الراصد القديم

2014/04/01

47 دقيقة هزّت العالم

طاهر محيي الدين

من على منصّة في قاعة سان جورج في مبنى الكرملين، ألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كلمة اعتبرها العالم الأقوى والأكثر جرأة على مستوى الخطب التي يقدمها الرؤساء، إذ استغرقت الكلمة 47 دقيقة وقاطعها الحضور بالتصفيق ثلاثين مرة على الأقل، وأظهر القيصر بوتين خلالها قوة، ليس روسيا الاتحادية إنما الاتحاد السوفياتي، وبدا كأنه يعيد رسم الخرائط العالمية الجدية ويعلن انتهاء حالة القطب الواحد ويعيد أوروبا إلى حجمها الطبيعي الذي آلت إليه إبان الحرب العالمية الثانية مدمرة واهنة، وكان من أهم نتائجها ظهور الولايات المتحدة قطباً عالمياً جديداً. وأراد بوتين في خطابه هذا أن يحطم الوهم الأميركي والغربي معاً، وإبلاغه علانية بأن زمن القطبية الأحادية قد ولّى وبأن روسيا عائدة بقوة، موجهاً إليه الضربة القاضية التي اعتبرها البعض إعلان بداية الحرب الباردة الجديدة، ولربما رأى فيها كثر إعلان حرب عالمية إذا ما اقتضى الأمر ذلك، إذ قال «يفضل شركاؤنا الغربيون وعلى رأسهم الولايات المتحدة ألاّ يملي القانون الدولي سياساتهم العملية بل أن يمليها حكم السلاح»، وأضاف: «يعتقدون أنهم يتمتعون بمكانة استثنائية ويشعرون بأنهم المختارون وبإمكانهم تقرير مصائر العالم وبأنهم وحدهم على حق».

في هذا الخطاب استحضر بوتين فكرتين أساسيتين غالباً ما استخدمهما لحشد الناس والالتفاف حوله، هما:

 1 ـ التذكير بسقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991 وكيف كان الأمر صدمة وكارثة على الجمهور الروسي، وكيف أن الروس ناموا ذات ليلة كانوا فيها في الاتحاد السوفياتي، وكيف أصبحوا على جمهوريات مجزأة بل أكثر شعوب العالم تقسيماً، قائلاً: «ما كان يبدو غير متصوّر أصبح ويا للأسف حقيقة واقعة: الاتحاد السوفياتي انهار».

 2 ـ استطاع القيصر بوتين أن يخلق «فكرته الكبرى» في جمع الناس معاً تحت شعار «إعادة الوحدة الوطنية للروس» وإعادة جمعهم تحت ما يسمى بالاتحاد السوفياتي، مبدياً تحدياً وهجوماً قويين غير مسبوقين بالخطب الرئاسية، إذ أعلن صراحة: إن أردتموها حرباً فاهلاً وسهلاً بالحرب، موجهاً انتقادات حادة ولاذعة إلى من أسماهم بشركائه الغربيين إذ قال: «لسبب غير معروف، ما يسمح به لألبانيين كوسوفو ونحن نحترمهم يحرم على الروس والأوكرانيين والتتار في القرم! عندما استهدفت بلغراد بالقنابل والصواريخ، الأمر الذي أعقبه تدخل حقيقي، هل كان هناك قرار من مجلس الأمن في هذا الشأن يجيز مثل هذه الأعمال؟ لا شيء من ذلك. ثم كانت أفغانستان والعراق وقرارات مجلس الأمن التي انتهكت صراحة في ليبيا حيث بدلاً من تأمين منطقة تسمى حظراً جوياً بدأ أيضاً في القصف. إنها ليست حتى سياسة الكيل بمكيالين، بل هي وقاحة مثيرة للدهشة».

تنافخ الغرب الاستعماري شرفاً وبدأ يصرخ صوناً لعرضه الذي هتكت بكارته على أيدي جنود القيصر بوتين الذي حسم الموقعة بأسرع مما كان يتوقع الناتو وأزلامه، وبدأ محاولة لملمة ماء وجهه الذي أريق بإطلاق فقاعات صابونية لا ترتقي إلى التفاهة، حتى بفرض عقوبات مالية مصرفية على مجموعة من الروس ومساعدي القيصر بوتين، ما استدعى سخرية أحد المساعدين الذي أدرج اسمه في هذه القوائم مخاطباً أوباما: «سيدي الرئيس وماذا عن أولئك الذين لا حسابات مصرفية لهم في البنوك الأميركية؟!».

حوّل أوباما أميركا فعلاً إلى إحدى جمهوريات الموز، بحسب ما قال له ذلك السيئ الذكر جون بولتون أو «العم شنبو» كما سماه سماحة الأمين العام حسن نصرالله في إحدى خطبه المشهورة، فأوباما خسر جميع الحروب التي خاضها على الصعد الديبلوماسية والسياسية والعسكرية وعن بعد، أي وفق نظام الحروب بالوكالة، فهو مدحور في العراق ومسحوق في أفغانستان ومحطم سياسياً وديبلوماسياً وعسكرياً في سورية التي أسقطت بصمودها وتحالفها المتين مع محور المقاومة والاتحاد الروسي أدوات أوباما كلها في المنطقة من حَمَدَي قطر إلى «إخوان» مصر إلى أردوغان اللص وأخيراً وليس آخراً التهاوي الداخلي المتسارع بسبب الصراعات على كراسي الملكية في مملكة الرمال وأذنابها في شبه جزيرة العرب. وبسبب الهزائم المدوية التي منيت بها هذه المشايخ والمعاهر الخليجية بنعال أسود الجيش العربي السوري وراجمات رجال الله في القلمون وريف حمص الغربي وبركة العتيبة من قبلهما، استكمالاً لتطهير الغوطة الدمشقية من عهر الوهابيين وأدواتهم الإرهابية، لجأوا إلى ما أسموه معادلة تسخين الجبهة الجنوبية فقلب حلف المقاومة الطاولة على رؤوس الجميع وغير اتجاه ريح التسخين لمصلحته فأضحى المستهدف في التسخين هو كيان العدو نفسه، فهو من تسخن جبهتاه الشمالية والشمالية الشرقية إذ أرسل حزب الله والاستخبارات السورية الرسائل الأقوى بعمليات نوعية مثل زرع العبوات الناسفة التي استهدفت ضابط الكيان وجنوده، ما أفقد «الإسرائيلي» صوابه فرد بعملية جوية وقصف ما يسمى باللواء 90 للجيش السوري، وللمرة الثانية يتلقى الضربة المدوية على رأسه من خلال بيان أصدره الجيش العربي السوري يفيد بأن مثل هذا العدوان لن يتوقف عند إصدار بيان وربما ستكون نتائجه حرباً إقليمية وربما أكبر من ذلك، وتلك الرسالة تناولها بعض الأغبياء «المعارضين» بكونها الرسالة الدائمة التي تشي بعدم القدرة على الرد، وبكونها مجرد كلام لحفظ بعض ماء الوجه. لكن المهم في الأمر أن الصهيوني والأميركي تلقّفا الرسالة جيداً، ويثبت صحة ما نقول الاستنفار الإعلامي والعسكري والمناورات العسكرية في الجولان التي أقامها كيان العدو والتي تحاكي هجوماً كبيراً من عدة محاور ويشارك فيها حزب الله والجيش العربي السوري والصواريخ الإيرانية. وكشفت دراسات عسكرية «إسرائيلية» أن من المؤكد تعرّض الأرض المحتلة على الأقل إلى 5000 صاروخ يومياً، وهذا لا يمكن للقبة الحديدية أن تصدّ أكثر من 1000 صاروخ منها، وستحظى البقية بأهدافها في أرض فلسطين المحتلة. ويؤكد بعض الضباط والاستخباريين الصهاينة بأن الرئيس الأسد سيقصف تل أبيب بالصواريخ إذا تعرضت سورية أو حزب الله لهجوم «إسرائيلي» محتمل، إضافة إلى الرسالة الواضحة التي بعثت بها العملية النوعية لحزب الله بزرع العبوة الناسفة، وتفيد بأن الحزب جاهز على جميع الجبهات وبأن المقاتلين الذين يشاركون الجيش العربي السوري في حربه على الإرهاب هم جزء منفصل عن أولئك المرابطين على الحدود الجنوبية والمنوطة بهم العمليات في الأراضي المحتلة ومحاربة العدو الصهيوني، كذلك الجيش العربي السوري، فجيشه المخصص للحرب الخارجية على أهبة الاستعداد وجميع الفرق والمقاتلين المعدين لحرب الكيان الصهيوني لم تتأثر معنوياتهم ولا قدراتهم العسكرية البتة، وهم على مسافة أمتار من منصات الانطلاق.

سلسلة الهزائم المدوية في القلمون وريفي حمص واللاذقية وغوطة دمشق مهدت الطريق الأكبر للقيصر في القرم وزادته منعة وقوة وثباتاً، وربما أضحى أشرس من ذي قبل بتثبيت حلفه ودعمه سورية في حربها على الإرهاب، فأطلق بالأمس تصريحاً ليفهمه القاصي والداني، خاصة رعاة الإرهاب في مملكة الرمال بأن «الإرهاب لا بد من أن يقضى عليه في مهده».
تلك السلسلة من الهزائم كوت ظهر ذلك القاطن في البيت الأبيض وأجنابه ودفعته إلى إلغاء القمة مع قوّادي دول مجلس التعاون الخليجي قبل يوم من موعدها. وهي نفسها أرغمت عملاء «إسرائيل» وأميركا في لبنان على قبول البيان الوزاري وتشكيل الحكومة صاغرين، رغم نباحهم الذي علا في مسرح البيال، وهي نفسها التي جعلت الحريري يبلع لسانه عن الكلام الذي كان مفترضاً أن يتأتئ به في ذلك النهار.

السلسلة نفسها دفعت التركي الأردوغاني إلى الدخول بجسده العفن في الهجوم الأخير على منطقة كسب الحدودية ودعمه الناري لتغطية الهجوم الإرهابي، علّه يجد ضالته هناك، هذا التركي المتورط حتى الثمالة في الدم السوري، والذي فقد أكثر من 250 ضابطاً وعسكرياً في الأزمة السورية وللمرة المئة يتلقى هذا اللص الصفعات والنعال التي تدوس رأسه في سورية والتي قضت على عصابته «الإخوانية» أولاً وأحرقت كل خيط أمل له في الاستمرار بالحياة السياسية إلى أبد الآبدين.

إذ بدأنا الحديث بكلام القيصر، فلا بد لنا من ختامه بمسك مما قاله، وهي الفكرة الرئيسية التي تحدد مسار ولايته وطريقة حكمه وخطة عمله. تأملوا فيها كثيراً: «من لا يَحنّ إلى الاتحاد السوفياتي إنسان بلا قلب، ومن يحلم بعودته إنسان بلا عقل».

خطاب مفتوح للسيسي

عبد الحليم قنديل
بدا المشير عبد الفتاح السيسي حزينا مهموما، وهو يلقى آخر خطاب بزيه العسكري، بدا الرجل معانيا كأنه يخلع جلده، فقد عاش عمره بزي الجندية، ومن رتبة الملازم إلى رتبة المشير، وأحب حياة الانضباط والالتزام والإنجاز، ودخل في تاريخ العسكرية المصرية كواحد من أفضل قادتها، وحقق لجيشه العظيم قفزة كبرى في زمن قياسي، وصعد به من المرتبة الرابعة عشرة إلى المرتبة الثالثة عشرة عالميا في عام واحد، بينما المصريون يدعونه بغالبيتهم إلى مهمة أخرى أعقد وأصعب بما لا يقاس، يدعونه إلى موقع رئاسة بلد مثقل بأوجاعه منهك بأوضاعه، يدعونه إلى ترك قيادة جيش متقدم جدا في الترتيب العالمي، وإلى استلام قيادة بلد يأتى دائما في الترتيب المتأخر المخجل، وغالبا بعد المئة وعشرات فوقها في الاقتصاد والإدارة والتنمية البشرية.
حزن الرجل وهمه دليل جدية وإخلاص وإيمان، فقد ظل مترددا لشهور في قبول دعوة الناس إلى الترشح للرئاسة، وحين حسم أمره أخيرا، فقد استخار الله، ودرس كل شيء عن هذا البلد خارج الجيش، وعرف أن المهمة أصعب مما تصور، وأننا لسنا بصدد بلد فيه مشكلات، بل بصدد بلد تحول إلى معضلة، فقد تحلل جهاز الدولة الإداري، وانحطت كفاءته، وتفشى الفساد في عاليه وأسفله، وتهاوت انتاجية الاقتصاد، وتحول غالب ناسه إلى أكلة ‘هياكل الفراخ’، وكان أكثر ما آلمه أن ‘احنا بلد مش لاقية تاكل’ بنص تعبيره الحزين في لقاء مغلق، ونعتمد على تسول الهبات والمساعدات الأجنبية، ونحتاج إلى عشرة أمثال دخلنا القومي الآن، إن كنا نريد العيش بكرامة.
بدت المهمة للرجل صعبة ومعجزة، وتكاد تكون مستحيلة التحقق، ومع ذلك استخار الله، واستفتى قلبه، وشحذ عقله وإرادته، وقبل المهمة بروح الجندية الوطنية الصافية، فليس في الأمر سباق إلى وظيفة، وقد تقلد الرجل أعلى الوظائف، وحاز أعلى الرتب، وليس في الأمر سباق إلى مجد شخصي، ولا إلى شعبية يبتغيها، حاز في قلوب الناس مجدا لم يبلغه عسكري محترف من قبله، وحصل على شعبية لم توهب لأحد منذ زمن جمال عبد الناصر، وكان بوسعه أن يبقى في موقعه الذي لا ينازعه عليه أحد، وأن يحتفظ بمجده وشعبيته، وأن يظل في جيشه الملتزم بتقاليده وعقيدته الوطنية، وانضباطه الصارم، وقد راودته نفسه ـ على ما يبدو ـ أن يفعل، وكان يضيق جدا بكل من يذكر له حكاية الترشح للرئاسة، لكنه انتهى أخيرا إلى قبول المهمة، وعلى غير ما رغبت نفسه في البدء، وحسم أمره قبل أسابيع طويلة من تقديم استقالته وزيرا للدفاع، حسم أمره بروح الجندي الذي يؤمر فيطيع، ويلتزم بالأوامر حتى لو كرهتها نفسه، فقد كان أمر الشعب ظاهرا ملحا عاليا مدويا، ولا يملك هو كجندي أن يدير ظهره، ولا أن يصم أذنيه عن صوت الشعب، وهو يعرف ـ كعسكري محترف ـ أن الشعب المصري هو القائد الأعلى لقواته المسلحة، وأنه ليس بوسع القائد العام أن يعصي أو يعقب على أمر القائد الأعلى، وقد صدع السيسي لأمر الشعب في 30 يونيو، صدع لأمر عشرات الملايين في دراما الخروج الجماهيري الأعظم، وكان لابد أن يصدع لأمر عشرات الملايين التي دعته إلى الحرب الأخرى، فالدستور لا يشترط سوى تزكية خمسة وعشرين ألف مواطن لتقدم شخص إلى سباق الرئاسة، بينما حصل السيسي على تزكية عشرين مليونا ذهبوا إلى صناديق استفتاء الدستور، لم يدع الناس السيسي إلى سلطة، فلديه السلطة الكافية، لكنهم يدعونه إلى حرب هي أم الحروب بامتياز، اسم الحرب ـ ببساطة ـ ‘اعادة بناء مصر’ بنص كلمات السيسي في خطابه الأخير بالزي العسكري.
نعم، اسم الحرب ‘إعادة بناء مصر’، وربما من تحت نقطة الصفر، وعلى طريقة إعادة بناء الجيش المصري بعد الهزيمة الكاسحة في 1967، كانت إعادة بناء الجيش هي حرب عبد الناصر الأخيرة، التي صدع فيها لأمر ملايين 9 و10 يونيو/حزيران الرافضة لتنحيه، وأنجزها بالتمام والكمال قبل أن يلقى ربه، ومن دون أن يشهد عبور جيشه العظيم واقتحامه لخط بارليف، ثم جرت خيانات السياسة لانتصارات السلاح في حرب 1973، كانت خيانات السياسة فاتحة لعصر الانهيار العظيم، فقد كانت مصر تمضي في ‘الطريق السليم’ حتى وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر/ايلول 1970، وبنص تعبيرات السيسي في لقاء مغلق، كانت ‘الخمسينيات’ و’الستينيات’ ـ من القرن العشرين ـ هي عصر النهوض المصري، وتواصل الاندفاع الإيجابي حتى حرب 1973، وبعد الحرب بدأ ‘الانكسار’ بنص تعبير السيسي، ثم تضاعفت معدلات الانهيار في الثلاثين سنة الأخيرة، و’وقعت البلد في الثلاثين سنة الأخيرة’ بنص أقواله، والكلام صريح لا يحتاج إلى ترجمة ولا إلى تأويل، فالسيسي من مدرسة الوطنية المصرية التي ظل اسم عبد الناصر علما عليها، ولا يبدو انه متحمس لما جرى أيام الرئيس السادات، وبالذات بعد حرب 1973، بينما إدانته قاطعة صريحة نهائية لحكم مبارك المديد البليد الراكد، الذي أورث مصر مذلتها الراهنة، وهبط بها من مكانة التنافس مع كوريا الجنوبية في معدلات التنمية والتصنيع والاختراق التكنولوجي حتى حرب 1973، وانتهى بها إلى التنافس مع بوركينا فاسو على مؤشر الفساد الدولي بعد أربعين سنة، انتهت بنا إلى انحطاط تاريخي طويل الأمد، وقعت به مصر من ‘قعر القفة’، وخرجت من سباق العصر، وانتهت إلى تجريف شامل لركائز الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياسة والثقافة، وتحولت مصر إلى ‘عزبة’ و’خرابة’ ينعق فيها بوم الفساد والإرهاب، وإلى أن أفاق الشعب المصرى من غيبوبته الثقيلة بثورة 25 يناير 2011 وموجتها الأعظم في 30 يونيو 2013، صحا الشعب المصري ليجد بلده، وقد تحولت إلى ركام وحطام، يحتاج إلى رفع أنقاضه، وإلى ‘إعادة بناء مصر’ من أول وجديد، وعلى قواعد الاستقلال الوطني والعلم والديمقراطية والتصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية.
وقد يكون تركيز السيسي على مستقبل مصر في محله تماما، فليس المطلوب أن ننشغل بصراعات الماضي، ولا بمعارك ‘طواحين الهواء’ فيه، فالمرء يحتاج إلى أن يفهم ماضيه، وحتى لا يكتب عليه أن يعيش خطاياه مجددا، وكذلك الأمم، فهي لا تكرر تواريخها، ويكفي أن تفهم مغزاها، وأن تتجنب مواضع الزلل التي خبرتها بالتجربة، وأن تلجأ للقطيعة مع أزمنة الانحطاط. والقطيعة مع زمن انحطاطها هو جوهر المهمة التي تنتظر مصر الآن، التي تقاس إليها جدارة أي شخص يتحمل مهام الرئاسة، وتبدو نظرة السيسي صحيحة عموما في ما نعتقد، تبدو قراءته للتاريخ في محلها، فهو يلتقط ما هو جوهري، ويدرك أن ظل عبد الناصر حاضر في مشروع النهوض وإعادة البناء مجددا، ومن دون رغبة في تكرار تطبيقات الخمسينيات والستينيات بالضرورة، فقد تغيرت الظروف، وتغيرت الوسائل، وزادت العلل، وتعقدت الأزمات، ولو عاد عبد الناصر نفسه، فسوف يفعل شيئا مختلفا، ومع الارتباط بجوهر القيم التي تطورت في مدار مدرسة الوطنية المصرية، ومع التسليم بوجود ‘إيحاء عبد الناصر’ في حالة السيسي، وبالذات في تفهم دواعا ظاهرة السيسي كحالة شعبية، مع وجود الإيحاء ظاهرا في الوجدان والصور واللافتات، فإن أحدا لا يطلب منه أن يدير عجلة الزمن إلى الوراء، فلم يعد بناء حزب دولة ـ على طريقة الاتحاد الاشتراكي ـ مما تقبله طبائع اللحظة الديمقراطية، ولم يعد الاعتماد على جهاز دولة ـ تحلل وفسد ـ مما يفيد، والمطلوب: إعادة بناء شاملة في ‘دولة ديمقراطية حديثة’ بنص تعهد السيسي، وهو ما يعني ضرورة صوغ معادلة توازن جديدة بين الدولة والمجتمع، بين الأمن والحرية، بين التشغيل والعدالة، وبين التخطيط الشامل وقواعد السوق الحرة، فليست القصة في وجود برامج أو اقتراحات فنية، وهي موجودة وبكثرة، و’على قفا من يشيل’، لكن الناس يتعاملون معها كمجرد كلام، وقد لا يدعوهم إلى ثقة، وبقدر ما تتوافر عناصر الثقة مع سبق الأفعال للأقوال، ونتصور أن السيسي ـ بعد خلع زيه العسكري ـ ليس في حاجة لمهرجانات المنافقين والانتهازيين و’المصلحجية’، ولا في حاجة إلى صور تعلق له في كل مكان، ويحسن الرجل فعلا لو طلب إزالة الصور كلها، ولو نفض يده من فلول مبارك الذي يحمله مسؤولية هوان مصر ومذلتها، فهؤلاء يتسابقون كأسراب الذباب إلى حملته، وهم ‘طبقات وسخ’ تلوث صورته المضيئة، وربما تكون معركته الأولى ـ في ما نأمل ـ أن يسحق الذباب بالمنفضة.

اسس التكوين للمشروع الإمبراطوري الأمريكي بين الممارسة والتطبيق والممانعة والمقاومة


ياسين جبار الدليمي
عاشت وتعيش الرأسمالية الأمريكية مجموعة أزمات توالدية خانقة نتيجة مفاعيل ميل رسمية متناقضة في توسعها واستثماراتها وانغلاقية نسبية لفرص هذه الاستثمارات داخل الولايات المتحدة أو خارجها والمباشر كلياً مما دفعها للاستثمار غير المباشر في سوق الأوراق المالية (البورصات) والتلاعب تزويراً في الأسهم والسندات والأصول الوهمية حفاظاً على ثبات سعر صرف السهم او الأسهم معاً مما ولد معاناة ملازمة لها منذ عقود وتسعى جاهدة بكل الوسائل لتحقيق قفزة نوعية مشابهة لما اكتسبته بعد الحرب العالمية الثانية وبكل السبل للوصول إليها انتعاشا وهذه الأزمات الخانقة قد أوجدت للرأسمالية الأمريكية تحديات كثيرة تمثلت في :
1-الانحياز نحو اليمين المتطرف الملبي لطموحاتها الهيمنية في اقتصاديات العالم
2-تحطيم ومنع ظهور أي قطب منافس للولايات المتحدة سياسياً – اقتصادياً
3-غمط الحريات العامة والاعتداء على مضامينها المترسخة داخل المجتمع الأمريكي ومن ثم تعطيل او إلغاء المكاسب الاجتماعية
4-تحطيم أي عملة دولية جديدة منافسة في أسواق التداول العالمية (اليورو)
5-العمل على قيادة العالم بهيمنة التفوق العسكري الأمريكي
ومع استلام اليمين المدعوم رأسماليا للسلطة في الولايات المتحدة تحددت المهام الاستراتيجية للرأسمالية ومشروع الإمبراطورية الأمريكية وأهمها :
1-السيطرة المباشرة على منابع النفط العالمي والتحكم بكل عمليات التنقيب والإنتاج والتسويق والأسعار عبر وضع اليد على هلالي النفط العربي الأفريقي والآسيوي ومن خلال السيطرة الجيوسياسية.
2-السيطرة الاقتصادية عبر اقتصاديات السوق الحر والسيطرة المطلقة للدولار كقوة مالية مغطية للديون الأمريكية كونها عملة وطنية أمريكية سواءاً كانت بالتلاعب بقيمتها الأصولية تخفيضاً او إصداراً يغرق سوق التداول بغطاء حكومي
3-السيطرة الثقافية بترسيخ الثقافة الأمريكية ونمطها السلوكي عبر الاستخدام الأمثل للاتصالات وثورة التقنيات المعلوماتية وتخطيها لكل الحواجز والقيود .
ان ظهور المشروع الأمريكي الإمبراطوري مُتبنياً وليداً أيديولوجياً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانحسارية الماركسية اللينينية فهذا الظهور قد جاء بعد مرحلة الرأسمالية العالمية التي أصابها الشلل وتحديد سمتها الاستعمارية بغطاء الديمقراطية والإصلاح ومكافحة الإرهاب بعد أن أُختلق العدو الوهمي (الإسلام) اشتراطاً لعمل هذا المشروع بآليات وجود العدو . فجاءت أحداث (11ايلول) لتكون إشارة الانطلاق لهذا المشروع المؤسس له منذ عقدين فجاء الغزو الأمريكي على أفغانستان ثم العراق . ولا ندري كم ستدفع البشرية لاحقاً من الضحايا والويلات والمعاناة من حروب هذا المشروع ؟ ؟ . فأمام هيجان هذا المشروع نحو النفط ومصادر الثروة وبالاستخدام المطلق وغير المقيد للقوة العسكرية بالشرعية الدولية وانتهاكاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة المنظمة للسلم الدولي والعلاقات الدولية قيادة وهيمنة عسكرية / اقتصادية وبمشروع ثقافي خادم للأهداف المرئية وغير المرئية لهذا المشروع .
إن استحالة طمس التطور البشري والموت الرحيم للنتاج الاجتماعي متمثلاً بالهوية والخصوصية للبشر وللدول القومية. ومشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية هي أولى أدوات البشرية مجابهة لهذا المشروع دونما إغفال إرادة الشعوب والأمم الحية المناهضة لإرادة الرأسمالية الأمريكية فقرون النضال على دروب التحرر والحرية لم تزل في ذاكرة الأمم والشعوب في أوربا / آسيا / أفريقيا / أمريكا اللاتينية .
وإننا نرى مجابهة غير مباشرة لهذا المشروع تتمثل في :-
1- المقاومة الشرسة للقوى الدولية المناهضة لهذا المشروع : أوربا – اليابان – الصين – الهند –البرازيل . وقوى الرفض الشعبية العالمية المتزايدة قوة وتنظيماً وفاعلية ستتجسد في ممانعة ومقاومة قوية .
2- استحالة شطب الحداثة ومفهومها الإنساني وبجوهرها التحصيلي كون الإنسان صانعاً للتأريخ وبإرادته الحرة وليس عبر التسلط والهيمنة او الاندماج العالمي بمفاهيم العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية .
3- التكاليف الداخلية الأمريكية الاجتماعية( الضرائب – المعونات – فرص العمل ) والسياسية ستكون باهضة التكاليف جداً وانعدام احتمالية تسديدها من قبل المواطن الأمريكي فهذه تكاليف الحرب على العراق قد بلغت تكلفتها 165 مليار دولار لمدة سنتين
4- المناهضة السياسية والاجتماعية داخل المجتمع الأمريكي الذي وجد انقلاباً قد حدث على المفاهيم الأمريكية التي قامت عليها الدولة الاتحادية الأمريكية فكرياً وثقافياً في تكوينها وقد صارت مفاهيم الحرية والتحرر وحقوق الإنسان من مقدسات الدستور والإنسان الأمريكي . وبدليل وجود حركة الرفض الشعبية ضد الحرب والهيمنة والانتهاك الفاضح لحقوق الإنسان في سجون العراق داخل تكوينات المجتمع الأمريكي .
5- غياب المضمون القانوني - الأخلاقي في آليات عمل المشروع الإمبراطوري الأمريكي والخرق الفاضح والمنتج ضرراً فاحشاً في الشرعية الدولية وضوابط والتزامات القانون الدولي المنظم للعلاقات الدولية . وللقرارات وآليات عمل منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن من خلال غزو العراق في عالم يراد له العيش بسلام وعيش آمن وأن يكون هذا العالم متحضراً . نعم لقد غابت القانونية والسياسية والأخلاقية لهذا المشروع في السلوك السياسي للإدارة الأمريكية في احتلال العراق .
ان قرار شن الحرب على العراق لم يكن تحت غطاء أي قرار أممي .والذرائع والحجج التي سوغتها الإدارة الأمريكية قد انكشف زيفها رسمياً وعلى حد اعترافات الإدارة الأمريكية نفسها .
فصدام حسين لم يكن هو السبب المباشر لتلك الحجة المسوقة تحت كذبة أسلحة الدمار الشامل وامتلاكها او العلاقة مع القاعدة والإرهاب العالمي فرغم اختلافنا مع صدام وديكتاتوريته فإننا على اختلاف مع دكتاتورية عالمية جديدة نلتمس ويلاتها ليل مساء وصباح نهار على ارض العراق . لكن السبب المباشر للحرب على العراق هو: الوطنية العراقية وحركتها التأريخية المنتجة عربياً المتسمة بما يأتي :-
‌أ- ضد مشاريع الهيمنة السياسية (الأمريكية – الإسرائيلية) واستحقاقات القضية الفلسطينية .
‌ب- ضد مشاريع الهيمنة الثقافية (ثقافة العولمة – او عولمة الثقافة القسرية) .
‌ج- ضد مشاريع الهيمنة الاقتصادية ( بمعطيات الاقتصاد العراقي ثروات وقدرات بشرية واقتصادية هائلة وأهمها النفط برسم آخر برميل عالمي هو برميل نفط عراقي ).
أذن الحرب على العراق قد أخذت بعدين مندمجين معاً البعد السياسي الاقتصادي فنجاح الحرب ونتائجها بتشكيل جديد لعراق يكون قاعدة انطلاق للمشروع الإمبراطوري الأمريكي عالمياً مرهون بالإرادة الوطنية العراقية اولاً وإن إفشاله ليست مهمة عراقية فحسب بل مهمة عربية إسلامية ودولية من حيث كون الحرب وأهدافها هي قضية سياسية لتكون هذه المهمة سياسية واقعية .
فهذه الحرب قد أنفتحت بصفحات متعددة على الساحة العراقية فلم تعد صفحتها الوحيدة المبشر بها إبتداءاً بتغيير صدام وإعطاء الحرية للشعب العراقي وإحلال الديمقراطية لتجر هذه الصفحة إلى صفحات متعددة ولاحقة تجسدت في :
1- تفكيك هياكل دولة العراق ومن ثم إعادة تشكيلها بمواصفات المشروع الأمريكي وتحت التجربة والخطأ بسمة الفساد الإداري والمالي .
2- تفكيك الجيش العراقي وأجهزة قوى الأمن الداخلي ليتحول العراق إلى ساحة للإرهاب الدولي وتصفية الحسابات وبأوراق لاعبة متطابقة ومتضادة يدفع ثمنها الشعب العراقي دماءاً وبإسم الحرية المبشر بها أمريكياً .
3- تفكيك المشروع الوطني الاجتماعي والثقافي بتأسيس البنى التشطيرية وتكريس الانقسامات الأثنية – الطائفية - المذهبية بإسم الديمقراطية وإحلالها على الأرض العراقية إدارياً باسم الفيدرالية .
4- تفكيك الاستقلالية في عملية صنع القرار السياسي والاقتصادي و الثقافي ليقع العراق أرضاً وشعباً واقتصاداً تحت الإدارة الأمريكية وإشرافها المباشر وهذه سمة من سمات العولمة الموشومة بالهيمنة .
5- تفكيك وتدمير البنى الحضارية والثقافية لشعب العراق وسرقة الشواهد الحضارية لبلاد ما بين النهرين التي يتجاوز عمرها اكثر من سبعة آلاف سنة وتم ذلك باحتراف عالٍ واحترافٍ مهنياً عالمياً فلا ندري لمن سجل ريع بيعها وفي حساب من ؟ نعم تم ذلك بشواهد تدمير المتحف العراقي بحكم الخواء الحضاري والعدائية للأمم والشعوب ذات العمق الحضاري وهذه قد تكون عولمة الثقافة او ثقافة العولمة .
نعم إنها حرب مفتوحة ضد الدولة العراقية سواء كان صدام دكتاتوراً أم لا وإنها ضد الاتجاهات السياسية للنظام السياسي الاجتماعي والثقافي بصدام او غيره سياسياً . فالعراق هو الباقي أبداً ودورة الحياة لم ولن تكون محكومة بوجود الحاكم. فالعراق قد حير الطغاة وحير الاستعمار وإفرازاته فلم يزل العراق هو العراق . ان هدف الحرب قد اتضح تطبيقياً بمرامي المشروع الإمبراطوري الأمريكي بأخذ العراق نموذجاً وقاعدة انطلاق إلى الوطن العربي والمحيط الإقليمي ومن ثم العالم بأممية جديد عبر دمج العالم تحت الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية . يقول الباحث الأمريكي توماس بارتيت : (إن دور الإمبراطورية الأول ليس المبادئ والقيم بل نشر العولمة الرأسمالية وفرضها بقوة السلاح في كل أنحاء العالم وعبر خارطة العالم في عالم العمليات العسكرية الخاصة (بالبنتاغون) بما يسمى مركز العولمة الفاعل ، ومن خلال موقعها من عالم : الأفعال – المال – الإعلام . تفاعلاً مع مضمون التدفقات التي تأتي من خلال إدماجها ما هو قومي بما هو اقتصادي عالمي دون إغفال الفجوات غير المندمجة الممتدة من الكاريبي وأفريقيا والبلقان والقوقاز والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وغرب آسيا .
إن طبيعة الإمبراطورية الأمريكية قد حسمت الجدل حول آليات تنفيذ مشروعها سواءاً كان ذلك بإدماج بالقوة او التمدد الديمقراطي في عالم العولمة برؤية أمريكية للعالم من خلال جعل العولمة عالمية حقاً بهدف مركزي وإزالة أي تهديد يواجه أحفاد دعاة العولمة مستقبلاً .
وستكون مرحلة ما بعد العراق متسمة بآليات وأساليب متعددة ذات بعد أحادى وهو نجاح هذا المشروع وحتماً ستكون مرحلة ما بعد العراق محكومة بتنفيذ ما يأتي:
1- استئصال القوى الوطنية والقومية بالقوة العسكرية / الأمنية . الإعتقالات الاغتيالات أو تغييباً – إقصاءاً – تهميشاً .
2- خلق الكيانات السياسية – الاجتماعية – الثقافية والمتطابقة مع الأهداف القصيرة والبعيدة المدى من خلال الدعم السياسي والمادي والإعلامي سواءاً كان باستلام السلطة او المواقع الرئيسية من خلال آليات شبه ديمقراطية وشرعنة ذلك إعلامياً ودولياً اعترافاً أو بإطالة عمر القائمين على السلطة إمساكاً ونفوذاً .
وقد تكون المنطقة العربية ودول الجوار الجغرافي والإقليمي للعراق محطة ثانية في حالة عدم الاستجابة للترتيبات الأمنية والعسكرية الأمريكية في العراق في صفحات التطبيق القائمة في العراق تداخلاً مزدوجاً انطلاقاً من هدفين هما :
الأول :
حماية مصالح الولايات المتحدة تحت شعار الأمن القومي والمصالح القومية الأمريكية وأمن تواجد القوات الأمريكية في العراق من أي تهديد .
الثاني :
الاعتراف بإسرائيل وحمايتها والتطابق مع المصالح والمخططات الإسرائيلية وإعادة هيكلة المنطقة عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير .
وان هذين الهدفين يترشح منهما مقاربة تناقضية وأساسية في السياسة الأمريكية بين الأمني والسياسي المراد له تأصيلاً فلسفياً إستشراقياً تكاملياً بأممية الدمج العالمي في مشروع العولمة .
إن ارتسام المشروع الأمريكي بتفكيك كل الأسس العقائدية القومية والإسلامية وهياكل الدول والأنظمة السياسية والمؤسسات والهيئات الإقليمية بإسم الإصلاح ومكافحة الإرهاب والديمقراطية ، ما هو إلا إرتهان بالسم القاتل عبر المشروع الثقافي في العالم باسم العولمة وتجذيراً بإعادة بناء الأنظمة السياسية بوصاية وابتزاز ديمقراطي وليطال ذلك التكوين القومي العربي والثقافة العربية الإسلامية سواء أكان بإعادة كتابة المناهج الدراسية وحتى العقائد والشريعة الإسلامية بمفاهيم تتطابق مع العولمة الثقافية وبما يخفف المنطقة العربية من الخلايا النائمة والبيئات الحاضنة للإرهاب كما يدعى . وهذا سيكون بأدوات أمريكية عبر آليات تنفيذية وبالوسائل الديمقراطية المحققة للسلام مع الكيان الصهيوني إسقاطاً مسرحياً لاستحقاقات الصراع العربي – الصهيوني والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني . فالتعاون الأمني والسياسي اشتراط ثابت للتعاون الاقتصادي والمساعدات والقروض ومنح صكوك الغفران وشهادات حسن السلوك لأنظمة الحكم .
فإن المبدئية الحاكمة سياسياً للتعاون أمريكياً تقضي بعدم التدخل القومي العربي والانكفاء قطرياً . وانحسار الدور الرعوي والأبوي أمريكياً .
إن الثقافة القومية العربية الإسلامية وعناصر التكوين القومي العربي وبإمتدادات التكوين الاجتماعي للعرب أوأقطاراً قطرية لا يمكن لوسائل التفكيك والتغيير في أنظمة التعليم وإعادة صياغة وكتابة المناهج والنظم التعليمية والتربوية ان تجعل العرب يتخلون عن الجذور الأساسية للعناصر القومية والدينية والثقافية في تكوينهم المعادي لكل أشكال الاستعمار والسيطرة الأجنبية . او أي شكل من أشكال التسلط والظلم والطغيان الداخلي والخارجي فلا يمكن إبداً لوسائل التفكيك المستهدفة لعناصر الروابط القومية العربية النجاح في سلخ جلود العرب المميزة بمكونهم القومي العربي الإسلامي سواءاً كان ذلك على المستوى الجماعي او القطري او طمس وتشويه أفكارهم وثوابتهم الراسخة … إن العرب أمس واليوم وغداً تحت سيطرة وسلطان الثقافة والرابطة القومية العربية بجوهرها الإسلامي فلا يمكن شطبها بصك غفران أو قرار سياسي فوقي يحكم عمق الجذور الروحية والنفسية والفكرية والسلوكية الواسمة للعرب بخصوصية التمييز برسم رفض الهيمنة وعدم المطاوعة للسيطرة الأجنبية وإنغراس الثأرية الوطنية والقومية بوجود محركات المقاومة الشرعية والتكوينية الذاتية المتوالدة والتكييف القانوني الدولي مع المقاومة والإنعتاق على طريق الحرية وتحرر الأمم والشعوب .
فهذه الرابطة القومية العربية المترسخة بوجودها التأريخي ومعطياته الإنسانية بالمقاومة والمجابهة بحكم الواقع المعاصر وهذا من أهم الأسباب في انعدام اللقاء التأريخي مع كل أشكال السيطرة ومع هيمنة العولمة . وهذه المقاومة والمجابهة والممانعة بعمقها وتجذرها الجماهيري تعطي لأنظمة الحكم العربية قوة الدفع والثبات إن أرادت التعاطي ايجابياً بالممانعة او المجابهة السياسية لهذا المشروع بما يتطلب موقفاً سياسياً شجاعاً مواجهاً بوحدة الموقف العربي الموحد على الأسس والثوابت الوطنية بامتدادها القومي العربي .
وهنا إننا نرى بحكم الواقعية وبحكم المسؤولية القومية ان نحدد بما يأتي :-
أولاً : إن الموقف السياسي لا يمكن بيعه في سوق التنازلات الدولية وهذا ان تم فانه يعني بيع الرأسمالي الرمزي للدولة او النظام الحاكم ( ببيع الهيبة / الخطاب السياسي / المصداقية / التماسك التداخلي برسم الانقسامات والتصدعات الداخلية).
ثانياً: ان المطاوعة لمشاريع الهيمنة وما تواجهه الأمة العربية أنظمة حكم وشعوب من تحديات مصيرية وتهديدات قائمة تطال منظومة الحكم العربية سيؤدي بالنتيجة الأولية والنهائية إلى اتجاهين كلاهما مدمر وقاتل
أ- الاتجاه الشعبي : ويتجسد في :-
1- نسف أسس المواطنة .
2- مساومة المواطنين للدولة (نظام الحكم) بالولاء .
3- ترسيخ للتفسخ الوطني والأخلاقية السياسية الواطئة .
ب- الاتجاه السياسي للدولة : ويتجسد في :-
1- ضعف في قيم الأهداف والمصالح الاستراتيجية للدولة .
2- إحداث ضرر فادح في الأهداف والمصالح الاستراتيجية للدولة .
3- إحداث ضرر في هيبة وسمعة وشخصية الدولة المعنوية والاعتبارية في إطار العلاقات الدولية .
ان اندماج هذين الاتجاهين بالمطاوعة من خلال معطيات الواقع العراقي اللبناني سيؤدي إلى اهتزاز أنظمة الحكم العربية بحكم ما يأتي :-
1- انكشاف دول الطوق العربية أمام إسرائيل بفقدها العمق الاستراتيجي الجغرافي
2- وضع سوريا بين المطرقة والسندان لبنانياً وعراقياً بحكم الجار الامريكي في العراق عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً ومعنوياً تجسدياً بالانسحاب السوري من لبنان (وربما غداً الانسحاب السوري من سوريا ) .
3- الترويج للوطن البديل للفلسطينيين وترسيخاً لمفهوم السلام الإسرائيلي بحكم الواقع المعاش والأمر الواقع .
ثالثاً : إن إرادة الممانعة والمجابهة وحتى القتالية ستبقى الإرادة القومية العربية حاضنة ومدخرة لها زمناً طويلاً باعتبارها المقدس في لحظة تأريخية ولصنع البديل التأريخي قومياً للمقاومة في زمن يحكمه التأريخ بقاءاً لمعطيات الامتداد الجماهيري المتوارث مقاومة متوالدة بدماء جديدة لحركة تمرد عربية في عالم المتغيرات المراد له إنشاءاً قسرياً بمفاهيم الهيمنة برداء العولمة من خلال إعادة تكوين وتشكيل الأمة العربية من خلال النخب المؤهلة سياسياً وثقافياً الواقعين تحت تأثير قسم الولاء للجنسية الأمريكية وبروحٍ أمريكية اكثر من الأمريكيين أنفسهم بغطاء استحقاقات التخلف ومهمات الاستقلال وإرساء الديمقراطية والتنمية والتقدم للامة العربية الواجب عليها اشتراطاً القبول بالترتيبات الأمريكية السياسية العسكرية الاقتصادية وأهمها النفط وحتى الإدارية والمعدة سلفاً للتطبيق في الوطن العربي وإني أرى خاتمة نصيحة ميكافيلي للأمير بان يتخلص من الذين سلموه بلدهم

التجربة الناصرية : نحو تقييم اسلامى موضوعي

 
صبري محمد خليل
 
تمهيد : اتخذ الكتاب والمفكرين الإسلاميين المعاصرين موقفين من التجربة الناصرية :

أولا: موقف الرفض المطلق : فهناك أولا موقف الرفض المطلق للتجربة الناصرية :

إقرار السلبيات وإنكار الايجابيات : هذا الموقف لا يرى في التجربة إلا سلبياتها (أخطائها)، وينكر اى ايجابيات (أوجه صواب) لها.

موقف التجربة الناصرية من الدين : كما أن هذا الموقف يرى أن التجربة الناصرية اتخذت موقفا سلبيا من الدين، وبالتالي فان هناك تناقض مطلق بينهما. غير أن هذا الافتراض يتناقض مع حقيقة أن التجربة الناصرية اتخذت موقفا ايجابيا من الدين ، على المستويين النظري والتطبيقي :
ا/المستوى النظري: فقد كانت التجربة الناصرية ذات نظره ايجابيه للدين على المستوى النظري:
• حيث يرى عبد الناصر أن أحد عوامل نجاح نضال الشعب المصري والشعوب العربية والمسلمة الأخرى هو( إيمان لا يتزعزع بالله وبرسله ورسالاته القدسية التي بعثها بالحق والهدى إلى الإنسانية في كل زمان ومكان)( الميثاق الوطني ، 1962 ، الباب الأول)

• كما يرى أن الشعب المصري(يعتقد في رسالة الأديان، وهو يعيش في المنطقة التي هبطت عليها رسالات السماء)( الميثاق ، الباب العاشر).

• كما يرى أن الفتح الاسلامى كان (... ضوءاً أبرز هذه الحقيقة وأثار معالمها، وصنع لها ثوباً جديداً من الفكر والوجدان الروحي، وفي إطار التاريخ الإسلامي، وعلى هدى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، قام الشعب المصري بأعظم الأدوار دفاعاً عن الحضارة الإنسانية.. ثم كان قد تحمّل المسؤولية الأدبية في حفظ التراث الأدبي العربي وذخائر الحافلة، وجعل من أزهره الشريف حصناً للمقاومة ضد عوامل الضعف والتفتت)(الميثاق ، الباب الثالث).

• كما يرى أن الإسلام هو الذي وحد الامه العربية (واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت تحت رايات الإسلام تحمل رسالة السماء الجديدة – الإسلام – وتؤكد ما سبقها من رسالات وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عبادة إلى الحق) ( خطاب أمام مجلس الأمة في 5/2/1958)
• كما يرى عبد الناصر أن هناك عدو واحد للعرب والمسلمين هو الاستعمار، ومرض واحد هو الفرقة والتخلي عن الجهاد (يجب أن نعرف أن العالم العربي والعالم الإسلامي يقفان اليوم أمام عدوّ واحد، ويتهاويان أمام مرض واحد. أما عدوّنا فهو الاستعمار، وأما مرضنا فهو الفرقة والتخلي عن الجهاد في سبيل الله.. كما يجب أن يؤمن العرب والمسلمون بأن عهد اللغو والكلام قد انقضى، وأن عهداً جديداً يجب أن يبدأ، عهداً قوامه إيمان بالله، وعماده العمل في سبيل الله) ( خطاب أمام المؤتمر العربي الإسلامي في 26/8/1953).

• ويؤكد على المبادئ السامية للأعياد الدينية (إننا أشدّ ما نكون حاجة المبادىء السامية والمثل العليا التي تقوم عليها أعيادنا، ونحن نجتاز معركة تحرير البلاد، فإن كنا قد احتفلنا بعيد الفطر المبارك عيد الصوم والصبر والجهاد فإننا نحتفل اليوم بعيد الطاعة والتضحية. هذا العيد الذي يحمل معنى التضحية بالمال والنفس والروح في سبيل الله) (خطاب بمناسبة عيد الأضحى المبارك بتاريخ19/8/1953).
• كما يحدد في كتاب فلسفة الثورة (1953) الدوائر الثلاث التي يرى أن مصر تنتمي إليها،وأن دورها الخارجي يجب أن يتوزع بينها، فيراها أولا في الدائرة العربية وثانيا في الدائرة الأفريقية وثالثا في الدائرة الإسلامية، ولدى حديثه عن انتماء مصر للدائرة الإسلامية يربط بينه وبين الدور التحرري لمصر خلال المراحل التاريخية القديمة التي مر بها ذلك الانتماء، كما يتحدث عن الحج بوصفه قوه توحيد سياسيه بالاضافه إلى كونه فريضة دينيه (حين أسرح بخيالي إلى هذه المئات من الملايين الذين تجمعهم عقيدة واحدة، أخرج بإحساس كبير بالإمكانيات الهائلة التي يمكن أن يحققها تعاون بين هؤلاء المسلمين جميعاً، تعاون لا يخرج عن حدود ولائهم لأوطانهم الأصلية بالطبع، ولكنه يكفل لهم ولإخوانهم في العقيدة قوة غير محدودة)..
• كما يرى عبد الناصر أن الإسلام هو الحل الاول والأخير لمشكله العلاقة بين الفرد والمجتمع ( ... ومشكلة الفرد والجماعة التي حيرت المفكرين والفلاسفة في أوروبا منذ قرون ، وجدت الحل الصحيح في بلادنا العربية والإسلامية منذ ألف وثلاثمائة سنة ، منذ نزل القرآن على محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وسلم) يدعوا إلى الأخوة الإنسانية ، ويفصل مبادئ العدالة الاجتماعية على أساس من التراحم والتكافل الأخوي والإيثار على النفس في سبيل النفع العام للجماعة ، بغير طغيان على حرية الفرد ولا إذلال له ولا إنكار لذاتيته .. " إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.." ذلك هو النظام.. فليكتف المفكرون والفلاسفة بما بذلوا من جهد، ولا يبحثوا منذ اليوم عن حلول أخرى لمشكلة الفرد والمجتمع.. عندنا الحل.. الحل هو الذي نزل به الوحي على نبينا منذ ألف وثلاثمائة سنة.. هو الحل الأخير لمشكلة الإنسانية ) (مقال بعنوان "الحل الأول هو الحل الأخير"، العدد 5 من سلسلة اخترنا لك "العدالة الاجتماعية وحقوق الفرد"، أول يوليو 1954، طبع دار المعارف)

ب/المستوى التطبيقي:كما اتخذت التجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين على المستوى التطبيقي تمثل في الكثير من المظاهر أهمها: زيادة عدد المساجد فى مصر من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970 ، ( عشرة ألاف مسجد )، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بنيت فى مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد عبد الناصر. وجعل مادة التربية الدينية مادة إجبارية يتوقف عليها النجاح أو الرسوب كباقي المواد لأول مرة في تاريخ مصر. وأنشأ مدينة البعوث الإسلامية التي كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين القادمين من سبعين دولة إسلامية ويقيمون فيها مجانا. وأنشأ منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت كل الشعوب الإسلامية . وترجمة القرآن الكريم إلى كل لغات العالم . وإنشاء إذاعة القرآن الكريم. وتسجيل القرآن كاملا على أسطوانات وشرائط للمرة الأولى فى التاريخ وتم توزيع القرآن مسجلا في كل أنحاء العالم . وتنظيم مسابقات تحفيظ القرآن الكريم على مستوى الجمهورية ، والعالم العربي ، والعالم الاسلامى. ووضع موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي والتي ضمت كل علوم وفقه الدين الحنيف في عشرات المجلدات وتم توزيعها في العالم كله. وبناء آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر ،و افتتاح فروع لجامعة الأزهر فى العديد من الدول الإسلامية،بالاضافه إلى بعثات الأزهر لنشر الإسلام فى أفريقيا وأسيا ، ومسانده الدول العربية والإسلامية فى كفاحها ضد الاستعمار.وإصدار قانون تحريم القمار ومنعه .و إلغاء تراخيص العمل الممنوحة للنسوة العاملات بالدعارة.(الدين والدولة والثورة : رفعت سيد أحمد، النبي والفرعون : جيل كيبل،المؤامرة ومعركة المصير : سعد جمعة،تقرير مجلس الكنائس العالمي لعام 1974،تقرير الحالة الدينية فى مصر عام1982 ، الإسلام فى عهد جمال عبد الناصر : عمرو صابح)
قضيه تكفير الحكام : كما أن بعض أنصار هذا الموقف قاموا بتكفير جمال عبد الناصر - كما كفروا غيره من الحكام - استنادا إلى: 
أولا: قوله تعالى( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )(المائدة:44) ، وقد اتخذ الخوارج هذه الآية أيضا حجة لتكفير الحكام والخروج عليهم،وما عليه أهل السنة هو وجوب التمييز بين عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به فهو ظلم او فسق، وعدم الالتزام بالشرع مع إنكاره فهو كفر بدليل قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [5 /المائدة /45]. { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [5 /المائدة /47]. روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قال: من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق. (أخرجه الطبري في جامع البيان بإسناد حسن. سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الحكم بغير ما أنزل الله).لذا ينسب لابن عباس في رده على الخوارج " إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراًً ينقل عن الملة: كفر دون كفر"
يقول الشيخ الألباني )وقد جاء عن السلف ما يدعمها، وهو قولهم في تفسير الآية: «كفر دون كفر( صحّ ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ثم تلقاه عنه بعض التابعين وغيرهم) ، وما هو ثابت ان جمال عبد الناصر لم ينكر الشرع في اى من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة ، كما لم يكن الخلاف بينه وبين سيد قطب وقطاع من جماعه الإخوان، حول إنكار أو عدم إنكار الشرع ، ولكنه انحصر في أن عبد الناصر كان يرى أن تحرير المنطقة من كافه أشكال الاستعمار القديم والجديد و الاستيطاني، سابق على التطبيق الشامل للنظام القانوني الاسلامى ، بينما كان سيد قطب و قطاع من جماعه الإخوان يقولون بوجوب التطبيق الفوري والشامل للنظام القانوني الاسلامى بصرف النظر عن الظروف المحيطة بالمنطقة. مع ملاحظه أن قطاع من الحركات الاسلاميه ، تبنت لاحقا موقف يقارب موقف عبد الناصر، والقائم على وجوب تحقيق الاستقرار لتهيئه الوضع لتطبيق النظام القانوني الاسلامى، واستنادا إلى قاعدة النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ، والتي تستنبط من أن الرسول " صلى الله عليه وسلم" لم يقم الرسول حدا قط في غزو، بدليل ما رواه بسر بن ارطاه من انه وجد رجلا يسرق فجلده ولم يقطع يده وقال: نهانا الرسول عن القطع في الغزو، و روى عن عمر النهى عن اقامه الحد وقت الغزو ، و قرر الأكثرون انه لا يقام الحد على المحارب أثناء الحرب خشيه ان يلحق بالأعداء (محمد أبو زهره ، الجريمة والعقوبة، ص 324 ).هذا مع ملاحظه أن الدولة في عهد عبد الناصر قدا قرت بالإسلام كدين للدولة على المستوى الدستوري، كما أصدرت الكثير من القوانين الاسلاميه .

ثانيا: أن جمال عبد الناصر استعان بالروس واشترى الاسلحه من تشيكوسلوفاكيا الشيوعية آنذاك ، غير ان الاستعانة بغير المسلم على غير المسلم ( وهو آنذاك الاستعمار القديم" بريطانيا وفرنسا.." والجديد "أمريكا"،والاستيطاني"إسرائيل") ليس قاعدة أصوليه يكفر مخالفها، بل هي قاعدة فرعيه خلافيه لذا نجد ان فيها مذهبين: الأول يقول بالإيجاب وهو مذهب الْحَنَفِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ , وَالشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ الْمُنْذِرِ , وَابْنَ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ إلَى جَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ بغير المسلم فِي قِتَالِ غير المسلم عِنْدَ الْحَاجَةِ .ومن أشكال الاستعانة بغير المسلم أخذ السلاح منهم، سواء كان بيعا، أو إعارة ومن ذلك استعارة الرسول صلى الله عليه وسلم، أدرع صفوان بن أمية، كما حديث جابر الطويل في قصة غزوة حنين ( الحاكم في المستدرك، برقم "4369" ) ، والثاني يقول بالمنع: هو مذهب الْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا ابْنَ حَبِيبٍ , وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , مِنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْجُوزَجَانِيُّ .

التقييم الذاتي للتجربة : هذا الموقف من التجربة الناصرية، والقائم على الرفض المطلق ، هو شكل من أشكال التقييم الذاتي للتجربة الناصرية ، من حيث هو في غالبه رد فعل عاطفي ، على الموقف السلبي للدولة في عهد عبد الناصر من جماعه الإخوان المسلمين، وكمحصله للصراع الذي دار بينهما ، ودون فهم صحيح لطبيعة هذا الصراع. وقد رفض الإسلام التقييم السلبي للأشخاص والأحداث ، كما في قوله تعالى(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).

طبيعة الصراع بين عبد الناصر وجماعه الإخوان المسلمين :

* ان الصراع بين جماعه الأخوان المسلمين وجمال عبد الناصر لم يكن صراعا دينيا بين مسلمين وكفار، بل صراع سياسي ، هذا التقرير مبنى على تقرير أهل السنة أن الامامه ( السلطة) من فروع الدين وليست أصل من أصوله ( بخلاف الشيعة الذين قرروا أن الامامه من أصول الدين وبخلاف الخوارج الذين كفروا مخالفيهم). كما هو مبنى على عدم نفى القران صفه الأيمان عن الطوائف المتصارعة" وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت أحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلي أمر الله". كما هو مبنى على أن الصحابة اختلفوا في مسالة السلطة إلي حد القتال(على بن أبى طالب ومعاوية- على وعائشة... رضي الله عنهم) دون أن يكفر احدهم الأخر. وقد اقر عدد من الكتاب الإسلاميين وكتاب الإخوان المسلمين بهذا الأمر يقول حسن دوح ( أن تصوير خلافنا مع عبد الناصر على انه جهاد بين جماعه مسلمين وجماعه كافرين تصوير خاطئ، والأولى أن تقول انه كان خليطا لعب الجانب العقيد فيه دورا تمثله جماعه الأخوان المسلمين والجانب الحزبي دورا أخر، ولم يخل من الجانب الشخصي) ( الإرهاب المرفوض والإرهاب المفروض، بدون تاريخ، دار الاعتصام، القاهرة، ص 39). ويقول ناجح ابراهيم (أصل الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر هو اعتقاد كل منهما أنه الأجدر والأحق بالسلطة والحكم في مصر.. فعبد الناصر ومن معه كانوا يرون أنهم الأجدر بالسلطة والحكم باعتبار أن الثورة ثورتهم وأنهم الذين تعبوا وغامروا بحياتهم فيها وأن الإنجليز لن يسمحوا للإخوان بحكم مصر. أما الإخوان فكانوا يرون أنهم أصحاب فكرة الثورة من الأصل وأن عبد الناصر وعامر وغيرهما كانوا من الإخوان المسلمين الذين بايعوا على المصحف والسيف.. وأن هؤلاء الضباط صغار لا يصلحون للحكم.. وأن الإخوان هي القوة الرئيسية التي وقفت مع الثورة وهم الأجدر بالحكم والسلطة. ولذلك نشأ الخلاف بينهما وازداد وتوسع.. ولم يكن الخلاف أساسا على الدين أو الإسلام أو حرية الدعوة.ولكنه انحصر أساسا في ظن كل فريق منهما أنه الأجدر بالحكم ..وظل يتطور هذا الخلاف حتى وصل إلى مرحلة التصفية الجسدية متمثلة في حادثة المنشية سنة1954 والتي قابلها عبد الناصر بكل قوة وقسوة واعدم ستة من قادة الإخوان والنظام الخاص.)( جمال عبد الناصر فى فكر داعية). ويقول د.عبدا لمنعم أبو الفتوح عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين فى الحلقة الأولى من مذكراته «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر» التي تنفرد «الشروق» بنشرها (ورغم أن نظرتي تغيرت تماما عن جمال عبد الناصر فلم تصل يوما إلى تكفيره، فقد كنت أرى أنه من الصعب أن نقول إن جمال عبد الناصر كان ضد الإسلام أو عدوا له كما كتب البعض، ومازلت أرى أن الصراع بينه وبين الإخوان كان صراعا سياسيا في الأساس بدليل أنه استعان بالعديد من رجالهم في بداية الثورة كوزراء مثل الشيخ الباقورى والدكتور عبد العزيز كامل...)

*وتأكيدا لذلك نجد أن الاختلاف بين عبد الناصر والإخوان المسلمين جاء بعد اتفاق، اى انه لم يكن اختلاف مبدئى، حيث يرى المستشار الدمرداش العقالي, أحد القيادات الاخوانيه, أن جمال عبد الناصر هو نبتة إخوانية منذ الأساس، وانه بايع حسن البنا المرشد العام للحركة منذ عام1942,, ويقول المستشار مأمون الهضيبي ان جمال عبد الناصر حلف على المصحف والسيف لمبايعة الإخوان . كما يقر جمال عبد الناصر في 18 نوفمبر 1965 بأنه كان على صله بجماعه الإخوان المسلمين دون أن يكون عضوا فيها ( انا قبل الثورة كنت على صلة بكل الحركات السياسية الموجودة في البلد، يعني مثلاً كنت اعرف الشيخ حسن البنا لكن ما كنتش عضو في الإخوان). وفى كل الأحوال ضم تنظيم الضباط الأحرار ضباطاً ينتمون فكريا إلى الإخوان المسلمين ككمال الدين حسين ، كما أيد الإخوان عبد الناصر عند قيامه بالثورة، وبعد قيامه بالثورة، وكانوا أول أعوانه، بل كانوا سنده الشعبي البارز، حتى دب الخلاف بين الطرفين .و في الذكرى الأولى للاستشهاد حسن البنا وقف عبد الناصر على قبره مترحما واستمرت الإذاعة في تلاوة القران طوال اليوم وقف عبد الناصر قائلا " كان حسن البنا يلتقي مع الجميع ليعمل الجميع في سبيل المبادئ العالية والأهداف السامية، لا في سبيل الأشخاص ولا الأفراد ولا الدنيا...وأُشهد الله أنني أعمل -إن كنت أعمل- لتنفيذ هذه المبادئ، وأفنى فيها وأجاهد في سبيلها" , وعقب الثورة أقام نادي الضباط حفلا لتكريم سيد قطب افتتح بتلاوة للقران الكريم وكان من ضمن المداخلات كلمة لعبد الناصر ووجهها لسيد قطب قائلا : " "أخي الكبير سيد والله، لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا، جثثا هامدة، ونعاهدك باسم الله، بل نجدد عهدنا لك، على أن نكون فداءك حتى الموت" استمرت العلاقة على كامل ودها بين عبد الناصر والإخوان حتى عام 1953 عندما استقال سيد قطب من وظيفته كرئيس لهيئة التحرير ( أهم منصب مدني في الحكومة المصرية في تلك الفترة .
موقف التجربة الناصرية من الشيوعية (الماركسية) : وقد استند بعض أنصار موقف الرفض المطلق للتجربة الناصرية ،على افتراض مضمونه أن هناك تطابق بين التجربة و الفكر الناصريين والشيوعية (الماركسية) ، وقد استند هذا افتراض الخاطئ إلى استخدام التجربة والفكر الناصريين، للعديد من المصطلحات الماركسية ، لكن المدقق في هذه المصطلحات يجد إنها استخدمت فى التجربة والفكر الناصريين، للدلالة على معاني مختلفة تمام الاختلاف عن معانيها في الماركسية،كما ان عبد الناصر قد صرح مرارا بأوجه اعتراضه على الماركسية ومنها إنكار الأديان واعتبار أن العنف هو الوسيلة الوحيدة للتغيير ، وأسلوب حل الصراع ، وقد اقر عدد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين بتمايز التجربة و الفكر الناصريين عن الماركسية يقول د.يوسف القرضاوى ( ومن قرأ "الميثاق" الذي يمثل فكر عبد الناصر وجد فيه رشحات من الفكر الماركسي في مواضع شتى، ولكن لا نستطيع أن نصف الميثاق بأنه ماركسيّ تماما)، ويتحدث د.ناجح ابراهيم عن أخطا عبد الناصر فيقول (ومنها أنه سلم الإعلام و الثقافة كغنيمة باردة لليساريين و الشيوعيين الذين حولوا أدوات التوجيه كلها لصالحهم و ما يصب في خدمه أفكارهم)، فهو هنا يتحدث عن الشيوعيين كقوة سياسيه وفكريه متمايزة.
موقف التجربة الناصرية من العلمانية : كما استند بعض أنصار موقف الرفض المطلق للتجربة الناصرية على اقتراض مضمونه أن التجربة الناصرية تبنت العلمانية كحل قدمته أوربا الليبرالية، ضمن ظروف تاريخيه خاصة، لمشكله العلاقة بين الدين والدولة، يقوم على الفصل بينهما،غير ان هذا الافتراض يتعارض مع حقيقة أن التجربة الناصرية على المستويين النظري والتطبيقي - تناقضت مع العلمانية ، فعلى المستوى النظري نجد – من الناحية الشكلية- أن عبد الناصر لم يستخدم مصطلح علمانيه في اى من خطاباته الشفهية أو وثائقه المكتوبة ، يقول مخلص الصيادي(من الناحية الشكلية ليس في تاريخ الناصرية وفق علمي ما يشير إلى تبنيها للعلمانية من حيث المصطلح ، ولم تثر هذه القضية في تاريخ الناصرية ، ولا يعرف أن جمال عبد الناصر أتى عليها، على الرغم من أنها كانت مثارة بقوة وبوضوح في المجالين الإسلامي بالنموذج التركي، والعربي بالنموذج البورقيبي)( مخلص الصيادي ، الناصرية والدين ، منتديات الفكر القومي العربي) ، هذا فضلا عن رفض عبد الناصر لمضمون العلمانية في بعض الخطابات والوثائق، حيث يقول مثلا سنة 1963 (الإسلام دين التطور والحياة، والإسلام يمثل الدين ويمثل الدنيا، لا يمثل الدين فقط. هذا فضلا عن أن اتخاذ التجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين ، على المستويين النظري والعملي- كما سبق ذكره- يتناقض مع كون العلمانية تتخذ موقفا سلبيا من الدين، على الأقل على مستوى الدولة كممثل للمجتمع .
انتفاء التقييم الموضوعي: كما أن بعض أنصار موقف الرفض المطلق للتجربة الناصرية، يتجاوز التقييم الموضوعي لأفكار وأفعال جمال عبد الناصر رحمه الله، إلى سب شخصه ، وهو ما يتعارض مع تقرير الشرع تحريم سب الأموات وهو ما يستفاد من النصوص الواردة فى تحريم سب المسلم على الإطلاق دون تمييز بين الأحياء و الأموات ، كما في قول الرسول( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ ): ( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ ) (رواه الشيخان و غيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) . كما يستفاد من النصوص الواردة في تحريم سبِّ الأموات على الخصوص ،ومنها: روى البخاري و النسائي و أحمد عَنْ عَائِشَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا )قَالَتْ : قال النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ) ، و قد بوَّب البخاري على هذه الحديث في الصحيح ، فقال : ( باب ما ينهى من سبِّ الأموات ) ، وروى ابن حبان بإسناده إلى زياد بن علاقة أنه سمع المغيرة بن شعبة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء ) [ صحيح ابن حبان : 3022 ] . أما استدلال البعض ببعض النصوص التي تفيد ذكر بعض الأموات بالشر لتبرير سب الأموات ، فهو استدلال خاطئ ، لان الذكر بالشر غير السب ، كما أن الذكر بالشر يكون في من ثبت شره من الكفار والمنافقين ، يقول الإمام المناوي في فتح القدير : ( السب غير الذكر بالشر ، و بفرض عدم المغايرة فالجائز سب الأشرار و المنهي سب الأخيار ) .
ثانيا:الموقف النقدي (التقويمي) : وهناك ثانيا الموقف النقدي (التقويمي) للتجربة الناصرية ، والقائم على أن التقييم الصحيح لاى تجربه ، هو التقييم الذي يتجاوز كل من موقفي القبول المطلق والرفض المطلق ، إلي الموقف النقدي القائم على البحث عن أوجه الصواب (الايجابيات) وأوجه الخطأ (السلبيات ) ، بهدف اخذ الصواب ورد الخطاْ .

التمييز بين النقد والنقض: وهنا يجب التمييز بين النقد والنقض فالنقد لغة: تمحيص الدنانير الصحيحة من الزائفة ، و نقد الشعر والكلام نظر فيه ، وميز الجيد من الرديء (معجم متن اللغة)، والنقد اصطلاحا : هو موقف معرفي قائم على قبول ما هو صواب في الراى، ورفض ما هو خطأ فيه، أما النقض فهو ما يقابل الرفض المطلق .

الإسلام والمنهج النقدي: وقد دعي الإسلام إلى الالتزام بالموقف النقدي، بعد تقييده بمعايير موضوعيه مطلقه، هي النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، قال تعالى: ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) ، وقال الرسول ( صلى الله عليه وسلم) (لا يكن أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسئت، بل وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا،وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم)، ، والموقف النقدي هو الموقف الحقيقي لعلماء الإسلام كابن تيمية الذي يقول في التصوف على سبيل المثال (لأجل ما وقع في كثير من الاجتهاد والتنازع فيه، تنازع الناس في طريقهم فطائفة ذمت (الصوفية والتصوف) وقال أنهم مبتدعون خارجون عن السنة ... وطائفة غلو فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. ..).

الموقف النقدي اتجاه التجربة الناصرية : وبناءا على هذا الموقف النقدي يمكن القول بان للتجربة الناصرية أوجه صواب (ايجابيات) وأوجه خطا (سلبيات). من هذه الايجابيات أنها إقليميا وعالميا حولت مصر إلى القيادة الدولية لحركة عدم الانحياز، والمركز المرموق بين قادة التحرر العالمي، والثقل الاجتماعي والثقافي والسياسي العربي..كما أنها داخليا اتخذت خطوات كبيره تجاه تحرير الفلاحين والعمال من الاستغلال، وتحرير الفقراء الكادحين من العوز، و الاستقلال الاقتصادي والتخطيط الشامل والتنمية مطردة التقدم ... ومن سلبيات التجربة : المحاكم الاستثنائية ،وما أصدرته من أحكام منها أحكام بالإعدام ، و تحويل زنازين المخابرات العامة والبوليس الحربي إلى أماكن تعذيب وسجون ، وهزيمه 1967...مع ملاحظه أن جمال عبد الناصر هو أول من انتبه إلى هذه الأخطاء ، واقر بها ، وحاول تصحيحها قبل وفاته عام 1970، بمحاكمه المسئولين هذه الممارسات السالبة ، واعاده بناء الجيش المصري، وحرب الاستنزاف... و ما يمكن أن يستخلص من هذه السلبيات الاتى : أولا : أن ايجابيات التجربة الناصرية تفوق سلبياتها كما وكيفا .ثانيا : أن جمال عبد الناصر نفسه اقر بأخطاء(سلبيات) التجربة، وحاول تصحيحها حتى وفاته عام 1970 ، بمحاكمه المسئولين هذه الممارسات السالبة ، واعاده بناء الجيش المصري، وحرب الاستنزاف...ثالثا : أن سلبيات التجربة تتصل بوسائلها أكثر من غايتها ، ذلك ان التجربة الناصرية استهدفت تحقيق جمله من الغايات والأهداف ، هي محل اتفاق بين القوى الوطنية والقومية، ولكن كانت الوسيلة لتحقيق هذه الأهداف هي نقطه ضعفها، هذه الوسيلة هي جهاز الدولة والبيروقراطيين ،هؤلاء البيروقراطيين هم الذين لطخوا ثوب ثوره يوليو بما علق بها من نقاط سوداء ، وهم الذين ارتدوا بها عن مسارها في عهد الرئيس أنور السادات فانتقلت إلى خانه التبعية إلى الولايات المتحدة الامريكيه، والتطبيع مع العدو الصهيوني....

نماذج للموقف النقدي من التجربة الناصرية عند الكتاب والمفكرين الإسلاميين : وفيما يلي نعرض لنماذج من الموقف النقدي (التقويمي) من التجربة الناصرية عند الكتاب والمفكرين الإسلاميين :
أولا: الإقرار بالسلبيات والايجابيات : حيث اقر العديد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين بوجوب الإقرار بايجابيات (أوجه الصواب) التجربة الناصرية ، بجانب الإقرار بسلبياتها ( أوجه الخطأ فيها ) ، وعلى سبيل المثال يقول ناجح إبراهيم القيادي بالجماعة الاسلاميه بمصر( إن مسألة الحكم على (جمال عبد الناصر) أو غيره من الشخصيات العامة يرتبط ارتباطا وثيقا بالثقافة غير الموضوعية السائدة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. تلك الثقافة التي تجعل من العاطفة هي المتحكم الأوحد في تقييم الرجال والحكم عليهم.. فتميل بهم إلى أقصى اليمين تارة، وإلى أقصى اليسار تارة أخرى.. ومحال أن تكون العواطف حكما عدلا في موازين الرجال. إن الإنصاف والموضوعية يقتضيان أن ننحي العواطف جانبا عند الحكم على الأشخاص.. وأن نزن الناس بميزان الحسنات والسيئات.. وألا تحملنا العداوات الشخصية، أو الوقوع تحت وطأة الظلم على الحيف في أحكامنا.. مصداقا لقول الله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى), لقد تعرضت الحركة الإسلامية في مصر- ممثلة في جماعة الإخوان المسلمين- إلى نوع من الظلم الفادح على يد عبد الناصر وأركان حكمه.. وذاقت على يده شتى صنوف التعذيب.ولكن ذلك لا يصح أبدا أن يكون مبررا لغمط حسنات عبد الناصر أو إغفال الإنجازات التي أنجزها لوطنه.. أو تصويره وكأنه حاكم بلا حسنات.. أو كأنه شيطان رجيم. كما لا يصح أن يرفعه البعض إلى مرتبة الأنبياء المعصومين.. فهو حاكم من البشر يخطئ ويصيب، وله إيجابيات كما أن له سلبيات.ومن خلال هذه النظرة الموضوعية ينبغي أن يقيم جمال عبد الناصر وغيره من الشخصيات العامة والتاريخية. إن النظر إلى الأشخاص والأحداث بموضوعية وتجرد هو علامة على النضج واكتمال العقل والفكر.. ودلالة على التجرد لله سبحانه وتعالى في الحكم على الناس. وإن مما يحسب للجماعة الإسلامية بعد مراجعتها الفكرية أنها تخلصت من أسر نظرية المؤامرة في تفسير وتحليل الأحداث التاريخية .تلك النظرية التي سيطرت على فكر ووجدان الشباب المسلم والعربي ردحا طويلا من الزمن، فتسببت في ضمور عقله، وشل تفكيره، وإبقائه مستسلما أمام مجريات الواقع المتغير. وقد سألني كثير من الناس وبعض الصحفيين عن رأيي في شخصية جمال عبد الناصر.. فآثرت أن أرسم لهم صورة متكاملة عن جمال عبد الناصر في فكري ووجداني من خلال مختلف مراحل حياتي ... ولذا كان لزاما ً علينا النظر والتفكير من جديد في أمر الرئيس عبد الناصر.. ودراسة تاريخه مع الإخوان دراسة عميقة بعيدا ً عن نظرية المؤامرة التي شاعت في الحركة الإسلامية والعقل العربي طويلا ً.... وكان من نتيجة هذه الدراسة الآتي:-
· أن الرئيس عبد الناصر لم تكن له خصومة مع الإخوان من قبل .. بل إنه حل كل الأحزاب والتنظيمات السياسية.. وأعاد جماعة الإخوان لمشروعيتها القانونية.. وحاكم اللذين قاموا باغتيال الشهيد/ حسن البنا في سابقة نادرة ..
· إن حادث المنشية هو محاولة حقيقية لقتل عبد الناصر .. وإن بعض أفراد النظام الخاص وهو الجناح العسكري للإخوان قام بذلك فعلا ً.. ولكنهم لم يستأذنوا في ذلك المرشد المستشار الهضيبي الأب "رحمه الله" الذي كان يكره العنف..
· أن تنظيم الشيخ سيد قطب للإطاحة بنظام عبد الناصر هو تنظيم مسلح حقيقي.. وقد أقر بذلك الشهيد سيد قطب وتلاميذه في أكثر من مناسبة.. ولكن التنظيم ضبط في أولى مراحل تكوينه وتسليحه.." وهذه هي الحقيقة بصرف النظر عن احترامنا وتقديرنا للشيخ / سيد قطب " ولكن المشير عامر والمباحث الجنائية العسكرية ضخموا من خطره ليوهموا عبد الناصر أنهم حماته الحقيقيين..وليكتسبوا مزيدا من ثقته...

· أصل الخلاف بين الإخوان وعبد الناصر هو اعتقاد كل منهما أنه الأجدر والأحق بالسلطة والحكم في مصر.. فعبد الناصر ومن معه كانوا يرون أنهم الأجدر بالسلطة والحكم باعتبار أن الثورة ثورتهم.. وأنهم الذين تعبوا وغامروا بحياتهم فيها...أما الإخوان فكانوا يرون أنهم أصحاب فكرة الثورة من الأصل، وأن عبد الناصر وعامر وغيرهما كانوا من الإخوان المسلمين الذين بايعوا على المصحف والسيف.. وأن هؤلاء الضباط صغار لا يصلحون للحكم... ولم يكن الخلاف أساسا على الدين أو الإسلام أو حرية الدعوة.. ولكنه انحصر أساسا في ظن كل فريق منهما أنه الأجدر بالحكم. ..

· قد يرى البعض أن الرئيس عبد الناصر كان يعادي الإسلام .. ولكن هذه رؤية متعسفة متعجلة فيها من حظ النفس والرغبة في التشفي الكثير والكثير.وما أراه أن عبد الناصر لم يكن معادياً للإسلام نفسه.. ولكنه كان محباً للتفرد بالسلطة فقاوم كل من نازعه هذه السلطة.. سواءً كانوا من الإسلاميين أو غيرهم.والدليل على ذلك أن عبد الناصر عين عدداً من الإسلاميين كوزراء وكانوا من جماعة الإخوان المسلمين مثل الشيخ/ الباقوري ود/ عبد العزيز كامل وغيرهما.. وهذه سابقة لم تحدث قبله ولا بعده.ويستدل الكثيرون على أن عبد الناصر لم يكن معادياً للإسلام نفسه.. أنه أول من أنشأ إذاعة القرآن الكريم.. وساهم في نشر الإسلام والعروبة.. وأول من أنشأ مدينة البعوث الإسلامية.. لكي يفد إليها المسلمون من كل مكان لدراسة الإسلام واللغة العربية في الأزهر الشريف..و.. و.. و.. الخ ويرى هذا الرأي الكثيرين منهم د/ كمال أبو المجد.. والمستشار/ طارق البشري.. ود/ سليم العوا .. وغيرهم من المفكرين الإسلاميين.

· ولكن الخطأ الأكبر الذي وقع فيه عبد الناصر هو تسليمه لمقاليد الثقافة والفكر في مصر لحفنة من الشيوعيين اتخذت من مواجهة الحركة الإسلامية ستاراً لمحاربة الإسلام نفسه والطعن في ثوابت الإسلام نفسه.

· إن الحركة الإسلامية ممثلة في جماعة الإخوان أخطأت في هذا العصر برفضها التعامل والتعاون مع عبد الناصر في البداية لتتركه لأصحاب الفكر اليساري الذين أحسنوا استقطابه .. وأخطأوا كذلك بمحاولة قتله في سنة 1954م.. أو الانقلاب المسلح عليه سنة 1965م .. أو الاستخفاف بقدراته في بداية الثورة. 
فإذا خرجنا عن إطار علاقته بالإخوان والحركة الإسلامية ونظرنا نظرة موضوعية إلى إيجابيات الرئيس عبد الناصر رحمه الله وسلبياته.. فقد خلصت إلى أن الرئيس عبد الناصر له إيجابيات كثيرة وله سلبيات كثيرة أيضا.ويمكنني تلخيص أهم هذه الإيجابيات والسلبيات فيما يلي:- فمن إيجابيات الرئيس عبد الناصر.. هو جهوده الحثيثة في تحرير القرار الوطني المصري واستقلاله... ومن إيجابياته أيضاً.. محاولته إقامة العدل الاجتماعي بين الناس.. والانحياز للطبقات الفقيرة ..ومحاولته إنصافهم ورفع شأنهم وتعليم أولادهم بالمجان.. ومنها محاولته القوية لتحديث مصر من الناحية الصناعية.. ومن إيجابياته. محاولته لتوحيد العرب في جبهة واحدة.. وإحياء القومية العربية.. وإن كان يعيبه في ذلك أنه حاول إقامتها على أنقاض الرابطة الإسلامية.. ومحاولة إقامتها دون تدرج.. واهتم فيها بالناحية السياسية والعسكرية قبل الاقتصادية والثقافية والدينية.. والأخيرة هي الأساس الحقيقي للتضامن بين العرب.. وكل الأسس السابقة هي أسس ثانوية .ومنها. مساهمته القوية في تحرير البلاد العربية والإسلامية من ربقة الاستعمار وذله وهوانه وفرضه بالقوة التغريب على المجتمعات الإسلامية. . ومنها بناء مشروع السد العالي الذي حمى مصر من خطر الفيضان.. ومكنها من تعمير وتطوير كثير من القرى.ومنه طرد الإنجليز نهائيا من مصر... ومن إيجابياته تماسكه وثباته ورباطة جأشه في تصديه للعدوان الثلاثي سنة1956.. وعدم قبوله لرأي بعض زملائه بالاستسلام لبريطانيا وفرنسا .ومنها تعففه وأسرته عن غنائم السلطة بحيث عاش حياة عادية...ومن إيجابياته بناءه لأول منظومة جيدة للرعاية الصحية في الريف المصري.. وإقامته لآلاف المدارس الإعدادية والابتدائية في قرى مصر ومدنها الصغيرة المترامية الأطراف .. فضلا ً عن مجانية التعليم. ومنها محاربته القوية للرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس .. ففي عهد ناصر كان يندر أن تجد موظفا ً مرتشيا ً أو مختلسا ً .. ومنها محاولته القوية لبناء جيش مصري قوي.. ومنها أيضاً.. حسمه مع المشير عامر وأعوانه هزيمة 1967وطردهم من الجيش.. وإن كان قد جاء متأخرا عشر سنوات.ومنها جهده الخارق في بناء جيش مصري حديث على أسس سليمة تعتمد على الكفاءة والاحتراف العسكري فضلا عن الشجاعة والعلم والأمانة.. ومحاولته الجادة لمعالجة كل الأخطاء التي وقع فيها المشير عامر وأعوانه.وهذه القواعد التي أرساها عبد الناصر في الجيش المصري بعد نكسة 1967.. مازالت هي الأساس في الحياة العسكرية المصرية الحديثة. أما سلبياته فكثيرة أيضا ً: فقد ألغى الديمقراطية إلغاءً تاما.. ومنها تأميم الأموال ممن أسماهم بالإقطاع ، ولم يفرق بين الصالحين منهم والطالحين ...ومنها استغلال الإعلام الكاذب في خداع الناس وتحويل الهزائم إلى انتصارات.... ومنها تكميم الأفواه ومنع حرية الصحافة وتكبيل كل المؤسسات الرسمية والشعبية وكذلك مؤسسات المجتمع المدني.. وإلغاء الأحزاب...ومنها أنه سلم الجيش المصري غنيمة باردة للمشير عامر وأعوانه ليعيثوا فيها فسادا وجهلا وتخريبا.. مما أدى إلى أكبر هزيمة في تاريخ العسكرية المصرية عام 1967. ومنها محاولة أتباعه والمنافقين له إلغاء كل تاريخ مصر الحديث السابق لعبد الناصر.. ومن سلبياته أيضا ًأنه منع كل صنوف الدعوة الحقيقية للإسلام.. ومنها أنه سلم الإعلام والثقافة كغنيمة باردة لليساريين و الشيوعيين الذين حولوا أدوات التوجيه كلها لصالحهم و ما يصب في خدمة أفكارهم. ومنها أيضا أنه منع بابا من أبواب الخير وتنمية المجتمع ألا وهو "الوقف الإسلامي" .

وما أود أن أختم به مقالتي هذه قصة طريفة ولكنها ذات مغزى عميق .. فقد ذهبت إلي الحج في العام الماضي وذهلت أن معظم الحجاج المصريين الذين قابلتهم يحبون عبد الناصر حبا ً شديدا ً وذلك بعد وفاته بقرابة 37 عاما ً .. وبعد غياب كل المؤثرات الإعلامية التي تؤثر عليهم .. وتقرع قلوبهم بحبه. فقلت في نفسي: ما السر في ذلك؟ وقلت لنفسي: لعل السر هو أنه كان يضمن لكل إنسان في مصر وظيفة يتكسب منها بالحلال ويبتعد بها عن الحرام .أو لنظافة يده .. أو تعففه وأسرته عن الحرام .أو لتصديه لأطماع إسرائيل في المنطقة ومواجهته لها .. حتى وإن أخفق في ذلك.. أو مساعدته في تحرير بعض بلاد المسلمين من الاستعمار الغربي .. والله أعلم بسر ذلك.وأظن أن هذه المحبة لا تدوم بعد هذه السنوات الطويلة من حكم عبد الناصر.. إلا إذا كان له سر دفين .. أو خصلة طيبة لا يعلمها إلا الله .. وقد تخفى على أمثالنا..( الرئيس عبد الناصر في فكر داعية/ بقلم د/ ناجح إبراهيم/ موقع الجماعة الاسلاميه مصر)

وهنا يجب الاشاره إلى انه إذا كان هناك بعض من يرى أن الشيخ محمد متولي الشعراوى ( رحمه الله )، قد اتخذ موقف الرفض المطلق للتجربة الناصرية ، استنادا إلى نقده لبعض أوجه التجريه الناصرية ، إلا أننا نشير إلى واقعتين تتعارضان مع هذا الراى ، وتفيد أن موقفه من التجربة الناصرية ليس هو موقف الرفض المطلق ، بل هو موقف نقدي يشير إلى السلبيات دون إنكار الايجابيات ، الواقعة الأولى هي كتابته لمقال في رثاء الرئيس جمال عبد الناصر ، جاء فيه ( قد مات جمال ، وليس بعجيب أن يموت ، فالناس كلهم يموتون ، ولكن العجيب وهو ميت أن يعيش معنا ، وقليل من الأحياء يعيشون ، وخير الموت ألا يغيب المفقود ، وشر الحياة الموت في مقبرة الوجود ، وليس بالأربعين ينتهي الحداد على الثائر المثير ، والملهم الملهم ، والقائد الحتم ، والزعيم بلا زعم ، ولو على قدره يكون الحداد لتخطى الميعاد الى نهاية الآباد ، ولكن العجيب من ذلك أننا لو كنا منطقيين مع تسلسل العجائب فيه لكان موته بلا حداد عليه ، لأننا لم نفقد عطاءنا منه ، وحسب المفجوعين فيه فى العزاء ، انه وهو ميت لا يزال وقود الأحياء ، ولذلك يجب أن يكون ذكرنا له ولاء لا مجرد وفاء ، لأن الوفاء لماض مقدر فاندثر ، ولكن الولاد لحاضر مستمر يزدهر فيثمر .فلا أظن أن حيا فى هذا العصر يجهل ما فعل عبد الناصر من أعمال ، وما خلق فيه من آمال ، ولن أكرر عليكم ولكنى أقول انه بدأ الدائرة حينما فاجا الدنيا بالثورة الأم، فاستقبله الناس بأعراس شعب منصور على اثم وطغيان مقهور، وكان خير ما قلت مستقبلا به السمع هذين البيتين: حييتها ثورة كالنار عارمة * ومصر بين محبور ومرتعد/ شبت توزع بالفسطاط جذوتها * فالشعب للنور والطغيان للهب ، ثم انتقل البطل إلى الدائرة الثانية من أبعاد حياته ، فانتفض العملاق العربي برأس متطاول إلى السماء ، وقدمين راسخين فى الأرض ، ومد يديه ليحدد وطنه العربى بجغرافية الحق لا بخرائط الرق ، فاستقرت أنامل يمناه على الخليج العربي ، واستقرت أنامل يسراه على المحيط الأطلسي ، وظل يهدهد العروبة حتى شبت فكرة فى الرؤوس ، وتأججت عقيدة فى النفوس ، وأصبحت نشيدا على كل لسان، ولقد سمعت من أخي الدكتور رزقانة فكرته فى تلك الدائرة قبل فكرته فى الدائرة التي وصفها فى فلسفة الثورة ، الدائرة الثالثة لأن الإسلام بالعروبة انساح و بها امتد ، فلابد أن تتوحد العروبة لنصبح بنعمة الله اخوانا ، حتى يكون بعث الاسلام على مثل ميلاده، فانه لا يصلح أخر هذا الأمر الا بما صلح به أوله ... وحين دانت قلوب العرب للعقيدة عزت عليه بعض قوالبها ، ولكن هل توقف الرجل؟ لا , بل ينصرف وليقفز إلى الدائرة الثانية وهى الدائرة الإنسانية ، بكل ما فيها من شيوع وأجناس وأموال ومبادئ ومذاهب ، وقد أعانه على ذلك ايمانه العميق بكل عقائد الحق والخير والجمال ، وأعانه على ذلك اسلامه بكل ما فيه من تعاون وتواد ، وتحاب، وحرية واخاء ومساواة وانطلاق وطموح ، ليحقق المستخلف فى الأرض مطلوب الله منه ، وهو أن يستعمرها وأن يحملها إلى آفاق الرفاهية والحضارة والمدنية.كان رحمه الله _ كما قال إخوانه أمام كل ثورة تحررية بالإيحاء والقدح ، ووراءها دائما بكل الامكانات والمنح ، فوضع البطل بصماته الانسانية على التاريخ المعاصر ، ولذلك لن يجرؤ قوة فى الأرض أن تزحزح المظلومين عما لقنهم جمال من مبادئ للآباء على الضمير والانتفاض على الظلم والنهضة إلى الآمال الواسعة الوارفة ، ولن تستطيع أي قوة فى الأرض أن تسلب المكاسب التى ادتها انجازاته ، ولا أن تحجب الآفاق التي أعلنتها تطلعاته ، وبذلك كله يقضى على قلة الفراغ المزعومة بعده .إن الزعيم الذي يترك بعده فراغا زعيم انانى، لأنه يحكم بمبادئ من رأسه ، فإذا ما انتهى قضى على نظام أسسه ، وهو زعيم أناني أيضا لأنه يحب أن يفقد الخير بفقده ، ولكن زعيمنا لم يكن من هذا الطراز لأنه لم يكن زعيما فحسب ، وانما كان أستاذ زعامة ، ولم يكن ثائرا فحسب ، وانما كان معلم ثورة ودارس مبادئ ، وكانت عبقريته فى غرس هذه المبادئ أنه أشاعها فلم يجعلها خاصة بفئة دون فئة حتى مرغ بها النفوس كل واحد حتى يكون كل واحد صورة طبق الأصل مما عند الحاكمين ، حتى لا يخدع محكوم بعده بغفلة من حاكم أو جبروت من متسلط ، وأن أمة فجعت فيه هذه الفجيعة أكدت كل ذلك ، وأكدت صدقها فيما قالت له فى حياته " كلنا ناصر" .. ولذلك نراها حزنت عليه أعمق الحزن ، ولكنها مع ذلك عرفت كيف تقبض على الزمام بحزم ...). (نقلا عن كتاب " الشيخ الشعراوى وفتاوى العصر" للصحفي محمود فوزي/ ناصر2000، منتديات الفكر القومي العربى). أما الواقعة الثانية فهي واقعه زيارة الشيخ الشعراوى لضريح جمال عبد الناصر في أكتوبر1995، وقراءته الفائحة على روحه ، وقد قال الشيخ الشعراوى في تفسيره لهذه الواقعة، انه كان قد انتقد التجريه الناصرية بسب رفضه قانون تطوير جامعة الأزهر الذي وضعه عبد الناصر، والذي ترتب عليه إنشاء كليات للطب والهندسة والصيدلة والتجارة وغيرها في الجامعة التي كانت متخصصة لتدريس العلوم الدينية ، غير انه شاهد في منامه شيخين أحدهما يرتدى ثوبًا أبيض، وفى أذنيه علقت أطراف سماعة طبيب، والثاني يحمل في يده مسطرة حرف (T) الخاصة بالمهندسين، فأدرك بعد اليقظة أن جمال عبد الناصر كان على حق حين عمل على تعزيز مكانة الجامعة الأزهرية، بإضافة كليات علمية وعملية كالطب والصيدلة والزراعة والقانون والآداب …
ثانيا: الإقرار بالموقف الايجابي من الدين : كما اقر العديد من الكتاب والمفكرين الإسلاميين باتخاذ عبد الناصر والتجربة الناصرية موقفا ايجابيا من الدين ، يقول نبيل نعيم مؤسس تنظيم الجهاد في مصر، وأشهر سجين مكث فى السجون حيث تم الإفراج عنه بعد 25 يناير 2011، في حواره لقناة "سي بي سي أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خدم الدين الإسلامي وأحياه أكثر مما قام به حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين. ويقول المفكر الاسلامى الدكتور عبد العزيز أن عبد الناصر كان يحرص على صلاته بشدة ، ففي زيارته الإتحاد السوفيتي إقترب موعد صلاة الجمعة، وكان في مباحثات مع القادة السوفييت ، فطلب إيقاف المباحثات ، وإستعد للصلاة وذهب ليؤديها مع أخوته . ويقول الشيخ احمد حسن الباقوري أن جمال عبد الناصر كان مسلما " متدينا " شديد الإيمان إلى حد انه في ( باندونج) أصر على أن يظل صائما " طوال شهر رمضان ورفض استخدام الرخصة الشرعية التي تعطيه حق الإفطار ، والتي أستخدمها الشيخ الباقوري نفسه فأفطر. (عبد الناصر بشهادة علماء الأزهر).

2014/03/31

السعودية و«الإخوان»: نهاية دامية لزواج مصلحة


حمد سيد رصاص
في موسم حج عام 1936، التقى حسن البنا مع الملك عبد العزيز آل سعود. عرض البنا تأسيس فرع للإخوان المسلمين في المملكة، ليجيب الملك برفض مهذب من خلال العبارة التالية: «كلنا إخوان، وكلنا مسلمون». بالتأكيد، كان في ذكريات الملك ما حصل عامي 1928 - 1929 من قبل حركة تمرد مسلحة انبثقت من داخل الحركة الوهابية – السعودية، التي تأسست مع الحلف الشهير عام 1744 بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب في الدولة السعودية الأولى، لما جرى تقاسم وظيفي يتولى آل الشيخ ابن عبد الوهاب الشأن الديني وآل سعود الأمر السياسي، سمّيت باسم «الإخوان» بقيادة زعيم قبيلة مطير فيصل الدويش وزعيم قبيلة عتيبة سلطان بن بجاد في مناطق شمال نجد وفي المناطق المحاذية للحدود الكويتية والعراقية.
كان الاثنان من كبار قادة عبد العزيز آل سعود، وكان لهما دور كبير في سيطرته العسكرية على نجد والحجاز. في أواخر العشرينيات كان هناك توتر كبير بين هاشميي بغداد وعمان، تدعمهما بريطانيا، وبين آل سعود الذين أسقطوا سلطة الشريف حسين على الحجاز عامي 1924 - 1925. كان الزعيمان القبليان مستاءين من تهميشهما في المناصب بالدولة الوليدة، وكانت لندن تفكر في خط حديدي يربط البصرة بميناء حيفا عبر شمال المناطق التي يسيطر عليها ابن سعود. دعمت بريطانيا التمرد المسلح الذي كان أكبر تحدٍّ عسكري يواجهه الملك عبد العزيز في مسيرة حكمه، احتاج منه سنتين وكان يقود المعارك بنفسه حتى إخماد التمرد.
هذه المعادلة، بين التنظيم الجديد المولود في مصر منذ آذار 1928 والمملكة التي أُعلن رسمياً قيامها عام 1932 بعد ضم عسير، لتنضم لنجد والاحساء والحجاز، ظلّت قلقة. وكان تعامل الرياض الإيجابي الحذر مع التنظيم الجديد له علاقة بالتوتر مع الملك فؤاد الذي فكر جدياً بالخلافة بعد إلغاء أتاتورك للخلافة العثمانية عام 1924، ثم بالعلاقة المتوترة مع ابنه فاروق القريب من بريطانيا ذات العلاقة المتوترة مع المملكة السعودية الجديدة التي لم تعترف بها القاهرة بضغط من لندن. مع تأسيس الجامعة العربية في آذار 1945 بدأ تبلور حلف بين الرياض والقاهرة ضد هاشميي بغداد وعمان، تزامن مع لقاء جمع الملك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي روزفلت في باخرة عند قناة السويس أثناء عودة الرئيس الأميركي من قمة يالطا مع ستالين وتشرشل. كان البنا مسروراً من هذا التقارب المصري - السعودي، وفي موسم حج 1945، استقبل البنا من قبل مندوب الملك الأمير عبد الله الفيصل، ثم في العام التالي استقبله الملك.
لم يكن هناك الكثير من المشتركات العقيدية بين «الإخوان» و«الوهابية»: كان البنا من دون تفكير مذهبي لا يتقيد بتخوم المذاهب السنية وخلافاتها التي امتدت من الفروع لبعض الأصول مع تغلغل الأشعرية في المذهبين الشافعي والمالكي مما كان مصدر نزاعات كبرى مع الحنابلة، بل كان يؤمن بـ«صحيح إسلام جميع أهل القبلة والشهادتين»، وكان تفكيره مثل الأفغاني في «إسلام عام» يتجاوز التخوم السنية _ الشيعية. كان الوهابيون في الطرف الآخر عقيدياً، يكفرون الأشاعرة والشيعة. كان اللقاء سياسياً محضاً: تزعزعت علاقة «الإخوان» مع الرياض في 17 شباط 1948 مع دعم حسن البنا للانقلاب على الإمام اليمني يحيى في صنعاء ومقتله، ثم مع دعم الملك عبد العزيز، والملك فاروق، لابن الإمام المقتول أحمد في اجتياحه صنعاء يوم 14 آذار 1948 وإفشال الانقلاب، في محاولة من الأسرتين المالكتين لإفشال أية محاولة لتجاوز أنظمة الحكم الوراثي الملكي بأي من دول الجامعة العربية. كان ضرب تنظيم الإخوان في الشهر الأخير من عام 1948، ثم اغتيال البنا في شباط 1949 حصيلة لفاتورة ما جرى في صنعاء وتداعياته في القاهرة والرياض. كان تجاوز حدود الحكم الملكي الوراثي سبباً في تقارب سعودي _ إخواني عام 1954، بعد أن كان سبباً للخلاف بينهما عام 1948، لمّا استقبل المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي استقبالاً حافلاً أثناء زيارته للسعودية في يونيو/ تموز 1954، وهو الخارج من السجن بعد خلاف عاصف مع جمال عبد الناصر. وزوّده الملك سعود بطائرة خاصة أقلته في رحلته إلى دمشق. وبعد ضرب عبد الناصر لتنظيم «الإخوان»، إثر حادثة المنشية في 26 أوكتوبر/ تشرين الأول عام 1954، لاقى الإخوان المسلمون المصريون ملجأً رحباً في السعودية ثم تبعهم «إخوان» سوريا في فترة 1964 _ 1982. تزامن هذا مع خلاف الرياض والقاهرة الذي انفجر منذ ربيع عام 1957 في شكل مجابهة وصلت إلى حدود «حرب باردة عربية» كانت انعكاساً لما يجري بين واشنطن وموسكو، وأصبح لها شكل أيديولوجي لما طرح الملك فيصل «الحلف الإسلامي» مع إيران وباكستان عام 1965 ضد عروبية عبد الناصر في ذروة حرب اليمن. احتاج الملك فيصل إلى مدرعات أيديولوجية في وجه الطرح القومي العروبي، لم يجده إلا عند «الإخوان»، الذين لم يجدوا فقط في الرياض ملجأً، بل أيضاً سنداً ضد القاهرة ثم كانت بوابتهم إلى العاصمة المصرية بعد أن كان الملك فيصل عراب المصالحة بين الرئيس المصري الجديد السادات وتنظيم «الإخوان» في صيف 1971 إثر ضرب ناصريي 15 مايو 1971، وتوتر العلاقات المصرية _ السوفياتية. كانت حصيلة هذا الزواج، بين السلطة السعودية وتنظيم الإخوان، سيطرة الأخيرين على النظام التعليمي بالسعودية. ويكفي هنا الإشارة إلى الإخواني المصري مناع القطان الذي وضع منذ الخمسينيات السياسات التعليمية في المملكة، وأصبح مديراً للدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود، والإخواني السوري عبد الفتاح أبو غدة الذي وضع مناهج الدراسات العليا في كلية التربية في جامعة الإمام محمد بن سعود، ووضع مناهج المعهد العالي للقضاء بالرياض وكلية الشريعة بجامعة الإمام ابن سعود. نازعهم السلفيون الوهابيون التقليديون في حقل القضاء. في الحياة الأكاديمية السعودية في فترة 1970 _ 1991 كانت السيطرة الإخوانية غالبة أمام السلفيين و«الليبراليين»، وقد امتد «الإخوان» إلى النظام التعليمي الحكومي، ثم أسّسوا مدارس خاصة مثل «مدارس التيسير» في جدة، التي أسس سلسلتها الإخواني المصري أحمد حسن الخولي عام 1968. تعزّز هذا الزواج السياسي السعودي _ الإخواني في محطة أفغانستان 1979 - 1988، ولم يزعزعه تقارب «الإخوان» مع الخميني عقب وصول الأخير إلى السلطة (ارسل التنظيم الدولي للإخوان وفداً لمقابلة القائد الإيراني كان أحد أعضائه سعودياً، هو عبد الله سليمان العقيل). عام 1986 حصل تصدّع «إخواني سوري» مع الرياض لما انقسم التنظيم السوري بين موالين للرياض بقيادة الشيخ أبو غدة وموالين لبغداد بزعامة عدنان سعد الدين، خففت آثاره بوقوف القيادة الإخوانية بالقاهرة مع الجناح الموالي للرياض. لم يؤد هذا الزواج إلى تقاربات أيديولوجية بين النزعتين الإخوانية الأصولية والنزعة السلفية الوهابية، وعندما حاول الإخواني السوري محمد سرور زين العابدين، المقيم بالسعودية، إيجاد توليفة جامعة بين ابن عبد الوهاب وسيد قطب نبذه الإخوان، ولكن لاقت «السرورية» رواجاً كبيراً ولتنافس الإخوان في حصونهم التعليمية والأكاديمية السعودية في الثمانينيات، كما كان لتلاميذه تأثير ثقافي كبير في السعودية مثل «سفر الحوالي». كانت محطة غزو العراق للكويت في 2 آب 1990 سبباً لافتراق إخواني _ سعودي كبير لمّا وقفت كل تنظيمات «الإخوان» (ما عدا الفرع الكويتي وجناح الشيخ أبو غدة) ضد استعانة دول الخليج بالقوات الأميركية ضد العراق. شارك «الإخوان» في هذا «السروريون»، ثم سلفيون آخرون مثل أسامة بن لادن الذي كان متأثراً بإخواني درّس في السعودية هو عبد الله عزام المتأثر بدوره بسيد قطب، قبل أن يمزج ابن لادن سلفيته الوهابية مع «جهادية» أيمن الظواهري المتأثر أيضاً بسيد قطب. خلال التسعينيات لم تقطع الرياض مع «الإخوان»، ولكن كان واضحاً تفضيلها للرئيس مبارك وزين العابدين بن علي وجنرالات الجزائر الداخلين جميعاً في صدامات مع الإسلاميين. وبعد «11 سبتمبر 2001» أصبح واضحاً - مع الضغط الأميركي لربط الوهابية بالإرهاب ثم مع دخول «السلفية الجهادية» في عمليات داخل السعودية ضد السلطة - أنّ الرياض ستتجه نحو انفصال «ما» مع ما بدأ مع الحركة الإسلامية العالمية منذ خريف1954. وقد أتى تصريح الأمير نايف في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 لجريدة «السياسة» الكويتية (عن أنّ «جماعة الإخوان المسلمين أصل البلاء. كل مشاكلنا وإفرازاتنا جاءت من جماعة الإخوان المسلمين، فهم الذين خلقوا هذه التيارات وأشاعوا هذه الأفكار) لتوضّح معالم الطلاق لهذا الزواج السعودي _ الإخواني. خلال عقد زمني فاصل عن بدء «الربيع العربي» في الشهر الأول من عام 2011، كانت السعودية في افتراق جبهي في المواضيع الرئيسية عن «الإخوان»: غزو أفغانستان، غزو العراق، الموقف من الأنظمة العربية القائمة، حرب تموز 2006، إيران. شعرت السعودية بالقلق من الظاهرة الإسلامية التركية الأردوغانية وبداية طروحات أميركية عن «بديل إسلامي معتدل» لتطرف «القاعدة» ترافق مع تقاربات إخوانية مصرية مع واشنطن أثمرت ضغطاً أميركياً على مبارك قاد لأخذ «الإخوان» خمس مقاعد البرلمان المصري عام 2005، ثمّ دخول الحزب الإسلامي العراقي في وزارة المالكي في أيار 2006. مع سقوط زين العابدين بن علي ومبارك عام 2011، ثم تولية أنقرة والدوحة الملف السوري المعارض من قبل واشنطن، كان هناك صعود إخواني برعاية أميركية _ تركية أثمر وصولاً إلى السلطة لإخوان تونس ومصر، وتصدراً إخوانياً للمشهد السوري المعارض عبر «مجلس إسطنبول». قوبل هذا بتوجس وقلق سعودي كبير، قاد إلى دعم سعودي صريح لقوى مضادة للإخوان في القاهرة وتونس ولدعم قوى مضادة للإخوان في المعارضتين المدنية والعسكرية السورية، حتى إحكام سيطرة الرياض على «الائتلاف» السوري المعارض منذ أواخر أيار 2013، ثم ظهر دور الرياض في دعم انقلاب 3 يوليو 2013 ضد مرسي، وفي دعم الاضطراب المعارض التونسي ضد سلطة حركة النهضة. كخلاصة عامة: كان هناك زواج مصلحة متبادلة بين الرياض و«الإخوان» في فترة 1954 - 1990 تزعزع في محطة الكويت. الطلاق كان بعد «11 سبتمبر 2001». المواجهة كانت مع الصعود الإخواني عام 2011. يبدو أن انطلاق المجابهة وتحولها إلى صدام علني هو بسبب الخوف من تكرار في عهد مرسي لتحالف إسطنبول والقاهرة، كالذي كان بين السلطان العثماني ومحمد علي باشا لما قام الأخير بتدمير الدرعية عام 1818 وقضى على الدولة السعودية الأولى، وخاصة مع وجود الكثير من الزرع الفكري - الثقافي - المؤسساتي لـ«الإخوان المسلمين» في المجتمع السعودي، كان يمكن أن يجعلهم «البديل الإسلامي» في حال نشوب أي اضطراب داخلي كالذي جرى في قاهرة 25 يناير 2011. أضيف لهذا القلق السعودي من طرح مرسي في طهران لتلاقٍ مصري - تركي - إيراني - سعودي، كان من الواضح أن الرياض ستكون هي الطرف الأضعف فيه إن قبلت، وسيطوقها إن رفضت. قبل هذا وذاك، تتوجّس الرياض من أي قطب عالمي للإسلام السني يكون خارجها.

قرى طلابية لليهود".. مخطط يجتث أحياء فلسطينية بأكملها



 بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي وبصورة مكشوفة مؤخرًا بتنفيذ مخطط كبير تحت مسمى "قرى طلابية يهودية" في العديد من أحياء المدن الفلسطينية في الداخل المحتل.

وتكمن خطورة هذا المخطط الذي وضعت نواته قبل عدة سنوات ويجري تنفيذه حاليًا في أن كل قرية من المشروع ستقام مكان حي فلسطيني بعد تهويده وإخراج سكانه من منازلهم.

وضمن المخطط سيتم استجلاب عشرات الألاف من الطلاب اليهود المتطرفين، وقد توافد المئات منهم فعليًا إلى المدن المستهدفة وهي عكا واللد والرملة ويافا.

15 ألف يهودي
ويقول إسماعيل أبو مرسة ممثل الحركة الإسلامية في مدينة اللد التي تعتبر أبرز المدن المستهدفة للمخطط إن فرع المخطط في اللد كبير جدًا وبدأ تسويقه بالفعل منذ فترة في المدينة حيث يهدف لاستجلاب 15 ألف نسمة من اليهود للسكن فيما تبقى من أحياء فلسطينية.

وفي هذا الإطار أصدرت بلدية الاحتلال في المدينة الأسبوع الماضي قرارًا بإخلاء منازل عائلة أل حامد الفلسطينية المقدر عدد أفرادها 65 نسمة وهدم هذه المنازل فورًا، في خطوة تأتي بسياق التنفيذ العملي للمخطط.

وكما يقول أبو مرسة لوكالة "صفا" إن هذه العائلة المعروفة والتي تسكن منازلها منذ الخمسينيات وجميع أفرادها كبار في السن وعجزة ومقعدين رفضت قبل ذلك عروض بإغراءات مالية للخروج من منازلها بالرغم من أنها تعاني من ضائقة مالية وظروف معيشية صعبة.

ونظرًا لهذا الرفض الفلسطيني تم إصدار قرار الإخلاء والهدم عنوة وبدون أي تعويضات، ولم تكتفي بلدية الاحتلال بذلك بل فرضت على أهالي المنازل التكفل بتكاليف عملية الهدم.

وسيتم بعد عملية الهدم استجلاب مجموعات شبابية يهودية للعيش مكان هذا الحي الفلسطيني وفي المقابل أحياء أخرى في اللد، حيث سيتم إسكانهم في "كرفانات" أو منازل مصادرة مبدئيًا لتثبيت وجودهم على الأرض.

ويؤكد أبو مرسة أن الشريحة التي سيتم استجلابها للمدينة من اليهود المتطرفين من فئة الشباب الطلاب والأغنياء، لافتًا إلى أن هذا المخطط يهدف لإعادة اللد إلى سابق عهدها من حيث الكثافة السكانية لليهود وتغيير وضعها الديمغرافي.

ويبلغ عدد الفلسطينيين حوالي 35% من مجمل سكان اللد، وهي نسبة وإن كانت منخفضة إلا أنها تشكل مخاوف كبيرة لدى "اسرائيل"، حيث قال رئيس بلدية الاحتلال في تصريحات سابقة "أخشى بعد 10 سنوات أن يكون رئيس البلدية فلسطيني".

وضمن المخطط تم مؤخرًا بناء 3 وحدات سكنية أيضًا تمهيدًا لاستقبال الطلاب اليهود ضمن الـ15 ألف نسمة، إضافة إلى مشاريع اقتصادية وتحفيزية صادقت عليها الحكومة الإسرائيلية مؤخرًا لإغراء هؤلاء بسرعة الانتقال للمكان.

وكما يقول أبو مرسة "هذه الفئة المتطرفة هي من تحكم مدينة اللد حاليًا لأن معظمهم تبوئوا مناصب عديدة فيها سواء في الجمعيات أو المؤسسات أو البلدية، ولذلك فإن كافة الخطط الموضوعة في المدينة هي لخدمة المتطرفين اليهود بالتحديد".

ويشدد على أن عملية البيع والشراء لمباني الأحياء المستهدفة للمخطط تمت عبر مناقصة أجريت مؤخرًا بين العديد من الجمعيات اليهودية، وقريبًا سيتم البدء بالبناء على الأرض.

حي بأكمله
وفي مدينة عكا فإن المخطط بدأ ومنذ فترة حيّز التنفيذ وبالتحديد في حي "المعاليق" بالبلدة القديمة للمدينة، حيث قامت جمعية "أياليم" بإسكان يهود في 5 مباني فلسطينية بالمدينة بعد إخراج سكانها الأصليين منها.

ويؤكد مدير جمعية "الياطر" الفلسطينية للتنمية والثقافة في المدينة سامي هوارة أن القرية الطلابية اليهودية نواتها قائمة منذ فترة على الرغم من أنها مخطط كبير سيؤدي في مراحله الأخيرة إلى تهويد المدينة ومحو الآثار والطابع العربي عنها بشكل كامل.

ويقول لوكالة "صفا" إن المرحلة الأولى من المخطط تستهدف 20% من مساحة عكا القديمة، موضحًا أنه تم ترميم العديد من المنازل التاريخية وأخرى عانى سكانها من حظر ومنع ترميمها من قبل بلدية الاحتلال.

ويلفت هوارة إلى عملية الإغراءات المالية التي تصاعدت وتيرتها في الأونة الأخيرة بهدف إخراج من تبقى من السكان الفلسطينيين في هذه الأحياء خاصة تلك المطلة على البحر لكونها تتمتع بموقع استراتيجي مهم.

مدينة أغنياء
أما في مدينة يافا فإن التهويد يتعدى بكثير مخطط "القرية الطلابية" سواء من حيث الهدف أو عدد هذه المخططات، وفق إمام المدينة سليمان السطل.

ويقول لوكالة "صفا" إن خطرًا كبيرًا تشهده يافا بسبب وجود شريحة الطلاب المتطرفين الذين تتعمد "اسرائيل" ضمهم في كل مخطط تهويدي في المدينة لأهداف عنصرية بحتة تستهدف التضييق على الفلسطينيين عبر هؤلاء المتطرفين.

ويضيف "الأخطر عن هؤلاء الطلاب الذين يتوافدون للمدينة بشكل مستمر هم شريحة الأغنياء الذين تأتي بهم اسرائيل بشكل متعمد ومدروس له من أجل الاستيلاء على المباني الفلسطينية في المدينة.

ويشير إلى أن مدينة يافا محاطة بمدن اسرائيلية من كل الجهات، ولذا فإن لها أهمية لدى الحكومة الإسرائيلية التي حوّلتها إلى مدينة للأغنياء اليهود فقط، مؤكدًا أن كل من يزور المدينة يتضح له هذا الأمر بشكل جلي من خلال طبيعة المباني فيها.

ولا توفر بلدية الاحتلال في مدينة الرملة أي فرصة للاستيلاء على المزيد من المنازل الفلسطينية تمهيدًا لإسكانها باليهود، حيث أصدرت قبل يومين موجة من قرارات الإخلاء والهدم لمنازل عائلات فلسطينية.

ويقول العضو العربي في بلدية الرملة عامر أبو غانم لوكالة "صفا" إن الاحتلال يتذرع في إصدار هذه الأوامر بأن أصحاب المنازل قاموا ببناء جدار خارج مخطط منزله ببضعة سنتميترات، وهو ما حدث في قرار هدم منزل عائلة شحادة.

ويشير إلى أن عملية استجلاب الشبان اليهود إلى المدينة عمليًا موجودة، وأن بلدية الاحتلال تلاحق الفلسطينيين لطردهم من منازلهم عبر المحاكم أو التهديد أو الإبعاد من المدينة.

ويشدد على أن سياسة التفريغ للمنازل من الفلسطينيين ومن ثم التمهيد لإسكانها باليهود أصبحت منهجًا يهدد بقاء أهل الرملة، مؤكدًا أن "اسرائيل" تحاول بكل السبل استباق الزمن للاستيلاء على هذه المساكن.



 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر