الراصد القديم

2017/05/01

ماذا بقي من عيد العمال




لا أعلم ماذا بقي للعمال من عيد لكي يحتفلوا به كما جرت العادة في الأول من أيار، الذي اصبح له مذاقا ولونا خاصا, ولكنه ليس عماليا، ولم يعد هناك قيمة لهذه المناسبة ولكنه عيدا باسم العمال يحتفل به من هم أعداء العمال تحت أسماء وعناوين مختلفة ، ولكن ما أعرفه أيضا أن الأول من أيار أصبح مجرد يوما للاحتفالات والبذخ المبالغ فيه، وعندما يشاهدها العمال لا يملكون من امرهم إلا التحصر والآلام على ظروفهم ومن يزاود باسمهم، ولازلت أذكر رسما كاريكاتوريا نشر في جريدة العربي الناصري في عيد العمال يقول (بعيد العمال الكل يرتاح إلا العمال ، أبنائهم الاغنياء يسهروا ويشربوا في أشهر الفنادق وأبناء العمال يجمعوا العلب الفارغة) .

الأول من ايار من كل عام وجد ليكون مناسبة لتكريم العمال في هذا اليوم الذي أجمعت عليه البشرية كنوع من الاعتراف بحق هذه الطبقة التي كانت وستبقى كالجندي المجهول يعطي ويقدم حتى روحه بلا ممنة من أحد ولا بهدف الظهور أمام الشاشات، وربما يموت بصمت في ميدان العمل أو في حادث عمل ما ولا أحد يعلم عنه شيء.

في عيد العمال حتى في الدول الرأسمالية المستغلة يكرم رواد العمال من خلال نقاباتهم أما في بلادنا للأسف فالعمال مضطهدين وغاية أحلامهم ايجاد فرصة عمل محترمة يعتاشوا منها وبيت يأويهم ، أما الحقوق الأخرى فهم يشاهدوها على شاشات التلفزة خاصة في عيدهم اذا وجدوا وقتا لمشاهدة ذلك ولو بالصدفة ، ومن أعطى وقدم من أجل حقوق العمال جرى خنقه وقطع رزقه وما حدث مع كاتب هذه السطور ليس بعيدا عن ذلك .

ويأتي اليوم من يحدثنا عن عيد العمال ولكن ليوم واحد فقط من العام ، والمؤسف أكثر أن من يحتفل بعيد العمال ويكرم بعضهم هم أنفسهم صوتا لدى الجهات المتنفذة من أرباب العمل والسلطة لمحاربة أي وعي عمالي ولو نظرنا لمعظم النقابات العمالية سنجد في وطننا أن معظمها شبه تعيين ودورها وأد ومحاربة حقوق العمال ومكتسباتهم وليس العكس .

الأول من ايار لم يعد عيدا للعمال منذ انهيار دولتهم الأولى الاتحاد السوفيتي بكل ما عليها من ملاحظات لكنها كانت ندا لإمبراطورية الشر الأولى أمريكا وبالتالي كان هناك نوعا من المكتسبات للعمال حتى في امبراطورية الشر وأتباعها وعملائها بهدف ابعاد العمال عن دولتهم الأولى الأم ، ولكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ظهر الوجه الأكثر قباحة لأمريكا والرأسمالية بشكل عام .

وفي هذه المناسبة التي فقدت معناها وقيمتها الانسانية أتمنى تحديد من هم العمال وهناك من يقول كل من يعمل مقابل الأجر هو عامل وهذا ببساطة غير صحيح وإلا أصبح العالم كله عمال وطبقة واحدة .

وعلى هذا الأساس تحديد هوية من هو العامل أصبح ضروريا ، وما هو مطلوب في هذه المناسبة أن تشد الهمم والنضال من اجل ايجاد نقابات عمالية حقيقة تفرز من يمثل مصالح العمال وليس من يتاجر على حسابهم ، اليس ملفتا للانتباه أن أكبر النقابات هي النقابات العمالية وبنفس الوقت هي أضعف تلك النقابات لأن الهدف محاربة كل صحوة عمالية ، ووجدنا من يبقى على رأس عمله في اتحادات عمال أكثر من 25 عاما فماذا يعني ذلك وما هو دوره إلا تنفيذ مطالب من أوجده في ذلك المكان .

وما نشهده اليوم من تحالف طبقي بين السلطات الحاكمة ورأس المال هو ما افرز ما تمر به الحركة العمالية من ظروف ، ومن يدفع الثمن في كل ذلك هم العمال الكادحين .

وعلى هذا الاساس لا بديل عن نقابات عمالية حقيقة تناضل من أجل العمال وحقوقهم ومنتخبة بشكل صحيح من العمال بدون تدخل السلطة وأرباب العمل، وغير ذلك سنبقى ندور في حلقة فارغة لا طائلة منها ولنعيد لهذه المناسبة واليوم التاريخي معناه الحقيقي الأول من ايار عيد العمال، ولا عزاء للصامتين .

هل يعتمر الحريري ″القبعة البرتقالية″؟!


 
 
 
تطول لائحة المآخذ على رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يقدم التنازلات السياسية الواحد تلو الآخر، بشكل لم يعد لديه ما يقدمه في حال لزم الأمر ذلك، ما ينعكس سلبا على طائفته بالدرجة الأولى، ويُضعف من حضور الرئاسة الثالثة التي يخشى البعض أن تتحول الى مطية، بفعل ″الشخصانية السياسية″ التي يتعاطى بها ″زعيم المستقبل″، بهدف تأمين ديمومة وجوده في السراي الكبيرة، وسعيه الى إستعادة أكثريته النيابية في الانتخابات المقبلة، ولو كان ثمن ذلك إنقلابه على موافقه، أو أن يسير في ركب التيار الوطني الحر ورئيسه وزير الخارجية جبران باسيل.

يبدو واضحا أن الحريري يلتقي مع باسيل إستراتيجيا، فالأول يسعى منذ زمن الى التفرد بقرار طائفته، وإلغاء كل قياداتها أو دفعهم الى العمل السياسي تحت مظلته، والى أن يكون رئيس حكومات كل ″العهد العوني″ الذي أنتجته تنازلات جوهرية قدمها، وتراجعه عن لاءات شهيرة كان أطلقها تجاه حزب الله وساهمت بتحريض الشارع وصولا الى شفير الفتنة (لا حكومة ولا حوار ولا جلوس مع الحزب إلا بعد خروجه من سوريا، وتسليم سلاحه الى الدولة!!!)

أما الثاني فيرى الفرصة ذهبية لالغاء كل خصومه من الموارنة وأبرزهم سليمان فرنجية ″غريم رئاسة الجمهورية″، وبطرس حرب منافسه على زعامة البترون، وهو يجد أن تحالفه مع القوات اللبنانية، يخوله السيطرة على الشارع المسيحي، لا سيما بعد الانقلاب على القانون النسبي الذي لطالما روّج له مع القوات، لمصلحة القانون الأكثري ″الستين″ الذي يمكن من خلاله لأكبر قوتين مسيحيتين في لبنان أن تستأثر بأغلبية النواب المسيحيين.

لذلك يلتقي الرجلان على هدف واحد في معركة إلغاء سياسي واضحة المعالم، لكن بفارق وحيد، هو أن الحريري يقدم التنازلات الى الحدود الدنيا، وباسيل يجمع المكاسب، فضلا عن توافقهما على تعطيل جلسة مجلس النواب في 15 أيار المقبل.

يحاول الرئيس الحريري أن يُشيع بين أوساطه بأنه يقوم بمسايرة التيار الوطني الحر، لكي لا يعطلوا مجلس الوزراء، في حين يرى البعض أن الحريري لم يدع مجلس الوزراء الى الانعقاد أيضا كرمى لعيون التيار، وأنه إنقلب على الاتفاق الذي كان أبرمه مع الرئيس نبيه بري باقرار التمديد الذي كان يُعتبر مطلبا حريريا، سواء كان تقنيا أو غير تقني، وذلك للحؤول دون الوصول الى الفراغ في المؤسسة التشريعية والذي من شأنه أن يدخل البلاد في المجهول.

هذا الواقع يطرح سلسلة تساؤلات لجهة: هل بات الحريري بما يمثل وبمن يمثل، أداة تنفيذية في يد التيار البرتقالي؟، وماذا عن صقور تيار المستقبل وبياناتهم وتصريحاتهم النارية وإتهاماتهم السابقة للتيار نفسه بالتعطيل؟، وهل يرضى هؤلاء أن يكون الحريري أداة للوصول الى تعطيل جديد وهذه المرة للمؤسسة التشريعية؟، ولماذا هذا الصمت المطبق حيال سلوك الحريري؟، وماذا عن الحليف الأبدي السرمدي وليد جنبلاط؟، وأين أصبحت الاستراتيجيات المتفق عليها معه ومع الرئيس بري؟.

ثم بعد ذلك، هل يستطيع الحريري أن يتحمل مسؤولية أخذ البلد الى الفراغ مجددا، وأن يتحول بعد 21 حزيران الى رئيس حكومة تصريف أعمال؟، وهل يمكن لجمهور الحريري أن يواجه نتائج وتداعيات الأزمة التي قد تنتج عن هذا الفراغ؟.

تقول مصادر سياسية مطلعة: إن الرئيس سعد الحريري يغامر بطائفته وبالمؤسسات الدستورية اللبنانية على حد سواء، من أجل البقاء في الحكم، وهذا أمر لن يكون بالأمر السهل، لا سيما على مستوى الطائفة التي توجد فيها قيادات وازنة سياسيا وشعبيا ومن بينها قيادات مستقبلية ترفض ما يحصل، وهي إذا ما قررت مجتمعة الخروج عن صمتها، عندها لن يجد الحريري شارعا يركن إليه في الانتخابات النيابية المقبلة، مهما كان القانون الانتخابي.

دراسة حول الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين في نيسان


في نيسان نتذكر، فنترحم ونجدد العزم على مواصلة النضال

إصرار فلسطيني على مواجهة الإرهاب الصهيوني المتواصل


محمود كعوش



نيسان الوفاء والعطاء والتضحية

في هذا الزمن "الأغبر" الذي بات فيه الحكام والمسؤولون العرب يسبقون التطبيع في الهرولة سراً وعلناً لأداء "فريضة الحج" عند الصهاينة في تل أبيب وتقديم واجب الطاعة لهم طمعاً بنيل رضا البيت الأبيض المتصهين ومن تبقى من حثالات المحافظين الجدد في واشنطن أملاً في الحفاظ على عروشهم وكراسيهم ومواقعهم في سلطة الحكم، يُصبح من واجب كل من الإعلامي والمقاتل البقاء في حالة استنفار دائمة للدفاع عن قضايا الأمة، الأول للنضال بالكلمة وتدوين الصفحات تلو الصفحات من السير الذاتية الأسطورية لشهداء القضية الأبرار الذين يتساقطون زرافاتٍ ووحدانا نتيجة الإرهاب الصهيوني الإجرامي الذي عادة ما يتخندق وراء الاستكبار الأمريكي وتوثيقها وحفظها في"موسوعة الشهادة والاستشهاد"، وتوريثها للأجيال القادمة، بدون تزييف أو تزوير أو تدليس، والثاني للنضال بالبندقية وممارسة الكفاح المسلح، ليكمل أحدهما الآخر استجابة لمتطلبات دحر الاحتلال واستعادة الحقوق الوطنية وإعلاء كلمة العدل في فلسطين، كل فلسطين من البحر للنهر.



فأنا من ناحيتي لا أرى فارقاً أو تبايناً يُذكر بين الإعلامي والمقاتل، طالما أن كليهما مُعرضان للاغتيال والاستشهاد في كل لحظة، وطالما أنهما يحملان نفس الرسالة ويتبنيان نفس العقيدة ويدافعان عن نفس القضية ويقاتلان من أجل نفس الغاية والهدف. وإن وجد هذا الفارق أو التباين بين الاثنين فلا يكون بغير نوعية السلاح الذي يستعمله كل منهما والذخيرة التي يحشوه بها، ولا أظن أن مثل هذا الفارق يشفع لإعلامي دون مقاتل أو لمقاتل دون إعلامي عند العدو الصهيوني المجرم.
فكم من العقول والأقلام والرموز الثقافية والقيادات السياسية الفلسطينية استهدفها الإرهاب الصهيوني، تماماً كما استهدف المقاتلين والكوادر والقيادات والعسكرية!! وهل من مرة واحدة ميز أو فرّق فيها هذا الإرهاب بين المدنيين والمسلحين الفلسطينيين، أو بين الأطفال الرضع والنساء والشيوخ، الأصحاء والمقعدين الفلسطينيين؟ ألم يستهدف السياسيين والعسكريين من شعب الجبارين في كل مكان فلسطيني وزمان فلسطيني دون ما تمييز أو تفريق؟ وألم يستهدف الشجر والحجر والحرث والزرع والنسل وباطن الأرض وأديمها والماء والهواء وكل البحر والفضاء في فلسطين؟ وألم يحول كل هذه منفردة ومجتمعة إلى أهدافٍ عسكرية استراتيجيةٍ لجيشه وعصابات مستوطنيه وآلة بطشه وجبروته وفاشيته بزعم "الضرورات والمقتضيات والدواعي الأمنية" للكيان الصهيوني العنصري القائم فوق التراب الفلسطيني المبارك منذ عام 1948، بمنطق القوة العسكرية ودبلوماسية الطائرات والبوارج والقاذفات الصاروخية!!
في زمن العجز والتخاذل والانبطاح العربي هذا الذي يوغل فيه الإرهاب الرسمي الصهيوني، تحت مظلة الاستكبار الأمريكي الذي يضرب يميناً ويساراً في سورية والعراق وليبيا واليمن وغيرها من البلدان العربية بذريعة محاربة "داعش" الكاذبة، في ارتكاب جرائمه البشعة والنكراء ضد الفلسطينيين خاصة والعرب عامة، أقبل علينا شهر نيسان هذا العام بكل ما حملته جعبته واختزنته ذاكرته من قوافل الشهداء الفلسطينيين الأبرار الذين سقطوا على مدار السنوات ال 69 التي تمثل عمر الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.
لا أظن أن أحداً من الفلسطينيين في أي مكان تواجد، في الوطن أو خارجه وفي الحل أو الترحال قد نسي أو غاب عن باله ولو للحظة واحدة مسلسل المجازر والمذابح وعمليات الاغتيال التي ارتكبها جزارو وسفاحو الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني على المستويين الجماعي والفردي في شهور تلك الأعوام كلها، وبالخصوص الشهور النيسانية منها.
ولا أظن أن واحداً مِن هؤلاء المظلومين والمضطهدين دائماً وأبداً قد نسي أو غاب عن خاطره ولو لبرهة قصيرة أو لمحة بصر خاطفة جرائم عصاباتي "شتيرن" و"الهاغاناة" وغيرهما من العصابات الصهيونية الإرهابية المنظمة وغير المنظمة التي حدثت قبل نكبة عام 1948 الكبرى وأثنائها وبعدها وصولاً إلى زمن الانحطاط والردة الذي نعيشه هذه الأيام، وبالأخص جرائم رجال جهاز الموساد التي ارتكبت بحق الفلسطينيين الأبرياء داخل الوطن وفي الشتات.
جرائم اغتيال ومجازر ومذابح بربرية وإبادات جماعية، لا أخلاقية ولا إنسانية كبيرة لا حصر ولا وصف لها إلا في سجلات التتار والمغول والنازيين، دأب الجزارون والسفاحون الصهاينة على ارتكابها بدم بارد بحق الفلسطينيين بشكل خاص والعرب بشكل عام، منذ عهد الإرهابي المقبور ديفيد بن غوريون حتى عهد الإرهابي الحالي بنيامين نتنياهو. وشلالات من الدماء الفلسطينية الذكية والطاهرة سفكها الإرهاب الرسمي الصهيوني الإجرامي على مدار 69 عاماً من الاحتلال القهري المتواصل. مسلسل دموي صهيوني بغطاء استكبار أمريكي ما تزال حلقاته تتواصل حتى أيامنا هذه.



الإرهاب الصهيوني واغتيال القادة الفلسطينيين في نيسان

ما أن يطل علينا شهر نيسان في كل عام إلا ونكون قد هيأنا أنفسنا لنعيش الأيام النيسانية الفلسطينية بكل ما تستدعيه من مستلزمات التأمل والاستنفار وما تفترضه من متطلبات الصبر والأمل والحيطة والحذر، بسبب ما تحمله هذه الأيام من مفاجآت مؤلمة ومحزنة، وما يترتب عليها من مخاطر وتبعات وارتدادات سلبية محتملة. ففي هذه الأيام الاستثنائية نجد أنفسنا مدفوعين بتلقائية تامة لإنعاش ذاكرتنا واسترجاع شريط تلك المجازر والمذابح وجرائم الاغتيال التي دفع فيها الشعب الفلسطيني من دمه الذكي والغالي الكثير من أجل أرضه المباركة وقضيته المقدسة، جراء صنوف وأنواع الإرهاب الصهيوني التي مورست ضده ولم تزل تُمارس حتى اليوم.
والآن ونحن نعيش هذه الأيام بحلوها ومرها، نستذكر مجازر القسطل ودير ياسين وفردان وسيدي بوسعيد والسارة وغيرهم الكثير الكثير، ونستذكر معها أرواح الشهداء الأبرار الذين سقطوا في شهور نيسانية سابقة اصطُلح على تسميتها فلسطينياً شهور البذل والعطاء والشهادة والاستشهاد من أجل الشرف والكرامة وحرية الأرض والإنسان، لكثرة الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا خلالها وبالأخص في صفوف القادة والكوادر. نستذكر أرواح الشهداء عبد القادر الحسيني وكمال عدوان وأبو يوسف النجار وكمال ناصر وخليل الوزير "أبو جهاد" والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والعقيد طيار محمد درويش والعقيد طيار غسان ياسين والمهندس طيار ثيودوروس جيورجي. نستذكر أرواح ثمانية عشر شهيداً أبت أرواحهم إلا أن تهاجر من الأرض الفلسطينية المحتلة لتعانق روح "أمير الشهداء" يوم وصلت يد الغدر الإرهابي الصهيوني إلى جسده الطاهر في العاصمة التونسية، وتُزف معها في عرس شهادةٍ ما بعدها شهادة. نستذكر أرواح هؤلاء الذين قالوا للكيان الصهيوني لا وألف لا، لن تموت جذوة الانتفاضة المباركة مع اغتيال "أمير الشهداء". نستذكر أرواح الشهداء الثلاثة الذين قضوا دفاعاً عن "الأمير" والقضية، مصطفى وحبيب التونسي وأبو سليمان.
وحتى لا أُلام أو أقع تحت طائلة لوم نفسي قبل لوم الآخرين لي أو يؤخذ علي مأخذ النسيان أو"التجاهل المتعمد لا قدر الله"، أرى أن من العدل والإنصاف استذكار أرواح كل الشهداء الفلسطينيين والعرب الذين وصلتهم يد الغدر الصهيونية خلال الشهور النيسانية. لكن اقتصار الحديث على هذا الشهر اللعين يستدعي مني التوقف فقط عند رموز قياديةٍ كبيرةٍ ومميزة كان شغلها الشاغل وهمها الأول الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني من أجل خدمة القضية المقدسة، ولم تقدم في وقت من الأوقات "الأنا" أو المصلحة الذاتية أو الحركية على المصلحة الوطنية الفلسطينية والمصلحة القومية العربية، استهدفها الإرهاب الصهيوني في شهور نيسانية لعينة سابقة.
فالحديث عن القائد الشهيد عبد القادر الحسيني يعيدنا بالذاكرة إلى الوراء 69 عاماً، حين استشهد في معركة القسطل في 8 نيسان 1948. ويعيدنا أيضاً إلى أيام بالغة الظلمة والسواد، أوغلت خلالها عصاباتا "شتيرن" و"الهاغاناة" الإرهابيتان في عدوانهما النازي والفاشي ضد الفلسطينيين لغرض ترحيلهم والاستيلاء على أراضيهم، فارتكبتا من المجازر والمذابح الجماعية ما لا يُعد ولا يُحصى، وما يندى لها جبين الإنسانية. ومن بين تلك المجازر كانت مجزرة "دير ياسين" التي حدثت في 9 و10 من ذات الشهر والعام والتي اغتال الصهاينة الأنذال فيها جميع أبناء البلدة إلا من نجا منهم بأعجوبة ، في واحدةٍ من أسوأ عمليات الإبادة الجماعية .
والتوقف عند 10 نيسان 1973 يذكرنا بذلك اليوم الذي تمكن فيه الإرهاب الصهيوني النازي بواسطة مجموعات مجرمة تابعة لجهاز "الموساد" من اغتيال ثلاثة من القادة الفلسطينيين الكبار في شارع فردان في قلب العاصمة اللبنانية بيروت هم كمال عدوان وأبو يوسف النجار وكمال ناصر.
فقد كان الشهيد القائد كمال عدوان واحداً من أهم وأبرز الإعلاميين إن لم يكن أهمهم وأبرزهم. وكان الحريص على أن تتعانق الكلمة الحرة مع البندقية الحرة. ورأى عدوان العالم من خلال القضية الفلسطينية فكان القائل الذي صَدَقَ قوله: "حتى تكون أممياً لا بد أن تكون فلسطينياً أولاً". وأتقن فن الثورة ودرب الآخرين على إتقانه وممارسته. أصدر جريدة "فتح" من قلب المعركة عندما تطلبت الضرورة ذلك.
وكان الشهيد القائد أبو يوسف النجار "السهل الممتنع" في مرونته وتصلبه. أما شعاره الثابت والدائم فكان "الحق أولاً والمبدأ أولاً". ومثل أبو يوسف النجار نموذجاً لجيلٍ فلسطينيٍ كاملٍ عَبَرَ عنه بنقاء ثوري أصيل.
أما "ضمير الثورة" الشهيد القائد كمال ناصر فقد أحبه جميع الثوار كما أحبهم، وكان لحركة فتح كما كان لجميع فصائل المقاومة الفلسطينية. كان أديباً وشاعراً ومفكراً، وكان إنساناً بكل معاني الإنسانية النبيلة. حبّب القتال إلى قلوب الجماهير فأصبحت الجماهير الحاضن الأمين والحُضن الآمن والدافئ لفكر المقاومة وممارساتها. وكان حريصاً على الوحدة الوطنية الفلسطينية وعمل من أجلها. سُمي "ضمير الثورة" لما مثّله من قاسمٍ فكريٍ وسياسيٍ مشتركٍ بين جميع فصائل المقاومة، مع تعدد نزعاتها الفكرية والسياسية.
وما من أحد عرف أمير الشهداء القائد الرمز خليل الوزير"أبو جهاد" إلا واحترمه وأحبه، وأنا كنت واحداً من هؤلاء وهم كُثر جداً في الأوساط الفلسطينية والعربية والإسلامية. فما أقوله أنا وغيري عن الأمير الشهيد القائد لا يُمثل جزءاً يسيراً مما اتصف به من نُبل وعُرف عنه من أخلاق حميدة ومسلك مُشرف. ولا أبالغ حين أقول أنني مهما اخترت له من الصفات النبيلة والكريمة والإنسانية الشائعة والجديدة لن أوفيه بعض ما استحقه في حياته وما يستحقه في مماته، وهو أكثر بكثير.
لقد كان "أبو جهاد" قائداً بكل معاني الكلمة، وما أحوجنا لأمثاله وأمثال إخوانه الذين عاصروه وقضوا قبله وبعده في هذه الأيام العصيبة والظرف الدقيقة والخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية وكل قضايا الأمة الوطنية والقومية. وصلت يد الإرهاب الصهيوني المجرم إلى جسده الطاهر في 16 نيسان 1988 فاغتالته مع ثلاثةٍ من مرافقيه بعد معركةٍ غلب عليها طابع الغدر في ضاحية سيدي بوسعيد التونسية.
ويوم اغتال الكيان الصهيوني الشهيد الكبير الذي سُميت "دورة الانتفاضة" للمجلس الوطني التي انعقدت في مدينة الجزائر في تشرين الثاني 1988، اعتقد أنه بذلك الاغتيال سيتمكن من اغتيال الانتفاضة المباركة. لكن وفاء أبنائها للقائد والقضية التي قضى من أجلها زاد الانتفاضة اشتعالاً وتوهجاً، إلى أن جاءت "أُوسلو" اللعينة فاغتالتها بالإنابة.
أما القائد الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، فقد وصلت إليه يد الغدر الحاقدة عن طريق الطائرات الحربية الصهيونية أمريكية الصنع التي قامت بقصف سيارته مساء 17 نيسان 2004، لتعانق روحه وروحا مرافقيه أكرم نصار وأحمد الغرة اللذان قضيا معه أرواح جميع شهداء فلسطين الأبرار الذين سبقوهم، وفي مقدمهم ملهمهم وقائدهم ومؤسس "حركة حماس" التي كانوا ينتمون إليها المغفور له الشيخ الجليل أحمد ياسين، الذي اغتالته الطائرات الصهيونية قبل 25 يوماً من اغتيالهم. ومسيرة القائد الرنتيسي المميزة نسخة مشرفة عن مسيرة الملهم والقائد، تجعلنا هي الأخرى أعجز من أن نذكر كل صفاته ومآثره الكريمة في كلمات أو سطور قليلة.
وكلا الرجلين، القائد والملهم، حرصا دائماً على الوحدة الوطنية الفلسطينية وعملا وقضيا من أجلها ومن أجل وحدة الشعب والأرض والقضية، ولربما أنه لو كتب لهما أن يعيشا أطول لما حدث ما حدث، ولما كان ما كان، ولما وصل الحال إلى ما وصل إليه، ولما فُرض على قطاع غزة أن يدير ظهره للضفة الغربية وقلبها مدينة القدس المباركة ويتباعد عنهما.
اقتصار حديثي على ستة فقط من القادة الرموز الكبار في مسيرة النضال والاستشهاد الفلسطينيين وفي مسيرة الوحدة الوطنية الفلسطينية لا يقلل أبداً من شأن وقيمة الشهداء الأبرار الآخرين. فكلهم شهداء القضية النبيلة، من أصغر طفل رضيع وامرأة وشيخ مسن حتى أكبر قائد فلسطيني، وكلهم تتمزق قلوبنا ألماً وحسرةً على فراقهم . فقوافل سبقت وأخرى تنتظر والعطاء مستمر. لكن "نيسانية" الموقف افترضت التوقف عند هؤلاء القادة للتدليل على فيض العطاء الفلسطيني، بانتظار وقفات أخرى قادمة.

إنه قدر فلسطين وشعبها أن يُلازمهما على الدوام حصادٌ دموي"نيسانيٌ" يعقبه حصاد بعد حصاد. مسلسل من الحصاد الدموي المستمر والمتواصل. فالإرهاب الصهيوني بشتى أشكاله وصوره الهمجية والمقززة مستمر ومتواصل، وشلال العطاء الفلسطيني من أجل الأرض والإنسان والقضية بشتى أشكاله وصوره النبيلة والمشرفة مستمر ومتواصل بغزارة هو الآخر. ولنا في كل يوم وأحياناً كثيرة في كل ساعة أو لحظة شهيد بل عشرات الشهداء، و"موسوعة الشهادة والاستشهاد" التي استوجبتها النكبة الكبرى لتخليد الدم الفلسطيني الطاهر تبقى مشرعة الأبواب ومفرودة الصفحات لاستقبال سير جديدة لكواكب من الشهداء الجدد ينضمون إلى إخوان ورفاق لهم سبقوهم إلى شرف الشهادة، إلى أن تتم العودة ويتحقق حلم الدولة الفلسطينية المستقلة ويعترف العالم كله بالمدينة المقدسة عاصمة لها.

رحم الله شهداء فلسطين والأمتين العربية والإسلامية.

حديثي عن الشهداء والشهادة والاستشهاد يتواصل، طالما أن العطاء الفلسطيني متواصل في مواجهة الإرهاب الصهيوني الذي لا يتوقف، والذي لن يتوقف إلا باستئناف الكفاح المسلح واستئصال الاحتلال واستعادة الأرض والحقوق كاملة ان شاء الله.



الإرهاب الصهيوني وارتكاب المجازر والمذابح في نيسان

من المعروف أن الإرهاب الصهيوني قد اتخذ منذ حدوث النكبة في عام 1948، ولربما منذ المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897، وحتى يومنا هذا أشكالاً ووجوهاً متعددة ومختلفة سعياً لتحقيق أهدافه، فمن شن الحروب العدوانية الإجرامية الخاطفة إلى ممارسة عمليات الاغتيال والتصفيات الجسدية وارتكاب المجازر والمذابح والإبادات الجماعية وممارسة عمليات الاغتيال والتصفيات الجسدية التي باتت أوسمة عار سوداء تُزين صدور الإرهابيين من قادة الكيان الصهيوني في تل أبيب كلّما شنّوا عدواناً أو مارسوا إرهاباً ضد الفلسطينيين والعرب في هذا البلد أو ذاك.

ولربما أنه كان لأيام الشهور النيسانية النصيب الأوفر من ذكريات الألم والوجع والدم الفلسطيني، بسبب ما ارتكبه جيش الحرب "الإسرائلي" وعصابات المستوطنين من مجازر ومذابح واغتيالات يندى لها ضمير الإنسانية في هذه الشهور، بإيعاز من قادة كيان العدو الصهيوني ودعم من الولايات المتحدة زعيمة الاستعمار العالمي الجديد وحلفائها في الغرب والشرق.

في ما يلي أبرز أبرز المذابح والمجازر التي ارتكبها الصهاينة الأشرار خلال الشهور النيسانية، في إطار مسلسل الإرهاب الصهيوني المتواصل ضد الفلسطينيين والعرب:



مجزرة قرية اللجون

كان عدد سكان قرية اللجون عام 1940 لا يتجاوز 1103 شخصاً، وعام 1937 كان فيها 162 منزلا، وست طواحين للحبوب، وسبعة باصات ومدرسة واحدة بلغ عدد طلابها 83 طالبا. وتقع القرية على الطرف الجنوبي الغربي من مرج ابن عامر.

في عام 1937 حاولت العصابات الصهيونية اقتحام قرية اللجون أكثر من مرة لكنها فشلت، وفي 13 نيسان 1948، هاجمت عصابة "الهاجاناة" الإرهابية الصهيونية القرية، قرب مدينة جنين فقتلت 13 شخصاً من أهلها.



مجزرة دير ياسين

حاول بعض المؤرخين الصهاينة التقليل من أهمية وحجم المجازر الصهيونية التي ارتكبت؛ فاعترفوا بمجزرة دير ياسين وبعض المجازر الصغيرة، ليحصروا جرائمهم فقط بدير ياسين ويغطوا على عشرات الجرائم التي ارتكبت وما زالت ترتكب بحق الشعب الفلسطيني. فدير ياسين قرية عربية فلسطينية تبعد حوالي 6 كم للغرب عن مدينة القدس، وعدد سكانها عام 1948 كان 750 نسمة، وعدد منازلها 144 منزلا. في عام 1943 كان فيها مدرسة للبنات وأخرى للذكور.

في عملية مفاجئة بدأت قوات العصابات الصهيونية "اتسل والأرغون والهاجاناه" ليلة 9 نيسان 1948 مزودة بالاستراتيجية الإرهابية الصهيونية القائمة على قتل المدنيين لتحقيق أمانيهم، بالتسلل إلى القرية بهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، وذلك بذبح سكان القرية وتدمير منازلها وحرقها على سكانها وهم في غفلة من ذلك، ولم ينج من تلك المذبحة الإرهابية البشعة إلا القليل من السكان ليصفوا للعالم بأسره مدى الهمجية التي وصلت لها الصهيونية، فقد بدأ الهجوم والأطفال نيام في أحضان أمهاتهم وآبائهم، وقاتل العرب كما يقول مناحيم بيغن في حديثه عن المذبحة، دفاعاً عن بيوتهم ونسائهم وأطفالهم بقوة، فكان القتال يدور من بيت إلى بيت، وكان اليهود كلما احتلوا بيتاً فجروه، ثم وجهوا نداء للسكان بوجوب الهروب أو ملاقاة الموت، وصدق الناس النداء فخرجوا مذعورين يطلبون النجاة لأطفالهم ونسائهم، فما كان من عصابات شتيرن والأرغون إلا أن سارعت، بحصد من وقع في مرمى أسلحتهم، وبعد ذلك أخذ الإرهابيون يلقون القنابل داخل البيوت ليدمروها على من فيها، في صورة همجية قل ما شهدت مثلها البشرية إلا من حثالات البشر، وكانت الأوامر تقضي بتدمير كل بيت، وسار خلف المتفجرات إرهابيو الأرغون وشتيرن فقتلوا كل من وجدوه حياً، واستمر التفجير بهذه الهمجية حتى ساعات الظهر من يوم 10 نيسان 1948، ثم جمعوا من بقي على قيد الحياة من المدنيين وأوقفوهم بجانب الجدران والزوايا وأطلقوا النار عليهم، وأخرجوا من داخل المنازل نحو 25 رجلاً، نقلوهم في سيارة شحن، واقتادوهم في جولة انتصار، في حي محانيه يهودا وزخرون يوسف، وفي نهاية الجولة، أحضروهم إلى مقلع للحجارة يقع بين تحوعات شاؤول ودير ياسين، وأطلقوا الرصاص عليهم بدم بارد، ثم أصعد "محاربو" اتسل وليحي النساء والأطفال، الذين قدر لهم أن يبقوا على قيد الحياة إلى سيارة شحن ونقلوهم إلى بوابة مندلباوم، ثم جاءت وحدة من الهاجاناه، فحفرت قبراً جماعياً دفنت فيه 250 جثة أكثرهم من النساء والأطفال والشيوخ .

ووصفت إحدى الناجيات من تلك المجزرة، واسمها حليمة عيد، ما حدث لأختها فقالت إنها "شاهدت جندياً يمسك بشقيقتها صالحة الحامل في شهرها التاسع وهو يصوب رشاشه إلى عنقها ثم يفرغ رصاصة في جسدها، ثم يتحول إلى جزار فيمسك سكيناً ويشق بطنها ليخرج الطفل مذبوحاً. وفي موقع آخر من القرية شاهدت الفتاة حنة خليل رجلاً يستل سكيناً كبيرة ويشق بها جسم جارتها جميلة حبش من الرأس إلى القدم، ثم يقتل بالطريقة ذاتها على عتبة المنزل جارها فتحي. كما وصفت صفية، وهي امرأة في الأربعين، كيف فوجئت برجل يفتح سرواله وينقض عليها فقالت: "رحت أصرخ وأولول، وحولي النساء يُكرهن على مصيري ذاته، وبعد ذلك، انتزعوا ثيابنا وجردونا منها ليلامسوا نهودنا وأجسامنا بحركات لا توصف وقد عمد بعض الجنود إلى قطع آذان النساء للاستيلاء على بعض الحلي الصغيرة".

وبعد تسرب أخبار المجزرة حاولت بعثة من الصليب الأحمر زيارة القرية، فلم يسمح لها بزيارة الموقع إلا بعد يوم من طلبها، وحاول الصهاينة أن يخفوا آثار جريمتهم، فجمعوا ما استطاعوا جمعه من أشلاء الضحايا وألقوها في بئر القرية وأقفلوا باب البئر، وحاولوا تغيير معالم المكان، حتى لا يعثر عليه مندوب الصليب الأحمر، لكنه استطاع معرفة مكان البشر ووجد فيه 150 جثة مشوهة، لنساء وأطفال وشيوخ، وفضلاً عن الجثث التي وجدت في البئر دفنت عشرات الجثث في قبور جماعية في حين بقيت عشرات أخرى مبعثرة في زوايا الطرقات وخرائب البيوت.

ـ ذكر رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق الإرهابي مناحم بيجين في كتابه "الثورة" أن الاستيلاء على دير ياسين "كان جزءاً من خطة أكبر، وأن العملية تمت بكامل علم الهاجاناه وبموافقة قائدها، وأن الاستيلاء على دير ياسين والتمسك بها يُعَد إحدى مراحل المخطط العام رغم الغضب العلني الذي عبَّر عنه المسؤولون في الوكالة اليهودية والمتحدثون الصهاينة".

ـ ذكرت "موسوعة الصهيونية وإسرائيل" التي حررها العالم الصهيوني روفائيل باتاي أن لجنة العمل الصهيونية "اللجنة التنفيذية الصهيونية" وافقت في آذار من عام 1948 على "ترتيبات مؤقتة، يتأكد بمقتضاها الوجود المستقل للإرجون، ولكنها جعلت كل خطط الإرجون خاضعة للموافقة المسبقة من جانب قيادة الهاجاناه".

ـ كانت الهاجاناه وقائدها في القدس ديفيد شالتيل يعمل على فرض سيطرته على كل من الإرجون وشتيرن، فلما أدركتا خطة شالتيل قررتا التعاون معاً في الهجوم على دير ياسين. فأرسل شالتيل رسالة إليهما تؤكد لهما الدعم السياسي والمعنوي في 7 نيسان، أي قبل وقوع المذبحة بيومين، جاء فيها: "بلغني أنكم تخططون لهجوم على دير ياسين. أود أن ألفت انتباهكم إلى أن دير ياسين ليست إلا خطوة في خططنا الشاملة. ليس لدي أي اعتراض على قيامكم بهذه المهمة، بشرط أن تجهِّزوا قوة كافية للبقاء في القرية بعد احتلالها، لئلا تحتلها قوى معادية وتهدِّد خططنا".

ـ جاء في إحدى النشرات الإعلامية التي أصدرتها وزارة الخارجية الصهيونية أن ما وصف بأنه "المعركة من أجل دير ياسين" كان جزءاً لا يتجزأ من "المعركة من أجل القدس"!!



مجزرة قرية قالونيا

كانت قرية قالونيا تقع على الطريق العام للقدس – يافا وتبعد عن الأولى 7 كلم. في عام 1931 بلغ عدد سكانها 632 نسمة، وكان عدد منازلها 156منزلاً، وكان فيها مسجد ومدرسة ابتدائية. في عام 1945 كانت أراضيها مقسمة كالتالي، 846 دونمًا مخصصة للحبوب و1022 دونمًا من البساتين والأراضي المروية و200 دونم مزروعة بأشجار الزيتون.

في 12 نيسان 1948هاجمت قوة من "البالماخ" الإرهابية قرية قالونيا، وقضت يومين في نسف بيوتها الحجرية. قال اليهودي الانجليزي هاري ليفين الذي رافق قوة البلماح أثناء مهاجمة القرية أنها "كانت تبدو كبركان ثائر، قصف مدفعي وإطلاق نار عشوائي كان يأتي من كل حدب وصوب"، وأنه أحصى 14 جثة، إلا أن "عدد القتلى كان أكبر من ذلك بكثير".



مذبحة ناصر الدين

في عام 1931 كان عدد منازل قرية ناصر الدين 35 منزلًا، وفي عام 1945 بلغ عدد سكانها 90 مواطنا فقط. تقع القرية على تلة تشرف على بحيرة طبريا، واشتهر سكانها بتربية الماشية وزراعة الحبوب على مساحة وصلت 4172 دونمًا. قصد الصهاينة من وراء تدميرها إشاعة الرعب لدى سكان مدينة صفد والقرى المجاورة، فكانت اول قرى قضاء صفد تتعرض للتدمير.

في 14 نيسان 1948 اشتدت حدة القتال في مدينة طبربة بين العرب والصهاينة، وكان التفوق في الرجال والمعدات في جانب الصهاينة منذ البداية. وجرت محاولات لنجدة مجاهدي طبرية من مدينة الناصرة وما جاورها. وجاءت أنباء إلى أبناء البلدة عن هذه النجدة وطُلب منهم التنبه وعدم فتح النيران عليها. ولكن هذه الأنباء تسربت إلى العدو الصهيوني الذي سيطر على مداخل مدينة طبرية فأرسلت منظمتا "ليحي والإرجون" في الليلة المذكورة قوة إلى قرية ناصر الدين تنكر أفرادها بالملابس العربية، فاعتقد الأهالي أنهم أفراد النجدة القادمة إلى طبرية فاستقبلوهم بالترحاب، وعندما دخل الصهاينة القرية فتحوا نيران أسلحتهم على مستقبليهم، ولم ينج من المذبحة سوى أربعين من سكان القرية ال 90 استطاعوا الفرار إلى قرية مجاورة. وقد دمر الصهاينة بعد هذه المذبحة جميع منازل ناصر الدين.



مذبحة تل لتفنسكي

تل لتفنسكي كان معسكراً سابقاً للجيش البريطاني، وبعد اخلائه سكنته بعض العائلات الفلسطينية التي هربت من قراها إلى يافا، بحكم وجود المعسكر في قضاء المدينة ووقوعه بين قريتي العباسية وسلمة. في 16 نيسان 1948 قامت عصابات صهيونية مسلحة بمهاجمة المعسكر، وأطلق أفرادها النيران على ساكنيه، فقتلوا نحو 90 منهم معظمهم من النساء والأطفال.



مجزرة طبريا

بتاريخ 19 نيسان 1948 نسفت العصابات الإرهابية الصهيونية أحد منازل مدينة طبريا، فقتلت 14 شخصاً من سكانها كانوا يختبئون في ذلك المنزل.



مجزرة مدينة حيفا

بتاريخ 22 نيسان 1948هاجم الغزاة الصهاينة، بعد منتصف الليل، مدينة حيفا، قادمين من هادار الكرمل "الحي اليهودي في أعالي جبل الكرمل"، فاحتلوا البيوت والشوارع والمباني العامة، وقتلوا 50 فلسطينياً وجرحوا 200 آخرين. وقد فوجئ سكان المدينة فاخرجوا نساءهم وأطفالهم إلى منطقة الميناء لنقلهم إلى مدينة عكا، وأثناء هربهم هاجمتهم المواقع الصهيونية الأمامية فاستشهد 100 شخص من المدنيين، وجرح 200 آخرون.



مجزرة القدس

ارتكبها الصهاينة في 22 نيسان 1953 واشتشهد فيها 10 مدنيين فلسطينيين.



مذبحة غزة الثانية

للتذكير، حصلت مذبحة غزة الأولى مساء 28 شباط 1955.

مساء يوم الخميس 5 نيسان من العام التالي 1956 قام جيش الحرب الصهيوني بإطلاق النار من مدافع مورتر عيار 120 ملم على مدينة غزة، وقد ركز القصف على وسط المدينة المكتظ بالسكان المدنيين الذين كانوا يمارسون أعمالهم المعتادة، وقد تركز القصف على شارع المختار وميدان فلسطين والشوارع المجاورة ومنطقة الشجاعية. وقد قتل نتيجة تلك المجزرة الإرهابية التي اقترفتها عصابات الجيش بحق الشعب الفلسطيني 56 وجرح 103 أشخاص بين رجل وامرأة وطفل، وقد توفي في وقت لاحق بعض الجرحى فارتفع رقم القتلى إلى 60 قتيلاً من المدنيين، منهم 27 سيدة و29 رجلاً و4 أطفال.

مذبحة بحر البقر "مصر"

وقعت هذه المذبحة في 8 نيسان 1970 بتأثير وجع حرب الاستنزاف داخل كيان العدو الصهيوني، حيث قامت طائراته القاذفة في ذلك اليوم بالهجوم على مدرسة صغيرة لأطفال الفلاحين في قرية بحر البقر، إحدى القرى التي تقع على أطراف محافظة الشرقية في جمهورية مصر العربية، وأمطرتها بالقذائف لمدة زادت على عشر دقائق متواصلة وراح ضحيتها 19 طفلاً وجُرح أكثر من 60 آخرين. تجدر الإشارة إلى أن القرية كانت خاوية من أية أهداف عسكرية.



مذبحة قانا "لبنان"

لم تقتصر عمليات التطهير العرقي التي قام بها جيش الحرب الصهيوني خلال سنوات الاحتلال على المدنيين الفلسطينيين فحسب، وإنما تعدتهم لتشمل المدنيين اللبنانيين الأبرياء. ففي 18 نيسان 1996 وفي سياق عملية عسكرية همجية كبيرة حملت اسم "عناقيد الغضب"، بدأت يوم 11 من ذلك الشهر واستمرت حتى 27 منه، حين انتهت بقرار أممي أوقف بموجبه إطلاق النار، ارتكب هذا الجيش الهمجي العديد من المذابح والمجازر كان أبرزها مذبحة "قانا" التي كانت الأكثر دموية.

كانت عملية "عناقيد الغضب" الرابعة من نوعها لهذا الجيش تجاه لبنان، بعد اجتياح 1978 وغزو 1982، واجتياح 1993، واستهدفت 159 بلدة وقرية في الجنوب والبقاع الغربي. رمت "عناقيد الغضب" إلى ثلاثة أهداف أساسية غير تلك التي أعلنها القادة والزعماء الرسميون والإعلاميون في كيان العدو وهي، الحد من عملية تآكل هيبة الجيش الصهيوني، ومحاولة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه وتقييد نشاطه من خلال الضغط إلى الدرجة القصوى على القيادتين اللبنانية والسورية لتحقيق هذا الهدف، ورفع معنويات عملاء كيان العدو في جيش لبنان الجنوبي الذي كان جنده وقادته يعيشون حالة من الرعب والقلق والارتباك والخوف على المصير المتوقع بعد الوصول لتسوية نهائية للوضع في لبنان. وكانت القيادات الرئيسية في كيان العدو قد أعلنت أن الهدف من وراء هذه العملية هو أمن مستعمرات الشمال وأمن الجنود الصهاينة في الحزام المحتل في جنوب لبنان، إلا أن المراقبين رصدوا في حينه تصريحات لرئيس الحكومة الصهيونية شيمون بيريز ووزيري الحرب والخارجية فيها أشارت للأهداف الثلاثة التي ذكرناها، ولا يمكن تجاهل اقتراب موعد الانتخابات العامة في تل أبيب ورغبة بيريز آنذاك في استعراض سطوته وجبروته أمام الناخبين الصهاينة حتى يواجه الانتقادات التي وجهها له المتشددون داخل الكيان، بعد الخطوات التي قطعها في سبيل تحقيق قدر يسير من التفاهم مع العرب.

فمنذ تفاهم تموز 1993 الذي تم التوصل إليه في أعقاب اجتياح 1993 المعروف بعملية تصفية الحسابات، التزم الطرفان اللبناني والصهيوني بعدم التعرض للمدنيين، والتزم الجانب اللبناني بهذا التفاهم وانصرف عن مهاجمة شمال كيان العدو إلى محاولة تطهير جنوب لبنان من القوات التي احتلته في غزو 1982 الذي عُرف بعملية تأمين الجليل. ومع تزايد قوة وجرأة حزب الله في مقاومة القوات المحتلة لجنوب لبنان أصيب الكيان بحالة من الفزع وشرع في خرق التفاهم ومهاجمة المدنيين قبل العسكريين في عمليات محدودة إلى أن فَقَد قادته أعصابهم، الأمر الذي ترجمه شيمون بيريز إلى عملية عسكرية، حاول أن يسترد من خلالها هيبة جيشه الذي تحطَّم على صخرة المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، ويستعيد الوجه العسكري لحزب العمل بعد أن فَقَد الجنرال السابق اسحق رابين باغتياله. ومما يُعَد دلالة في وصف سلوك الصهاينة بالهلع، كان حجم الذخيرة التي استخمت مقارنةً بضآلة القطاع المُستهدَف. فرغم صغر حجم القطاع المُستهدَف عسكرياً وهو جنوب لبنان والبقاع الغربي إلا أن طائرات جيش الحرب الصهيوني قامت بحوالي 1500 طلعة جوية وتم إطلاق أكثر من 32 ألف قذيفة، أي أن المعدل اليومي لاستخدام قوات الاحتلال كان 89 طلعة جوية، و1882 قذيفة مدفعية. وقد تدفَّق المهاجرون اللبنانيون على مقار قوات الأمم المتحدة المتواجدة بالجنوب ومنها مقر الكتيبة الفيجية في بلدة قانا، فقامت القوات القوات الصهيونية المجرمة بقذف الموقع الذي كان يضم 800 لبنانياً إلى جانب قيامها بمجارز أخرى في الوقت نفسه في بلدة النبطية ومجدل زون وسحمر وجبل لبنان. وأسفرت هذه العملية عن مقتل 250 لبنانياً منهم 110 لبنانيين في قانا وحدها، بالإضافة للعسكريين اللبنانيين والسوريين وعدد من شهداء حزب الله. كما بلغ عدد الجرحى الإجمالي 368 جريحاً، بينهم 359 مدنياً، وتيتَّم في هذه المجزرة أكثر من 60 طفلاً قاصراً. وبعد قصف قانا سرعان ما تحوَّل هذا إلفعل الصهيوني الإجرامي إلى فضيحة كبرى عُريت فيها "دولة" البغي والعدوان أمام العالم، فسارعت بالإعلان زوراً وبهتاناً "أن قصف الموقع تم عن طريق الخطأ". ولكن الأدلة على كذبها تواترت تباعاً، وتجسد أبرزها بفيلم فيديو تم تصويره للموقع والمنطقة المحيطة به أثناء القصف، ظهرت فيه طائرة استطلاع صهيونية بدون طيار كانت تحلق فوق الموقع تأكد أنها استُخدمت في توجيه المدفعية الصهيونية التي قصفته، بالإضافة لما أعلنه شهود العيان من العاملين في الأمم المتحدة من أنهم شاهدوا طائرتين مروحيتين بالقرب من الموقع المنكوب.

ومن جانبه اعترف رئيس وزراء كيان العدو شيمون بيريز بالجريمة في قوله "إنها فضيحة أن يكون هناك 800 مدني يقبعون أسفل سقف من الصاج ولا تبلغنا الأمم المتحدة بذلك". وجاء الرد سريعاً وواضحاً، إذ أعلن مسؤولو الأمم المتحدة أنهم أخبروا المسؤولين الصهاينة مراراً بوجود تسعة آلاف لاجئ مدني يحتمون بمواقع تابعة للأمم المتحدة. كما أعلنوا للعالم أجمع أن قوات الاحتلال وجهت نيرانها للقوات الدولية ولمنشآت الأمم المتحدة 242 مرة في تلك الفترة، وأنهم نبَّهوا تلك القوات إلى اعتدائهم على موقـع القوات الدولية في قانا أثناء القصف ولقد أكد تقرير الأمم المتحدة مسؤولية حكومة شيمون بيريز وجيشه عن هذه المذبحة البربرية المتعمدة. ورغم الضغوط الأمريكية والصهيونية التي مورست على الدكتور بطرس بطرس غالي أمين عام الأمم المتحدة آنذاك لإجباره على التستر على مضمون هذا التقرير فإن غالي كشف عن جوانب فيه، وهو الأمر الذي قيل إنه كان من بين أسباب إصرار واشنطن على حرمانه من الاستمرار في موقعه الدولي لفترة ثانية. وفي عام 1997 اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً دعا كيان العدو الصهيوني إلى دفع تعويضات لضحايا المذبحة، لكن قادته امتنعوا عن ذلك.

وقد اكتسبت مذبحة قانا 1996 أهمية خاصة لأنها كشفت كذب ادعاء حكومة ائتلاف العمل الصهيوني بما روجته عن سعيها للسلام مع العرب وزيف دعوة شيمون بيريز لفكرة السوق الشرق أوسطية. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن بيريز رغم قيامه بعملية عناقيد الغضب وارتكاب جيشة "مذبحة قانا" الرهيبة إلا أن العملية فشلت في تحقيق أي من أغراضها المباشرة أو غير المباشرة، فلم تستطع القضاء على المقاومة وها هي تزداد يوماً بعد يوم قوة فوق قوة وتشكل قوة ردع يُحسب لها ألف حساب، في حين ذهب بيريز إلى الجحيم.



مخيم جنين...من الملحمة إلى المجزرة

بعد عشرين عاماً على مذبحة صبرا وشاتيلا، وخمسين عاماً على مذبحة قبية، ارتكب الجزار نفسه، والقاتل نفسه مذبحة في مخيم جنين. حدثت المجزرة بين 2 و14 نيسان 2002 وقال عنها في حينه مندوب الأمين العام للأمم المتحدة تيري لارسن أنها تفوق الوصف من حيث بشاعتها. نعم، لقد فاقت تلك الجريمة النكراء كل ما هو مألوف لدى البشر.

بدأت عملية الاقتحام الفعلي لمخيم جنين، فجر يوم 2 نيسان 2002، وحشد جيش الاحتلال أكثر من 20 ألفاً من قوات الاحتياط وأكثر من 400 دبابة وناقلة جند ومجنزرة، بالإضافة إلى الدعم والقصف الجوى، واستخدام شتى أنواع المدفعية والصواريخ، وكما عُرف بالمقابل فقد اشتدت المقاومة، وتحولت إلى حرب ضروس تعرض خلالها لواء "جولاني"، الذي كان يقود عمليات الاقتحام، إلى خسائر فادحة أدت إلى اتخاذ رئيس الأركان الصهيوني في حينه شاؤول موفاز، قرارًا بعزل قائد اللواء العسكري المكلف بالمهمة العقيد يونيل ستريك، وتعيين نائبه المقدم ديدي بدلا منه، وتجرع القائد الجديد مرارة الفشل، فقام الجزار المقبور أرئيل شارون بتكليف رئيس الأركان نفسه، بقيادة العمليات العسكرية ضد المخيم، وهو أمر له دلالة كبيرة على مدى شراسة المقاومة، ومدى الصعوبة التي واجهها جيش الحرب الصهيوني وقيادته.

فقد أكدت المقاومة الفلسطينية بأنها لن تسمح باحتلال المخيم إلا فوق جثث أفرادها وأنها، لن تنسحب، رغم علمها بنية قوات الاحتلال باقتحام المخيم. وبالفعل عجز هذا الجيش المجرم عن اقتحام المخيم لمدة ثمانية أيام كاملة، واضطر إلى تكثيف القصف الجوى، بالقنابل والصواريخ لتدمير المنازل ودفن السكان تحت الأنقاض، وسيلة للتغلب على المقاومة الباسلة. 

ورغم كل آلة الحرب والدمار، حول الفلسطينيون المخيم إلى ساحة حرب حقيقية، وملعبًا للبطولة الفذة النادرة، وقاموا ببراعة ومهارة، بتحويل المخيم إلى مصنع كبير لإنتاج العبوات الناسفة في الأزقة والمنازل وساحات المخيم، وقام الجميع بزرع العبوات في كل زاوية، وعلى كل مدخل أو زقاق، ووصل الأمر إلى زرع العبوات المتفجرة على أعمدة الكهرباء وفى السيارات، وتلغيم بيوت كاملة كان يتوقع دخول الجنود الصهاينة إليها، مثل، بيت الشهيد محمود طوالبة الذي قتل فيه جنديان وجرح خمسة آخرون.

ووصف الصحفي الفرنسي في جريدة "لوماتينيه" بيار بابا رنسي ما حدث في جنين لوكالة أنباء "فرانس برس" قائلاً: "قام جنود الاحتلال بحفر فجوة واسعة بوسط المخيم، يوم 14 نيسان 2002، لدفن عدد غير قليل من جثث الضحايا الفلسطينيين، وقال أن "وسط المخيم بات يشبه برلين عام 1945 نظراً لحجم التدمير الفظيع".

وأضاف بيار بابا رنسي: "شممت رائحة الجثث، وشاهدت أكواماً من النفايات والحشرات وظروفاً صحية مريعة وأطفالاً متسخين ونساء يصرخن وهن يحملن أطفالهن، ونقصاً في مياه الشرب، وانقطاعاً للأغذية والحليب الضروري للأطفال، ورأيت في مبنيين مختلفين جثثاً محترقة بالكامل، وجثتين تحت الركام والأنقاض، وتم العثور على 14 جثة تحت أنقاض أحد المنازل".

بنتيجة تلك المذبحة أزيل المخيم بالكامل عن الوجود، ووقع ضحيتها أكثر من 500 شهيد من الأطفال والنساء والشيوخ، وبقي الكثير منهم تحت أنقاض المباني المهدمة، وأكثر من 100 من المدنيين أعدموا دون محاكمة في أزقة المخيم، وعشرات الجرحى استشهدوا بعد أن تُركوا ينزفون حتى الرمق الأخير دون أن يتمكن أحد من تقديم العلاج لهم، وعائلات بأكملها، من أطفال ونساء ورجال وشيوخ ومرضى، أبيدت بالكامل، ومئات من جثث الشهداء دفنت في مقابر جماعية سرية حتى يتم إخفاء معالم الجريمة، وعشرات الجثث سحقت بجنازير الدبابات، وأطفال ماتوا لأنهم لم يجدوا الحليب خلال عشرة أيام من محاصرة المخيم.

كان جيش الحرب الصهيوني قد شرع في 29 آذار 2002، إي قبل 4 أيام من بدء المذبحة، بحملة عسكرية احتل فيها العديد من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وبعد أسبوعين من حصار مخيم جنين واندلاع قتال عنيف بين المقاومين الفلسطينيين والقوات الصهيونية التي قادها رئيس الأركان شاؤول موفاز في ظل حكومة المجرم أرييل شارون، لم يعد من سبيل أمام تلك القوات للقضاء على المقاومة سوى هدم المخيم على رؤوس ساكنيه ونفاد ذخيرة المقاومين الفلسطينيين، وعندها باشرت تلك القوات حملة إعدامات مكثفة في صفوف هؤلاء الفلسطينيين، وقد ترافقت حملة الإعدامات تلك مع جهد دؤوب من قبل الجرافات بإزالة المخيم من الوجود.
قتل في الهجوم 23 جنديا صهيونياً واصيب العشرات منهم، بعضهم وقع في كمائن للمقاومة التي شكلت وحدة عمليات مشتركة حيث خاض مقاتلو كافة الفصائل الوطنية والاسلامية المعركة موحدين . ويتذكر اهالي المخيم انه ورغم نداءات الجيش لهم بالاستسلام قررت قيادة المقاومة من كتائب شهداء الاقصى وسرايا القدس وكتائب القسام وعناصر الامن الوطني، الذين كان يقودهم الشهيد ابو جندل، ومن الجبهة الشعبية مواصلة المعركة خاصة بعد سقوط عدد من قادة المعركة رافضين تسليم اسلحتهم والاستسلام .
وحسب شهود عيان فقد حفر جنود الاحتلال حفرا عميقة وضعوا فيها جثث الشهداء الفلسطينيين، بعد منع محكمة العدل في الكيان الصهيوني جيش الاحتلال من التصريح بذلك.

أكد شهود عيان أن شاحنات تابعة لقوات الاحتلال شوهدت وهي تدخل المخيم وتخرج منه، وهي محملة بجثث الشهداء ومتجهة إلى جهة مجهولة. وأفاد بعضهم فيما بعد أن تلك الشاحنات اتجهت إلى منطقة الغور ودفنت الجثث في قبور جماعية. وأظهرت الصور التلفزيونية جثثاً متفحمة وأخرى متعفنة تحت الأنقاض، وقيام الصهاينة بإعدام ميداني للعديد من المدنيين والمسلحين بعد نفاذ ذخيرتهم.‏

أعلنت السلطة الفلسطينية أن جيش الحرب الصهيوني المجرم قام بدفن الشهداء في مقابر جماعية في محاولة يائسة لإخفاء معالم المجزرة. وأكدت أن دباباته وطائراته وجرافاته قامت بهدم منازل المخيم واحداً بعد الآخر على رؤوس من تبقى من الأهالي، ونسفت الجوامع والمساجد والمستوصفات وجميع المؤسسات المدنية وأتت على البشر والشجر والحجر وكل شيء في المخيم.

اكتملت الدراسة

مصادر المجازر:

1 – الموسوعة الفلسطينية

2– مؤسسة الدراسات الفلسطينية

3– مركز المعلومات الوطني الفلسطيني – وفا

4 – ملحمة جنين (كتاب القدس)

5 – من مقالاتي السابقة حول المجازر الصهيونية

بهاء الحريري يدخل السياسة اللبنانيّة من الباب الصهيوني في واشنطن


 

لا جدوى من الحديث عن الديموقراطيّة في بلادنا. هي ممنوعة بأمر صارم من الدول الغربيّة. تشهد واشنطن هذه الأيام ثورة تقودها وكالات الاستخبارات، ضد ما يُطلق عليه مصطلح «التدخّل الروسي في الانتخابات الأميركيّة» بحجّة أن تسريبات «ويكليكس» كانت بإيعاز من الحكومة الروسية، علماً بأنه ليس من دليل على ذلك، كما أن تقرير الاستخبارات الأميركيّة كان هزيلاً في حججه وخالياً من إثباتات وقرائِن. وكأن هيلاري كلينتون كانت ستفوز بالرئاسة لولا تسريبات «ويكليكس».

تاريخياً، تتدخل دول الغرب في انتخابات بلادنا، كما تتدخل في كل دول العالم. ويمول الغرب مَن يشاء، وإقصاء مَن تشاء (وحتى قتل مَن تشاء). وهي تحدّ من تدخّلات دول أخرى منافسة كي تخلو لها الساحة. أكثر مِن ذلك، فإن دول الغرب تتدخّل في توقيت إجراء الانتخابات. ونحن لدينا مثال غير بعيد، عندما فرض الغرب مجتمعاً إجراء انتخابات نيابيّة في لبنان بعد اغتيال الحريري مباشرة لقطف ثمار الحدث لصالح حلفائها، وكيف عارض الغرب تمديد ولاية الرئيس إميل لحّود لأنها معتادة على الحرص على الانتخابات الرئاسيّة في كل دول الخليج والأردن والمغرب ومصر، وغيرها من الاستبدادات المعتدلة.

الأثرياء العرب في الدول التي تجرى فيها انتخابات (صُوَريّة أو أقل صُوَريّة)، باتوا يسعون للدخول إلى عالم السياسة عبر غزو عواصم دول الغرب أوّلاً (أو الشرق عندما تكون مؤثّرة). ورفيق الحريري بدأ عمله السياسي في لبنان خارج لبنان: أي أنه مهّد لدخوله إلى السياسة عبر نسج علاقات قويّة مع الحكم السعودي ثم مع المخابرات السوريّة ومع الإدارات الأميركيّة المتعاقبة. رفيق الحريري افتتح مكتباً في واشنطن في الثمانينيات وجنّد فيه سياسيّين وديبلوماسيّين أميركيّين متقاعدين (من السناتور شارل برسي إلى ريتشارد ميرفي ــ وزوجة الأخير عملت مديرة في مؤسّسة الحريري في واشنطن). وهناك مَن يعزّز موقعه السياسي الداخلي عبر تقديم خدمات مخابراتيّة وميليشاويّة لدول الغرب، كما فعل وليد جنبلاط في سنوات الحرب الأهليّة حتى عندما كان حليفاً للاتحاد السوفياتي. وكل أثرياء لبنان لم يدخلوا عالم السياسة فيها إلا عبر بوّابة خارجيّة (الحاج حسين عويني كان نموذجاً عن الحريري في علاقاته مع السعوديّة قبل رفيق الحريري، كما كتب عنه فوّاز طرابلسي، كما أن إميل بستاني كان يسعى للرئاسة اللبنانيّة عبر شبكة علاقات عربيّة وغربيّة).

والأثرياء اللبنانيّون الآخرون، مِن أصحاب الميليارات، لا يختلفون. كان عصام فارس يتبرع للحزب الجمهوري في أميركا. وفؤاد مخزومي أنفق مئات الآلاف من الدولارات في تبرّعات (باسمه أو باسم زوجته) على الحزب المحافظ في بريطانيا، وبرز اسمُه أخيراً في فرنسا حول منح ماليّة للمرشّح فيون (سعياً للقاء بوتين، حسب الإعلام الفرنسي)، فيما بدأ الثري الآخر نعمه فرام بالتقرّب من الذراع الفكرية للوبي الإسرائيلي (أي «مؤسّسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»). والتقرّب من مراكز القرار سهل عمليّاً في واشنطن.

السياسي اللبناني الكسرواني، هنري صفير، أراد أن يترشّح للرئاسة اللبنانيّة في الثمانينيات فزار واشنطن واستطاع أن يلتقي برئيس لجنة العلاقات الخارجيّة في الكونغرس عبر شركات اللوبيات العديدة. تستطيع شركات العلاقات العامّة في واشنطن أن ترتّب مقابلات مع أعضاء في الكونغرس وفي الإدارة لِمن يدفع. والمال يشتري عضويّة في مجالس علاقات خارجيّة وفي منتديات اقتصاديّة، حيث يلتقي الثري اللبناني (أو العربي) بصانعي القرار الغربيّين ورجال الإعلام. هديّة لولف بلتزر الصحافي الإسرائيلي في «سي.إن.إن» (كان اسمه زئيف باراك عندما كانت يكتب في الصحافة الإسرائيليّة) تضمن دعوة لمقابلة في «سي.إن.إن» (مَن قال إن الفساد لا يعمّ في إعلام الغرب... رفيق الحريري كان يشتري المراسلين الغربيّين كما يشتري السجّاد الفاخر). والثري يمكن أن يُدعى لعضويّة في نوادي وتجمّعات لكن بشروط صهيونيّة (فؤاد مخزومي، هو عضو مجلس إدارة «المشروع الأميركي ــ الشرق الأوسطي»، الذي يرأسه دانييل ليفي، المستشار السابق لرئيس الحكومة الإسرائيليّة).

لم يُفصح بهاء، الابن البكر لرفيق الحريري عن مقاصده السياسيّة بعد. لكن هناك دلائل عن طموحات سياسيّة له. هو أراد أن يخلف أباه في قيادة العائلة، لكن آل سعود اختاروا أخاه سعد. فشل سعد السياسي، وابتعاده عن لبنان لسنوات، بالإضافة إلى تعثّره المالي عزّز طموحات بهاء السياسيّة. هناك إشارات في الصحافة اللبنانيّة عن علاقة بينه وبين أشرف ريفي (منافس أخيه على الزعامة)، لكن دخول بهاء عالم السياسة يظهر جليّاً في العاصمة واشنطن، بعيداً عن لبنان. ففي عام ٢٠١١، دشّن «مجلس أتلانتيك» («أتلانتيك كونسِل») «مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط». والمركز يُفترض أن يعنى بشؤون الشرق الأوسط. لكن كذبة التمويل من «دون خيوط» (أي من دون شروط سياسيّة) باتت كذبة مفضوحة. اختار بهاء الحريري ميشيل دان (خبيرة شرق أوسط في إدارات أميركيّة متعاقبة، وكانت زميلتي في الجامعة في واشنطن مع أنها تخصّصت في الآداب وتجاهلت السياسة في سنوات دراستها، وكانت من القلّة في التخصّص التي لم تناصر الحق الفلسطيني) كأوّل مديرة للمركز. لكن إدارتها لم تطل: عارضت علناً انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر، ما دفع بهاء الحريري للاتصال بـ«المجلس» للاعتراض، وتم إقصاؤها عن المركز في عام ٢٠١٣، حسب رواية «نيويورك تايمز».

والاعتماد على تمويل مراكز الأبحاث لم يعد شأناً محصوراً بالشركات الكبرى كما في الماضي (شركات النفط وشركات صناعة السلاح كانت متخصّصة في ذلك)، بل تعدّى ذلك إلى الحكومات الأجنبيّة التي تسعى للتأثير السريع. والحكومات «الصغيرة» هي التي باتت تستسهل طريق تمويل مراكز الأبحاث بهدف الترويج المؤثّر في العاصمة واشنطن. هذا ما فعلته حكومة النروج في تمويلها لمركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة وهذا ما فعلته حكومة قطر في تمويلها لبرامج شتّى في مؤسّسة «بروكنغز» (آخر تمويل لقطر كان يفوق العشرة ملايين دولار ولصالح مركز «صابان» الإسرائيلي). ووزارة الخارجيّة القطريّة زهت في عام ٢٠١٢ بعد توقيع عقد سخي مع مؤسّسة «بروكنغز» أن المركز سيعكس الصورة الزاهية لقطر في الإعلام العالمي» (ذكرت «نيويورك تايمز» ذلك في مقالة في ٦ أيلول من عام ٢٠١٤ عن النفوذ الأجنبي في مراكز الأبحاث). كما أن الإسرائيلي ــ الأميركي، حاييم صابان (مموّل المركز الصهيوني الشرق الأوسطي في مؤسّسة بروكنز والنافذ في تمويل الحزب الديموقراطي) كان قريباً من حكومة قطر وعرض شراء محطة «الجزيرة» (كان ذلك عندما كانت المحطة مؤثّرة، وتثير اعتراضات اللوبي الإسرائيلي).

ولقد تغيّر دور مراكز الأبحاث. كانت تلك المراكز تستضيف أكاديميّين كي يتفرّغوا لشؤون النشر الأكاديمي (نشر هشام شرابي مثلاً دراسته عن المقاومة الفلسطينيّة في مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة في أوائل السبعينيات)، كما أن ويليام كوانت أشرف في السبعينيات على دراسات عن الوطنيّة الفلسطينيّة في مؤسّسة «بروكنغز»، وكانت المؤسّسة الأولى التي اعترفت في بيان شهير في منتصف السبعينيات بالحق الفلسطيني. وكان ذلك من المحرّمات. أما «مؤسّسة الشرق الأوسط» فقد رعت دراسات متنوّعة عن شؤون الشرق الأوسط مع حرص على رعاية «مستعربي» وزارة الخارجيّة الأميركيّة. كل ذلك تغيّر. بات دور مؤسّسات الأبحاث سياسيّاً ولوبيّاً فقط، وضمن مظلّة اللوبي الإسرائيلي.

لكن هناك ما هو أبعد من ذلك في عمل مراكز الأبحاث وعلاقتها باللوبي الإسرائيلي. كان اللوبي الإسرائيلي تاريخيّاً في حالة عداء مع مراكز الأبحاث المعنيّة بشؤون الشرق الأوسط: كان ذلك بسبب أن شركات النفط والتسلّح كانت (ولا تزال) قريبة من مصالح أنظمة الخليج. الذين كانوا في تضاد مع اللوبي الإسرائيلي الذي عارض كل صفقات التسلّح الأميركيّة لصالحهم. لكن عام ١٩٩١ غيّر هذه الحسابات وقرّب بين مراكز الأبحاث القريبة من نفوذ المُستعربين (بعد القضاء عليهم من قبل النافذين الصهاينة من الحزبيْن)، وبين اللوبي الإسرائيلي. أصبحت كل مراكز الأبحاث تلك (بما فيها «مؤسّسة الشرق الأوسط») تدور في فلك اللوبي الإسرائيلي الذي يحدّد الأولويّات والأجندات والانتقادات للسياسات الجارية (وفي هذا هو ينسّق مع السفارات الخليجيّة في واشنطن، والتي أنشأت بدورها مراكز أبحاث ولوبيات خاصّة بها حتى أن السفارة السعوديّة أنشأت لوبياً قلّد اسم اللوبي الإسرائيلي الرسمي «إيباك»).

أما دكّانة بهاء الحريري في واشنطن فكان واضحاً أنه يريدها أن تكون لصيقة باللوبي الإسرائيلي من أجل زيادة حظوته الأميركيّة. فمركز رفيق الحريري (الذي كان قد قال عنه إنه سيحمل رسالة رفيق الحريري) ليس إلاّ ذراعاً للوبي الإسرائيلي وهو يتخصّص فقط في نشر الدعاية السياسيّة السعوديّة والإسرائيليّة على حدّ سواء. واللافت أن موقع اللوبي على «تويتر» ونشراته تتعاطى مع مختلف جوانب الشرق الأوسط باستثناء أي شيء على علاقة بفلسطين. هذا لا يعني أبداً أن المركز يتخذ موقفاً حياديّاً من قضيّة فلسطين. لا، هو في صف العدوّ الإسرائيلي من دون لبس من خلال التعيينات (وهي كلها صهيونيّة لا بل ليكوديّة، ومن خلال أشخاص يتداورون التنقّل برشاقة بين مختلف المراكز الإسرائيليّة الهوى). والتقرير الأخير للمجلس، بعنوان «تاسك فورس الشرق الأوسط»، كان تطبيق لأجندة لوبي إسرائيل بحذافيره، وتضمّن إشارات على «تشجيع» العدوّ الإسرائيلي، من باب حلّ الصراع العربي ــ الإسرائيلي).

وإنتاج مركز رفيق الحريري متماسك من حيث نقل أولويّات اللوبي الإسرائيلي: ١) التحريض المستمرّ على إيران و«حزب الله» والتهويل من الخطر الإيراني. ٢) نقل صورة برّاقة وناصعة للمعارضة السوريّة المسلّحة. ٣) التحريض اليومي من أجل حثّ الحكومة الأميركيّة (في عهد أوباما وفي عهد ترمب) على شن حرب مدمّرة على سوريا (طبعاً باسم القيم السامية والحريّات ومحبّة الشعب السوري الذي لا يخلد صهيوني للنوم هنا قبل الاطمئنان إلى صحته وسلامته). ٤) النطق باسم مصالح أنظمة الخليج لكن مع انحياز أكثر نحو آل سعود وآل زايد (بدأ الخلاف بين النظام القطري والنظام السعودي والإماراتي من جهة يتعاظم، خصوصاً مع اختلاف الرؤية حول الإخوان المسلمين والوضع الليبي والتحالف السعودي ـ الإسرائيلي). ٥) دعم الديموقراطيّة في الشرق الأوسط لكن فقط في تلك الدول التي لا تتماشى مع المصالح الأميركيّة. ٦) نشر قيم الرأسماليّة والمصالح الأميركيّة في المنطقة.

وتتجلّى طريقة عمل مراكز الأبحاث هذه في الكتاب الذي صدر هذا العام لجنيف عبده، وهي صحافيّة عملت في تغطية الشرق الأوسط (من دون أن تترك أثراً يُذكَر في عملها باستثناء دفق هائل من الكليشيهات الصحافيّة الغربيّة) وهي الآن «زميلة أبحاث» في مركز رفيق الحريري إيّاه. وعبده، جاهلة للتاريخ والكتابات الأكاديميّة عن المنطقة ولهذا فهي تعتمد على الصحف وعلى الكتابات «السريعة» وعلى مواقع الانترنت (بالإنكليزيّة) وعلى إصدارات مراكز الأبحاث. ومعرفتها بالإسلام ضحلة لكن ذلك لا يمنعها من إطلاق التعميمات عن الإسلام والمسلمين في كتاب «الطائفيّات الجديدة: الانتفاضات العربيّة وإعادة ولادة الانقسام السنّي—الشيعي؟» (وباتت دار نشر جامعة أوكسفورد في نيويورك تنشر كتباً تجاريّة خالية من القيمة الأكاديميّة بسبب حالة الضغط المالي الذي تعاني منه دور النشر الأكاديميّة). وتنطلق الكاتبة من زعمها أن الأمر الذي يشغل العالم العربي هو تعريف المؤمن والكافر. (ص. ١).

٢). وتريد الكاتبة أن تخدم أجندة مموّلي «مجلس أتلانتيك» (ومركز الحريري فيه) إلى درجة أنها تقول إن العالم العربي كان يعجّ «بقوميّات من الطراز الغربي» (ص. ٤) إلى أن أتت الثورة الإيرانيّة بنموذج ثيوقراطي خرّب على المنطقة علمانيّتها (أي أن سلالات الخليج كانت تعمّم نموذج القوميّات المدنيّة الحديثة وتفصل بين الدين والدولة حتى عكّر الإيرانيّون عليهم حكمهم الفاضل). وفي الوقت الذي تصرّ فيه وسائل الإعلام الغربيّة على عدم رؤية إلا الجانب الديني من الثقافة السياسيّة في العالم العربي، فإن عبده تعتب على هذا الإعلام لأنه لا يركّز على الحركات الدينيّة بما فيه الكفاية (ص. ٦-٧). لا، وهي تزيد وتقول إن تحليلات الغرب عن الشرق الأوسط تقلّل من أهميّة الدين (ص. ٩). وتضيف عبده أن الخوف من الديموقراطيّة عند المُستبدّين هو مُبرَّر بحكم حقيقة «الخطر الشيعي» (ص. ٨)، في بلاد مثل لبنان والبحرين: هل تقترح عبده مثلاً أن يقوم حكم استبدادي طائفي موالٍ لآل سعود كي يتجنّب لبنان الخطر الشيعي؟ هذا ما توحيه. وفي تعميماتها عن آراء ومزاج الشيعة، لا تتورّع عبده عن الاستشهاد بكتاب للإسرائيلي اسحق النقّاش الذي يدرس شيعة العالم العربي من دون أن يكون قد زار الدول العربيّة، وتعتمد تعميماته عن الشيعة على ما يقول إنه «مقابلات» أجراها مع شيعة في المهاجر (وهو كتب كتاباً عن شيعة العراق من دون أن يكون قد زار العراق، على غرار خبراء العدوّ الإسرائيلي في شؤون العالم العربي الذي لا يزورون منه إلّا مصر أو لبنان أو فلسطين كجنود وضبّاط غزاة).

والطريف أن عبده خصّصت فصلاً كاملاً للبنان في كتاب عن الصراع السنّي ـ الشيعي، والفصل يكاد يكون نقلاً مترجماً عما يجده القارئ في «الشراع» أو «المستقبل» أو في غيرها من أبواق آل سعود وآل الحريري. وتروي عبده قصّة عرسال نقلاً عن رواية نبيل الحلبي مؤسّس «تنسيقيّة لبنان لدعم الثورة السوريّة»، لكن عبده تصفه بأنه «محامي حقوق إنسان» (ص. ٩١). وفي تغطيتها لتفاصيل السياسة في البلدان العربيّة، تتخبّط عبده ويختلط الأمر عليها. فهي تقول إنها أجرت مقابلة مع «مؤسّس القوات المسلّحة اللبنانيّة»، أي الجيش اللبناني. لكن الجيش اللبناني تأسسّ في سنة ١٩١٦، عندما أنشأ الاستعمار الفرنسي «فرق الشرق». لنفترض أن المؤسّس كان في سن العشرين، أي أن عبده قابلت رجلاً في سن العشرين بعد المائة من عمره ــ على أقل تقدير. وفي تغطيتها للصراع في طرابلس تعتمد عبده على تأريخ المؤرّخ أحمد فتفت الذي تصفه بـ«نائب في البرلمان اللبناني»، من دون ذكر صفته السياسيّة. وتنقل عن علي فضّة، الناطق باسم الحزب العربي الديموقراطي، تصريحاً خصّها به يقول فيه إن «السنّة هم أدوات الغرب» (ص. ٩٨). وعندما قرأتُ الكتاب عند صدوره قبل بضعة أشهر، استغربتُ هذا الكلام عن لسان فضّة الذي لم ينجرّ إلى تصريحات طائفيّة من قبل، فاستوضحته على «فايسبوك» ونفى نفياً قاطعاً أن يكون قد أدلى بهذا الكلام، وأصدر بياناً بهذا الشأن. وتضيف عبده في كلام يذكّر بالخطاب الطائفي لعلماء الوهّابيّة، ومن دون أي دليل، ان كل الشيعة العرب لا يميّزون بين السنّة والوهابيّين (وهي تتهم فضّة بذلك من دون دليل أيضاً) (ص. ٩٧).

وضحالة معرفة عبده تجعلها بوقاً مناسباً للدعاية الحريريّة (مما يفسّر موقعها كـ«باحثة زميلة» في مركز رفيق الحريري للدراسات غير المعمّقة في واشنطن). فهي تروي قصّة ٧ أيّار (أي «مجازر ٧ أيّار، حسب وصف الكاتبة) وتنقل عن النائب محمد قبّاني قوله إن ٧ أيّار هي «مثل كربلاء عند السنّة» (ص. ١٠١). وتقول عبده (التي تتحدّث كأنها عضو في الأمانة العامّة المنحلّة لـ14 أيّار) أن الأحداث أثبتت دقّة توقّع أحمد فتفت (ص. ١٠١-١٠٢) الذي توقّع بأن «حزب الله» سيترك إسرائيل وشأنها وسيسيطر على لبنان بالنيابة عن إيران.

عبده عن تنامي الصراع الطائفي مشتّتّة ومشوّشة وتعكس عدم فهم عبده للمواضيع المطروحة واعتمادها الكلّي على محدّثيها في ١٤ آذار ومع الحركة السلفيّة التي تتعاطف معها في الكتاب. وهي تتحدّث عن السلفيّة كأنها فقط ردّة فعل على «حزب الله» ودوره في لبنان وسوريا، وكأن الحركة السلفيّة ليس لها جذور تسبق إنشاء نظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران ونشوء «حزب الله» في لبنان. وتتجاهل الدعم الخليجي لمنظمّات السلفيّة في المنطقة العربيّة، خصوصاً في لبنان وسوريا. وتتحدّث عن عدنان العرعور على أنه فقط ردّة فعل عفويّة بريئة على ظاهرة «الشبّيحة» في سوريا (ص. ١٠٩). لكنها لا تُلام لأن كل ما تدلي به من آراء هو ترجمة لما يقوله لها صحافيّو ١٤ آذار (هي، مثلاً، تلوم «حزب الله» على ظاهرة أحمد الأسير بناء على ما قاله لها الصحافي في جريدة «البلد»، «علي الأمير» (لعلّها تقصد علي الأمين) (ص. ١١١). أكثر من ذلك، تردّد كذبة أحمد الأسير على أن الشيعة نشروا لعبة تهتف بشتائم طائفيّة (ص. ١١٢). لكنها تُطمئِن القرّاء بأن كل السنّة يعادون «حزب الله» وأن حالة من التململ تسود في صفوف الشيعة ضد تدخّل الحزب في سوريا (ص. ١١٤) (مصدرها هنا الصحافي في جريدة «البلد»).

لا نعرف ماذا يريد بهاء الحريري. لا نعرف ما هو مشروعه. لكن رعايته لمركز رفيق الحريري في واشنطن تؤشّر إلى طموح سياسي أكيد. والاستعانة بالغرب للدخول السلطة في الشرق ليس جديداً أبداً. إن التدخّل لدى المُستعمِر من أجل حسم صراع الأخوة وأولاد العم ليس جديداً في سلالات العالم العربي. الشيخ زايد طلب تدخّل المُستعمر البريطاني من أجل حسم الصراع ضد شخبوط، كما أن الحكم البريطاني دعم انقلاب قابوس ضد أبيه. ومحمد بن سلمان يعمل حثيثاً من أجل طلب دعم الإدارة الأميركيّة في صراع ضد ولي العهد، الذي يحظى بتقدير في واشنطن (خصوصاً من أجهزة المخابرات). ويبدو أن بهاء الحريري يستعجل وراثة أخيه سياسيّاً عبر تقديم خدمات دعائيّة للتحالف الإسرائيلي-السعودي.
مَن يدري، قد يصبح حليف اللوبي رئيساً لوزراء لبنان!

فلسطين على أبواب البيت الأبيض.. القادة العرب يطلبون لأنفسهم.. على حسابها!

 

طلال سلمان
 
يواصل العدو الإسرائيلى نهش أراضى السلطة التى لا سلطة لها على ما تبقى من فلسطين، مستغلا انشغال أهل النظام العربى عنها، بل واستعدادهم للتضحية بها من أجل «سلام» يحفظ لهم عروشهم والرئاسات فى الجمهوريات والممالك والمشيخات على حد سواء.

.. ويواصل الشعب الفلسطينى الأعزل إلا من حقه التاريخى فى أرضه مقاومته بما تيسر له من أسباب المقاومة: الإضراب والتظاهر وهجمات الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم هدى بالسكاكين والحجارة.
بالمقابل، يستعد رئيس السلطة الفلسطينية لزيارة واشنطن ولقاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وهو يكاد يطير فرحا فالصورة فى البيت الأبيض «إنجاز» تاريخى يعوض تضاؤل الأمل بالتحرير والسيادة وقيام الدولة الوطنية على كامل الأرض الفلسطينية..

ها هو رئيس السلطة يلقى مثل تكريم من سبقه من الملوك والرؤساء وأولياء العهود العرب: يجلس فى مواجهة رئيس الكون فى المكتب البيضاوى وتلتقط له الصور وهو يصافح «نظيره» الأمريكى والابتسامات العريضة ترفرف بالزهو من حولهما.
أما المواقف فمعلنة سلفا: لم يحدث أن أشار أى رئيس أو مسئول أمريكى إلى «الدولة الفلسطينية» فى أى يوم مضى، وبالتأكيد فإن ترامب الصديق الصدوق للوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة الأمريكية كما لرئيس حكومة العدو الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لن يشذ عن القاعدة، وإن كان قد تجاوز أسلافه من الرؤساء «فتجرأ» على دعوة رئيس السلطة الفلسطينية والتقاه فى البيت الأبيض، من دون أن تكون هناك معاهدة جديدة مع الحكومة الإسرائيلية معدة للتوقيع، كما حصل مع الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات... اللهم إلا إذا كانت سوف تأتى لاحقا لهذا اللقاء التاريخى، وثمرة له ودائما بشروط إسرائيل.

لا مجال للمصادفات والمجاملات فى هكذا لقاء، فلا هذا الرئيس الأمريكى، على وجه التحديد، «متعاطف» مع نضال الشعب الفلسطينى وحقه فى أرضه الوطنية، ولا هو متمرد على النفوذ الصهيونى ويريد أن يسجل موقفا بطوليا بنصرة الشعب المظلوم..
ثم إن زيارة رئيس السلطة التى لا سلطة لها تأتى فى سياق محدد: فهى، من جهة، تأتى فى أعقاب قمة التنازلات العربية عن حق الفلسطينيين (والعرب) فى أرضهم، وهى التى عقدت فى عمان لتكمل ما كان بدأ فى القمة العربية فى بيروت قبل خمس عشرة سنة، وقد تجاوزتها فى تأكيد حق إسرائيل فى الوجود إلى التسليم بأن يكتفى الفلسطينيون ببعض البعض فى أرضهم التاريخية فى فلسطين... بموافقة عربية إجماعية كادت تتصرف مع إسرائيل وكأنها «دولة شقيقة».
ثم إنها تأتى، من جهة ثانية، فى سياق تحرك مستجد للبيت الأبيض فى ما يتصل بالقضية الفلسطينية.. وهو سياق دلالاته الكاملة فى غياب صوت الاعتراض العربى على ما يدبر فى واشنطن (وتل أبيب، طبعا) متصلا بهذه القضية التى كانت مقدسة والتى تطرح الآن فى سوق النخاسة تتلاعب بها المناقصات بعدما شغل عنها قادة العرب الذين يتنافسون فى التنازل عن «الحق التاريخى» فى الأرض الفلسطينية.
كذلك فهى تأتى فى سياق المواكب الملكية والرئاسية العربية التى «حجت» من قبل أو ستحج إلى «البيت الأبيض» فى المستقبل القريب والتى شملت إلى جانب ولى ولى العهد السعودى الملك الأردنى ورئيس الوزراء العراقى والرئيس المصرى، ثم الملك الأردنى مجددا، وبعد القمة العربية لطمأنة ترامب إلى الالتزام العربى بالوعود والعهود التى قطعت له.

.. وبالتأكيد فإن «تحرير فلسطين» ليس بين هذه العهود!

ولن يستطيع محمود عباس أن يأخذ من ترامب أكثر مما أعطاه أقرانه العرب، وأكثر مما أعطى هو نفسه لتحرير فلسطين.
إن الرئيس الأمريكى الجديد الذى وصل عبر موجة عالية من الشعارات المتطرفة إلى حد الاستحالة، والذى تعهد بأن يكون نقيض سلفه باراك أوباما، والذى زاد عدد قواته العسكرية (ولو باسم «الخبراء») فى العراق، والذى قصف مطارا عسكريا من على بعد فى سوريا، والذى يتحايل للتملص من موجبات الاتفاق النووى مع ايران، ويتعهد بحماية التدخل العسكرى السعودى بل الخليجى على اليمن.

إن مثل هذا الرئيس الآتى من عالم المضاربات فى البورصة، وهو عالم اخترعه اليهود وما زال الصهاينة يتحكمون، لن تشغل وجدانه قضية الحق المضيع فى فلسطين لأهلها، خصوصا أن القادة العرب باتوا يضيقون بأثقالها ويتمنون الخلاص منها بأى ثمن.
من غير المنطقى أن نطالب الرئيس الأمريكى بأن يكون إلى جانب فلسطين أكثر من القادة العرب، وأن يخاصم إسرائيل نتنياهو ويذهب إلى الحرب معها وعليها بينما الملوك والرؤساء والأمراء والشيوخ يتسابقون إلى طلب «الصلح» معها وبشروطها.. لا سيما بعدما تخلصوا من «مزايدات» القيادة الفلسطينية التى كانت تقول بالثورة والتحرير ثم «تحررت» من عبء الشعارات الثقيلة لتقول بـ «التسوية» وتقبل بما هو دون ما نصت عليه قرارات الأمم المتحدة.

عندما يتزاحم الملوك والرؤساء والشيوخ العرب على واشنطن ويسعون إلى نيل رضا البيت الأبيض، فمن «الظلم» تحميلهم عبء التحرير واستعادة فلسطين أو حتى بعضها.. خصوصا أن معظمهم إن لم يكن جميعهم ذاهب بطلب المعونات الاقتصادية والمساعدة العسكرية، بل وربما الحماية المباشرة من «الخطر الإيرانى» الداهم!

لقد اندثر «العرب»!. ضربهم الانقسام وشرذمتهم الحروب ضد الذات، ومزقت احتمالات تلاقيهم لمواجهة عدوهم الإسرائيلى، فأخذوا يتسابقون أو يتسللون، لا فرق، إلى طلب الصلح معه، بشروطه، وتحت تسمية «التسوية» التى تكاد تماثل «الاستسلام»، وأفدح الأثمان هى تلك التى سيدفعها شعب فلسطين والتى ستنال من كرامة الأمة جميعا.

لقد بات لقاء المسئولين العرب مع الرئيس الأمريكى، وتحديدا هذا الرئيس الصريح فى إعلان مواقفه، مكلفا.. فهو يعنى، بالضرورة، قدرا من التنازل، سواء بطلب المساعدة بشروطه، وغالبا ضد «الأشقاء» أو «الجيران» وإيران تحديدا، أو بطلب الإغاثة لإنقاذ أوضاعهم الاقتصادية من كارثة تتهددها.

بكلام آخر: إن الذاهب ليطلب لنفسه لن يتذكر فلسطين ولن يطلب لها، بل إنه فى الغالب الأعم سيأخذ على حساب التنازل عن جوهر قضيتها.

مع أن رصيد فلسطين، كقضية تحرر وطنى، عظيم لدى شعوب العالم والعديد من حكوماته، إلا أن الأنظمة العربية (فضلا عن «السلطة الفلسطينية») تكاد تستهلكه جميعا خارج أهدافه الأصلية.

إن الأنظمة العربية تحاول تغطية تقصيرها الفاضح تجاه القضية المقدسة بادعاء بذل الجهود لدى واشنطن من أجلها.. فى حين أنها تسحب من رصيد فلسطين لحساب أنظمتها المأزومة، ثم تحاول إيهامنا بأنها إنما تحاول التخفيف من الانحياز الأمريكى إلى العدو الإسرائيلى... بينما مواقفها المستجدية تأخذ من رصيد فلسطين وتضيف إلى رصيد العدو، مقابل ثلاثين من الفضة لن تسهم فى حماية نضالات الشعب الفلسطينى أو فى تمكينه من استعادة الحد الأدنى من حقوقه فى وطنه الذى سيظل وطنه.

كل «زيارة ناجحة» لملك أو رئيس أو أمير عربى للبيت الأبيض فى واشنطن إنما تحسم من رصيد قضية فلسطين بدلا من أن تعطيها.. فالذاهب ليطلب العون العسكرى أو الاقتصادى أو الحماية السياسية لا يستطيع الادعاء مطلقا أنه بهذا الموقف إنما يعطى فلسطين، بل إنه فى الغالب الأعم يأخذ منها أو يحسم من رصيدها لدى الأمريكيين أو سائر دول العالم، والغربى على وجه الخصوص.

والمسألة لا تتصل بمن هو الرئيس فى البيت الأبيض، بل بماذا فعلنا ونفعل نحن من أجل فلسطين أو لحمايتها من الضياع.

برّي وعون: منازلة طالما تأجَّلت


ناصر شرارة

تحدَّث أكثر من باحث ومفكّر سياسي لبناني عن نظرية أنّ لبنان يعيش «سِلماً أهلياً مسلّحاً»، ومن الأسباب التي تُبرّر اقتران السلم الأهلي بصفة أنّه مسَلّح، أنّ كلّ واحد من زعماء الطوائف يحتاج إلى معمودية نار ينفّذها لمصلحة طائفته لكي يستحقّ لقبَه داخلها كزعيم برتبة أمير متقدّم.
الآن، يتمّ تطبيق منهجية هذه النظرية لقراءة السبب الرئيس الكامن وراء الأزمة الراهنة التي منشأها الظاهر هو الخلاف على قانون الانتخاب. وبموجبها يُنظر إلى قانون جبران باسيل التأهيلي، بأنّه يرمي إلى تأهيل إرادة الناخب المسيحي للتحرّر من الصوت المسلم، وتأهيله شخصياً ليصبح المسيحيَّ الذي يستحقّ لقبَ زعيمهم، بفِعل أنّ اجتيازه بنجاح امتحانَ معمودية الدفاع عن المسيحيين في مناسبة إنتاج قانون انتخابي جديد، وليس فقط لأنّ له صلة قربى وثيقة برئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

في دارة المختارة هناك من ينصَح أيضاً، بأن ينفّذ تيمور جنبلاط معموديتَه الدرزية في مناسبة الأزمة الراهنة، لكي يستحقّ لقبَ زعيم الطائفة في نظر الدروز، كما استحقَّه والدُه وليد جنبلاط بفعل خوضِه معمودية حرب الجبل. وثمّة نظرية تقول إنّ تيمور لو تخَندق تحت شعار «مجلس شيوخ برئاساتنا، وإلّا..!»، فإنّ وراثته ستصبح كاملة المواصفات المطلوبة، وسيهتف الدروز بحماسة وليس بحياء، تعبير: «مَن خلّف ما مات».

أخطرُ ما تؤشّر إليه لحظة الوصول إلى 15 أيار في غياب قانون انتخاب يَحسم النزاع بين التمديد والفراغ اللذين بات وراءهما شارعان لم يعد خافياً احتقانُهما، هو أنّه سيشجّع زعماءَ الطوائف على العودة إلى ألقابهم التي كانت تُطلَق عليهم في شوراعهم أيام الحرب الأهلية، وبالتالي ستصبح أدوارهم داخل الأزمة المتوقّعة تطبيقاً عملياً لهذه الألقاب.

وشارع أزمة 15 أيار، فيما لو تفلّتَ من عقاله، سيكون بامتياز شارعين يتنازل فيهما بدايةً طرفان أساسيان: «شيعة الأستاذ» و»موارنة الجنرال»، ومن ثمّ سيتمّ فتحُه لتموضع الطوائف الأخرى مع أحد الشارعين.

هناك أمران محسومان في غمرة كلّ التوقّعات المبهمة حيال موعد 15 أيار. الأول هو أنه لا الرئيس نبيه بري خصوصاً، ولا «حزب الله»، سيَقبلان بفراغ في مجلس النواب. والثاني أنّ عون لن يقبلَ بتمديد ثالث للمجلس.

وكلّ مِن بري وعون، يَعتبران أنّ تعذُّرَ التوافق على قانون انتخابي ينهي الأزمة، سيقود لجعل المعركة بينهما شخصية أو فيها كثير من رمزيتهما داخل طوائفهما. في عين التينة وحتى في حارة حريك هناك انطباع بأنّ عون يريد رؤية بري ولو ليوم واحد، في حالة أنّه رئيس على مجلس الفراغ النيابي. وبري لن يسمح بذلك.

البعض يسمّي المنازلة المنتظرة يوم 15 أيار بين بري وعون، بمثابة اللحظة التي طالما تمّ تأجيلها، مرّةً من خلال تدخّلات «حزب الله» ومرّةً ثانية من خلال تدخّلات أصدقاء مشتركين مسيحيّين بين عون وبري.

«حزب الله» منذ البداية كانت له قراءة لخطوط عون الحُمر البسيكولوجية في شأن أزمة إنتاج قانون انتخاب جديد، واليوم يثبت أنّها كانت صحيحة. وبموجبها رأى الحزب أنّ عون قد يتحمّل العودة إلى قانون الستّين لكنّه لن يتحمّل تحت أيّ ظرف، رؤية المجلس النيابي يمدّد لنفسه مرّةً ثالثة.

يَجدر هنا مراعاة نوع الحساسية المسيحية العميقة من التمديد لمجلس النواب، وهي مرّةً أخرى بسيكولوجية أكثر منها سياسية، ذلك أنّه في المرّتين السابقتين مدّد المجلس النيابي لنفسه، على رغم اعتراض عون رئيس أكبر كتلة نيابية مسيحية على ذلك. وأيضاً على رغم عتبِ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على بري لأنّه لم يقف على خاطِره مسبَقاً لجهة اضطراره للتمديد.

وكِلا الإشارتين تنمّان عن أنّ مركزَي الثقل المسيحي السياسي والديني توَحّدا حينها وراء شعورهما أنّ إرادتهما تعرّضَت للمسّ بها من إرادة حِرص الثنائي الشيعي على عدم المسّ بموقعه الثاني في الحكم. لن يقبلَ الرئيس المسيحي القوي بإرادة المسيحيين مرّةً ثالثة، وحتى بكركي تفضّل رؤية الستّين على رؤية مشهد تجاهُل إرادتها المعنوية تتكرّر.

السؤال اليوم: هل يمكن مرّةً أخرى تأجيل المنازلة بين «الجنرال» و»الأستاذ» عبر «وساطةٍ ما» تحمل توازن وساطة المادة 59 التي أعطت عون «همروجة» مسيحية، وأعطت لبري مهلة إبقاء «الرصاصة الشيعية» في جيبه لمنعِ الفراغ في مجلس النواب.

حتى الآن يبدو الحلّ المتاح هو باتّباع وصفة «حزب الله» النفسية، أي اللجوء إلى علاج «الشرّ الذي لا بدّ منه»، المتمثّل باعتماد الستين الذي هو مقبول عند عون في مقابل التمديد، والأفضل من الفراغ عند بري.

وثمّة سيناريو جاهز للتطبيق، وهو أن يمدّد المجلس لنفسه ويطعن عون بهذا التمديد لدى مجلس الدستوري، وهنا يوجد احتمالان، إمّا استمرار المواجهة عن طريق تطيير نصاب المجلس الدستوري لمنعِه من الطعن، أو السماح لسيناريو الحلّ بالانسياب عبر المجلس الدستوري الذي ينعقد فيبطِل التمديد ولا يقبَل بالفراغ، حيث يدعو لإجراء الانتخابات على أساس القانون النافذ، أي الستّين.

وهكذا يصبح قانون الستّين حلّاً للمشكلة، بعد أن كان هو المشكلة طوال الفترة الماضية. ويصبح المجلس الدستوري الذي قراراتُه ملزِمة هو من يتحمّل مسؤولية إجراء الانتخابات على أساس قانون الستّين، وليس أيّ طرف سياسي أو موقع سيادي سياسي. المجلس الدستوري يتحمّل هذا الأمر، طالما إنّه يفعل ذلك لإنقاذ المصلحة اللبنانية العليا التي عرّضَها خلاف السياسيين للاهتزاز!

إعتبَر البعض أمس أنّ إقفال الطرق الذي تَرافقَ مع إبداء العنف من محتجّين لديهم في الظاهر مطلب معيشي، هو «بروفا» لِما يمكن أن يحصل في 15 أيار. وبغَضّ النظر عمّا إذا كانت هذه فوضى موجّهة أم لا، فإنّ الرسالة التي تضمَّنتها عن المعنى الذي سيُفضي إليه تفَلّت الشارع وعن طبيعة موازين القوى داخله، لم تعُد خافية. وهي جديرة بالأخذ في الحسبان فيما لو قرّر أيّ طرف إعداد سيناريو توسُّل الشارع في المواجهة المحتملة بين فريقَي الفراغ والتمديد.

من يحسم الرئاسة الفرنسية: «إيمانويل ماكرون» أم «مارين لوبن»؟

 
عبدالله السناوي
 
وفق استطلاعات الرأى العام فإن فرص الأول شبه مؤكدة وحظوظ الثانية شبه مستحيلة.

مع ذلك فإن هناك من يحذر من مفاجآت تقلب المعادلات السياسية رأسا على عقب ــ كالتى صاحبت صعود «دونالد ترامب» بخطابه الشعبوى إلى البيت الأبيض، أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى باستفتاء دعا إليه رئيس وزرائها السابق «ديفيد كاميرون» وأطاحه من منصبه.
خشية الانقلابات المفاجئة تعبير صريح عن اضطراب سياسى تعانيه فرنسا بتآكل الثقة العامة فى مؤسساتها الحزبية، التى تداولت السلطة على مدى نحو ستة عقود منذ تأسيس الجمهورية الخامسة.
كلا المتنافسين على المنصب الرئاسى جاءا من خارج السياق ــ «ماكرون» يطلب تجديد المؤسسة باسم الثورة عليها و«لوبن» تطلب انقلابا كاملا فى قيم الجمهورية الفرنسية على الرغم من سعيها لخفض حدة الخطاب حتى تكسر حلقات الحصار عليها.
بأية درجة يكون التمرد على المؤسسة؟

ذلك هو موضوع الصراع، الذى ينطوى على رؤيتين للعالم ــ كما يقال عادة فى فرنسا.
بصورة أو أخرى فإن «أفيال المؤسسة» حاضرة فى المشهد وحاسمة فيه على الرغم من هزيمتها المهينة فى صناديق الاقتراع.
بنفس القدر فإن كل شىء سائل وملتهب فى المشاعر العامة وكتل التصويت يصعب أن تتحكم فيها تلك الأفيال.

على الرغم من استدعاء سيناريو الانتخابات الرئاسية عام (٢٠٠٢)، التى حسمها الرئيس الأسبق «جاك شيراك» بنسبة (٨٢‪.‬٢٪) مقابل (١٧‪.‬٨%) لـ«جان مارى لوبن» مؤسس حزب «الجبهة الوطنية» الذى أطاحته ابنته الطموحة فى انقلاب عائلى، وهو يفترض درجة عالية من التماسك والتوحد بين مكونات الحياة السياسية لوقف تقدم اليمين المتطرف، إلا أنه لا يمكن إغفال أن فرنسا تغيرت بعمق على مدى خمسة عشر عاما تولى الرئاسة فيها «شيراك» و«نيكولا ساركوزى» اليمينيان و«فرنسوا أولاند» اليسارى، الذى لم يترشح لدورة ثانية بإدراك أن شعبيته تقوضت وأنه ليست لديه فرصة لربحها بينما لم يصل سلفه إلى الاستنتاج ذاته وخسر الانتخابات السابقة، كما خسر سعيه للترشح مجددا فى الانتخابات الحالية باسم حزبه.

أرقام الاستطلاعات، التى أعقبت الجولة الأولى، تعكس مستوى التدهور ومداه، فـ«ماكرون» يحظى بنسبة دعم (٦١٪) مقابل (٣٩٪) لـ«لوبن».
الأرقام موحية بتدهور قيم الجمهورية، التى أضفت على فرنسا ثقلها المعنوى فى عالمها وألهمت دولا وشعوبا، تمهد لانقلابات شعبوية قد لا تتأخر كثيرا.
نحن نتحدث عن أن ما يقارب نصف الفرنسيين مستعدون لمنح أصواتهم لليمين المتطرف ــ بذرائع الأمن والهروب من الأسباب الحقيقية لما تعانيه بلادهم من أزمات وتشيع فى أوساطهم ثقافة معادية للإسلام وكل ما يرتبط به بينما النصف الآخر لم يعد يتردد فى استخدام مصطلح «الإرهاب الإسلامى» بكل ما يحمله من رسائل سلبية.

نسبة الدعم المفترض لـ«لوبن» فى جولة الحسم منذرة بتداعيات مستقبلية، إذا عطلت اليوم فإنها مقبلة لا محالة.
مع ذلك فإنه لا ينبغى التهوين من قدرة الإرث الثقافى الفرنسى على المقاومة والصد ورفض تعليق الأزمات على المهاجرين والأقليات العربية والإسلامية والإدراك فى نفس الوقت أن اليمين المتطرف وجماعات الإرهاب يتغذى كل منهما على خطاب الآخر، وقد عزز حادث الشانزليزيه الإرهابى فرص «لوبن»، التى لم تتورع عن توظيفه ونسبة أزمات فرنسا إلى الحدود المفتوحة مع الدول الأوروبية وتحكم الاتحاد الأوروبى فى القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية.

فى المعادلة نفسها فإن جماعات العنف والإرهاب تحتاج إلى الخطاب اليمينى المتطرف لكى تجند وتروع وتختطف الإسلام كله.
ربما تتحسن فرص المرشحة المتطرفة إذا ما جرت عملية إرهابية جديدة قبل جولة الحسم فى (٧) مايو.

بصورة ما يبدو «ماكرون» اختراعا سياسيا فى وقت حرج لمنع دخول «لوبن» قصر«الإليزيه» على أنقاض مؤسسة فقدت صدقيتها.
هذه هى المرة الأولى التى يخوض فيها أية انتخابات، وهو بلا خبرة سياسية يعتد بها عكس أسلافه من الرؤساء الفرنسيين، برنامجه أقل تماسكا من «فرنسوا فيون» اليمينى الجمهورى الذى حل ثالثا فى الجولة الأولى، وشخصيته أقل كاريزمية من «جان جاك ميلانشون» اليسارى المتشدد الذى حل رابعا بفارق ضئيل.

صعد نجمه على حساب مرشحى الحزبين الكبيرين بأثر تقوض الثقة العامة فى المؤسسة الحزبية التقليدية كلها والضجر بوجوهها وصراعاتها ومعدلات الفساد العالية فى بنيتها وعجزها عن حلحلة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بصورة مرضية.
بين الأطلال المتداعية للمؤسسة فهو مرشح أن يدخل بعد أيام قصر«الإليزيه».

لا يمكن أن يعزى ذلك الصعود، الذى لم يكن متوقعا على أى نحو وبكل حساب قبل عام واحد عندما شرع فى تأسيس حركة سياسية جديدة أطلق عليها «إلى الأمام»، إلى تلك الحركة الناشئة وقدرتها على إلهام طريق جديد لفرنسا.
بالتكوين السياسى فهو يمين وسط وأقرب إلى حزب «الجمهوريين» من الحزب «الاشتراكى» الذى تولى موقعا وزاريا فى حكومته على عهد الرئيس «أولاند». 

درج الإعلام على وصفه بـ«مرشح الوسط»، وهو تعبير يحتاج إلى تدقيق، وقد لا يعنى شيئا ممسوكا فى التعرف على شخصية الرجل الذى يوشك أن يدخل التاريخ كأصغر رئيس أو حاكم منذ «نابليون بونابرت».
هناك فارق بين الأوصاف الإعلامية والانتخابية وبين البرامج والسياسات التى سوف يتبعها، فعلى الرغم من أنه يخاطب الرأى العام الضجر من المؤسسة باسم الثورة عليها إلا أنه فى حقيقة الأمر يضخ دماء جديدة فيها كأنه اختراع بالوسائل الديمقراطية لتجديد المؤسسة لا نفيها.
بصورة ما فإن ما قاله الرئيس الفرنسى المنتهية ولايته «أولاند» من أن «ماكرون هو أنا» يصادف الحقيقة من حيث التوجهات العامة.
لم تكن مصادفة أن الاتحاد الأوروبى تنفس الصعداء بعدما تصدر الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية وتوجه كتل رئيسية من الحزبين التقليديين لدعمه فى جولة الحسم، فهو مؤيد للاتحاد كما أنه ينزع لذات الخيارات الدولية التى انتهجها سلفه ربما بشىء من التعديل المحدود لكنه لا انقلابات داخل المؤسسة ولا عليها.

بالقدر ذاته فإنه يحظى بدعم كبير وواضح من التكتلات المالية بثقلها فى الصياغة العامة لتوجهات المؤسسة.
 
القضية الحقيقية الآن ليست أن يفوز «ماكرون«، ذلك شبه مؤكد إذا لم تفلت الكتل التصويتية بالغضب أو الاحتجاج، بالامتناع عن الذهاب إلى لجان الاقتراع أو التصويت بأوراق بيضاء، بقدر ما هى الاستجابة لمتطلبات التغيير فى بنية المعادلات السياسية الفرنسية دون إخلال بقيم الجمهورية.

هذه ليست مسألة هينة، فالرئيس القادم بلا سند حزبى فى البرلمان والمحليات، وبلا آلة سياسية تسند سياساته وسط رأى عام مضطرب قد ينظر إلى التوافقات المحتمة، التى سوف ينتهجها مع «أفيال المؤسسة» كأنها خديعة.

أبعاد وتداعيات العدوان على الكنائس بمصر


عوني فرسخ

العدوان الآثم الذي اقترفه التكفيريون على ثلاث كنائس في القاهرة والاسكندرية وطنطا، وما أوقعه من شهداء وجرحى ودمار. عدوان متعدد الأبعاد والتداعيات، نجتهد باستعراضها بالإيجاز غير المخل، في ضوء حقائق التراث العربي الإسلامي ومعطيات الواقع المأزوم الذي تعانيه غالبية شعوبنا، إن لم تكن جميعها، مذكرين بالآتي:

هو أولاً، عدوان على كنائس لها قدسيتها الدينية واعتبارها في التراث الإنساني، فضلاً عن أنه عدوان مؤسس على فهم مناقض لقيم الإسلام وتميزه بإقرار حقوق غير المسلمين الدينية والمدنية، إذ إن الخطاب القرآني موجّه للناس كافة، وملتزم بمبدأ لا إكراه في الدين، واعتماد الحوار الموضوعي أسلوباً للدعوة بالنص «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين». كما أكد على حرية الاعتقاد بقوله سبحانه وتعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» وقوله: «ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». وكان الفتح الإسلامي تحريراً للهلال الخصيب ومصر والشمال الإفريقي من التسلط والاستبداد الفارسي والبيزنطي والروماني، ولم يكن حرباً دينية تخيّر الشعوب بين الإسلام والسيف، كما توحى بذلك ظواهر بعض النصوص. وفي العهدة العمرية التي تضمنت النص على احترام حقوق المسيحيين بكنائسهم وصليبهم دلالة على موقف الإسلام التاريخي من الكنائس. وهو ثانياً، عدوان على التراث الوطني للكنيسة القبطية، فحين أنشأ البابا كيرلس الرابع المدارس القبطية وضعها تحت اشراف الحكومة المصرية انطلاقاً من قناعته بأن الأقباط جزءٌ لا يتجزأ من النسيح الاجتماعي المصري، وإدراك واعٍ بأن ليس في صالحهم كجماعة أو ككنيسة أن تكون لأبنائهم ثقافة خاصة متمايزة عن ثقافة عامة شعب مصر. وقد جاء في دعوة الجمعية الخيرية بطنطا لإنشاء مدارس قبطية في القرن التاسع عشر ما نصه: «إن تربية الأولاد، وتهذيبهم في مدارس الأمم الأخرى يحرمهم من أن يكونوا عضداً لأمتهم وعوناً لها، ويجعلهم أداة لفصم عروة وحدتها القومية» ويؤشر التزام الأقباط المبكر بالثقافة العربية الإسلامية إلى اطمئنان كنيستهم للإسلام، وهذا ما تميز به الأقباط عبر التاريخ.

كما يذكر للبابا كيرلس الخامس مواقفه أيام الثورة العرابية سنة 1882، تلك المواقف التي عززت الوحدة الوطنية في مرحلة دقيقة للغاية من حياة مصر. إذ إنه وقّع القرار الذي صدر بحضور عرابي، ونص على استمرار المقاومة المسلحة للاحتلال البريطاني، ورفض أوامر الخديوي توفيق ومجلس وزرائه بالانضمام إلى قوات الاحتلال. ونص القرار على إبقاء عرابي للدفاع عن البلاد. وهل تُنسى مواقف البابا شنودة في الصراع العربي - الصهيوني ؟
وهو ثالثاً، عدوان على الوحدة الوطنية في مصر، ودور الأقباط التاريخي في مقاومة الشعب العربي بمصر. ولقد كان الأقباط ممثلين في قيادة الوفد بزعامة سعد زغلول سنة 1919، ومثلوا في جميع هيئات الوفد على جميع المستويات. وصار الشيوخ والقساوسة من أبرز خطباء الثورة، وغدت المساجد والكنائس مراكز انطلاق المظاهرات المطالبة بالاستقلال والحرية. وقد رفضت الكنيسة والقيادات المدنية القبطية المحاولات البريطانية لتصنيف الأقباط كأقلية بحماية بريطانيا، وواصلت التأكيد على أن الأقباط جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع المصري، بحيث خلت الوثائق الدستورية المصرية حتى اليوم من النص على ذلك، الأمر الذي نجح البريطانيون والفرنسيون في فرضه في العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين.

وهو رابعاً، عدوان على دور الأقباط خصوصاً، والمسيحيين العرب عموماً، في الثقافة والحضارة العربية الإسلامية. ويمكن القول في ضوء القراءة الموضوعية للتاريخ ومعطيات الواقع، إنه دور يتجاوز في أثره وفعاليته نسبة المسيحيين العددية حيث وجدوا في المشرق العربي، ونذهب إلى أن العاملين على استهداف الوجود المسيحي في القدس المحتلة والعراق بعد غزوه ومعظم نواحي المشرق العربي، إنما يستهدفون، الدور الثقافي والحضاري للمسيحيين العرب.

وهو خامساً، عدوان يصب في قناة مخطط التفتيت العرقي والطائفي المعتمد أمريكياً و«إسرائيلياً». مذكرين بدعوة بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس كارتر، في كتابه «بين جيلين» الصادر سنة 1977 لإقامة «الشرق الأوسط الجديد» المكون من كنتونات عرقية وطائفية.

وهو سادساً، عدوان يستدعي مراجعة جذرية للتراث الفكري العربي، الإسلامي والمسيحي على السواء، لما تراكم عليه خلال القرون الماضية من نصوص منافية لقيم الإسلام والمسيحية، سواء في ذلك الفتاوى المتشددة التي توالى صدورها منذ القرن الثالث الهجري، حين غلب على صناعة القرار في دولة الخلافة من قال فيهم مُحقّاً، الإمام محمد عبده، لبسوا الإسلام على أبدانهم ولم ينفذ منه شيء لوجدانهم، ومن جاؤوا على آثارهم من الواقفين عند ظواهر النصوص من الكتاب والسنة، والفتاوى التي صدرت زمن العدوان الفرنجي المعروف بالحروب الصليبية، وتلك التي توالت في مواجهة الممارسات والدعاوى الاستعمارية والتبشيرية. وبقدر ما تجري المراجعة الجذرية على المحورين الإسلامي والمسيحي تُقدّم النخب المستنيرة ردها الموضوعي على العدوان.

الازدراء الأمريكى للعرب

 
فريدة الشوباشي
 
بعد موجة التفاؤل النسبى التى سادت بطى صفحة الرئيس الأمريكى باراك أوباما وانتخاب دونالد ترامب، جاء سيد البيت الأبيض الجديد بما هو استكمال للازدراء الأمريكى للحقوق العربية، بل بما هو أشد وأنكى من كل ماسبق، حيث بدأت إدارة ترامب بلقاء بينه وبين رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو، أسفر عن تعهد واشنطن بنقل سفارتها فى اسرائيل، من تل أبيب الى القدس المحتلة !!!!، وكذلك تشجيع نتنياهو على تهويد ما تبقى من فلسطين، بالتوسع فى المستوطنات القائمة وبناء مستوطنات جديدة، على جثث الفلسطينيين وجثث قرارات الامم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.. يقول قادة الدولة الصهيونية، ان «هيكل سليمان» موجود فى القدس الشرقية، ولم تجد اسرائيل منذ انشأتها بريطانيا فى قلب الوطن العربى، حجرا واحدا يدل على وجود هذا الهيكل.. 
 
والمثير للدهشة ان ترامب قرر الاعتراف بالقدس العربية المحتلة عاصمة للدولة اليهودية، تفعل فيها ما تشاء، ونعرف جميعا ويعرف ترامب،ان اسرائيل تبيت النية لهدم المسجد الأقصى وربما كنيسة القيامة، أى اولى القبلتين وثالث الحرمين واحد أعلى الرموز الاسلامية، وكنيسة القيامة احد أعلى رموز المسيحية، ومن ثم فقد رقت مشاعر ترامب وانتفضت «نخوته!» بفتح الطريق للوهم اليهودى وازدراء حقوق العرب، مسلمين ومسيحيين، الماثلة امام أعين العالم أجمع، علما بان تعداد يهود العالم يقدر بنحو خمسة عشر مليون نسمة، ليسوا جميعا مؤمنين بالعقيدة الصهيونية، بينما يتراوح عدد العرب، مسلمين ومسيحيين، بنحو ثلاثمائة وخمسين مليون انسان.. 
 
صحيح اننا، نحن، اكبر من يزدرى الانسان فى وطننا العربى، ويكفى إلقاء نظرة على خريطة العالم ، لنقف على مدى الخراب السائد فى دولنا، وتشويه الاسلام، دين الأغلبية بما لم تنجح فى تشويهه اعتى الدول عداء لهذا الدين الحنيف، ولكننا نعرف، وفقا لتصريحات مسئولين كبار، أن تفتيت الوطن العربى الى دويلات عرقية وطائفية، مشروع امريكى كما صرح وزير الخارجية الأسبق هنرى كيسنجر، وأن التنظيمات والحركات «الاسلامية» اختراع بريطانى، انتقلت، بعد أفول الإمبراطورية، الى حضن وريثتها، الولايات المتحدة، لتنفيذ بنود االفوضى الخلاقة لصاحبتها كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية فى عهد بوش الابن.. 
 
ولنا ان نتساءل عن مدى شرعية الولايات المتحدة بالتدخل فى شئون الدول العربية ومنح اسرائيل، صكا على بياض، لامتهان حقوقنا وسيادتنا على أراضينا، بازدراء الشرعية الدولية ايضا، ثم مخاطبتنا بعد ذلك، وكأنها حامية حقوق الانسان فى العالم!!! ولا شك ان وزر ما تردت إليه أحوالنا، يقع فى المقام الأول على عاتقنا نحن، وليس ابلغ من تفتيت ما لم تبتلعه اسرائيل من أرض فلسطين، الى دولتين، او بالأحرى، دويلتين، الضفة الغربية وغزة، وهو ما فاق أشد احلام اسرائيل جنونا.. وأتصور، أو فى الحقيقة، أتمنى، ان يطلع كل القادة العرب الذين سيلتقون ترامب، على مدى خطورة قراره بنقل السفارة الامريكية من تل أبيب الى القدس، وأنه لو تم ذلك، لفقد القادة العرب شرعيتهم فى أعين مواطنيهم، خاصة لو تعامل الحكام العرب مع رئيس أمريكى يكن كل هذا التجاهل، حتى لا نقول الاحتقار، للشعب العربى وحقوقه.. 
 
ان المشهد الراهن، والدموى، فى بعض الدول العربية، وسط عجز عربى كامل، قد يغرى بعض القوى بالاستهتار الشديد بحقوقنا ومقدساتنا، بوهم ان الحكام العرب وبمساندة امريكية، قادرون على لجم الأفواه، وغض الطرف عن انتهاكات اسرائيل، غير ان هذا الحساب يفتقر الى عبرة التاريخ وخبراته، وأقرب الأمثلة على ما اعتقده، هو الرهان على قبول الشعب المصرى فكرة التعامل مع إسرائيل بعد زيارة الرئيس الأسبق أنور السادات للقدس المحتلة، حيث قاطع الشعب كافة السلع الاسرائيلية وكافة اوجه التعامل معها.. اى بوضوح، سوف يفرض الشعب العربى إرادته بمقاطعة الولايات المتحدة وكل ما تنتجه، وكذلك سينزع الشرعية عن اى حاكم يتعامل مع واشنطن اذا ما أقدمت على جريمة نقل سفارتها الى القدس المحتلة، نعم ،أقول جريمة لأنها كذلك فعلا،وليرجع ترامب وادارته الى القرارات الدولية ،وكفانا ما فعلته بنا بريطانيا، وما تفعله بنا وريثتها.. وسوف يوقنون، ان الشعب هو القائد والشعب هو المعلم..

فنزويلا.. المعارضة ‘الديمقراطية‘ أكثر سوءاً من الفاشية


أتيليو بورون

أثبتت الأحداث التي تجري في جمهورية فنزويلا البوليفارية أن الاستراتيجية التي يتبعها محور الشر المسمى “المعارضة الديمقراطية” هي مؤامرة مدبرة للتحريض على تخريب النظام الديمقراطي، والحريات العامة وعلى القضاء جسدياً على الشخصيات الرئيسية في الحركة التشافيزية بدءاً من الرئيس نيكولاس مادورو شخصياً، وعائلته والدائرة الضيقة المحيطة به. يقوم المعارضون بالتنفيذ المنهجي للخطوات الواردة في الكتاب المتعلق بزعزعة الإستقرار بعنوان “اللا عنف الإستراتيجي” (كذا!) الذي كتبه المستشار في وكالة المخابرات المركزية الأميركية أوجين شارب. لا توجد أية شكوك حول فهم النوايا الإجرامية لهذه المعارضة وحول ما يمكن أن تقوم به، في حال إنتصارها. لو نجح قادة هذه المعارضة في توريط الولايات المتحدة عسكرياً في الأزمة الفنزويلية عن طريق تأييد تدخل القيادة الجنوبية للجيش الأميركي- بالتعاون المعتاد من قبل بيادق واشنطن ذوي السمعة الشائنة في المنطقة والمستعدين دائماً لدعم المغامرات التي يقوم بها أسيادهم في الشمال- فإنهم سوف يشعلون الشرارة التي ستحرق السهوب الجافة في أميركا اللاتينية. وستكون النتائج كارثية ليس على شعوبنا فقط بل على الولايات المتحدة أيضاً التي ستحصد، بالتأكيد، هزيمةً جديدةً، مثل هزيمة خليج الخنازير، على أرضنا.

شرعت المعارضة من جديد بتنفيذ منهجية العنف الصريح، والتخريب والمواجهات في الشارع إضافة إلى المواجهة السياسية.
إن رهان المعارضة الذي يتم التحمس له بشكل حقير من قبل الصحافة العالمية المهيمنة كما فعلوا من قبل في موضوع “المقاتلين من أجل الحرية” في نيكاراغوا، ومن ثم في ليبيا وسوريا- صحافة تكذب بشكل فضائحي بخصوص ما يجري في فنزويلا واقعياً.

إن محاولة اليمين الفنزويلي تدويل الصراع و استجلاب عضلات الإمبراطورية أخذت بعداً جديداً بعد الكشف عن التصريحات الجديدة لقائد القيادة الجنوبية، الأميرال كورت تيد أمام لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي وبشكل خاص بعد الإعلان عن تعيين ليليانا أيالدا في منصب نائب رئيس القيادة الجنوبية.

وهي كانت تشغل منصب سفيرة للولايات المتحدة في باراغواي عشية “الانقلاب الدستوري” ضد حكومة فيرناندو لوغو، وقد لعبت دوراً في الكواليس لضمان نجاح الإنقلاب.

وبعد عطلة قصيرة، عادت إلى المنطقة لتحتل نفس المنصب ولكن هذه المرة في برازيليا حيث انصب اهتمامها وتشجيعها على “الإطاحة من ضمن المؤسسات” بالرئيسة ديلما روسيف.

بعد إنجاز مهمتها عادت إلى الولايات المتحدة بحثاً عن مهمات جديدة لزعزعة الإستقرار وهاهي في القيادة الجنوبية.

بمعنى آخر، رغم أنها تحتل المنصب الثاني في هذه القيادة فإنها تتمتع بخطورة أكبر من رئيسها: ابنة طبيب كولومبي مقيم في الولايات المتحدة، تعتبر أيالدا خبيرة مخيفة في مجال التخريب السياسي وقد تم اختيارها (ليس صدفة بالتأكيد) للمنصب الذي تشغله حالياً في شهر شباط الماضي، أي في نفس اللحظة التي اشتدت فيها المظاهرات العنيفة ضد الحكومة البوليفارية. بحسب ما ورد على الموقع الإلكتروني للقيادة الجنوبية فإن مهمة أيالدا هي “التحكم بالتطورات وتحسين الإستراتيجية الإقليمية للقيادة الجنوبية ومخططاتها في مجال التعاون الأمني.” إن ما تتمناه المعارضة “الديمقراطية” الفنزويلية، هو “الانتقال” العنيف إلى مرحلة ما بعد التشافيزية تحديداً عن طريق تكرار المأساة التي حصلت في ليبيا والعراق في وطن بوليفار وتشافيز. هذا هو مخططها ونموذجها الذي يظهر من خلال الخطابات الغاضبة والعنيفة لقادتها والذي وضعته القيادة الجنوبية ونائبة رئيسها الجهنمية موضع التطبيق. قليل من التعيينات المناسبة كتعيين أيالدا لتشجيع القطاعات العنيفة في فنزويلا. والقليل من الموقف الحاسم سوف يكون إنتحارياً من جانب الحكومة الفنزويلية مثل محاولة تهدئة العنف عن طريق تقديم التنازلات بمختلف الأشكال. للأسف، فإن “ساعة الأفران قد حانت”، وبإمكاننا رؤية نيرانها، كما كان يقول خوسيه مارتي، إن لم تطبق الدولة القانون بكل حزم وإن لم تلجأ إلى قوتها الفعالة في إخماد التخريب الذي يقوم به اليمين دون تردد وسحق بيضة الأفعى قبل فوات الأوان.

فاشيون؟ نعم، إنهم كذلك، أساليبهم فاشية، وهي مطابقة تماماً للأساليب التي اتبعتها عصابات موسوليني وهتلر من أجل بث الرعب بين الإيطاليين والألمان، عن طريق زرع الموت والخراب خلال الموجة الجديدة من الإرهاب، فاشيون بمضمونهم السياسي لأن مطالبهم رجعية في جوهرها في محاولتهم الشطب بجرة قلم على كل ما لم يتمكنوا من تحقيقه خلال الانقلاب الذي حصل سنة 2002، أي على كل الإنجازات التي تحققت منذ سنة 1999.

فاشيون أيضاً بسبب انعدام الأخلاق والحياء بشكل مطلق لدى قادتهم الذين يؤججون نار العنف، ويحرضون عصاباتهم من البرجوازيين الصغار وميليشياتهم شبه العسكرية على الاعتداء على حياة وممتلكات الفنزويليين، على الوكالات والمؤسسات الحكومية- المشافي والمدارس والمقرات الحكومية، الخ…- ولا يتراجعون أمام إمكانية جرّ فنزويلا إلى أتون الحرب الأهلية أو تحويل هذا البلد، في حال إنتصارهم وهذا غير ممكن، إلى محميةٍ أمريكية- شمالية كريهة.

بناءً على كل ما سبق، فإن المعارضين الفنزويليين هم أكثر سوءاً من الفاشيست قياساً إلى أن الأخيرين كانوا يحتفظون على الأقل بشعورٍ وطنيٍ على الأقل. إن الفاشيست الإيطاليين والألمان لم ينجروا أبداً إلى مستنقع السياسة الدولية من أجل تقديم بلدهم لقوةٍ أجنبية كما يفعل اليمين الفنزويلي، الذي سيبقى مسربلاً بالخزي الأبدي، بنباحه وعمله لكي يتحول وطنه، وطن سيمون رودريغيز و فرانسيسكو دي ميراندا وسيمون بوليفار وهوغو شافيز، إلى مستعمرة حقيرة لأميركا- الشمالية.
إن نعتنا لهم بالفاشيست هو شرف لهم لأنهم أسوأ بكثير وأكثر جدارة بالاحتقار.

حرب مفتوحة تشنها حكومة الاحتلال وبلدية نير بركات على القدس في الذكرى الخمسين لاحتلالها


حذرالمكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان من خطورة المخططات الاستيطانية ، التي بدأت حكومة إسرائيل بتسريبها لوسائل الاعلام كمخططات مدعومة من قبل حكومة بنيامين نتنياهو وبلدية نير بركات ، ومن ضمنها "خطة حكومية "لبناء 25 ألف وحدة استيطانية جديدة في أنحاء مختلفة في القدس المحتلة، بالتزامن مع الذكرى الخمسين لاحتلال المدينة. حيث تدفع وزارة الإسكان الاسرائيلية بخطة استيطانية ضخمة لتوسيع الأحياء اليهودية في مدينة القدس بإقامة 25 ألف وحدة سكنية جديدة فيها؛ من ضمنها 15 ألف وحدة تقع خارج حدود "الخط الأخضر"، في أحياء "عطاروت" و"رمات شلومو" شمال القدس، و"جفعات هماتوس" جنوبها على أرض مطار القدس وأراضي قلنديا المحيطة في المنطقة الاستيطانية المسماة  “عطروت” والتي أقامتها سلطات الاحتلال  على أراضي المواطنين في شمال غرب القدس المحتلة، على نحو 600 دونم من أرض المطار المهجور ومن مصنع الصناعات الجوية باتجاه حاجز قلنديا، وعلى اراض صودرت في مطلع السبعينات على يد حكومة حزب العمل آنذاك، فضلا عن  حفر نفق تحت حي كفر عقب من أجل ربط الحي الاستيطاني الجديد بتجمع المستوطنات الشرقي الذي بقي خارج جدار الفصل العنصري ليفصل بين الأحياء الفلسطينية في شمال القدس وبين مدينة رام الله وليحكم الحصار بشكل كامل على مدينة القدس المحتلة ويعزلها عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية عزلا كاملا ، وذلك بالإضافة إلى 10 آلاف وحدة قرب منطقة "المالحة" وفي أحياء "أرنونا" و"رمات راحيل" و"عين كارم" غربي المدينة المحتلة . ويقف وزير الإسكان يؤاف غالانت وراء الخطة التي ستكلف حوالي 4 مليارات شيكل (1.1 مليار دولار).

في الوقت نفسه أعلنت بلدية الاحتلال عن مصادرة قطعة أرض في منطقة رأس العمود، بذريعة "المصادرة لغرض المصلحة العامة ، ويُشير خبراء إلى أن القطعة التي تمتد على مساحة 1300 متر، تقع على الشارع المقابل للمسجد الأقصى، وهي ملاصقةٌ لمسجد رأس العمود والمقبرة اليهوديّة في جبل الزيتون، ومن المتوقع أن تخصص الأرض لإقامة بؤر استيطانية جديدة، حيث سبق وأن تم تجهيز محيطها بمواقف للسيارات وتركيب كاميرات مراقبة في الشوارع المحيطة بها.

فيما وقع القائد العسكري لجيش الاحتلال في منطقة المركز، روني نومه، الأسبوع الماضي، على أمر بتوسيع منطقة نفوذ المجلس الإقليمي الاستيطاني "ماطي بنيامين"، ما يعني توسيع منطقة النفوذ في منطقة مستوطنة "شيلو" في وسط الضفة الغربية المحتلة، من جهة التلة التي يطلق عليها المستوطنون 'غفعات غيئولات تسيون'. الأمر الذي تم التوقيع عليه لا يشمل هذه التلة، وإنما يشمل تلالا آخرى، بينها تلة كان من المقترح في السابق إقامة منشأة فيها لمعالجة المياه العادمة، بما يتيح الدفع بإقامة حي جديد في مستوطنة 'شفوت راحيل'. وكان هذا الحي الجديد في 'شفوت راحيل' قد عرض على المستوطنين في 'عمونا'، إلا أنهم رفضوه.

على صعيد أخر حصلت جمعية "حوننو" التي تمثل المئات من ناشطي اليمين المتطرف  على دعم مالي من قبل حكومة  إسرائيل، التي قدمت مبالغ مالية واستشارة قضائية مجانية لعائلات عدد من الإرهابيين اليهود، بينهم قتلة الفتى أبو خضير، والمشتبهون بحرق عائلة دوابشة، ومنفذ مجزرة عين قارة وغيرهم. وعلم أن المبالغ المالية التي تم تحويلها كانت على شكل هبات، إضافة إلى تقديم استشارة قضائية مجانية.

وعلى صعيد الانتهاكات الاسبوعية التي وثقها المكتب الوطني للدفاع عن الارض ومقاومة الاستيطان في كافة المحافظات الفلسطينية فقد كانت على النحو التالي في فترة اعداد التقرير:

القدس: سلّمت طواقم تابعة لبلدية الاحتلال في القدس، اخطارين بهدم منزلين في بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى بذريعة عدم الترخيص، وأقدم مستوطن على دهس 4 فتيات، في قرية صورباهر، جنوب شرق القدس المحتلة ، ما أدى إلى إصابتهنّ بجراح، كما أصيب طفلان من قرية صور باهر جنوب مدينة القدس، برضوض مختلفة، بعد تعرضهما للدهس من قبل مستوطن، أثناء تواجدهما برفقة والديهما في القرية وهما محمد موسى عطون وشقيقته ندى، حيث اصيب الطفل محمد اصيب برأسه، بينما أصيبت ندى برضوض.

الخليل: اصيب، الطفل يوسف وائل العواودة (6 أعوام) برصاص، مستوطن في منطقة كرمة في الخليل، وقالت مصادر في وزارة الصحة إن الطفل عواودة أصيب برصاصة في بطنه، ونقل إلى مستشفى عالية الحكومي لتلقي العلاج،
وأخطرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ، بهدم آبار مياه وغرف سكنية، في خربة اصفي شرق يطا جنوب الخليل  تعود للمواطنين إسماعيل حسين جبر عوض، وعليان عوض، وابلغتهما بضرورة هدم غرفتين سكنيتين وبئرين لجمع المياه.وأخطرت سلطات
الاحتلال الإسرائيلي، بركسات سكنية بالهدم والإزالة في خربة الفخيت شرق يطا جنوب الخليل ،حيث تسلم كل من أبناء محمد سالم العمور ومحمد محمود سلامه العمور،  اخطارات بضرورة هدم وإزالة بركسات لغايات السكن في المكان.
كما نفّذت قوات الاحتلال الاسرائيلي عمليات دهم لقرى فلسطينية في منطقة "مسافر يطا" جنوبي مدينة الخليل (جنوب القدس المحتلة)، وسلّمت إخطارات بوقف العمل في منشآت زراعية وسلّمت اثنين من المزارعين الفلسطينيين إخطارات بوقف العمل في بناء بركسات زراعية بالمنطقة.حيث تذرع الاحتلال بأن البركسات بُنيت دون ترخيص في منطقة (سي)، الخاضعة للسيطرة الاسرائيليه الكاملة.

بيت لحم: جرف مستوطنون أراضٍ مزروعة باللوزيات والعنب في بلدة الخضر جنوب بيت م ، في منطقة “واد الغويط” غرب الخضر القريبة من البؤرة الاستيطانية “سيدي بوعز” الجاثمة على اراضي المواطنين، وتبلغ مساحتها 10 دونمات وتعود للمواطن ابراهيم سليمان صبيح،لصالح توسيع البؤرة الاستيطانة "سيدي بوعز" وبغرض إنشاء كرفانات "بيوت متنقلة" جديدة، بالرغم من امتلاك أصحاب الأراضي أوراقًا ثبوتية بملكتيها "طابو"
واحرق المستوطنون 100 شجرة زيتون في أراضي قريبة من البؤرة الاستيطانية "ازديبار" تعود للمواطنين مبارك ومحمد زواهرة، ومزروعة على مساحة 5 دونمات.فيما أخطرت سلطات الاحتلال الاسرائيلي مدرسة جب الذيب الأساسية “قيد الانشاء”، شرق بيت لحم بوقف البناء فيها بحجة عدم الترخيص، ووجد  المواطنين قرب المدرسة اخطارا من ما تسمى “الادارة المدنية” الاسرائيلية، يقضي بوقف البناء فيها.
وفي الوقت نفسه استكملت سلطات الاحتلال إغلاق قرية الولجة جنوب غربي القدس المحتلة بجدار إلكتروني علما أن هذا الجدار سيعمل على إغلاق القرية بشكل كامل من جميع الجهات ما سيؤثر على حياة سكان القرية.

رام الله: هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، ، 6 منشآت تجارية لبيع المواد الغذائية في بلدة نعلين غرب مدينة رام الله ، بالقرب من الحاجز العسكري، حيث تذرعت سلطات الاحتلال بقرب هذه المنشآت من الحاجز لتبرير هدمها . وأطلق مستوطنون مستوطنة "بسيغوت" المقامة على أراضي مدينة البيرة النار على الشبان المشاركين في المسيرة الجماهيرية بشكل كثيف.
نابلس:اعتدى عدد من المستوطنين على المسنة بديعة محمد حمدان (72 عاما)، والشاب احمد يوسف عودة،  عقب هجوم استهدف المنازل في بلدة حوارة جنوب نابلس بالحجارة والآلات الحادة, وجرى نقل المصابين الى المشافي لتلقي العلاج
كما هاجم اكثر من 100 من المستوطنين، المنطقة الشرقية من بلدة عوريف جنوب نابلس، ما ادى الى اندلاع مواجهات مع المواطنين، اسفرت عن اصابة 4 مواطنين برصاص قوات الاحتلال التي حضرت الى المكان لمساندة المستوطنين.

وأجرت قوات الاحتلال الإسرائيلي لمدة 3 ايام ، تدريبات عسكرية بالمدفعية الثقيلة في خربة الطويل شرق عقربا، جنوب نابلس دمرت خلالها مساحات من الأراضي المزروعة خلال التدريبات. واحرق مستوطنون، مركبة المواطن مصطفى الضميدي من بلدة حوارة،كمااقتحم عشرات المستوطنين، قبر يوسف شرق نابلس، وذلك تحت حراسة أمنية مشددة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، وذلك لأداء طقوس تلمودية.
واقدمت مجموعة من مستوطني البؤرة الاستيطانية "جفعات رونيه"، على إحراق أشجار زيتون ومزروعات صيفية في المنطقة الشرقية من بورين . أهالي البلدة هرعوا للتصدي للمستوطنين، ودارت بينهم مواجهات، قبل أن تتدخل قوات الاحتلال وتطلق قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاه المواطنين.

سلفيت: لوثت مجاري مستوطنة “اريئيل” منطقة واد هياج شمال مدينة سلفيت شمال الضفة الغربية، حيث تعرض خط مجاري مستوطنة ” اريئيل” لانسداد وضغط مما أدى لتدفق المجاري في أراضي واد هياج. فيما قامت جرافات وحفارات تتبع المنطقة الصناعية لمستوطنة "اريئيل" بتجريف وتكسير صخور في  منطقة مراعي "بطن الحمام" الواقعة غرب مدينة سلفيت ، والتي تتبع أراضي بلدة بروقين.
واقتحم عشرات المستوطنين بلدة كفل حارس في محافظة سلفيت، بحماية دوريات عسكرية التي منعت التجول في البلدة ووفرت الحماية لهم.واقتحم المستوطنون مقامات دينية دأبوا على أداء طقوس تلمودية فيها ورددوا هتافات ضد العرب واستمر تواجدهم طيلة ساعات الليل،

الاغوار: اخطرت قوات الاحتلال 12 عائلة من عائلات الرأس الأحمر بضرورة ترك منازلهم لمدة يومين، في أوقات متفاوتة، بحجة التدريبات العسكرية.فيما قام مستوطنون برعي ابقارهم في منطقة عين الساكوت في الأغوار الشمالية ونصبوا خيمة لهم، ومنعوا الرعاة الفلسطينيين من رعي أغنامهم بالمكان. فيما يقوم  معسكر لجيش الاحتلال يقع على أطراف محمية "أم زوقا" شمال غور الأردن بتزويد  المياه للبؤرة الاستيطانية غير القانونية التي أقيمت على مقربة منه في مطلع كانون الثاني.وأقيمت هذه البؤرة بعد إحضار مستوطنين 30 بقرة لرعايتها بالمنطقة، وادعى الناطق بلسان منسق أعمال حكومة الاحتلال أنه صدر أمر بوقف العمل في البؤرة، لكن البؤرة لا تزال قائمة وتتسع، وأضيفت فيها عدة مبانٍ.ويوجد في المكان أكثر من خزان للمياه، كما ركبت ألواح شمسية وزرعت أشجار.

في الوقت نفسه أقدم مستوطنون من مستوطنة "ميحيولاا" المقامة على أراضي مواطني قرية عين الساكوت في الأغوار الشمالية على سلسلة أعمال استفزازية للمواطنين في القرية الواقعة على ضفاف نهر الأردن بهدف منع الفلسطينيين من ارتياد عين المياه هناك. حيث انتشروا في المنطقة ونشروا قطعان الأبقار فيها، ومنعوا أي راعي فلسطيني من الوصول للمنطقة.ودمرت الجرافات العسكرية الاسرائيلية، كافة خطوط المياه الرئيسية التى توصل المياه الى قرية بردله بالاغوار الشماليةـ واجرت كذلك قوات الاحتلال الإسرائيلي، تدريبات عسكرية بالقرب من خيام المواطنين في الأغوار الشمالية. 

جنين:اقتحمت، مجموعة من المستوطنين، تحت حراسة جيش الاحتلال ما كان يعرف بمستوطنة 'كديم'، على مدخل مدينة جنين التي أخلتها قوات الاحتلال من طرف واحد في عام 2005، ورددوا الشتائم والكلمات النابية ضد العرب وقاموا بنصب منطاد داخل المستوطنة. فيما جرفت قوات الاحتلال الإسرائيلي أراضي في قرية ظهر المالح الواقعة داخل جدار الضم والتوسع العنصري، شمال بلدة يعبد بمحافظة جنين. جرافات الاحتلال باشرت بتجريف ما يقارب من 30 دونما تعود لعائلتي خطيب وزيد الكيلاني في القرية، بهدف توسيع مستوطنة "شاكيد" المقامة على أراضي المواطنين، وجرفت قوات الاحتلال كذلك أراضي قرب مدخل بلدة عرابة الرئيسي ، وهاجم مستوطنون مركبة المواطن علي أحمد خالد قبها ، وأصابوه بكدمات وكسور في جسده، عند مدخل مستوطنة "شافي شمرون" قرب بلدة دير شرف غرب مدينة  نابلس على الطريق المؤدية إلى جنين، وألحقوا بها أضرارا بليغة.

أصول موسيقى البلوز... الآذان عند المسلمين؟


من المعروف أنّ الموسيقى الأميركية الحديثة (كما الثقافة الأميركية أو أي ثقافة بشكل عام)، تعود جذورها إلى تفاعل شعوب وحضارات مختلفة. فليس من المستغرب أن يُعطي متحف الهجرة في جزيرة أليس (الموطئ الأول لملايين المهاجريين إلى الولايات المتحدة) حيّزاً من الإهتمام بتاريخ الموسيقى الأميركية، وتأثير موجات الهجرة المتتالية في صقلها وتطويرها على مدى العصور. فنرى مثلاً كيف أنّ تراكم وتداخل تراثيات مختلفة من إيقاعات الطبول الأفريقية المتقطّعة إلى الأغاني الشعبية الألمانية، التي تعتمد على الوتريات قد أدّى إلى نشوء أنواع جديدة من الموسيقى.

ولكن الملفت هو الربط، بحسب عدد من الباحثين، بين أشهر أنواع الموسيقى الأميركية، البلوز، ونداء الصلاة عند المسلمين، أي الآذان. نشأت موسيقى البلوز بألحانها وكلماتها الحزينة كامتدادٍ للأغاني التي كان الرقيق الأفارقة يألفونها ويرددونها في حقول القطن والقمح لمساعدتهم على تحمّل ظروف عملهم القاسية في جنوب الولايات المتحدة، وذلك على مدى قرون. فإذاً إرتباط موسيقى البلوز بتاريخ الإستعباد الأميركي متّفق عليه. ولكن ما هو غير معروف كفاية أنّ حوالي 30 في المئة من الأفارقة الذين نُقلوا غصباً عنهم إلى الولايات المتحدة منذ القرن السابع عشر، كسِلع بشرية ضمن تجارة الرقيق، كانوا يعتنقون الديانة الإسلامية، إذ كانوا يأتون من السنغال وغيرها من بلدان أفريقيا الغربية حيث تنتشر الثقافة الإسلامية. ويرى الباحثون أنّ أنغام البلوز وطريقة تأدية أغانيها تشبه طريقة النداء إلى الصلاة عند المسلمين، فإرتعاش الأصوات والتغيرات الدراماتيكية في المقاييس الموسيقية بين الجملة والأخرى، والتجويدات الأنفية هي مميزات موجودة في كلا طريقتي الأداء الصوتي.

ويشرح عالِم الموسيقى الألماني، غيرهارد كوبيك، الذي يعدّ من أهم الباحثين والمتعمّقين في العلاقة بين الحضارات الأفريقية وموسيقى البلوز، في كتابه "أفريقيا والبلوز"، ميّزة التجويدات المتموّجة المتشابهة في البلوز والآذان، والتي تحوّل مقطعاً صوتياً واحداً (مثلاً: آه) إلى أكثر من نوتة موسيقية (آآآهههه). وهو يرى أنّ احتكاك شعوب أفريقيا الغربية الذين أصبح عدد كبير منهم رقيقاً في الولايات المتحدة، بالتراث الغنائي الإسلامي في أفريقيا الشمالية، هو ما جعلهم يحملون تلك الموسيقى إلى القارة الجديدة. الأمر الآخر الملفت بحسب كوبيك، هو أنّ استعمال الآلات الوترية في البلوز، مرتبط أيضاً بالتراث الموسيقي الإسلامي-الإفريقي.

فأصحاب الرقيق في أميركا منعوا الأفارقة من استعمال الطبول، لأنهم كانوا يعتقدون أنّها تسمح بخلق روابط بين المستعبدين، وبذلك تهدّد سيطرة الرجل الأبيض على الرقيق. والمعروف أنّ استعمال الطبول مرتبط بالحضارات الأفريقية الوثنية وغير المسلمة. في المقابل، سمح أصحاب الرقيق باستعمال الآلات الوترية البسيطة (والتي تطورت لتنتج آلة البانجو الشهيرة في أميركا) إذ كانت تذكرّهم بآلة الكمان الأوروبية، فيشعرون أنّها أقرب إلى ثقافتهم الغربية. كوبيك يعتقد أنّ تلك الآلات، والأنغام الأولى التي أنتجتها، مرتبطة بالموسيقى الإسلامية وبتراث الرواية الغنائي في أفريقيا الشمالية.

لكن ما يجعل الربط الأنتروبولوجي بين الحضارات الإسلامية والثقافات الأفريقية-الأميركية صعباً اليوم، هو ندرة وثائق تاريخية تعزّز هذه الروابط، والسبب يعود إلى أنّ أصحاب الرقيق لجأوا إلى الضغط على مستعبديهم لاعتناق المسيحية منذ وصولهم إلى الولايات المتحدة، ومنعوهم من ممارسة دياناتهم السابقة. ويعتقد الباحثون، رغم ذلك، أن عدداً من المستعبَدين من أصول إسلامية، كانوا يتقنون اللغة العربية، وقد حافظوا لبعض الوقت على معرفتهم بالآيات القرآنية، ومن الممكن أنّهم بقوا، طوال عقود، يرددون مزيجاً من الآيات والأدعية إلى الله أثناء عملهم في الحقول أو حتّى أنهم واظبوا على صلواتهم. بعض الباحثين استنتجوا من أقوال بعض أحفاد المستعبَدين، بأنّهم يذكرون أجدادهم وهم يصلّون للشمس والقمر، أنّ تلك الصلوات التي تحدثوا عنها قد تكون في حقيقة الأمر ليست إلّا الصلوات الإسلامية عند شروق وغروبها.

عنصر إضافي قد يربط الإسلام بالبلوز هو أنّ أوائل أغاني البلوز كانت تتوجّه إلى الربّ لمساعدة الرقيق على تحمّل الأعباء المفروضة عليهم، وتتضمن حنيناً للأيام الجميلة التي تسبق زمن الإستعباد.  من المعروف أنّ الموسيقى الأميركية الحديثة (كما الثقافة الأميركية أو أي ثقافة بشكل عام)، تعود جذورها إلى تفاعل شعوب وحضارات مختلفة. فليس من المستغرب أن يُعطي متحف الهجرة في جزيرة أليس (الموطئ الأول لملايين المهاجريين إلى الولايات المتحدة) حيّزاً من الإهتمام بتاريخ الموسيقى الأميركية، وتأثير موجات الهجرة المتتالية في صقلها وتطويرها على مدى العصور. فنرى مثلاً كيف أنّ تراكم وتداخل تراثيات مختلفة من إيقاعات الطبول الأفريقية المتقطّعة إلى الأغاني الشعبية الألمانية، التي تعتمد على الوتريات قد أدّى إلى نشوء أنواع جديدة من الموسيقى. 

ولكن الملفت هو الربط، بحسب عدد من الباحثين، بين أشهر أنواع الموسيقى الأميركية، البلوز، ونداء الصلاة عند المسلمين، أي الآذان. نشأت موسيقى البلوز بألحانها وكلماتها الحزينة كامتدادٍ للأغاني التي كان الرقيق الأفارقة يألفونها ويرددونها في حقول القطن والقمح لمساعدتهم على تحمّل ظروف عملهم القاسية في جنوب الولايات المتحدة، وذلك على مدى قرون. فإذاً إرتباط موسيقى البلوز بتاريخ الإستعباد الأميركي متّفق عليه. ولكن ما هو غير معروف كفاية أنّ حوالي 30 في المئة من الأفارقة الذين نُقلوا غصباً عنهم إلى الولايات المتحدة منذ القرن السابع عشر، كسِلع بشرية ضمن تجارة الرقيق، كانوا يعتنقون الديانة الإسلامية، إذ كانوا يأتون من السنغال وغيرها من بلدان أفريقيا الغربية حيث تنتشر الثقافة الإسلامية. ويرى الباحثون أنّ أنغام البلوز وطريقة تأدية أغانيها تشبه طريقة النداء إلى الصلاة عند المسلمين، فإرتعاش الأصوات والتغيرات الدراماتيكية في المقاييس الموسيقية بين الجملة والأخرى، والتجويدات الأنفية هي مميزات موجودة في كلا طريقتي الأداء الصوتي. ويشرح عالِم الموسيقى الألماني، غيرهارد كوبيك، الذي يعدّ من أهم الباحثين والمتعمّقين في العلاقة بين الحضارات الأفريقية وموسيقى البلوز، في كتابه "أفريقيا والبلوز"، ميّزة التجويدات المتموّجة المتشابهة في البلوز والآذان، والتي تحوّل مقطعاً صوتياً واحداً (مثلاً: آه) إلى أكثر من نوتة موسيقية (آآآهههه). وهو يرى أنّ احتكاك شعوب أفريقيا الغربية الذين أصبح عدد كبير منهم رقيقاً في الولايات المتحدة، بالتراث الغنائي الإسلامي في أفريقيا الشمالية، هو ما جعلهم يحملون تلك الموسيقى إلى القارة الجديدة. الأمر الآخر الملفت بحسب كوبيك، هو أنّ استعمال الآلات الوترية في البلوز، مرتبط أيضاً بالتراث الموسيقي الإسلامي-الإفريقي. فأصحاب الرقيق في أميركا منعوا الأفارقة من استعمال الطبول، لأنهم كانوا يعتقدون أنّها تسمح بخلق روابط بين المستعبدين، وبذلك تهدّد سيطرة الرجل الأبيض على الرقيق. والمعروف أنّ استعمال الطبول مرتبط بالحضارات الأفريقية الوثنية وغير المسلمة. في المقابل، سمح أصحاب الرقيق باستعمال الآلات الوترية البسيطة (والتي تطورت لتنتج آلة البانجو الشهيرة في أميركا) إذ كانت تذكرّهم بآلة الكمان الأوروبية، فيشعرون أنّها أقرب إلى ثقافتهم الغربية. كوبيك يعتقد أنّ تلك الآلات، والأنغام الأولى التي أنتجتها، مرتبطة بالموسيقى الإسلامية وبتراث الرواية الغنائي في أفريقيا الشمالية.

لكن ما يجعل الربط الأنتروبولوجي بين الحضارات الإسلامية والثقافات الأفريقية-الأميركية صعباً اليوم، هو ندرة وثائق تاريخية تعزّز هذه الروابط، والسبب يعود إلى أنّ أصحاب الرقيق لجأوا إلى الضغط على مستعبديهم لاعتناق المسيحية منذ وصولهم إلى الولايات المتحدة، ومنعوهم من ممارسة دياناتهم السابقة. ويعتقد الباحثون، رغم ذلك، أن عدداً من المستعبَدين من أصول إسلامية، كانوا يتقنون اللغة العربية، وقد حافظوا لبعض الوقت على معرفتهم بالآيات القرآنية، ومن الممكن أنّهم بقوا، طوال عقود، يرددون مزيجاً من الآيات والأدعية إلى الله أثناء عملهم في الحقول أو حتّى أنهم واظبوا على صلواتهم. بعض الباحثين استنتجوا من أقوال بعض أحفاد المستعبَدين، بأنّهم يذكرون أجدادهم وهم يصلّون للشمس والقمر، أنّ تلك الصلوات التي تحدثوا عنها قد تكون في حقيقة الأمر ليست إلّا الصلوات الإسلامية عند شروق وغروبها.

عنصر إضافي قد يربط الإسلام بالبلوز هو أنّ أوائل أغاني البلوز كانت تتوجّه إلى الربّ لمساعدة الرقيق على تحمّل الأعباء المفروضة عليهم، وتتضمن حنيناً للأيام الجميلة التي تسبق زمن الإستعباد. بالنسبة الى عالمة الأنتروبولوجيا والمؤرخة الفرنسية - السينغالية الأصل، سيلفيان ديوف، استطاع بعض الرقيق المسلمين أن يحافظوا على دياناتهم لفترات طويلة. وتقول إنّ مستواهم العلمي المتقدّم، مقارنةً بغيرهم من المستعبَدين، وقدرتهم على قراءة وكتابة اللغة العربية، ساعدهم على تولي مهمات أكثر أهمية من غيرهم في هرمية الرقيق. وتشير في كتابها، "عبيد الله: المسلمون المستعبَدون في أميركا"، أيضاً كيف أنّ عدداً من الرقيق المسلمين كانوا في واجهة عمليات التمرّد ضد ظلم أصحاب الرقيق. وإن كان الإسلام قد اختفى من ممارسات وذاكرة الرقيق، على مدى قرون من انقطاع التواصل مع العالم الإسلامي، فمن المؤكد أن الشعور بانتماء أصيل إلى الإسلام دفع العديد من السود من أحفاد الرقيق الأفارقة، إلى اعتناق الإسلام كردّ فعل سياسي في بدايات القرن العشرين مع نشوء حركة أو طائفة "أمة الإسلام". فتلك الحركة ساهمت في ترسيخ فكرة أصول الأفارقة الإسلامية، كنوع من التمرّد على تاريخ الإستعباد المرتبط بالمسيحية، والعودة إلى جذور تسبق حقبة الإستعباد. وما زال لتلك الطائفة حضورها وجمهورها حتى اليوم.

قد يصعب على الأميركيين اليوم تقبّل الرابط بين الإسلام والبلوز، ربما لأن الإسلام في أذهان غالبيتهم هو دين محافظ إلى حدّ كبير ويرفض الموسيقى. لكن الرفض لأي نوع من تأثير للإسلام في النسيج المعقّد والغني للثقافة الأميركية، في ظلّ "شيطنة" الدين الإسلامي، يعود إلى أنّ الإسلام يُعتبر، بالنسبة إلى الغالبية، ديانة دخلت الولايات المتحدة في حقبة حديثة نسبياً.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر