الراصد القديم

2016/06/01

تصادم المصالح الأمريكية والتركية بسبب القضية الكردية


تناولت صحيفة "إيزفيستيا" إمكان مشاركة تركيا في الحرب ضد "داعش"، مشيرة إلى رفض أنقرة مشاركة الأكراد فيها. 

 جاء في مقال الصحيفة:
أعلن وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو عن استعداد أنقرة لإرسال قوات خاصة لمشاركة الأمريكيين في محاربة "داعش"، وفتح جبهة ثانية ضد التنظيم في شمال سوريا. في حين أن روسيا تعتقد أنه لا يمكن لتركيا القيام بعمليات برية في سوريا من دون تفويض من مجلس الأمن الدولي أو موافقة السلطات السورية. أما الخبراء فيفترضون أن الهدف الأساس للأتراك هو ضرب الأكراد وليس محاربة الإرهابيين، ويحذرون من أن يؤدي دخول القوات التركية إلى الأراضي السورية إلى وقوع اشتباكات بينها وبين القوات الروسية.

وقال وزير الخارجية التركي إن العسكريين الأتراك يمكنهم السيطرة على المناطق الواقعة جنوب جرابلس وإغلاق الحدود بالقرب من منبج، لمنع وصول الإمدادات إلى الإرهابيين من الخارج. والشرط الأساس – رفض الولايات المتحدة التعاون مع أكراد سوريا. لأن "حزب الاتحاد الديمقراطي"، بحسب اعتقاد أنقرة، يرتبط بـ"حزب العمال الكردستاني"، الذي يناضل من أجل استقلال كردستان التركية منذ ثلاثة عقود.

أي بحسب تشاووش أوغلو، تُفتح الجبهة الثانية من دون "حزب الاتحاد الديمقراطي".

بيد أن الولايات المتحدة لا تعُدُّ "حزب الاتحاد الديمقراطي" إرهابيا، وتتعاون مع مقاتليه في الحرب مع "داعش"، حيث كانت الطائرات الأمريكية ترمي لمقاتليه الأسلحة والذخائر خلال معركة كوباني (عين العرب).

وقد أدى نشر "وكالة الصحافة الفرنسية" صور القوات الخاصة الأمريكية مع "وحدات الحماية الكردية" إلى رد فعل عنيف من جانب أنقرة، التي اتهمت واشنطن بالنفاق.

ولعل ذلك كان أحد أسباب تأخير نشر راجمات "هيمارس" الصاروخية الأمريكية على امتداد الحدود التركية – السورية لدعم هجوم الفصائل الكردية على المناطق الواقعة تحت سيطرة الإرهابيين.

لكن تشاووش أوغلو نفى ذلك، وأكد استعداد تركيا التام لنشر منظومات "هيمارس"، وأعلن أن أسباب التأخير تتحملها واشنطن. وهذا يعني أن هجوم الأكراد قد يؤجل إلى شهر أغسطس/آب على أقل تقدير.

ومن الواضح أن لأنقرة خطتها الخاصة لمحاربة "داعش". ففي البداية يجب على الولايات المتحدة التخلي عن التعاون مع الأكراد، وبعد ذلك تقوم التشكيلات العربية التي شكلت من المهاجرين، بدعم جوي ومدفعي، بتطهير المناطق الحدودية من الإرهابيين، تساندهم في ذلك القوات الخاصة لتركيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ثم بعد ذلك يتم التوجه نحو الجنوب.

لكن روسيا ترفض رفضا قاطعا مشاركة تركيا في النزاع السوري؛ حيث صرح نائب وزير خارجيتها، ميخائيل بوغدانوف للصحافيين، بأنه يجب أن تكون هناك قرارات دولية من مجلس الأمن الدولي، أو اتفاق مع السلطات السورية؛ لأنه ليس لدى الأتراك ما يبرر تدخلهم في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة.

من جانبه، يدعو الباحث العلمي في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، فيكتور نادين- راييفسكي، إلى عدم تصديق مزاعم تركيا حول محاربة "داعش"، لأن ضربتهم الأساسية ستكون ضد أكراد العراق وسوريا. وقال إن علاقة أكراد سوريا بـ"حزب العمال الكردستاني" هي فقط من تخيلات السلطات التركية.

ولكن، وبحسب رأيه، لا توجد قوة بديلة عن الأكراد يمكنها محاربة "داعش" في شمال سوريا. والولايات المتحدة تدرك هذا.

كما يقول الخبير بالشؤون التركية مدير مركز الدراسات الشرقية والعلاقات الدولية والدبلوماسية العامة، فلاديمير أفاتكوف إن تركيا تستمر في انتهاج سياسة عثمانية جديدة، وتصر على تنفيذ خطتها في سوريا، ليس فقط ضد بشار الأسد وروسيا وإيران، بل وضد الولايات المتحدة أيضا.

ويضيف أفاتكوف أن تركيا تعدُّ نفسها قوة عالمية يمكنها التصرف كما تشاء. لذلك تحاول بكل السبل محاربة الأكراد وفرض نفوذها على المنطقة. والقيادة التركية مستعدة لعمل أي شيء لمنع قيام دولة كردية.

واستطرد الخبير أن الأتراك سيشاركون بنشاط في محاربة "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية، فقبل أيام، توغلت الدبابات التركية في الأراضي السورية، ولكن الأمريكيين بحاجة إلى الأكراد، ولن يرضخوا لشروط تركيا. وهذا سيكون اختبارا لصلابة الناتو.

نسيب المتني - اغتياله اشعل ثورة 1958 ضد كميل شمعون



كان اغتيال نقيب المحررين السابق نسيب المتني عام 1958 فاتحة الاغتيالات السياسية لأرباب القلم في لبنان. لكن اغتياله «صُنع في لبنان» مئة في المئة، على عكس الاغتيالات اللاحقة التي طاولت أعلاماً بارزين في مهنة البحث عن المتاعب.

دفع المتني دمه ثمناً لموقفه السياسي. إذ كان معارضاً لسياسات عهد الرئيس كميل شمعون. ووقف بكل ما أوتي من حبر ضد التجديد لرئيس الجمهورية، معتبراً ان «التمديد جريمة»، ومعلناً معارضته «الاعتداء على الدستور... وفرض شخص لمدة 12 سنة، حتى لو كان أقرب أقربائنا وأعز أصدقائنا».

كان نسيب المتني من أولئك العصاميين الشرفاء، وقد بدأ عاملاً في المطبعة، ولم يكن يحسب انه سيأخذ المهنة عن أصحابها فلم يكن له نصيب من الثقافة لكن ضميره كان يقظاً.. وقد باشر كتابة الأخبار ثم التعليقات بالاضطرار، وكان يهتم بإثارة قضايا الناس والتركيز على همومهم بلغة بسيطة وبأسلوب مباشر فيه قدر عظيم من الجرأة. وحين آلت اليه «التلغراف» جعلها على مثاله، وهكذا فقد باتت صوت المعارضة، كل معارضة، وبالتالي صوت العمال والفلاحين وصغار الكسبة والمظلومين والمغبونين والذين لا صوت لهم..

وفي الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار (مايو) من العام الذي شهد «ثورة 1958»، اغتيل المتني بخمس رصاصات، اخترقت إحداها قلبه، ليخرّ صريعاً بعدما صرخ في وجه قاتله: «يا كلب يا جبان». فأشعلت دماؤه شرارة «الثورة» ضد عهد شمعون. إذ عمّت التظاهرات والاضرابات أرجاء البلاد. واندلعت في طرابلس معارك مع الجيش وقوى الأمن الداخلي، ذهب ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، من دون أن يتزحزح شمعون عن كرسيّه قيد أنملة. فأكمل عهده حتى اليوم الأخير، لكنه لم يجدد ولم يمدد. كانت كل المؤشرات تدل آنذاك إلى أن المتني قتل على أيدي أنصار شمعون. لكن معلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج كانت وراء اغتيال المتني بهدف إشعال نار الثورة ضد شمعون.

ومع ذلك، لم تكن تلك أولى معارك المتني مع رؤساء الجمهورية. فقد خاض ذلك الصحافي الجريء الذي انتخب نقيباً للمحررين عام 1947، معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري الذي استقال في 18 أيلول (سبتمبر) 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب لدعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية.

واستطاع المتني، بقربه من المواطنين الذين اعتبروه ضميرهم العام أن يصنع جريدة على نمطه هو. فأصدر صحيفة «التلغراف» اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، بعدما جعلها صوت المعارضة ومنبرها الأخطر، يتناوب على الكتابة لها وفيها وعلى تزويدها بالأخبار كل أقطاب ذلك الزمن من السياسيين، وبينهم صائب سلام وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وحسين العويني وأحمد الأسعد... وغيرهم.

وحتى اغتيال المتني عام 1958، كانت «التلغراف» تطلع كل صباح على اللبنانيين بمقالات نارية، بقلم رئيس تحريرها، فاضحةً تغلغل الفساد في إدارات الدولة، ومنتقداً بقوة الاستعانة بالخارج ضد الداخل، مطالبةً «سيد العهد» بالرحيل لتجنيب البلاد حرباً أهلية كانت ملامحها بدأت تلوح في الأفق

السوريون يستقبلون آلاف اللاجئين الأوروبيين!



لطالما كثر اللغط بين الأوروبيين منذ بداية الأزمة السورية والعراقية، فعبروا عن انزعاجهم من توافد اللاجئين متناسين كيف استقبلتهم مخيمات الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الثانية.

فمنذ اندلاع الحرب في سوريا قبل 5 سنوات، سعى الملايين من اللاجئين السوريين إلى الوصول لموانئ أوروبا برا أو بحرا من خلال تركيا وعبر البحر المتوسط مستنجدين بالقارة العجوز عساها "ترد الجميل"، لكن رجاءهم قوبل بالاستنكار والرفض والخوف..

نفس هذا الطريق عبره اللاجئون منذ أكثر من 70 عاما، لكن حينها لم يكونوا سوريين، إنما أوروبيون عبروا نفس الطرق في الاتجاه المعاكس.

ونشر موقع "بوبلك راديو انترناشيونال" (PRI)، الخميس 28 أبريل/نيسان، تقريرا يعرض الأوضاع المعيشية للاجئين الأوروبيين في الشرق الأوسط آنذاك، حيث أقامت منظمة الإغاثة واللاجئين بالشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الثانية، مخيمات لجوء في سوريا ومصر وفلسطين، لتكون ملاذا لآلاف اللاجئين الأوروبيين.

ووفقا للتقرير، كانت المنظمة جزءا من شبكة مخيمات اللاجئين حول العالم، وكانت الحكومات الوطنية هي المسؤولة عن إدارتها بشكل شامل. كما ساهمت في إدارة المخيمات مجموعات تابعة لمنظمات دولية مثل خدمة الهجرة الدولية والصليب الأحمر ومنظمة الشرق الأدنى ومنظمة أنقذوا الأطفال.

وفي مارس 1944، أصدر المسؤولون الذين عملوا في منظمة الإغاثة واللاجئين وخدمات الهجرة الدولية تقارير عن مخيمات اللاجئين كجزء من جهود تطوير الظروف المعيشية بها.

واحتوت تلك التقارير على تفاصيل دقيقة عن حالة المخيمات مشيرة إلى وجود لاجئين فروا من بلادهم مثل بلغاريا وكرواتيا واليونان وتركيا ويوغسلافيا وغيرها، وجميعهم اضطروا للتأقلم مع الحياة داخل المخيمات في الشرق الأوسط.

ولدى وصول أي من اللاجئين للمخيمات، كان عليهم أولا التسجيل في المخيم والحصول على بطاقة تعريف خاصة تحتوي مجموعة من المعلومات مثل اسم اللاجئ والرقم التعريفي الخاص وتعليمه وعمله ومهاراته.

ويذكر التقرير أن اللاجئين كانوا يتمتعون ببعض المميزات منها التجول خارج المخيم والقيام برحلات للمدن، بعضها تجاوزت مسافة الطريق إليها العديد من الأميال.

كما كانوا يدخلون المحال ويشترون الإمدادات الأساسية ويشاهدون الأفلام في السينمات المحلية، أو ببساطة ينعمون بالقليل من الترفيه غير الموجود في حياة المخيم.

وكانوا يحصلون على نصف حصص مؤنة الجيش يوميا كما اهتم المسؤولون عن المخيمات بالأطعمة المقدمة بحيث تتناسب مع العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية الخاصة بكل مجموعة عرقية في المخيم.

ويختتم التقرير بالتذكير بالتشابه بين الأمس واليوم، فحال اللاجئين اليوم هو نفسه حال من سبقوهم من اللاجئين الأوروبيين في مخيمات الشرق الأوسط، كلاهما سعى للحصول على حياة طبيعية قدر الإمكان.

وحسب الوكالة الدولية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، يوجد حوالي 500 ألف لاجئ سوري مسجلين في مخيمات اللاجئين اليوم، ويوجد حوالي 5 ملايين سوري اضطروا لمغادرة بلادهم منذ بدء الصراع في سوريا.

في مئوية سايكس بيكو... هل يتكرّر مجدّداً؟

رامز مصطفى ..

ما يستوقفك في شهر أيار أنه من بين أشهر العام المثقل بأحداثٍ وتحوّلات جدُّ هامة وخطيرة، كان لها وقعها على الواقعين الدولي والإقليمي. تلك الأحداث التي أعادت رسم وفك وتركيب لمجمل أوضاع المنطقة بأبعادها السياسية والاقتصادية والجغرافية، وقف اتفاق «سايكس بيكو» في أولويات تلك الأحداث الكبرى، هذا الاتفاق الذي وقع في أيار من العام 1916، أيّ قبل مائة عام من الآن. هذا الاتفاق الذي أتى على قسمة تركة الإمبراطورية العثماني بين فرنسا وبريطانيا، التي ومن موقع أنها قوة الانتداب على فلسطين، قد منحت فلسطين لليهود بموجب وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني من العام 1917، أيّ بعد عام من اتفاق سايكس بيكو. هذا يقود إلى القول إنّ زرع الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين، كان يستلزم وكممرّ إجباري تقسيم المنطقة، وخاصة الموجودة على التماس مع الأرض الفلسطينية. وهذا ما تمّ فرضه بقوة الحديد والنار والمجازر التي ارتكبتها عصابات الهاغاناه وشتيرن والأرغون بحق الفلسطينيين في قراهم ومدنهم مقدّمة لتنفيذ جريمة العصر في الخامس عشر من أيار في العام 1948، والمتمثلة في اقتلاع وطرد ما يزيد عن 800 ألف فلسطيني من ديارهم وهم أصحابها الأصليين إلى دول الجوار الفلسطيني

واليوم وبعد مرور 100 عام على اتفاق « سايكس بيكو»، وعلى وقع ما تشهده المنطقة منذ خمس سنوات من أحداث خطيرة، يعيد للأذهان مجموعة من التطورات التي سبقت تلك الأحداث تؤكد على أنّ ما نعايشه من مشهد بحور من دماء شعوب المنطقة، كانت التحضيرات اللازمة لها. وما كانت الإدارة الأميركية قد روّجت وسوّقت إليه عن أنّ المنطقة مقبلة على شرق أوسط جديد، وتحديداً خلال العدوان «الإسرائيلي» على لبنان في تموز من العام 2006، حيث جاهرت آنذاك رئيسة الدبلوماسية الأميركية الوزيرة كونداليزا رايس في تصريح لها تعليقاً على الحرب، في القول: «إنّ ما يشهده لبنان، هو مخاض لشرق أوسط جديد». وعندما فشلت «إسرائيل» في عدوانها وانتصرت المقاومة، انتقلت الإدارة الأميركية وحلفاؤها وأدواتها إلى الخطة البديلة في قلب الأوضاع في المنطقة وتحديداً في سورية، بعد أن فشلت أيضاً سياسة الاحتواء التي مارستها العديد من الدول الإقليمية وبعض الدولية لسوريا وقيادتها، في فك الشراكة بينها وبين إيران وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين. وكان قد سبقها قبل عدوان 2006، القرار الشهير 1559 والصادر عن مجلس الأمن الدولي حول سلاح حزب الله والسلاح الفلسطيني في لبنان، لتتلوها جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات العربية السورية، وما تبعها من شحن واصطفاف مذهبي غير مسبوق في لبنان، وتحريض مرتفع السقف ضد سورية والمقاومة في لبنان واتهامهما بأنهما يقفان وراء عملية الاغتيال.

وهنا يبرز السؤال مع المئوية الأولى لـ»سايكس بيكو»، هل نحن أمام اتفاق جديد بعد استنفذ الاتفاق الفرنسي البريطاني في أيار من العام 1916 أغراضه؟ والتي بتقديري قد تمحورت في تجزئة الوطن العربي، وزرع الكيان الصهيوني في فلسطين، ووضع اليد على مقدرات المنطقة من نفط ولاحقاً الغاز. وهذا ما تقاطعت عنده الكثير من المقالات والأبحاث الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية، ومنها أكد أنّ المنطقة ستشهد على تقسيم المقسّم وتجزئة المجزأ، وهذه المرة على أسس طائفية وعرقية واثنية ومذهبية. وهناك من دحض هذا السياق في أنّ أحداث المنطقة ستنتهي في تقسيم دوله بما فيها دول الخليج العربي وصولاً إلى أفريقيا، ولكن في ذات الوقت أكدوا على أنّ بقاء الحدود المصطنعة والتي جاء بها اتفاق «سايكس بيكو»، لا يعني أنّ الحكومات المركزية ستبقى قائمة. وإلى حين توافق القوى المؤثرة في أحداث وحروب المنطقة ستقرّر الكيفية في إدارة الحكم في هذه المنطقة.

وإنْ كنت أميل للرأي الآخر، وهو أنّ المنطقة ليست مقبلة على «سايكس بيكو» جديد، وإنْ كانت الأوضاع قد لا تعود برمّتها إلى سابق عهدها، أيّ قبل اندلاع تلك الأحداث والحروب الطاحنة. وما يدفعني إلى القول إننا لسنا أمام تقسيم جديد للمنطقة، أنّ هناك قضيتين لا تزالان الشغل الشاغل للمجتمع الدولي، وإنْ إحداهما تتقدّم الأخرى بأشواط، وهما القضية الفلسطينية والكردية. وهنا يكمن السؤال المحوري، وهو هل الواقعين الدولي والإقليمي باتا على قناعة بأحقية الفلسطينيين والأكراد بأن تكون لهما دولتان في التقسيم الجديد؟ المواقف جدُّ متباينة من هاتين القضيتين، إلى درجة لا يستطيع المرء معها تصوّر تناقضاتها، أو ما هي المعايير ليقبل بتلك ويرفض الأخرى، والعكس هو الصحيح…

أانطلق إلى القول إنّ الدول أو القوى التي تؤيد قيام دولة كردية بموجب التقسيم الافتراضي للمنطقة، فقط الكيان الصهيوني من خلفية أن يبرّر لنفسه «مشروعية» اغتصابه لفلسطين، وتثبيت كيانه على أنه «دولة طبيعية» في الواقع الإقليمي الجديد، وهنا لا زالت الإدارة الأميركية غير حاسمة في موقفها من تلك الدولة على الرغم أنها تقف مباشرة وراء الدعم العسكري لما تسمّى «قوات سورية الديمقراطية»، وهي كردية. وباقي الدول وتحديداً الإقليمية وعلى وجه الدقة تلك الدول التي ترى أنّ الدولة الكردية ستكون على حسابها، وهي تركيا وسورية والعراق وإيران، وهي دول لها القول الفصل أقله إلى الآن! أما الدولة الفلسطينية العتيدة، فهي وإنْ كانت تحظى بتعاطف قوي عربياً وإسلامياً وحتى البعض الدولي من خارج الدول التي تؤيد تقليدياً القضية الفلسطينية، ولكن الكيان الصهيوني ومن خلفه الإدارة الأميركية تقفان عائقاً أساسياً في وجه إقامة دولة فلسطينية وإنْ منزوعة السيادة، على الرغم من الموافقة اللفظية من حلّ الدولتين الذي أكلت وشربت عليه كلّ سياسات حكومة الكيان برئاسة «نتنياهو» من تهويد واستيطان وحصار واعتقالات ومحارق وإعدامات بحق أهلنا وأرضنا ومقدساتنا. وبالتالي هل الدعم العربي لا يزال على راهنه من تأييده لقيام دولة فلسطينية، مع التبدل الواضح حدّ السفور في علاقات أغلبيتها مع «إسرائيل»؟ بعد أن استبدلت تلك الدول أولويات الصراع وغيرت وجهته، لتصبح إيران العدو و»إسرائيل» هي الصديق الذي من الممكن الاعتماد عليه في شدائد تلك الدول، وبأنّ مالهم مقابل العقول «الإسرائيلية» قد تصنع المعجزات في المنطقة. وعليه من يضمن أنّ هذه الدول المؤثرة بقوة البترودولار أنها ستغيّر تأييدها للدولة الفلسطينية، مع كثرة الحديث عن تطبيع آخذ بالتطور الغير مسبوق لتلك الدول مع الكيان، وما الحديث عن استعداد تلك الدول إلى إعادة النظر في المبادرة العربية التي أقرّت في قمة بيروت العام 2002، إلاّ الدلالة في التأكيد إلى ما ذهب إليه نتنياهو «أن علاقات كيانه مع الكثير من الدول العربية تؤسّس لمرحلة جديدة وأفق جديد في علاقات دول المنطقة».

مما تقدّم لا أرى وأقله إلى الآن كما أسلفت أنّ تقسيماً جديداً للمنطقة هو في طور التنفيذ، لأنّ ذلك أيضاً لن تنجو منه دول لم تشهد حروباً مباشرة على أراضيها، سواء الإقليمية أو الدولية منها. وسأفترض أن الجميع توافق على التقسيم مجدّداً، من يضمن لتلك الدول أنها ستكون هي أيضاً ملزمة أن تدفع من أراضيها أجزاء واسعة على أساس الفرز الطائفي أو المذهبي ومن تلك الدول السعودية وتركيا وإيران ومصر وليبيا والجزائر ولبنان وحتى السودان الذي شهد تقسيماً منذ سنوات بين شماله وجنوبه الخ… ومن يقول حينها إنّ بعض الدول الأوربية ستنجو من هذا التقسيم والتجزئة في ظلّ تنامي النزاعات القومية.

كلوفيس مقصود إذ يختار موعد رحيله..


طلال سلمان

لم تكن مصادفة أن «يؤجل»، كلوفيس مقصود رحيله، في مغتربه الاختياري الجامعي في واشنطن، بعيداً عن لبنان بأثقال الخيبة فيه، أياماً، حتى تجيء متزامنة مع الذكرى المئوية لمعاهدة سايكس ـ بيكو التي قسمت بلادنا بالفتنة تمهيداً للمشروع الإسرائيلي في فلسطين، فاتحاً أمام العرب باب «النكبة» التي تكاد الآن تتكامل فصولاً.

لقد اختار موعد رحيله كتظاهرة احتجاج على القصور العربي، بل التقصير، بل ما هو أفظع..

أما المصادفة فأن يصحبه ـ بقرار أيضاً ـ في هذه الرحلة الأخيرة القانوني العربي المميز الدكتور محمد المجذوب، الذي كان علماً من أعلام النضال القومي مسخراً علمه الغزير لخدمة قضايا أمته، وما أكثرها وأخطرها.

لقد اختار هذان الكبيران موعد المغادرة بدقة: بعد عيد الشهداء الذين أعدمهم الاحتلال التركي في بيروت فأعطوا ساحتها ـ القلب اسمها وعشية احتفال الكيان الصهيوني بالذكرى الثامنة والستين لإقامته بالقوة الأممية (والخيانة، عربياً) فوق أرض فلسطين..


ولقد رحل كلوفيس مقصود وحيداً في بلاد الغربة التي نفى نفسه إليها بقرار واعٍ، وإن ظل يمر بنا بين الحين والآخر، متفقداً، أو يتصل هاتفياً وبشكل دوري حتى يعزز شعوره بالانتماء، خوفاً من أن تضعفه الغربة.

وكنا عرفنا «البيت» الذي أعطانا هذا الشاب بقيافة العجوز، متواضعاً، منطوياً على نفسه، يتظاهر بأنه ضعيف النظر في حين أنه يقرأ النيات، وأنه ضعيف السمع مع أنه يلتقط هسيس أوراق الشجر الذي يظلل الطريق من الشويفات إلى أوكلاهوما، حيث وُلد غريباً، وفي المسافة بينهما.

ولقد التقينا في زمن النهوض الوطني والقومي كلوفيس مقصود، تظللنا أطياف الوالدة ماري التي أكدت له عروبته والخال جورج حنا الذي علّمه المشي يساراً، فيما وصفه الوالد فريد مقصود بأنه «صبي بشع.. بس مهيوب».

في أي حال، يمكننا أن نعتبر كلوفيس مقصود «أخطر رجل في العالم» لعظيم ما تختزنه ذاكرته ولا تنساه من معلومات عن الدول في القارات الخمس وعن الزعماء السياسيين والقادة الكبار من جمال عبد الناصر إلى جوزيب بروز تيتو ثم إلى جواهر لال نهرو وسائر أفراد هذه العائلة المجيدة بتاريخها المأساوي.. هذا فضلاً عن رجال الدولة ونساء الدولة، والمؤرخين والبحاثة، والأحزاب السياسية وقادتها في الشرق والغرب، عن الجامعات وكبار الأساتذة، ثم عن المنظمات الإقليمية والدولية بدءاً بالجامعة العربية بمقرها الدائم في القاهرة وصولاً إلى سفارتها في الأمم المتحدة في نيويورك، وانتهاءً بالمنظمة الدولية وكل ما انبثق عنها من وكالات تحمل أسماء معقدة لمهمات لم تُنجز.

وعندما تفجرت الثورة الفلسطينية، في أوائل الستينيات، سيلتقي مقصود الزعيم الراحل ياسر عرفات في العام 1967 لصداقة ستتوطد في العام 1969 وتدوم حتى آخر أيام أبو عمار.

مع السعي لاستكمال وعينا، كانت الحيرة تتملكنا ونحن نحاول التوفيق بين القومية والاشتراكية، خصوصاً وأن الجيل الذي أخذنا عنه الفكر القومي كان أقرب إلى نمط الحياة الغربية وقيم أو مفاهيم المجتمع السياسية الغربية... بينما كانت البيئة الدينية ترى فيها اعتراضاً على العزة الإلهية، وإعادة غير مغفورة لترتيب الناس على الدرجات.

ولقد قدم كلوفيس مقصود، بشخصه كما بكتاباته ومناقشاته، محاولة للمزاوجة بين هذه التوجهات جميعاً، ولعله لهذا وجد في الحزب التقدمي الاشتراكي ملاذه السياسي وفي مؤسس الحزب كمال جنبلاط قائد البدايات.

ولم تكن مصادفة أن تحتل الهند، هند غاندي ونهرو وحزب المؤتمر والاشتراكية الهندية ومدرسة التغيير باللاعنف وبالمقاومة السلبية مكانة متميزة في تفكير جنبلاط وفي عواطفه، ثم في تفكير تلميذه، كلوفيس مقصود.

وكان في تجربة جمال عبد الناصر في قيادة حركة الأمة العربية نحو الوحدة والتقدم، إضافة إلى غناها الذاتي، كل من وما أحبه كلوفيس: هند نهرو ويوغوسلافيا تيتو وبعض صين شو ان لاي وبعض كوبا وغيفارا.. كل باندونغ وعدم الانحياز، ثم التجربة العملية وعلى الأرض لما سمي الطريق العربي إلى الاشتراكية، ومحاولة التوفيق الأكثر جدية بين الإسلام والعروبة والاشتراكية، وهكذا انتمى إليها كلوفيس مقصود بالوعي كما بالرغبة والإيمان بقيادة جمال عبد الناصر.

بعد ذلك تعرفنا على الكاتب والزميل الصحافي في «الأهرام» تحت رئاسة الراحل الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل في أعقاب هزيمة 1967.

وكان كلوفيس مقصود في كل الأمكنة وفي كل الأزمنة لا يتعب من التبشير.

وبقدر ما كانت «الأهرام» في تلك الفترة صوت عبد الناصر بقلم هيكل والداعية إلى العروبة وإلى الاشتراكية وإلى المقاومة والعودة إلى ميدان التحرير، فقد كان بيت كلوفيس مقصود حبة العقد في لقاءات المثقفين العرب والصحافيين الأجانب والديبلوماسيين والخبراء الذين يجيئون ليعرفوا...

لقد أخذ كلوفيس مقصود عن أساتذة كبار وتعلم منهم وبشّر بالمبادئ التي كانوا يعملون لتحقيقها: من كمال جنبلاط اللبناني إلى جواهر لال نهرو الهندي، ومن جوزيب بروز تيتو اليوغوسلافي الوحيد إلى شو ان لاي المليار صيني، ومن أحمد سوكارنو الأندونيسي إلى موديبو كيتا وأحمد سيكوتوري وباتريس لومومبا المبشّر بولادة أفريقيا الجديدة.

ورأى كلوفيس مقصود نفسه مبشراً بالغد الأفضل تحت قيادة عظماء وبالذات منهم: جمال عبد الناصر ومن المفكرين زكي الأرسوزي وقسطنطين زريق وميشال عفلق فضلاً عن فلاسفة ورجال فكر كثر في الشرق والغرب.

فكلوفيس مقصود ملخص مكثف لأفضل ما في جيلَين أو ثلاثة أجيال من المحاولات الرائدة والشجاعة لفتح أفق الغد، بالفكر والإيمان والتجربة.

إنه بريء إلى حد السذاجة، عنيد كالمؤمنين الأوائل، برغم أنه جاب العالم كله شرقاً وغرباً فرافع ودافع وهاجم وتصدى وتراجع بغير أن يرفع الأعلام البيضاء، وظل قلمه بيده يعوّض به نور عينيه.

ولقد عرفنا كلوفيس مقصود السفير العربي لدى الأميركيين، يحاول تخطي الوضع الملتبس، ويتجرع مرارات التهالك في الصف العربي، ويحاول التمويه على الأميركيين بأن العرب موحدون، وعلى الإسرائيليين بأن العرب عائدون إلى القتال.

وبرغم أن أحداً لم يصدقه إلا أنه ظل يعاند واستمر في المحاولة حتى يومه الأخير في الوظيفة بل وظل مستمراً بعدها!

لقد عاش كلوفيس مقصود في وجدان العرب، مقاتلاً من أجل حقوقهم، ولو وحيداً.. وظل ابن الشويفات المتحدر من وادي شحرور وبالعكس، صهر بيروت وبالامتداد العائلي طرابلس، المفكر القومي بين الاشتراكيين، المقاتل بين الديبلوماسيين، الفلسطيني بين العرب، العربي بين الفلسطينيين، المصري الجزائري المغربي، اليمني السوداني التونسي، الخليجي، العراقي السوري واللبناني كأعرق الفينيقيين.

فكلوفيس مقصود هو الصديق الذي يحفظ على البُعد الودَّ ويرمي أحقاد الآخرين في المحيطات الواسعة... وقد اكتمل ديناً ودنيا بالسيدة المناضلة هالة سلام مقصود، إذ كان الداعية وكانت «الفدائي»، وكان الكاتب، الخطيب، المناقش، الشارح، المحاور، وكانت التظاهرة المقتحمة، المقاتلة بوعي وبمعرفة دقيقة لأصول القتال في بلاد الغربة، وخيمة القضية.

ربما لهذا كله، نستذكر معه «خصمه» الصديق اللدود المفكر منح الصلح وقد شَكَّلا معاً، لفترة طويلة، ثنائي الجلسة الممتعة فكراً وظرفاً في «مطعم فيصل» الذي كانت الرسائل إلى أساتذة الجامعة الأميركية بعنوانه.

رحم الله كلوفيس مقصود، وقد لحق برفيقة عمره هالة، وهما شكلا معاً ثنائياً مميزاً، نضالاً وحضوراً فاعلاً زاد من كبر لبنان وأضاف زخماً إلى قضية العروبة وظل يعطي حتى القطرة الأخيرة من العمل بالعلم والمعرفة

سنّة 8 آذار: لا مع ستي ولا مع سيدي بخير


ليس النائب وليد جنبلاط وحده المنزعج من "لعبة الديكور" الحزبي في نقابات المهن الحرة، بل كثيرون من الاحزاب والقوى السياسية التي يبلعها السمك الكبير او حيتان السياسة. احزاب 8 آذار السنية او القوى الوطنية واليسارية والناصرية في 8 آذار، وخصوصاً في العاصمة تشعر انها "تؤخذ" على حين غرة تارة من ابن الطائفة، تيار المستقبل وتارة اخرى من التحالف القواتي- العوني.

اذ يصر الثنائي المسيحي على تولي مسيحي منصب نقيب الاطباء للمرة الثالثة على التوالي بعدما كان العرف ينص على ان يكون منصب النقيب مداورة بين المسلمين والمسيحيين. كما يرفض الثنائي الاتيان بسني آخر غير ممثل تيار "المستقبل"، ذلك ان العرف ايضاً ان يكون مجلس النقابة من 16 عضواً 8 مسيحيين و8 مسلمين بين الشيعة والسنة والدروز يتوزعون بين "حزب الله" و"حركة امل" و"الحزب الاشتراكي" وتيار "المستقبل".

إستبعاد الاحزاب الكبرى في الطوائف اللبنانية الاساسية للاحزاب الصغيرة من ابناء "جلدتها"، يجعل الاحزاب الصغيرة، امام امتحان جدي ويومي امام جماهيرها التي تشعر هي ايضاً بالغبن فلا يمكنها ان تهضم عند كل استحقاق ان تستبعد اوتهمش ولا يأخذ احد بتمثيلها وكأنها غير موجودة. وتعتقد هذه القوى ان افرازات ما بعد الطائف هي التي تعطل كل الحياة السياسية الحقيقية الفعلية والديمقراطية اليوم في لبنان في ظل تكوين للسلطة قائم على اساس الثوب المفصل، او قانون انتخابي معلب يضمن حصة الكبار من الاحزاب والطوائف في مناطقهم ودوائرهم الانتخابية وحيثيات القانون مفصلة "عالبكلة" على قياسهم. وكأن السطور الجامدة في متون القانون تتكلم نريد فلاناً وفلاناً فقط. وهذا ما حدث في الانتخابات البلدية والاختيارية في المراحل الثلاث الماضية، حيث فاز من حاز على اكثرية الاصوات بينما خسر بعض المرشحين المستقلين او التابعين للاحزاب كالشيوعي مثلاً والناصري، على بضع مئات او آلاف من الاصوات. كانت تؤهل المجتمع المدني في بيروت والناصري في صيدا والشيوعي في حولا وكفررمان وصريفا والبازورية على سبيل المثال، ان يحوزوا على تمثيل واسع كبير اذا كان القانون نسبياً ولا يلحظ تقسيمات محفورة حفراً.

في المقابل لا ينجو التحالف المسيحي المستجد بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" من الانتقادات التي توجه من قوى 8 آذار السنية والوطنية واليسارية والناصرية، اذ تعبر عن نفس طائفي ومذهبي يستفز هذه القوى ويستفز شارعها، الذي كفر بالحرب الاهلية وبالحرب التي حملت هذا الخطاب من الفيدرالة الى "الكنتنة" وحقوق المسيحيين والجبهة اللبنانية في حين يعتبر "الوطنيون" انهم كانوا يمثلون أمة اكانت قومية او اسلامية او عربية.

وفي حين يغرد حزب "الكتائب" خارج الثنائي المسيحي لتحقيق مصالحه بالتكافل والتضامن مع "تيار المستقبل"، يتهم الثنائي "الكتائب" انه واجهة لتنفيذ مآرب "المستقبل" بعزل المسيحيين واستهداف العماد ميشال عون، وقطع الطريق امامه للوصول الى بعبدا. وتسفيه كل خطوة وكل مشروع وكل حراك يقوم به التيار الوطني الحر ومنعه من تحقيق اي انجاز، كي لا يظهر الا بمظهر المنتصر والحامي لمصالح حزبه بعد الطائفة والوطن ويبقى حائراً بين خطاب في المنابر لا يتحقق على الارض.

وتؤكد مصادر قيادية في "التيار الوطني الحر"، ان اتهام التحالف الثنائي بالاستيلاء على حقوق الآخرين مردود من اساسه ولا يعبر عن واقع الحال. فالاجدى بهؤلاء النظر الى المسبب وليس النتيجة فمن يستهدف المسيحيين هو تيار المستقبل ويريد عزلهم وقضم حقوقهم ورمي الفتات لهم على ساعته وتوقيته، فهو لا يوفر ابناء طائفته الآخرين فكيف بالمسيحيين. فنحن حين نعبر عن خطابنا لا نريد ان نظهر طائفيين او مذهبيين او مناطقيين ولكننا مجبرون على مجابهة تيار المستقبل مع الاعتراف ان بعض القيادات المسيحية باتت مغالية باختيار بعض التعابير التي قد تستفز الآخرين وهي لا تعبر بحقيقة الامر عمّا يفكر به قائدا التيار والقوات.

نقابة الاطباء او اي نقابة ثانية او اي استحقاق بلدي او انتخابي، وما يستعمل خلالها من خطاب لشد العصب، يرى كثيرون ان هذا الخطاب المسيحي والممارسة المموهة للمستقبل يدفع ثمنها من يناله شظايا اشتباكهما ومنهم القوى المسيحيية الاخرى غير القوات والتيار والكتائب والسنة غير المستقبل والدروز غير الاشتراكي. فسد جنة ليس سداً مسيحياً من كسروان ليسقي ُسنة بيروت، انما هو انجاز للتيار الوطني الحر وهو كقوة سياسية اساسية في الحكومة ومجلس النواب والحياة السياسية اللبنانية له كامل الحق ان يكون صاحب مشروع وحقوق. وان يطالب بحقه كلما سنحت الفرصة فالاستهداف لم يعد بالمشاريع والانجازات بل صار يتعدى الى الوجود السياسي والجغرافي والبشري فمن اتى من خلف الحدود على حين غفلة لا يحق له ان يصادر الآخرين.

في المقلب الآخر وحيث يتحالف الشريك الاسلامي الشيعي مع "التيار الوطني"، ويجتمع "المستقبل" مع المسيحي الآخر ويضمن حواره مع الشيعي حقه، يبقى السني البيروتي تحديداً رهن الاشتباكات والمصالح الكبرى. وبين هذه المعارك كلها يقطع الوقت وتفصل الازمات على قياس المصالح سواء غطيت بالطائفة او الحزب او الشغور فكلها ستائر لمسرح يقوده كومبارس الى حين عودة الممثلين الابطال.

إجتثاث البعث في العراق.. فكرة استعمارية فاشية خائبة !!



اسماعيل ابو البندورة
المنتج الاستعماري الفاشي في العراق بعد الغزو والاحتلال عام 2003 ( تحت عنوان إقامة الديموقراطية المزعومة ! ) كان غرائبياً وثأرياً وتدميريا في مقاصده ومعانيه إذ اختلطت فيه النوايا الاستعمارية – الصهيونية المبيتة بزوابع الهياج والهمجية الطائفية المتربصة ، وتفاقم على أرضيته الفساد والاستبداد والقتل والانفلات الأمني واستعمال افظع وأبشع الوسائل في ارتكاب الجرائم وملاحقة وإزالة النصب والآثار الحضارية والأضرحة والأشخاص بطريقة لم تسلط عليها الأضواء وتدان ولم يتم تكييفها كجرائم ضد الانسانية ولم يرتفع صوت في الوطن العربي والعالم لوقف هذه الجريمة الكاملة وهذا التوحش والفظاعات المتفاقمة.

الاجتثاث قانون إبادي وتعبير يدل على التوحش والبربرية والافتراس والإزاحة عن طريق العنف والاستباحة الكاملة للإنسان والمجتمع وارتكاب الجرائم دون رادع من ضمير أو قانون أو أي منطق إنساني . ونظرا لمعانيه الضد انسانية والقصدية الآنفة فقد حار دعاته ومن وضعوا بنوده وقواعده في العراق سواء كان الحاكم الاستعماري للعراق بعد الغزو- سيئ الصيت بريمر – أو كان من أوحوا له به من العملاء من أمثال الجاسوس العراقي الجلبي وزمرته القابعة في أمريكا (كنعان مكية وغيرهما ) وأصحاب البدع والافتراءات والتلفيقات ضد الحكم الوطني الذين رابطوا في البيت الأبيض والبنتاغون وكانوا يضعون أمام العقل الاستعماري المتوحش كل الحجج والافتراءات والتهيؤات والهذاءات الضرورية للقيام بغزو العراق وتفكيك دولته وتدميره ، وصوروا حزب البعث العروبي الأصيل المنبثق من تراب وماء وفضاء وعقل وروح العراق على أنه نازية لا بد أن تجتث وتزال .

ومنذ عام 3002 وحتى الآن يتناوب من يدافعون عن الاحتلال وعملاء الداخل على إدانة بعضهم البعض ( على مسوغات قرار الاجتثاث الجائر وطرق تطبيقه ، ويحاولون تمويهه وتزيينه بعناوين مخاتلة من مثل العدالة والمساءلة وغيرها من الأسماء التمويهية ) وخصوصاً بعد أن هزمت المقاومة العراقية الباسلة بقيادة البعث وكل القوى الوطنية العراقية خططهم ومشاريعهم ، وبعد أن أفشلوا كل المحاولات لإقامة حكم عميل وتابع للدول الاستعمارية والدولة الصهيونية- تحت عنوان العملية السياسية-

ومنذ أن تعرّفوا على البعث وقدراته الميدانية في إطلاق المقاومة ومواجهة الاحتلال ومدى رسوخ فكره ونضاله في أوساط الشعب العراقي ، وريادية وعظم التجربة التنموية الظافرة التي قادها في العراق على مدى خمسة وثلاثين عاماً وهم يناقشون من تنطبق عليه شروط الاجتثاث – والقتل أحياناً – ( البعثي القيادي أم العضو العادي من المرتبات الحزبية الدنيا ) ، وكانت قيادات ولجان هيئة الاجتثاث التي رأسها الجلبي والمالكي وشخصيات وزمر طائفية عميلة وحاقدة تابعة لإيران ومزودة بقوائم وتعليمات مسبقة بممارسة الاجتثاث والقتل دون تفريق بين منتم للحزب يشمله قانون الاجتثاث ومن لا يؤيد خططهم وسياساتهم تحت عنوان اعتباطي وكيدي وثأري ( كل بعثي مدان لزوماُ ويجب أن يطاله الاجتثاث مهما كان ارتباطه بالحزب ومجال عمله ) وبلغوا الحدود القصوى في التجني والاضطهاد وقارفوا بموجب هذه الوحشية الطائفية جرائم منكرة ضد الأشخاص والممتلكات وشردوا الكثير من أسر البعثيين وصادروا أملاكهم وأتاحوا المجال للزمر الطائفية للانتقام الفردي والجماعي والمليشياوي وممارسة أبشع عمليات القتل والانتهاك والتشريد .

كان علاوي ( أحد رموز العملية السياسية الفاشلة ) يقول لهؤلاء العملاء ( هيئة الاجتثاث وزمرها ) ويذكرهم ويحذرهم ( ليس بدافع من ضمير وإنما بقصد سياسي مختلف يصب في إنجاح الخطة الاستعمارية في العراق ) بأنهم لم ولن يكونوا أصلاء في الحكم وإنما هو وهم مجرد عملاء ( نحن لم نأت للحكم بذراعنا وإنما من خلال الغزو ) ولا يجوز السير مع الجلبي وبريمر في مقارنة البعث بالنازية وعملية اجتثاثها في المانيا ، والإمعان في الانتقام والقتل والتشريد ولكن لا أحد من هؤلاء ( غلاة العملاء والطائفيين ) كان يصغي لقولة التحذير ” العلاّوية ” هذه ويرعوي ، وتصوروا بحماقة واهتياج أنها فرصة للقيام بالثأر والاقتصاص من حزب البعث ورجال الحكم الوطني الشرفاء ( تحت عنوان المظلومية البائسة المزعومة ) التي تبجحوا بها طويلا وأنتجوا تحت عنوانها مظلوميات متعددة وكارثية يندى لها الجبين في العراق.

وكان دهاقنة الحكم الجديد التابع والمتولد عن الغزو وخططه وبعض رموز العملية السياسية الطائفية يعرفون أن الاجتثاث – المرغوب والمطلوب استعمارياً وايرانياً وطائفياً – سوف يخلق التفافا حول البعث وبرنامجه ورؤاه إذا ما تحول ( وفقاً لقانون الاجتثاث الجائر ) إلى جرائم ومقتلات وعمليات ثأرية ضد الحزب وأعضائه، ولذلك حاول بعضهم التخفيف من وطأته واندفاعه الاجرامي والهمجي والتساهل في إصدار الأحكام الجائرة والقاسية على البعثيين ( تحت وطأة وعي شقي ومشدوه ومقلقل وراجف ومرتبك) ، ولكن دعاة الاجتثاث أوغلوا في الجريمة حتى لو أدت إلى خلخلة النسيج الاجتماعي العراقي وزادت من عوامل التفسخ فيه ، أو حتى لو انهار العراق وتحول إلى دولة فاشلة ، وكان هؤلاء – بقصر نظرهم واحقادهم – يرونها مجرد فرصة للانتقام وتحقيق مطالب الثأر الايرانية أيضا .

لم يستطع الاجتثاث تحقيق أي هدف كما توهم بريمر والعملاء ، وإنما فاقم الأوضاع المتردية في العراق ومزّق النسيج الوطني ، وأبعد كفاءات وأحرار العراق ، وأعاد وجذّر بقهريته وإكراهاته وغباء من وضعوه حضور البعث في العراق بصورته الجديدة المقاومة والمنافحة عن حرية وعروبة العراق ، وزاد من التفاف الشعب من حوله وحول برنامجه الوطني وأغلق الأبواب أمام أي حكم عميل وأمام أي عملية سياسية قد يتصورها عملاء أمريكا وإيران .

والبعث كما تؤكد الوقائع والحقائق والدلالات وبعد استشهاد الآلاف من قادته وأعضائه لن يجتث ( بقانون فاشي جائر ) في العراق لأنه راسخ ومدرار مثل دجلة ، وشامخ مثل باسقات النخيل ، وهو في المرحلة الراهنة ضمير العراق وقلبه النابض ورمز عروبتة وحريته المنشودة .

نحو توليد نخبة سياسية فلسطينية جديدة


مروان البرغوثي

التاريخ محكوم بالسير قُدماً، ومن الخطأ القاتل الوقوف عكس اتجاه سير التاريخ. ومقاومة الشعوب للاستعمار والظلم والقهر والاحتلال والعبودية والاستغلال والاعتداء على الكرامة الإنسانية، عناصر كلها تتفق مع هذا المسار الطبيعي، وبالتالي فإن علاقة الشعب المُستَعمَر والمقهور بالاستعمار الكولونيالي، هي علاقة رفض ومقاومة ومقاطعة بمختلف الوسائل والسبل، وليست علاقة تعايش أو مهادنة.

لقد جاءت الهبّة الشعبية الحالية، كما انتفاضة الأقصى في سنة 2000، كانعكاس للتناقض المحتدم بين المُستعمِر والمُستعمَر، وكردٍّ صريح على فشل خيار المفاوضات، فاتحة المجال أمام تصويب المسار وتوضيح الرؤية.

ومن المؤسف أن هذه الهبّة المتواصلة منذ خمسة أشهر من دون أي إشارات إلى توقفها، لم تجد بعد، محلياً وعربياً ودولياً، مَن يحتضنها سياسياً واجتماعياً وإعلامياً ومالياً، ومَن يدفع بها نحو التحول إلى انتفاضة شعبية كبيرة، ويسلِّحها بأهداف ورؤية سياسية تقطع مع المرحلة السابقة برموزها وسياساتها البائسة.

كم نحن بحاجة إلى تحويل هذه الهبّة وظاهرة الطعن والدهس والأعمال الفردية، إلى انتفاضة شعبية من نوع جديد. انتفاضة جديدة قد تختلف عن الانتفاضتين الأولى والثانية، نظراً إلى خصائص جيل ما بعد «أوسلو» الذي فجّرها، وإلى اختلاف زمانها وشروطها، لجهة استشراس الاحتلال، وتسارع وتيرة انعطاف المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين، وهيمنة قوى التطرف والعنصرية. غير أن التحول إلى انتفاضة شعبية يتطلب أولاً إنهاء الانقسام، ثم تحقيق الوحدة الوطنية باعتبارها رافعة الاستنهاض الشعبي، والعامل الأساسي في انتصار حركات التحرر الوطني والشعوب المقهورة.

غير أن العنصر الأهم للخروج من الأزمة يتجاوز الوحدة الوطنية على أهميتها، وأعتقد أن المطلوب هو استعادة خطاب حركة التحرر الذي يركّز على الخلاص من الاحتلال وعلاقات التبعية والهيمنة التي فرضها هذا الاحتلال، وهو ما اصطلح على تسميته التمسك بالثوابت الوطنية. نحن بحاجة إلى خطاب التحرر الوطني الذي يستطيع إعادة بناء تحالفات الشعب الفلسطيني مع القوى الديموقراطية والتقدمية في العالم العربي، ومع القوى المحبة للسلام والداعمة لتحرر الشعوب على الصعيد العالمي.

لقد أَفقدتنا المفاوضات العبثية ومسارها السياسي ـ إلى حد كبير - مفردات الخطاب التحرري، لمصلحة الخطاب الحقوقي والشرعية الدولية المنعزل عن واقع ما يجري على الأرض من جشع كولونيالي إسرائيلي. إن العودة إلى خطاب التحرر الوطني يحررنا من أعباء وتفصيلات مطلبية حوّلت السلطة الفلسطينية من قيادة حركة تحرر وطني إلى وسيط بين المواطن والاحتلال في قضايا وتفصيلات حياتية لا تنتهي ومتواصلة منذ أكثر من عقدين. وضمن تلك المعادلة برزت السلطة على حساب المنظمة، ليس بفعل قوة الأولى، وإنما بسبب ضعف الثانية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل إلغاء السلطة وتفكيكها شرط ضروري لإحياء المنظمة؟

إن إحياء خطاب حركة التحرر يعيد تموضع المقاومة والسلطة في سياق تكاملي، فينحصر دور السلطة في توفير عوامل الصمود الاقتصادية والمالية والتعليمية والصحية وغيرها، وتتخلى بموجبه السلطة عن وظيفتها الأمنية المتصلة بالاحتلال، وتتيح للمقاومة مواجهة المستعمر وأدواته.

لقد تجاوزت السلطة دورها الوظيفي في شقّي الوطن، واعتدت على حريات المواطنين، فلا يعقل أن تقمع فصائل التحرر الوطني حريات شعبها، وتكون في الوقت نفسه قادرة على تحرير وطنها، ولا يمكن أيضاً لأي تنظيم سياسي أن يمتلك المستقبل من دون أن يمتلك مفرداته. فالحرية هي التي تصنع الخطاب الوطني وتجدده وتمكّننا من إبداع أدوات نضالية تتلاءم مع المرحلة، وهي المحفّز الأساسي لمعالجة أمراض التكلّس والشيخوخة الفكرية والنضالية، التي أصابت الفصائل والتنظيمات في مقتل، وانعكست على الحالة الوطنية برمّتها. فالتكلس يحول دون التجديد، ودون السماح للشباب باستلام مواقع قيادية تمكّنهم من التأثير في السياسات والمواقف، بما في ذلك إنقاذ المشروع الوطني، وتمكّنهم أيضاً من صناعة مستقبلهم وفتح المجال أمام الأجيال المقبلة في سياق عملية التحرر الوطني.

إذا أردنا تخطي مساوئ هذه المرحلة، فإن علينا تجديد الخطاب والبنية، عبر التزام خطاب تحرر وطني وبنية سياسية شابّة تنقلنا إلى مسار وطني بديل.

الواقع لا يحتمل الفراغ، واليوم وبكل أسف، تملأ الفراغ قوى الفكر التكفيري التي تنتنشر كالنار في الهشيم - مستخدمة أدوات العصر بكفاءة - وخصوصاً في الأوساط الشبابية، أخذاً في الاعتبار أن دوائر الاحتلال تساعد في إيجاد بيئة حاضنة للخطاب التكفيري، بهدف دقّ أسافين بين النضال التحرري الفلسطيني والقوى الديموقراطية والتقدمية المؤيدة لهذا النضال في العالم، وذلك عبر خلق تماثل موهوم بين المقاومة المشروعة من جهة والإرهاب التكفيري من جهة أُخرى.

وفي ظل تعاظم الخطاب الإثنو - قومي اليهودي المنغلق والمتطرف، يصبح من الضروري التمسك بالخطاب الوطني التحرري التنويري الذي شكّل مفردات الميثاق الوطني الفلسطيني، ووثيقة الاستقلال، وبرنامج الفصائل والأحزاب الفلسطينية.

وللأسف، فشلت فصائل «منظمة التحرير الفلسطينية» في تقديم رؤية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية جديدة، تنسجم مع فكر التحرر الوطني الديموقراطي المتنور والمنفتح على الثقافات الإنسانية.

إن استعادة الخطاب الوطني الديموقراطي ووضعه في الصدارة، سيضع التخوم والفواصل بيننا وبين الاتجاهات التكفيرية من جهة، ويؤكد تموضعنا كحركة تحرر ومقاومة في معسكر الحرية والتقدم المناهض للحرب والاحتلال والعنصرية والكولونيالية والاستبداد الذي تتخندق فيه إسرائيل، من جهة ثانية. وبينما استطاع الرعيل الأول الذي فجّر الثورة أن يلتقط اللحظة التاريخية، وينجح في دمج منظمة التحرير في قوى التحرر والديموقراطية والعدالة المنسجمة مع حركة التاريخ، فإن التحدي الذي ينتصب أمامنا يتلخص بسؤال: هل يمكن استعادة تلك اللحظة والمكانة؟

إن الخطاب الوطني الديموقراطي لا يكفي وحده لتجاوز الأزمة والانتقال من حالة العجز والشلل إلى الفعل، فثمة حاجة إلى اتّباع سياسات اجتماعية واقتصادية وأمنية منسجمة مع خطاب حركة التحرر الوطني. فلا يعقل أن يستمر التنسيق الأمني مع سلطات الاحتلال وندّعي في الوقت نفسه أننا حركة تحرر تناضل ضد هذا الاحتلال؛ لا يعقل أن تكرس السلطة أُطراً وقيماً اجتماعية متخلفة وتستمر في اعتماد القوانين البالية التي تعوق تطور المجتمع، ولا سيما في قضايا المرأة والشباب والحريات، وتدّعي في الوقت نفسه أنها تعمل من أجل التحرر، إذ لا يمكن الفصل بين تحرر الأرض وتحرر الإنسان. لا بدّ من ثورة في نظمنا التربوية والتعليمية والفكرية والثقافية وفي منظومة القوانين، من أجل بناء عوامل الصمود لشعبنا، وتزويد الجيل الشاب بالأمل والثقة كي يواصل نضاله ويطوره لنيل الحرية وتحقيق العودة والاستقلال الوطني.

لقد أخفقت القيادة الفلسطينية في التقاط مغزى الهبّة الذي قدّم بوصلة وطنية يمكن الاستعانة بها لتصويب المسار، بعيداً عن الأوهام وسراب التفاوض والسلام الزائف. فالقيادة الرسمية لم تغتنم اللحظة التاريخية، ولا تزال تراوح مكانها وتكرر الخطاب والأداء ذاتهما، منعزلة عن الجماهير التي خطت أولى الخطوات نحو تصويب المسار، ونحو اعادة الاعتبار إلى قضية فلسطين كقضية تحرر وطني منفتحة على العالم، وإعادتها إلى مركز الاهتمام في ظل ما تشهده الساحات العربية من أحداث دراماتيكية ألقت بظلالها على قضية فلسطين.

إن الخروج من الأزمة يستدعي إنجاز المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام الكارثي، وإعادة صوغ الحركة الوطنية والنظام الفلسطيني، وذلك من خلال: اعتماد برنامج وطني يستند إلى الميثاق الوطني ووثيقة الاستقلال ووثيقة الوفاق الوطني الصادرة عن الأسرى؛ بناء الشراكة الوطنية الكاملة في المنظمة والسلطة والمجلس الوطني والمجلس التشريعي ومختلف المؤسسات؛ تكريس تعددية سياسية ديموقراطية عبر انتخابات دورية رئاسية وتشريعية تشمل المجلس الوطني بهدف تجديد الدماء والعقول؛ توليد نخبة سياسية جديدة حيوية وديناميكية ملتزمة بالثوابت ومستعدة لدفع استحقاقات مرحلة التحرر الوطني بشجاعة بعيداً عن الفساد والكسب غير المشروع والترهل والعجز والفشل وعقلية الإقصاء والتفرد. نحن نحتاج إلى بنية جديدة تشارك فيها المرأة - نصف المجتمع - على قاعدة المساواة التامة، ويشارك فيها الشباب والشابات؛ بنية تعتمد مبدأ المقاومة الشاملة للاحتلال وللمشروع الكولونيالي الصهيوني برمّته.

هذه المهمات الكبيرة تحتاج إلى عقد مؤتمر وطني تشارك فيه جميع القوى السياسية والفاعليات الاجتماعية والاقتصادية والنخب الفكرية والأكاديمية وممثلين عن الشباب والمرأة والأسرى المحررين وممثلين عن فلسطينيي الداخل والشتات.

القطب الشمالي ساحة مقبلة للصراع الروسي ـ الأميركي

 

لا يُخفى أن روسيا باتت تتعامل خلال السنوات الأخيرة مع مسألة القطب الشمالي، الغنية بالموارد الطبيعية وغيرها، على أنها مسألة صراع مُحتمل يتعلق بأمنها القومي وأمنها الاقتصادي لسنوات مقبلة. فقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، دميتري روغوزين، في 24 أيار الحالي عن ضرورة أن تقوم بلاده بتعيين الخطوط الحدودية في المحيط المتجمّد الشمالي، مُطالباً وزارة الدفاع الروسية بتوضيح ما تمّ إنجازه في مسألة خطوط الترسيم على طول ساحل القطب الشمالي. وقال روغوزين: «إن الإحداثيات والنقاط الجغرافية الحالية في هذه المنطقة، التي أُقرّت زمن الاتحاد السوفياتي، لا تتناسب مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لروسيا».

وفي العام الماضي، أكد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أنه «يعتبر الوجود العسكري الروسي الدائم في القطب الشمالي وإمكانية حماية المصالح الوطنية الروسية بالوسائل المسلحة جزءاً أساسياً من سياسة ضمان الأمن القومي الروسي». وكشف الوزير الروسي أن بلاده ستعمل على زيادة القوات الروسية المتمركزة في شبه جزيرة «تشوكوتكا» لضمان أمن الطريق البحري الشمالي ومواجهة التهديدات المحتملة في منطقة القطب الشمالي. وقد تمّ تشكيل أفواج دفاع كيميائي وإشعاعي وبيولوجي في تلك المنطقة. كما نُشرت وحدات رادار ومراكز لتوجيه الطائرات في هذه المنطقة في العام 2014. ومجرد إمساك ملف القطب الشمالي في روسيا، بشكل أساسي، من قبل وزارة الدفاع يعكس في ما يعكس احتمالات الصراع المقبل على هذه المنطقة. إن المصالح المتعارضة في منطقة القطب الشمالي تتسم بمزيد من التعقيد لغياب اتفاق شامل بين الأطراف المتصارعة، وغياب نية التوصل إلى مثل هذا الاتفاق في الوقت الراهن أو في المستقبل القريب. ومع تطوير معدّات وتكنولوجيات التنقيب في المياه المتجمّدة، فإن النزاع على تقاسم مناطق التنقيب سيستمر في غالب الظن، وستزداد حدته مدعومة بالقوة العسكرية لهذه الأطراف. واللافت أن دول منطقة القطب الشمالي قامت بتصنيع 66 سفينة عسكرية تستطيع خوض الحرب في شمال الكرة الأرضية. وتنوي روسيا، هي الأخرى، تصنيع خمس عشرة غواصة وكاسحة جليد جديدة لهذه المنطقة تحديداً. وتسعى موسكو إلى الحصول على الاعتراف الدولي بملكيتها لأجزاء من المحيط المتجمّد الشمالي تبلغ مساحتها 1,2 مليون كيلومتر مربع، تعتقد أنها تحتوي على حوالي 10 مليارات طن من النفط على أقل تقدير.

وكانت بعثة روسية نصبت العلم الروسي في قاع المحيط المتجمّد الشمالي في العام 2007، في إطار السعي إلى إظهار حقوق روسيا في أجزاء معينة من منطقة القطب الشمالي لكونها دولة تُطل على المحيط المتجمد الشمالي، بجانب كل من كندا والولايات المتحدة والدنمرك والنرويج.

تشير بعض التقديرات إلى أن الجرف القاري للمحيط المتجمّد الشمالي يضمّ حوالي ربع احتياطات بحار العالم من موارد الطاقة. وتؤكد تقارير أخرى أن احتياطي هذه المنطقة من النفط وحده يبلغ حوالي 90 مليار برميل. أما التقديرات الروسية، فتشير إلى تركز ما بين 70 و80 في المئة من مجمل احتياطيات منطقة المحيط المتجمّد الشمالي من النفط والغاز في منطقة الجرف البحري الروسي. وكانت روسيا أكدت أن استخدام موارد منطقة القطب الشمالي يُعدّ ضماناً لأمن الطاقة فيها خلال السنوات المقبلة، وسارعت إلى إصدار تشريعات برلمانية لتحديد المنطقة التابعة لها في القطب الشمالي. كما أعلن مجلس الأمن القومي الروسي في 2010 عن استراتيجية جديدة تقضي بتشكيل قوة عسكرية لحماية مصالح روسيا في المنطقة القطبية الشمالية. وتتوقع هذه الاستراتيجية أن تُصبح هذه المنطقة المصدر الرئيس للنفط والغاز في روسيا خلال السنوات المقبلة.

ويتعلق الصراع على القطب الشمالي كذلك بما ينجم عن ارتفاع حرارة المناخ من جعل الطرق البحرية الشمالية مفتوحة للملاحة خلال فترات أطول، أي أن الأمر يتعلق أيضاً بطرق المواصلات والتجارة المحتملة في المستقبل.

يُقابَل التحرك الروسي بمنافسة شرسة من قبل الولايات المتحدة وكندا والدنمرك والنرويج، التي تمتلك جميعها شريطاً ساحلياً مع القطب الشمالي وتدّعي سيادتها على أجزاء منه. وكانت الولايات المتحدة وكندا قد أرسلتا في السنوات السابقة بعثة مشتركة إلى المنطقة لجمع معلومات تؤكد حقهما في أجزاء من هذه المنطقة. ويتعقّد الوضع أكثر لأن عدد الدول التي تقف عند أبواب القطب الشمالي أكبر بصورة ملحوظة من عدد الدول المطلة على ساحاته الجليدية. فالصين هي الأخرى بدأت تتوجه إلى المنطقة استعداداً للمشاركة في تقاسم الثروات الطبيعية الهائلة هناك، حيث وجهت إلى «أركتيكا» أكبر كاسحة جليد مُطورة غير نووية في العالم، كانت قد صُنعت في الحقبة السوفياتية في أوكرانيا. ولا تدّعي الصين بوجود حقوق قانونية لها على أي جزء من أجزاء القطب الشمالي، لكنها تنتظر اتفاق الدول المطلّة عليه كي تستفيد من النفط والغاز هناك. وفي هذا الصراع الدائر، ترى واشنطن أن ايسلندا والسويد وفنلندا لها الحقوق ذاتها في الموارد الكامنة في المحيط القطبي الشمالي. ففي العام 1996، تأسس ما يُسمّى «مجلس القطب الشمالي» بمبادرة من فنلندا. ويُعدّ هذا المجلس أهم منظمة إقليمية لهذه المنطقة، ويضم الدنمرك وفنلندا وايسلندا وكندا والنرويج وروسيا والسويد والولايات المتحدة.

في ضوء ما سبق، لا يُستبعَد أن تُصبح منطقة القطب الشمالي حلبة مستقبلية لتصادم المصالح الاستراتيجية لدول عدة، في مقدمها روسيا والولايات المتحدة. ويمكن أن يُضاف مثل هذا الصراع إلى الصراع الجيوسياسي الراهن والعلاقات المُعقدة بين موسكو وواشنطن على خلفية الوضع في أوكرانيا وسوريا، وعلى خلفية التوتر الملحُوظ بين الجانبين بشأن اقتراب «حلف شمال الأطلسي» أكثر فأكثر من حدود روسيا وزيادة الوجود العسكري للحلف في دول البلطيق، وبداية نشر عناصر من الدرع الصاروخية الأميركية ــ «الأطلسية» في بلدان شرق أوروبا. كل هذا دفع ببعض المراقبين الروس والغربيين إلى التكهن باحتمال تطور الخلاف حول ثروات هذه المنطقة مستقبلاً إلى صراع مسلح «غير نووي». ولكن حتى في حال عدم حصول ذلك، فإن ما يجري حول القطب الشمالي يُنذر بعسكرة هذه المنطقة، في إطار سباق تسلح بات واضحاً للعيان بين روسيا وأميركا.

2016/05/01

ثمنٌ باهظ لمشكلة الخلاف حول الهُويّة!


صبحي غندور

قامت قناة “بي بي سي” العربية مشكورة بتخصيص أسبوعٍ في بعض برامجها للتعامل مع مسألة “الهُويّة”، وما يدور الآن بشأنها في البلاد العربية من صراعاتٍ بين المفاهيم. ولعلّ أهمية هذه المسألة تتأتّى ممّا يحدث على الأرض العربية من محاولاتٍ لتأجيج الخلافات بين العرب على أسسٍ طائفية ومذهبية وإثنية.

فللإنسان، الفرد أو الجماعة، هويّاتٌ متعدّدة، لكن الهويّات ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى مع بعضها البعض فلا تتفاعل أو تتلاقى، أو التي تفرض الاختيار فيما بينها، بل هذه الهويّات المتعدّدة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها، والتي فيها (أي الدوائر) “نقطة مركزية” هي الإنسان الفرد أو الجماعة البشرية. هكذا هو كلّ إنسان، حيث مجموعةٌ من الدوائر تُحيط به من لحظة الولادة، فيبدأ باكتشافها والتفاعل معها خلال مراحل نموّه وتطوّره: من خصوصية الأم إلى عمومية الإنسانية جمعاء.

مشكلتنا نحن العرب أنّنا نعاني، لحوالي قرنٍ من الزمن، من صراعاتٍ بين هُويّاتٍ مختلفة، ومن عدم وضوح أو فهم للعلاقة بين هذه الهويّات المتعدّدة أصلاً. فقد تميّز النصف الثاني من القرن العشرين بطروحاتٍ فكرية، وبحركات سياسية ساهم بعضها أحياناً بتعزيز المفاهيم الخاطئة عن ثلاثية (الوطنية والعروبة والدين)، أو ربّما كانت المشكلة في الفكر الآحادي الجانب الذي لا يجد أيَّ متّسعٍ للهويّات الأخرى التي تقوم عليها الأمَّة العربية. فهويّة شعوب البلدان العربية هي مزيجٌ مركّب من هويّة (قانونية وطنية) نتجت عن ولادة الأوطان العربية في مطلع القرن العشرين، وهويّة (ثقافية عربية) عمرها من عمر اللغة العربية، وهويّة (حضارية دينية) مرجعها ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم، وأيضاً بحكم أنّ الأرض العربية هي مهبط كلّ الرسل والرسالات السماوية. وهذا واقع حال ملزِم لكل شعوب البلدان العربية، بغضّ النظر عن أصولهم أو معتقداتهم، وحتّى لو رفضوا فكرياً الانتماء لكلّ هذه الهويّات أو بعضها.

الآن نجد على امتداد الأرض العربية محاولاتٍ مختلفة الأوجه، ومتعدّدة المصادر والأساليب، لتشويه معنى الهويّة العربية ولجعلها حالة متناقضة مع التنوّع الإثني والديني الذي تقوم عليه الأرض العربية منذ قرونٍ عديدة.
وأصبح الحديث عن مشكلة “الأقلّيات” مرتبطاً بالفهم الخاطئ للهويّتين الوطنية والعربية، حيث المحصّلة هي القناعة بأنّ حلاً لهذه المشكلة يقتضي “حلولاً” انفصالية كالتي حدثت في جنوب السودان وفي شمال العراق، وكالتي يتمّ الآن الحديث عنها لمستقبل عدّة بلدانٍ عربية، بينما أساس مشكلة غياب “حقوق بعض المواطنين” هو غياب الفهم الصحيح والممارسة السليمة لمفهوم “المواطنة”، وليس قضية “الهويّة”.

وعجباً، كيف تُمارس الإدارات الأميركية نهجاً متناقضاً في المنطقة العربية مع ما هي عليه من تاريخٍ وثقافة، وكيف تُشجّع على تقسيم الشعوب والأوطان وعلى إضعاف الهويّة العربية عموماً!!. ففي الولايات المتحدة نجد اعتزازاً كبيراً لدى عموم الأميركيين بهويّتهم الوطنية الأميركية (وهي هُويّة حديثة تاريخياً)، رغم التباين الحاصل في المجتمع الأميركي بين فئاته المتعدّدة القائمة على أصول عرقية وإثنية ودينية وثقافية مختلفة. فمشكلة الأقلّيات الإثنية والعرقية والدينية موجودة في أميركا لكنّها تُعالج بأطر دستورية وبتطويرٍ للدستور الأميركي، كما حدث أكثر من مرّة في مسائل تخصّ مشاكل الأقلّيات، ولم يكن “الحل الأميركي” لمشاكل أميركا بالتخلّي عن الهويّة الأميركية المشتركة، ولا أيضاً بقبول النزعات الانفصالية أو بتفتيت “الولايات المتحدة”.

كما يثير التساؤل أيضاً خروج بعض الأصوات العربية المقيمة في أميركا والغرب، والتي تُساهم في هذه الحملة المقصودة ضدّ الهويّة العربية، أو تؤيّد الآن حركات الانفصال والتقسيم لأوطان عربية، وهي تُدرك ما أشرت إليه عن خلاصات التجربة الدستورية الأميركية، إضافةً إلى تجارب دستورية أوروبية مشابهة تسعى للاتّحاد والتكامل بين “أمم أوروربية” قائمة على ثقافات ولغات وأديان وأصول عرقية مختلفة.

أيضاً، نجد في داخل بعض الأوطان العربية أنّ ضعف الولاء الوطني لدى بعض الناس يجعلهم يبحثون عن أطر فئوية (قبلية وعشائرية وطائفية) بديلة عن مفهوم المواطنة الواحدة المشتركة، وربّما يمارسون استخدام العنف ضدّ “الآخر” في الوطن نفسه من أجل تحصيل “الحقوق”، كما نجد من يراهنون على أنّ إضعاف الهويّة الثقافية العربية أو الانتماء للعروبة بشكلٍ عام سيؤدّي إلى تعزيز الولاء الوطني، أو نجد من يريدون إضعاف التيّارات السياسية الدينية من خلال الابتعاد عن الدين نفسه.

إنّ الفهم الصحيح والممارسة السليمة لكلٍّ من “ثلاثيات الهويّة” في المنطقة العربية (الوطنية والعروبة والدين) هو الحلُّ الغائب الآن في أرجاء الأمَّة العربية. وهذا “الحل” يتطلّب أولاً نبذاً لأسلوب العنف بين أبناء المجتمع الواحد مهما كانت الظروف والأسباب، وما يستدعيه ذلك من توفّر أجواء سليمة للحوار الوطني الداخلي، وللتنسيق والتضامن المنشود مستقبلاً بين الدول العربية.

إنّ الدين يدعو إلى التوحّد وإلى نبذ الفرقة. إنّ العروبة تعني التكامل ورفض الانقسام. إنّ الوطنية هي تجسيد لمعنى المواطنة والوحدة الوطنية. فأين العرب من ذلك كلّه؟.

إنّ ضّعف الولاء الوطني يُصحَّح دستورياً وعملياً من خلال المساواة بين المواطنين في الحقوق السّياسية والاجتماعيّة، وبالمساواة أمام القانون في المجتمع الواحد، وبوجود دستور يحترم الخصوصيات المكوّنة للمجتمع.

كذلك هو الأمر بالنّسبة للهويّة العربية، حيث من الضروري التمييز بينها وبين ممارسات سياسية سيّئة جرت من قِبَل حكومات أو منظّمات أساءت للعروبة أولاً، وإن كانت تحمل شعاراتها. فالعروبة هي هويّة ثقافية جامعة لا تقوم على فكر عَقَدي محدّد، ولا على أسس عنصرية وإثنية ودينية، ولا تتحمّل نتائج ممارسات نظام أو حزب سياسي، وهي تستوجب تنسيقاً وتضامناً وتكاملاً بين العرب يوحّد طاقاتهم ويصون أوطانهم ومجتمعاتهم.

ما حدث ويحدث في العقود الأربعة الماضية (منذ منتصف عقد سبعينات القرن الماضي) يؤكّد الهدف الأجنبي بنزع الهويَّة العربية، عبر استبدالها بهويّة “شرق أوسطية”، بل حتّى نزع الهويّة الوطنية المحلّية والاستعاضة عنها بهويّات إثنية ومذهبية وطائفية، من أجل تسهيل السيطرة على الأوطان العربية وثرواتها.

المؤلم في واقع الحال العربي أنّ الأمَّة الواحدة تتنازع الآن فيها “هويّات” مختلفة على حساب الهويّة العربية المشتركة. بعض هذه الهويات “إقليمي” أو “طائفي”، وبعضها الآخر “أممي ديني أو عولمي”، كأنَّ المقصود هو أن تنزع هذه الأمَّة هُويّتها الحقيقية ولا يهمّ ما ترتدي من بعدها، من مقاييس أصغر أو أكبر في “الهُويّات”، فالمهمُّ هو نزع الهويّة العربية !

إنّ دائرة «الهُويّة العربية الحضارية» تعني الثقافة العربية ذات المضمون الحضاري الذي أخرج الثقافة العربية من الدائرتين العرقية والجغرافية، إلى الأفق الحضاري الواسع الذي اشترك في صيانته ونشره مسيحيون عرب ومسلمون من غير العرب، وهي دائرة تتّسع في تعريفها لـ”العربي”، لتشمل كل من يندمج في الثقافة العربية بغضّ النظر عن أصوله العرقية أو الدينية أو الإثنية.

وفي ظلّ هذا التعريف، ينضوي معظم من هم عربٌ الآن ولم يأتوا من أصولٍ عربية من حيث الدم أو العرق. فقد تفاعلت الأقليات الإثنية (الإسلامية والمسيحية) طيلة أكثر من 14 قرناً مع الثقافة العربية باعتبارها ثقافة حاضنة لتعدّدية الأديان والأعراق، ولا تتناقض مع أصول هذه الأقليات الإثنية، كما هو الأمر أيضاً على صعيد الطوائف الدينية المتنوّعة في المنطقة العربية والتي اعتبرت نفسها كجزءٍ من الحضارة الإسلامية رغم الاختلاف في الدين.

وصحيحٌ أنّ هناك خصوصياتٍ يتّصف بها كلُّ بلدٍ عربي، لكن هناك أيضاً أزماتٌ يشترك فيها كلّ العرب أو تنعكس آثارها على الكل، وأنّ “الرؤية العربية المشتركة” لأزمات الأمّة تتطلّب أولاً التسليم بوجود “هُويّة عربية” مشتركة، وبحسم المفاهيم الخاصّة بها وبعلاقتها مع كلٍّ من “الهُويّتين” الدينية والوطنية.

إنّ ضعف الهويّة الوطنية المشتركة هو تعبيرٌ عن فهمٍ خاطئ للانتماءات الأخرى. فالاعتقاد بمذاهب دينية مختلفة، أو الاعتزاز بأصول إثنية أو قبلية، هو ظاهرة طبيعية وصحّية في مجتمعاتٍ تقوم على التنوع وعلى الاختلاف القائم في البشر والطبيعة. لكن تحوّل هذا الاختلاف إلى خلافٍ عنفي وصراعاتٍ سياسية دموية يعني تناقضاً وتصادماً مع الحكمة في الاختلاف والتعدّد، فيكون المعيار هو محاسبة الآخرين على ما وُلدوا به وعليه، وليس على أعمالهم وأفكارهم. وهذا بحدِّ ذاته مخالفٌ للشرائع الدينية والدنيوية كلّها.

التهرب الضريبي ليس جريمة في لبنان


 عزة الحاج حسن

أحدثت "أوراق بنما" التي كشفت تورط مسؤولين سياسيين ومشاهير حول العالم في عمليات تهرب ضريبي، عاصفة من المواقف والإجراءات في عدد من الدول، وتم التعامل مع الأوراق على أنها فضائح "جرمية"، استُتبعت بسلسلة إستقالات من مناصب رفيعة.

بالنسبة إلى لبنان ورغم تسرب معلومات عن ورود أسماء 462 شخصاً وشركة "متورطين" في التهرب الضريبي، غير أن مفهوم التهرب الضريبي لا يمكن مقاربته لبنانياً بالطريقة نفسها التي تتم فيها مقاربة الفضيحة في كل من الولايات المتحدة الأميركية أو فرنسا على سبيل المثال.

من حيث المبدأ يُعد التهرب الضريبي- تحديداً في أميركا وأوروبا- جريمة، وقد استحدثت الولايات المتحدة الأميركية قانون الإمتثال الضريبي "فاتكا" ويهدف إلى منع دافعي الضرائب الأميركيين من التهرب الضريبي، من خلال استخدام المؤسسات المالية غير الأميركية وأدوات الاستثمار في الخارج، وتسعى أوروبا إلى تطبيق قانون "غاتكا" المشابه لقانون "فاتكا" على المستوى الأوروبي.

ولكن في لبنان التهرب الضريبي لا يعد جريمة، وفق المدير التنفيذي في "شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية" زياد عبد الصمد. فعدم تصريح المكلّف عن أمواله داخل لبنان وتخلّفه عن دفع الضرائب يعد جريمة، أما في حال استثمار المكلّف في أفريقيا أو أي منطقة أخرى من العالم، فإن ذلك لا يعد جريمة رغم اعتباره تهرباً ضريبياً. كذلك الأمر في حال عدم تصريح المكلّف عن أمواله الموجودة خارج لبنان في بنما مثلاً أو جنيف أو أي ملاذ ضريبي آخر فلا يحق للدوله التدخل ولا يُعد تهرباً ضريبياً أو مخالفة قانونية. ويرد عبد الصمد السبب، في حديثه إلى "المدن"، إلى وجود ثغرات في القانون وليس في الأشخاص ولاسيما غياب قانون ينظم مسألة التهرب الضريبي على غرار الولايات المتحدة.

يكمن الخلل الضريبي في لبنان في النظام الضريبي الذي يكرّس اللاعدالة الاجتماعية من جهة ويدفع رؤوس الأموال إلى ملاذات ضريبية منتشرة في العالم من جهة أخرى. ولا بد من إعادة توزيع الثروات عبر استحداث نظام ضريبي عادل في بلد لا يتجاوز حجم إقتصاده 50 مليار دولار أميركي ودين عام يفوق 70 مليار دولار في مقابل إرتفاع في موجودات المصارف إلى مستوى 180 مليار دولار. والحل وفق عبد الصمد، يكون في نظام ضريبي يضمن إعادة توزيع الثروات، "ومع الأسف، ما زلنا في لبنان ننظر إلى النظام الضريبي على أنه مورد مالي أساسي للدولة بينما يجب أن يكون مدخلاً لإعادة توزيع المداخيل بموازاة تعزيز مداخيل الدولة والطريقة هي توسيع قاعدة المكلفين بنسب متفاوتة".

وليس عدم إعتبار التهرب الضريبي بـ"المفهوم اللبناني" جريمة، يعني تشريعه وتشجيعه، بل على العكس، يسلّط الضوء على كيفية تفاديه وتوفير الكم الكبير من المداخيل الضريبية لحساب الخزينة العامة. فالتهرب الضريبي يحرم الدولة جزءاً من إيراداتها، وبالتالي تتقلّص خدمات الدولة، وتقع في خطأ التقصير تجاه المواطن. وبالنتيجة، يؤدي ذلك إلى زعزعة الثقة بين الدولة والمواطن، ما يدفعه إلى تجنب القيام بواجباته المالية تجاه الدولة، فيدخل النظام في حلقة مفرغة من عدم الثقة وعدم الاستقرار الضريبي.

انقلابات بغداد بين واشنطن وطهران



فارس الخطاب

انتشرت قوات النخبة الخاصة بمكافحة الإرهاب، إضافة إلى القوات الأمنية، معززة بالدبابات والمدرعات حول المنطقة الخضراء، وفي محيط مجلس النواب العراقي وسط بغداد، قبيل انعقاد جلسته يوم الثلاثاء الماضي، برئاسة سليم الجبوري وحضور رئيس الوزراء حيدر العبادي، من أجل إجراء التغيير الوزاري الذي تسبب، شهوراً، في إثارة فوضى وارتباك وسط العملية السياسية العراقية، وبين فئات متعددة من الشعب العراقي، كل بحسب انتماءاته وولاءاته.

وبمراجعة مجريات الأمور في بغداد عموماً، وفي المنطقة الخضراء تحديداً، خلال الأشهر القليلة الماضية، نجد أن حساباتٍ تكتيكية سياسية للدولتين الرئيسيتين المتحكمتين بشكل جوهري في العملية السياسية في العراق، الولايات المتحدة وإيران، بدت واضحةً من خلال تحرك الساسة العراقيين المتعاونين، أو المؤتمرين بأمر هذه الدولة أو تلك، وعلى خلفية التظاهرات التي خرجت في عدة مدن عراقية، وبلوغ الشعب مرحلة الإعياء من فقدان أسس الحياة الكريمة بحدودها الدنيا، تحسبت كل من طهران وواشنطن من لحظةٍ تاريخيةٍ فارقةٍ قد تقلب الأوضاع في هذا البلد، بالشكل الذي يفقدهما مساحات النفوذ الاستراتيجي فيه.

بدت واشنطن، وبشكل واضح، أنها تريد استعادة نفوذها في العراق، من خلال بوابة الإشراف العسكري على معارك الجيش العراقي ضد تنظيم "داعش"، بدءا من الرمادي، واستمراراً إلى الموصل، من خلال توافد آلاف من الخبراء والعسكريين الأميركيين إلى هناك، ثم عادت رحلة الشخصيات الرسمية الأميركية الكبيرة تعاود زياراتها إلى العاصمة العراقية، وإبداء اهتمامها بدعم حكومة العبادي، وتثبيتها أمام موجاتٍ قويةٍ قادمةٍ، ربما من الشرق الذي يظن أن الأخير بات أسير الإرادة الأميركية وحمايتها.
انتقل ضجيج التظاهرات والاعتصامات الشعبية، ليتحوّل إلى ضجيج صراع سياسي، شمل كل أركان العملية السياسية، وبشكل بدا وكأنه خارج عن أي حسابات، وظهر جلياً بعد تدخل مقتدى الصدر، لإستدراج المتظاهرين الغاضبين، نحو سراب سياسي ساذج، أعقبته حركة النواب الذين اعتصموا داخل قبة البرلمان، مطالبين بإقالة الرئاسات الثلاث، ثم سرعان ما تحولت إلى مطلب رئيسي واحد، خص به رئيس المجلس، سليم الجبوري؛ في إشارة واضحة لردة فعل مؤجلة حول نشاط الجبوري، ووجوده في مؤتمر الدوحة في سبتمبر/ أيلول 2015، ثم زيارته أخيراً إلى الرياض، ولقائه العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز.

تعتبر طهران أن محاولات واشنطن في تعزيز سطوتها على العملية السياسية في العراق، وتقليم الأظافر الإيرانية فيها، يهدد مشروع التشيّع السياسي الذي نجحت في ترويجه، وتدعيمه بشكل مستريح منذ عام 2003، إضافة إلى تأثيره الإستراتيجي على النفوذ الإيراني في العراق. وعلى هذا، كانت الاجتماعات الأخيرة لأقطاب هذا المشروع (التشيّع السياسي) في بيروت، وبتبنٍّ وتخويل تام من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، لزعيم حزب الله، حسن نصر الله، قد أفضت إلى أن أمن الثورة الإيرانية ومستقبلها مرهون ببقاء نفوذ "الشيعة السياسية" في العراق.

توحي حركة المسؤولين والسفراء الأميركيين والإيرانيين الخفية والمعلنة، في الأسابيع والأيام الماضية، بسعي لطرفين إلى إحداث انقلابٍ سياسي، يجعل أحدهما الأقدر على ضبط الأمور في العراق، قبل انفلاتها من عقالها، ولم تعد محاولات فؤاد معصوم وحيدر العبادي وسليم الجبوري وعمار الحكيم وأسامة النجيفي وصالح المطلك وهادي العامري وغيرهم، عبر ما سمي بـ "وثيقة الإصلاح" بديباجتها التي تؤكد على طبيعة نظام المشاركة الحالي في تقاسم السلطة في البلاد، كافية للقفز على تحرك القطبين المتصارعين، من أجل قلب الطاولة السياسية بشكل كامل ومباغت؛ فقد بدا واضحاً الموقف الأميركي الرافض إقالة سليم الجبوري، كما بدا واضحا أيضاً أسلوب الاحتواء الإيراني، من خلال تصريح أسامة النجيفي، بعد اجتماعه بسفير طهران في بغداد، حسن دنائي، عن دور إيراني في دفع الفرقاء العراقيين إلى التهدئة، وتوجّه إثره بالشكر لإيران "على مساعدتها القادة العراقيين في تجاوز أزمة البرلمان".

هناك انقلاب سياسي قادم في العراق، بعد أن تم استبعاد فكرة الانقلاب العسكري (الشكلي)، بسبب حجم (ونوع) التسلح الذي باتت عليه المليشيات الشيعية المرتبطة، أو غير المرتبطة بالحشد الشعبي، وما يمكن أن يسببه أي تغيير في نظام الحكم في العراق، من حمامات دم لا يملك أحد القدرة على إيقافها. ومن هنا، ستحاول واشنطن أن تطيل قدر المستطاع عمر الحكومة العراقية، أو العملية السياسية، حتى الانتخابات النيابية المقبلة عام 2018، ليبدو المنتخبون الجدد ممثلين للمعارضة العراقية بشكل كامل، وغير ملوثين بسجلات الدم والفساد التي ارتكبت بحق العراقيين 13عاماً، وستعمل طهران، من جهتها، على تكريس وجودها الآن وإحداث الانقلاب السياسي، قبل هذه الانتخابات، بعد أن بدأت تفقد بشكل ملموس انصياع الشباب العراقي لتوجيهات رجال الدين الشيعة، معتمدةً، في هذا، على كتل إيرانية الهوى والتنظيم، من أبرزها كتلة (بدر) النيابية، قائدها هادي العامري الذي قضى أغلب عمره في إيران، وحارب إلى جانبها ضدّ العراق، إضافة إلى أسماء وعناوين سياسية معدة سلفا في المطبخ الإيراني.

«دستة» نصائح للسيسي


عبد الحليم قنديل

ربما لا يصح لأحد أن ينكر إنجازات ملموسة للرئيس السيسي، فقد نجح في السيطرة على الوضع الأمني بتكلفة اجتماعية فادحة، وفي صياغة سياسة عربية وخارجية جديدة، وفي استعادة ركائز للاستقلال الوطني، وتقليص التبعية الموروثة للأمريكيين.

وفي رد اعتبار الجيش المصري، الذي أصبح العاشر عالميا، ومد حضوره بكامل هيئته، داهسا مناطق نزع السلاح في سيناء، وصولا إلى الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، واستئناف المشروع النووي المصري بعد توقف وتعطيل لأربعة عقود، وإنشاء ورش عمل هائلة بإشراف وإدارة هيئات الجيش، يعمل فيها قرابة المليوني مهندس وفني وعامل مدني، وشق فيها قناة سويس جديدة في وقت قياسي، وعجل بتطوير بنية أساسية لمنطقة قناة السويس الاقتصادية الصناعية، ومد شبكة طرق واسعة هي الأفضل من نوعها في تاريخ مصر، وأضاف محطات طاقة ومدن جديدة غاية في التطور، وأعطى دفعة كبرى لمشروعات تنمية غير مسبوقة في سيناء، ولمشروع استصلاح زراعي طموح يصل إلى مليون ونصف المليون فدان، وجلب استثمارات متنوعة، وعقد اتفاقا مع السعودية لبناء «الجسر البري»، وهو أعظم انقلاب استراتيجي في تاريخ المنطقة منذ نشأة كيان الاغتصاب الإسرائيلي عام 1948.

ولسنا من الذين ينكرون، ولا من الذين يهللون، فنحن لا ننكر إنجازا ملموسا مرئيا بالعين وباليد، وقد اكتفينا بذكر العناوين، وإن كانت إنجازات الأصول بطبعها من الاستثمارات الميتة، التي لا تظهر آثارها المنتجة إلا بعد سنوات، وهو ما يفسر جانبا من الأزمة النفسية والعصبية البادية على الرئيس، فأعصابه مشدودة دائما، ويكاد لا يتوقف عن العمل، ولا يخلد إلى نوم، لكنه لا يجد اعترافا مكافئا مناسبا بما يفعله، ولا يفتأ يعبر عن ضيقه من إنكار إنجازه، ومن التعتيم عليه، وقد يكون للرئيس بعض الحق والعذر في شعوره، لكنه لا يلتفت بما فيه الكفاية إلى خلل جوهري في حكمه حتى الآن، فهو رجل إنجاز بلا مراء، لكن إنجاز الرئيس يبدو بلا انحياز للفقراء والطبقات الوسطى، والأخيرون هم أغلبية الشعب المصري، ويشكلون ما يصل إلى تسعين بالمئة من المصريين، ولا تبدو إنجازات السيسي بطبعها طويل الأمد، ذات أثر إيجابي فوري مباشر في حياتهم، وأحوالهم المعيشية تزداد سوءا، والرئيس يبدو بعيدا عن همومهم، بل منحازا ضدهم كثيرا بإجراءاته الاقتصادية والاجتماعية القاسية، وهو ما يهبط بشعبية السيسي، ويعزله عن القطاع الأوسع من المصريين، وهذه حالة لا يبدو الرئيس مستعدا للاعتراف بها، بل يحمل المسؤولية للإعلام، الذي ينشر الإحباط واليأس في رأيه، ولا جدال في فوضى الإعلام المصري وبؤسه، لكنه يدار غالبا من أجهزة أمن ومليارديرات لا يعاديهم الرئيس، وقد سيطروا على البرلمان بعد الإعلام، وعلى الجهاز الحكومي والإداري في غالبه، وزادوا في مأزق الرئيس وحيرته، بل زحف بعضهم إلى خانة مستشاريه ومقربيه، وهو ما فاقم من أزمته، المهتم بإنجازات تجرى على طريقة المقاولات، وبدون صوغ سياسة ظاهرة مقنعة بدعوى الخوف من «أهل الشر»، والأخير تعبير أخلاقي غامض، يلجأ إليه الرئيس في العادة، ويترك تفسيره للأهواء، مع أن الإرهاب ينحسر إلى نقطة لا تكاد ترى على خريطة مصر في أقصى شمال شرق سيناء، ومع أن الإرهاب ليس الخطر الأهم على بنية الدولة المصرية، بل الفساد أخطر من الإرهاب، والأخطر هو التخبط التائه في السياسة، أو ـ بالأحرى ـ غياب السياسة، وهو الغياب الذي تتراكم بسببه المشكلات فوق المحن، وتكاد تغلق الطريق على نهوض تستحقه مصر، وعلى نجاح ممكن جدا للسيسي. وحتى لا تتوه القضية في انطباعات عمومية، فقد نقترح على الرئيس دستة إجراءات عاجلة، أو ربما دستة نصائح في خمسة اتجاهات، إن كان لا يجد حرجا في قبول النصيحة على النحو التالى بيانه: فقد نقترح على الرئيس ـ أولا ـ أن يراجع الموازين المختلة في معادلة الأمن والحريات، فلا جدال في أهمية ضمان الأمن، ولكن بدون مبالغات وفظاظات تحطم حيوية البلد، فليس بوسع الإرهاب أن ينتصر أبدا في مصر، وما من مبرر لتخويف المصريين بمصائر العراق وليبيا وسوريا واليمن والصومال وغيرها، فمصر نسيج مختلف عظيم التجانس، ولها شعبها وجيشها الحافظ الحارس بعناية الله، لكن تغول قمع أجهزة الأمن الداخلية يدهس المصريين، ونقص حرفيتها وكفاءتها يصنع المآسي والفضائح، وأجهزة الأمن تحتاج إلى إصلاح جوهري، يتجاوز مجرد تغيير وجوه قادتها كما فعل الرئيس مرارا، ويركز على إعادة هيكلتها بصورة شاملة، وعلى نحو يكفل تطهيرها من العاجزين والفاسدين، ويحل العلم والتكنولوجيا والتدريب الراقي والحساب الدقيق محل الممارسات العشوائية البائسة، خاصة أن عددا لا بأس به من الأجهزة يتصرف بطريقة ثأرية وانتقامية، ويسعى لنشر مظلة التخويف العام، على نحو ما كان قبل الثورة الشعبية، وهو ما خلق حالة خطرة من الاحتقان السياسي والاجتماعي لا لزوم لها، وذهب بعشرات الألوف من المصريين إلى السجون السياسية، وراكم مظالم مفزعة للضمير الإنساني، اعترف بها الرئيس نفسه مرارا، ووعد بإخلاء سبيل المظلومين، ولم يفعل سوى مرات قليلة عابرة، لا تفي بالمطلوب الآن وليس غدا، فالمطلوب ببساطة، وبغير لف ولا دوران، هو وضع خط أحمر فاصل بين الإرهاب والسياسة، وتعديل قانون التظاهر المطعون عليه أمام المحكمة الدستورية العليا، والمبادرة بقرار رئاسي إلى إخلاء سبيل شامل لعشرات الآلاف من المحتجزين في غير تهم العنف والإرهاب المباشر، واتخاذ إجراءات «جبر ضرر» شامل لأسر ضحايا الصراع السياسي في سنوات ما بعد الثورة إلى الآن، وبغير تمييز ولا استثناء سياسي، فدم المصريين السلميين كله حرام، مع التعجيل بإصدار قانون الإعلام الموحد، ومنع الحبس في قضايا النشر، ووقف تدخل أجهزة الأمن و»المصادرات المكتومة» للصحف.

وقد نقترح على الرئيس ـ ثانيا ـ إجراء عملية تطهير شامل لجهاز الدولة، وكنس الفساد بالجملة، وليس الوعد بمحاربته بالقطعة، فالفساد في مصر ليس مجرد ظاهرة عامة، ولا هو انحرافات متفرقة، بل نظام حكم متسلط، جوهره التحالف بين البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات المال الحرام، وقد اقترحنا على الرئيس ـ أول حكمه ـ أن يجري ما سميناه «مذبحة مماليك»، وعلى طريقة ما فعل محمد علي في نهوض مصر الحديثة الأول، وما فعل جمال عبد الناصر في أزمة مارس 1954، ولم يفعل الرئيس، وواصل تردده إلى الآن، وهو ما فاقم من خطورة الوضع، وجعل النظام متآمرا على الرئيس نفسه، وأدى لسيطرة المماليك من أجهزة الأمن وجماعة البيزنس على المشهد في غالبه، وبصورة جعلت الرئيس في وضع الأسير لمصالح مسيطرة، أعجزته عن اتخاذ إجراءات ملموسة لتصفية الفساد، والمبادرة إلى التصحيح، ورد الأموال المنهوبة، بل جعلته قفازا تحتمي به، وتتقدم لاحتواء الأجهزة الرقابية، وتحطيمها بعد تدجينها، وعلى طريقة ما جرى ويجري في الجهاز المركزي للمحاسبات، وفي العبث بقوانين الكسب غير المشروع، وإجراء «مشالحات» يسمونها مصالحات، وشل مبدأ المحاسبة، والتلهي بتكوين لجان ينتهي عملها دائما إلى نتيجة صفرية، فلم تسترد الدولة شيئا من قيمة الأراضي المنهوبة، التي وصلت بحساب الدفاتر الرسمية إلى تريليون جنيه مصري في المجتمعات العمرانية وعلى الطرق الصحراوية، وبحساب النهب الشامل و»المصمصة» إلى تريليونات فوق طاقة الحصر والعد.

وقد نقترح على الرئيس ـ ثالثا ـ أن يلتفت إلى قيمة العدالة، فالعدل أساس الملك الصالح، وقد ضاعت قيمة العدالة بالكامل في سنتي حكم الرئيس إلى الآن، وزاد الفقراء فقرا، وضاعف الأغنياء من تكدس ثرواتهم، في بلد يملك واحد بالمئة من سكانه نصف إجمالي الثروة الوطنية، فيما لا تملك أغلبية التسعين بالمئة من المصريين سوى فتات ربع الثروة، وقد نتفهم حالة الاقتصاد المعتل، والعجز المخيف في الموازنة العامة، وعجز الدولة عن توسيع الإنفاق الحكومي، وكل ذلك مفهوم ومقدر، لكنه لا يبرر أبدا غياب العدالة الاجتماعية بالمطلق، ولا غياب العدالة في تحمل وتوزيع الأعباء، وتحميل الفقراء والطبقات الوسطى تكلفة عجز الدولة الناهبة المنهوبة، واستسهال خفض دعم الطاقة وفاء لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، وجعل حياة غالبية المصريين جحيما فوق الجحيم الذي يعيشونه، بينما يلجأ الرئيس إلى تدليل مليارديرات المال الحرام، الذين خذلوه في تجربة صندوق «تحيا مصر»، ويحرقون الأرض من تحت أقدامه، ويشعلون جنون الدولار، ويهربون المليارات إلى الخارج، ولا يدفعون القليل المستحق عليهم من ضرائب، بل يخضع لهم الرئيس في قراراته، ويلغي قرارات الضريبة الاجتماعية وضريبة أرباح البورصة، ويخفض الحد الأقصى لشرائح ضريبة الدخل إلى 22.5 ٪ لا غير، بينما يصل الحد نفسه في الدنيا الرأسمالية كلها إلى الضعف على الأقل، فوق أنه بوسع الرئيس اتخاذ إجراءات عدالة لا تكلف الدولة مليما، من نوع تعيين الشباب المتفوقين المستحقين في وظائف القضاء التي حجبت عنهم ظلما، وإنصاف ضحايا مذبحة القضاة الأخيرة.

وقد نقترح على الرئيس ـ رابعا ـ أن «يصبح على مصر بمصنع»، وليس بملاعب غولف ولا بمارينا يخوت ومنتجعات وفنادق على طريقة مدينة «جبل الجلالة» التي يتفاخر بها، فالتصنيع هو الحل في مصر، واقتصاد الانتاج وفرص العمل والتكنولوجيا هو المطلوب، وتعبئة الموارد للتصنيع هي الأولوية المطلقة في أي نهوض، ونقطة البدء في نسج روابط «العروة الوثقى» بين الصناعات العسكرية والمدنية، وبناء مجمع صناعي جديد، يربط مصانع الإنتاج الحربي و»الهيئة العربية للتصنيع» بمصانع القطاع العام المتوقفة، وتوجيه طاقة ورش عمل الجيش والاكتتاب الشعبي العام إلى هذه الغاية قبل وفوق سواها. وقد نقترح على الرئيس ـ خامسا ـ أن يطور سعيه لاكتساب الاستقلال الوطني، وأن يطلب تعديل معاهدة العار المعروفة باسم معاهدة السلام مع «إسرائيل»، وتفكيكها تدريجيا، وهذه قصة طويلة قد نعود إليها في مقام آخر.

بصمت، إسرائيل تنفذ مشروع E1: لا دولتين ولا عاصمة


عبد الرؤوف أرناؤوط

استحق مشروع E1 (إي وان) الاستيطاني لقب وصفه بالأخطر منذ الاحتلال الإسرائيليّ للقدس في العام 1967، لأنه يمتدّ على أرضٍ مساحتها 12443 دونماً من أراضي قرى الطور، عناتا، العيزرية، وأبو ديس في شرق القدس، ويهدف إلى إقامة 4000 وحدة استيطانية و10 فنادق ومنطقة صناعية. فهو يربط الكتلة الاستيطانية "معاليه ادوميم" الواقعة في شرق القدس الشرقية بالقدس الغربية، جغرافياً.

وقد حدّد خليل التفكجي، وهو مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" لـ "السفير" أربعة أسبابٍ جعلت هذا المخطط الاستيطاني، رغم قصر اسمه، الأخطر على الإطلاق: "أولاً، يغلق المنطقة الشرقية من القدس بشكلٍ كامل ويطوّق المناطق (عناتا، الطور، حزما) بحيث تُحرم من أيّ إمكانية توسّع مستقبلية باتجاه الشرق. ثانياً، يمنع إقامة القدس الشرقية (كعاصمة لفلسطين) ويعيق إمكانية تطورها باتجاه الشرق. ثالثاً، يربط جميع المستعمرات الواقعة في المنطقة الشرقية وخارج حدود بلدية القدس مع المستعمرات داخل حدود بلدية القدس، وبالتالي يحوّل القرى العربية إلى معازل محاصرة بالمستعمرات. ورابعاً، فإن من شأنه أن يقيم القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي، بحيث تعادل مساحتها نسبة 10 في المئة من مساحة الضفّة الغربيّة، ما يحدث تغييراً جذرياً في قضية الديموغرافيا الفلسطينية للصالح إسرائيل".

تقطيع القدس وتفخيخها بالأسمنت
يشرح وزير شؤون القدس ومحافظ مدينة القدس المهندس عدنان الحسيني لـ "السفير" أن "الهدف من هذا المشروع الاستيطاني هو توسيع مستوطنة معاليه أدوميم باتجاه القدس الغربية على حساب مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، بحيث تصبح القدس الشرقية، التي من المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية، بلا متنفّس ومعزولة عن باقي أنحاء الضفة الغربية". ويضيف الحسيني: "هو سورٌ استيطاني جديد. فقد أقامت الحكومات الإسرائيلية مستوطنات على أراضي المدينة، وهي تعمل الآن على ربطها ببعضها لعزل القدس شرقاً وشمالاً وجنوباً بالإضافة إلى الاستيطان في داخل المدينة. فتصبح مشوهة بهذه الكتل الإسمنتية الاستيطانية، وهي استراتيجية وضعتها إسرائيل منذ فترة طويلة".

أما جمعية "عير عاميم" ("مدينة لشعبين" بالعبرية) الإسرائيلية فقد وصفت المشروع بأنه "المسمار الأخير في نعش حلّ الدولتين"، وقالت أن "من شأنه أن يدق إسفيناً بين القدس الشرقية والضفة الغربية، ويكسر التواصل الجغرافي المطلوب بين الأراضي لإقامة الدولة الفلسطينية، ويقسم الضفة الغربية إلى كانتونين شمالي وجنوبي".
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين قد طالب إعداد هذا المخطط الاستيطاني في العام 1994، وصودق على المشروع للمرة الأولى في العام 1997 من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إسحق مردخاي. ولكنه جوبه برفضٍ فلسطينيّ ودوليّ واسع تجاوبت إسرائيل معه بأن أعلنت عن تجميده في العام 1999.
ولكن دائرة شؤون المفاوضات في "منظمة التحرير الفلسطينية" عادت وكشفت أن الإدارة المدنية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية صادقت في العام 2002 على الخطة الهيكلية العامة لتنفيذ مشروع المنطقة (إي وان)/ ومن ثم تعهّد وزير الجيش الإسرائيلي آنذاك بنيامين بن اليعزر للإدارة الأميركية بعدم تنفيذ هذه الخطة.
وأكّدت دائرة المفاوضات في تقرير حصلت "السفير" على نسخةٍ منه أن إسرائيل قدّمت هذه التأكيدات إلى الإدارة الأميركية في ربيع العام 2005 وفي صيف 2009، غير أنها استدركت: "على الرغم من ذلك، فقد باشرت وزارة الإسكان والبناء الإسرائيلية في شهر تموز 2004 بعلميات البناء الأولى في منطقة "إي وان" تحضيراً لشقّ طرقٍ جديدة ولتجهيز الموقع لمركزٍ جديدٍ للشرطة. وقد أكملت إسرائيل منذ ذلك الوقت بناء مركزين للشرطة، يقع أولهما في المنطقة الواقعة بين قرية الزعيم وبلدة عناتا، بينما يقع الثاني في الطرف الشرقي من منطقة "إي وان" على الطريق رقم 1، المحاذي لمستوطنة معاليه أدوميم".

الغرب: قلقٌ ومراقبة
أكّد ديبلوماسيون أوروبيون وأميركيون لـ "السفير"، في أحاديث منفصلة، أنهم يتابعون عن كثب سير الأمور على الأرض في هذه المنطقة تحسّباً لمفاجآت إسرائيلية. وعلمت "السفير" أن البعثات الديبلوماسية الأوروبية في القدس ورام الله أوردت في تقريرٍ سريّ أنه "لا يزال هناك قلق حول المناطق التي تم تصميمها لمزيد من التوسّع الاستيطاني، مثل منطقة (إي وان) الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم. على هذا المستوى، حضرت منذ فترة طويلة خطةٌ لبناء مستوطنةٍ جديدة تضم حوالي 3500 وحدة إستيطانية جديدة تضمّ حوالي 14500 مستوطن /ة. وتتضمن الخطة تشييد منطقة صناعية، مركز للشرطة، بنية تحتية نطاقها واسع، ومرافق للتنمية التجارية والترفيهية".

وأضافت البعثات في تقريرها: "في العام 2008، انتقل مقر الشرطة الإسرائيلية الخاص بمنطقة الضفة الغربية إلى "إي وان". إن تنفيذ المشروع لن يقسّم فقط الضفة الغربية إلى شمالٍ وجنوبٍ، ولكنه أيضاً، عبر تأمين الإتصال ما بين المستوطنات والقدس، يشكّل الخطوة النهائية لعزل القدس الشرقية جغرافياً عن باقي الضفة الغربية".

كان مركز الشرطة الإسرائيلية لمنطقة الضفة الغربية يقع في حيّ رأس العامود المطلّ على المسجد الأقصى، قبل التوصّل إلى صفقة مع عرّاب الاستيطان في القدس الشرقية الثري اليهودي الأميركي إيرفينغ موسكوفتش، والتي بموجبها تم منح المقرّ له بهدف تحويله إلى مستوطنة، مقابل تمويل إقامة مركز الشرطة الإسرائيلية".

وبالنسبة إلى الكثيرين، فإن مركز الشرطة الإسرائيلية الواقع على رأس تلّة في منطقةٍ ما بين مستوطنة "معاليه ادوميم" والقدس الشرقية، هو شاهدٌ رئيس على أن المشروع الاستيطاني الأوسع قد ينفذ في أيّة لحظة. وإن كان نقل مقرّ الشرطة الإسرائيلية غير كافٍ لتأكيد ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية استثمرت ما يعادل 52 مليون دولار أميركيّ لتجهيز البنية التحتية داخل المنطقة (إي وان)".

نظاما مواصلات مفصولان:
إسرائيل تنفّذ
تتابع جمعية "عير عاميم" الخطوات التمهيديّة للمشروع بدقّة. بناء على مراقبتها، تلفت إلى أنه "في العام 2003، تم افتتاح نفق جبل المشارف ليشق طريقاً جديداً من القدس إلى معاليه ادوميم. طريق الحزام الشرقي سيخدم المستوطنات شرق القدس وخارج جدار الفصل ليسهّل الربط مع المدينة. وقد تمت المصادقة على معظم مقاطع طريق الحزام الشرقي، ويتوقع أن تتم المصادقة على المقطع الأخير في المستقبل القريب".

وشرحت: "أن افتتاح المقطع الشمالي من طريق الطوق الشرقي سيمكّن من دفع مخططات بناء "إي وان" من خلال إقامة نظامي مواصلات منفصلين للفلسطينيين والإسرائيليين في شرق القدس، وإغلاق منطقة "إي وان" أمام المركبات الفلسطينية".
وفي هذا الصدد، قالت دائرة شؤون المفاوضات في "منظمة التحرير الفلسطينية" إن هذه الدلائل وغيرها، مثل اللافتات التي وضعت على طول الطريق رقم (1) والتي كتب عليها "أهلا بكم في مافيسريت أدوميم" (وهو اسم المستوطنة السكنية الجديدة المقرر إقامتها في منطقة "إي وان")، تشي بأن بناء الوحدات السكنية الاستيطانية داخل هذه المنطقة بات وشيكاً".

وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر أمراً عسكرياً في أيلول /سبتمبر 2007 يقضي بمصادرة 1128 دونماً من الأراضي الفلسطينية الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه ادوميم، تعود ملكيتها لمواطنين من قرى أبو ديس، السواحرة، النبي موسى، والخان الأحمر، بهدف شقّ "طريقٍ بديل" للفلسطينيين يربط المناطق الجنوبية في الضفّة الغربية بالمناطق الشرقية والشمالية منها، ما يحول دون دخول الفلسطينيين إلى القدس الشرقية ويؤمّن التواصل الجغرافيّ ما بين معاليه ادوميم والقدس الغربية.
يعلّق الحسيني: "هم يعدّون العدّة للبناء بدءاً من البنى التحتية ونقل مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية. يعملون على شقّ الطرق خاصة بالمستوطنين وعزل الفلسطينيين عن أراضيهم عبر طرقٍ بديلة، وستكون إقامة 3500 وحدة استيطانية في المنطقة المرحلة الأولى من المشروع".

ولكن الأمر لا يتوقف على البنى التحتية، إذ كشفت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية والمختصة بمتابعة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية، أن الحكومة الإسرائيلية تعدّ العدّة للبناء. ففي شهر تشرين أول /أكتوبر 2013، أصدرت وزارة البناء والإسكان مناقصات لبناء عشرات آلاف الوحدات الإستيطانية في الضفّة الغربيّة، بما فيها آلاف الوحدات الاستيطانية في المنطقة "إي وان". على إثر ذلك، وجّهت الدول الغربيّة انتقاداتٍ حادّة لهذا المشروع، ما أقنع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بالإعلان عن إلغاء هذه المناقصات. وتزامن ذلك مع تلويح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في حال شروع إسرائيل بالبناء في "إي وان"، معتبراً ذلك نهاية مشروع حلّ الدولتين.

ولكن، أظهرت معلومات حصلت عليها حركة "السلام الآن" أن وزارة البناء والإسكان، بعد عامٍ واحد فقط من إلغاء مناقصات 2013، أيّ في تشرين الثاني /نوفمبر 2014، قد عيّنت من دون اللجوء إلى الإعلان أو المناقصات، مهندسين للعمل على العديد من الخطط التي حُكي عن إلغائها، بما فيها "إي وان". ولفتت إلى أن "منطقة معاليه أدوميم و"إي وان" هي واحدة من أكثر المناطق حساسية في ما يتعلق بفرص حل الدولتين"، وقالت إن "الاستيطان الإسرائيلي في "إي وان" سيقسم الضفّة الغربية إلى نصفين، ويمنع التواصل الجغرافيّ للدولة الفلسطينية المستقبلية. ولهذا، فكلما أعلن مسؤول إسرائيلي عن دفع مخططات البناء في "إي وان"، يدينها المجتمع الدولي بشدّة".

مئة ألف مستوطن /ة
كشفت اوراق حركة "السلام الآن" أن وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية تعمل بصمتٍ على خطط لبناء 8372 وحدة استيطانية في منطقة "إي وان" بما يشمل "مواصلة العمل على خطط تمت المصادقة عليها للمراجعة من قبل الجمهور في كانون الأول /ديسمبر 2012 لبناء 1262 وحدة استيطانية في "إي وان" جنوب، و2340 وحدة استيطانية في "إي وان" شرق، وإعداد مخطّطٍ جديد لبناء 1000 وحدة استيطانية في "إي وان" شمال، والتحضير لخطة بناء 270 وحدة استيطانية جديدة في "إي وان" غرب".

وإلى ذلك، أضافت معلومات "السلام الآن": "في العام 2011، وظفت وزارة البناء والإسكان مخططين لإعداد خطة لبناء 1000 وحدة لقبيلة البدو "الجهالين" بهدف إخلائهم من منطقة معاليه أدوميم و"إي وان" ونقلهم إلى قرية مخططة".

ويشير مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" خليل التفكجي إلى أن "مستوطنة معاليه أدوميم تعتبر أكبر المستوطنات في الضفة الغربية وأول بلدية استيطانية أعلنتها السلطات الإسرائيلية، فتبلغ مساحة مخططها 35 كيلومتراً مربعاً ويعدّ سكانها 32 ألف مستوطن /ة". وقال: "إذا ما تم ضم كتلة معاليه أدوميم المكونة من ثماني مستوطنات (كيدار، معاليه أدوميم، إي وان، ألون، كفار أدوميم، علمون، نفي برات، والمنطقة الصناعية مشور أدوميم) تصبح مساحة الأرض المضمومة 191 كيلومتراً مربعاً، جاهزة لإستيعاب ما يزيد عن 100 ألف مستوطن".

ويرى التفكجي أن ثمّة صلة ما بين هذا المخطط وبين مخطط 2020 الذي رسمته الحكومة الإسرائيلية بعدما بلغت نسبة العرب في القدس، بشطريها الشرقي والغربي، 35 في المئة من السكان، وسط تقديرات بارتفاع هذه النسبة إلى 55 في المئة من المجموع العام للسكان في العام 2040.

وقال التفكجي: "المخطط 2020 بكلّ أبعاده السياسية والتخطيطية، يطرح هدفاً واحداً وهو تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة، خاصة خلال هذه المرحلة المصيرية التي تمرّ بها قضية القدس. إذ يخصص فائض الوحدات السكنية ومساحات التطوير للجانب اليهودي بهدف جذب سكان جدد ومنع الهجرة وتقليص عدد السكان الفلسطينيين".

ويختم الحسيني حديثه لـ "السفير" بالقول: "هو احتلالٌ بلطجيّ لا يسمع للعالم ولا يأبه لما يقوله العالم، وفي الوقت ذاته، فإن العالم يكتفي بالإدانة والاستنكار والشجب فيما الاحتلال يعمل على الأرض. لا بد أن يستخدم العالم لغة العقاب ضد هذا الاحتلال إذا أراد فعلا السلام والاستقرار في هذه المنطقة من العالم".

الحريري للسنيورة: أنا الزعيم!


 

ليس الحديث عن "صراع أجنحة" داخل "تيار المستقبل" جديدًا، خصوصًا في ضوء تجارب السنوات القليلة الماضية التي أظهرت "قطبَي التيار"، سعد الحريري وفؤاد السنيورة، في موقعي "النقيض"، وأوحت وكأنّهما لا يلتقيان، لا في السراء ولا في الضراء.
وإذا كان المعنيّون يهربون في معظم الأحيان من هذا الواقع عبر اللجوء إلى نظرية "توزيع الأدوار" المبتكَرة، رغم أنّ الصراع كان يشتدّ تارةً ويخفّ تارةً أخرى، فإنّ الأكيد أنّ مثل هذه النظرية لم تعد مجدية اليوم، بعدما أصبح "تمايز" الحريري والسنيورة على كلّ شفة ولسان...

أراد أن يكحلها فعماها؟!
لا شكّ أنّ المدير العام لهيئة "أوجيرو" عبد المنعم يوسف لا زال يثير الجدل، حتى بعد "رفع الغطاء" عنه كما توحي كلّ المؤشرات. فالرجل، المحسوب على رئيس كتلة "المستقبل" فؤاد السنيورة، استطاع أن "يفجّر" الخلاف داخل التيار "الأزرق"، و"يفضح" عمليًا صحّة كلّ ما كان يُحكى عن "أجنحة" وما شابه.
في جلسة لجنة الإعلام والاتصالات الأخيرة، سمع يوسف ما لم يتوقع يومًا أن يسمعه أمام مرأى ومسمع الجميع، وهو الذي كان يعتقد أنّه "محصَّنٌ حتى العظم"، ولا يمكن أن تحوم حوله لا عشرات ولا مئات علامات الاستفهام والريبة كما قال الوزير وائل أبو فاعور. لكنّ اتهامات وزير الصحّة لم تصدم يوسف، فـ"الصدام" بينه وبين "الحزب التقدمي الاشتراكي" ليس جديداً، ولكنّ "المفاجأة" كانت بـ"الصمت المطبق" الذي لاذ به نواب "المستقبل"، أولئك الذين لطالما صنّفوه "خطاً أحمر"، وزاد "ذهوله" لدى سماعه تصريحاً لأحد هؤلاء يصنّفه على أنّه "متهمٌ حتى تثبت براءته"، لا العكس.
وإذا كان السنيورة حرص على تضمين بيان "الكتلة الزرقاء" دفاعاً عن يوسف بوصفه أحد "الشرفاء" والقول أنّه "حصل على أكثر من 120 براءة قضائية"، فإنّه يكاد ينطبق عليه مثل "أراد أنْ يكحلها فعماها"، لأنّه بهذا البيان، وبعد أداء نواب "المستقبل" داخل لجنة الإعلام بالتحديد، أثبت نظرية "صراع الأجنحة"، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، خصوصًا أنّ كلّ المعطيات تؤكد بما لا يقبل الشكّ أنّ رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري أبلغ المعنيّين أنّه "نفض يده" من يوسف، وأنّه لا يمانع "التضحية به"، خصوصًا بعدما أصبح أقرب إلى "العبء" بالنسبة إليه في ضوء كلّ المشاكل التي افتعلها مع كلّ الأطراف دون استثناء، حتى أنّ بعض المعلومات تتحدّث عن أنّ هذه المشاكل وصلت إلى الحريري شخصياً، ولم تعد تقتصر على الأحزاب الحليفة والصديقة.

من يحاصر السنيورة؟!
عمومًا، إذا كانت قضية عبد المنعم يوسف بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير" بين الحريري والسنيورة، فإنّ ما لا شكّ فيه هو أنّها لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكماتٍ كثيرة، بدأ يشعر معها رئيس "كتلة المستقبل" أنّ هناك من يريد "محاصرته" بشتّى الأساليب والطرق.
وإذا صحّ ما يُحكى عن "تخلي" التيار "الأزرق" عن عبد المنعم يوسف، فإنّ الأخير لن يكون "رجل السنيورة الوحيد" الذي يُرفَع الغطاء عنه في فترةٍ وجيزة. ويذكر اللبنانيون جيّداً في هذا السياق تجربة النائب خالد الضاهر، الذي أخرِج من عباءة "كتلة المستقبل"، بعد سلسلة "الاستفزازات" التي قام بها، وحفلات "التحريض" التي كان "بطلها"، بتوجيهٍ من السنيورة نفسه وتنسيقٍ كاملٍ معه، كما أقرّ الضاهر نفسه في إحدى المرّات.
ويُعتبَر وزير العدل المستقيل أشرف ريفي هو الآخر من "رجال السنيورة" الذين خرجوا أو أخرِجوا من "تيار المستقبل" بالطريقة نفسها، أي نفض "الشيخ سعد" ليده منهم، بعد تحوّلهم لـ"عبء" بالنسبة إليه، ولعلّ "المزايدات المتبادلة" بينه وبين ريفي خير دليلٍ على ذلك، "مزايداتٌ" كان لافتاً أنّ السنيورة "نأى بنفسه" بالكامل عنها، وفي "نأيه" أكثر من رسالة لا تميل بطبيعة الحال لاتجاه الحريري، لا من قريب ولا من بعيد.

هل يلحق برجاله؟
لم تعد القصة بين الحريري والسنيورة مجرّد قصة "تمايز صحّي"، ولا يمكن اختزالها بـ"توزيع أدوار" بلا مقوّمات ولا مبرّرات. فهناك "حصار" حقيقي يتعرّض له السنيورة من الدائرة الضيّقة المحيطة بالحريري، يربطه الكثيرون بـ"طموحات" السنيورة التي يريد الحريري أن يضربها بمهدها، موجّهاً له رسالة بعنوانٍ واضحٍ لا يحتمل اللبس، ألا وهو "أنا الزعيم".
ويبقى السؤال، هل يرضخ السنيورة ويرطّب الأجواء كما درجت العادة، أم أنّ الأمر سيختلف بعد انكفاء معظم رجاله، ليصبح اللحاق بهم ضرورة لا نقاش بشأنها؟!

قيادات في حزب الله هربت أبنائها إلى أوروبا لمنع إرسالهم إلى سوريا



برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة "هروب" الشبان اللبنانيين الشيعة إلى أوروبا، وذلك رفضاً لإجبارهم على الانضمام لمليشيات حزب الله، التي تقاتل إلى جانب قوات الأسد في سوريا.

وأكد الصحفي "محمد الحمادي" المقيم في فرنسا أن حالة الهروب من لبنان، خصوصاً من أبناء الطائفة الشيعية، "بدأت تظهر في بداية العام الماضي، بعد أن أيقن المقربون من حزب الله بأن الحرب لا تتعدى الدفاع عن بشار الأسد، وهي محرقة حقيقية لأبنائهم".

ولفت "الحمادي" وفق موقع "عربي21" إلى الأنباء الواردة تباعاً عن قيام قيادات عليا في الحزب بتهريب أبنائها إلى أوروبا؛ حفاظاً على حياتهم، بعدما اعتبر زعيم الميليشيا "حسن نصر الله" هذه الحرب مسألة وجود، وأنه ماض فيها حتى النهاية، وهو ما كلف الطائفة مئات القتلى والجرحى.

من جانبه، قال الشاب اللبناني "محمد عباس" المقيم في بلجيكا حالياً: "كنت أقطن مع عائلتي في احدى بلدات سهل البقاع اللبناني، وبعد قرار حزب الله تجميع كافة شبان القرى الشيعية، وإخضاعهم لدورات تأهيلية للانضمام للمعارك المشتعلة في سوريا، اتفقت مع مجموعة من الأصدقاء بموافقة عائلاتنا الهروب إلى أوروبا، وتقديم اللجوء في إحدى دول الاتحاد الأوروبي".

وتابع عباس: "قامت عائلاتنا بتأمين مبالغ مالية لنا لنتمكن من السفر؛ إذ يحتاج الفرد منا لسبعة آلاف دولار كحد أدنى للوصول إلى أوروبا، عبر بعض المهربين المختصين بعمليات التزوير، وبالفعل انطلقت رحلتنا من مطار بيروت، وصولا إلى بيلاروسيا، وهناك أقمنا بضعة أيام، وكان الاتفاق بعدها على حجز تذكرة العودة إلى لبنان بطريقة الترانزيت، لنستطيع الوصول إلى مطار شارلي ديغول في باريس".

ويلفت الموقع إلى أن الشاب اللبناني ومجموعة من أصدقائه الذين لا يتجاوزون سن الـ22 عاما، قاموا بتقديم طلبات اللجوء داخل الأراضي الفرنسية، ما استدعى إبقاءهم في منطقة الانتظار داخل مطار باريس، المعروفة باسم “زابي3″، لمدة 20 يوماً، خضعوا خلالها لتحقيقات مكثفة عن أسباب هروبهم من حزب الله، وبعد نهاية التحقيقات، سمح لهم بدخول الأراضي الفرنسية، وتقديم اللجوء في الدولة الأوروبية التي يرغبون.

وعن أسباب الهروب من حزب الله واللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي، أجاب عباس أن "الكثير من الشبان الشيعة هربوا من لبنان خلال سنوات الحرب في سوريا، منهم من غادر إلى إفريقيا، ومنهم من توجه إلى أمريكا الجنوبية، ومنهم من قرر اللجوء في أوروبا؛ بسبب رفض سياسات الحزب بالتدخل في الشأن السوري من جهة، وخوف الكثير من العائلات من مقتل أبنائهم أمام قوة الثوار والجهاديين السوريين، فضلا عن تحويلنا لوقود يشعل النار الطائفية بين الشيعة والسنة خدمة لمشروع إيران، بإعادة أمجاد الدولة الفارسية".

يشار أن معهد واشنطن للدراسات في وقت سابق إحصائية تناولت خسائر ميليشيا "حزب الله" في سوريا، واعتمدت الدراسة في مصادرها على وثائق إيرانية، وقامت بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وذلك بسبب انعدام المصادر اللبنانية.

وتؤكد الدراسة المنشورة بتاريخ 22 شباط الماضي، الى أنه في الفترة ما بين 30 أيلوم 2012 وحتى 16 شباط 2016، كان عدد قتلى حزب الله في سوريا بلغ 865 قتيلاً، ويعتمد توثيق هذا الرقم على المستندات والأخبار الموثّـقة المنقولة عن الإعلام الإيراني.

من جهتها نشرت صحيفة السفير اللبنانية، أن حزب الله خسر خلال حربه في سوريا قرابة ألف مقاتل بالإضافة إلى مئات الجرحى، وجاءت هذه التسريبات في الوقت الذي يحاول فيه "حزب الله" إخفاء الأعداد الحقيقية لقتلاه في سوريا، خوفاً من حالة التمرد التي قد تصيب اتباعه في لبنان.

والجدير بالذكر أن تقارير إعلامية أشارت في الأشهر القليلة الماضية إلى تنامي التململ داخل بيئة "حزب الله"، بسبب الكلفة الباهظة في عدد القتلى الذين سقطوا في سوريا.

رقصة أردوغان الأخيرة!


أحمد رفعت
طبقًا لنصائح ميكافيلي في كتابه الأشهر "الأمي"، يبحث أردوغان الآن عن مشكله خارجية يلتف الأتراك حولها، بدلًا من الاضطراب الداخلي، وينشغلون في متابعتها وفي تفاصيلها، والأهم هو دفع الجيش التركي وقادته بعيدًا عن البحث عن حلول للتصدي لتغيير شكل الجمهورية التركية المستقر منذ حكم كمال أتاتورك، وظل الجيش التركي حريصًا أمينًا محافظًا عليه طول عدة عقود متصلة!

أردوغان يجد ضالته في سوريا، خصوصًا أن رجاله من الإرهابيين يخوضون معركتهم الأخيرة في حلب، في ظل محاذير روسية على حركة الجيش التركي في الشمال السوري بعد إسقاط تركيا لطائرة روسية، وبالتالي بدت وقائع الفصل الأخير للصراع في سوريا على الانتهاء، بعد أن لاحت فرص تحرير كامل التراب السوري عسكريًا وللمرة الأولى بعد أن كان الأمر شبه مستحيل؛ لتلقى قطر مع تركيا -وخلفهم أمريكا وإسرائيل- هزيمة نكراء ستلقي بظلالها ـ قطعًا ـ على الداخل في كل منهما!
أردوغان يلقى دعمًا من آلة الإعلام الغربية، ويلقى دعمًا كبيرًا من الإعلام "الإخوانجي"، وسيقدم له البعض دعمًا في الجامعة العربية، ومنها إلى منظمات دولية، والحل الآن يكمن ببساطة في عكس ذلك كله.. أي هزيمة أردوغان، وفرض الجيش السوري انتصاره في حلب، وسحق الإرهابيين، ومن ثم فرارهم المنتظر إلى تركيا وبعدها ـ بعد الهزيمة يعني ـ ستتفجر سلاسل الفضائح من داخل معسكر "الإرهاب ـ أردوغان" وعندها ستتكشف فضائح كثيرة ستضيف أعباء على كاهل أردوغان المثقل أصلًا، وعندها ستكون فرص تدخل الجيش التركي ممكنة!

هذا السيناريو السابق، يجب أن يكون في ذهن السياسي المصري، الذي يجب أن يسعى كي "يلاعب" أردوغان وهزيمته؛ لينتهي الدعم الموصول منه إلى جماعة الإخوان الإرهابية في مصر، حتى لو كان مجرد دعم إعلامي!

هزيمة أردوغان وكسره وكسر إرادته يجب أن تكون هدفًا مهمًا، وهدفًا في ذاته، حتى لو أقسمنا عشرات المرات أننا لا نتدخل في شئون أحد، مع مراعاة محاذير إقليمية أخرى، إلا أن الدبلوماسية المصرية قادرة على صنع المستحيل!.

معنى هزيمة القاعدة في اليمن


بشير البكر

تطرح هزيمة القاعدة في جنوب اليمن عدة أسئلة، تدور كلها حول الأسباب التي أدت إلى الانهيار السريع الذي حصل للتنظيم خلال 48 ساعة أمام هجوم الجيش اليمني، مدعوماً بقوات سعودية وإماراتية. واللافت، هنا، ثلاثة مواقف تستدعي التوقف عندها، الأول حصول عملية "دومينو" بدأت بالهجوم ضد القاعدة من زنجبار عاصمة محافظة أبين، وامتدت إلى حضرموت. والثاني الخسارة البشرية الكبيرة خلال يومين، والتي قدّرها بيان رسمي بمقتل 800 من القاعدة في العملية. والثالث أن تنظيم القاعدة أربك الوضع في الجنوب لمدة عام تقريباً، واستطاع أن يسيطر على حضرموت بسهولة، كما أنه هز أمن مدينة عدن طيلة الأشهر التي تلت تحريرها من الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح.

لا يمكن تفسير أمر انهيار القاعدة بناء على عامل المفاجأة فقط، وإنما هو يعود إلى جملة من العوامل المتداخلة، في طليعتها الجهد الاستخباراتي المتميز الذي يتمثل في الاختراق السعودي للتنظيم منذ زمن طويل، عبر برامج وضعها الأمير محمد بن نايف منذ تشكيل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عام 2009. والثاني هو التصميم على حسم المعركة العسكرية في اليمن لصالح الشرعية، وهذا يعبر عن نفسه بزج قطعات جديدة من القوات غير التي شاركت في تحرير عدن من الحوثيين، وهناك ألوية جديدة تم إنزالها إلى المعركة للمرة الأولى، وهي مشكّلة من أبناء حضرموت الذين تم تدريبهم خلال الأشهر الأخيرة في السعودية.

لا يقف الإنجاز عند القضاء على القاعدة، فهناك عدة رسائل سياسية تم توجيهها محلياً وإقليمياً ودوليا. أولا، يشكل توقيت الحرب على القاعدة رسالة للحوثيين وإيران أن التحالف قادر على مواصلة الحرب، وأن لديه مخزوناً عسكرياً لم ينضب يمكنه أن يدفع به إلى جبهات أخرى، بعد أن يفرغ من ترتيب الأوضاع في الجنوب.

ثانيا/ قرار شن الحرب على القاعدة في هذا الوقت إعلان أن التحالف لم يعد بحاجة لها ورقة تهديد ضد الحوثيين وإيران. ولا يخفى على أحد أن هناك من كتبوا وتحدثوا في بداية الحرب عن أن من الضروري استخدام ورقة القاعدة. وتحت هذا المبرّر، جرى السماح للتنظيم بالمشاركة علنا في القتال لتحرير عدن، وحين تم تحرير المدينة، بدأ التخلي عنه. وهذا ما يفسر ردود فعله العنيفة خلال الأشهر الأخيرة، فهو لم يوفر وسيلةً من أجل تقويض أمن المدينة، وارتكب عدة عمليات إجرامية، كان أبرزها اغتيال محافظ عدن، جعفر محمد سعد، وحاول عدة مرات قتل خلفه عيدروس الزبيدي الذي دخل في حرب مفتوحة ضد القاعدة في ضاحية المنصورة في عدن، أدت إلى إضعاف التنظيم، ومهدت لشن الحرب ضده بدءا من زنجبار.

ثالثا/ تعد العملية الخاطفة رسالة موجهة للولايات المتحدة من طرف السعودية للقول إن الحرب على الإرهاب ليست صعبة ومعقدة، كما تصورها واشنطن في سورية والعراق، فإذا توافر القرار السياسي فإن القوة العسكرية كفيلة بإنهاء التنظيمات الإرهابية خلال زمن وجيز.

رابعا/ أن تنظيم القاعدة بلا حاضنة شعبية مهما أقام بين الناس، وهو حاول أن يوحي من خلال سيطرته على حضرموت بأنه تعايش مع الأهالي، ولا مشكلة في إقامة قوانينه وفرض سلطته، ولكن تبين من ردود الفعل على انهياره أن حضرموت عاشت فرحة عارمة، احتفالا بهزيمة التكفيريين الذين حاولوا أن يفرضوا عليها شخصية متطرفة عابسة على غير ما تتصف به من لطف وتسامح.
هزيمة القاعدة في اليمن ليست حدثا عابرا، بل هو يوازي في أهميته هزيمة المشروع الإيراني الذي حمل لواءه الحوثيون، وستشكل هذه الهزيمة مدخلا لاجتثاث التنظيم في مسقط رأسه، جزيرة العرب.

دخلوا تونس الهادئة، وأرواحهم عالقة في بيروت


أحمد نظيف


لم يكن خروج قوات المقاومة الفلسطينيّة من بيروت صيف العام 1982، نهاية الكفاح الفلسطينيّ ضد الاحتلال. لكنه كان بداية النهاية للثورة الفلسطينية التي انطلقت في أعقاب هزيمة العام 1967. كانت لهذا الخروج تبعاته السياسيّة الخطيرة على القضية الفلسطينية، بعد ان جنحت قيادة الثورة إلى السلم على جرعات، من لحظة الخروج وصولاً إلى إتفاق أوسلو. وكانت له تبعاته النفسية والإجتماعية على ألاف الشباب والشابات الذين غادروا لبنان إلى جهات الأرض الأربع. تركوا أرواحهم /ن هناك، الذكريات الحميمة. تركوا فلسطين صغيرة داخل المخيمات، لتلقي بهم التفاهمات الدولية بعيداً. لا شك، فإن النتائج السياسية التي أعقبت الخروج من لبنان وما آلت إليه القضية الفلسطينية اليوم قد غطّت على الندوب النفسية والإجتماعية التي خلفها شتات المقاومة بعد الحصار، لكنها تجلت، أي الندوب، في المُنجز الإبداعي والثقافي الفلسطيني لاحقاً، وإبداعات أغلب المثقفين الذين عايشوا تلك المرحلة، فلسطينيين كانوا أو عرباً.

إلى تونس، نفرت القيادة الفلسطينية ومعها آلاف الفدائيين والمثقفين والصحافيين. وجد هؤلاء أنفسهم في كوكب ثانٍ. لا رصاص ولا متاريس. لا مطابع ولا صحافة حرّة. بلادٌ هادئة جداً، لا تصلح للمقاتلين ولا تحدّها إسرائيل من أيّ جانب. ماذا يفعل الفدائي الفلسطيني في تونس بعيداً عن حدود الوطن المحتل؟ ماذا يفعل المثقف الفلسطيني العضوي بعيداً عن المعركة؟ أنهى الخروج القسري مجتمع الثورة الذي تشكل في بيروت منذ بداية السبعينيات، وأسس لشتاتٍ جديد في تونس. كانت مرحلة التشظي الاجتماعي الفلسطيني.

بيروت، التي اشتهاها الفدائيون والشعراء
"وجدنا أنفسنا مقاتلين بلا معركة، نرتدي ملابس نظيفة بدلاً من بدلة الكاكي، ولا نحمل كلاشنيكوف، كانت غربةً مرّةً، لم أتوقع يوماً أن أعيش بعيداً عن الطخّ، بعيداً عن فلسطين". هكذا يصف أحمد الحيج (بن بلة) حاله بعد الوصول إلى تونس، خريف العام 1982. كان لبنان آخر ساحات الإحتكاك بين المقاومة والاحتلال، وكان الخروج إلى تونس يعني نهاية الكفاح المسلح، مهما حاولت القيادة الفلسطينية، يومذاك، إعطاء مبررات لابتعادها عن دول الطوق، فقد كشفت السنوات اللاحقة أن اختيار المحطة التونسية لم يكن عبثاً. لم يكن الأمر يحتاج كثيراً من الذكاء والثقافة، فالمقاتل البسيط كان يدرك ذلك.
في هذا السياق تماماً، يضيف بن بلة، وهو مرافق أبو إياد والعضو بـ "منظمة أيلول الأسود": "عندما صعدت السفينة مغادراً بيروت بصحبة أبو إياد، وكانت وجهتنا يومذاك ميناء اللاذقية السوري، طلبت منا القوات الغربية، التي كانت تؤمن عملية الخروج، وضع بنادقنا في مخازن السفينة. رميت بندقيتي، وأدركت عندها أن الثورة انتهت فعلياً. مرّ أمامي شريط الأحداث الطويل، منذ تركت صفوف كلية فيصل العسكرية في الأردن وانخرطت في الثورة، أًمنّي النفس، يومها، بالعودة إلى بلدتي صوريف المحتلة في الخليل. في تلك اللحظة، شعرت للمرة الأولى بأن الطريق إلى فلسطين بعيد جداً. في هذا الشريط الطويل والدامي، كانت بيروت أحلى المراحل وأجملها. بيروت المدينة التي احتضنتنا يوم تخلى عنا الجميع. بيروت التي التفت حولنا كالأم الحنون يوم طلب منا أخوة العروبة بأن ننتحر داخل أسوارها، ثم وصفونا بالخراف".
كذلك كانت الحال بالنسبة إلى مثقفي الثورة وشعرائها، إذ كانت الساحة البيروتية منبعاً للإبداع ومتنفساً. كانت ساحة جذب للمتمردين العرب، يأتونها هرباً من أعين الرقيب ورجال المخابرات ودعماً للفدائي الفلسطيني. الشاعر السوري، هادي دانيال كان من بين هؤلاء الذين زحفوا إلى بيروت بعد وصول "منظمة التحرير الفلسطينية" مطلع سبعينيات القرن الماضي. قدم إليها مندهشاً وخرج منها غريباً: "عندما توجّهت بمحض إرادتي من سوريا إلى لبنان ولكن في الوقت نفسه متَفَلّتاً مِن ظلال كثيفة لسلطة مركّبة أحِسّ بثَقَلها ولا أعيها كشاعر في سنِّ المراهقَة يشعر أن المكان (على الرّغمِ من احتفائه بموهبته الواعدة) يزداد ضيقاً ويكاد يكسر أجنحة طُموحاته الجامحة، كانَ شعوراً حاداً بالغربة يتملَّكني. وفي بيروت التي دخلتها من بوّابة الفاكهاني مُجَمَّع مكاتب فصائل الثورة الفلسطينيّة – قبلَ عامين مِن بدءِ "الحرب الأهليّة" – لم أفرد جناحيّ اللذين نبتا في دمشق فقط بل نبتت لي أجنحة إضافيّة. قبل الحرب، عشت عامين مِن الدّهشة المُتواصلة، دهشة المغامرة الشاملة". ويضيف دانيال: "في مجتمع صاخب بنداءات الحريّة والتّحرّر، مجتمع استجاب تلقائيّاً لنزوعاتي الفرديّة بل حرّرني لاحقاً ممّا علق تحت جلدي من لواجم مجتمعي الأصليّ. لا أستطيع أن أسمّي هذا المجتمع الجديد باللبناني أو الفلسطيني لأنّه كان فقط "مجتمع الثورة بكيميائها الخاصّة التي مزجت جميع روافدها المحليّة والإقليميّة والدوليّة" وحتى في إبّان الحرب الأهلية اللبنانيّة كنّا نشعر أننا في صلب الحياة وقلب العالم وأنّ العالم يأتي إلينا بما ينتجه ويهجس به فكريا وإبداعيا إلى جانب أنواع التبوغ والخمور والأزياء إلخ.. على الرغم من أشكال الموت والحصار، ولقد كان لبيروت رائحة مسكرة تحفّز الخيال والحبر. هناك، تلمّست بحواسّي كلّها الحريّةَ ككائن فرد محتف بذاته ويهبها بشغف لقضيّة الجّماعة، وَكمبدع شاب لا لاجم لطموحه الشعريّ غير أوهامه السياسيّة الأيديولوجيّة آنذاك".

التعامل مع الواقع: مثلان
عندما خرجت "منظمة التحرير" من الأردن إلى لبنان في أعقاب أحداث "أيلول الأسود"، لم يكن التحوّل الإجتماعيّ جذرياً، لجهة أن الانتقال حدث من بيئة مشرقية شامية إلى بيئة مشابهة تماماً مع اختلافات طفيفة تتعلق بطبيعة النظام السياسي. لم يواجه الفلسطينيون في لبنان مشكلات على مستوى اللغة والعادات، ولا حتى في أنواع الطعام. في لبنان، كانت المخيمات الفلسطينية وسكانها وطناً صغيراً، لا يشعر فيه الفدائي بالغربة. في تونس، وجد الفلسطينيون أنفسهم غرباء في مجتمع مختلفٍ جذرياً، على الرغم من الحب الذي وجدوه. يقول أحمد الحيج (بن بلة): "ولأن الانسان الفلسطيني لم يتعود على الاحترام والتقدير من أجهزة القمع العربية، فكانوا ولا زالوا يتندرون ويتحدثون وكأنهم في حلم. كيف يبتسم لهم رجال الأمن التونسيون ويحترمونهم ويقدرونهم ويرحبون بهم رغم أنهم في بعض الاحيان مخطئون أو متجاوزون للإشارات الضوئية او دخلوا في صراع مع اولاد توانسة. إلا ان الشرطة تقول للتونسيين إنهم أحبابنا وضيوفنا وإخواننا الفلسطينيون سامحوهم ورحبوا بهم". لكن هذا الحب لم يمنع مشاعر الغربة والوحشة التي ألمّت بكلّ من تمّ انتزاعه من بيروت غصباً. ما دفع بالكثيرين إلى البحث عن حضنٍ جديد ينتشلهم من الضياع النفسيّ والفراغ الذي تركته في أنفسهم وأرواحهم بيروت وشوارعها ومتاريسها.

أحمد بن بيلا، المقاتل المشاغب، شارك في صولات "منظمة أيلول الأسود" وواجه الاجتياح الإسرائيلي مقاتلاً ومراسلاً حربيا في "صوت فلسطين". وجد نفسه وحيداً في تونس، ينهشه الفراغ فهو لا يحسن سوى إطلاق الرصاص على العدو. يقول بن بيلا: "كنت قد عقدت العزم على العودة باي وسيلة الى لبنان واستمرار التواصل النضالي مع أقرب النقاط من حدود الوطن. وفي جلسات متواصلة ليلاً مع الاخ أبو إياد في بيروت، كنا قد تدارسنا إعداد خطة تنظيمية لإعادة إحياء النضال الفلسطيني كما تصورناها، وتم الاتفاق على أن نتخذ مراكزاً للتدريب والاعداد. وما إن أصبحنا على متن الباخرة المتوجهة من ميناء بيروت الى ميناء اللاذقية، حتى همس لي أبو إياد قائلاً: "يا بن بيلا انسى كل ما قلناه في بيروت، قدرنا مواصلة النضال السياسي من الخارج". فأدركت أن مرحلتي قد انتهت وانني كبقية رفاق السلاح أصبحنا لا شيء. كنت قبل ذلك لا أفكر في الاستقرار والزواج وتكوين عائلة، إذ لم أكن أملك حياتين، وحياتي نذرتها للثورة. توقّف الكفاح المسلح دفعني للتفكير مجدداً في الزواج. كنت أبحث عن وطن صغير أستقر فيه ريثما أعود إلى فلسطين".

ويروي بن بيلا قصة زواجه العجيبة قائلاً: "يعود أصل الحكاية الى الفترة التي كنت فيها قائداً لعملية ابو داود في الأردن وحُكمنا بالإعدام ثم المؤبد، وكانت غايتنا يومذاك قلب النظام في العام 1973. وانا في الزنزانة رقم 7 في مبنى المخابرات الأردنية في العبدلي، جاءني ليلاً صوت هاتف في الرؤيا قال لي يا أحمد هذه نجوى زوجتك. ورأيت فتاة ذات شعر طويل يغطي وجهها وكامل صدرها. وما إن رفعت رأسها حتى ارتسمت في ذاكرتي صورة وجهها. لاحقاً، خرجت من السجن وغادرت الأردن هروباً إلى الجولان ومنها إلى جنوب لبنان متخفياً. جرت مياه كثيرة تحت الجسور، وكنت خلالها باحثاً عن نجوى التي شاهدتها في الرؤيا، مسلماً بأنها قدري وزوجتي التي لا مهرب منها. بعد وصولي إلى تونس، التقيت بالفتاة! كانت تعمل في الاذاعة والتلفزيون التونسي، جاءت باحثةً عن تسجيلات وأغاني وطنية فلسطينية، فارشدوها الى بن بيلا لأنني كنت احمل معي من بيروت الاناشيد الوطنية للإذاعة حيث عملت مراسلاً عسكرياً. وبعد دقائق معدودة من اللقاء والتأكد من سنها وطول شعرها ووجهها الذي كان منطبقاً تماماً مع الرؤيا التي شاهدتها في زنزانتي عام 1973، لم أتأخر لحظة ففاجأتها بالقول: "شو رأيك نتزوج؟" "كانت قدري وما زالت".

بالنسبة إلى هادي دانيال، كان الاندماج قسرياً، تماماً كما كان الخروج من بيروت والتوجه إلى تونس. كان، في لحظة وصوله كما وصف نفسه، كقصبة جَوفاء في مهبّ رياح غربة عاتية. يقول دانيال: "أردت أن ألتصق بالمجتمع الجديد "بالقوة"، فدخلت في حوار مع المشهد الثقافي التونسيّ كانت من أولى نتائجه زواجي من شاعرة تونسية بعد أشهر من التعرّف عليها. واستمرّت حياتي في تونس بعدما انفصلت عن زوجتي. استمرّت ليس لأنني تمكنت من الاندماج اجتماعيا وثقافيا، فأنا ما زلت وسأبقى يتيم مجتمع الثورة ذاك (في الفاكهاني) لأنّني حتى عندما عدت إلى سوريا سنة 2004 بعد 30 سنة من الغياب، شعرت باختلال في توازني وبغربة اجتماعية مُرّة بين أهلي تماما كالشعور الذي انتابني في تونس سنة 1982. ولكن قدرتي على الاستمرار في تونس يُغذّيها أن الدولة والمجتمع التونسيين يتيحان لك إمكانية أن تعيش وحدك لا شأن لأحد بك ما دمت تؤمّن مصاريف حياتك اليوميّة من خارج الحدود التونسيّة ولا تتدخّل في شؤونهم. فأنا في تونس أعيش كسائح منذ 34 عاماً، أحترم قوانين البلاد وفي منأى عن أوساطها الثقافية والسياسيّة، وفي كل عام أجدّد إقامتي عند السلطات التونسيّة".

2016/04/02

الاشتراكية الاسلاميه ومذاهبها

صبري محمد خليل

تعريف: الاشتراكية الاسلاميه هي مذهب في الفكر الاقتصادي والاجتماعي الاسلامى الحديث والمعاصر، يدعو إلى الالتزام بنظام اقتصادي اشتراكي، يتسق – أو لا يتعارض- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الاسلامى الكلية ، فهو يقوم ضمنيا على أساس انه لا يوجد تعارض " مطلق" بين الإسلام كدين ، والاشتراكية كنظام اقتصادي.

تعدد دلالات مصطلح الاشتراكية: لكل مصطلح دلالات (معاني) متعددة : فهناك دلالته العامة اى المصطلح كمفهوم مجرد ، وهناك دلالته الخاصة اى ما يكتسبه المصطلح من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا، وهناك دلالته المشتركة اى المعنى الذي تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ( بصرف النظر عن أوجه الاختلاف بينها) ، وهناك دلالته المنفردة اى المعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معينين وبالتالي تتعدد بتعدد هذه الفلسفات والمناهج.فإذا تناولنا مصطلح الاشتراكية نجد أن له دلاله عامه- مشتركه تتمثل في الاشتراكية كمفهوم مجرد ، تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج، ومضمونها التحرر من القهر الاقتصادي وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج، والتخطيط الاقتصادي والملكية العامة لوسائل الإنتاج الاساسيه....كما أن له دلاله خاصة - منفردة تتمثل في تطبيق مفهوم الاشتراكية في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا، وطبقا لمعنى تفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين من مصطلح اشتراكيه.

المواقف المتعددة من الاشتراكية: استنادا إلى ما سبق ذكره، من تعدد في دلالات مصطلح الاشتراكية، فان هناك ثلاثة مواقف أساسيه من الاشتراكية، تقوم على موقف معين من هذه الدلالات المتعددة .

أولا: القبول المطلق (التغريب): هو موقف يقوم على القبول المطلق للاشتراكية ، اى قبول كافه دلالات مصطلح الاشتراكية، دون تمييز بين دلالاتها المتعددة،سواء كانت ايجابية أو سلبيه . وهو موقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وبالتالي فهو موقف يستند إلى التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد التي جاء بها الإسلام بمفاهيم وقيم وقواعد أخرى.

ثانيا:الرفض المطلق (التقليد): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق للاشتراكية، اى رفض كافه دلالات مصطلح الاشتراكية، دون تمييز بين دلالاتها الايجابية والسلبية . وهو موقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يكون بالعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه، فهو لا يميز بين أصول الدين النصية الثابتة وفروعه الاجتهادية المتغيرة ...وهنا نلاحظ أن الموقف الثاني " الرفض المطلق " كان أساسا رد فعل على الموقف الثاني" القبول المطلق"، .إلا أن الموقفين- رغم تناقضهما في المقدمات إلا إنهما ينتهيان إلى نفس النتيجة ، وهى أن هناك تناقض "مطلق" الإسلام والاشتراكية ،ولا يمكن إلغاء هذا التناقض إلا بإلغاء الأول " كما في الموقف الأول" ، أو إلغاء الثانية "كما في الموقف الثاني".

ثالثا: الموقف النقدي (التجديد): وهو الموقف الذي يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق إلى موقف نقدي من الاشتراكية، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح الاشتراكية ، فيرى أن الإسلام كدين - لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الاشتراكية، اى التحرر من القهر الاقتصادي وسيطره الشعب على وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي والملكية ألعامه لوسائل الإنتاج الاساسيه، لأن الإسلام كدين قائم – على مستوى أصوله النصية الثابتة – على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للمال ( وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(المائدة: 17)، وأن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع به، أما الفرد فوكيل عنها في الانتفاع به على وجه لا يتناقض مع مصلحتها (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد: 7) ، أما الدلالة الخاصة المنفردة لمصطلح الاشتراكية، فيرى هذا الموقف أن الموقف الصحيح منها هو على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما. هذا الموقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام ،التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.وهذا الموقف هو الموقف الذي تستند إليه الاشتراكية الاسلاميه بمذاهبها المتعددة ، لأنها- كما سبق ذكره - مذهب في الفكر الاقتصادي والاجتماعي الاسلامى الحديث والمعاصر ، يقوم ضمنيا على انه ليس ثمة تناقض "مطلق" بين الإسلام والاشتراكية،اى تناقض بين الإسلام وكل دلالات مصطلح الاشتراكية، وان كان من الممكن وجود تناقض "محدود" بينهما ، اى تناقض بين الإسلام وبعض دلالات مصطلح الاشتراكية ، وهو ما يمكن إلغائه بأخذ الدلالات إلى تتناقص مع الإسلام، ورد الدلالات التي تتناقض معه.
الاشتراكية الاسلاميه بين الوحدة والتعدد: و الاشتراكية الاسلاميه مذهب يتصف بالوحدة ، من جهة دعوته إلى الالتزام بنظام اقتصادي اشتراكي، يتسق – أو لا يتعارض- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الاسلامى الكلية ، فانه يتصف بالتعدد من جهة تحديد خصائص هذا النظام الاقتصادي الاشتراكي، وبيان كيفيه اتساقه - أو عدم تعارضه- مع الإسلام كدين، فهي هنا تتضمن العديد من المذاهب ،وفيما يلي نعرض لأهم هذه المذاهب:

مذهب الإمام جمال الدين الافغانى: يعبر الإمام جمال الدين الافغانى عن موقفه الايجابي من الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الاشتراكية، من خلال تقريره في خاطراته أن الاشتراكية هي التي ستؤدي حقاً مهضوماً لأكثرية من الشعب العامل. واتساقا مع هذا الموقف الايجابي يقرر أن هذه الدلالة لا تتعارض مع الإسلام كدين من خلال تقريره أن الاشتراكية منبعها الإسلام كثقافة ودين، حيث يشير إلى الإخاء الذي عقده رسول الله بين المهاجرين والأنصار، و أن الدولة العربية الإسلامية الأولى في عهد النبي وخليفتيه أبو بكر وعمر كانت بمثابة تجربة اشتراكية (أول من عمل بالاشتراكية بعد التدين بالإسلام، هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضا (الأعمال الكاملة للأفغاني، ج,1 ص.107)، كما يشير إلى أن البداوة أحد أصول الاشتراكية في الإسلام ( الاشتراكية في الإسلام.. ملتصقة في خلق أهله عندما كانوا أهل بداوة)(الخاطرات ص 234) .كما يعبر عن موقفه النقدي من الدلالة الخاصة – المنفردة لمصطلح الاشتراكية ، من خلال رفضه لكل من موقفي القبول المطلق و الرفض المطلقين ، من خلال تحفظه على الاشتراكية الغربية ، مع اتخاذه موقفاً رافضا للذين يكفرون مناصري الاشتراكية ويخرجونهم من الملة، حيث يجيب على سؤال لأحد مجالسيه عن تكفير مشايخ الإسلام للاشتراكية، بأن الاشتراكية وإن قل ناصروها اليوم فإنها ستسود العالم عندما يعم العلم الصحيح ويشعر البشر بأنهم إخوة، وأن التفاضل بالأنفع للمجموع وليس بالسلطان السياسي أو المالي أوالعسكر وإنما يحتاج الأمر إلى الشجاعة والبسالة والجهر بالحق ...) (جمال الدين الأفغاني – حسن حنفي ص.113).

مذهب الإمام حسن البنا: أشار الإمام حسن ألبنا إلى وجوب التزام المسلمين بالعدل الاجتماعي في الكثير من النصوص ،حيث يقول ( لم يقف أمر النظام الاقتصادي الإسلامي عند هذا الحد، ولكنه رسم الخطط الأساسية للتقريب بين الطبقات، فانتقص من مال الغنى بما يزكيه ويطهره وينقيه ويكسبه القلوب والمحامد، وزهّده في الترف والخيلاء، ورغّبه في الصدقة والإحسان، وأجزل له في ذلك المثوبة والعطاء، وقرر للفقير حقًّا معلومًا، وجعله في كفالة الدولة أولاً، وفى كفالة الأقارب ثانيًا، وفى كفالة المجتمع بعد ذلك. ثم قرر بعد هذا صور التعامل النافع للفرد الحافظ للجماعة تقريرًا عجيبًا في دقته وشموله وآثاره ونتائجه، وأقام الضمير الإنساني مهيمنًا عليها من وراء هذه الصور الظاهرية. كل هذا بعض ما وضع الإسلام من قواعد ينظم بها شأن الحياة الاقتصادية للمؤمنين، وقد فصلت الحياة التقليدية الممسوخة التي يحياها الناس في هذه الأعصار بين الاقتصاد والإسلام، فقمتم أنتم ومن أهدافكم وأغراضكم الإصلاح الاقتصادي بتنمية الثروة القومية وحمايتها، والعمل على رفع مستوى المعيشة، والتقريب بين الطبقات، وتوفير العدالة الاجتماعية، والتأمين الكامل للمواطنين جميعًا، وإقرار الأوضاع التي جاء بها الإسلام في ذلك كله) ( مؤتمر رؤساء المناطق والشعب عام 1945 ). كما يقرر اسبقيه الإسلام للنظريات الاشتراكية الغربية في الدعوة إلى العدالة الاجتماعية (... وإذا كانت الثورة الروسية قاربت بين الطبقات، وأعلنت العدالة الاجتماعية في الناس؛ فإن الثورة الإسلامية الكبرى قد أقرت ذلك كله من قبل ألف وسبعمائة سنة، ولكنها سبقت سبقًا لن تلحق فيه في أنها جملت ذلك وزينته بالصدق والعمل؛ فلم تقف عند حدود النظريات الفلسفية، ولكن أشاعت هذه المبادئ في الحياة اليومية العملية، وأضافت إليه بعد ذلك السمو بالإنسان واستكمال فضائله ونزعاته الروحية والنفسانية؛ لينعم في الحياتين، ويظفر بالسعادتين، وأقامت على ذلك كله حراسًا أشداء أقوياء من يقظة الضمير، ومعرفة الله وصرامة الجزاء وعدالة القانون)، اتساقا مع ما سبق يرى الإمام حسن ألبنا أن روح الإسلام توجب علينا القيام بعدد من الإجراءات، التي لا تخرج عن إطار الدلالة العامة المشتركة للاشتراكية، كاعاده النظر في الملكيات وتنظيم الضرائب الاجتماعية... حيث يقول في ص 349 من رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي ( توجب علينا روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي أن نعيد النظر في نظام الملكيات في مصر ، فنختصر الملكيات الكبيرة ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع)، ويقول( وتوجب علينا روح الإسلام في تشريعه الاقتصادي أن نبادر بتنظيم الضرائب الاجتماعية وأولها الزكاة (. بالاضافه الى ما سبق فقد استخدمت وثائق جماعه الإخوان المسلمين في عهد الإمام المؤسس مصطلح" الاشتراكية الاسلاميه" ،ورد فى الاجتماع السنوي العاشر جمعية الإخوان العمومية عام1946 يعلن المجتمعون أن الإخوان المسلمين ليسوا حزبًا غايته الوصول إلى الحكم، ولكنهم هيئة تعمل لتحقيق رسالة إصلاحية شاملة ترتكز على تعاليم الإسلام الحنيف، تتناول كل نواحي الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي، وتسلك إلى كل ناحية سبيلها القانونية شكلاً وموضوعًا. يقرر المجتمعون أن الوضع الاجتماعي في مصر أمام التطورات العالمية والضرورات الاقتصادية وضع فاسد لا يحتمل ولا يطاق، وأن على المركز العامل للإخوان المسلمين أن يعلن برنامجه المفصل لإصلاح هذا الوضع، ولرفع مستوى الشعب أدبيًّا بالتربية والثقافة، وروحيًّا بالتدين والفضيلة، وماديًّا برفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تفرضها الاشتراكية الإسلامية، والتي يحيا في ظلها العامل والفلاح والزارع والتاجر وكل مواطن حياة مريحة كريمة، ويعمل على تنفيذه في حزم وإسراع ) ( الإخوان والعدالة الاجتماعية/ السعيد رمضان /موقع الموسوعة الإخوانية “أخوان وبكى )

مذهب الشيخ محمد الغزالي : يقرر الشيخ محمد الغزالي عدم تناقض الدلالة ألعامه المشتركة لمصطلح الاشتراكية مع الإسلام كدين من خلال تقريره (إن الإسلام أخوة في الدين واشتراكية في الدنيا ((الإسلام والاشتراكية ، ص 183)،وكذلك تقريره ( أن أبا ذرٍّ كان اشتراكيا وأنه استقى نزعته الاشتراكية من النبي صلى الله عليه و سلم )( الإسلام المفترى عليه ، ص 103) . كما يتخذ موقفا نقديا من الدلالة الخاصة المنفردة من الاشتراكية، يتمثل في قبول ما وافق أصول الدين، وواقع المجتمعات المسلمة ورفض ما خالفهما ، حيث يقوله (وأرى أن بلوغ هذه الأهداف يستلزم أن نقتبس من التفاصيل التي وضعتها الاشتراكية الحديثة مثلما اقتبسنا صورا لا تزال مقتضبة - من الديمقراطية الحديثة - ما دام ذلك في نطاق ما يعرف من عقائد وقواعد، وفي مقدمة ما نرى الإسراع بتطبيقه في هذه الميادين تقييد الملكيات الكبرى وتأميم المرافق العامة)( الإسلام المفترى عليه، ص 66 (..مذهب الشيخ محمد السباعي: أما الشيخ مصطفى السباعي فيقرر عدم تناقض الدلالة العامة – المشتركة لمصطلح الاشتراكية من الإسلام كدين من خلال استخدامه لمصطلح" اشتراكيه الإسلام " حيث يقول( لقد سميت القوانين والأحكام التي جاءت في الإسلام لتنظيم التملك وتحقيق التكافل الاجتماعي باشتراكية الإسلام) (مصطفى السباعي ، اشتراكيه الإسلام)، وكذلك من خلال تحديده خصائص اشتراكية الإسلام حيث يقول (...ان اشتراكية الإسلام ليست اشتراكية الدراويش والزهاد، كبعض الصوفية وفقراء الهنود، الذين ينفرون من المال والتملك، جبنًا منهم عن تحمل أعباء الحياة ومسؤولياتها، وإنما هي اشتراكية حضارية إيجابية بناءة، تقيم أكمل مجتمع حضاري متمدن. وان اشتراكية الإسلام تحارب الفقر والجهل والمرض والخوف والمهانة. وان مستوى المعيشة في اشتراكية الإسلام مستوى مرتفع. وان اشتراكية الإسلام تشرك الشعب مع الدولة في تحقيق التكافل الاجتماعي، كما في نظام نفقات الأقارب. وان اشتراكية الإسلام تحارب الترف والبذخ واللهو الماجن في السلم والحرب. وان اشتراكية الإسلام تُخضع الحكومة لإرادة الشعب، لا العكس. وان اشتراكية الإسلام توسّع دائرة التكافل الاجتماعي، ومن ثم فهي أكثر ضمانًا لكرامة الإنسان وسعادته. وان اشتراكية الإسلام ليست نظرية ولا عاطفية، بل هي عملية. كما يحدد الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الرأسمالية فى انهما يتفقان في إعطاء الفرد حق التملك، والتنافس في الإنتاج. ويختلفان في أن حق التملك في اشتراكية الإسلام يخضع لمصلحة الجماعة، وفي الرأسمالية تخضع الجماعة لمصلحة رأس المال. كما يختلفان في أن التنافس في الاشتراكية الإسلامية يشيع الحب والتعاون في المجتمع، وفي الرأسمالية يشيع العداء والخلاف والاضطراب. وان الرأسمالية ملطخة بدماء الشعوب، والاستعمار، والاستعباد، واللصوصية، والاستغلال، ولاشيء من هذا في اشتراكية الإسلام).. أما موقفه النقدي من الدلالة الخاصة المنفردة للاشتراكية فيتمثل في تحديده الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الشيوعية والتي حددها في النقاط التالية: ان اشتراكية الإسلام تنسجم مع الفطرة الإنسانية في إباحة الملكية الشخصية. وان اشتراكية الإسلام تبيح التنافس، أما الشيوعية فترى أنه يجرّ البلاء على المجتمع. وان اشتراكية الإسلام تقوم على التعاون، والشيوعية تقوم على الصراع وحرب الطبقات، مما يؤدي إلى الحقد. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الأخلاق،بخلاف الماركسية. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الشورى، والشيوعية تقوم على الاستبداد والدكتاتورية والإرهاب.

مذهب سيد قطب: أما سيد قطب فيرفض موقفي الرفض المطلق و القبول المطلق للاشتراكية ،ويتبنى موقفا نقديا منها ، قائم على اخذ ما وافق الإسلام ورد ما تعارض معه ، حيث يقول(فإذا انتهينا من وسيلة التوجيه الفكري ، بقيت أمامنا وسيلة التشريع القانوني لتحقيق حياة إسلامية صحيحة تكفل فيها العدالة الاجتماعية للجميع . وفي هذا المجال لا يجوز أن نقف عند مجرد ما تم في الحياة الإسلامية الأولى، بل يجب الانتفاع بكافة الممكنات التي تتيحها مبادئ الإسلام العامة وقواعده المجملة. فكل ما أتمته البشرية من تشريعات ونظم اجتماعية ولا تخالف أصوله أصول الإسلام ، ولا تصطدم بفكرته عن الحياة والناس ، يجب أن لا نحجم عن الانتفاع به عند وضع تشريعاتنا، ما دام يحقق مصلحة شرعية للمجتمع أو يدفع مضرة متوقعة . ولنا في مبدأ المصالح المرسلة ومبدأ سد الذرائع ، وهما مبدآن إسلاميان صريحان ما يمنح ولي الأمر سلطة واسعة لتحقيق المصالح العامة في كل زمان ومكان) (العدالة الاجتماعية، ص 261 ، الطبعة الخامسة) .وقوله في كتابه( معركة الإسلام والرأسمالية ، ص44 ) ( بل في يد الدولة أن تنزع الملكيات والثروات جميعـًا، وتعيد توزيعها على أساس جديد، ولو كانت هذه الملكيّات قد قامت على الأسس التي يغترف بها الإسلام ونمت بالوسائل التي يبررها لأن دفع الضرر عن المجتمع كله أو اتقاء الأضرار المتوقعة لهذا المجتمع أولى بالرعاية من حقوق الأفراد). وقوله فى نفس الكتاب (ص 61 ) ( ولابدَّ للإسلام أن يحكم لأنه العقيدة الوحيدة الإيجابية الإنشائية التي تصوغ من المسيحية والشيوعية معاً مزيجاً كاملاً يتضمن أهدافهما جميعاً ويزيد عليهما التوازن والتناسق والاعتدال).

مذهب عبد المنعم محمد خلاف : أما عبد المنعم محمد خلاف فيقرر أن الاشتراكية كلمه إسلاميه لفظا ومضمونا ، وأنها اشتقت من لفظ عربي استعمله نبي الإسلام والمسلمون من بعده ، في المعنى الذي يريده من نفس التسمية الغربيون والشرقيون ، وهو الملكية المشتركة للمصادر الاساسيه للأموال، وذلك في قول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلاء والنار)، وفى قول أبى عبيد صاحب كتاب الأموال( أن عمر رأى أن كل المسلمين في هذا المال شركاء)(عبد المنعم محمد خلاف ، المادية الاسلاميه وأبعادها، دار المعارف، طبعه ثانيه، ص130).

الاشتراكية الإسلامية عند المفكر الاسلامى السوداني الأستاذ / بابكر كرار:

استمداد النزعة الاشتراكية من الإسلام: يرى الأستاذ / بابكر كرار( أن التيارات التقدمية والثورية في بلادنا تستمد نزعتها الاشتراكية من الإسلام ومن ثورتنا الكبرى ومن الثورة الاشتراكية العالمية، فالإسلام يقوم في أصوله الأولى على الإيمان بالله والحرية الفردية ووحده البشرية و احترام العمل و مساواة المراه و رعاية اليتامى والفقراء وتحريم الاستغلال والاحتكار والسرقة..)(ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا).

التمييز بين الاستخلاف والملكية : وعند إشارة الأستاذ / بابكر كرار إلى الفكر الاسلامى وموقفه من المال يميز بين نظريه الاستخلاف"الاسلاميه" وانطوائياتها الفكرية والروحية والاخلاقيه والتشريعية، ونظريه الملكية "الراسماليه" وانطوائياتها الفكرية والروحية والاخلاقيه والتشريعية ( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا، ص 185).ولعله بهذا التمييز يعتبر ان نظريه الاستخلاف تشكل الأساس الفكري للاشتراكية الاسلاميه .دلالتا مصطلح الاشتراكية العلمية: وقد استخدم الأستاذ بابكر كرار مصطلح الاشتراكية العلمية في العديد من كتاباته ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يتحدث في كتاب (ميثاقنا ونهوض الثوري ببلادنا) عن اللقاء التاريخي بين الاشتراكية العلمية والشريعة الاسلاميه ( ميثاقنا ،ط2، 1986، الخرطوم ، ص178)، وهذا الاستخدام لهذا المصطلح أدى إلى اتهامه من قبل البعض بأنه يتبنى الشيوعية "الماركسية " ،وهو غير صحيح ، حيث أن للمصطلح دلالتين:الدلالة الأولى: تعنى الماركسية مقابل الاشتراكيات الطوباوية السابقة عليها لأنها كانت خياليه وغير واقعيه ، وهى دلاله تاريخية، الدلالة الثانية تعنى انتهاج البحث العلمي سبيلا إلى الاشتراكية فكرا وتطبيقا)(د.عصمت سيف الدوله ، النظرية، ج2، ص254)، وهى الدلالة التي كان بقصدها الأستاذ بابكر كرار عند استخدامه لهذا المصطلح.

الموقف النقدي من الماركسية: فقد تجاوز الأستاذ/ بابكر كرار موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق للماركسية - باعتبارها إحدى الدلالات الخاصة لمصطلح الاشتراكية – واتخذ منها موقف نقدي ، يأخذ ايجابياتها ويرفض سلبياتها، ويعبر عن ذلك بقوله :ان فضائل الماركسية موجبات في الإسلام (ندوة بنادى العروبة بطرابلس عام 1975م).

مواقع النقص فى التيار الاشتراكي: كما يرى الاستاذ / بابكر كرار ان مواقع النقض في التيار الاشتراكي هي :عدم تشبع التيار الاشتراكي بالوعي الاسلامى ، وضعف وعى هذا التيار بضرورة توطيد الديموقراطيه وحكم القانون، عجزه عن رؤية القضايا الاساسيه في الثورة السودانية رؤية موضوعيه تقدمه ذات أفاق قوميه)( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا ،الخرطوم 1986، طبعه ثانيه، ص 14 -34).

أوجه الاختلاف بين الاتجاهات الاشتراكية والشيوعية"الماركسية" :كما يشير الأستاذ/ بابكر كرار إلى أوجه الاختلاف بين الاتجاهات الاشتراكية المتعددة – ومنها الاتجاه الاشتراكي الديني / الاسلامى - والشيوعية"الماركسية" ويحددها في الاتى:أولا: الشيوعيين يستندون عقائديا إلى المادية الفلسفية، والتي يستخرج الشيوعيين منها بالضرورة نتائج الحادية، تجعلهم تلقائيا في موقف عدائي للأديان كلها ، بينما الاشتراكيون يرفضون المادية الفلسفية، ومن ثم لا يجعلون الإلحاد ومعاداة الأديان شرطين جوهرين لإيمانهم بالاشتراكية . ثانيا: الشيوعيين يؤمنون بالتغيير المادي وحده للتاريخ ،والاشتراكيون لا يرفضون المؤثرات الماديه، وإنما يفسرون التاريخ فى ضوء الأسباب المادية والنفسية معا . ثالثا:الأحزاب الشيوعية تؤمن بالدور الطليعي الحتمي للحزب الشيوعي في قياده الطبقة العاملة...أما الاشتراكيون فيرفضون حتمية الدور الطليعي للحزب الشيوعي ودكتاتوريه البروليتاريا...ويرون أن الطرق المؤدية للاشتراكية متعددة. رابعا :الشيوعيين يؤمنون بان الطريق الاساسى للاشتراكية هو الثورة ألمسلحه والعنف. أما الاشتراكيون فإنهم يرفضون طريق الثورة المسلحة، ويؤمنون أن الطريق الاساسى للاشتراكية هو الطريق السلمي –الديموقراطى (الاختلافات الاساسيه بين الاشتراكية الديموقراطيه والشيوعية/ الخرطوم / مطبعه مصر "سودان" /1966 ).

الموقف الايجابي من الحركة العمالية ومنظماتها النقابية: انطلاقا من موقفه الاشتراكي الإسلامي اتخذ الأستاذ بابكر كرار موقف ايجابي من الحركة العمالية ومنظماتها الديموقراطيه "النقابية " ، حيث يرى أن الوعي الجديد بالإسلام، في مواقفه من القضايا الاجتماعية الاساسيه: قضايا الفكر والعمل والقيم الاخلاقيه والعدالة والتشريع ، عندما ينتقل هذا الوعي الجديد من المعاهد والمحاكم ، إلى القاعدة الجماهيرية العريضة ومنظماتها الجماهيرية والديموقراطيه ،يتحول هذا الوعي إلى قوه سياسيه جديدة، تحبط كل الأساليب التي درجت الدوائر الاستعمارية والرجعية على استخدامها لتضليل الجماهير ، وتصدع وحدتها ، ويسلح هذا الوعي الجديد الجماهير بطاقات جبارة، وبوعي عميق بضرورة القيم الروحية والاخلاقيه ، التي يجب أن يرتفع إليها التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والتشريع والقوانين وأحكام القضاء (ميثاقنا ، ص 188).

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر