الراصد القديم

2018/04/02

هذا الإفتراء على عبد الناصر .. لماذا ؟؟!!


صفوت حاتم .

لم تتوقف حملة الهجوم على عبد الناصر وعصره لأكثر من خمسة و أربعين عاما على رحيله الصاعق .

وقد يكون مفهوما أن يهاجم الذين أضيروا من إجراءات الثورة كالإصلاح الزراعي أو التأميم إنجازات ثورة يوليو الاجتماعية .لكن ما يثير الدهشة .. والغثيان .. أن يكون عبد الناصر هدفا لهجوم البعض ممن لا ينتمون لعائلات إقطاعية أو رأسمالية .. ومنهم وزراء وسفراء ولواءات وأساتذة جامعات .. نشأوا وتربوا وتعلموا ووصلوا الى أعلى المناصب .. بفضل مبدأ ” تكافؤ الفرص ” .. الذي أرست قواعده ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر . ومن يعود للدراسة المهمة التي أنجزها الدكتور ” نزيه نصيف الأيوبي ” عن تطور النخبة الإدارية العليا في مصر خلال الستينات .. سيكتشف كيف تغيرت الطبيعة الطبقية للبيروقراطية المصرية العليا من قادة القطاع العام وأعضاء مجالس إدارة الشركات والبنوك والكوادر العليا في الحكومة . فبعد أن كانت السيطرة للمحامين الذين كان أغلبهم من أبناء الطبقات الراقية من الباشوات والبكوات .. حل محلهم المهندسين والعلميين والتقنيين وخريجي كليات التجارة والإقتصاد والذين بلغت نسبتهم النصف تقريبا في قمة جدول الكوادر العليا في الحكومة والقطاع العام والسلك الديبلوماسي .

لكن الأمر المثير للدهشة .. أن معظم هؤلاء .. صاروا يتنكرون لأصولهم الإجتماعية المتواضعة .. ويتصرفون بإعتبارهم من طبقة ” الحكام ” والنبلاء !!.وهذا السلوك يحتاج إلى تحليل نفسي ـ إجتماعي لإستكشاف سبب ما يحمله هؤلاء من كراهية لعصر إستفادوا من إنجازاته في التعليم بمختلف درجاته المجانية . وقد ساعدت سياسة التوسع في ”البعثات” الخارجية في حصول كثير من الشباب المتفوق في الحصول على درجة الدكتوراه وأعلى الشهادات في كل التخصصات .. من المسرح والسينما حتى مجالات الطب والعلوم التطبيقية .. مرورا بالتخصصات في العلوم الإنسانية وبالذات الإقتصاد والتخطيط .

وهكذا نجحت سياسة “تكافؤ الفرص“ في بلوغ الآلاف لأرفع المناصب في الدولة بعد أن كانت حكرا على أبناء الباشوات والباكوات . لماذا التنكر ؟؟!!

وكأي ظاهرة متكررة .. يمكن تفسير ظاهرة الإنكار والتنكر التي يمارسها البعض لأسباب ودوافع ”فردية” تخص كل شخص .

لكن علم النفس الإجتماعي قد يفتح نافذة جديدة لتحليل تلك الظاهرة .

واعتقادي أن السبب الحقيقي وراء هذه الحملة المستمرة والمتجددة منذ منتصف السبعينات .. هو نشوء طبقة رأسمالية ”رثة” ..أنتجتها سياسة الإنفتاح الإقتصادي .

وكأي طبقة اجتماعية .. فهي تشيد قيمها وثقافتها وسلوكها في المجتمع الذي تعيش فيه .

ومن الطبيعي أن يلتحق بتلك الطبقة ”الرأسمالية” الجديدة و”الهجين” : أفراد وشخصيات وافدة من أسفل .. سواء من قاع الهرم الإجتماعي .. أو من الشرائح الوسطى فيه .

ولقد برع الأدب المصري المعاصر في تصوير هذه الشخصيات ” المنخلعة ” والكارهة لأصولها الإجتماعية المتواضعة ” .

وقد برع أديبنا الكبير ” نجيب محفوظ ” في رسم هذا النوع من الشخصيات : محجوب عبد الدايم في القاهرة 30 .. ورؤوف علوان في اللص والكلاب .. وسرحان البحيري في ميرامار .. مثلا .

محاكمة الرأسمالية المصرية :

ورغم مرور 47 سنة على وفاة عبد الناصر .. و45 سنة على بدء تجربة الإقتصاد الرأسمالي عام 1974 .. فلازال الهجوم على الفترة الناصرية في كل المجالات : التعليم والصحة والاسكان والتصنيع والتأميمات والتوظيف والعمالة ودعم السلع الأساسية .. وغيره .

وقد تعودنا خلال ما يقرب من نصف قرن على كل ” الحيل ” الدعائية التي تستخدمها الطبقة الرأسمالية الجديدة لإخفاء فشلها وإخفاقها في عمل تنمية حقيقية خلال ما يزيد على أربعين عاما .. مقارنة بعشر سنوات من تجربة التنمية الإشتراكية التي تمت في الفترة 1960 ـ 1970 .
وهناك أسئلة مشروعة تحتاج إلى إجابات جادة ومسؤولة حتى لا تضيع معنا الإجيال القادمة :

أولا : لماذا عجزت الرأسمالية المصرية عن تطوير الصناعة المصرية وجعلها صناعة متطورة ومعتمدة على المكونات المحلية .. بدلا من سياسة التصنيع ” بتجميع ” الاجزاء من الخارج .. دون جهد في البحث العلمي والإعتماد على الذات ؟؟!!

ثانيا : لماذا شكل مجال العقار والإسكان الفاخر الشكل الرئيسي لنشاط الرأسمالية المصرية .. ولم يحتل قطاع الصناعة الوطنية ما كان مأمولا منه في منافسة المنتجات المستوردة من بلدان بدأت معنا .. أو بعدنا .. في خطط التصنيع .. كالهند والباكستان وتركيا ؟؟!!

ثالثا : لماذا عجزت الرأسمالية المصرية عن إستيعاب العمالة المتزايدة في سوق العمل وتطوير قدراتها وكفاءاتها .. خصوصا بعد خصخصة القطاع العام والتخلص من عمالته بالمعاش المبكر ووقف سياسة التوظيف للخريجين منذ الثمانينات ؟؟!!

رابعا : لماذا لم تنجح الطبقة الرأسمالية في تطوير التعليم الأولي والجامعي .. بعد ما يقرب على عشرين عاما على دخول الجامعات الخاصة مجال المنافسة مع التعليم العام في كل المجالات .. حتى في مجال الطب .. فلازال مستوى خريجي هذه الجامعات ضعيفا مقارنة بنظيراتها في الدول الأوروبية .. بعد أن تحولت مدارسنا وجامعاتنا الخاصة الى مشروعات استثمارية لتحقيق المكسب السريع السهل لأصحابها .. وأصبحت عنوانا للتمايز الاجتماعي بين الأسر المصرية ؟؟!!

خامسا : لماذا عجزت الرأسمالية المصرية عن إنشاء شبكة صحية معقولة .. واقتصر جهدها على مجموعة من المستشفيات ” الاستثمارية ” التي لا تتميز عن غيرها إلا بمستوى ” الفندقة ” الموجود بها .. وهل من الطبيعي أن يهرب رأسماليونا الأشاوس من تلك المستشفيات الفندقية ويتجهون للخارج مباشرة بحثا عن العلاج الكفؤ في أوروبا وأمريكا ؟؟!!

الخلاصة أن بعد ما يقرب من نصف قرن عجزت الرأسمالية المصرية عن تحقيق أي تقدم في أي مجال .. اللهم إلا الاستيلاء على أراضي الدولة وتسقيعها .. نهب البنوك والمصارف والهرب للخارج .. تخريب مصانع الدولة باﻹحتيال في عقود الخصخصة من خلال الرشوة .. والحصول على المصانع واحتكار السوق رغم تواضع مستواها مع بلدان أخرى .. ولم يعد هناك ثقة بالمنتج المصري الذي تنتجه المصانع الرأسمالية .. بعد أن كان لنا الريادة في افريقيا وآسيا في مجال الدواء والجلود والاحذية والغزل والنسيج .. وغيرها ؟؟!!!

تصريحات وزير الصحة !!

الزوبعة التي أثارتها تصريحات وزير الصحة عن مجانية التعليم والصحة في الفترة الناصرية .. ليست الأولى .. ولن تكون الأخيرة .

وقد تعودنا على مثل هذه الأقوال المرسلة .. التي لا تستند إلى أي مرجع علمي .

وقد سبق وهاجم رمزين من رموز اليمين المصري المعروفين الفترة الناصرية بكل ما هو شائن .. وهما المرحومين : أنيس منصور .. ومصطفى محمود .. وأتهما عبد الناصر بتخريب الزراعة والصناعة والتعليم وغيره .. في وصلة من الهجاء المرسل الذي لم يستند لمرجع واحد علمي أو احصائية دقيقة توضح الفرق بين ما كان قبل ثورة يوليو 1952 وما حدث بعدها .. حتى وفاة عبد الناصر .. وما حدث بعد نصف قرن تقريبا من وفاته .

وفي غياب المراجع والأرقام يصبح النقاش والحوار نوعا من العبث وحوارا للطرشان .. لا يتقدم بوصة واحدة للأمام .

ولأن خصوم يوليو .. يتعمدون الإحتجاج بمظاهر شكلية وسطحية عن الوضع في مصر قبل الثورة .. كنشر صور عن أحياء القاهرة الراقية .. وكأن تلك الأحياء تعبر عن واقع مصر في الريف والمدن التي كانت تنضح بالقذارة والفقر والتخلف .

وينسى هؤلاء أن أحياء القاهرة الشعبية كانت تعاني من عدم وجود صرف صحي .. وأن سكان الاحياء الشعبية .. ولا نقول القرى .. كانوا يقفون في طوابير طويلة للحصول على الماء النقي من ” الحنفية العمومية ” يحملونها في ما تيسر لهم من أواني رخيصة من الصفيح أو الألومنيوم .

ولأن التشكيك في المراجع العلمية والتاريخية .. هو أحد سمات ”الفهلوة الثقافية” التي تسود مجتمعاتنا .. فلقد شاء لي الحظ أن أطلع على مرجع مهم لأوضاع مصر الإقتصادية .. قبل الثورة وبعدها .. وحتى تطبيق سياسة الإنفتاح .

هذا المرجع المهم هو كتاب الدكتور علي الجريتلي عن الإقتصاد المصري في ربع قرن من 1952 حتى 1977.

لماذا الدكتور علي الجريتلي ؟؟

من أهم المراجع التي قيمت الاقتصاد المصري بشكل قريب من الموضوعية .. كتاب الدكتور ”علي الجريتلي” : خمسة وعشرون عاما .. دراسة تحليلية للسياسات الإقتصادية في مصر .. 1952 ـ 1977.
وترجع أهمية هذا الكتاب لأسباب كثيرة : أولها أن الدكتور علي الجريتلي هو أستاذ لجيل كامل من الاقتصاديين المصريين النابهين .. الذين يعترفون بأستاذيته .. رغم تنوع إتجاهاتهم الفكرية من اليسار الماركسي الى اليمين الرأسمالي .

وثانيها أن الدكتور “علي الجريتلي” .. رحمه الله .. هو عالم إقتصاد ”ليبرالي” مؤمن باﻹقتصاد الرأسمالي وفاعلية السوق الحر .. وبالتالي فهو لا يمكن إتهامه بالإنحياز للفكر الإشتراكي الذي إنتهجته ثورة يوليو وطبقه جمال عبد الناصر في الستينات .

وثالثها : أن الدكتور علي الجريتلي تولى منصبا وزاريا في أول حكومة للثورة .. واختلف معها في إجراءاتها .. وهو ما ينفي عنه صفة التحيز للثورة أو زعيمها .

لهذه الأسباب .. وغيرها بقي .. الدكتور علي الجريتلي .. وكتابه المنشور عام 1977 مرجعا مهما .. خصوصا أنه نشر بعد وفاة عبد الناصر بسبع سنوات .. وبعد ثلاث سنوات على تطبيق سياسة الانفتاح الرأسمالي .. أهم مرجعي موضوعي وأمين في تقييم السياسات التي قامت بها ثورة مقارنة بما كان قبلها .

ماذا قال الجريتلي ؟؟

الوضع قبل الثورة :

* ”بدأ الاهتمام بالصناعة عندما فرضت حماية جمركية كافية في أوائل الثلاثينات . وزاد الدخل أيضا خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها .. بفرض قيود على الاستيراد ومراقبة النقد وتوزيع بعض السلع بالبطاقات .. والمحاولات الفاشلة لكبح التضخم العارم المترتب على إنفاق الحلفاء قرابة 500 مليون جنيه لتمويل عملياتهم الحربية في مصر .
وعند انتقال مقاليد الأمور الى المصريين ، بدأ المفكرون في المطالبة بجهود حكومية أكثر جدية وشمولا لانتشال مصر من ثالوث الفقر والجهل والمرض ، حيث لم تزد نسبة من يقرأون ويكتبون عن 20 في المائة من السكان .

وكانت الطبقات الفقيرة تتعرض للأمراض المستوطنة وللأوبئة الوافدة وأمراض ضعف التغذية” . ( علي الجريتلي .. مصدر سابق ، ص 15 ، الهيئة المصرية للكتاب ) .

* ويقول الدكتور علي الجريتلي أيضا عن التفاوت والظلم الاجتماعي قبل الثورة : ”.. انه كان هناك جهود قبل الثورة : في محاولة للتخفيف من التفاوت الناتج عن استئثار فئة قليلة بملكية مساحات شاسعة من الأراضي وهي مصدر الثروة الأول وحصول 40 % من السكان على 80 % من الدخل القومي .

* ضعف الاستثمار :

ويقول الدكتور علي الجريتلي أيضا : … وخلال العشرين سنة السابقة على الثورة .. لم يتعد الاستثمار الصافي في استحداث طاقات إنتاجية جديدة معدل 5% من الدخل القومي سنويا على أحسن الفروض .. وهي نسبة تقصر عن تحقيق تنمية تستوعب الزيادة في عدد الداخلين لسوق العمل سنويا ، أو ترفع مستوى المعيشة من الدرك السحيق الذي تردى فيه .

ويضيف الدكتور الجريتلي : .. ونخلص من ذلك إلى أنه باستثناء فترات قصيرة ، لم يكن الاستثمار في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين شيئا مذكورا ( أي قبل ثورة يوليو ) .

ولم يعوض الاستثمار الحكومي تراخي الاستثمار الفردي ، نظرا لضآلة نصيب الحكومة من الدخل القومي … وحتى أواخر الثلاثينات لم تعرف مصر ضرائب الدخل والاعمال والميراث . وكان معظم الإيراد العام مستمدا من الضرائب الجمركية وايراد السكك الحديدية ورسوم الانتاج والضرائب العقارية ، وكان يؤلف نسبة ” ضئيلة ” من الدخل القومي .. وهكذا كانت الحال من إهمال التنمية حتى نشوب ثورة يوليو 1952 ، التي كان يراود بعض رجالها شعور قوي بضرورة زيادة الإنتاج والاستثمار ، مدركين أن ذلك شرط لازم لزيادة الدخل مستقبلا ” ( علي الجريتلي ، مصدر سابق ، ص 17 ) .

الوضع بعد الثورة :

* زيادة الاستثمار :

يقول الدكتور علي الجريتلي : .. بدأ الاستثمار في أعقاب الثورة وئيدا ، بسبب انشغالها بالكفاح الداخلي والخارجي . وشهدت الخمسينات فترة من التعايش السلمي مع القطاع الخاص ومحاولة تشجيع الاستثمار الأجنبي .

ومع ذلك ، حدثت زيادة ” ملحوظة ” في الاستثمار الصناعي الحكومي قبل عام 1957 .

واطردت زيادته خلال برنامج التصنيع 1957 ـ 1960 .

وأصابت الخطة الخمسية 1960 ـ 1965 قدرا كبيرا من النجاح .
وبلغ مجموع الاستثمار خلالها نحو 1500 مليون جنيه ، نفذ القطاع العام 10 % منها .

وحققت مصر خلال السنوات الخمس 1960 ـ 1965 نسبة عالية من النمو بعد سنوات طويلة من الركود .

وتحقق تقدم ” ملحوظ ” في معظم القطاعات الاقتصادية والخدمات ، رغم تصاعد الزيادة السكانية وأعباء حرب السويس 1956 ، وحرب اليمن 1962 ، وكارثة محصول القطن عام 1961 .
ونتيجة الزيادة في الاستثمار ، زاد الإنتاج خلال النصف الأول من الستينات ، ونفذت مشروعات ضخمة في مجال الاستثمار الأساسي في المرافق وفي الري ، أهمها السد العالي ، والتوسع في الاستصلاح والاستزراع .

وكان أحد أهداف الخطة الأولى 1960 ـ 1965 مضاعفة إنتاج قطاع الصناعة والتعدين والكهرباء ، ليرتفع نصيبه الى 30 % من الناتج المحلي الإجمالي .

وفعلا تحققت زيادة في الإنتاج بنسبة 9 % ( سنويا ) ، أي ضعف ما تحقق في الفترة من 1945 ـ 1952 لتصبح نسبته الى الناتج المحلي 23 % أي دون النسبة التي كان مخططا لها .

وبدأ التوسع في التصنيع منذ 1957 بمعدلات متزايدة . ونتيجة لذلك الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة بمعدل يناهز 6 % سنويا خلال فترة الخطة ، التي اتسمت بدرجة ملحوظة من الاستقرار الاقتصادي ” . ( علي الجريتلي ، مصدر سابق ، ص 18 ) .

* التطور في مجال الزراعة :

يقول الدكتور الجريتلي : .. وكان أحد أهداف الخطة زيادة الانتاج الزراعي بنسبة 26 % ، إلا أن المحقق فعلا لم يتجاوز 18% .
لكن ، زاد إنتاج الطعام خلال فترة الخطة الأولى 1960 ـ 1965 بنسبة تفوق زيادة السكان .

وزاد التحول الى الحاصلات الزراعية ذات القيمة المضافة العالية ، مثل الأرز والفواكه والخضراوات .

وتم استصلاح نصف مليون فدان على مياه السد العالي .

وفي الخطة الخمسية الأولى بلغ الاستثمار في قطاع الزراعة والري والصرف 355 مليون جنيه ( أي 23 % من الاستثمار المنفذ ) .
وتحقق نفس الرقم أو أقل في السنوات الخمس التالية ( 1965 ـ 1970 ، ربما لظروف الحرب بعد 1967 ) .

ويضيف الدكتور الجريتلي : .. كما انخفض نصيب الزراعة من الاستثمار الجديد تباعا : الى 4.7 % من مجموع الاستثمار المنفذ عام 1975 (أي في ظل حكم السادات وبعد نصر أكتوبر عام 1973 .. وهو أمر لا يمكن تفسيره أو قبوله .. فقد حافظ الاستثمار الزراعي على معدلاته العالية ولم يتأثر إلا قليلا بظروف الهزيمة والحرب بعدها !!!) .

* في مجال العناية الصحية :

وننهي هذا المقال بما كتبه الدكتور علي الجريتلي .. وهو أبلغ من أي رد على ما قاله وزير الصحة الذي يفتقد الثقافة العامة في مجال تاريخ تطور العناية الصحية للمصريين .

يقول الدكتور علي الجريتلي بالنص عن الفترة 1952 ـ 1977: … في الخمس والعشرين سنة الأخيرة ، استمرت الدفعة الصحية التي بدأت مع انتقال مقاليد الأمور الى يد المصريين .

وأدت زيادة الإعتمادات المخصصة للصحة في الموازنة العامة إلى بعض التحسن .

وتم القضاء على الأوبئة الوافدة التي كانت تعصف بالسكان عصفا .
وتحقق تقدم في الحد من استشراء التدرن الرئوي والرمد وأمراض الأطفال .

وخلال الفترة المذكورة حدث تحسن ملحوظ في الحالة الصحية للمصريين في المدن .

غير أن الحالة الصحية في الريف لا تزال غير مرضية ، وتبقي أمراضه التقليدية دون استئصال حاسم .

ويعاني 60 % من سكان الريف من البلهارسيا وغيرها من الأمراض الناتجة عن شرب المياه الملوثة أو الاستحمام فيها ، ومن سوء حالة المسكن الريفي .

ومع ذلك أسهم في تقدم الأحوال الصحية توصيل مياه الشرب النقية الى قرى الريف ، والذي ينتظر استكماله في أوائل الثمانينات ، وزيادة عدد المدن والقرى والأحياء التي تصلها المجاري .

وتحسنت أيضا في الفترة موضع البحث حالة التغذية اذ يبلغ نصيب الفرد المصري حاليا 2500 سعر حراري ، وهو رقم يناهز المتوسط اليومي الذي يحتاجه على أساس التكوين العمري والتركيب الجسماني .. ويمثل استهلاك الفرد من البروتين 43 جراما ، أي 80 % من احتياجات الإنسان المصري وفق التقديرات .

غير أن الاستهلاك يتفاوت تبعا لتفاوت الدخل ، وتعاني الطبقات الأكثر فقرا من سوء التغذية . ( دكتور علي الجريتلي ، مصدر سابق ) .

تحليل ختامي :

لعل تلك الفقرات من كتاب العالم المصري ”الدكتور علي الجريتلي” تكون حافزا على مناقشة الحقبة الناصري بشكل علمي وموضوعي . بعيدا عن الغوغائية والانحيازات الطبقية .. فتاريخ مصر ملك لكل الأجيال .. وكل الطبقات .. وينبغي التعامل معه بإنصاف ونزاهة وموضوعية

فعلى الرغم من مئات المراجع عن الوضع المصري في الريف والحضر قبل الثورة .. وعلى الرغم من آﻻف المراجع الوطنية والأجنبية ..التي عالجت الوضع في مصر بعد الثورة .. سيظل الحوار والنقاش حول ثورة يوليو ودورها محكوما بالهوى والأنحيازات الإجتماعية والثارات السياسية والفكرية ..

وفي مجتمع تعلن نخبته السياسية انحيازها للرأسمالية منذ مايقرب من نصف قرن تقريبا .. سيظل الحوار حول إنجازات عبد الناصر وتحليل أخطائه محكوما بهذه الدوافع السلبية .

ولكن ”الهبة” الشعبية التي انفجرت على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تصريحات وزير الصحة السلبية عن ”مجانية التعليم والصحة في زمن جمال عبد الناصر” .. أظهرت عمق التقدير والاحترام والحب الذي تكنه أجيال مختلفة من المصريين والعرب لهذا القائد العربي الكبير .. هذا من جهة .

ومن جهة أخرى .. أن هذه ” الهبة الشعبية ” للدفاع عن عبد الناصر وإنجازاته أظهرت عمق التوق للعدالة الاجتماعية والحنين لتلك التجربة الأولى في تقريب التفاوت بين الطبقات والانحياز للفقراء .. وأن التوق للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص هو أحد القيم الخالدة لثورة يوليو وزمن عبد الناصر .. مهما ابتعد بنا الزمن .. ومهما تصاعدت حملة التشويه ضده .

كلمة أخيرة :

فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .

اللهم ارحم عبدك جمال عبد الناصر جزاء بما فعله للفقراء والمهمشين من عبادك

الكهرباء مقطوعة عن الدولة واصحاب المولدات يعرضون عضلاتهم



لم يعد خفياً على احد ان ازمة ​الكهرباء​ في ​لبنان ​ غير مرتبطة بمشاكل تقنية وادارية فقط، بل بات واضحاً ان الكباش بين الدولة واصحاب المولدات ينتهي دائماً بخسارة الاولى، ليس بسبب قلة الامكانات للمواجهة، بل بسبب الضعف الداخلي الذي تعاني منه امام اصحاب المولدات الذين، على ما يبدو، عرفوا من "اين تؤكل الكتف" وقاموا بواجباتهم في هذا المجال بشكل كامل.


تعلو الاصوات حيناً وتتوجه بالوعيد احياناً، لكنها سرعان ما تخفت وتذهب مع الريح، ويبقى اصحاب المولدات يتحكمون بمصير المواطن ويملكون مفتاح تزويده بالطاقة التي يحتاج اليها في كل دقيقة من حياته. اتخذت المشكلة منحى جديداً مع تولي رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ هذا الملف، ولكن لا يبدو انه قادر حتى الآن على ذلك رغم كل ما يملك من شعبية ومن كتلة نيابية عارمة ومن وزن وزاري في ​الحكومة ​ ومن تحالفات من مختلف الطوائف والاحزاب، حتى انه هدد بالتوجه الى المواطنين مباشرة ليقول كل ما يملكه من معطيات حول ملف الكهرباء ومن يقف امام عدم تزويد المواطنين بها، من دون تدخل طرف ثالث متمثل بالمولدات.

مؤلم هذا الوضع، ولكن للاسف، لا يبدو ان ​الضوء ​ سيظهر من هذا النفق المظلم، لانه من بين الاسباب كلها المعروفة وغير المعروفة، هناك سبب اساسي لن يسمح بتغيير الوضع حتى لو تم الاتفاق على حل، وهو الانتخابات النيابية، وبكل موضوعية، ليس هناك من لبناني يعيش على الارض اللبنانية مقتنع بأن الاطراف السياسية ستضحي بالانتخابات النيابية وما يمكن ان تؤمّنه من مقاعد في البرلمان الجديد، من اجل ايصال الكهرباء الى المواطن، رغم ان موسم الصيف حلّ باكراً وباكراً جداً، وهو ما يعني استباق اشهر الذروة المعتادة وتوسيع فترتها لتصبح في حدود ستة اشهر تقريباً بدلاً من ثلاثة فقط.

الى من يلجأ المواطن اذا كان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة غير قادرين على البت بموضوع الكهرباء، ويقولان صراحة ان مقاربة الملف لا تتم من وجهة نظر علمية بل من وجهة نظر سياسية بحتة؟ هل مسموح ان يكون اصحاب المولدات اقوى من الدولة؟ الا يشجع هذا الواقع المرير قطاعات اخرى على الاستقلال عن الدولة وان تعمد الى فرض حلولها بالقوة؟ انها اسئلة لأجوبة معروفة سلفاً حتى الآن، ووفق تقدير الكثيرين ستبقى الاجابة نفسها الى ما بعد الانتخابات النيابية وما بعد تشكيل الحكومة الجديدة. انقطعت الكهرباء عن المواطن وعن ​مجلس الوزراء ​ ايضاً، ويقدم اصحاب المولدات انفسهم على انهم الحل المنشود، باعتبار ان الاوضاع الحالية لا تسمح بالتغيير المطلوب في هذا الملف، وبأنه لم تتقدم الدولة حتى الآن بمشروع بديل لتوفير الطاقة في انتظار اتمام المعامل التي تعتمد على اموال من الخارج ضمن قروض او هبات او غيرها... ويبقى الحل امام طريقين فقط: اما الابقاء على الوضع الحالي الذي يستفيد منه اصحاب المولدات، واما اعتماد ​الخصخصة​ بظروف وشروط يفرضها من سيشتري ​مؤسسة كهرباء لبنان ​ وهو امر لن يفيد الدولة بطبيعة الحال. وحتى ايجاد حل وفق ما يطمح اليه المواطن اللبناني، ستبقى الدولة غارقة في ظلمة الكهرباء، تبحث عن مصادر الطاقة من خلال الانوار التي تؤمّنها لها المولدات، فيما سيبقى المواطن يدفع الاثمان الباهظة ويضرسون من الحصرم الذي وضعه في افواههم المسؤولون الذين تلكؤوا عن القيام بواجبهم في السابق وسمحوا لوضع الكهرباء ان ينتقل من سيء الى اسوأ، كرمى لعيون... اصحاب المولدات.

قد يكون المطلوب اعتياد الناس على الواقع المرير للكهرباء، فيستمرون بالدفع ارضاء لبعض المسؤولين ولاصحاب المولدات الذين يزدادون ثراء ونفوذاً دون ان يلتزموا بقوانين او ان يدفعوا ضرائب، وقد يكون الحل لمشكلة اللبناني الاقتصادية والمالية في اقتناء مولد وانضمامه الى اصحاب النفوذ الحقيقيين.

تعيين المتطرف جون بولتون… هل يدفع الأمور نحو حرب عالمية


راسم عبدات

في كلّ مرة كانت تعصف بالعالم أزمات كبرى، كان يأتي الحلّ على شكل حروب عالمية، فقد كانت الأزمة الاقتصادية الآلية والظرفية ما بين عامي 1870 و1893 والتراكمات التي بنيت على تلك الأزمة سبباً في اندلاع الحرب العالمية الأولى، والأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929 وتراكماتها كانت سبباً في اندلاع الحرب العالمية الثانية، أما الأزمة الاقتصادية الحالية 2008 ، بعد أزمة سوق الأسهم لسنة 1987، بعد الركود الاقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية لسنة 1991، بعد الأزمة الاقتصادية الآسيوية لسنة 1997، فيبدو أنها ستدفع الأمور نحو حرب عالمية ثالثة. 

تحليل الأزمة الاقتصادية الراهنة يمرّ بثلاث أزمات، لا يمكن تجاوزها دون الوقوف عليها، والتي هي: أزمة النظام الرأسمالي، ازمة العولمة الليبرالية، الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة الأميركية. 

مع مجيء الإدارة الأميركية الأكثر تطرفاً للحكم في الولايات المتحدة في بداية عام 2017، وجدنا انّ هذه الإدارة الأميركية ضمّت في صفوفها أكثر غلاة المتطرفين من الأصولية المسيحية الصهيونية، وأصبحت تمارس سياسة البلطجة على مستوى العالم ككلّ، والتي سنعود لتفصيلها في سياق المقال للتاكيد على أنّ الإمبرطوريات تسقط عندما تتمدّد وتتوسّع بشكل أكبر بكثير من إمكانياتها المادية والعسكرية، والتاريخ المثال أمامنا يبين لنا كيف سقطت الإمبرطورية البريطانية والتي كانت لا تغيب عن أراضيها الشمس، وكذلك هو حال الإتحاد السوفياتي، قبل أن يسقط ويتفكك. 

في النظر للوضع الحالي للولايات المتحدة الأميركية، والتي بات واضحاً أنّ من يتحكم في مفاصلها الاقتصادية والعسكرية والمالية والإعلامية هي قوى الأصولية المسيحية المتطرفة، ورأس هرمها بلطجي قادم من أكبر احتكارات الريع العقاري، ومعه شلة وعصابة من غلاة المتطرفين استكمل طاقمهم بتعيين المتطرف الأصولي المسيحي أحد صقور حزب المحافظين الجدد مستشاراً للأمن القومي للرئيس ترامب، هو جون بولتون صاحب السجل الأسود في الكثير من الأزمات والحروب التي شنّت على الدول، وقد عمل مع فريق الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في فبركة واختلاق امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل في عام 2003، من أجل تبرير غزوه واحتلاله، ولا ننسى دور هذا المتطرف في إلغاء قرار الأمم المتحدة 3379 الذي ساوى ما بين الصهيونية والعنصرية، وعندما شغل موقع مندوب الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، واندلعت حرب تموز 2006 العدوانية من قبل «إسرائيل» على لبنان ومقاومته وفي مقدّمها حزب الله، رفض بولتون أيّ وقف لإطلاق النار قبل قضاء «إسرائيل» على حزب الله، ليقبل بذلك صاغراً بعد عجز «إسرائيل» عن القيام بتلك المهمة بعد 33 يوماً من الحرب، وبولتون مواقفه في ما يتعلق بالاتفاق بين إيران وأميركا حول ملفها النووي، هو أحد الرافضين لذلك والداعمين لشنّ حرب سواء أميركية أو ضربات إسرائيلية على إيران من أجل تدمير برنامجها النووي، ومع توليه لمنصبه الجديد، أظنه سيكون من أشدّ الداعمين لتعديل هذا الاتفاق أو إلغائه، أما مواقفه المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فهي منسجمه تماماً مع مواقف العصابة التي تحكم البيت الأبيض من الرئيس ترامب فنائبه بينس ومسؤولي ملف المفاوضات ما بين السلطة الفلسطينية و»إسرائيل» كوشنر وغرينبلات ونيكي هايلي المتصهينة الحمراء المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، والتي ربطت مساعدات الدول الفقيرة بخضوعها للسياسات والمواقف الأميركية، وبانها ستضرب بحذاء كعبها العالي كل من ينتقد إسرائيل،لأنّ عهد تقريع «إسرائيل» في الأمم المتحدة قد ولى، في حين السفير الأميركي في تل أبيب ديفيد فريدمان والذي وصفه الرئيس عباس ب «ابن» الكلب، كناية عن تطرفه ومعاداته للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وكونه مستوطن ويسكن في إحدى المستوطنات، وقال «إنّ احتلال «إسرائيل» هو مزعوم للضفة الغربية، وإنّ اليهود يبنون في أرضهم، وطردهم منها ليس قانونياً او أخلاقياً». 

وتقول المعلومات إنّ الاستعانة بخبرات المتطرف بولتون هي من أجل صياغة ما عُرف بصفقة القرن، صفعة العصر لتصفية القضية الفلسطينية، فهو يرى بانّ الحلّ الأمثل للقضية الفلسطينية دويلة فلسطينية في قطاع غزة تتمدّد في سيناء 720 كيلو متراً مربعاً وأمنها الخارجي بيد مصر، يلحق بها ما يزيد عن حاجة أمن «إسرائيل» من أراضي الضفة الغربية، على ان يكون هناك إشراف أمني خارجي إسرائيلي أردني على تلك الأراضي. 

وللتدليل على انّ الإمبراطورية الأميركية العالمية ستواجه نفس مصير الإمبراطوريات السابقة بريطانيا والإتحاد السوفياتي سابقاً، نجد انها خلال سنة من حكم هذه العصابة استعدَت الكثير من دول العالم، فها هي تدخل في حروب تجارية مع الصين من خلال فرض الضرائب الباهظة على البضائع المستوردة من الصين، وتحاول زعزعة أمنها واستقراراها من خلال دولة تايلاند، وفرضت عقوبات اقتصادية على روسيا، وهي تخطط مع عشرين دولة أوروبية، في إطار الحرب على لروسيا لطرد الدبلوماسيين الروس من أراضيها، وتكثف من وجودها العسكري في بحر الصين، وعملت على إقامة قواعد احتلال لها في العراق وسورية تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» من رعته وموّلته ودربته وسلحته، هو والكثير من المجاميع الإرهابية الأخرى، خدمة لأهدافها ومصالحها في السيطرة على الثروتين النفطية والغازية في هذين البلدين، وخطوط إمدادهما، وتتخذ مواقف متشدّدة من كوريا الشمالية وبرنامجها النووي، وتواصل تهديداتها بشنّ حرب عدوانية عليها، في حين تقوم بفرض «الجزية» صاغرة على دول الخليج العربي، حيث اضطرت السعودية لدفع مبلغ 460 مليار دولار لها أثناء القمة العربية – الإسلامية الأميركية في الرياض في العشرين من أيار 2017 ولم تكتف الإدارة الأميركية بذلك، بل حصلت على مئات المليارات الأخرى من قطر والإمارات والبحرين على شكل شراء أسلحة أميركية واستثمارات في الاقتصاد والمؤسسات الأميركية، وأثناء زيارة محمد بن سلمان الحالية لأميركا، لم تستح الإدارة الأميركية لتقول بشكل واضح «إنّ السعودية بلد غني وتريد جزءاً من ثروته»، هي امبراطورية تفقد اتزانها وتوازنها، وهي لم تختلف مع العالم، بل تختلف مع ذاتها، فلأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، تقدم إدارة أميركية على إخراج وإقالة 40 من إدارتها خلال عام واحد. 

الامبراطورية الأميركية كالديك الذبيح تترنّح، وقبل أن تسقط ويتراجع دورها، هي ستعمل على نشر الفوضى والخراب في العالم والمنطقة، ولكن مشاريعها هزمت وبالذات في منطقة الشرق الأوسط، و»إسرائيل» تشعر بأنّ الخطر على وجودها يزداد وبات يقترب بسرعة كبيرة.

مصير السلفيين



عبد الحليم قنديل

كل المسلمين سلفيون بطريقة ما، يقتدون بسنة النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وبسيرة السلف الصالح من الصحابة الأولين والتابعين بإحسان، لكن السلفية التي نقصدها هنا شيء آخر مختلف، تقتدي بجماعة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وتتبنى تفسيرا متزمتا ضيقا لتراث الفقه الحنبلي، وتفسق وتكفر أغلب مذاهب وتيارات التفكير الإسلامي، وتبشر أصحابها بنار جهنم والعياذ بالله، وتعجل تياراتهم العنيفة بإرسالهم إلى الآخرة ذبحا بسكاكين قطع الرقاب.

وقد انتشرت السلفية المقصودة كالنار في الهشيم عبر العقود الطويلة الأخيرة، وطبعت بطابعها أغلب جماعات ما يسمى تيار الإسلام السياسي، وكانت قوة الدفع الكبرى للفوائض المالية الخليجية، ولمليارات المال السعودي بالذات، وهو ما اعترف به الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي القوي. سألوه في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن دور السعودية في نشر الوهابية السلفية، وعن تكوين الجماعات السلفية التكفيرية الإرهابية القاتلة، وكان جواب الرجل صريحا مباشرا، فقد قال إن الغرب هو السبب، وإن الدوائر الغربية طلبت من السعودية أداء المهمة، وتجنيد فوائضها المالية الهائلة في خدمة الحرب ضد الاتحاد السوفيتي السابق والأفكار اليسارية، واستجابت السعودية بإقامة سلسلة هائلة من مراكز نشر التفكير السلفي الوهابي حول العالم، في صورة مساجد ومجالس وجماعات وجمعيات ودور نشر. وأتى اعتراف بن سلمان في سياق نقدي لماض قريب، فهو يخوض حربا في بلاده ضد جناية السلفية المتشددة على الناس والإسلام، ويضم إلى جوار الوهابية ذات المنشأ السعودي تاريخيا، فرقا وجماعات أخرى ذات طابع سلفي، من نوع تيار الصحوة الإخوانى، الذي اتهمه بن سلمان بالسيطرة على جهاز التعليم السعودي لعقود طويلة، وبما انتهى إلى تشدد وانغلاق شل طاقة المجتمع، وأبعده عن دواعي الالتحاق بحركة العصر.

وبعيدا عن تجربة محمد بن سلمان في السعودية، وعن المصائر التي تنتظرها سلبا أو إيجابا، والحكم فيها متروك على أي حال للشعب العربي في السعودية أولا، بعيدا عن ذلك كله، فقد كان اعتراف الأمير كاشفا لحقيقة جوهرية سبق إليها ذوو الألباب، هي أن ما يبدو لنا من تشدد في الدين، ومن تزمت في السلوك والمظاهر، ومن انغلاق فى التفكير، ليس كله لخدمة الإسلام، ولا ابتغاء لمرضاة الله، وتيسيرا لنيل جنة رضوانه، بل أن الكثير منه مصطنع، وأشبه بسلوك «عرائس الماريونيت»، وفي مسرح العرائس، لا تعلم الدمية من يحركها، وهو ما تكرر كثيرا على مسرح تاريخ تيار ما يسمى «الإسلام السياسي»، وحركة جماعاته وفرقه، التي تمتلئ قواعدها حماسا لما تتصوره صحيح الدين، لكنها لا تطلع بما يكفي على سيرة قادتها المتحكمين بمبدأ السمع والطاعة، ولا على ارتباطاتهم الخفية مع القوى المسيطرة على حركة العالم، وقوى الاستعمار والهيمنة الغربية بالذات، من السيطرة البريطانية التي كانت لا تغرب الشمس عن امبراطوريتها الواسعة، إلى السيطرة الأمريكية المتفشية بعد الحرب العالمية الثانية، وكلها صور من السيطرة، عملت بوسائل وأساليب متقاربة، عبر مدارس الاستشراق ومراكز التفكير الاستراتيجي، وصولا إلى العمل الميداني المباشر لاحتكارات الاقتصاد وقوة السلاح ودوائر المخابرات، وبهدف لا يخفى في عالمنا العربي والإسلامي، عنوانه: تأبيد تخلفنا، والإهلاك الدورى للحرث والنسل، مع توفير إطارات سلسة جاهزة دائما لشفط الموارد أولا بأول، وعلى نحو يفقأ الأعين في مشاهدنا المنظورة، وعبر نظم حكم هشة تابعة بالخلقة، قد تتخذ صورا ديكتاتورية وراثية، أو حتى ديمقراطية صورية، وهو ما قد يضمن اتصال السيطرة في مدى راهن، لكن الأهم عند المسيطرين الغربيين، هو السيطرة في المدى الأطول، وإعادة هندسة مجتمعاتنا ذاتها، بخلق جماعات بيزنس و»كومبرادور» تجاري، أو بتشجيع التفاهم مع تيارات التفكير السلفي بالذات، وهي الأقرب للسيطرة على وجدان المجتمع المتعثر، ومنعه من التفكير في حوافز التقدم والمستقبل والتصنيع والعدالة والعلم الحديث، وتبديد حيوية التجديد الإسلامى، وسحب فرقه وجماعاته إلى معارك ضالة، من نوع سحب شعور الشباب الإسلامي إلى خوض حرب في أفغانستان البعيدة، وإلهائه عن التفكير في حرب لتحرير فلسطين القريبة، ثم تنتهي اللعبة بتحطيم أفغانستان ذاتها، وإعادتها إلى ما قبل العصر الحجري، والانتقال بعواصف الدمار والهلاك الذاتي إلى العراق بعد الغزو الأمريكي، وإطفاء نور الثورة السورية السلمية في بداياتها، وتحويلها إلى حرب لا تبقي ولا تذر، جرى فيها تحطيم سوريا بعد تحطيم العراق، وهو ما يتكرر في ليبيا وفي اليمن، وبمعية التيارات ذاتها على اختلاف راياتها، وأغلبها من بنات التفكير السلفي، الذي كسب قوته الأولى من فوائض المال الخليجي، وانتفخت سطوته عبر أربعين سنة بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وتوزعت جماعاته على ألوان وهابية صريحة، أو على ألوان إخوانية ملتبسة، أو على لون مزدوج «وهابي ـ إخواني»، عبرت عنه «السرورية» المنسوبة للشيخ محمد بن سرور القيادي الإخواني السوري اللاجئ إلى السعودية، وقد تركها فيما بعد، تماما كما لجأت قيادات الإخوان المصريين إلى السعودية ذاتها بعد الصدام مع عبد الناصر وتجربته الثورية، ثم أتت جماعات «السلفية الجهادية» التي خرجت من المعطف نفسه، ونشرت إرهابا معولما، لا يبتغي سوى وجه القتل للقتل، ومن وراء لافتة معتادة، تدعي طلب الخلافة الإسلامية الجامعة. وقد توجد فوارق موقوتة في الشعارات التفصيلية للجماعات المعنية، فبعضها يرفع شعارا فقهيا، وأخرى ترفع شعارات سلمية، وثالثة تذهب إلى آخر الطريق مباشرة، وتعلن طبيعتها العنيفة المدمرة، وعلى نحو ما تفعل جماعات «القاعدة» و»تنظيم الدولة» (داعش) وأخواتها، لكنها جميعا، ربما باستثناء الحركات المحاربة لكيان الاغتصاب الإسرائيلي وحده، كلها تقبل التحول من الشعار الفقهي والسلمي إلى العنف ودماره، وتتحول قواعدها من جماعة إلى أخرى، كأن يتحول السلفي المسالم أو الإخواني إلى «داعشي» في غمضة عين. وعلى طريقة «الباب الدوار» في مداخل الفنادق، وفي إثبات مرير لقاعدة مهلكة، هي أن «داعش» و»الدعشنة» أعلى مراحل تطور ما قد يسميه البعض بالحركة الإسلامية، ربما باستثناء حركات مغاربية، ترك بعض قادتها أصولهم السلفية، وغادروها إلى مواقع ليبرالية نسبية .

وما يجرى اليوم في السعودية، وأيا كان مآله والرأي النهائى فيه، ينطوي على محنة وجود عظمى لتيارات السلفيين على اختلاف راياتهم. فقد كانت «مكة المكرمة» هي مهبط الوحي القرآني، لكن السعودية الحديثة والحركة الوهابية بالذات، هي مهبط الوحي للسلفيين. وقد كانت هي الزاد والمأوى للسلفيين في العالم العربي بالذات. وبرغم بقاء الوهابية صوريا في السعودية إلى الآن، وفي صورة ما يسمى «هيئة كبار العلماء»، فقد تداعى نفوذ الوهابية على حكم سعودي لم يعد يحتاجها، ويحطم يوميا مقولاتها ومؤسسات نفوذها، وينهي أدوار هيئاتها النظامية، من نوع «المطوعين» وجماعة «النهي عن المنكر» حسب تصوراتهم، ويزيل قيود النقاب والعباءة السوداء السابغة للنساء، ويسمح للنساء بقيادة السيارات وارتياد الملاعب ودور السينما والمسارح، والمساواة في حق العمل والاستثمار، وينهى سيطرة الوهابية والإخوان على المدارس والجامعات، وهو ما يعد تطورا اجتماعيا هائلا بالمقاييس التي كانت مسيطرة في السعودية، ويعد انقلابا كاملا على مقولات وخرافات وبدع السلفيين، ويكاد يقودهم إلى انقراض حقيقي، أو إلى صدام مفتوح مع حكام السعودية الذين تخلوا عنهم، وباعوهم في مزادات السياسة والاقتصاد والسلاح. فلم يعد حكام السعودية يجدون حرجا في لقاء قادة الكنائس مثلا، وعلى نحو ما فعل محمد بن سلمان في زيارته للبابا تواضروس رأس الكنيسة القبطية، بينما لا تزال فتاوى متخلفة للسلفيين المصريين قائمة، استقوها أساسا من معين التفكير الوهابي، على طريقة فتاوى تحريم مصافحة المسيحيين، أو تهنئتهم بأعيادهم الدينية، وفتوى التنكيل بالزوجة المسيحية للرجل المسلم، وكلها فتاوى بائسة تنتسب للإسلام زورا، فقد دعا القرآن إلى مودة أهل الكتاب الذين لا يحاربون المسلمين، وفتاوى من هذا النوع هي مجرد مثال على المحنة، و»عينة بينة» من ركام فتاوى التخلف، وإنكار العلم وكروية الأرض، وتحريم تحية العلم والغناء والموسيقى والنحت والتصوير، وتقديس النقاب والختان والجلباب القصير، وتكفير الديمقراطية والاشتراكية، وكلها مما يمهد الأرض لزحف جماعات إرهاب سلفية، تدعي أنها تنتصر للإسلام وشريعته، بينما هي تقيم شريعة الغاب والاستعباد والاسترقاق وقطع الرقاب. وقد خرج هؤلاء وأشباههم من رحمة العطف السعودي فجأة، وانقلب المزاج السعودي الحاكم إلى «وهابية» من نوع آخر، قد تقترب في نسبتها إلى فن الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب، لا إلى فتاوى الشيخ السعودي محمد بن عبد الوهاب.

ربيعٌ ساخن قد تشهده المنطقة العربية!


صبحي غندور

هناك جملة قضايا تتراكم الآن قد تجعل من شهريْ مايو (أيار) ويونيو (حزيران) فترةً حاسمة وساخنة لعموم المنطقة العربية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى لنفسه ولحلفائه الأوروبيين مهلة حتّى 12 مايو لتعديل نصوص الاتفاق الدولي مع إيران، مهدّداً بأنّه سيخرج الولايات المتحدة من هذا الاتفاق إذا لم يتمّ الأخذ بالتعديلات التي تطالب بها واشنطن. أيضاً، أشار الرئيس ترامب إلى إمكانية سفره للقدس منتصف شهر مايو لافتتاح السفارة الأميركية فيها، وهو الأمر الذي عارضته معظم دول العالم.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تحدّث أكثر من مصدر مسؤول أميركي وروسي عن احتمال قيام الولايات المتحدة بضربات عسكرية داخل سوريا ضدّ الجيش السوري وحلفائه، كما تزايدت التهديدات الإسرائيلية ضدّ قوات "حزب الله" في لبنان وسوريا.

أيضاً، ربّما لا تكون صدفة أنّ "البيت الأبيض" قد اختار شهر مايو للقاء مرتقب بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون. وهو اللقاء الذي سيأخذ حتماً الاهتمام الدولي والإعلامي على حساب ما قد يحدث من تطوّرات عسكرية على الأراضي السورية تحديداً.

إنّ إلغاء الاتفاق مع إيران لن يكون فقط عودة إلى ما كان قبله من ظروف وأوضاع سياسية في المنطقة، بل سيكون مقدّمة لتصعيد عسكري وسياسي لا تُعرف نتائجه بعد. فما قبل الاتفاق كان وجود إدارة أوباما التي رفضت التصعيد ضدّ إيران، كما كان يحثّ على ذلك نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، وكانت هناك جهود أميركية وأوروبية للتفاوض مع إيران، ولم تكن العلاقات الأميركية والأوروبية مع روسيا بدرجة السوء التي هي عليها الآن، وهذه كلّها عناصر لجعل إلغاء الاتفاق الدولي مع إيران بدايةً لتدهور أمني وسياسي سيعيشه العالم عموماً، ومنطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص، خاصّةً إذا ترافق ذلك الإلغاء مع تصعيد عسكري أميركي في سوريا ستقف روسيا وإيران ضدّه حتماً.

إنّ ترامب قد هيّأ المناخ الآن لهذا التصعيد المحتمل في الشرق الأوسط، والذي يريد الرئيس الأميركي أن يجعله متزامناً مع تخفيف التصعيد في الشرق الأقصى حيث الأزمة مع كوريا الشمالية، وهذا قد يجعله بنظر بعض الأميركيين "بطل سلام" في الشرق الأقصى و"بطل حرب" في الشرق الأوسط!. ترامب يراهن أيضاً على أنّ التصعيد ضدّ إيران سيلقى تجاوباً من "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" معاً، وهو أقال وزير الخارجية ريكس تيلرسون الذي كان يعارض إلغاء الاتفاق مع إيران واستبدله بمايك بومبيو المعروف بمواقفه السلبية من العالم الإسلامي.

وما يجعل احتمالات التصعيد في الشرق الأوسط ممكنة الآن هو حرص الرئيس الأميركي على نقل الاهتمام الداخلي الأميركي من مسألة التحقيقات القانونية حول دعم موسكو لحملته الانتخابية إلى قضايا خارجية ساخنة (سِلماً أم حرباً)، وهو هذا المزيج المتوقّع من "سلامٍ" مع كوريا الشمالية ومن "حربٍ" مع إيران. وسيحاول ترامب إقناع حزبه الجمهوري بأنّ أجندته الخارجية هذه، ستساعد "الجمهوريين" على الفوز في مقاعد الكونغرس بالانتخابات القادمة في نوفمبر، وستطوي صفحة التحقيقات حول الدور الروسي في الانتخابات، إذ من المعروف عن الأميركيين أنّهم يقفون خلف رئيسهم حينما يخوض حرباً في أيّ مكان لأنّ ذلك يعني وقوفاً خلف جيشهم المكوّن من أبناء عائلات في عموم الولايات الأميركية.

السناتور بوب كوركر، الذي هو من الحزب الجمهوري ويرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، صرّح مؤخّراً بأنّ ترامب يعتزم فعلاً إلغاء الاتفاق مع إيران، وكان هذا السناتور قد أبدى في شهر أكتوبر، بالعام الماضي، المخاوف من حرب عالمية ثالثة نتيجة سوء التقدير لدى ترامب، حيث قال: "إنّه يثير قلقي"، وأضاف: أنّ عدداً قليلاً من الوزراء المهمّين يحمون الولايات المتحدة من "الفوضى" وأنّهم قادرون على "ردعه (أي ترامب) عندما يتحمّس وتهدئته ومواصلة العمل معه قبل اتّخاذ قرار". وربما هذا ما يُفسّر الآن أبعاد إقالة تيلرسون من منصب وزير الخارجية.

إنّ "الحزب الجمهوري" سيضع نفسه في أزمة سياسية وشعبية كبيرة إذا ما واصل دعمه لترامب في موقع الرئاسة، خاصّةً أنّ الانتخابات "النصفية" القادمة في شهر نوفمبر ستقرّر مصير كل أعضاء مجلس النواب وثلث عدد أعضاء مجلس الشيوخ، وبأنّ ما حدث من انتخابات فرعية مؤخّراً في ولاية بنسلفانيا، وقبلها في ولايات آلاباما وفيرجينيا ونيوجرسي، لم يكن لصالح "الجمهوريين" بسبب ترامب وسياساته.

ولأنّ ترامب يُدرك مخاطر ما يحدث معه وحوله، في الإدارة وفي الحزب الجمهوري وفي التحقيقات، فإنّه يُعزّز الآن اعتماده على قوى فاعلة جداً في الولايات المتحدة. فهو يقوم بعقد تجمّعات شعبية من وسط قاعدته الانتخابية، التي هي مزيج من الإنجيليين المحافظين (منهم نائبه مايك بنس) والجماعات العنصرية الحاقدة على الأفارقة واللاتينيين والمسلمين، إضافةً إلى ضمان ترامب أيضاً لدعم المؤسّسة العسكرية (البنتاغون) حيث زاد في ميزانيتها مبالغ ضخمة حتّى وصلت إلى حوالي 700 مليار دولار، رغم العجز الكبير في الميزانية الأميركية والتخفيض الذي حصل في مشروعات مهمّة صحّية واجتماعية وتربوية. أيضاً، حصل ترامب على دعم قوّتين ضاغطتين في الحياة السياسية الأميركية وفي الكونغرس، وهما "لوبي الأسلحة" و"اللوبي الإسرائيلي" حيث لكليهما تأثيرات كبيرة على الجمهوريين والديمقراطيين معاً، إضافةً إلى عددٍ كبيرٍ من الشركات والمصانع الكبرى التي تستفيد الآن من برامج وسياسات ترامب الداخلية والخارجية.

لقد حاول ترامب التصعيد مع كوريا الشمالية في العام الماضي، لكن تعذّر إشعال الفتيل هناك لاعتباراتٍ أميركية ودولية، بينما تصاعد حدّة الخلافات مع إيران حول الكثير من الأزمات الحاصلة في منطقة "الشرق الأوسط" وحول برنامجها الصاروخي قد يجعل مكان التصعيد العسكري المحتمل هو المنطقة العربية، وما قد يؤدّي إليه هذا التصعيد من تداعيات تستفيد منها القوى الداعمة لترامب في الولايات المتّحدة.

أيضاً، فإنّ الجبهة الإسرائيلية مع سوريا ولبنان هي من المواقع المؤهّلة لتطوّرات عسكرية كبيرة، والتي قد يتمّ استخدامها لتغيير مسار الأزمات المشتعلة حالياً في المشرق العربي، وحيث يُحقّق فيها خصوم أميركا تقدّماً على الأرض، خاصّةً بعد التهديد الأميركي المتكرّر بإمكانية القيام بضربات عسكرية في سوريا ضدّ الحكم السوري وحلفائه.

وقد تكون مراهنة ترامب هي أيضاً على عقد مفاوضات عربية/إسرائيلية تتزامن مع تحركه الدبلوماسي بشأن كوريا الشمالية، يتمّ التوافق فيها على ما أسماه ترامب ب"صفقة القرن"، وما قد ينتج عنها من خلافات عميقة وصراعات داخل المنطقة، كالتي حدثت بعد توقيع معاهدات "كامب ديفيد" في نهاية عقد السبعينات، عِلماً أنّ ترامب يتبنّى بشكلٍ كامل سياسة نتنياهو تجاه القضية الفلسطينية وفي الصراعات الإقليمية عموماً!. فالمواقف المتناقضة لترامب تجاه جملة من القضايا والعلاقات الدولية، لم تكن أبداً كذلك تجاه إسرائيل ومصالح حكومة نتنياهو تحديداً.

فأين كانت "المصالح القومية الأميركية" في قرار ترامب بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل وبنقل السفارة الأميركية إليها، وهو قرار يتناقض مع قرارت دولية صادرة عن "مجلس الأمن" ومع سياسة أميركية سار عليها كل من سبقه من رؤوساء أميركيين؟!. وأين المصلحة الأميركية في معاقبة الشعب الفلسطيني والملايين من اللاجئين الذين يعتمدون على مساعدة الوكالة الدولية (الأونروا)، وبما يخالف أيضاً سياسة دول العالم كلّه؟! ترامب تحدّث عن حجم المساعدات الأميركية للفلسطينيين ولم يرَ مليارات الدولارات التي تقدّمها واشنطن لتل أبيب لعقود طويلة، والتي لم يتمّ وقفها أو تخفيضها رغم خلافاتٍ عديدة حدثت بين الطرفين ومع أكثر من إدارة أميركية!.

ترامب أعلن إخراج القدس من جدول المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو طبعاً لم يشِر إطلاقاً لمشكلة المستوطنات ولا لحقّ العودة ولا لحدود دولة إسرائيل، فأي صفقة يريد ترامب من الفلسطينيين أن يقبلوا بها؟!.

قد تشهد المنطقة العربية قريباً تطوّرات كبيرة على المستويين السياسي والأمني، وقد تكون هذه المنطقة من جديد ساحة صراعات دولية وإقليمية وتجارب لأجندات أمريكية تستهدف عموم منطقة "الشرق الأوسط"، لكن أيضاً ستظهر من جديد مخاطر سياسات أميركية استخدمت في السابق ولم تكن مرجعيتها "المصالح القومية الأميركية" بل أجندات خاصة بجماعات وشركات وأشخاص، كما حدث في حقبة جورج بوش الابن، ودفعت أميركا والمنطقة العربية ثمناً باهظاً لهذه السياسات. يبدو أنّ دروس التاريخ لم تعد لها أي قيمة في عصرنا الراهن، ويبدو أيضاً أنّ شعوباً في المنطقة تهوى العيش في التاريخ رغم أنّ دولها بدأت تخرج من الجغرافيا!.

إسرائيل تكشف تفاصيل "ثلاث دقائق" فوق سوريا!



كشفت إسرائيل عن تفاصيل ما وصف بـ"الدقائق الثلاث" فوق سوريا، حين قام سرب حربي إسرائيل قبل نحو عقد من الزمن بتدمير منشأة سورية يشتبه في أنها مفاعل نووي قيد البناء.

إسرائيل أقرت أخيرا رسميا على الملأ ما كان معروفا ضمنيا بأنها من شن غارة جوية على منشأة سورية في محافظة دير الزور عام 2007.

وقد روت الدولة العبرية في اعترافها أن ثماني طائرات من طرازي "إف - 15" و"أف-16" أقلعت ليلة 6 سبتمبر/أيلول من قاعدتي "حتسريم" و "رامون" الجويتين ونفذت غارة خاطفة دمرت خلالها مفاعلا نوويا سوريا بني بمساعدة كوريا الشمالية وهو مصمم لإنتاج مادة البلوتونيوم الإنشطارية المستخدمة في صنع القنابل النووية.

السرب الإسرائيلي كان يتكون من أربع من طراز "إف - 15" ومثلها من طراز "إف - 16"، أقلعت من القاعدتين الجويتين الواقعتين جنوب إسرائيل في صمت نحو الهدف، قبل نحو ساعة من منتصف الليل.

وتولت أنظمة الحرب الإلكترونية وأجهزة التشويش المتطورة في تلك الأثناء، تحييد الدفاعات الجوية السورية الصاروخية وأصابتها بالعمى، ما سمح للطائرات المغيرة بإلقاء أطنان من القنابل على الهدف الذي تقول المصادر الإسرائيلية أنه كان مموها كمنطقة زراعية.

الطائرات الإسرائيلية المغيرة نجحت في تدمير الهدف، وحرمت كما يظن الإسرائيليون، عدوهم العربي المتاخم "من سلاح يوم القيامة".

الإسرائيليون أعلنوا أن طياريهم بعد تلك الغارة لم يحتفلوا بنجاح مهمتهم، وقال أحد الطيارين المشاركين في الهجوم الجوي "لم تكن هناك احتفالات، ولا ضجة"، وإنهم "كبحوا أنفسهم" لأنهم فهموا الأهمية التاريخية لما أنجزوه!

موقع "The Times Of Israel" نقل عن تامير باردو الذي تولى رئاسة جهاز "الموساد" بين عامي 2001 - 2016 قوله :"قامت سوريا لسنوات ببناء مفاعل نووي تحت أنوفنا، ولم نكن نعرف عنه شيئا"، مضيفا وهو يتحدث عن تلك المنشأة باعتبارها مفاعلا نوويا "لم يبن على الجانب المظلم من القمر، بل في بلد مجاور كنا نظن دائما أننا نعرف كل شيء عنه تقريبا".

وفي السياق ذاتهن نقل عن رام بن باراك، وكان يرأس أحد أقسام عمليات الموساد حينها قوله: "أي شخص يقول إنه على علم أن سوريا كانت تبني مفاعلا نوويا ، إما أنه لا يعرف أو لا يقول الحقيقة. عندما حصل الموساد على تلك المعلومات، كانت مفاجأة كاملة"، لبقية مؤسسات الدفاع الإسرائيلية.

وأوضح بن باراك أن التقييم الإسرائيلي حينها لاحتمال تطوير سوريا لمفاعل نووي يتمثل في "ربما نعم ، ربما لا.. ربما كانوا يخططون لمشروع نووي لتخصيب اليورانيوم، وربما مفاعل لإنتاج البلوتونيوم"، لكن لم يكن هناك شيء ملموس نعرفه.

وفي النهاية توصل الإسرائيليون إلى أن منشأة "الكُبر" مطابقة تقريبا لمجمع "يونغبيون" النووي في كوريا الشمالية وهو مخصص لإنتاج مادة البلوتونيوم المشعة.

عبد الناصر بين حرب اليمن وحرب 1967

 عمرو صابح

لم يحظ قرار من قرارات الرئيس عبد الناصر بانتقادات واسعة وهجوم شرس مثل قرار مساندته لثورة اليمن التى اندلعت فى 26 سبتمبر 1962 ، فقد تم اتهام عبد الناصر أنه بدد احتياطى مصر من الذهب هناك .
وخرب الاقتصاد المصرى،وضحى بأرواح عشرات الألوف من الشباب المصرى على سفوح جبال اليمن،وأن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن (50 ألف مقاتل )
كان هو السبب الرئيسى فى كارثة يونيو 1967 .

وهكذا أصبحت مساندة مصر لثورة اليمن هى سبب كل النكبات والمشاكل، وفى ظل مناخ اعلامى معادى للثورة وقائدها راج هذا الكلام وشاع وأصبح من المسلمات،ولكن بكثير من التدقيق ومحاولة قراءة ما وراء السطور سنكتشف معا زيف كل تلك الأقاويل ، بل سنكتشف أن ترويجها له هدف أخر هو تشويه ذلك القرار الجسور وجعل تكراره من المحرمات وإصابة الشعب المصرى بعقدة ذنب وعاهة نفسية من مجرد ذكر تاريخ مصر فى اليمن فى عهد جمال عبد الناصر.

ولنبدأ معا تفنيد تلك الأكاذيب:

– بخصوص تبديد احتياطى الذهب المصرى فهذا لم يحدث بالمرة بل كان الذهب الذى تم توزيعه على قبائل اليمن من أموال الملك المخلوع سعود بن عبد العزيز الذى خلعه أخاه الملك فيصل بن عبد العزيز عن العرش عام 1964 ، وعاش لاجئا فى مصر وكان يريد استرداد عرشه عبر محاربة أخيه فى اليمن ، وكان هو الذى أقترح على الرئيس عبد الناصر فكرة رشوة رؤساء القبائل اليمنية بالذهب، وحول جزء من أمواله لعملات ذهبية وسافر بنفسه مع وفد مصرى لليمن لمقابلة زعماء القبائل هناك ، ولمن يريد الاستزادة عن خرافة تبديد احتياطى مصر من الذهب أن يعود إلى دراسة المرحوم الدكتور على نجم رئيس البنك المركزى المصرى السابق والتى فند فيها بالأدلة والوثائق تلك الخرافة.

– بخصوص تخريب الاقتصاد المصرى بسبب اشتراك مصر فى حرب اليمن فى الفترة من 1962-1967 ، فالأرقام تخبرنا بالتالى :
حققت مصر نسبة نمو من عام 1957 ـ 1967 بلغت ما يقرب من 7 % سنويا ومصدر هذا الرقم تـقرير البنك الدولى رقم [ 870 ـ أ ] عن مصر الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976.
وهذا يعنى يعنى أن مصر استـطاعت فى عشر سـنوات من عصر عبد الناصر أن تـقوم بتنمية تماثـل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر. كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة بل أن هذه النسبة كان يعز مثـيلها فى العالم المتـقدم باستثـناء اليابان ، وألمانيا الغربية ، ومجموعة الدول الشيوعية, فمثـلا ايطاليا وهى دولة صناعية متـقدمة ومن الدول الصناعية الكبرى حققت نسبة نمو عن تـقدر بـ 4.5 % فقط فى نفس الفترة الزمنية.

كما استطاعت مصر تنفيذ أنجح خطة خمسية فى تاريخها من 1960-1965 ،وبدأت الخطة الخمسية الثانية من 1965-1970 ،بل أنه وبرغم هزيمة 1967 حافظت مصر على نسبة النمو الإقتصادى قبل النكسة, و زادت هذه النسبة فى عامى 1969 و 1970 وبلغت 8 % سنويا. وأستطاع الاقتصاد المصرى عام 1969 أن يحقق زيادة لصالح ميزانه التجارى لأول وأخر مرة فى تاريخ مصر بفائض
قدره 46.9 مليون جنية بأسعار ذلك الزمان.

وفى نفس الفترة الزمنية عقد الستينيات من القرن الماضى كانت مصر تبنى السد العالى أعظم مشروع هندسى وتنموى فى القرن العشرين باختيار الأمم المتحدة والذى يعادل فى بناؤه 17 هرم من طراز هرم خوفو .
وتبنى القطاع العام الذى بلغ ثمنه بتـقديرات البنك الدولى 1400 مليار دولار،كما كان لدى مصر أكبر قـاعدة صناعية فى العالم الثـالث حيث كان عدد المصانع التى أنشأت فى عهد عبد الناصر 1200 مصنع منها مصانع صناعات ثـقيلة وتحويلية وإستراتيجية
وهكذا يتضح لنا أن مساندة مصر لثورة اليمن ومساعدتها للشعب اليمنى فى التحرر من العبودية لم تدمر اقتصادها .

– وبخصوص استشهاد عشرات الألوف من الشباب المصرى بسبب حرب اليمن، يقول الفريق/محمد فوزى فى كتابه( حرب الثلاث سنوات) أن عدد شهداء مصر فى اليمن بلغ خمسة ألاف شهيد ضحوا بأرواحهم من أجل تحرير إخوانهم فى الدين والعروبة، وأن الضباط والجنود كانوا يتسابقون على طلب الاشتراك فى حرب اليمن بسبب ما يعود عليهم من امتيازات .
وهكذا فأن الرجل الذى كان رئيسا للأركان فى الجيش المصرى خلال تلك الحرب ،ثم وزيرا للحربية بعد نكسة 1967 يثبت لنا بالأرقام أن عدد شهداء مصر فى اليمن ليس عشرات الألوف كما أشيع بل هو خمسة ألاف شهيد ، ويكفينا أن نعلم أنه بدون حروب ، وفى الفترة من عام 1980 إلى عام 2009،توفى 180 ألف مصرى فى حوادث الطرق بمعدل 6000 قتيل سنويا، بينما فى حرب اليمن استشهد 5000 مصرى فى خمس سنوات من القتال.

وهكذا فأنه من الأولى للباكى على شهداء مصر فى اليمن خلال حرب طاحنة أن يبكى على قتلى مصر فى حوادث الطرق برقمهم المهول 180 ألف قتيل،وهو رقم يزيد عن 4 أضعاف شهداء مصر فى حروبها الخمسة ضد إسرائيل والذى أحصى الصليب الأحمر عددهم ، وقدره ب40 ألف شهيد.

تبقى نقطة أن وجود الجيش المصرى فى اليمن كان هو السبب الرئيسى فى كارثة 5 يونيو 1967 .
وهنا يختلف السياق فلم يكن وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن هو سبب الهزيمة على أساس أن الجيش الذى كان فى مصر لم يكن مكتملا ،يكفى أن نعلم أن القوة الضاربة المصرية كلها كانت فى مصر متمثلة فى القوات الجوية والمدرعات،وقوات الدفاع الجوى، كانت كل القوات اللازمة للخطة”قاهر” علاوة على أربع لواءات مستقلة وأربع فرق مشاة ،وفرقة مدرعة وثلاث لواءات مدرعة مستقلة مع وحدات سلاح المدفعية والهاون وسلاح المهندسين فى مصر.

لم تكن حرب اليمن هى سبب الهزيمة بل كان فشل قيادة القوات المسلحة هو السبب الرئيسى فى الهزيمة، كان الإهمال والتراخى والثقة الزائدة بالنفس غير المبررة، وسيطرة المشير عامر على الجيش هو وشلته وعزل الرئيس عبد الناصر عن حقيقة أوضاع الجيش المصرى، وبالطبع التآمر الدولى كان له دورا كبير أيضا فى الهزيمة.
إذن لماذا يوجد هذا الربط الدائم بين وجود جزء من الجيش المصرى فى اليمن فى الفترة من 1962-1967 وبين كارثة 5 يونيو 1967 ؟

هنا لابد من مراجعة الدور السعودى فى حرب اليمن وفى التحريض على حرب 1967 وهذا الدور يأتى فى إطار الرؤية الغربية العامة بأن عبد الناصر تعدى كل الخطوط الحمراء بمساندته لثورة اليمن ماديا وعسكريا، وأصبح من اللازم تحطيم نظامه والإطاحة به بعدما تجرأ على إرسال جيشه إلى منابع كنز الحضارة الغربية ومحركها الرئيسى (البترول)، ومناداته الدائمة (أن بترول العرب للعرب ، ويجب أن يتم استخدامه كسلاح لتحقيق المصالح العربية)، هذا بالإضافة لأسباب أخرى مثل عدائه لإسرائيل ورفضه الصلح معها، ومحاربته لقوى الاستعمار القديم والجديد، وبناءه لنموذج تنموى اقتصادى واجتماعى خارج منظومة الاحتكارات الرأسمالية الغربية، وسعيه للتصنيع ،وإنتاج الأسلحة والصواريخ،ومشروع مصر النووى ،كل تلك الأسباب مجتمعة مع تأييده لحرب اليمن شكلت السبب الرئيسى لضربة يونيو 1967 .

فى 26 سبتمبر 1962 تندلع ثورة الضباط الأحرار اليمنيين اليمن ضد نظام أسرة حميد الدين الاستبدادى المتخلف .
ورغم النزاعات الدموية التاريخية و الخلافات الحدودية بين أسرة حميد الدين فى اليمن و الأسرة الحاكمة السعودية
كانت السعودية الخائفة من انتقال الثورة إليها هى التى بدأت التدخل فى ثورة اليمن بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و بريطانيا، فقد وقفت السعودية بضراوة ضد الثورة اليمنية وعملت على إجهاضها وتبنت الأمير البدر باعتباره إمام اليمن كما قامت بتمويل القبائل اليمنية بالكميات اللازمة من السلاح والذهب وبالفعل يسقط العقيد على عبد المغنى أحد أهم قادة الثورة اليمنية وهو يدافع عن مدينة صعده اليمنية ضد هجوم قبلى سعودى يمنى ، وتتحالف السعودية مع بريطانيا التى كانت تحتل جنوب اليمن ويقابل الأمير فيصل بن عبد العزيز ( ولى العهد والحاكم الفعلى للسعودية ) السير دوغلاس رايت رئيس جهاز المخابرات البريطانى الذى يقول للأمير ( إن نجاح الكولونيل ناصر فى الحصول على موطئ قدم لمشروعاته الانقلابية فى الجزيرة العربية ، وهى أهم مصادر البترول واحتياطاته فى العالم ، هو نذير شؤم يجب أن تتعاون الأطراف كلها ، ممن لهم مصلحة فى ذلك على مقاومته ودحضه)
وبالفعل يبدأ تعاون سعودى أردنى رغم الحساسيات السعودية الهاشمية بالاشتراك مع بريطانيا التى أقلقها ما اعتبرته مشروعات ناصر المستمرة لطردها من أخر معاقلها شرق السويس ، وتكاد الثورة تجهض لولا طلبها المساعدة من القاهرة ،فيطلب الثوار اليمنيون من الرئيس عبد الناصر حماية جمهوريتهم الوليدة حتى لا يسقط اليمن مرة أخرى تحت الحكم الامامى المتخلف ، وبالفعل يدعم الرئيس عبد الناصر الثورة اليمنية عسكريا بقوات مسلحة مصرية فى عملية كبرى كان أسمها الكودى ( العملية 9000 ) كما تولت مصر مهمة إدخال الحضارة إلى اليمن بإنشاء جهاز للدولة لأول مرة فى تاريخ اليمن ، وتأسيس المستشفيات والمدارس و الطرق و الموانئ والمطارات من أجل نقل اليمن إلى القرن العشرين ، أدت هذه التطورات إلى اشتعال الثورة فى عدن و اليمن الجنوبى وقد دعمتها مصر بكل ثقلها فى عملية كان أسمها الكودى ( صلاح الدين) .

ينجح عبد الناصر فى الحصول على اعتراف الولايات المتحدة بحكومة الثورة فى اليمن فى 19 ديسمبر 1962 مقابل أن يتم سحب كل القوات المساندة للثورة والمساندة للإمام من اليمن ،كما تقدم الحكومة الأمريكية معونات للحكومة الجديدة فى اليمن
رفضت السعودية هذا الاتفاق وواصلت دعمها للقبائل الموالية لحكم الإمام ، ويتعرض الرئيس كنيدى لضغوط شديدة متعددة من شركات البترول والبنوك الأمريكية إلى جانب الحكومة البريطانية بسبب اعترافه بالنظام الجديد فى اليمن لخطورة ذلك على أوضاع النظام الحاكم فى السعودية ، ومصالح الغرب فى البترول العربى ،وبالفعل يتم وضع خطة سميت ( السطح الصلب ) تتعهد فيها الولايات المتحدة بضمان أمن وسلامة النظام السعودى والأراضى السعودية ،وبالأموال السعودية ومع مساندة بريطانية ومن شركات البترول الأمريكية تم تشكيل تحالف دولى لتجنيد مرتزقة من كل أنحاء العالم وشراء أسلحة للقتال فى اليمن ضد القوات المصرية التى تدافع عن الثورة كما دخلت المخابرات الأمريكية بثقلها إلى ساحة المعركة المحتدمة فى اليمن وأصبحت الحدود السعودية اليمنية مناطق حشد لنقل السلاح والذخيرة والمقاتلين المرتزقة إلى اليمن وتحولت الحرب إلى عملية استنزاف طويلة بين الجانبين المتصارعين.

كما أنشأت السعودية للملكيين محطة إذاعية للتنديد بالنظام الثورى الجديد ، كما وفرت الحماية والغطاء اللازم للأمير البدر ليقود الملكيين مدعوما بجيوش من المرتزقة بتخطيط أمريكى بريطانى ،
وبهذا عمت الثورة أنحاء اليمن شمالا وجنوبا وهددت معاقل الرجعية العربية ومنابع البترول شريان الحياة للحضارة الغربية.
فى كتاب المفاوضات السرية بين العرب و إسرائيل – الجزء الثانى – للأستاذ محمد حسنين هيكل ، نجد الوثيقة التالية:
سجل السفير الأمريكى فى جدة ( باركر هارت ) فى برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية ( وثيقة رقم 36651/43 بتاريخ 19 أغسطس 1964 ) محضر مقابلة جرت بينه و بين الملك ( فيصل بن عبد العزيز (يقول السفير الأمريكى:اتصل بى البروتوكول صباح أمس لإبلاغى أننى مطلوب فى الطائف فى الساعة 4:15 ولم يعطنى البروتوكول أى إيضاحات فيما عدا أن هناك طائرة سوف تحملنى إلى الطائف بعد الظهر استقبلنى الملك فيصل فى قصر الشبرة فى الساعة التاسعة مساء فى حض ور السقاف و فرعون ، و قال الملك إن هناك شيئا حدث وهو يريد إخطارى به بنفسه كصديق شخصى لى و كممثل لبلد صديق له و لأسرته ، ثم قال الملك إنه خلال يومين سابقين ( يومى 13 و 14 أغسطس ) قامت ثلاث طائرات مصرية بإختراق المجال الجوى السعودى جنوب شرق جيزان فوق مناطق قبائل الحارث و أبو عريش ، وإن هذه الطائرات قامت بعدة دورات على ارتفاعات منخفضة فى محاولة ظاهرة للاستفزاز ، كما أن لديه معلومات من داخل اليمن تؤكد أن هناك قوات مصرية تتحرك صوب الحدود السعودية ، وقد حاولت أن أسأل الملك بإلحاح عن تفاصيل أكثر بشأن هذه المعلومات ، ولم يكن لديه شئ لا عن حجم هذه القوات و لا عن تسليحها و لا عن مواقعها ، و قد قال الملك إن هذه التطورات تثير فى ذاكرته  ما سبق أن سمعه عن مؤامرة بين مصر و العراق و الأردن ( ! ) لغزو و تقسيم بلاده على النحو التالى : حسين يأخذ الحجاز ، والعراق تأخذ المقاطعة الشرقية ، واليمن تأخذ الجنوب ، و باقى المملكة يدخل تحت سيطرة ناصرقال لى الملك أيضا إن ناصر أوحى إلى صديقه الصحفى هيكل بأن ينشر خطة عن منظمة عربية للبترول ، ثم أضاف إن السعودية محاصرة ، وقد لا تكون السعودية دولة كبيرة أو قوية ، ولكنها دولة تريد أن تحتفظ بأراضيها و شرفها ، و إذا كان ناصر كما هو واضح يريد أن يضع يده على المملكة متصورا أن ( فيصل ) سوف يقف ساكتا فى انتظار أن يخنق ، فهو مخطئ فى ذلك ، وأشار الملك إلى أنه سوف يقاوم عسكريا ، و هو قد أتخذ عدة قرارات يريد أن يبلغنى بها الآن :

1 ـ قرر أن يدخل أسلحة إلى المنطقة المنزوعة السلاح على حدود اليمن وقد أصدر أمرا فعلا بذلك.

2 ـ إنه أعطى أوامر بالفعل إلى قواته أيضا بأن تحتشد على حدود اليمن لتكون فى وضع يسمح لها بأن تدافع عن السعودية.

3 ـ وهو الآن لا يعتبر نفسه مرتبطا باتفاق فصل القوات فى اليمن ، وسوف يساند الملكيين بأى طريقة يراها مناسبة.
إننى أبديت دهشتى للملك ، كما أبديت له إستغرابى لكل ما قاله عن الاتفاق الثلاثى بين مصر و العراق و الأردن، ثم أطلعنى الملك على تقرير مخابرات سعودى يحوى معلومات عن أن ضباطا من الجيش المصرى رتبوا عملية لقتل ناصر يوم 26 يوليو ، وأضاف الملك ( أن ناصر مريض جدا ) ، ثم أمر بإخلاء القاعة من كل الحاضرين عداه و عداى ، وانتهزت الفرصة ورجوت الملك ألا يبعث بقوات إلى حدود اليمن ، وأن يحتفظ بما يشاء من قوات فى أوضاع تأهب فى أى مكان يراه بعيدا عن الحدود ، فتدخل الملك بحدة قائلا ( أخرجوا القوات المصرية من اليمن و سوف ينهار هذا النظام الذى يدعون بمساعدته فى شهر أو اثنين على أكثر تقدير, ثم استجمع الملك حيويته ليقول لى ( إنكم يجب أن تبذلوا أقصى جهد للخلاص من هذا الرجل الذى يفتح الطريق للتسلل الشيوعى ) ، وكان يعنى ( ناصر ) ثم قال لماذا تصبرون عليه ؟ ألا ترون أنه لا يكف عن مهاجمتكم يوميا ، مرة بسبب فيتنام ، ومرة بسبب كوبا ، ومرة بسبب الكونجو ؟ ما الذى يخصه فى الكونجو ؟ إن مقترحاته بشأن نزع السلاح فى جنيف جاءته مباشرة من فى شكل تعليمات من موسكو ، و أبديت تحفظى ولكن الملك كان لا يزال يصر على أن ( ناصر ) يعادينا و يخدعنا ، وإننا مازلنا نحاول استرضاؤه ، وذكرته أننا عطلنا توريد القمح إلى مصر طبقا للقانون 480 عقابا لناصر على سياسته ، وعقب الملك أوقفوا عنه الطعام تماما وسوف ترون ما يحدث .

يقول الأستاذ هيكل ان هذه المقابلة كانت غريبة وفاقدة للمصداقية ليس فقط بسبب طلب الملك فيصل ( تجويع المصريين ) ، ولكن لأن الأردن كان حليفا للسعودية فى حرب اليمن ، ويضيف ان إسرائيل أيضا كانت تشجع التحالف المساند للملكيين فى اليمن ولعبت دورا فى العمليات العسكرية أطلق عليه الاسم الكودى ( مانجو )،فعندما اشتدت حاجة قوات المرتزقة فى اليمن إلى مؤن و ذخائر تلقى على مواقعهم من الطائرات بالباراشوت ورفض الطيارون الأردنيون والسعوديون القيام بذلك وتوجهوا بطائراتهم إلى مصر أكثر من مرة طالبين اللجوء السياسى ،وهنا قررت جبهة دعم الملكيين فى اليمن بزعامة السعودية الاستعانة بإسرائيل، وبالفعل قام الطيران الإسرائيلى بهذا الدور.

وفى شتاء عام 1964 يعقد حلف شمال الأطلنطى اجتماعا لمناقشة ورقة العمل التركية التى أعدها وزير الخارجية التركى وتحمل عنوان ( تصفية عبد الناصر ) .
ومحضر هذه الجلسة الذى يناقش ورقة العمل التركية يتحدث عن الدور المشاكس والمضاد لمصالح الغرب الذى تلعبه مصر بزعامة جمال عبد الناصر عبر العديد من المشكلات التى تسبب فيها عبد الناصر
من إفشال فكرة الأحلاف العسكرية
– شراء الأسلحة من الكتلة الشرقية
– تأميم القناة
– تمصير وتأميم المصالح الأجنبية فى مصر
– الوحدة مع سوريا
ثم ثورة اليمن وهى الطامة الكبرى بالنسبة لمصالح الغرب ..
فوجود الجيش المصرى فى اليمن لمساندة الثوار أدى إلى نشوء وضع خطير هو تحكم مصر فى طريق المواصلات بالبحر الأحمر من الشمال عبر قناة السويس ، ومن الجنوب عبر مضيق باب المندب
كما أن هذا الوجود يهدد بزوال العرش الملكى السعودى الذى يحارب الثورة اليمنية وهو العرش الموالى للغرب والذى يضمن تدفق البترول إلى الغرب بكل يسر .
وتعرض الوثيقة إلى الأطراف العربية التى تعادى طموحات جمال عبد الناصر وسياساته وتحددها فى المملكة العربية السعودية الأردن ليبيا تحت حكم الملك السنوسى .
كما تلفت النظر لسوء العلاقات المصرية السورية والمصرية العراقية
كما تتحدث عن النفوذ المصرى فى إفريقيا المعادى لمصالح الغرب
وتدعو لدراسة الاقتراح بتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى عبد الناصر كما تطالب بتحويل اليمن إلى مستنقع يغوص فيه الجيش المصرى مما يساعد على إنجاح الضربة العسكرية الموجهة إلى مصر مع التنبيه على أنه إذا استمر الوضع الحالى فى اليمن فإن العرش السعودى مهدد بالزوال عام1970 .

وبرصد المخابرات المصرية لتطور الأوضاع فى ساحة الحرب اليمنية ومدى تشابك المصالح والقوى الدولية التى تلعب على وتر إطالة الحرب فى اليمن من أجل استنزاف القوات المصرية هناك واستنزاف الأموال السعودية ، قرر الرئيس عبد الناصر أن يزور السعودية فى أغسطس 1965 لأداء العمرة ومقابلة الملك فيصل للوصول إلى حل فى اليمن وفى 22 أغسطس 1965 وصل الرئيس عبد الناصر إلى جدة وحاول إقناع الملك إن مصر لا تريد قلب النظام فى السعودية ولا تهدف لفرض سياستها على السعودية ، كما قدم له وثائق عن تجنيد المرتزقة وتجارة السلاح وتجار الحروب الذين وجدوا فى حرب اليمن سوق لكسب الأموال وإهدار القوة العربية ، وتوصل الزعيمان يوم 24 أغسطس 1965 إلى ما عرف بعد ذلك باسم اتفاقية جدة التى قررت أن يتم عمل استفتاء للشعب اليمنى يقرر فيه نظام الحكم الذى يرتضيه فى موعد أقصاه 23 نوفمبر 1966 وتعتبر الفترة الباقية حتى موعد الاستفتاء فترة انتقالية للإعداد له ، لم يتم تنفيذ بنود الاتفاقية بسبب تراجع الملك فيصل عن الالتزام بها ، ويصرح الرئيس عبد الناصر ( بأنه لا فائدة ترجى من اللقاء مع الرجعيين ، بعد كل ما رآه وسمعه فى السياسات السلمية السابقة التى مارسها إزاءهم فى اللقاءات والمؤتمرات ) ، وفى 21 يونيو 1966 وصل الملك فيصل فى زيارة إلى الولايات المتحدة وسبقته مجموعة المقدمة السعودية التى أوضحت للمسئولين الأمريكيين ان المشكلة بالنسبة للسعودية ليست إسرائيل ، وأن الخطر الحقيقى هو حركة القومية العربية كما تمثلها القاهرة ، وأن السعودية ماضية فى تنفيذ فكرة المؤتمر الإسلامى كبديل للجامعة العربية ، خلال الزيارة التقى الملك فيصل بالرئيس الأمريكى جونسون لمدة نصف ساعة فى اجتماع منفرد لم يحضره معهما إلا مترجم من المخابرات الأمريكية وليس وزارة الخارجية كما جرت العادة ، وقد أذيع تصريح بعد الاجتماع المنفرد جاء فيه ( إن تدهور الأوضاع فى اليمن بعد تعثر اتفاق جده وفشله قد جرى بحثه بين الرئيس والملك ، وأن الرئيس قدم للملك تعهد الولايات المتحدة بأن السعودية تستطيع الاعتماد على صداقة أمريكا مهما كانت تطورات الأمور فى اليمن)

فى كتاب ( عقود من الخيبات ) للكاتب حمدان حمدان الطبعة الأولى 1995 الصادر عن دار بيسان فى الصفحات من 489 ـ 491 ، نجد تلك (الرسالة/الوثيقة) والتى أرسلها الملك فيصل بن عبد العزيز إلى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون ( وهى وثيقة حملت تاريخ 27 ديسمبر 1966 الموافق 15 رمضان 1386 ، كما حملت رقم 342 من أرقام وثائق مجلس الوزراء السعودى ) وفيها يقول الملك العربى ما يلى :
من كل ما تقدم يا فخامة الرئيس ، ومما عرضناه بإيجاز يتبين لكم أن مصر هى العدو الأكبر لنا جميعا ، وأ ن هذا العدو إن ترك يحرض ويدعم الأعداء عسكريا وإعلاميا ، فلن يأتى عام 1970 ـ كما قال الخبير فى إدارتكم السيد كيرميت روزفلت ـ وعرشنا ومصالحنا فى الوجودلذلك فأننى أبارك ، ما سبق للخبراء الأمريكان فى مملكتنا ، أن اقترحوه ، لأتقدم بالاقتراحات التـالية :
ـ أن تقوم أمريكا بدعم إسرائيل بهجوم خاطف على مصر تستولى به على أهم الأماكن حيوية فى مصر، لتضطرها بذلك ، لا إلى سحب جيشها صاغرة من اليمن فقط ، بل لإشغال مصر بإسرائيل عنا مدة طويلة لن يرفع بعدها أى مصرى رأسه خلف القناة ، ليحاول إعادة مطامع محمد على وعبد الناصر فى وحدة عربيةبذلك نعطى لأنفسنا مهلة طويلة لتصفية أجساد المبادئ الهدامة، لا فى مملكتنا فحسب ، بل وفى البلاد العربية ومن ثم بعدها ، لا مانع لدينا من إعطاء المعونات لمصر وشبيهاتها من الدول العربية إقتداء بالقول ( أرحموا شرير قوم ذل ) وكذلك لاتقاء أصواتهم الكريهة فى الإعلام

ـ سوريا هى الثـانية التى لا يجب ألا تسلم من هذا الهجوم ، مع اقتطاع جزء من أراضيها ، كيلا تتفرغ هى الأخرى فتندفع لسد الفراغ بعد سقوط مصر.
ـ لا بد أيضا من الاستيلاء على الضفة الغربية وقطاع غزة ، كيلا يبقى للفلسطينيين أي مجال للتحرك ، وحتى لا تستغلهم أية دولة عربية بحجة تحرير فلسطين ، وحينها ينقطع أمل الخارجين منهم بالعودة ، كما يسهل توطين الباقى فى الدول العربية
ـ نرى ضرورة تقوية الملا مصطفى البرازانى شمال العراق ، بغرض إقامة حكومة كردية مهمتها إشغال أى حكم فى بغداد يريد أن ينادى بالوحدة العربية شمال مملكتنا فى أرض العراق سواء فى الحاضر أو المستقبل، علما بأننا بدأنا منذ العام الماضى (1965) بإمداد البرازانى بالمال و السلاح من داخل العراق ، أو عن طريق تركيا و إيران.
يا فخامة الرئيسإنكم ونحن متضامين جميعا سنضمن لمصالحنا المشتركة و لمصيرنا المعلق ، بتنفيذ هذه المقترحات أو عدم تنفيذها ، دوام البقاء أو عدمه , أخيرا أنتهز هذه الفرصة لأجدد الإعراب لفخامتكم عما أرجوه لكم من عزة ، و للولايات المتحدة من نصر وسؤدد ولمستقبل علاقتنا ببعض من نمو و ارتباط أوثق و ازدهار.
المخلص : فيصل بن عبد العزيز
( ملك المملكة العربية السعودية )

من قراءة تلك الوثيقة يمكننا ملاحظة التالى :

الخطة التى يقترحها الملك السعودى للعمل ضد الدول العربية تكاد تكون هى خطة الحرب الإسرائيلية فى يونيو 1967
زوال العرش السعودى عام 1970 إذا استمرت خطط جمال عبد الناصر واستمرت قواته فى اليمن ، والجدير بالملاحظة أن عبد الناصر هُزم عسكريًا عام 1967 م وتوفى عام 1970.

عندما نشرت مقالى عن ( غياب عبد الناصر هل كان صدفة ؟) فى ديسمبر 2007،نشرت تلك الوثيقة ضمن المقال الذى كان يبحث لغز وفاة الرئيس عبد الناصر عام 1970 ، و تم نشر المقال على موقع الفكر القومى العربى ، وموقع منتديات الفكر القومى العربى ، وعندما قرأ تلك الرسالة/الوثيقة ، السيد ( سامى شرف ) سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ووزير شئون رئاسة الجمهورية الأسبق قام بكتابة هذا التعليق عليها وهو تعليق منشور فى موقع منتديات الفكر القومى العربى :( كنت فى زيارة لإحدى البلدان العربية الشقيقة سنة 1995 وفى مقابلة تمت مع رئيس هذه الدولة تناقشنا فى الأوضاع فى المنطقة وكيف أنها لا تسير فى الخط السليم بالنسبة للأمن القومى وحماية مصالح هذه الأمة واتفقنا على انه قد حدث ذلك منذ ان سارت القيادة السياسية المصرية بدفع من المملكة النفطية الوهابية والولايات المتحدة الأمريكية على طريق الاستسلام وشطب ثابت المقاومة من أبجديات السياسة فى مجابهة الصراع العربى الصهيونى ، ولما وصلنا لهذه النقطة قام الرئيس العربى إلى مكتبه وناولنى وثيقة وقال لى يا أبوهشام أريدك ان تطلع على هذه الوثيقة وهى أصلية وقد حصلنا عليها من مصدرها الأصلى فى قصر الملك فيصل ولما طلبت منه صورة قال لى يمكنك أن تنسخها فقط الآن على الأقل وقمت بنسخها ولعلم الأخوة أعضاء المنتدى فهى تطابق نص الوثيقة المنشورة فى هذا المكان وقد راجعت النص الموجود لدى بما هو منشور أعلاه فوجدتهما متطابقين ،أردت بهذا التعليق أن أؤكد رؤية مفادها ان عدوان 1967 كان مؤامرة مدبرة وشارك فيها للأسف بعض القادة العرب وقد يكون هناك ما زال بعد خفيا عنا مما ستكشفه الأيام القادمة).
(انتهى تعليق السيد سامى شرف على الرسالة / الوثيقة).

ـ فى الوثائق الإسرائيلية الخاصة بحرب يونيو 1967 والتى قام بترجمتها ونشرها الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) ، أن الرئيس الأمريكى ليندون جونسون فى مايو 1967 وبعد أن تم تجهيز كل الخطط لضرب مصر ، أراد أن يستوثق من احتمالات غضب الشارع العربى على العروش العربية فى حالة شن إسرائيل الحرب على مصر وقد أستقر رأيه بعد التشاور مع مساعديه على التوجه بالسؤال مباشرة إلى ملكين فى المنطقة تعتبر الولايات المتحدة عرشهما مسألة هامة لأمنها القومى ، الملك حسين بن طلال فى الأردن ، و الملك فيصل بن عبد العزيز ، وبالفعل قابل روبرت كومار مساعد الرئيس جونسون الملك حسين فى عمان يوم 28 مايو 1967 ، كما توجه ريتشارد هيلمز مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز فى نفس اليوم فى لندن التى كان الملك فيصل فى زيارة رسمية لها من أجل تخيير الحكومة البريطانية بين حلين :
1 ـ تأجيل تنفيذ سياسة الانسحاب من شرق السويس ، واستمرار بقاء القوات البريطانية فى المنطقة لسنة كاملة على الأقل حتى يتمكن الجميع من ترتيب أوضاعهم ، وإلا فإن إتمام الانسحاب البريطانى فى المواعيد المعلنة ( عام 1968 كما أعلن رسميا من مجلس العموم البريطانى ) سوف يخلق فراغا يملؤه الجيش المصرى و يدخل إلى عدن ذاتها .
2 ـ أن تبذل الحكومة البريطانية مساعيها لإقامة تجمع يضم كل دول شبه الجزيرة العربية و الخليج لكى يكون للمنطقة تجمع إقليمى تتمايز به عن الجامعة العربية ، ويكون للسعودية فيه دور مؤثر يوازى الدور المصرى فى جامعة الدول العربية التى يوجد مقرها فى القاهرة .
ـ تمت المقابلة بين الملك فيصل و ريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 فى جناح الملك فى فندق دورشستر وحضر المقابلة بين الملك وهيلمز السيد كمال أدهم مستشار الملك الخاص ومدير المخابرات السعودية وشقيق زوجته الملكة ( عفت ) ، أستمر الاجتماع من العاشرة مساء وحتى الثانية صباحا وقد تم تأمين مكان الاجتماع بواسطة خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وعاد هيلمز عقب الاجتماع إلى واشنطن لإخطار الرئيس الأمريكى بما دار مع الملك
ـ يقول الأستاذ هيكل فى كتابه ( عام من الأزمات ) أنه فى ربيع عام 1985 تقابل مع السيد كمال أدهم فى بيته فى لندن وسأله عن لقاء الملك فيصل بريتشارد هيلمز يوم 29 مايو 1967 ، وهل كان الملك يعرف بالتدابير الأمريكية والإسرائيلية لمصر و لجمال عبد الناصر ؟ ورد عليه السيد كمال أدهم قائلا ( أسمع لست سياسيا مثل الآخرين أقول أى كلام و السلام ، ما سألتنى فيه لن أرد عليه ، ولكنى أريدك أن تعلم ، و أنا أقولها لك بمنتهى الصراحة ، صديقك الرئيس جمال كان فى مواجهة مفتوحة و عنيفة ضد المملكة ، والمعركة كانت سياسية و نفسية وأخيرا أصبحت عسكرية فى اليمن ، والملك فيصل مسئول عن مملكته ، مسئول أمام أسرته ، مسئول أمام أخوته و أبنائه يسلم لهم الأمانة كاملة كما استلمها ، واجبه واضح أمام العرش و الأسرة ، و عليه أن يتصرف بما يحقق ( المصلحة ) وهذا هو كل شئ وليس هناك شئ أخر، لا تستطيع أن تسائل الملك فيصل إلا فيما هو مسئول عنه ( العرش و الأسرة ) ، وهل نجح فى حمايتهما طوال حكمه أم لم ينجح ؟ و هل كانت المملكة أقل أو أكثر استقرارا عندما تركها عما كانت عليه عندما تسلمها ؟هذا هو المحك ، كان الخطر الأكبر علينا أيام ملكه هو صديقك الرئيس جمال وبالنسبة لنا فى المملكة فإن فيصل أنتصر فى التهديد الذى مثله علينا الرئيس جمال ، ونحن لا نتعب رؤوسنا بكثرة الأسئلة و لا بالخوض فى الحكايات و التواريخ ) ويتابع الأستاذ هيكل روايته لتفاصيل اللقاء ( وسكت السيد كمال أدهم وهو يشعر أننى أتابعه بتركيز شديد ثم قال : كنت صريحا معك لم أتكلم كلام سياسيين و لم أتكلم كلام رجل غامض كلمتك بصراحة و أنت حر فيما تفهمه مما قلت).

بقراءة كل تلك الوثائق سنتأكد بالفعل أن مساندة مصر لثورة اليمن ،ووجود جزء من الجيش المصرى هناك تسبب فى إطلاق كل كلاب الصيد للقضاء على تجربة جمال عبد الناصر.

يقول الدكتور منصور فايز الطبيب الخاص للرئيس جمال عبد الناصر ، فى كتابه ” مشوارى مع عبد الناصر ” ، ان الرئيس عبد الناصر أخبره ان عودة القوات المصرية من اليمن ، كان الثمن الذى طلبه الملك فيصل منه مقابل أن يساعد مصر مادياً بعد الهزيمة!.

– فى يونيو 1969 وقعت أخطر محاولة انقلابية للجيش السعودى ضد نظام حكم آل سعود ، تم الكشف عن تنظيم عسكرى كبير يتزعمه العقيد طيار ” داود الطويل ” ، ويضم مجموعة كبيرة من الطيارين السعوديين العاملين في مطارات جدة والرياض والظهران، ويحظون بمباركة قائد القوات البرية السعودية (الجعويني) للقيام بانقلاب عسكرى يطيح بالأسرة الحاكمة .
فشلت المحاولة الانقلابية قبل ساعات من تنفيذها ، بعد أن تسرب نبأ التحركات العسكرية لضباط المخابرات المركزية الأمريكية بالسعودية ، والذين نقلوه لكمال أدهم رئيس المخابرات السعودية.

تم القبض على الضباط المتأمرين ، وكان إحساس الملك ” فيصل بن عبد العزيز ” بالغضب شديداً خاصة وان الضباط الانقلابيين من نخبة ضباط الجيش السعودى ، تعرض الضباط الانقلابيين لعمليات تعذيب لمعرفة من وراءهم ، اعترف بعضهم بتنسيق الانقلاب مع النظام المصرى عبر السيد ” سامى شرف ” سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات ، وان الانقلاب يتم التخطيط له منذ عام 1964.
أمر الملك ” فيصل بن عبد العزيز ” بإلقاء الضباط الانقلابيين من الطائرات فوق صحراء الربع الخالي.

فى 18 ديسمبر 1969، زار الملك ” فيصل بن عبد العزيز ” مصر ، والتقى بالرئيس ” جمال عبد الناصر ” ، وأثير موضوع الانقلاب العسكرى ، الذى كان له دوى مزلزل داخل الأسرة الحاكمة السعودية.

أنكر الرئيس عبد الناصر صلته بالانقلاب ، وقال للملك ان تعليماته كانت توقف أى عمليات ضد السعودية منذ المصالحة بينه وبين فيصل فى قمة الخرطوم فى أغسطس 1967.
ترتب على فشل الانقلاب ، وحديث الملك فيصل عنه يوم 18 ديسمبر 1969 ، قرار الرئيس عبد الناصر فى 19 ديسمبر 1969 بتعيين أنور السادات نائباً له من أجل إرضاء الملك فيصل وطمأنته ، خاصة ان السادات كان يحظى بعلاقات متميزة مع كلاً من فيصل وكمال أدهم.

بل ان الرئيس السادات كتب فى كتابه ” البحث عن الذات ” الذى يضم التنقيح الأخير لمذكراته ،أنه عرف ان الملك فيصل قال:

( إذا أراد الله بمصر خيرا يحكمها السادات ).

رغم تعيين السادات نائباً لعبد الناصر ، رفض الملك فيصل دفع 20 مليون دولار ثمناً لقوارب العبور المطاطية التى تتدرب عليها القوات المصرية فى فرع النيل بالخطاطبة فى عملية محاكاة لعبور قناة السويس ، وقد قام العقيد القذافى فيما بعد بشراء القوارب لمصر من إيطاليا.
كما ترتب على فشل الانقلاب ، قرار من الملك فيصل بأن يكون سلاح الطيران السعودى مكوناً من أمراء أسرة آل سعود فقط منعاً لأى محاولة انقلابية أخرى.

لم تكن مساندة مصر لثورة اليمن مصادفة أو قرارا عشوائيا بل كان لمصر دورا بارز فى تفجير الثورة من الأساس،وكانت على صلات وطيدة بالخلايا السرية للضباط الأحرار فى الجيش اليمنى.
كان قرار عبد الناصر بتفجير الثورة فى اليمن ومساندتها ودعمها عسكريا نابعا من رؤيته للأمن القومى المصرى،رأى عبد الناصر أن من يسيطر على فلسطين يهدد سيناء، ومن يسيطر على سيناء سيطر على قناة السويس ، ومن سيطر على القناة سيطر على مصر والبحر الأحمر،ومن سيطر على مصر سيطر على الوطن العربى كله.

حدد عبد الناصر فى تقديره الاستراتيجى لموقف مصر فى نهاية عام 1952 الأتى:
– تواجه مصر عدوين فى وقت واحد :

بريطانيا فى القناة وإسرائيل على الحدود الشرقية
– لا يمكن لأية مفاوضات سياسية مع بريطانيا للجلاء أن تنجح إلا بمساندة العمل الفدائى والعسكرى فى منطقة القناة
– مصر لن تتمكن من خوض معركة عسكرية ناجحة سواء كانت دفاعية أو هجومية ضد إسرائيل طالما ظلت القوات البريطانية متواجدة فى منطقة القناة تهدد خطوط مواصلاتنا نحو الشرق وتتحكم بها
– العدو الرئيسى فى الوقت الحالى هو قوات الاحتلال البريطانى والعدو الفرعى هو القوات الإسرائيلية
وبالفعل ينجح عبد الناصر فى توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا عام 1954 ،وتتبعها الخطوة الثانية بتأميم شركة قناة السويس فى 26 يوليو 1956 مما أدى للعدوان الثلاثى على مصر، وبفشل العدوان أصبحت قناة السويس مصرية بالكامل،كما ألغى عبد الناصر معاهدة الجلاء واستولى على القاعدة البريطانية فى منطقة القناة،وبذلك تم تطهير المدخل الشمالى للبحر الأحمر،وبقى المدخل الجنوبى عند باب المندب ،وأصبح الطريق مفتوحا نحو الشرق فى سيناء للجيش المصرى دون تهديد بريطانى للقوات المسلحة المصرية، أصبحت إسرائيل هى العدو الرئيسى لمصر الذى يتحتم مواجهته .
صمم عبد الناصر على إنهاء الاحتلال البريطانى للسودان أولا وبعد ذلك الدعوة لوحدة وادى النيل من خلال الاعتراف بحق الشعب السودانى فى تقرير مصيره،وعندما أختار الشعب السودانى الاستقلال والانفصال عن مصر بادر عبد الناصر بتأييد ذلك وسحب القوات المصرية من السودان تاركة أسلحتها الثقيلة هدية للجيش السودانى مما اضطر البريطانيون إلى سحب جيشهم لتتحرر السودان ،وبذلك اكتسبت مصر صداقة الشعب السودانى ،وفتحت مجال العمل لها فى أفريقيا كلها بإخلاصها والتزامها بتصفية الاستعمار فى القارة السمراء وحق تقرير المصير للشعوب الأفريقية،وفى عام 1957 أصبح الساحل الغربى للبحر الأحمر حتى كسلا ونهاية الحدود السودانية خاليا من القوات الأجنبية نهائيا.

تحتل الصومال موقع استراتيجى هام فى القرن الأفريقى لذا قرر عبد الناصر مساندة القوى الوطنية الصومالية ودعمها من أجل الحفاظ على مقومات الشخصية الصومالية بجذورها العربية والإسلامية ووحدة أراضى الصومال ،وقطع الطريق على إسرائيل التى كانت تريد توطيد علاقاتها الاقتصادية بالصومال لذا اتصلت مصر بكل الهيئات والتنظيمات السياسية الصومالية ودعمت التعليم فى الصومال بالكتب العربية، كما أمر عبد الناصر أن يفتح الأزهر أبوابه لاستقبال الصوماليين الذين توافدوا على مصر بأعداد هائلة ،كما تم إرسال بعثة أزهرية كبيرة للصومال لربط الشعب الصومالى بدينه الحنيف ،وهكذا عملت مصر على إرساء علاقات اقتصادية وعسكرية وثقافية وسياسية وطيدة بالصومال الذى نال استقلاله عام 1960 وأنضم لجامعة الدول العربية،وبذلك ضمنت مصر مكانها فى منطقة القرن الأفريقى وقطعت الطريق على إسرائيل ،لتتحكم فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ثم اندلعت ثورة اليمن على الجانب الأخر من شواطئ البحر الأحمر (الساحل الشرقى) وكان الدور المصرى والوجود المصرى لدعمها
وأصبحت مصر قادرة على التحكم فى مدخل البحر الأحمر الشمالى ومدخله الجنوبى وهو ما تحقق فعلا خلال حرب 1973 بإغلاق مضيق باب المندب .

وبرغم الهزيمة فى عام 1967 ومحاولات إسرائيل لزيادة وجودها فى البحر الأحمر ببناء مطارات فى سيناء،ونقل بعض الزوارق الحربية برا من موانيها فى البحر المتوسط إلى البحر الأحمر ،ومحاولتها سرقة بترول خليج السويس أو التدخل فى عملية فتح قناة السويس.

أجهضت السياسة المصرية فى عهد عبد الناصر كل تلك المحاولات ،وقامت مصر بنشر سفن أسطولها فى البحر الأحمر فى الموانى المصرية وميناء بورسودان ،كما نشرت مصر قواتها الجوية فى مطارات السودان،ونقلت جزء من قواتها البرية إلى منطقة جبل الأولياء بالسودان ،وعندما استأجرت إسرائيل حفار عملاق لسرقة البترول المصرى فى خليج السويس قامت المخابرات المصرية بتدميره قبل وصوله للبحر الأحمر .

ورفضت مصر كل محاولات فتح قناة السويس قبل انسحاب إسرائيل من كل الأراضى العربية المحتلة عام 1967 وإيجاد حل عادل وشامل لقضية الشعب الفلسطينى، بل أن الرئيس عبد الناصر رهن فتح القناة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم.
يقول المفكر الكبير “جمال حمدان” فى أوراقه الخاصة :

أن الرئيس جمال عبد الناصر هو ‘أول وللأسف آخر’ حاكم يعرف ويفهم جغرافيا مصر السياسية وأن ‘الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون… أنت مصري إذن أنت ناصري… حتى لو انفصلنا عنه (عبد الناصر) أو رفضناه كشخص أو كإنجاز. وكل حاكم بعد عبد الناصر لا يملك أن يخرج على الناصرية ولو أراد إلا وخرج عن المصرية أي كان خائنا’ لأن الناصرية في رأيه قدر مصر الذي لا يملك مصري الهروب منه.

ويقول إن الناصرية ‘بوصلة مصر الطبيعية’ ، مع احتفاظ كل مصري بحقه المطلق في رفض عبد الناصر لأن المصري ‘ناصري قبل الناصرية وبعدها وبدونها‘.

لم تكن حرب اليمن سببا لمشاكل مصر ولم تكن هى سبب هزيمة 1967 بل كانت عملا عظيما يعكس بعد نظر ملموس لرجل دولة مهموم بقضايا أمته ،مؤمن بوحدة المصير العربى وبأن استقلال اليمن أو أى قطر عربى أخر هو جزء من استقلال مصر .
وبرغم كل المؤامرات على الثورة اليمنية وبرغم كارثة يونيو 1967 قامت الجمهورية اليمنية وخرج الشعب اليمنى من حكم الإمامة المتخلف، وهبت رياح التغيير على منطقة الخليج العربى ،فاستقلت إمارات الخليج كلها وانتهى الوجود الاستعمارى في المنطقة، وحتى حكام السعودية أعداء عبد الناصر وخصوم الثورة اليمنية اضطروا لإدخال تعديلات وتحديثات على السعودية لتقيهم من رياح الثورة.

وخرجت دولة اليمن الجنوبية إلى الوجود كدولة مستقلة ثم توحد اليمن الشمالى والجنوبى فى دولة واحدة، وبالسيطرة العربية على باب المندب تحقق حلم عبد الناصر ، وأصبح البحر الأحمر بحرا عربيا بحق.
وبسبب وجود الجيش المصرى فى اليمن قرب منابع النفط ،غيرت شركات البترول من أساليب تعاملها مع حكومات البترول ، ومنحتها نصيب أكبر من ثروتها المسلوبة .

كل هذه الايجابيات جعلت الغرب الاستعمارى كله متحالفا مع الملوك العرب يتكالبون على ضرب نموذج جمال عبد الناصر ، والإطاحة بنظام حكمه الوطنى فى مصر، وهو ما تحقق للأسف ، ولكن لسخرية القدر لم يتحقق ذلك عقب هزيمة 1967 ، بل بعد وفاة عبد الناصر وعقب نصر 1973 ، عندما سلم السادات كل أوراق المنطقة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

الوطن العربي : إفلاس قيادي وإخفاقات متلاحقة






الوطن العربي يتهاوى بسرعة ويتّجه إلى الأسوأ ولا يمكن التنبّؤ بما سيحل به من كوارث مستقبليّة؛ إنه يعاني من فراغ وارتباك وتخبّط قيادي، وحروب ونزاعات دموية في عدد من أقطاره، واستبداد سياسي يكتم أنفاس المواطنين؛ وفساد طال النخب الحاكمة وإدارات ومؤسسات الدولة في كل قطر؛ وإرهاب وبطالة وفقر، وإحساس بالذل والإحباط وعدم الأمان والخوف.

لا يوجد في الوطن العربي قادة يحرصون على إعطاء الشعب في كل قطر حقوقه والسماح له بالمشاركة في صنع القرار من خلال ممثّلين حقيقيين ينتخبهم بحرية وبناء على برامج سياسية واضحة وممكنة التحقيق؛ لقد تمكّنت معظم دول العالم من إقامة دول قانون ومؤسّسات ديموقراطية ونحن ما زلنا نعيش في دول قائمة على عبادة الحكّام ذوي السلطات المطلقة الذين لا يخطؤون أبدا، ويحيطون أنفسهم بمجموعات من النخب السياسيّة والعسكريّة والدينيّة والإعلاميّة الفاسدة التي تدعمهم وتحميهم، وتتعاون معهم لتضليل وخداع شعوبهم؛ الحقيقة هي انهم قادة لا كرامة ولا مصداقية لهم .. ودهاة .. في ظلم شعوبهم والتآمر على أوطانهم وأبناء جلدتهم العرب.

قادة الوطن العربي لا يتسابقون فقط، بل يتنافسون في الخنوع لإرادة الأعداء. إنّهم يدفعون مئات المليارات من الدولارات ثمن أسلحة أمريكية لن تطلق منها رصاصة واحدة على إسرائيل وأعداء الأمّة الآخرين، ولكنها ستستخدم في قتل الشعب العربي وتدمير أقطاره، وفي الاعتداء على إيران، ” وإعادة ترتيب المنطقة “، وتصفية القضية الفلسطينية خدمة لأمريكا وحماية لإسرائيل.

التطورات الأخيرة التي حدثت في الولايات المتحدة، واهمها تعيين مايك بومبيو وزيرا للخارجية وجون بولتون مستشارا للأمن القومي تعني أن مؤامرة أمريكية إسرائيلية كبرى يجري الاستعداد لتنفيذها خلال الأشهر القادمة؛ الرجلان عنصريان حاقدان على العرب والمسلمين، ومن أشد المؤيدين لترامب وسياسات إسرائيل، وقصف كوريا الشمالية، والغاء الاتفاق النووي مع ايران، وشرذمة الأقطار العربية، واستغلال الخلافات الدينية بين السنة والشيعة لإشعال المزيد من الحرائق والحروب بين شعوب المنطقة.

كل الدلائل تشير الى أن إدارة ترامب عازمة على إلغاء الاتفاق النووي مع ايران في شهر مايو القادم والقيام بعمل عسكري ضدّها تشترك فيه معها إسرائيل وبعض الدول العربية، وإن أمريكا واسرائيل تخطّطان للهيمنة على المنطقة العربية والتحكم بمخزونها الهائل من النفط والغاز وتصفية القضية الفلسطينية ! فهل سينجح هذا المخطط الصهيوني الأمريكي؟

اننا نتوقع له الفشل لأن ثقتنا بالشعب العربي الأصيل المظلوم الذي لا يقبل الذلّ، ويعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية ودينية وأمنية ملحة ما زالت موجودة؛ الهوّة بين الحاكم والمحكوم في كل قطر عربي تتّسع كل يوم، والدليل على ذلك هو التنامي الملاحظ في حركات الاحتجاج الشعبية، ورفض الوجود الأجنبي والحروب الدائرة في الوطن العربي، وفشل محاولات التطبيع مع اسرائيل والاستسلام للإرادة الأمريكية، واتساع التأييد للفلسطينيين خاصة بعد تهويد القدس.

الحروب والقتل والدمار والاستبداد في الوطن العربي سيقود حتما إلى تغييرات مستقبليّة جذرية؛ الطغاة يموتون، والشعوب تبقى وتستيقظ من سباتها وتصحح مسارها وتنتصر؛ الإنسان العربي يدرك أنه واقع تحت حكم مجموعات من الطغاة الذين فقدوا مصداقيتهم، وجلبوا له ولوطنه من محيطه إلى خليجه الدمار والذل والهوان، لكنه سيبقى، وسيتخلص من جلاديه، وسينتصر ويستعيد كرامته.

توافق بين حزب الله والسنيورة على خطورة الوضع الإقتصادي




دخل ​المجلس النيابي​ في دراسة مواد الموازنة تمهيداً لإقرارها على عجل، لضرورات مؤتمر سيدر الذي ينعقد في 6 نيسان المقبل بعدما استفاض النواب أمس، في الجلسة الأولى التي عقدت برئاسة الرئيس ​نبيه بري​ بالحديث عن الفساد وضرورة الإصلاح والإنماء والخلل في الضرائب والإعفاءات في إطار «الفذلكات الانتخابية»، بعيداً عن فذلكة الموازنة التي خلت من رؤية أو خطة لخفض العجز ومحاربة البطالة ومكافحة الفقر وخلق فرص عمل وتخفيض الدين العام.


لقد قدّم الرئيس ​فؤاد السنيورة​ مطالعة تقويمية مطوّلة حول الوضع المالي والاقتصادي الراهن. مطالعة استحوذت على اهتمام خصومه في السياسة قبل حلفائه، إلى حدّ دفع عدداً من النواب للقول «مجلس 2019 سيخسر رجل دولة». واعتبر السنيورة أنّ القطاع العام بات متضمّناً أكثر من إمكانات الدولة وأنّ الأحزاب والطوائف بات لا يحرّكها إلا هاجسها في تأمين مصالحها داخل مؤسسات السلطة، ومحذراً من الوضعية الراهنة للاقتصاد اللبناني التي هي في وضعية انهيار، مشدّداً على أنّ الشعبوية والطائفية والمصالح الخاصة باتت تهدّد حالة الدولة، لكنه لفت إلى أنّ الفرص لم تنقض بعد، وأنّ هناك إمكانية للإصلاح والتقشف وضبط النفقات.

أما ​حزب الله​، فقاد من جهته الهجوم ضدّ الفساد، وتوزّعت كلمات نوابه على مواطن الفساد والهدر والموازنة. إذ فجّر النائب ​علي فياض​ قنبلة التهرّب الضريبي، معتبراً أنّ مقدار التهرب الضريبي يبلغ 6300 مليار ليرة لبنانية، وهو يكاد يقترب من مقدار العجز الذي يقلّ قليلاً عن 7500 مليار ليرة، داعياً إلى تعديل النظام الضريبي في لبنان واعتماد نظام الضريبة الموحد التصاعدي.

وكشف نائب الوفاء للمقاومة عن مراسيم تصدر عن رئاسة الحكومة لتغطية نفقات النفايات من دون أن تنشر، فضلا عن أن المبالغ التي تحول من الصندوق البلدي المستقل إلى شركات النفايات تتضمّن دفع الدولة لضريبة الـ TVA وتنفق هذه الأموال على المسؤولية الكاملة ل​مجلس الإنماء والإعمار​ من دون أن يتمكن أحد من رقابتها، لأنها لا تندرج في إطار الموازنة ولأنّ مجلس الإنماء والإعمار يعمل خارج الأطر الرقابية، أما علاقته ب​ديوان المحاسبة​ فهي علاقة رقابية لاحقة.

كما تحدّث فياض بالتفصيل عن مشكلة الكهرباء، حيث شدّد على معطيات رقمية ل​قطاع الكهرباء​ حالياً وما يمكن أن يصبح في حال استئجار باخرة أو بواخر بطاقة 800 ميغاوات. فالكهرباء اليوم متوافرة لـ 92 في المئة من العائلات اللبنانية و91 في المئة من المؤسسات العاملة، ذلك أنّ الطاقة العاملة لدى مصلحة ​كهرباء لبنان​ توازي 1600 ميغاوات تقابلها طاقة 1500 ميغاوات تُشغل من قبل القطاع الخاص مقابل رسوم للمستهلكين توازي للقطاع الخاص 3-4 أضعاف المستحقات لمصلحة كهرباء لبنان التي تتقاضى رسوماً متدنية لاستهلاك الكهرباء.

واعتبر انّ مصلحة كهرباء لبنان تحصّل 650 مليون دولار من حاصلات الجباية سنوياً مقابل أكلاف تبلغ 2.8 مليار دولار، فضلاً عن أنّ المولدات تؤدّي إلى تحصيل 1.6 مليار دولار سنوياً، مشيراً إلى أنّ الفاتورة الحالية لتأمين الكهرباء – وهي متوافرة لـ 92 في المئة من اللبنانيين – توازي قبل أيّ تعاقد على سفن إضافية 2.8 مليار دولار، أكلاف مصلحة كهرباء لبنان التي تحمَّل نسبة 75 في المئة منها الشعب بزيادة الدين العام و1.5 مليار دولار اشتراكات ​المولدات الخاصة​، مع تأكيده أنّ كلفة ​الطاقة الكهربائية​ توازي حالياً 4.3 مليار دولار. وفي حال تعاقدنا على استئجار بواخر بطاقة 800 ميغاوات تصبح الكلفة أكثر من 5.3 مليار دولار سنوياً ناهيك بالتأثير البيئي المضرّ. والمعلوم، بحسب فياض، أنّ المولدات النقالة الحديثة يمكن توزّعها على مناطق عدة فيكون التلوث بنسب أقلّ وغير مركّز في مناطق تعاني من كثافة دخان المعامل. أما في ما خصّ الأساتذة المتعاقدين، فضلاً عن أساتذة ​التعليم الرسمي​، فالأمر بات في ظلّ فوضى تشريعية عارمة وأنّ «بازل» الرواتب بات مستعصياً على فهم النواب.

في حين شدّد النائب ​نواف الموسوي​ على موضوع النفط، داعياً إلى «مصارحة اللبنانيين بأننا أمام مشكلة في البلوكات 8 – 9 – 10، إذا لم نقم بأيّ إجراء لإسقاط الاتفاقية المشؤومة، في 17-1-2007، والتي يحملها «الإسرائيلي» ويدور يخبّر عنها في العالم»، قائلاً: «العبقري مَن ارتكب الخطأ سيُحاسب يوماً ما». وطالب الموسوي بسحب قانون التسوية الضريبية، ودراسته جيداً في الحكومة ثم إعادته كقانون لدراسته على مهل، لأنه «إذا خرجت الموازنة ومعها هذا القانون، فذلك فضيحة بكلّ المعايير في المجلس النيابي، وفقاً للموسوي، داعياً إلى تحرير الهيئات الرقابية من أسر السلطات السياسية التي تضغط عليها لمنعها من إعلان مواجهة العقبات في القيام بدورها. واستغرب عدم الاستماع إلى سياسات اقتصادية جديدة، قائلاً: «نحن عاجزون عن دفع الفوائد، وكلفة الدين التي هي 80 مليار دولار دين لا تقضي على مستقبل أولادنا فقط إنما تقضي على حاضرنا أيضاً».

بيد أنّ النائب ​حسن فضل الله​ ركز على موضوع استمرار الخلل بالموازنة ووجود مواطن إنفاق لا داعي لها قائلاً: «موازنة 2018 هي موازنة مستعجلة بسبب مؤتمر باريس والحكومة «نيّمت» الموازنة شهرين ونصف الشهر». وأضاف «نريد أن نعرف كيف تمّ صرف الأموال وهذا يتطلّب أن نقوم كنواب بدورنا ونحن ننتظر تقرير وزارة المال»، ومركزاً على مسؤولية القضاء في الوصول إلى نتيجة في الملفات التي فتحتها ​لجنة الاتصالات​، متسائلاً: «أين جماعة الانترنت غير الشرعي؟ يعملون ويقولون إنّهم أقوى من الدولة لأنّهم مدعومون من القوى السياسيّة».

وعلى المقلب ​التقدمي الاشتراكي​، فقد دافع النائب ​وائل ابو فاعور​ عن المدرسة الرسمية، وهاجم سياسة الحكومة تجاه التعليم الخاص، معتبراً أنّ ملف الفساد الذي خصّص له وزارة في الحكومة الراهنة قد بات عبئاً عليها. ودعا إلى إلغائها. وتساءل عن السرّ الذي لم يفض إلى إيقاف أيّ «مفيسد» في ​الدولة اللبنانية​. أما في سياق الصراع القواتي العوني، لا سيما في ما خص ملف الكهرباء، فقد ردّ النائب ​انطوان زهرا​ على ​التيار الوطني الحر​ في ما خص البواخر من دون أن يسمّيه.

وإذا كان النائب سامي الجميّل لم يتطرق إلى ما أسماه الانحدار الحاصل على كلّ المستويات الدستورية من ​التمديد​ وعدم إقرار الموازنة وعدم تقديم قطع الحساب والإعلامية والاقتصادية، والبيئية والقضائية، فإنّ كلمته لقيت إصغاء من رئيس المجلس، علماً أنّ «الشيخ» سامي افتتحها برسالة نصية وصلته من إحدى المرجعيات الوطنية من دون أن يسمّيه وجاء فيها: «هل يجوز قانون أساسي كهذا أن يكون سلق بسلق والحكومة والهيئة العامة؟ هذا غدر للعقول ولكرامتنا وللناس. حرام البلد والشعب لا يستحق هذه البهدلة». وقال: لقد تمّ تخطي ​المهل الدستورية​ التي تتحدّث عنها المادتان 83 و32 لإقرار الموازنة، فضلاً عن عدم وجود قطع حساب والذي تفرضه المادة 87 من الدستور، وصولاً إلى عدم احترام شمولية ووحدة الموازنة والـ «لا فذلكة» أيّ لا رؤية ولا خطة تستند إليها الموازنة لخفض العجز ومحاربة البطالة ومكافحة الفقر وزيادة النمو وخلق فرص عمل وللبطاقة الصحية وضمان الشيخوخة وتخفيض الدين العام. ففي كلّ النص لا أحد يخبرنا كيف ستعالج هذه المشاكل وكلّ ما درسناه هو عدّ أرقام. وسأل: «عملياً على مَن نتذاكى؟ إذا اقتلعنا عجز كهرباء لبنان من الموازنة هل يكون اختفى؟ مع العجز يكون الإنفاق 19.2 مليار ليرة، أيّ 4.7 مليار دولار، وبما يتعلق بإخفاء الحقيقة عن الناس هناك برامج للدولة أقرّتها الحكومة عندما قالوا إنهم يريدون تخفيض 20 في المئة وقد أخذنا النسختين وقارنا بينهما، عملياً لم يكن تخفيضاً بل تأجيل، لقد أجّلنا الدفعات المستحقة حتى عام 2019، كما أنّ تضخيم الإيرادات أيضاً فيه مخالفة للأرقام، فوزير الاقتصاد قال إنه لم يسجل المتوقع منها، أيّ أنها أقلّ مما هو متوقع».

ولم يكد الجميّل ينهي كلمته حتى ردّ عليه وزير المال ​علي حسن خليل​، مشيراً إلى انّ الأرقام التي أوردها النائب الكتائبي غير دقيقة.


وكانت الجلسة بدأت بتحية وجهها الرئيس بري إلى رئيس ​لجنة المال والموازنة​ النائب إبراهيم كنعان وأعضائها على الجهد لإنجاز الموازنة قائلاً «يجب ان يدخل كنعان واللجنة كتاب «غينيس». بعد التحية، اعتلى كنعان المنبر وتلا تقرير اللجنة حول الموازنة.

أجندة ترامب.. تعثّرٌ على معظم الجبهات


صبحي غندور

ما حدث في الولايات المتّحدة الأميركية مؤخّراً من مسيراتٍ طلابية في معظم المدن الأميركية لم يكن أمراً يُستهان به. فصحيحٌ أنّ محور هذه المسيرات كان موضوع العنف المسلّح وفوضى اقتناء الأسلحة واستخدامها في المدارس والجامعات الأميركية، لكن أيضاً رمزت ه ذه الحركة الطلابية إلى حالة من التذمّر الشعبي الأميركي الكبير ضدّ إدارة ترامب، ومن تقاعس أعضاء الكونغرس وخضوعهم لتأثيرات "لوبي صانعي وتجّار الأسلحة".

ومن شاركوا في هذه المسيرات الطلابية، التي ضمّت مئات الألوف من الشباب الأميركي في عدّة ولايات، هم بمعظمهم ممن سيحقّ لهم التصويت للمرّة الأولى في الانتخابات، بحكم أنّ القانون الأميركي يعطي حقّ التصويت لكلّ من بلغ سنّ الثامنة عشرة. وهؤلاء سيكون لهم قدرة على التأثير الفعّال بالانتخابات القادمة في شهر نوفمبر، تماماً كما حدث في العام 2008 حينما استقطبت حملة باراك أوباما قطاعاتٍ كبيرة من الشباب الأميركيين، ممّا ساعد على فوز أوباما آنذاك.

فهي الآن حركةٌ طلابية شبابية تشهدها الولايات المتّحدة، ويدعمها العديد من المعروفين في الأوساط الفنّية والثقافية والسياسية، وهي تسير وفق برنامجٍ نشِط إلى حين الانتخابات القادمة، وتُذكّر الأميركيين بحالة مشابهة حدثت في مطلع عقد التسعينات ضدّ حرب فيتنام التي كان وقودها الكثير من الشباب الأميركي، واستطاعت آنذاك أن تُحدِث تأثيراتٍ سياسية كبيرة في المجتمع الأميركي، وأدّت إلى تعديل حقّ التصويت بالانتخابات وجعله لسنّ 18 سنة بدلاً من سنّ ال21.

وما يعنيه تحرّك الشباب الأميركي أيضاً في هذه المرحلة هو التصادم مع أجندة ترامب التي تقف إلى جانب "لوبي الأسلحة"، والتي هي مدعومةٌ أيضاً من قوى عنصرية في المجتمع الأميركي، بينما مسيرات الطلبة كانت تعبيراً عن رفض العنصرية والتمييز على أساس اللون أو الدين أو الأصول الإثنية. فأجندة القوى الداعمة لترامب تخسر كثيراً الآن وسط الجيل الأميركي الجديد، تماماً كما حصل ويحصل مع المهاجرين الجدد، وخاصّةً مع القادمين من أميركا اللاتينية، وكما هو سوء أمر أجندة ترامب وسط غالبية النساء الأميركيات. وهذه القوى الثلاث: الشباب والمهاجرون الجدد والنساء، هي القوى التي لعبت دوراً هامّاً في سقوط الحزب الجمهوري في انتخابات ال2008 .

أيضاً، فشلت إدارة ترامب في تعديل قانون الرعاية الصحية الذي أقرّته إدارة أوباما، وفشلت حتّى الآن في وضع قانونٍ للهجرة وفي بتِّ موضوع المهاجرين غير الشرعيين المولودين في أميركا، لكن إدارة ترامب نجحت في وضع قانونٍ جديد للضرائب يصفه الكثير من المعلّقين بأنّه جاء لصالح الشركات الكبرى والأثرياء وليس لصالح الطبقة الوسطى والفقراء. وحقّقت إدارة ترامب نصف نجاح في إقرار ميزانية العام القادم، والتي تميّزت بأنّ أكثر من نصفها كان مخصّصاً لوزراة الدفاع حيث بلغت حصّة البنتاغون حوالي 700 مليار دولار، رغم العجز القائم في الميزانية الأميركية، وبعد إلغاء أو تخفيض مبالغ كانت تُخصّص لصالح مؤسّساتٍ اجتماعية وتربوية.

وهذا الفشل أو التعثّر لأجندة ترامب على المستوى الداخلي ترافقه التحقيقات بشأن دور روسيا في الانتخابات الماضية، وما جرى كشفه أيضاً عن فضائح علاقاتٍ جنسية قام بها ترامب قبل وصوله للبيت الأبيض، وهما قضيتان تشكّلان عنصر ضغطٍ يومي على الرئيس ترامب شخصياً وعلى إدارته، ولهما تبعات قانونية وسياسية في المسقبل القريب.

ولعلّ ما سبق ذكره يُعزّز المخاوف من أن يُقدِم ترامب على افتعال أزماتٍ دولية، أو ربّما تورّط عسكري كبير في حروبٍ جديدة، لتغطية ما يحدث من تعثّر وفشل داخلي، ولكي تستعيد إدارته بعضاً من الثقة والتأييد وسط الرأي العام الأميركي. وهذا أسلوبٌ مارسته إدارات أميركية مختلفة حينما كانت تتعثّر أجنداتها الدخلية أو حينما تكون في مأزقٍ سياسيٍّ شديد، باعتبار أنّ الأميركيين يقفون مع رئيسهم، ظالماً أو مظلوماً، حينما تخوض واشنطن حروباً خارجية!.

فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية عام 2016 لم يكن العامل الأساس فيه شخصه، ولا طبعاً مؤهّلاته أو خبراته المعدومة في الحكم والسياسة، بل كان العامل الأساس هو الصراع الدفين الحاصل في المجتمع الأميركي بين المتمسّكين بأميركا الأصولية القديمة، التي قامت على الرجل الأوروبي الأبيض البروتستانتي والعنصري أحياناً، وبين أميركا الحديثة "التقدّمية" التي أصبح أكثر من ثلث عدد سكّانها من المهاجرين من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، والتي فيها التسامح الديني والثقافي والاجتماعي، والتي أنهت العبودية وأقرّت بالمساواة بين الأميركيين بغضّ النظر عن اللون والدين والعرق والجنس، والتي أوصلت باراك حسين أوباما ابن المهاجر المسلم الإفريقي إلى أعلى منصب في الولايات المتحدة. وقد نجحت قوى "أميركا القديمة" في إيصال ترامب إلى "البيت الأبيض" حتّى على حساب مرشّحين آخرين من "الحزب الجمهوري" بسبب قيام حملته الانتخابية على مفاهيم ومعتقدات هذه القوى الأميركية "الرجعية".

وهذه هي المعركة الأخيرة لجماعات "أميركا القديمة"، وهي وإن نجحت في إيصال ترامب للرئاسة، فإنّها لن تستطيع وقف التقدّم الأميركي نحو مستقبلٍ مختلف عن معتقداتها، بسبب طبيعة التغيير الديمغرافي الحاصل داخل المجتمع الأميركي، ولعدم قبول معظم الجيل الأميركي الجديد بالمفاهيم والممارسات العنصرية.

أيضاً، فإنّ ترامب تحالف مع "شيطان" الشركات الكبرى الأميركية التي تتضرّر من المنافسة الصينية العالمية، وحيث لم تستطع هذه الشركات في العقود القليلة الماضية حتّى من وقف المنافسة مع الصين واليابان في السوق الأميركية، فكيف بأسواق العالم كلّه؟!. إضافةً لذلك، يعتمد ترامب على دعم "البنتاغون" له مقابل تعزيز قدرات المؤسّسة العسكرية ودورها في صنع القرار السياسي. ومن مصالح مؤسّسة "البنتاغون" وجود خصم دولي كبير يبرّر تعزيز ميزانيتها ودورها، ولهذا جاءت الإستراتيجية الأمنية الأميركية الأخيرة سلبيةً جداً تجاه روسيا والصين. وكانت هذه القوى الاقتصادية والعسكرية وراء ما شهدناه في فترة حكم أوباما من سعي لتركيز الاهتمام الأميركي على منطقة شرق آسيا، حيث تجاوبت إدارة أوباما إلى حدٍّ ما مع ضغوطات هذه القوى دون الوصول إلى مرحلة القطيعة مع الصين أو روسيا أو اعتبارهما الخصم الأول لأميركا.

إنّ العالم اليوم ليس كما كان في حقبة الحرب الباردة بين معسكر شيوعي وآخر رأسمالي. فعالم اليوم يقوم على المنافسة بين القوى الكبرى التي تختلف أو تتّفق تبعاً لمصالح اقتصادية أولاً وبما يضمن تفوّق هذا الطرف أو ذاك. فليست مشكلة موسكو فقط مع إدارة ترامب الآن، أو مع سلفه أوباما، بل إنّ جذور المشاكل تعود لفترة إدارة بوش الابن، حيث وقف الرئيس بوتين في مؤتمر ميونخ للأمن في العام 2007 محتجّاً على السياسة الأميركية التي كانت سائدة آنذاك. فأولويات روسيا كانت هي أمنها الداخلي، وأمن حدودها المباشرة في أوروبا، وإصرارها على مواجهة أيّة محاولة لعزلها أو لتطويقها سياسياً وأمنياً. وموسكو أدركت أنّ الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج العربي وفي أفغانستان وفي العراق وفي جمهوريات آسيوية إسلامية، هو بمثابّة تطويق شامل للأمن الروسي، يتكامل مع تمدّد حلف "الناتو" في أوروبا الشرقية ومع محاولة نشر منظومة الدرع الصاروخي. وهذه كانت سياسة الدولة الأميركية، ولم تكن فقط سياسة حاكمٍ في "البيت الأبيض"!.

إنّ فترة العام التي قضاها دونالد ترامب حتّى الآن في "البيت الأبيض" كانت كافيةً لكي يُدرك معظم من راهنوا عليه بخطأ مراهنتهم، فلا هو يتمتّع بالمؤهّلات الشخصية لموقع الرئاسة الأميركية، ولا هو بقادرٍ على تنفيذ أجندته الداخلية أو الخارجية التي وعد بها خلال حملته الانتخابية، ولا على مواجهة ما يحيط به حاليّاً من أزماتٍ وتحقيقاتٍ قانونية ربّما ستطيح أيضاً به!.

طبعاً، لا مصلحة عربية فيما هو قادمٌ من سياسة خارجية في أجندة ترامب، وما قد تحمله من مشاريع "حرب" أو "سلام"، فمكتوب ترامب جرت قراءته عربياً من عنوانه ومن مضمونه، وهو واضحٌ جداً!.

مأزق الأزهر بين «أسلمة» داعش و«تكفير» عبد الناصر!


محمد عبد الحكم دياب

مسلسل الأزمات لا يتوقف في مصر، وأزمة الرئاسة والأزهر مثل غيرها من الأزمات التي ينطبق عليها قول «معظم النار يأتي من مستصغر الشرر» ، وكان شيخ الأزهر أحد الرموز المحيطة بالمشير عبد الفتاح السيسي وهو يقدم خريطة طريق 3 يوليو 2013 وقرار عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، والتوترات الأخيرة بين الرئاسة وشيخ الأزهر واكبت طلب تجديد الخطاب الديني، وتباطؤ الأزهر في الاستجابة، وتحفظ «هيئة كبار العلماء» على توثيق الطلاق الشفوي، والامتناع عن تكفير «داعش»، وبمجرد أن وجه السيسي للشيخ عبارة «إنت تعبتني يا مولانا» أشهر صحافيون وكتاب ومقدمو برامج أسلحتهم صوب الإمام الأكبر.

ورائدنا في تناول أزمة الرئاسة والأزهر هو الالتزام بالدستور رغم ما فيه من عوار، وتنص المادة السابعة من دستور 2014 على: «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة؛ يختص دون غيره بالقيام على شؤونه كافة، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء».

وهذه المادة تؤكد أن الأزهر مؤسسة من مؤسسات الدولة، وهو ما درجت عليه كل النظم التي حكمت مصر منذ إنشائه وهناك معلومات متداولة عن الأزهر تحتاج للتدقيق؛ خاصة تلك التي يروجها السلفيون، وتتناولها حلقاتهم والاجتماعات الاسبوعية لفرق الإسلام السياسي، وجماعات العنف المسلح والإرهاب؛ كلها تقلل من شأن الأزهر وتعمل على هدمه وطرح نفسها بديلا عنه؛ على شاكلة جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعُرف الأزهر تاريخيا بـ«جامع القاهرة»؛ حاملا اسم العاصمة الفاطمية الجديدة، وظل يحمل ذلك الاسم حتى القرن التاسع الميلادي، وذكره المقريزي في خططه بذلك الاسم إضافة إلى اسمه الحالي.. فقال عنه وينسب الفضل في إٍقامته ورعايته إلى مؤسسي الدولة الفاطمية، وأضيف إلى جامع عمرو بن العاص في مدينة الفسطاط، وتأسس في 21هـ 641م، وجامع العسكر بمدينة العسكر وتم بناؤه في 133هـ 750م وجامع أحمد بن طولون، وأقيم بمدينة القطائع في 265هـ 879م، ومنذ نشأة الأزهر وهو مقصد طلاب العلم، وكان مسجدا رسميا للدولة الفاطمية ومركزاً لدعوتها الدينية. ومع وصول الخليفة المعز لدين الله إلى القاهرة أقيمت فيه أول صلاة جمعة في السابع من رمضان سنة 361هـ/ 972م، وبدأت فيه أول الدروس الدينية سنة 365هـ/ 975م بإشراف قاضي القضاة؛ أبو الحسن علي بن النعمان القيرواني. وتوالت دروس بني النعمان، وهم من المغرب؛ وقع عليهم الاختيار لنشر الدعوة الفاطمية، واستمروا في ذلك عدة عقود تراجع الاهتمام بالأزهر إبان الدولة الأيوبية لموقفها من الفكر الشيعي ومحاربته، فظهرت مدارس منافسة للأزهر، وانحسر دوره التعليمي لمدة ثلاثة قرون، وتوقفت فيه خطبة الجمعة حوالي قرن، واستؤنفت أيام السلطان بيبرس (1260م ـ 1277م). وزاد الاهتمام به إبان حكم المماليك.. وهم من أعادوا إعماره وتجديده في عهد الظاهر بيبرس.

وحديثا أولته ثورة يوليو 1952 اهتماما كبيرا، وجعلته منه قوة العرب الناعمة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن فوق منبره أعلن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر استمرار القتال ومقاومة العدوان الثلاثى في 1956، وصدر قانون 103 لسنة 1961 بتنظيم الأزهر استهدف تحويله لأكبر وأعرق جامعة إسلامية وأصيب الأزهر ما أصيبت به مصر والعرب والمسلمين، وضعفت منظومة القيم الوطنية والأخلاقية، وتركت بصماتها على كل شيء فيه، واخترقه المال والتشدد والتعصب، ودخلته المفاسد والشرور، وأثر ذلك عليه وعلى تطلعات رجال الأزهر إلى المناصب؛ بما تتطلب من أوراق اعتماد مطلوبة لسادة الغرب وأتباعهم؛ المنتشرين في أنحاء «القارة العربية» والعالم الإسلامي، ووصل الأمر حد تعيين الشيخ أحمد الطيب عضوا بالمكتب السياسي للحزب الوطني المنحل، لأول مرة، وكان يعلم أن الحاكم الفعلي هو «الرئيس الموازي» جمال مبارك، الذي سعى بتعيينه لكسب رجال الدين وشيوخ الأزهر إلى صف «التوريث»، وقد أفشلته ثورة 25 يناير.

لعب الشيخ أحمد الطيب دورا بارزا في «شيطنة» ثورة يوليو وتكفير جمال عبد الناصر، وهو الذي رفض تكفير «داعش» وارتكب خطيئته الكبرى في حق الزعيم الوطني والعروبي الكبير؛ اتهمه الطيب بأنه عادى الإسلام «لأنه طبق الاشتراكية»!!، وهذا افتراء أخرج الطيب عن جادة الحق، وتمادى في رده على محدثه، الذي علق على اتهامه: «أن ذلك اتهام بالكفر»، فعاد وكرر أن نظام عبد الناصر ضد الإسلام!!. ومع ذلك فنحن معه نرفض التكفير، الذي يعني إهدار الدماء وإزهاق الأرواح وترويع الآمنين. وهو حد لم يصل إليه الشيخ الشعراوي كراهيته لثورة يوليو، واكتفى بخطيئة الصلاة ركعتين شكرا لله على هزيمة 1967، وبقوله في حق السادات (27 مارس 1978): وكان وقتها وزيرا للأوقاف على الرئاسة ألا تعمد إلى «التأديب».

ليس من الحكمة تحميل شيخ الأزهر مسؤولية مواجهة الإرهاب، إلا ضمن عمل مؤسسي شامل تتولاه الدولة، وإذا ما تم ذلك فلن نجد لا الطيب ولا غيره مغردا وحده خارج السرب. ولا يمكن إسناد مهام الحكم والسياسة والتشريع للأجهزة السيادية وحدها، ولا لعديمي الخبرة من أهل الثقة، ثم نعلق المسؤولية في رقبة الأزهر.

ومواجهة الإرهاب مسؤولية وطنية تقوم بها الدولة ومؤسساتها السياسية والثقافية والتعليمية والتشريعية والقضائية والاقتصادية والإعلامية والأمنية ومنظمات المجتمع الأهلية

غزة تحفظ حق العودة وتمسك براية يوم الأرض




مسيرة العودة الكبرى التي شهدتها ميادين قطاع غزة يوم امس الجمعة, شكلت لوحة وطنية لا مثيل لها , حيث الوحدة والتعاضد بين أبناء الشعب الفلسطيني بأبهى صوره , ومشاركة شعبية حاشدة ومتنوعة , شملت معظم الفصائل الفلسطينية والشرائح المجتمعية , والجميع يحذوه الآمل بإقتراب العودة والنصر, يهرولون في الطرقات الموصلة لأماكن الإعتصام السلمي , حيث الخيام المنصوبة ترمز لكافة العشائر والعائلات الفلسطينية المهجرة , يتسابق الجميع بلا استثناء إلى إظهار إيمانهم بالعودة وحتمية الإنتصار على هذا المحتل المجرم , سواء كانوا كباراً في السن وشباباً في مقتبل العمر أو أطفالاً يحفظون أسماء بلداتهم الأصلية كما يحفظون أسمائهم وأناشيد الطفولة , شاركن النساء والفتيات أيضا في مسيرات العودة وكن مثالاً للإنتماء لهذا القضية , إلتف حولهن الصغار ليستمعوا إلى قصص البلاد والهجرة , وملخص الحكايات أن لا طريق لنا للعودة الا بتمسكنا بهذا الحق وإنجازه بالقوة فهذا الزمان لا مكان فيه الا للأقوياء .

خرجت هذه الجماهير بعشرات الآلاف إلى ساحات مسيرات العودة الكبرى , تزامناً مع يوم الأرض في ذكراه الثانية والأربعين , في تجديد للعهد الفلسطيني وتوارث للحق والراية الوطنية , فالإنتفاضة الفلسطينية في الجليل في العام 1976م كانت من أجل منع مصادرة الأرض ورفضاً لتهويدها ضمن المشروع الصهيوني تطوير الجليل الذي يهدف إلى التغيير الديمغرافي في تلك المنطقة, ومسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة تأتي لتقول بأن الأرض بعد أكثر من سبعون عاماً من الإحتلال لن تتغير هويتها الفلسطينية , ولن يفلح الإحتلال في مخططاته بتهويد الأرض وتزوير التاريخ وتزييف الواقع , وفشل السياسة الصهيوني في كي الوعي الفلسطيني , حيث أن الذاكرة الوطنية الفلسطينية محصنة من الإختراق ومحاولات التشويه , واليوم وقد خضبت غزة ذكرى يوم الأرض بدماء أبنائها الطاهرة – ما يزيد عن 14 شهيد ومئات الجرحى الأبطال- , فأن عهدة يوم الأرض كإحياء لمعاني التضحية والفداء في ثقافة الأجيال وإستمراراً لمعركة الدفاع عن الأرض المباركة , تنتقل بكل فخر إلى جماهير قطاع غزة , لتكون كما غزة هي دائماً في مقدمة الركب الفلسطيني الساعي لتحرير الأرض وتحقيق العودة إلى الديار الفلسطينية .

ولعل الرسالة الأهم لمسيرات العودة الكبرى اليوم , مفادها أن فلسطين توحدنا , وأن خيار المواجهة مع الإحتلال من أجل إنتزاع حقوقنا هو القاعدة الأفضل للوحدة الفلسطينية الراسخة , فلماذا الإختلاف والتضاد ونحن نملك القضية الجامعة التي يلتف حولها كافة أبنائها والمنتمين إليها , فكلما كانت وجهتنا فلسطين ومقصدنا حريتها وتطهير مقدساتها , فإن قلوبنا تتآلف وسواعدنا تتوحد وجهودنا تتضافر ونسير على قلب رجل واحد بقوة دفع معتبرة نحو إستخلاص الحقوق الفلسطينية من بين أنياب الضباع الصهيونية التي لا تقوى على الصمود أمام صرخة الحق الفلسطيني المدوية .

غزة الجريحة المحاصرة , تتجاسر على جراحها وآلامها , وتخرج رافعة راية فلسطين , مطالبة بحق العودة عبر مسير جماهير هادر , وقف أمامه المحتل الصهيوني عاجزاً مهزوماً , وهو الذي توهم أن حصاره الظالم وقمعه الإجرامي سيشطب من ذاكرتنا حق العودة لأرض فلسطين, وما جرائمه اليوم بإطلاق الرصاص الحي على صدور ورؤوس المشاركين الا خوفاً وخشية مما هو قادم من زحف مليوني نحو فلسطين وعلى كافة الجبهات , محاولاً بهذه الجرائم ردع أبناء شعبنا وتخويفهم من الإقتراب من السياج الحدودي المصطنع ,غزة الباسلة المنتفضة حامية المشروع الوطني ورافعة لكل الوطنيين والثوريين الطامحين للحرية والإستقلال , أليس من الواجب مكافأتها والإبتعاد عن معاندتها والرجوع عن عقاب أهلها ,وإيصال كافة الإحتياجات الطبية فوراً لمستشفياتها وهذا أقل الواجب .

هذا الشعب الفلسطيني البطل الصامد في القدس والمنتفض في الضفة وغزة ,والمتطلع للعودة في مخيمات اللجوء والشتات ,ألا يحتاج من تلك القيادات السياسية المتنفذة أن تتطلع إلى الأهداف الوطنية لهذا الشعب بإتمام الوحدة الفلسطينية وتوحيد المؤسسات السياسية الفلسطينية , وإقرار البرنامج الوطني التحرري الوحدوي , لنستكمل موحدين مشروع التحرير وإنجاز الحرية والإستقلال عبر كنس المحتل عن كامل التراب الوطني الفلسطيني , الرحمة للشهداء الأبرار ونسأل الله أن يسكنهم الفردوس الأعلى والشفاء العاجل للجرحى الأشاوس والخيبة والهزيمة للمحتل الصهيوني .

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر