عبد الناصر اتساقا مع نفس هذه المواقف صاحب ترجيح فكرة اختيار محمد نجيب كقائد للثورة، بترشيح من عبد الحكيم عامر وصلاح سالم ـ وكان هناك مرشح آخر هو اللواء أحمد فؤاد صادق الذي اعترض علي ترشيحه أنور السادات وهو موضوع سأتناوله تفصيلا في مكان آخر من هذه المذكرات ـ رغم أنه لم يشترك في التحرك أو ينضم لتنظيم الضباط الأحرار. لقد كان محمد نجيب وبحكم موقعه في الجيش وبحكم اتصالاته يعلم أو يري أن انقلابا سوف يقع، لكن ووفقا للخطة كان مقررا أن يظل في بيته بعيدا نظرا لأنه كان معروفا تماما للسلطة السياسية ولأجهزة الأمن، وقد يثير اشتراكه الفعلي في أي عمل شكوك هذه الجهات وقد يؤدي إلي إحباط التحرك في مهده، ومع أن الضباط من أعضاء التنظيم كانوا ينظرون إلي نجيب بتقدير واحترام إلا أنه لم ينضم لعضويته إلا بعد نجاح الثورة، وكان جمال عبد الناصر قد أجري معه أكثر من اتصال بطرق مباشرة أو غير مباشرة وكان أولها في ديسمبر1951 أثناء عملية انتخابات نادي ضباط الجيش.

هكذا كان اختيار جمال عبد الناصر لأعضاء تنظيم الضباط الأحرار مرتبطا بمعيار أساسي هو الاستعداد للتضحية بالنفس، وتبني القضية الوطنية في إطارها العام أي القضاء علي الاستعمار والفساد في الداخل، والانتقال بالمجتمع من مرحلة التدهور في بنائه القيمي والأخلاقي إلي مرحلة جديدة تؤهله للبقاء والاستقرار.
من هنا أيضا جاء القرار الثاني الذي توافق عليه جميع عناصر الثورة حيث شهدت علاقاتهم جميعا تفاهما كبيرا حول القضية الوطنية، وقد طرحت في مرحلة التخطيط النهائي لتنفيذ الثورة قضية محورية هي اختيار آليات التنفيذ، وكان إصرار عبد الناصر علي أن تكون الثورة بيضاء، يتم في إطارها الابتعاد تماما عن الإقدام علي أية عمليات اغتيالات أو إهدار للدماء، وكان من رأيه عن اقتناع وهي مقولة كان يرددها باستمرار فيما بعد في كل الأزمات التي قابلت الثورة سواء في الداخل أو في الخارج ـ « أن الدم يؤدي إلي مزيد من الدم «، وقد تغرق البلاد في مواجهات دموية يصعب وقفها وتدفع إلي تأليب الرأي العام العالمي ضد الحركة الثورية في أيامها الأولي.

وكانت هناك آراء داخل تنظيم الضباط الأحرار تصر علي التخلص من الملك فاروق باعتباره رأس الفساد، ومنعا لأي تحرك مناصر له من الداخل أو من الخارج كما طرح البعض فكرة تقديمه للمحاكمة، لكن جمال عبد الناصر ـ الذي كان قد انتخب رئيسا للتنظيم لأكثر من مرة ـ عارض فكرة التخلص من الملك فاروق كما تحفظ علي محاكمته بالنظر لاحتمال استغراق المحاكمة وقتا طويلا يخشي خلاله أن يتحرك أنصار الملكية في الداخل للقيام بثورة مضادة، وقد تجر إلي تدخل خارجي لمساندة هذه الفئة ومن ثم فقد اتفق الجميع ـ برغم عدم تعاطفهم مع الملك ـ علي الصيغة التي نفذت بالفعل وهي توقيعه علي وثيقة التنازل عن العرش سلميا لصالح ابنه أحمد فؤاد كمرحلة انتقالية قبل إلغاء الملكية وإعلان النظام الجمهوري بعد ذلك.

أما القرار الثالث الذي وافق عليه تنظيم الضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر فقد تمثل في إغلاق الطريق أمام هيمنة أي من الأحزاب أو الحركات السياسية علي الثورة، والعمل علي احتوائها لصالح هذه التنظيمات.
لقد تملك جمال عبد الناصر منذ بداية الأربعينات الرغبة في التغيير بعد أن استوعب الظروف المعيشية والاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في مصر وقد تضاعفت هذه الرغبة لديه في عام 1948 بعد أن لمس الموقف داخل القوات المسلحة بصورة أكثر وضوحا وقال جملته المشهورة : « إن حربنا في الداخل وليس في الخارج».

بدأ جمال عبد الناصر نتيجة لذلك في الاتصال بالتيارات والعناصر الحزبية والسياسية المختلفة في الساحة المصرية وكان من بينها ثلاث تيارات أساسية هي : مصر الفتاة والشيوعيون والإخوان المسلمين وعدد من الأحزاب الأخري، ولم ينخرط عبد الناصر في عضوية أي من هذه التنظيمات لكن هدفه كان هو التعرف عليها من الداخل وجس نبضها ومدي قدرتها في إطار من السرية والانضباط، ولكنه اكتشف أن لا فائدة من هذه الاتصالات فلم يكن هدف هذه التنظيمات إحداث التغيير بقدر ما كان هو محاولة الاستفادة من الأوضاع القائمة واستثمارها.

كان لحزب مصر الفتاة علي سبيل المثال شعبية وقدرة علي الانتشار والتحرك في الأوساط المختلفة، فتم الاتصال بالعناصر التي كانت منتمية للحزب الوطني المصري الذي انبثق عنها وكان يمثله فتحي رضوان وأحمد حسين ومجموعة من الشخصيات السياسية، وقد أسفرت هذه الاتصالات عن تشكيل الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار التي كانت تضم الشيوعي والإخواني ومصر الفتاة وبعض القريبين من حزب الوفد أو عناصر كانت تستطيع أن تشكل قناة تفتح علي حزب الوفد. وكان ذلك قبل قيام الثورة بعام واحد، وبدأ الإخوان المسلمين في التحرك لمحاولة احتواء التنظيم والسيطرة علي توجهاته وهو ما كان يرفضه عبد الناصر وغالبية ضباط التنظيم ومن ثم فقد عقدت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار اجتماعا قررت فيه بالإجماع وضع عناصر الإخوان المسلمين أمام مسئولياتهم وخيّرتهم إما الانضمام تحت لواء تنظيم الضباط الأحرار الذي يمثل جميع المصريين أو أن تكون الهيئة التأسيسية في حل من تنفيذ القرار الذي اتخذته بالفعل وكان هو إبعاد جميع الضباط المنتمين إلي جماعة الإخوان المسلمين من عضوية التنظيم، ونفذ هذا القرار قبل قيام الثورة بستة أشهر، كما طبق نفس القرار بعد ذلك علي عدد من الأعضاء المنتمين للحزب الشيوعي المصري في الوقت الذي قبلت عناصر من « حدتو « الالتزام بالقرار.

هكذا كانت قرارات تنظيم الضباط الأحرار في تلك المرحلة مرتبطة بعدة أهداف أساسية تدور كلها في إطار إحداث التغيير المنشود بصورة سلمية بيضاء، وبما يؤكد استيعاب زعامة التنظيم لكل الظروف والمكونات الثقافية والاجتماعية التي تعيشها مصر، وتطلعت إلي توفير كامل الإرادة الحرة في اتخاذ القرارات بعيدا عن أية مؤثرات أو محاولات للاختراق سواء من الداخل أو من الخارج.
إن ذلك المنهج قد امتد تأثيره وتأكد في عديد من المناسبات علي مدي فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر بالكامل حيث تتمثل نقطة البداية في كل مرة في تحديد الهدف بوضوح، ولا شك أن أكثر ما يميز نهج عبد الناصر قبل الثورة أو بعدها هو وضوح الرؤية الإستراتيجية البعيدة ثم يليها توفير كل المعلومات اللازمة من عديد من المصادر التقليدية وغير التقليدية، المنظورة وغير المنظورة، فكلما كانت كمية المعلومات كثيرة توفرت القدرة علي اتخاذ القرار الصحيح في التوقيت الملائم، ثم ينتقل بعد ذلك إلي حسابات النتائج المتوقعة الإيجابي منها والسلبي، فليس هناك قرار أو تصرف سياسي معين يحظي بإجماع شعب بأكمله، ولكن معيار النجاح يكمن دائما في تفوق قاعدة المستفيدين بصورة حاسمة علي عناصر المضارين من أي قرار. تلك قضايا ومعايير سوف أتعرض لها تفصيلا فيما بعد من خلال أمثلة عملية في اتخاذ القرارات الكبري أو في بعض الموضوعات التي سيفرد لها فصولا خاصة مستقلة كقضية الوحدة بين مصر وسوريا وقضية تأميم شركة قناة السويس وغيرها.

وبالطبع عندما نتحدث عن أسلوب الرئيس جمال عبد الناصر في اختيار معاونيه أو التعامل مع معا رضيه فلابد أن نتطرق لأسلوبه في اختيار العناصر الفنية للمناصب أو المواقع المختلفة في الدولة من خارج دائرة تنظيم الضباط الأحرار فقد ارتكز هذا الأسلوب علي كثير من المعايير الموضوعية وعناصر الكفاءة الشخصية بعيدا عن ما يميل البعض إلي تسميته « بأهل الثقة وأهل الخبرة « حيث اعتمد النظام السياسي في مختلف مراحله علي عدد لا يحصي من ذوي الخبرة والكفاءة الفنية في إنجاز أهداف الثورة في كل المجالات وكل المواقع، ويشهد علي ذلك برنامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية الذي توج بخطة التنمية الخمسية 1960ـ1965، والبرنامج النووي ـ، وإصلاح النظام التعليمي وتطوير الجهاز الإداري في مصر وغيرها من مختلف القطاعات.
وللحديث بقية.

2015/06/01

في غياب المرجعية وتعطّل البوصلة..العرب إلى أين؟!


صبحي غندور
لا أعتقد أنّ هناك أمَّةً في العالم تشهد خليطاً من الصراعات والتحدّيات كما هو عليه حال الأمّة العربية. فهذه الأمَّة تشهد، وعلى مدار قرنٍ من الزمن، مزيجاً من الأزمات

التي بعضها هو محصّلة للتدخّل الخارجي والأطماع الأجنبية، وبعضها الآخر هو إفراز لأوضاع داخلية يسودها الاستبداد السياسي والتمييز الاجتماعي والفوضى الإقتصادية والفساد الإداري، إضافةً إلى جمود فكري في كيفيّة فهم الدين وعلاقته بالمجتمع.

ورغم ومضات الأمل التي ظهرت عربياً بين فترةٍ وأخرى، واستمرار إرادة العمل من أجل التغيير على أكثر من ساحة عربية، فإنّ المراوحة في المكان نفسه، بل التراجع والانحدار الخطير، هما السمة الطاغية الآن على الأوضاع العربية.

وقد تعرّضت أممٌ كثيرة خلال العقود الماضية إلى شيء من الأزمات التي واجهت العرب، كمشكلة الاحتلال والتدخّل الأجنبي، أو كقضايا سوء الحكم والتخلّف الاجتماعي والاقتصادي، أو مسألة التجزئة السياسية بين أوطان الأمّة أو الحروب الأهلية في بعض أرجائها .. لكن من الصعب أن نجد أمّةً معاصرة امتزجت فيها كلّ هذه التحدّيات في آنٍ واحد كما يحدث الآن على امتداد الأرض العربية.

فخليط الأزمات يؤدّي إلى تيه في الأولويات، وإلى تشتّت القوى والجهود، وإلى صراع الإرادات المحلية تبعاً لطبيعة الخطر المباشر، الذي قد يكون ثانوياً لطرفٍ من أرجاء الأمّة بينما هو الهمّ الشاغل للطرف الآخر، خاصّةً بعد غياب دور المرجعية الفاعلة الذي كانت تقوم به مصر، وبعدما تعطّلت البوصلة التي كانت تُرشد العرب، وهي القضية الفلسطينية كرمز للصراع العربي/الصهيوني.

لقد عاش العرب حقبةً زمنية مضيئة في منتصف القرن العشرين حينما كانت هناك مرجعية فاعلة وبوصلة سليمة، فكانت أولويات العرب واحدة وجهودهم مشتركة من أجل معارك التحرّر الوطني من الاستعمار الأجنبي، ثمّ جاءت حقبة الستينات التي طغت عليها قضية الصراعات الاجتماعية إلى حين الهزّة الكبرى للمنطقة التي أحدثتها هزيمة العام 1967.

إذ تبيّن أنّ الصراع مع إسرائيل، بل وجود إسرائيل نفسها في المنطقة، قادرٌ على الإخلال بأي توازن يصنعه العرب لأنفسهم، وبأنّه يدفع الكثير من الأولويات إلى الخلف، وبأنّه يهدم إنجازاتٍ كبرى تكون قد تحقّقت في قضايا أخرى. هكذا كان الدرس الذي أدركه جمال عبد الناصر في مصر عقب حرب العام 1967، حيث تراجعت أولويات مصر الناصرية في قضايا الوحدة والتغيير الثوري للمنطقة، وبرزت أولويّة المعركة مع إسرائيل التي من أجلها جرى آنذاك التحوّل الكبير في سياسة القاهرة. فكان التركيز الناصري هو على مواجهة التحدّي الإسرائيلي ووقف الصراعات العربية/العربية مهما كانت مشروعيّة بعضها، وبناء ركائز سليمة لتضامن عربي فعّال ظهرت نتائجه الهامّة في حرب أكتوبر عام 1973، رغم وفاة جمال عبد الناصر قبل حدوثها، لكنّها كانت محصّلة للسياسة الداخلية والخارجية التي وضعها ناصر بعد حرب 1967.

وكم كان جهلاً متعمّداً للحقائق حينما أصرّ البعض على اعتبار أنّ ما عاشته الأمّة العربية في العقود الأربعة الماضية هو إفراز لنتائج هزيمة عام 1967 بينما الواقع أنّ التحوّل السلبي الخطير قد حدث بعد حرب أكتوبر 1973، حينما عملت الإدارة الأميركية آنذاك على إخراج مصر من الصراع العربي/الإسرائيلي، وما سبّبه ذلك من انهيار للتضامن العربي ومن بدء الصراعات العربية الأهلية (كحرب لبنان التي انغمست فيها سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية وقوى عربية أخرى) أو الحروب الحدودية كما حدث بين عدّة دول عربية، إضافةً إلى إشعال الحرب العراقية/الإيرانية ثمّ غزو نظام صدام حسين لدولة الكويت، وما أدّت إليه هذه الحروب الخليجية من استنزاف هائل للثروات العربية ولطاقات دول عديدة في الخليج العربي. وهذه الحروب "الأهلية" و"الحدودية" و"الخليجية" كلّها كانت تحدث في الربع الأخير من القرن العشرين بينما تسرح إسرائيل وتمرح في المشرق العربي وتجتاح لبنان وعاصمته، وتزيد من المستوطنات اليهودية ومن تدمير مقوّمات الحياة للشعب الفلسطيني.

حدثت هذه الحروب الاستنزافية للأمَّة العربية في الوقت نفسه الذي ازدادت فيه مشكلة انعدام الديمقراطية والمشاركة الشعبية السليمة في الحكم وسوء إدارة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فزادت الحكومات تكلّساً وتكاسلاً بينما زادت الشعوب تخلّفاً وفقراً.

ثمّ جاء مطلع القرن الحادي والعشرين ليحمل معه المزيد من المآسي لأوضاع هذه الأمَّة، حيث انفجرت قضية "الحرب على الإرهاب" لتكون أرض العرب ساحتها الرئيسة، في ظلّ إدارة أميركية وظّفت الإرهاب على أميركا والحرب على الإرهاب لصالح أجندة خاصّة بها، كان الأساس فيها الشرق الأوسط عموماً والمشرق العربي خصوصاً.

الآن، تعيش الأمّة العربية كلّ أنواع الحروب الأهلية والأزمات الإقليمية والصراعات الدولية وأعمال العنف والإرهاب وبروز جماعات متطرّفة في أكثر من بلد عربي.. وكلُّ ذلك يحدث دون بوصلة سليمة ترشد هذه الأمّة إلى الهدف الصحيح، وفي غياب قيادة عربية جامعة لإرادات الأمَّة المبعثرة.

لذلك، هي حاجة كبرى الآن إعادة تصحيح البوصلة في الحدِّ الأدنى، وتلك مسؤولية تقع على عاتق مفكّري هذه الأمَّة وقياداتها المدنية الفاعلة، وممّا يستوجب أيضاً ضرورة صياغة "مشروع عربي مشترك" أو رؤية عربية لمستقبلٍ أفضل، تحمل في مضامينها حسماً لمنطلقات، ورسماً لغايات، وتحديداً لوسائل تؤدّي بمجملها إلى تصويب منشود للصراعات، وإلى إعادة ترتيب أولويّات هذه الأمَّة وطنياً وعربياً.

صحيحٌ أنّ المسألة الديمقراطية هي أساس مهمّ للتعامل مع كلّ التحدّيات الخارجية والداخلية، لكن العملية الديمقراطية هي أشبه بعربة تستوجب وجود من يقودها بشكل جيّد، وتفترض حمولةً عليها، وهدفاً تصل إليه. وهذه الأمور ما زالت غائبة عن الدعوات للديمقراطية في المنطقة العربية. فتوفُّر آليّات الحياة السياسية الديمقراطية وحدها لن يحلّ مشاكل الأوطان العربية، بل العكس حصل في عدّة بلدانٍ عربية شهدت من الديمقراطية مظاهرها فقط وآلياتها الانتخابية.

ومهما توفّرت أفكارٌ جيّدة في الساحة العربية، فإنّ وجود الفكرة وحده لا يكفي. فالفكرة، كي تتحوّل إلى دعوة ناجحة، تتطلّب وجود أربعة عناصر لهذه الدعوة :

1. وضوح الفكرة وسلامتها وانسياقها مع الواقع، وانطلاقها من الأصول المبدئية للهويّة الثقافية العربية ولمضمونها الحضاري، لا من الفروع التفصيلية الموجودة فيها.

2. وجود الدعاة والمفكرين والمثقفين الذين يحملون هذه الفكرة، والذين ينسجم سلوكهم مع طرحهم الفكري، بحيث لا تبرز مشكلة الانفصام بين الفكرة والتطبيق، وممّا يجعلهم - بما يجب أن يتحلّوا به من كفاءة وقيم ومبادئ - نقطة جذبٍ للفكرة نفسها.

3. بناء مؤسسات متنوّعة المجالات، متعدّدة الرؤى لأساليب العمل، ديمقراطية الأسلوب والبناء الداخلي .

4. رفض استخدام العنف بكافّة أشكاله في أسلوب العمل من أجل التغيير، ثمّ التعامل مع الظروف المحيطة بحكمة ومرونة من أجل تحسين هذه الظروف لتنسجم مع إمكانات الدعاة ومؤسساتهم.

أيضاً، إنّ التوافق على فهمٍ مشترك لمعنى أي مصطلح فكري هو المدخل الأهم لأي حوار أو عمل يستهدف تحقيق نهضة عربية. فالتشويه حدث ولا يزال في البلاد العربية لمصطلحات فكرية ولمفاهيم كانت هي الأساس في تغييرٍ إيجابي بكثيرٍ من أرجاء الأمَّة العربية، وفي مراحل زمنية مختلفة، بينما تنتعش مفاهيم ومصطلحات أخرى تحمل أبعاداً سلبية في الحاضر والمستقبل إذا ما جرى الركون إليها أو التسليم بها. فمصطلح "الشرق الأوسط" أصبح أكثر تداولاً الآن من تعبير "الأمَّة العربية". ومصطلح "المصالح الطائفية والمذهبية" أضحى أكثر انتشاراً من الحديث عن "المصلحة الوطنية أو القومية".

إنّ التحرّر الوطني، واستقلالية القرار الوطني، هما الأساس والمدخل لكلّ القضايا الأخرى بما فيها مسألة الديمقراطية. وإنّ أولويّة الإنسان العربي، في أيِّ بلد عربي، هي تأمين لقمة العيش بكرامة وتوفير العلم والسكن والضمانات الصحّية لأفراد العائلة. وهذه الأولوية للمواطن لا تتناقض مع أولويات الوطن من حيث التحرّر والبناء الدستوري السليم. فإذا كان واجب المواطن هو العمل الصالح في المجتمع، فإنّ واجب الحكومات هو توفير معاني المواطنة لكي يتعزّز الولاء الوطني لأبناء الوطن الواحد.

إنّ البلاد العربية هي أحوج ما تكون الآن إلى بناء مؤسسات وروابط عروبية ديمقراطية تحرّرية تستند إلى توازن سليم في الفكر والممارسة بين شعارات الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية، مؤسسات فكرية وثقافية وسياسية تجمع ولا تفرّق داخل الوطن الواحد، وبين جميع أبناء الأمَّة العربية.. وإذا ما توفّرت القيادات والأدوات السليمة يصبح من السهل تنفيذ الكثير من الأفكار والمفاهيم والشعارات ..

اسماء وتفاصيل عملية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية العروبي الشهيد رشيد كرامي

 
 
 هذا هو غسان توما (مسؤول جهاز الأمن في القوات اللبنانية) الذي اغتال الرئيس رشيد كرامي رئيس الحكومة اللبنانية ،وكان قد جند عملاء له من ضباط وعناصر الجيش اللبناني في كل من قاعدتي أدما وحالات الجويتين التابعتين للجيش اللبناني وكان على رأسهم العميد المتقاعد خليل مطر (كان رائداً في قاعدة حالات ذلك الحين) وكان يدفع لهم رواتب شهرية . وبالفعل فقد لجأ غسان توما إلى هؤلاء وطلب منهم تزويده بالمعلومات اللازمة فأفادوه بكل ما يحتاج إليه من مواعيد استعمال الطائرة من قبل الرئيس الشهيد ومواصفات هذه الطائرة وصولاً حتى إلى المقعد الذي اعتاد الرئيس الشهيد الجلوس عليه . كذلك لجأ غسان توما إلى بعض عناصر جهاز أمن القوات ليقوموا بالتصوير البانورامي لمنصات الهبوط والاقلاع وإلى مراقبة المروحيات كل يوم إثنين (وهو اليوم الذي اعتاد فيه الرئيس كرامي استعمال المروحية للتنقل من طرابلس الى بيروت ) .
وفي المرحلة الثانية وبعد استكمال تقصي المعلومات انتقل العمل إلى زرع عبوة ناسفة في الطائرة تكون مجهزة للتفجير عن بعد . وما زلنا إلى الآن غير متأكدين من هوية من قاموا بزرع العبوة , غير أننا نعرف شيئين : الأول هو أن العميل الأساسي لغسان توما الذي قام بزرع العبوة هو رتيب في الجيش اللبناني كان يعمل في قاعدة أدما الجوية وكان قصير البنية حيث وصفه غسان توما نفسه للعميد مطر بعد عملية الاغتيال بأنه : " زمِكْ زغير " وأن القوات اللبنانية نجحت في تهريبه إلى خارج الأراضي اللبنانية عقب العملية .
أما الموضوع الآخر فهو مشوب بالغموض , فقد أفاد المؤهل أول جوزف حجيلي من قاعدة أدما الجوية أنه خيّل له أن الرقيب أول مخايل الصانع كلمه من قمرة الطوافة 906 في اليلة السابقة لتفجيرها . ( ومخايل الصانع هو من بين الذين أدينوا بتسريب المعلومات إلى جهاز أمن القوات ) . وأكد المؤهل حجيلي أن من المفروض أن يكون أعضاء الفريق الذي يعمل تحت إمرته قد شاهدوا هذا الشخص . غير أن ما يحيرّ المؤهل جوزيف حجيلي هو أنه عاد وسأل تقنياً في الجيش اللبناني من معاونيه يدعى جان قزي فأفاده هذا الأخير بأنه هو من صعد إلى كابين القيادة لمراقبة كمية الكاز في الطوافة 906
ولا تنتهي المسألة هنا ولكن تزداد الغرابة عندما نعلم أن الفني من آل قزي قد قتل بعد ذلك بتحطم مروحية حصل في 16/1/1988 . وكانت القوات اللبنانية في تلك الفترة ما زالت تحصل على تقارير خطية من عميل لها في القاعدة هو العريف ناجي الحصروتي وكان قد طُلب منه تحديداً الإفادة عن الفنيين العاملين على صيانة الطائرات في القاعدة .
فهل كان مقتل جان قزي نتيجة حادث مدبر ؟ وهل قتل لأنه كان من بين الفريق الذي ساهم في وضع العبوة في الطائرة المستهدفة ؟ أم لأنه كان يعرف من هو الشخص قصير القامة الذي وضع العبوة وتم تهريبه الى خارج البلاد وكان لا بد تالياً من قتله ؟ أسئلة ربما لا تجد جواباً لها إلا عند غسان توما .
وبعد زرع العبوة وفي يوم الاغتيال , ذهب كل من غسان توما ومرافقه الشخصي انطوان الشدياق ومساعده الأقرب غسان منسى (رئيس شعبة المعلومات في القوات) والرائد في الجيش اللبناني خليل مطر وأيضاً عفيف خوري قائد قاعدة جونية البحرية التابعة للقوات وانطلقوا من القاعدة المذكورة على متن زورق مدني إلى عرض البحر حيث أطفأوا المحركات ومكثوا بانتظار الطوافة . وهنا تجلى الدور الرئيسي للعميد مطر وذلك من خلال جهاز الارسال من نوع جنيفا الذي كان بحوزته واستخدم لتحديد الطوافة المستهدفة حيث مرّت طوافة قبلها بحوالي النصف الساعة فأفاد الرائد مطر وكان يتنصت إلى جهازه : " مش هيي " , ثم عندما مرّت الطوافة المقصودة صاح مطر: " هيي هيي " فعمد عندها غسان منسى إلى الضغط على العتلة في جهاز التفجير الذي كان بحوزتهم وما لبثت الطائرة أن انفجرت .
بعد إتمام المهمة عاد الجميع إلى البر وأمضى كل من غسان توما وغسان منسى يومهم في التنقل بين قيادات القوات بدءاً من سمير جعجع لنقل تفاصيل العملية وكيف تمت محتفلين لدى وصولهم إلى كل قيادي بطريقة مختلفة . فقد شهد الموظفون في مكاتب هذه القيادات أن غسان توما وغسان منسى قد حضرا إلى المكتب وسرعان ما تعالت الضحكات ثم تم طلب الحلويات أو الشامبانيا وطُلب من السكرتيرات إلغاء جداول المواعيد والانصراف .
 

المستعربون: البداية من دمشق وبيروت

 أنس أبو عرقوب
 
 باكراً، أدركت الحركة الصهيونية أهمية امتلاكها أجهزة مخابرات قوية. إذ سبق إنشاء دولة إسرائيل بتسعة وعشرين عاماً، تأسيس جهاز المخابرات الأول للتجسّس على الفلسطينيين والعرب. ثم تبعه تأسيس عدّة أجهزة أتت كلّ حلقةٍ منها كمقدمة تمهّد الطريق بالخبرات للخطوة التالية.
كرّست أجهزة المخابرات الصهيونية جهودها لجمع معلومات تفصيلية حول القرى والعائلات الفلسطينية. وأرفقت ذلك بحرب نفسية مدروسة لتفتيت النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات بين المسلمين والمسيحيين، تمهيداً لتنفيذ التطهير العرقي.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج تلك الأجهزة الاستخبارية، بدءاً من "شاي"، جهاز مخابرات "الهاغاناة"، تليه في هذا العدد وحدة "المستعربون". وبعده، سنتطرق لمخابرات "الأرغون"، ثم ننتقل للحديث عن "الشاباك" و "الموساد" و "أمان"، وهي أجهزة المخابرات التي نشأت بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، بالاعتماد على ذلك التراث الاستخباري.



شكّلت "الهاغاناة" في صيف العام 1941 ست كتائب صاعقة، "البلماخ"، ضمت ستة الآف عنصر عالي التدريب. وبالتعاون بين القسم السياسي في الوكالة اليهودية و"الهاغاناة" من جهة وإدارة العمليات الخاصة البريطانية (بالانكليزية: Special Operations Executive) من جهة أخرى، تم تشكيل "القسم السوري" الذي يُعتبر أول "وحدة مستعربين" تنشئها "الهاغاناة". وكانت حينها جزءاً من "البلماخ".

"القسم السوري"

زودت بريطانيا "البلماخ" بأسلحة حديثة، تمهيدًا لاستخدامها ضد القوات الفرنسية في سوريا. وتسلل عناصر "القسم السوري" إلى داخل سوريا ولبنان، وتصرّفوا كعرب. نقلوا المعلومات إلى جيوش الحلفاء عبر أجهزة اتصال لا سلكية كانت بحوزتهم. استمر عمل "القسم السوري" الذي غطى كامل الأراضي اللبنانية والسورية لثلاثة أعوام، نفذ خلالها اعتداءات إرهابية بالمتفجرات، إلى جانب مهمة التجسس.
مع نهاية مهمة "القسم السوري" في يونيو/حزيران 1943، وبعد عودة عناصره، قرر قائد "البلماخ" اسحاق ساديه، بالاعتماد على الخبرات التي تراكمت لدى "القسم السوري"، إقامة "وحدة المستعربين" في إطار "البلماخ". إذ أدركت قيادة "الهاغاناة" آنذاك حاجتها إلى إقامة جهاز استخبارات عسكرية عشية الصدام الذي يلوح في الأفق مع الدول العربية.

"القسم العربي"

تم تشكيل "القسم العربي" الذي كان يُطلق عليه اسم "شاحر" والذي ذاعت شهرته باسم "المستعربون". تم تجنيد أعضائه من "عناصر القسم السوري"، والمهاجرين اليهود الوافدين من الدول العربية، والشبان اليهود الذين يسكنون في المدن المشتركة وأتاح لهم احتكاكهم بالسكان الأصليين تعلّم اللغة العربية. وكان من بين هولاء يهود غربيون أشكناز شغلوا مناصب إدارية وقيادية وتدريبة، ولم ينفذوا عمليات "تنكر كعرب".
منذ شهر يونيو/حزيران 1943، بدأت تدريبات دؤوبة في القدس وحيفا وفي مناطق أخرى، لتأهيل "المستعربون"، شملت استخدام السلاح الناري والأبيض. وتجهّزوا بالمهارات اللازمة لاختراق قرى فلسطينية وعربية، والإقامة فيها لفترات طويلة، وذلك تميهداً لـ "زرعهم خلف خطوط العدو".
العقيدة القتالية لـ "المستعربون" قامت على على "التنكّر بصفة العدو، والتماهي داخله، ثم مفاجأته من مسافة صفر، بعد روية بؤبؤ عينه". ولتأدية هذه المهمة، أجرى "المستعربون" تمرينات عملية، مثل الحياة بين العرب والفلسطينيين، وجمع المعلومات، والمشاركة في الصلوات، خصوصاً صلاة الجمعة، لرصد توجهات الرأي العام وتشخيص "القادة والأئمة المتطرفين".

من أبرز مهامهم: ملف القرى

عمل "المستعربون" كعمّال عرب خلال فترة الانتداب في مصانع البحر الميت وميناء حيفا، ومارسوا التجارة في مدن وقرى فلسطينية مثل يافا والرملة. ونفذ "المستعربون" أيضًا عمليات تجسس في شرقي الأردن وسوريا، بالإضافة إلى عمليات اغتيال وأخرى تخربية في حيفا ومدن أخرى. وقد ضُبط اثنان من عناصر الوحدة في أثناء محاولتهم تسميم آبار مياه، وتم إعدامهم في غزة نهاية شهر مايو/أيار 1948.
من أهم المهام التي نفذها "المستعربون" كانت المشاركة في تجهيز "ملف القرى" الذي أشرف على إعداده "مكتب التخطيط" التابع لـ "الهاغاناة". في البداية، كُلف طيارو "قسم الطيران" في "البلماخ" بالتقاط سلسلة صور جوية لأهداف إستراتيجية (قرى ومدن فلسطينية). الصور الجوية نُقلت الى كشافة "البلماخ"، الذين جمعوا معلومات كاملة حول مخارج القرى الفلسطنيية المستهدفة ومداخلها وجغرافيتها.
الجزء الثالث من إعداد "ملفات القرى" نفذه "المستعربون" الذين دخلوا إلى القرى منتحلين صفات متعددة، سواء بالادِّعاء أنهم فلسطينيون أو باحثون أجانب. وشمل هذا الجزء من العمل جمع معلومات تفصيلية وإحصائية، مثل تعداد سكان القرى، والشخصيات والعائلات المؤثرة، وتعداد الثروة الحيوانية، وهوية إمام المسجد أو كاهن الكنيسة، وتوجهاته السياسية، وإعداد قائمة بأسماء الاشخاص الذين شاركوا بالثوارت. وقد ساعدت "ملفات القرى" قادة "الهاغاناة" في تنفيذ التطهير العرقي في العام 1948، كما تُظهر شهادة قائد وحدة "المستعربين" يروحام كوهين.

"خطة بروباغندا الهمس"

في حالات كثيرة، عمل "المستعربون" كقوة مساندة لوحدات "الهاغاناة" و"البلماخ" في جمع المعلومات، وإجراء جولات الاستطلاع، وتخطيط عمليات اغتيال قادة فلسطينيين معادين للصهيونية، وتنفيذ هجمات انتقامية ضد مقاومين.
كذلك، تم تكليف "المستعربون" بتنفيذ مهام دعائية في ما يُعرف "خطة بروباغندا الهمس"، ضمن الحرب النفسية التي شنتها "الهاغاناة" ضد الفلسطينيين. واعتمدت هذه الخطة على نشر الشائعات. وبحسب شهادة يائير هراري، وهو "مستعرب" يهودي من أصول سورية، كلفه قادته بالمشاركة في صلاة الجمعة، وإعداد تقارير مضامين خُطب الجمعة لأئمة مهمين، ودارسة توجهات الفلسطينيين.
وتسلل هراري ضمن "عملية الجار" إلى قرية سورية محاذية للجولان، منتحلاً صفة لاجئ فلسطيني. وعمل كأستاذ بمدرسة. وكانت مهمته نقل معلومات استخبارية عبر جهاز لاسلكي الى قيادته حول تحركات الجيش السوري.
بعد إنشاء جيش الاحتلال، تم دمج "المستعربون" في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، وأطلق عليها اسم "وحدة 18". تم تكريس جهود أعضائها للتجسس على الدول العربية، وعلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل الخط الأخضر.

حلّها.. والعودة إليها:
"أم 16 بدلاً من أف 16"


في مطلع عقد الخمسينيات من القرن الماضي، حُلت الوحدة بعدما بلغ عدد عناصرها حوالي 40 شخصاً، وكان ذلك بعد اكتمال تشكيل جهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية "الموساد" الذي تخصص بالتجسس في الخارج، وجهاز المخابرات "الشاباك" المكلف بالتجسس على الفلسطينيين. وشارك "المستعربون" بتدريس "الجيل الجديد" من رجال المخابرات اللغة العربية.
ولكن، بعد تصاعد الانتفاضة الأولى، قرر إيهود باراك، رئيس أركان جيش الاحتلال آنذاك، تشيكل وحدات سرية للعمل على "كسر التوازن مع الإرهاب". وكانت فكرة إقامة الوحدة تقوم على الأساس الذي أقيمت عليه وحدة المستعربين الأولى.
وصاغ غادي ايزنكوت، الذي يشغل حالياً منصب رئيس الأركان، وكان خلال الانتفاضة الأولى قائد المنطقة الوسطى التي كُلفت بسحق الانتفاضة، "العقيدة القتالية" لوحدة "المستعربون" الجديدة، التي حملت عنوان "بندقية أم 16 بدلاً من طائرة أف 16". وكان يقصد بذلك أن اغتيال قادة الانتفاضة عن طريق "المستعربون" بعد اختراق بيئتهم الطبيعية، سيشكّل ردعاً أقوى بكثير من قنبلة تطلقها طائرة من سلاح الجو.
وعن طريقة عمل الوحدة، قال أحد جنود الوحدة في فيلم "المستعربون" الذي بثته القناة العاشرة الإسرائيلية في تاريخ 19‏/02‏/2015: "الفكرة بسيطة، وهي الوصول متنكرين، أحياناً، عن طريق لحية صناعية، وأحياناً بتقمص هوية امرأة. المسدس يتم إخفاؤه تحت الملابس، ويكون الانقضاض والانسحاب خلال ثانية واحدة".
وقد كشف ضابط في الوحدة أن "المستعربون" كلفوا "بتنفيذ ملفات اغتيال" وليس اعتقال. وأضاف آخر أن نسبة 90 في المئة من علميات الوحدة انتهت بمقتل المستهدفين. وعندما سُئل جندي آخر عن عدد من أطلق النار عليهم، نفى قدرته على إحصاء العدد بحجة أنه نفذ أحياناً أكثر من عملية في اليوم نفسه.
الجيل الثاني من "المستعربون" لم يتقن العربية كما أتقنها أسلافهم. فهم آلات قتل، كما وصفوا أنفسهم خلال الفيلم. ويشرح أخييه شاتس، وهو مستعرب عمل في الوحدة خلال الفترة الواقعة ما بين 2005 و2008، "علمونا العربية، ولكني أتذكر أنني انهيت النشاط الأول ولم اكن أعرف أي كلمة. ولم أعرف أن أقول كلمة شكراً بالعربية. وعندما سألتهم عنها، سخروا مني وقالوا لماذا تحتاج هذه الكلمات؟ لديك سلاح، تحدّث من خلال السلاح. إنه اللغة الأفضل".
ويختم شاتس شهادته عن تدريبات "المستعربون" بالقول: "كيف تتأكد من مقتل شخص ما؟ بإطلاق خمس رصاصات بالرأس. وكيف تؤكد ذلك؟ قالوا لنا إن تحقيق الشرطة العسكرية أثبت أنه قد تم فعلاً إطلاق أربع رصاصات على رأس أحدهم ولم يمت. إذاً، فإن إطلاق خمس رصاصات في الرأس سيؤدي كما يبدو إلى الموت".

القضية الفلسطينية في الفكر السياسي الناصري

صبري محمد خليل 

القضية الفلسطينية قضيه العرب المركزية :يرى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر (رحمه الله ) أن فلسطين هي جزء من الامه العربية اغتصبها الصهاينة بمساعده الاستعمار القديم والجديد، وأقاموا عليها دوله اسرائل لتكون بمثابة حاجز يحول دون وحده الامه العربية، فهي بذلك قضيه العرب المركزية ،حيث يقول  ( أن الاستعمار قد أقام اسرائيل في قلب الوطن العربي للقضاء على القومية العربية، ولضرب هذه الأمة ومنعها من بناء نفسها اجتماعيا واقتصاديا ودبلوماسيا.) ،ويقول (أن ما يحدث في مصر وما يحدث في فلسطين هو جزء من مخطط استعماري يستهدف الأمة العربية كلها)
صراع وجود وليس صراع حدود : اتساقا مع اعتبار عبد الناصر أن القضية الفلسطينية هي قضيه العرب المركزية فهو يرى ان صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس صراع حدود.
إقرار الأبعاد المتعددة للقضية الفلسطينية: ورغم تركيز عبد الناصر على البعد القومي "العربي" للقضية الفلسطينية  الا انه لم  يلغى أبعادها الأخرى : الوطنية "الفلسطينية"، والدينية "الإسلامية" والإنسانية "العالمية" .
إقرار البعد الوطني الفلسطيني: وقد اقر عبد الناصر  البعد الوطني الفلسطيني للقضية الفلسطينية  على المستويين النظري والعملي ، فعلى المستوى الأول يقول عبد الناصر - على سبيل المثال لا الحصر- (لا يستطيع أحد أن ينكر دور جماهير الشعب الفلسطيني الذي يرزح تحت الاحتلال )، و يقول (ان الثورة الفلسطينية أنبل ظاهرة في الأمة العربية).
دعم المقاومة الفلسطينية والمساهمة في إنشاء منظمه  التحرير الفلسطينية : أما على العملى فقد  ساهم عبد الناصر في إنشاء منظمه التحرير الفلسطينية ، كهيئة تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني ، وتتولى أمر السعي لاسترداد ما هو ممكن من حقوقه الوطنية والقومية والدينية.كما قام بدعم المقاومة الفلسطينية
إقرار البعد الديني الاسلامى : كما اقر عبد الناصر البعد الاسلامى للقضية الفلسطينية ، والذي من مظاهره أن تعرب فلسطين أرضا وبشرا إنما تم تحت راية الإسلام،وان القضية الفلسطينية هى  قضية المسلمين في جميع إنحاء الأرض،  لأنه صراع يتصل بمشروعية الفتح الإسلامي ، وحق المسلمين في العيش على الأرض التي اسلموا فيها أو حملهم إليها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا ، فضلا عن ان  الإسلام أوجب على جميع المسلمين الجهاد إذا حدث اعتداء على ديار المسلمين، حيث يقول عبد الناصر( العرب والمسلمون إمام عدو واحد ومرض واحد العدو هو الاستعمار والمرض هو الفرقة والتخلي عن الجهاد في سبيل الله) .

غير أن إقرار عبد الناصر البعد الديني الاسلامى للقضية الفلسطينية، على النحو السابق بيانه ، لا يعنى انه يأخذ  بالتفسير "اللاهوتى" ، القائم على إن الصراع الذي تثيره مشكله فلسطين قائم بين المسلمين من جهة واليهود من جهة أخرى لمجرد أنهم يهود،  فهي مشكله صراع ديني بين الدين الإسلامي والديانة اليهودية،وهو التفسير الذي قال به البعض، اعتقادا منهم انه يمثل الفهم الاسلامى الصحيح للمشكلة وطبيعة الصراع التي تثيره، وهو غير صحيح لان الإسلام لم يأذن للمسلمين بقتال غير المسلمين إلا في حالتي إكراههم على الردة عن دينهم  أو إخراجهم من ديارهم  ، أما لعن الله اليهود، فهو حكم ديني ذو جزاء اخروى، لذا فهو لم يحول دون أن يقبل الرسول(صلى الله عليه وسلم) أن يكون اليهود مواطنين في دولة المدينة ( أن اليهود من بني عوف امة مع المؤمنين)، ولم يلغى ذلك إلا بعد تآمرهم.
تقويه الجبهة الداخلية والتضامن العربي شرطا نحاج مقاومه الخطر الصهيوني :  ويرى عيد الناصر أن مواجهه الخطر الصهيوني  لابد أن يستند  أولا إلى  تقويه  الجبهةٍ  الداخليةٍ ، بما يتضمن نبذ الصراعات الطائفية والعرقية  ، وثانيا على تحقيق القدر الممكن من التضامن العربي بالعمل على وقف الصراعات العربية/العربية.
التمييز بين السلام والاستسلام: ويميز عبد الناصر بين السلام المقبول والاستسلام المرفوض، فالأول يتحقق عند استرداد الحقوق ، والثاني هو تنازل عن الحقوق،  حيث يقول(لا يمكن أن نقبل السلام بمعنى الاستسلام. نحن نسعى للسلام من أجل السلام ونحن لا نريد الحرب لمجرد الحرب ولكن السلام له طريق واحد هو طريق انتصار المبادئ مهما تنوعت الوسائل ومهما زادت الأعباء والتضحيات نحن نريد السلام والسلام بعيد ونحن لا نريد الحرب و لكن الحرب من حولنا وسوف نخوض المخاطر مهما تنوعت دفاعاً عن الحق و العدل)
استرداد الحقوق هو شرط نجاح التسوية : ويرى جمال عبد الناصر أن شرط نجاح تسوية الصراع العربي الإسرائيلي هو استعادة حقوق الشعب الفلسطيني ، ثم في استعادة الأراضي العربية المحتلة .
ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة :كما يقرر عبد الناصر أن الطريق الوحيد للاسترداد  كافه الحقوق الوطنية والقومية والدينية للشعب الفلسطيني  هو بالقتال و الجهاد ، حيث يقول( ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة).
التمييز بين ماهو ممكن وما ينبغي إن يكون:  إن الفهم الصحيح لموقف عبد الناصر من القضية الفلسطينية- والذي يتضمن نفى كونه موقف طوباوى "خيالي" ،غير واقعي أو عملي-  لا يمكن أن يتحقق إلا بعد التمييز بين ما ينبغي أن يكون ، ممثلا في استعاده كل الحقوق الوطنية والقومية والدينية للشعب الفلسطيني العربي المسلم ، وهو ما لا يمكن ان  يتحقق إلا عند توحد الاراده الفلسطينية والعربية والاسلاميه. وما هو ممكن ممثلا في استعاده بعض هذه الحقوق، هذا الممكن له أشكال  سلبيه عديدة مثل :عدم التنازل عن الحقوق الوطنية والقومية والدينية للشعب الفلسطيني،عدم الاعتراف بإسرائيل كدوله ومؤسسه سياسية تقوم على اغتصاب هذه الحقوق، رفض مشاريع التسوية التي لا تقود إلى الاعتراف بهذه الحقوق،مقاطعه دوله إسرائيل والدول والشركات والمؤسسات التي تدعمها. كما ان له أشكال  ايجابيه عديدة مثل : دعم المقاومة الفلسطينية ، إتباع كل الوسائل التي تؤدى  إلى الحصول على حقوق جزئيه بشرط عدم استبدالها بالحقوق الكاملة.، العمل على إلغاء الحواجز بين فلسطين وأمتها العربية المسلمة، الدفاع عن الحقوق الفلسطينية أمام المجتمع الدولي، إقرار ودعم حقوق الشعب الفلسطيني…

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر