الراصد القديم

2017/11/01

متغيرات السلطة والمعارضة في الوطن العربي



إبراهيم أبراش

لم تقتصر تداعيات الأحداث التي يشهدها العالم العربي في السنوات الأخيرة على الواقع السياسي والجيوبولتيك بل تجاوزتهما لتُحدِث تغييرا بل انقلابا مفاهيمياً في قضايا مفصلية للمجال السياسي وخصوصا : الدولة الوطنية، السيادة الثورة ، الديمقراطية والمشاركة السياسية ، والمعارضة السياسية.. فالتغيير هنا لم يقتصر على المفاهيم والتصورات المُسبقة بل يتعداها إلى الأدوار والأولويات .

ما سنقاربه في هذه المقالة هو التغيير أو التحول في مفهوم المعارضة ودورها السياسي، ذلك لأن معادلة السلطة ليست أحادية الجانب بل لها وجه آخر وهو المعارضة . وهكذا وكأنها مُسَلَمة أو حقيقة لا تقبل النقاش فقد وقَر في عقل ووجدان الجماهير الشعبية صورة نمطية عن النظام السياسي والسلطة ، حيث يتداخل مفهوم النظام السياسي والسلطة والحكومة كشيء واحد ، وهم عالم الشر والفساد ،في المقابل تتموقع المعارضة كحالة مضادة ومعادية للنظام وهي عالم الخير والفضيلة وتمثل كل ما يطمح له الشعب ويتصوره من حرص على المصلحة الوطنية والمصداقية والطهرية السياسية والنبل والأخلاق الخ .

انطلاقا من هذا التصور المُسبق ،فعند إصدار أحكام أو عمل تقييم لنظام الحكم في دولة عربية ما من حيث مدى التزامه بالمعايير والقيم الديمقراطية و بمصلحة الشعب أن يقتصر التقييم والحكم على السلطة القائمة ونخبتها ،مع تجاهل الوجه الآخر من معادلة السلطة وهو قوى المعارضة ومدى استعدادها لتولى السلطة ومدى أهليتها للحكم وبناء نظام سياسي أفضل مما هو قائم.

من حيث المبدأ فإن وجود استقرار نسبي في بلد ما لا يعني أن من حق النخبة الحاكمة الاستمرار في السلطة إلى ما لا نهاية بل عليها أن تُشرِك الآخرين في السلطة ومن حق المعارضة السياسية أن تستفيد من تداول ديمقراطي توافقي وسلمي على السلطة .

لكن لا تأخذ الأمور شكل الحتمية أو الضرورة بأن من حق المعارضة تولي السلطة أو المشاركة فيها انصياعا لمبدأ التغيير والتداول على السلطة ،بل هو حق مشروط بأن تكون المعارضة وطنية ديمقراطية و تملك برامج إصلاحية وتنموية أفضل مما تقدمه السلطة القائمة وأن تمنح أملا بمستقبل أفضل وتحوز على أدوات وطنية للتغيير .

عندما قال ونستون تشرشل مقولته (لو لم تكن المعارضة لخلقناها) وكرر قوله الكُتاب والسياسيون إنما كان يقصد معارضة في نظام ديمقراطي تكون أحزاب المعارضة فيه شرعية وملتزمة بالدستور وبثوابت الأمة وتمارس عملها سلميا وفي إطار القانون ، وليس أية معارضة سياسية .

فمنذ بداية فوضى ما يسمى الربيع العربي أصبح مفهوم المعارضة ملتبسا وسلبيا، حيث تسعى جماعات معارضة مسلحة لإسقاط النظام القائم دون أن تؤمن هذه الجماعات بالديمقراطية أو تمتلك برامج تنموية وإصلاحية واضحة ، هذا ناهيك أن كثيرا من هذه الجماعات مرتبطة بأجندة خارجية غير حريصة على تطبيق الديمقراطية ولا على الحفاظ على وحدة الدولة الوطنية .

أغلب هذه القوى تمارس العنف والدموية ومرتبطة بالخارج وأغلب مكوناتها لا تؤمن بالديمقراطية والشراكة السياسية ،ولم تجلب للشعوب إلا الدمار ولا تمنح أملا بمستقبل أفضل للشعوب . بالمقابل ارتفع رصيد الدولة الوطنية والسلطة القائمة لدرجة أن كثيرين من قطاعات الشعب باتت تترحم على زمن ما قبل الربيع العربي وأنظمته ، فهذه الأخيرة حتى وإن كانت غير ديمقراطية فعلى الأقل كانت تحافظ على وحدة المجتمع والدولة وتفرض الأمن والاستقرار ،وتسير في طريق تنمية وتطور حتى وإن كان بطيئا ومتدرجا .

سلوكيات أغلب قوى المعارضة غيرت كثيرا من نظرة الشعوب للسلطة وللمعارضة . لم تعد السلطة القائمة عالم الشر والفساد المطلق وأنها ضد مصالح الشعب ومعادية له ،ولم تعد المعارضة تُحيل إلى عالم الأخلاق والوطنية والتعبير عن مصالح الشعب ، حتى تهمة التبعية والخضوع للخارج التي كان يتم توجيهها للسلطة الحاكمة أصبحت اليوم موجهة لقوى المعارضة .

هذا لا يعني أننا نمنح شهادة براءة وحسن سلوك للأنظمة العربية القائمة أو التي تم إسقاطها بتدخل خارجي أو بفوضى الربيع العربي ، فالتغيير كان مطلوبا حتى باللجوء للثورة أو العنف الثوري الشعبي والوطني ،ولكن الذي جرى أن مخططي فوضى الربيع العربي صنعوا معارضات غير وطنية وغير ديمقراطية وبعضها إن لم يكن أغلبها قام على أسس طائفية ومذهبية وعرقية وعشائرية ،تعادي بعضها البعض بما لا يقل عن معاداتها لسلطة الدولة مما جعلها أكثر سوءا من الأنظمة القائمة وأكثر خطرا على الشعب والدولة من النظام نفسه .

كل ذلك لخلق الفتنة والفوضى وقطع الطريق على ارهاصات الديمقراطية والتنمية الذاتية المتدرجة من خلال الإصلاحات التي كانت تباشرها الأنظمة تدريجيا نتيجة الضغط الشعبي ،أو من خلال التغيير الذي كانت تناضل من أجله قوى المعارضة الحقيقية الديمقراطية والوطنية .

وعليه عندما تصبح المقارنة بين الأنظمة ما قبل فوضى الربيع العربي أو التي لم تصلها الفوضى من جانب وغالبية المعارضات المسلحة القائمة الآن من جانب آخر فالكفة ستميل لصالح الأولى ، وهذا هو التغيير الرئيس في مفهوم السلطة والمعارضة .

لا يعني ما سبق رفضنا لمبدأ الثورة على الأنظمة الاستبدادية والفاسدة ، فأحيانا تصبح الثورة أمرا لا مفر منه ، لكن ليس كل من حمل سلاحا يعتبر ثائرا ، وليس بالضرورة أن كل من ينتقد النظام السياسي أفضل من النظام . حتى لا تنقلب الثورة لفوضى وحرب اهلية فالأمر يحتاج لمعارضات سياسية ديمقراطية ووطنية وغير مرتهنة أو تابعة لأجندة دول أجنبية, أو لأيديولوجيات إسلاموية سلفية .

هل يمكن محو الإمبريالية من تاريخ لبنان؟

 
حسن الساحلي
 
منذ مدة، نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية مقالاً بعنوان: "لا يمكن محو الإمبريالية من تاريخ لبنان، مهما حاول البعض ذلك". السبب كان منع الرسام البريطاني، توم يونغ من عرض بعض لوحاته في مبنى دار الأيتام الإسلامية (زقاق البلاط)، وقد بررت المؤسسة المنع بعدم رغبتها في التورط في مواضيع سياسية تثير الخلافات بين اللبنانيين.

كان يفترض أن يكون موضوع معرض يونغ، هو المبنى الذي تتخذه المؤسسة مركزاً لإدارتها، والذي يعود بناؤه إلى عشرينات القرن الماضي، وعاش فيه مندوبو بريطانيا منذ العام 1941 إلى 1982. ما غاب عن الفنان المفتون بمباني بيروت القديمة، والتي كانت موضوعاً لعدد كبير من لوحاته، أن لأحد أولئك المندوبين، وهو الجنرال إدوارد سبيرز، يداً أساسية في الإستقلال اللبناني، وقد اكتشف ذلك خلال بحثه حول المبنى، ما غير مسار عمله كليًاً.

النتيجة كان من المفترض أن تكون معرضاً يضم لوحات تظهر المنزل بمواضيع مختلفة، بالإضافة إلى أخرى تظهر شخصيات زارت المكان قبيل الإستقلال، ومنهم شارل ديغول، جورج كاترو، بشارة الخوري، كميل شمعون، رياض الصلح، وطبعاً الجنرال الإنكليزي إدوارد سبيرز، الذي عمل وسيطاً بين بريطانيا وفرنسا، وقد سكن المنزل منذ العام 1941 حتى 1943.


ما تغير بالنسبة إلى يونغ بعد حصوله على تلك المعلومة، أن إحساسه بنوستالجيا البيوت القديمة لم يعد وحده محركاً لعمله الفني، بل رغبة بالمعرفة أيضاً وبنشر تلك المعرفة الطارئة عليه والتي بإمكانها أن تبدل وقتياً من صورة البريطاني من مستعمر إلى مقاوم للإستعمار، وهي مسألة شخصية طبعاً، طالما أن يونغ يحمل الجنسية البريطانية ويستقر في لبنان منذ سنوات.

بعد حرمانه من عرض اللوحات التي تظهر السياسيين المشاركين في الإستقلال، بدأ يبجث في حيثيات تلك الحقبة. تحول من رسام إلى مؤرخ، وعرض نتائج بحثه في محاضرة قدمها في متحف الجامعة الأميركية منذ أيام، وتضمنت سرداً لحكاية الإستقلال من وجهة نظر جديدة، معتمداً بشكل أساسي على كتاب سبيرز حول مهمته اللبنانية Fulfillment of a Mission الذي لم يترجم إلى العربية، بالإضافة إلى مجموعة صور ورسائل متبادلة بين سبيرز، تشرشل، ودبلوماسيين آخرين، مؤكداً أن محاضرته هذه لا يمكن أن تكون تاريخاً كاملاً، وأن النظرة إلى سبيرز يمكن أن تتغير في أي وقت.

غم تراجع نفوذ الإمبراطورية البريطانية في ذلك الزمن، كان لا يزال في إمكان رجل بريطاني واحد أن يغير مصير دولة بأكملها. استفاد سبيرز من تراجع هيبة فرنسا المحتلة من قبل الألمان، وقد أصبحت ضعيفة في المنطقة في بعض المراحل، وبشكل خاص عقب انتقال السلطة من حكومة فيشي إلى حكومة فرنسا الحرة، بعد دخول جيوش الحلفاء إلى لبنان وسوريا في العام 1941. كان الإنكليز يومها الأقوى، إلا أن قراراً كان قد اتخذ من تشرشل يمنع استغلال الأوضاع الإستثنائية التي تمر بها حليفته فرنسا، حرصاً على التحالف المبرم بين الطرفين.

طبعاً من المبالغ القول ان الإستقلال هو صنيعة الرجل الإنكليزي وحده، رغم أن كلاماً كهذا كان قد قيل على لسان منتقدي الإستقلال اللبناني من القوميين العرب في ذلك الوقت. فقرار إنهاء الإحتلال الفرنسي، كان مسألة وقت لا أكثر، وقد كان متفقاً عليه بين القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية أي الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، لكن الخوف كان من زعزعة الإستقرار في المنطقة التي يمكن أن تشهد هجوماً ألمانياً في أي لحظة.

إلا أن احتمال حدوث هجوم ألماني لم يكن وارداً بالنسبة لسبيرز (يراه ادعاءً مضحكاً حسب ما ينقل المندوب الأميركي جورج وادزورث عنه في رسالة سُرّبت في وقت لاحق)، الذي كان يطالب قبل الإستقلال بتحديد موعد لانتخابات نيابية تلغي التعيينات، وانتخاب رئيس جديد يحل مكان ألفرد نقاش. وقد كان لدى سبيرز نظرية خاصة تواجه حجج زعزعة الإستقرار، فقد كتب في العام 1941: "كيف يمكن أن نحافظ على حسن نية الشعوب؟ يبدو لي أن أبسط وأوضح طريقة لذلك، هي وعدهم بالاستقلال بطريقة مقنعة، حتى ينسوا عدد المرات التي وعدوا بها في السابق بالإستقلال الذي دائماً ما يتم إيقافه عنهم...".

سببت تدخلات سبيرز الكثيرة في لبنان، وآخرها كان تهديد جورج كاترو، بتدخل الجيش البريطاني لتحرير الزعماء اللبنانيين من سجن راشيا في حال لم يقم الفرنسيون بذلك، إرهاقاً للمفوض الفرنسي، وقد وصف المندوب الأميركي جورج وادزورث (في الرسالة نفسها) جورج كاترو بالحساس جداً من أي خطوة تؤثر على هيبة موقعه، وسط تراجع شعبية الفرنسيين بشكل كبير في لبنان، بسبب عدم الوفاء بوعودهم بالإستقلال. وقد طلب كاترو في إحدى الرسائل من ديغول، السماح له بإصدار القرارات من دون الرجوع نهائياً لسبيرز، خاصة أن الأخير كان متوجساً من خيانة الفرنسيين له في أي لحظة، وغالباً أن ذلك التوجس شكل نواة الأزمة معهم.

لكن سبيرز، صديق تشرشل منذ الحرب العالمية الأولى، ومرافق ديغول ووسيطه مع الحكومة البريطانية منذ ما قبل إعلانه قيام فرنسا الحرة، لم يكن شخصاً عادياً، يمكن تخطيه بسهولة، وقد لعبت علاقاته المتينة تلك دوراً في تثبيت موقع. فرغم كل النقد الموجه إليه، مضى في تدخلاته، وقد دعم رياض الصلح، الشخصية اللبنانية المتهمة بالتعامل مع الألمان خلال فترة سيطرة حكومة فيشي، والتي عملت ضد المصالح البريطانية في فلسطين والعراق، كما أنه حرض الخوري والصلح على الإحتجاج الدائم، وعلى عدم المشاركة في الإحتفالات الفرنسية المهمة، بسبب سياسات فرنسا في بلادهما.

تصف زوجة سبيرز منزلهم، أنه كان مثل محطة القطار لكثرة الزوار من الشخصيات اللبنانية المطالبة بإطلاق سراح رجال الإستقلال اللبنانيين من قلعة راشيا قبيل الإستقلال، ومنهم المفتي والبطريرك وزلفا شمعون ... وقد نامت لورا الخوري زوجة بشارة الخوري، في منزل سبيرز عندما قُبض على زوجها، ويقال إن العسكري الفرنسي في يوم الإلقاء على الخوري، قد شتم ابنها الأكبر، واصفاً إياه بابن الرجل الإنكليزي.

نبهر يونغ بتلك الشخصية التي أظهرت كثيراً من العاطفة تجاه سكان لبنان، بخلاف ما توحي الأجواء الإمبريالية التي كان يعيش ضمنها الضباط الإنكليز في تلك المرحلة، إلا أن يونغ يؤكد أنها عاطفة "إستثنائية" طالما أن الأخير قد أظهر نقيضها بوجه الأفارقة خلال عمله في إدارة منجم للذهب في أفريقيا. وأعتقد أن من العوامل المعززة لتلك العاطفة، نظرته إلى اللبنانيين كشعب ضعيف يحتاج للحماية والدعم، ويمكن إلتماس هذه النظرة في وصف زوجته الأولى، الروائية الأميركية ماري ماي بوردن، لبيروت كمدينة "لينة كفاكهة ناضجة" وذات ألوان ناعمة وزهرية، تختلف كلياً عن دمشق "القديمة، الفخورة، والعنيفة". فاللبنانيون ظهروا غالباً لسبيرز ولزوجته كأنهم محاصرون بين نيران جيرانهم المعارضين من دون هوادة لاستقلالهم، ونيران الفرنسيين الذين لا يتوقفون عن استغلالهم، وكان قد تكلم في مناسبات عديدة عن إستغلال الفرنسيين لشعب يرونه من عرق أقل مرتبة من عرقهم، كما أنه كتب بعد مغادرته لبنان، أن مهمته لم تنجح في الشرق سوى عندما رأى أن الفرنسيين قد تخلوا عن نظرتهم للبنانيين كعبيد أقل قيمة منهم.

يقول توم يونغ إن سبيرز نظر إلى نفسه كخليفة لورنس العرب، وهي "نظرة غرور" وصورة معظمة عن نفسه، قد استغلها اللبنانيون واستعملوها وفق الكاتب ماكس إغريمونت، كسلاح بمواجهة الفرنسيين، وقد أدت لاحقاً إلى إبعاده نهائياً عن السياسة.

إمبراطورية رامي مخلوف المالية .. رفيق حريري سوريا


وائل فتحى

حتى اندلاع الثورة في سورية عام 2011، كانت عائلة خال الرئيس بشار الأسد، قد سيطرت علناً، وبأسماء أبناء عائلة الخال محمد مخلوف، على أكبر شركة اتصالات في سورية (سيريتل)، وأكبر شركة قابضة (الشام القابضة)، وأكبر شركة عقارات (شركة بنا للعقارات) وأكبر شركات تعهدات (عطاءات في مجال العقارات) راماك ليمتيد، وأكبر المصارف (مجموعة بنوك سورية الدولي الإسلامي وبنك بييلوس سورية) وشركات التأمين والأسواق الحرة وشركات تسويق النفط والغاز والمنتجات الزراعية الخاصة في سورية.

لم تكن الشركات الخمسون المعلنة في سورية والمملوكة لعائلة مخلوف، سوى الرأس الظاهر للعيان من جبل الجليد، بينما تختبئ العمليات المعقدة والشركات الأم المخفية في الملاذات الضريبية الآمنة (مناطق تفرض بعض الضرائب أو لا تفرض أي ضرائب على الإطلاق أو هي دول تتمتع أنظمتها المصرفية بقوانين صارمة لتحافظ على سرية حسابات عملائها الأجانب فتساعدهم على التهرب من دفع الضرائب في بلادهم الأصلية)، لتشكّل بذلك العالم السفلي غير المعلن لإمبراطورية عائلة آل مخلوف المالية، إذ تتغلغل هذه الشركات ذات الضرائب المنخفضة والأسماء الوهمية لتدخل في شراكات وصفقات سرية، وتمرر الأموال بعيداً عن الرقابة المالية العالمية.

شخصيات إسرائيلية، موظفو بنوك عالمية، شخصيات مستأجرة تعرف بالبروكسي (تسجل الشركات باسمها دون أن يكون لها أي علاقة حقيقية بها) وشركات أوف شور (تشير إلى تمركز الشركة في بلد معين، من بلدان المناطق الضريبية والملاذات الآمنة، في حين أنها تنفذ أعمالاً في بلد آخر يخضع لسيادة دولة أخرى من الناحية القانونية). هذه بعض من الحقائق التي ستتعرفون عليها بالوثائق، عن الشبكة الخلفية والسرية لإدارة أموال عائلة مخلوف المعروف بـ”الخال” نسبة إلى خؤولته للرئيس السوري بشار الأسد.

وفيما يلي قائمة ببعض شركات رامي مخلوف في سورية:

1- “سيريتل” : بغض النظر عن قصصها وأرباحها خلال السنوات السابقة، فإن حصته فيها 80% من سريتل التي هي 67 مليون سهم، أي أن حصته منها هي 53.6 مليون سهم وقيمة سهم سيريتل بنهاية عام 2010 هي 900 ليرة سورية وبالتالي فإن حصته في سيريتل تبلغ 48 مليار و 240 مليون ليرة سورية

2- “شام القابضة” : من أكبر الشركات القابضة في سوريا لديها الكثير من المشاريع مثل فندق في دمشق مزة ومطاعم فيو في اللاذقية ودمشق وشركة لؤلؤة الطيران، تأسست بمساهمة الكثيرين من رجال الأعمال في سورية، بعضهم مرحب بهذه الشراكة مع رامي مخلوف وبعضهم استيقظ صباحاً من نومه ليجد نفسه شريكاً في شركة قابضة، وبعضهم حتى الآن لا يعرف عن شام القابضة أكثر ما تعرف أنت أيها القارئ العزيز، ما يهم أن رأس مالها 18.25 مليار ليرة وحصته 50% وبالتالي فإن ثروته من شام القابضة تبلغ 9 مليارات و125 مليون ليرة سورية

3 – بنك سوريا الدولي الإسلامي: أظهرت القوائم المالية لسنة 2009 إلى حصته 89.602 سهم من البنك ومع العلم بأن قيمة السهم حسب موقع البورصة السورية قد بلغت 1581 ليرة سورية بنهاية عام 2010 وبذلك نجد أن حصته من البنك تبلغ 141 مليون ونصف ليرة سورية

4 – بنك بيبلوس : لرامي مخلوف فيه ما نسبته 5% وبالعودة لسعر السهم في نهاية عام 2010 نراه يبلغ 1355 ليرة سورية وبالتالي فإن حصته فيه أكثر من نصف مليار ليرة سورية.

5- شركة العقيلة للتأمين التكافلي: حصته 4.92% من رأسمال الشركة وسعر السهم في نهاية 2010 والذي بلغ 880 ليرة سورية وبالتالي حصته في هذه الشركة 173 مليون ليرة سورية.

6- الشركة الإسلامية للخدمات المالية: لرامي مخلوف 30% من رأسمالها تبلغ حصته 21 مليون ليرة سورية

7- غلف ساندز: شركة بترول بريطانية يمتلك فيها 5.7% مع العلم بأن هناك بعض الكلام بأن حصته أكبر من ذلك بكثير وذلك لاعتماده على شركة أخرى تملك حصة كبيرة فيها ولكن للدقة والأمانة سنبقى على النسبة السابقة وتكون حصته فيها حوالي نصف مليار ليرة سورية.

8- شام كابيتال: شركة وساطة مالية له فيها 45% أي ما يعادل 45 مليون ليرة سورية.

9- أما – نور: شركة مختصة بصناعة وتوزيع الألبسة برأسمال 200 مليون ليرة سورية وحصته فيها النصف أي 100 مليون ليرة سورية

10 – شركة الكورنيش السياحية مملوكة له بالكامل مع أفراد من عائلته ويبلغ رأسمالها 150 مليون ليرة سورية.

11- شركة صروح: شركة عقارية يملكها كاملاً ورأسمالها 50 مليون ليرة سورية

12- فاتكس: شركة لبنانية سورية لتجارة وتصنيع الأدوية برأسمال 10 مليون، يملك فيها 45% أي 4 مليون ونصف ليرة سورية.

13- الفجر: شركة عقارية يملكها رامي مخلوف برأسمال 5 مليون ليرة سورية.

14- نينار: راديو وتلفزيون مقره المنطقة الحرة بدمشق، رأسماله 3 مليون ليرة سورية.

15- البتراء: شركة عقارات رأسمالها المملوك لمخلوف كاملاً 10 مليون ليرة سورية.

16- المدائن: شركة سياحية رأسمالها يبلغ 10 مليون ليرة سورية.

17 – الحدائق – بنيان الشام – آر إي سي الدولية: – 3 – ثلاث شركات عقارية، ويملك فيها حصص متنوعة وإجمالي حصته من هذه الشركات الثلاثة 4 ونصف مليون ليرة سورية.

الآن نتوقف قليلاً عن الإحصاءات ودعونا نحسب حتى الآن مقدار ثروته الموثقة مع العلم بأني اعتمدت على مواقع انترنت سورية محلية مرضي عنها وليس مواقع مدسوسة كما يقول الاعلام السوري، ولو قمنا بجمع حصص رامي مخلوف من الشركات الـ 19 السابقة لوجدنا ثروته حوالي 59 مليار ليرة سورية.

18 – راماك للأسواق إن السوق الحرة في سوريا مستثمرة بشكل حصري واحتكاري من قبل رامي مخلوف ولا يستطيع أي مستثمر آخر الدخول لهذا القطاع، ولكن السؤال الهام هل هذه القطاع هام فعلاً وهل تستحق الـ 7 أسواق الحرة لرامي في مطار حلب ودمشق ومينائي اللاذقية وطرطوس وحدود باب الهوى والجديدة ودرعا كل هذا الاهتمام، والجواب نعم ليس لأن هذا السوق يبيع بضاعة أجنبية لا توجد في سوريا فقط ولكن لأن هذه الأسواق تعتمد وفي 90% من دخلها على تهريب الدخان.

19- ولكن البعض أخبرني أن مدرسة الشويفات خاسرة ولا يصيب رامي مخلوف منها سوى وجع الرأس (سلامة رأسه) لأن شريكه اللبناني صاحب الترخيص يسرقه على مبدأ (السارق من السارق كالوارث من أبيه)، مع أني أشك بصحة الكلام فقسط أصغر طالب فيها لا يقل عن 100 ألف ليرة سورية سنوياً وتصل مع قسط الباص إلى أكثر من 250 ألف سنوياً للصفوف العليا ،ولكن أكثر المصادر تشاؤما قدرت حصة مخلوف من قيمة مدرسة الشويفات بفرعيها في دمشق وحمص بمبلغ 70 مليون ل.س : ليس لدي معلومات تفصيلية عن أرباح .

20- شركة إل تيل الشرق الأوسط: معمل حديد وتغليف بالزنك يقع على طريق دمشق درعا في منطقة دير علي، يصنع أبراج الكهرباء الخاصة بالتوتر العالي ويتم بيعها بالسعر الذي يفرضه رامي وأزلامه للدولة لتغطية احتياجاتها من أبراج الكهرباء، يملك رامي مخلوف وأخوه إياد وحصة فيه بحوالي 500 مليون ليرة سورية.

21 – بنك البركة سوريا: اكتتب فيه رامي مخلوف بمبلغ مليار ليرة سورية ولكن التخصيص منحه مبلغ يقارب 150 مليون ليرة سورية.

22- بنك قطر الوطني سوريا: اكتتب فيه بحصة كبيرة تبلغ حوالي 250 مليون ليرة سورية.

23- بنك الشام الإسلامي: أول بنك إسلامي في سوريا ويبلغ رأسماله 5 مليارات ليرة سورية ولرامي مخلوف فيه فقط 110 مليون ليرة سورية، مع أنه قام بتغطية الاكتتاب بشكل كامل أيضاً أسوة بباقي البنوك، ولكن التخصيص منحه فقط 110 مليون ليرة سورية.

24- بنك الأردن سوريا: دخل رامي مخلوف كأحد المؤسسين فيه، حصته فيه ما يقارب 100 مليون ليرة سورية.

25- شركة إس تي إس STS تختص ببيع خطوط شركة سيريتل، تقدر قيمتها بحوالي 70 مليون ليرة سورية يمكن للقارئ زيارة موقع سيريتل والاطلاع على الشركات ذات العلاقة.

26- شركة بروميديا: شركة إعلانية مقرها المنطقة الحرة دمشق، ويتبع لها شركة أخرى اسمها بروتيل وهي موزع لسيريتل ويقدر قيمة هذه الشركتين بحوالي 200 مليون ليرة سورية.

27- الشركة الدولية الزراعية: مقرها في أبو رمانة وتقدر حصة رامي مخلوف فيها بما يقارب 100 مليون ليرة سورية.

28- شركة حسين مخلوف وشريكه، راماك الإنشائية: وهي شركة بناء وإنشاءات حاصلة على وكالة مصاعد شندلر الألمانية، تقدر حصة رامي مخلوف منها بمبلغ 140 مليون ليرة سورية.

29- شركة لاما: وهي شركة صناعية متخصصة بالأثاث المكتبي والمنزلي تقدر قيمتها بحوالي 200 مليون ليرة سورية.

30 – آي تيك: شركة معلوماتية تقدر قيمة الشركة 20 مليون ليرة سورية، تقدم خدمات المعلوماتية لشركة سيريتل وهذه خطة جهنمية رسمها رامي مخلوف ففي المستقبل من الممكن أن يبيع سيريتل أو في حال انتقلت ملكيتها للدولة يبقى ممسكا بها عن طريق شركة تقدم خدمات المعلوماتية خاصة مراقبة المكالمات والتنصت عليها، يمكن رؤيتها بين الشركات ذوات العلاقة في تقرير سيريتل السنوي.

31- جريدة الوطن: مقرها المنطقة الحرة وتقدر قيمة الجريدة بحوالي 50 مليون ليرة سورية

32- يملك 80% من اسطول جزيرة ارواد السورية وهو اكبر اسطول في المنطقة لصيد السمك، ويصدر الى الخليج واوروبا وتركيا ولبنان يومياً بواسطة 63 سفينة كبرى صيد السمك من البحر بكميات هائلة تصل قيمتها يومياً الى 100 مليون دولار.

أبعاد أحداث كتالونيا أبعاد أحداث كتالونيا


زياد حافظ

المتابع الظرفي لأحداث كتالونيا يخرج بانطباعات متضاربة. فمن جهة هناك تعاطف مع مبدأ حق تقرير المصير خاصة وأن الشعب الكتالوني لم يسلّم عبر التاريخ باندماجه في وحدة جغرافية أكبر نعرفها اليوم كإسبانيا. من جهة أخرى هناك تساؤلات حول توقيت الاستفتاء ثم الإعلان عن الاستقلال كما هناك علامات استفهام حول مواقف دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

لكن هناك أبعاد متعدّدة لأحداث كتالونيا بغض النظر لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في المستقبل القريب أو المتوسط أو البعيد. هذه الأبعاد تتعلّق بطبيعة الحال بإسبانيا ككيان سياسي وعضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، كما أنها تتعلّق بمستقبل الاتحاد الأوروبي فيما لو تكرّرت الحالات الانفصالية في عدد من الدول الأوروبية وما يمكن أي يؤثّر على تماسك الحلف الأطلسي في مواجهة الشرق الذي يعتبر الأخير خطرا وجوديا عليه.

وما يحصل في كتالونيا يشبه ما حدث في إقليم كردستان. فدول الجوار غير موافقة على استقلال الإقليم والاتحاد الأوروبي غير مؤيّد (على الأقل حتى الآن) لاستقلال كتالونيا رغم تصريح الأخير بالانضمام إلى الاتحاد. من جهة أخرى هناك تساؤلات حول مصداقية الاستفتاء التذي حصل في كتالونيا شبيهة بالتساؤلات حول استفتاء الإقليم. فنسبة الاقتراع في الاستفتاء في كتالونيا كانت متدّنية نسبيا حيث لم تتجاوز 47 بالمائة، أي أن الامتناع عن المشاركة في الاستفتاء يشير أن هناك أكثرية غير مقتنعة أو غير مكترثة بالدعوة إلى الانفصال والاستقلال. أما بالنسبة لإقليم كردستان فقد تبيّن أن القوى السياسية لم تكن على رأي واحد بالنسبة للدعوة إلى الاستقلال ما أدّى إلى تراجع كبير لمواقف قيادة الإقليم والخروج من كركوك الغنية بالآبار النفطية ما شكّل ضربة قاضية حول جدوى الاستمرار بالمغامرة الانفصالية.

أما في كتالونيا فالدعوة إلى الانفصال يثير تساؤلات. صحيح أن هناك مطالبة مزمنة من قبل قوى وازنة في كتالونيا للاستقلال لكن هناك دلائل أن القيادة الداعية للاستقلال وقعت في نفس الخطأ التي وقعت فيه قيادة الإقليم، أي سوء التقدير لموازين القوة. فمن جهة لم تأخذ تلك القيادة بعين الاعتبار مواقف دول الجوار والقوى الدولية. كما أنها بالغت بقدراتها الاقتصادية على الاستمرار حيث الاقتصاد الكتالوني يشكّل ما يوازي 20 بالمائة من الناتج الداخلي الاسباني. فالمؤسسات العاملة في كتالونيا مزدهرة ما أدّى إلى شعور بفائض القوة عند القيادات الانفصالية في إمكانية ابتزاز الحكومة المركزية. والمعلومات التي بدأت تظهر تفيد بأن عددا من المؤسسات الاقتصادية قرّرت الخروج من كتالونيا.

لكن ما يهمّنا هنا وبغض النظر عن الأسباب والظروف التي أدّت إلى نشأة تلك الأزمة هو التفكّر حول الحركات العميقة التي تدفع إلى قرارات قد تكون عبثية ومدمّرة. في رأينا، فإن الأزمة الكتالونية دليل على وجود أزمة عميقة في البنية السياسية الغربية والتوجّه الاقتصادي لقيادات دول الغرب إضافة إلى رداءة نوعية تلك القيادات وفسادها، وإلى بروز ثقافة نخبوية غير متجانسة مع تطلّعات الشعوب. فعلى الصعيد السياسي، هناك فجوة متفاقمة بين القيادات والنخب والجماهير شبيهة بما يحصل في الوطن العربي. لكن المفارقة أن القيادات والنخب في الوطن العربي معظمها فاقدة لشرعية شعبية بل ناتجة عن شرعية أوجدها الاستعمار القديم والجديد، بينما القيادات في الغرب كانت في البداية ناتجة عن شرعية شعبية أولدتها أنظمة سياسية ادّعت أنها ديمقراطية. لن نسترسل في تفاصيل الأنظمة السياسية إذا ما كانت ديمقراطية حقيقية أو إذا ما تمّ خطف البرنامج السياسي من قبل القوى الضاغطة صاحبة مصالح خاصة وليست بالضرورة متطابقة مع المصلحة العامة، فإن ما يهّمنا في هذه المداخلة إبراز بعض الظواهر الملفتة.

أولى هذه الظواهر هو تبنّي نموذج اقتصادي طابعه نيو ليبرالي يعتمد على الرأس المال المالي وإنتاج الثروة الافتراضية عبر المضاربات المالية التي تولد الريع بدلا من قيمة مضافة. كما أن الفائض ليس فائضا حقيقيا بل هو فائض افتراضي. وهذا النموذج اعتمد المؤسسات المالية وقطاع الخدمات بدلا من القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة. هذا لا يعني الإهمال لذلك القطاعين بل الأفضلية تذهب إلى القطاعات المالية بمعنى أن التشريعات التي تقوم بها القيادات السياسية هي لخدمة الرأس المال المالي والأسواق المالية وإن كان على حساب القطاع الإنتاجي. المؤشر الفعلي ل “صحّة” الاقتصاد الوطني هو واقع الأسواق المالية وليس الإنتاج الفعلي الذي أصبح منفصما عن واقع السوق المالي. هذا التوجّه أوجد سياسات، ومن ورائها ثقافات، تتجاهل الحدود بين الدول والمجتمعات وتهدف إلى فرض نمط واحد على سلوك الشعوب. فالأخيرة عليها أن تتحوّل من شعوب إلى مستهلكين لا رأي لهم غير الاستهلاك وفقا للتوجّهات التي تسوّقها القيادات السياسية.

نتيجة لذلك نشأت ثقافة تتجاهل مطالب الشعوب بشكل عام كما تجاهلت شعور هذه الشعوب خاصة فيما يتعلّق بالهويات الفرعية أو حتى الوطنية. فالدول الغربية ليست دول “صافية” الأعراق بل مركّبة. هذا التركيب حصل عبر تراكمات التاريخ الذي لم يلغيها كما اعتقد البعد. غير أن اليوم هناك من يريد إلغاء حتى الهويات الوطنية الجامعة. فالرئيس الفرنسي ماكرون يتحدّث بصراحة عن أولولة الهوية الأوروبية على حساب الهوية الفرنسية. ورئيس وزراء اسبانيا ماريانو راخوي اعتبر أنه لا يجوز تجاوز تعليمات الاتحاد الأوروبي. العولمة أصبحت عقيدة عند القيادات النيوليبرالية. أضف إلى ذلك موجة النازحين والمهاجرين من الشرق الأوسط وإفريقيا عزّزت الشعور بالهويات المهدّدة ما ساهم في صعود حركات اليمين المتطرّف.

فالقيادات الكتالونية الداعية إلى الانفصال تعتبر أنها “تدفع” من ثرواتها أكثر مما يجب لحساب المناطق ألأقلّ ثراءً. نرى نفس الشعور في مناطق إيطاليا الشمالية التي تعتبر جنوب إيطاليا عبئا عليها وبالتالي تطالب بالانفصال. فعلى ما يبدو فإن الدعوات الانفصالية في الغرب ليست مرتبطة بالضرورة بشعور “قومي” أو الحفاظ على هوية مهدّدة بالطمس بل لأسباب أنانية اقتصادية. فالنظام النيوليبرالي أفرز طبقات تشعر بأنها غير ملزمة بتحمّل أعباء شرائح مجتمعية أقلّ ثراءً منها. كما أنه أفرز شعورا بفقدان الهوية والاحساس بهدف نبيل يتجاوز الاعتبارات المادية.

ليس هناك ما يدلّ على وعي عند القيادات السياسية بأبعاد المشكلة التي تهدّد تماسك المجتمعات وبالتالي الاستقرار الذي هو شرط ضرورة للاقتصاد الافتراضي. هناك موجة متصاعدة عند الحكومات الغربية النيوليبرالية في قمع مطالب الطبقات الوسطى والعمّالية. كما أنه هناك تحرّك من قبل هذه الحكومات نحو الإلغاء التدريجي لمكاسب نشأت عن دولة الرعاية والرفاهية للتجانس مع سمات الحالة الأميركية. كل ذلك يؤدّي إلى ردود فعل متعدّدة الأشكال والأبعاد، منها الحركات الانفصالية بغض النظر عن طبيعتها السياسية أو الاقتصادية.

من تداعيات تلك الدعوات الانفصالية إضعاف الحكومات المركزية وربما هذا هو بيت القصيد. الدولة الاسبانية مثقلة بالديون ونظرة الاتحاد الأوروبي لها سلبية بشكل عام. هذا هو شعور الاتحاد الأوروبي تجاه اليونان والبرتغال وايطالي حيث تمّ وصف تلك المجموعة بمجموعة “بيغز” (الحرف الأول لهذه الدول) ما يعني “خنازير”. صحيح أن الاتحاد الأوروبي لم يدعم الانفصال على الأقل لفظيا وتضامن مع الحكومة المركزية الاسبانية. لكن بالمقابل لن تخرج الحكومة المركزية قوية من تلك المجابهة مع مقاطعة كتالونيا وإن انتصرت عليها بالمدى القريب. فضعف الحكومة المركزية سيمكّن الاتحاد الأوروبي من فرض المزيد من القيود على اسبانيا لجهة المزيد من القرارات والتشريعات التي تدعم المؤسسات والشركات المعولمة وعلى حساب قطاع العمّال. القاعدة الفكرية للعولمة هو مكافأة الرأس المال المالي على حساب العمل والعمّال. والتشريعات التي نشهدها في فرنسا وبريطانيا وألمانيا ستؤدّي إلى المزيد من إضعاف الحركة العمّالية في مطالبة حصّتها من الفائض الافتراضي.

يرافق كل ذلك عسكرة المجتمعات عبر إعطاء صلاحيات قمعية أوسع لقوى الأمن. فالمواجهات العنيفة بين الشرطة المركزية في اسبانيا والمشاركين في الاستفتاء لم تكن مبرّرة حسب العديد من المراقبين. نشهد مجابهات مماثلة في فرنسا بين السلطة والقطاع العمّالي. هذا يعني أن اسبانيا ومعها عدد من الدول الأوروبية دخلت زمن الأزمات البنيوية في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة.

العراق في عصر التصحر العلمي!


زياد العاني

كنت خلال الايام الخمسة الماضية في مؤتمر علمي و تربوي دوري تنظمه الجمعية الدولية للبحوث في التربية و العلوم ISRES (مقرها في جامعة أيوا) انعقد في مدينة أنطاليا و التقيت بعدد من الباحثين و العلماء العرب و الأجانب سواءا خلال تقديم البحوث او عروض البوسترات او خارجها في جلسات نقاشية يتبادل فيها المشاركون افكارهم وتجاربهم الأكاديمية التي غالبا ما ينتج عنها أفكار بحوث جديدة او تبادل تجارب أكاديمية حديثة سواءا في مجال البحوث او في طرائق التدريس او تطوير المناهج ينقلها المشارك و يطبقها في مؤسسته الأكاديمية. و قد ينتج عن هذه اللقاءات ايضا تعاون بحثي مشترك فيه فوائد متبادلة

بحكم عملي الأكاديمي وتفرغي مؤخرا للبحث العلمي فأنني أشارك كل عام بما لايقل عن ثلاثة مؤتمرات علمية و تربوية وهذه المشاركات هي جزء من شروط المنح البحثية. وفِي كل مرة ابحث في تلك المؤتمرات عن أكاديميين او باحثين عراقيين قادمين من جامعات عراقية والى حد عام ٢٠١٣ كنت التقي بعدد منهم ،وعلى قلتهم، كنت اشعربالفرح كلما التقي بأحدهم و اقول لازال حال التعليم لم يصل الى الحضيض طالما يوجد من يبحث و يحضر مؤتمرات علميةو يحاول التغلب على مايواجهه التعليم من تدهور رغم الانحدار المزري في كل شيء. غير انني و منذ ذلك العام لم استطع العثور على مشارك واحد بينما ترى باحثين و مشاركين من جميع أنحاء الكرة الارضيّة من أوربا و أمريكا و فيتنام وماليزيا و تايوان و نيجيريا و الفلبين و من اندونسيا و مصر والجزائر و لبنان وسوريا ( التي لا تختلف ظروفها عن ظروف العراق ان لم يكن أسوأ) وحتى من جزر القمر و موريشيوس، واعداد كبيرة من ايران وتركيا و دول الخليج و الاْردن وقد لا يصدق البعض ان مدرسين ومعلمين من مدارس في بعض الدول يشاركون و بكثافة في هذه المؤتمرات كما تجد نسبة كبيرة من طلبة الدراسات العليا مع أساتذتهم، الا علماء العراق و أساتذته و طلبته ومدرسيه في عهد وزراء تعليمه(او بالأحرى تجهيله) الحاليين.

غياب تام يوحي بان عصر التصحر العلمي و التربوي قد زحف ، و النهضة العلمية التي ازدهرت فيه في الامس القريب تحولت الى صحراء جافة يجاهد فيها العلماء و الأكاديميون من اجل لقمةالعيش و الكرامة ومحاربة جهل و دَجَل صانعو سياسته التعليمية وغيرها حيث أصبحت البحوث و المشاركة في المؤتمرات ترفا و بدلا من ان تصبح الجامعات منارات للعلم و الثقافة و البحوث و منصات للمهرجانات العلمية و الثقافية والفنية و معارض الكتب ، أصبحت مراكزا للتجهيل و التطبير و نشر ثقافة الكراهية وتأجيج الفتن الطائفية و مطابخ للهريسة و القيمة في عاشوراء وبازارات ترتفع فيهاصور و مقولات لمعممين يسمونهم علماء، ورايات ليس لها علاقة لا بالعلم ولا بالثقافة ولا بالتعليم و محاضرات دينية لهؤلاء المعممين في كليات علمية، و تحول الفن الراقي الى مسرحيات طائفية من قبيل أخراج مسرحية تبين كيف قام عمر بن الخطاب بكسر ضلع فاطمة بنت الرسول (ص) أو تمثيلية محاكمة هزلية لهشام بن عبد الملك و ما الى ذلك من المهازل.

فلا غرابة ان تخرج الجامعات العراقية بأجمعها خارج التصنيف الدولي للجامعات الذي نشر مؤخرا فلم تلبي شروط اي مؤشر من متطلبات التصنيف لا بالتدريس ولا بالإدارة و لا بالبحوث ولا بالنشر و لا بالبيئة التعليمية و لا بإدارة المعرفة، صفر على اليمين و صفر على الشمال في حين دخلت الى التصنيف جامعات عربية من الخليج أسهم العلماء و الاكاديميون العراقيون في تأسيسها و تطويرها مثل جامعة الملك عبد العزيز وجامعة خليفة و الامارات و الشارقة(التي يرأسها عراقي) و جامعة قطر و جامعة السلطان قابوس وجامعات أردنية و جامعات ايرانية وتركية جميعها حديثة التأسيس نسبيا و حصلت على تصنيفات متقدمة نسبيا.

أنه زمن التصحر العلمي زمن أهل العمائم و الدجالين أدوات تعليم علم الجهل الحديثAgnotology “وهو العلم الذي يدرّس صناعة و نشر الجهل بطرق علمية” من أجل خلق صور مزيفة للحقائق لخدمة مصالح سياسيين و تجار سياسة فاسدين.

السعودية: قطر موّلت جنبلاط لتسليح الدروز في سوريا وتحريك الأسير

 
ويكيليكس  
 
يوحي النائب وليد جنبلاط بأن علاقته بحكام السعودية مبنية على الصداقة. يصف أميراً بالصديق منذ أكثر من 30 عاماً، ويقول عن آخر إنه رفيق كمال جنبلاط، فيما كان يحلو له التذكير بأن الملك السعودي السابق، عبد الله بن عبد العزيز، كان يعتبر «الدروز عشيرته». برقيات ويكيليكس الصادرة عن وزارة الخارجية السعودية والسفارة في بيروت لا توحي بأن نظام الرياض يبادل النائب الشوفي المشاعر عينها. في ما يأتي، عدد من البرقيات التي تكشف نظرة السعودية إلى جنبلاط:

في برقية تعود إلى عام 2010، صادرة عن وزير الخارجية سعود الفيصل، يتعامل الاخير مع جنبلاط ببرودة تامة، رغم أن العلاقة بين الطرفين لم تكن تمر بقطيعة. على العكس من ذلك، كان جنبلاط شريكاً في حكومة الرئيس سعد الحريري التي تدعهما السعودية، وكان رئيس «الحزب الاشتراكي» قائداً للتحالف الذي رعاه السعوديون وأنفقوا عليه منذ عام 2005. صحيح أنه تمايز قليلاً في الخطاب عن باقي شركائه في 14 آذار، بعد أحداث أيار 2008، لكنه حافظ على علاقة جيدة مع آل سعود.

الوقت الذي صدرت فيه البرقية كان محكوماً بمصالحة سعودية ــ سورية، وبـ»غسيل قلوب» بين الحريري والرئيس السوري بشار الأسد. جنبلاط، القلق دوماً، كان قلقاً هذه المرة أيضاً. ومصدر عدم ارتياحه، بحسب الوزير غازي العريضي، «ما يجري بعد أن رتّب الحريري وضعه مع السوريين وتركه بمفرده. ويرى العريضي أنه قد يخفف من مثل هذه المشاعر موافقة المملكة على تلبية طلب جنبلاط لزيارتها بصحبة ابنه تيمور والتشرف بمقابلة مقام خادم الحرمين الشريفين ــ يحفظه الله ــ ولقائي (سعود الفيصل). أشار السفير إلى أن مخاوف الزعيم الدرزي من موقف سوريا تجاهه تدفعه إلى استرعاء انتباهها بشتى السبل، سواء بالتقرب من المعارضة اللبنانية أو بإظهار قدرته على إرباك رئيس الوزراء، وفي الوقت نفسه فهو يعمل من أجل إعداد ابنه لتولي خلافته في زعامة الدروز بعد أن أخفق مسعاه لكسب رضا دمشق، وقد يؤدي عدم اطمئنان جنبلاط لنتائج سلبية تؤثر على المسيرة السياسية التي يقودها الحريري». وبناءً على ذلك، اقترح الفيصل الموافقة على طلب جنبلاط زيارة المملكة.

بداية عام 2011، انقطعت العلاقة بين جنبلاط والسعودية، بعدما شارك في «الانقلاب» على حكومة الرئيس سعد الحريري، وتسمية الرئيس نجيب ميقاتي خلفاً له. بقيت العلاقة مقطوعة، إلى أن اندلعت الأزمة في سوريا. بعد عام من ذلك (كانون الثاني 2012)، زار جنبلاط العاصمة القطرية الدوحة، فربط السفير السعودي في بيروت علي عواض العسيري بين الزيارة ورفع جنبلاط سقف انتقاداته للنظام السوري، حين دعا «دروز سوريا الى الانسحاب من الجيش السوري». ورغم أن برقيات سعودية أخرى وضعت رفع جنبلاط سقف انتقاداته للقيادة السورية في إطار محاولة «كسب ودّ المملكة»، إلا أن تقريراً قدمه رئيس الاستخبارات العامة السعودية، مقرن بن عبد العزيز، إلى الملك عبدالله بن عبد العزيز، منح لقاء جنبلاط بأمير قطر بعداً مالياً متصلاً بالحرب السورية.

يقول مقرن:
«1 ــ يهدف جنبلاط من زيارته لدولة قطر مؤخراً ولقائه مع مسؤولين قطريين، إلى الحصول على دعم مالي قطري لأي حراك شعبي يقوم به الدروز في سوريا.
2 ــ هناك تنسيق بين جنبلاط والدروز في سوريا، مستفيداً من التواصل الجغرافي والبشري بين منطقة راشيا الدرزية في لبنان ومنطقة السويداء في سوريا. (كما في الكثير من تقارير الاستخبارات السعودية، ترد معلومات لا تمت إلى الواقع بصلة. وهنا، على سبيل المثال، لا وجود لأي تواصل جغرافي بين محافظة السويداء السورية ومنطقة راشيا اللبنانية، إذ تفصل بينهما أراضي محافظتي درعا وريف دمشق السوريتين).
3 ــ يعتزم جنبلاط تقديم جزء من الدعم القطري لشراء السلاح للدروز في سوريا، وكذلك دعم المنشقين منهم عن الجيش النظامي للالتحاق بالجيش السوري الحر، وبالتالي مواجهة النظام عبر الخروج في مظاهرات مؤيدة للثورة».

في برقية بعث بها سعود الفيصل إلى ملكه في آذار 2012، «يشرح» فيها الوضع في لبنان، أورد عن جنبلاط العبارة الآتية:
«من ناحية أخرى، قام الشيخ أحمد الأسير باعتصام في بيروت ضد النظام السوري، وهناك من يقول إن الشيخ الأسير تحرك بتشجيع من السيد وليد جنبلاط وتمويل قطري، مما حدا بمكتب السيد وليد جنبلاط إلى نفي أي علاقه له بتنظيم الاعتصام أو الحث عليه».

كن هذا النفي لم يقنع «صديق» زعيم المختارة، إذ أضاف الفيصل: «ويبدو أن السيد وليد جنبلاط يهدف من ذلك الضغط على السيدة بهية الحريري كون الشيخ الأسير من صيدا معقل عائلة آل الحريري».

وفي الشهر نفسه (يوم 4 آذار 2012)، صدر قرار ملكيّ برفض اقتراح كان قد قدّمه السفير السعودي في بيروت (يوم 14 كانون الثاني 2012)، لإعادة التواصل بين السعوديين وجنبلاط. وبعد قرار الرفض بيومين، بعث السفير ببرقية يقول فيها إن جنبلاط يرغب في زيارة السعودية، لـ»التشرف بمقابلة المقام الكريم أو من يراه». وينقل السفير أن «جنبلاط لم يعد يتفق مع توجهات النظام السوري، بل له مواقف في صالح المعارضة السورية، وانه من المناسب إشعاره بتقدير المملكة عن توجهاته الحالية التي تصب في مصلحة حلفاء المملكة».

في الشهر التالي، تبدّل القرار، وصدر «العفو» عن جنبلاط، فاستقبله الفيصل في جدة (نيسان 2012). لكن جنبلاط وضع الزيارة حينذاك في إطار شخصي. وبعد أيام على ذلك، بعث نائب وزير الخارجية عبدالعزيز بن عبدالله ببرقية إلى الفيصل يبلغه فيها أنه تلقى اتصالاً من مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان، يبلغه فيها أنه «تلقى رسالة بالإيمايل من السيد وليد جنبلاط عقب لقاء جنبلاط بسموّكم يوم الثلاثاء 24 أبريل حيث ذكر له السيد جنبلاط أنه قد أبدى لسموّكم اعتذاره عن مواقفه السابقة وأنه على استعداد للتعاون والعمل وفق رؤية المملكة للأوضاع بالمنطقة وخاصة في الساحة اللبنانية. يأمل السيد فيلتمان تأكيد هذه المعلومات ورؤية المملكة لكيفية التعامل مع السيد جنبلاط لرغبة الجانب الأميركي التوافق مع المملكة بهذا الشأن».

«هنرددها جيل ورا جيل.. بنعاديكِ يا إسرائيل»


عبد الحليم قنديل

التاريخ منجم دروس وعظات، والذي لا يفهم ماضيه، ويستخلص دروسه، يكتب عليه أن يعيش في خطاياه إلى الأبد، والفارق عظيم جدا، بين أن نغرق في الماضي، ونتوه في دروبه ووقائعه وخططه ومؤامراته، أو أن نفهمه، ونجعله وسيلة محفزة لاسترداد المستقبل.
وقد كان تاريخ المنطقة الحديث، في وجه من وجوهه، صراعا خفيا وظاهرا، بين أن تنهض مصر، أو أن تقوم إسرائيل، لمنع توحيد العرب وإضعاف مصر. 

وقد لا تكون من حاجة إلى قراءة التاريخ مفصلا من جديد، فقد ظهرت فكرة الدولة اليهودية في فلسطين ضمن وثائق حملة نابليون الفرنسية، وكانت هزيمة الحملة واندحارها عن مصر، ما سمح بالنهوض المنسوب لدولة محمد علي، وتكوين جيش مصر الحديث الأول، بقيادة إبراهيم باشا «ساري عسكرعربستان»، أي «أمير عام الجيوش العربية».

فقد كان جيش مصر هو جيش العرب وجيش الصحوة الحديثة، والالتفات القوي إلى وجود الأمة العربية، والرغبة في توحيدها بالصناعة والتطور والعلم الحديث، وهو ما شكل وقتها خطرا داهما على أوروبا الاستعمارية والدولة العثمانية المريضة، وانتهى لاجتماع الكل على ردع الجيش المصري، وصولا إلى احتلال بريطانيا لمصر، وعودة فكرة الدولة الصهيونية للظهور، أواخر القرن التاسع عشر على يد ثيودور هرتزل، وبدون أن تكون للقصة علاقة تطابق بالتدين اليهودي، فلم يكن هرتزل يهوديا متدينا، كما لم يكن نابليون المسيحي المتشكك، تماما كما لم يكن كامبل بانرمان رئيس الوزراء البريطاني في 1905، الذي ارتبط اسمه بوثيقة مشهورة، جرى إعدادها بعد فحص ودرس استمر لعامين حتى 1907، وخلصت إلى الأهمية القصوى لإقامة إسرائيل كدولة عازلة في فلسطين، تفصل مشرق العالم العربي عن مغربه، وتعيق دور مصر القيادي في التوحيد العربي.

ولم تمر سوى عشر سنوات بعد وثيقة بانرمان، حتى صدر وعد بلفور الأكثر شهرة، والذي تمر عليه اليوم مئة سنة، كانت مصر وقتها تحت الاحتلال البريطاني، وكانت مستعمرات بريطانيا لا تغرب عنها الشمس، وصدر الوعد المشؤوم في 2 نوفمبر 1917، قبل احتلال بريطانيا لفلسطين بشهر واحد، وفي سياق اتفاق «سايكس ـ بيكو» لتقسيم المشرق العربي، ولم يكن آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا العظمى وقتها، ورئيس وزراء بريطانيا لمرتين قبل عام 1905، من المتعاطفين مع اليهود، بل كان معاديا للسامية، وخصما لهجرة اليهود من شرق أوروبا إلى بريطانيا، غير أن كراهته لليهود، لم تلفت نظره عن القيمة الاستعمارية الاستعمالية الكبرى للحركة الصهيونية، وأصدر الوعد الذي عرف تاريخيا باسمه، ووضع حجر الأساس لإنشاء ما عرف في ما بعد باسم «دولة إسرائيل».

وفي سطور قليلة قاطعة، جرى توجيهها في صورة تصريح بريطاني إلى اللورد روتشيلد أكبر أغنياء اليهود المساندين للصهيونية وقتها، وجاء فيه بالنص «إن حكومة صاحب الجلالة، تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتحقيق هذه الغاية»، وقد كانت نسبة الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين العرب واصلة إلى 97% من إجمالي السكان وقت صدور وعد بلفور، ولم تكن نسبة اليهود تزيد على الثلاثة في المئة. 

والمعنى ببساطة، أنه ليس ثمة ترادف متطابق بين اليهودية والصهيونية، بل قامت إسرائيل ككيان وظيفي استعماري، توارثت دعمه رؤوس حركة الاستعمار الغربي، من بريطانيا، التي قادت عملية الإنشاء والتأسيس، والتي طلب بلفور من روتشيلد نصا «إحاطة الاتحاد الصهيوني علما» بتصريحه أو وعده، وكان يترأسه وقتها وايزمان، الذي صار فيما بعد أول رئيس لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، وبمصاحبة ديفيد بن غوريون أول رئيس للوزراء فيها، الذي كان ملحدا، وكان ينظر للأساطير اليهودية بصفتها مفردات صالحة للتبرير، وفلكلور يواتي هدف جلب وغرس اليهود في فلسطين، ولفت نظر تلاميذه وتابعيه إلى أهمية جذب فرنسا لتقوية قدرات إسرائيل، والاستعانة بها في النواة الأولى لبرنامج إسرائيل النووي، وبعد أن جرى قطع «ذيل الأسد» البريطاني في حرب السويس 1956، وانهيار مملكة فرنسا في الجزائر، بدعم حازم للمقاومة الجزائرية من مصر عبد الناصر، رسا المزاد الإسرائيلي عند القوة الأمريكية المهيمنة، بعد تراجع بريطانيا وفرنسا.

وكانت العين على ردع مصر، وعلى إجهاض حركة نهوضها، وعلى نحو ما جرى استهدافه في خطة عدوان 1967، والتكالب على تجربة عبد الناصر، كما فعلوها مع تجربة محمد علي، لكن الشعب المصري كان حاضرا هذه المرة، وصنعت ملايينه في 9 و10 يونيو 1967 معجزة جبارة، وأقام الشعب مع عبد الناصر جيش مصر الحديث الثاني، الذي خاض حرب استنزاف طويلة، كانت أساسا للعبور إلى النصر في حرب 1973، كان عبد الناصر قد غاب عن الدنيا قبلها بثلاث سنوات، ولم يشهد النصر الذي تحقق لجيشه، وكانت تلك هي ثغرة الأقدار، التي سمحت للسياسة بخيانة انتصار السلاح، وفتحت الباب لهزيمة تاريخية كبرى، انحطت فيها أوضاع مصر، ونهبت كما لم يحدث في تاريخها الألفي، وداس الذين هبروا فوق دماء الذين عبروا، وإلى أن كانت ما تسمى معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية الشبيهة في مغزاها التاريخى بمعاهدة لندن 1840، كانت معاهدة لندن نهاية لتجربة محمد علي، تماما كما كانت المعاهدة الجديدة بقيودها الثقيلة، نهاية لنهوض مصر الثاني المرتبط باسم جمال عبد الناصر.

ولم تكن القصة في الحالتين مجرد سيرة حروب وانتصارات وهزائم، بل كانت عنوانا لنهوض جامع ثم هزيمة جامعة، وهو ما يفسر مفارقة 1967 في علاقتها بنصر 1973، فقد كانت هزيمة 1967 نصرا خاطفا لإسرائيل وأمريكا معها، لم ينته إلى تحقيق عاجل لهدفه الجوهري، ولا منع نهوض مصر مجددا، وبطاقة تصنيع وتحديث ومقاومة وحيوية، كانت بلغت ذراها، وخلقت مجتمعا جديدا من قلب المجتمع القديم، وصعدت بأدوار الطبقات العاملة والوسطى في تقرير المصائر، لكن غياب التنظيم والفاعلية الجماهيرية المستقلة، جعل عمر الثورة من عمر عبد الناصر القصير نفسه، وإن استمرت تجربة عبد الناصر بالقصور الفيزيائي الذاتي إلى خط العبور في حرب 1973.

وبعد أن سكتت المدافع، كان سهلا أن يجري الانقلاب و»الانفشاخ»، وأن يجري فك التعبئة، واختطاف النصر العسكري وخيانة مغزاه، وتحويله إلى «نصر مخطوف» أعقب «الهزيمة الخاطفة»، وأحل محلها هزيمة تاريخية لمشروع النهوض. 

ولأن التاريخ شيء آخر غير أفلام السينما، فإن كلمة «النهاية» لم تكتب بعد، فقد حصلت إسرائيل بعد وعد بلفور على ألف وعد، كان أهمها «وعد كامب ديفيد»، العنوان الأشهر لما يسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، الذي غيّب مصر عن خط المواجهة مع إسرائيل على مدى عقود، وغيّب مصر عن مصر نفسها، وكانت مصر هي الخطر الأعظم الذي نبه إليه بن غوريون مؤسس إسرائيل، وهو ما يفسر حفاوة إسرائيل بانقلابات السادات، ثم بخطايا مبارك من بعده، الذي وصفه شيمعون بيريز ـ تلميذ بن غوريون ـ بأنه المؤسس الثاني لدولة إسرائيل، ووصفه الجنرال بنيامين بن أليعازر بأنه ـ أي مبارك ـ كان «أعظم كنز استراتيجي لإسرائيل».
وقد انتهى مبارك إلى مصير الخلع بيد الشعب والجيش المصري، وكل استعادة لما كان سوف تنتهي إلى المصير نفسه، خصوصا أن إسرائيل تندفع يقينا في طريق الزوال، فلم تنتصر أبدا في حرب واحدة بعد 1967، فقد هزمت في حرب 1973، وبعدها في حرب غزو لبنان، وهزمت في الجنوب اللبناني، وهزمت في انتفاضة الفلسطينيين الثانية، وجلت وفككت مستوطناتها في غزة، ولم تنتصر في أربع حروب خاضتها مع حزب الله وحركة حماس، لم تهزم إسرائيل لأنها صارت أضعف، بل صارت أقوى عسكريا بمراحل، ولا تنقصها أرقى تكنولوجيات الدنيا، وتدعمها أمريكا أكبر أرمادا حربية في التاريخ، وكل ذلك مفهوم ومقدر المخاطر، لكنه لا يمنع أقدار الهزيمة المحتومة لإسرائيل، فالعالم يتغير كما لم يحدث في خمسة قرون مضت، ووزن الغرب يتراجع، وقوى الشرق والجنوب تتقدم بسرعة، نهضت الصين في الاقتصاد والسلاح، واستعادت روسيا حيويتها العسكرية، ونهضت أقطاب جديدة في عوالم مستعمرات الغرب السابقة، وتراجع وزن الحركة الصهيونية مع تراجع الغرب الذي أنشأها ورعاها.

ثم أن إسرائيل انتهت إلى هشاشة وتآكل عظام في مشروعها، فقد غاضت موارد وآبار اليهود الذين يمكن جلبهم إلى فلسطين، بينما زاد منسوب الحضور الفلسطيني في فلسطين، وفي بقاع الدنيا كلها، وكاد عدد الفلسطينيين يتجاوز عدد اليهود في فلسطين من جديد، وكاد عدد الفلسطينيين في المعمورة يتجاوز عدد اليهود في العالم كله، وكل عقد يمضي، يزيد حالة التقلص اليهودي في فلسطين، وينزع عن الصهيونية فوائض السكان اللازمة للاستيطان، بينما ينجب الشعب الفلسطيني بغزارة، ويتحول سنة فسنة إلى أغلبية سكانية على أرضه التاريخية المقدسة، ويخلق من صلبه شعبا جديدا عفيا، تتراكم خبراته الكفاحية، ويصمد على أرضه، ويبني نظم ردع جديدة لآلة العسكرية الصهيونية، تواجه القنابل الذرية الإسرائيلية بالقنابل البشرية الفلسطينية، وتواجه طائرات إسرائيل بالصواريخ المصنعة المطورة ذاتيا، وتكسر أنف الغطرسة الإسرائيلية العنصرية، بفداء الصدور العارية، وفي سياق عربي مختلف، تسقط فيه ادعاءات ومعاهدات السلام عمليا، وتزيد فيه مصر قوة جيشها باطراد، وتدق على الباب الفلسطيني من جديد، ويردد فيه شعبها هتاف الصامتين العائد إلى الشوارع عما قريب، ففلسطين كانت وتظل قضية وطنية مصرية، والشعب المصري لابد عائد إلى هتاف شبابه «هنرددها جيل ورا جيل / بنعاديكِ يا إسرائيل».

هل سيتمّ عزل ترامب قريباً؟!


صبحي غندور

تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتّحدة عن مدى إمكان عزل دونالد ترامب عن منصب الرئاسة قبل نهاية فترة حكمه الدستورية. فالأمر لم يعد يتعلّق في شأنٍ داخلي واحد، أو في كيفية إدارة السياسة الخارجية، بل بجملة من القضايا التي جعلت أحد أعضاء الكونغرس يطلب بحث أهلية ترامب ليكون رئيساً.

ولعلّ أهمّ الملاحظات على طريقة حكم الرئيس ترامب كانت من السناتور بوب كوركر، الذي هو من الحزب الجمهوري ويرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، حينما أشار لكيفية إدارة ترامب لشؤون مكتبه بأنّها أشبه ب"عرض في تلفزيون الواقع"، وحينما تحدث أيضاً عن المخاوف من حرب عالمية ثالثة نتيجة سوء التقدير لدى ترامب، حيث قال: "إنّه يثير قلقي"، مؤكّداً أنّ تغريدات الرئيس ترامب أدّت أكثر من مرّة إلى تقويض مفاوضات دبلوماسية. وأضاف أنّ عدداً قليلاً من الوزراء المهمّين يحمون الولايات المتحدة من "الفوضى" وأنّهم قادرون على "ردعه (أي ترامب) عندما يتحمّس وتهدئته ومواصلة العمل معه قبل اتّخاذ قرار".

كما أنّ ازدراء عدد من قادة الكونغرس الجمهوريين لترامب لم يعد سرّاً، وهم ينتقدونه في المجالس الخاصة ويأسفون لهجومه المتكرّر على بعضهم بحجّة عدم إقرار مشروع إلغاء برنامج الرعاية الصحية الذي أنشأه سلفه باراك أوباما. وكان رئيس كتلة الجمهوريين في مجلس الشيوخ ميتش ماكونل قد صرّح بأنه "ليس من هواة تغريدات الرئيس". أمّا السيناتور الجمهوري جون ماكين فقد كرّر انتقادات حادّة للرئيس ترامب في أكثر من مناسبة. وقد كتب السيناتور ماكين أنّ ترامب “غير مطّلع” وقد يكون "متهوّرا في كلامه وسلوكه".

هذا غيضٌ من فيض ممّا يحدث داخل حزب ترامب، فكيف على جانب الحزب الديمقراطي الذي بقي متّحداً ضدّ ترامب ومعظم سياسته الداخلية والخارجية، إضافةً طبعاً لاستمرار التحقيقات القانونية الجارية من قبل وزارة العدل وفي داخل الكونغرس حول علاقة روسيا بالحملة الانتخابية لترامب وتأثيراتها على الناخب الأميركي في العام الماضي. وقد شهدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدداً غير مسبوق من عمليات العزل والاستقالات منذ تولّيه الرئاسة في مطلع العام الجاري، حيث شملت 13 مسؤولاً، بينهم 8 استقالوا و5 جرى إقالتهم من مناصبهم.

وقد عرض مالك مجلة «هاسلر» لاري فلينت 10 ملايين دولار، مقابل أي معلومات تقود إلى عزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إعلانٍ نشره على صفحة كاملة بصحيفة "واشنطن بوست".

كما نظّم أكثر من 125 من المتخصّصين في الأمراض العقلية والنفسية مسيرةً في مدينة نيويورك للمطالبة بعزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحجّة أنه "غير مستقرّ نفسياً وعقلياً ويقود البلاد إلى كارثة". ووفقاً لصحيفة "نيويورك بوست"، فقد قال المشاركون في المسيرة إنّ ترامب مصابٌ بالنرجسية الخبيثة، وهو مصطلح طبّي يشير إلى أولئك الأشخاص الذي يعانون من اختلال نفسي ومرض داء العظمة ويحملون عداءً شديدًا تجاه المجتمع.

ربّما سيكون مطلع العام القادم 2018 هو الوقت المناسب لجمع هذه القطع المبعثرة الآن ضدّ ترامب وأسلوب حكمه. فهناك استحقاق الانتخابات النصفية في نوفمبر 2018 والتي يجري فيها انتخاب كل أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ وعدد من حكّام الولايات الخمسين. فالمخاوف تزداد لدى أعضاء الكونغرس الجمهوريين من التأثيرات السلبية عليهم في الانتخابات القادمة إذا ما استمرّ ترامب في الحكم لمدّةٍ أطول. لذلك هناك إمكانية كبيرة لتوفّر نسبة الثلثين في الكونغرس من أجل عزل ترامب عن منصب الرئاسة الأميركية، هذا إذا لم تؤدِّ التحقيقات القانونية حول حملته الانتخابية إلى فعل ذلك أصلاً وإعفاء الحزب الجمهوري من مسؤولية عزل "قائده".

لكن الحديث عن معنى انتخاب ترامب لا يجب وقفه. ففوز ترامب بالانتخابات الرئاسية في العام الماضي كان العامل الأساس فيه ليس شخصه، ولا طبعاً مؤهّلاته أو خبراته المعدومة في الحكم والسياسة، بل كان العامل الأساس هو الصراع الدفين الحاصل في المجتمع الأميركي بين المتمسّكين بأميركا الأصولية القديمة، التي قامت على الرجل الأوروبي الأبيض البروتستانتي والعنصري أحياناً، وبين أميركا الحديثة "التقدّمية" التي أصبح أكثر من ثلث عدد سكّانها من المهاجرين من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، والتي فيها التسامح الديني والثقافي والاجتماعي، والتي أنهت العبودية وأقرّت بالمساواة بين الأميركيين بغضّ النظر عن اللون والدين والعرق والجنس، والتي أوصلت باراك حسين أوباما ابن المهاجر المسلم الإفريقي إلى أعلى منصب في الولايات المتحدة. وقد نجحت قوى "أميركا القديمة" في إيصال ترامب إلى "البيت الأبيض" حتّى على حساب مرشّحين آخرين من "الحزب الجمهوري" بسبب قيام حملته الانتخابية على مفاهيم ومعتقدات هذه القوى الأميركية "الرجعية".

إنّ فوز باراك أوباما في انتخابات العام 2008 لم يكن حتماً ثورةً ولا انقلاباً في المعنى السياسي على ما هو قائم في الولايات المتحدة من مؤسّسات تصنع القرار عموماً، بل يمكن اعتبار أنّه كان بمثابة "حركة تصحيحيّة" من داخل النظام الأميركي نفسه، بعد أن أوصلت إدارة بوش الابن هذا "النظام السياسي الأميركي" إلى منحدرٍ ما كان يجب أن تهوي إليه. فهكذا كان أيضاً تقييم عدّة أسماء بارزة من "الحزب الجمهوري"، واضطرارها آنذاك لتأييد انتخاب أوباما بسبب السياسات المتطرّفة لإدارة بوش.

إنّ ظاهرة ترامب في "البيت الأبيض" هي انقلاب مضاد على الانقلاب الذي حدث فعلاً عام 2008 في المفاهيم الاجتماعية والثقافية الأميركية. فقد فشل القس جيسي جاكسون في السابق بالحصول على دعم الحزب الديمقراطي له بالترشّح لانتخابات الرئاسة لأنّه أميركي أسود، رغم موقعه الديني المسيحي وجذور عائلته العميقة في أميركا. أيضاً، فشل المرشّح الديمقراطي للرئاسة عام 1988 مايكل دوكاكس أمام منافسه جورج بوش الأب، بسبب عدم ثقة قطاعٍ كبير من الأميركيين ب"وطنيته" الأميركية لأنّه ابن مهاجر يوناني حديث، وأنّ عائلته لم تتأصّل في التاريخ الأميركي، ولم تنحدر من "الأنجلوسكسون" الأبيض المسيحي البروتستانتي! وكان جون كنيدي أوّل رئيس كاثوليكي للولايات المتحدة الأميركية، ولم يأتِ بعده كاثوليكيٌّ آخر للرئاسة الأميركية.

إذن، ما حدث في العام 2008 كان انقلاباً على "مفاهيم وتقاليد أميركية" غير منسجمة أصلاً مع طبيعة الدستور الأميركي، ولم تعد لها قيمة لدى الجيل الأميركي الجديد، في ظلّ مجتمعٍ تتزايد فيه أعداد المهاجرين غير الأوروبيين، والذين سيشكّلون خلال عقودٍ قليلة قادمة غالبية عدد السكان.

لكنّ خلف الوجه الجميل لأميركا الذي ظهر في العام 2008 بانتخاب مرشّح للرئاسة هو ابن مهاجر إفريقي مسلم أسود اللون، ولا ينحدر من سلالة العائلات البيضاء اللون، الأوروبية الأصل، خلف هذا الوجه لأميركا يوجد وجهٌ آخر، بشعٌ جداً، يقوم على العنصرية ضدّ كل المزيج الذي رمز له فوز أوباما. فهكذا هي سمات التيار العنصري الذي ساهم كثيراً في وصول ترامب لمنصب الرئاسة.

ربّما هذه هي المعركة الأخيرة لجماعات "أميركا القديمة"، وهي وإن نجحت في إيصال ترامب للرئاسة، فإنّها لن تستطيع وقف التقدّم الأميركي نحو مستقبلٍ مختلف عن معتقداتها. ولا يصحّ القول طبعاً أن لا فرق بين إدارةٍ أميركية وأخرى، أو بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، أو بين شخصين في موقع الرئاسة الأميركية من داخل الحزب نفسه، ألم يختلف ليندون جونسن الديمقراطي عن سلفه الذي اغتيل جون كنيدي؟! وأيضاً الفارق الذي حدث بين سياسات جورج بوش الأب وبوش الابن؟!.. تماماً كما كان خطأً كبيراً أيضاً التوهّم عام 2008 بأنّ إدارة أوباما ستكون حركةً انقلابية على السياسات العامّة الأميركية!.

يبدو أنّ دونالد ترامب هو ثمرة عفنة في الحياة السياسية الأميركية وقد حان موعد قطافها!!.

المجلس العدلي يتبنّى المرحلة الإسرائيليّة؟

اسعد ابو خليل

لهُ، أينَما كانَ لن تقوم قائمة لهذا الوطن ــ المسخ. أراده المُستعمِر قاعدة متقدّمة لمؤامراته وظهيراً وسنداً عنصريّاً لدولة الاحتلال الإسرائيلي. تتصنّعون الوطنيّة وتتزيّنون بالفولكلور وترقصون الدبكة على وقع الحمّص والتبّولة، وتزهون بمعجزات طبيّة لمشعوذين لبنانيّين، لكن لن يصبح المسخُ وطناً. اقتنوا أعلاماً مزركشة، واصنعوا تماثيل لفاسدين ومرتشين ومرتهنين من تاريخكم، واقلبوا وقائع التاريخ رأساً على عقب، كلّ ذلك لن يجعل من كيانكم وطناً.

هناك نظرتان إلى قرار المجلس العدلي بحقّ المقاوم حبيب الشرتوني: النظرة الأولى ترى في القرار أمراً منفصلاً عن المسار السياسي العام وأنه إجراء قضائي ــ إداري محض. هذه النظرة تصلح لو أن لبنان هو السويد، لكنّه لبنان ونعرفه جيّداً. أي أن النظرة الثانية (المُقابلة) هي وحدها الصالحة لتحليل القرار: ليس هناك مِن مؤسّسات أو إدارات دولة أو محاكم تعمل بمعزل عن القوى السياسيّة النافذة وعن توجّهاتها. هي تأمر بفتح ملفّات وهي تأمر بإغلاقها: وليس هناك مَن خَبِر ذلك أكثر من ميشال عون نفسه إذ أن السلطة السياسيّة في مرحلة سابقة في سنوات منفاه كانت تقرّر استنسابيّاً إذا كان هناك ضرورة لفتح ملفّه أو طويه نهائيّاً. وإذا سلّمنا أن القرار هو مرتبط بالقوى السياسيّة فهذا يعني أن عهد ميشال عون يتحمّل المسؤوليّة كاملةً عن هذا القرار. والقرار أتى بعد أسابيع فقط من قرار محكمة عسكريّة لبنانيّة بإخلاء سبيل، لا بل تبرئة مخرج (عالمي ــ كوْني، إيّاكم أن تنسوا) اعترف بلسانِه أنه خرق القانون اللبناني— أو أكثر من قانون لبناني — بالإقامة في فلسطين المحتلّة والتعاون مع سلطة الاحتلال في تصوير فيلم يخضع لموافقة سلطات العدوّ الأمنيّة والعسكريّة. لو أن الرجل أنكر التهمة، لقلنا نستطيع أن نتغابى وأن نزعم أنه لم يذهبْ. لكنه أقرّ وفاخرَ. ثم جاء قرار المحكمة العدليّة. والقرار لم ينبع من طائفة: بل إن القضاة ينتمون لطوائف مختلفة (وهم يتبعون في بلد مثل لبنان لزعماء طوائف زكّوهم في مناصبهم).

وقرار المحكمة لا يرتقي إلى مرتبة نصوص قانونيّة محترمة للمحاكم، وتشوبه لغة الدعاية السياسيّة الفجّة التي عادةً تخلو منها قرارات المحاكم. هذا القرار له من الرصانة القانونيّة أقلّ ممّا كان لمحكمة المهداوي في العراق. لا بل إنه بالإضافة إلى تبنّيه بالكامل للرواية الكتائبيّة ــ الاسرائيليّة عن الحرب، فإنه يستشهد بمَن كان ضالعاً بالحرب على أنه فقيه قانوني. هي أوردت مرافعة لنعّوم فرح الذي كان مستشاراً لبشير الجميّل، والذي في مقابلة مع صحيفة أميركيّة أجاب بـ«لا تعليق» على سؤال إذا كانت إسرائيل حليفة له 1، والذي استنكرَ في مقابلة أخرى مع صحيفة أميركيّة أخرى (بعد إلغاء اتفاق «١٧ أيّار») زوال ثِمار وإنجازات الاجتياح الإسرائيلي 2، والذي عارضَ علناً إقفال مكتب الموساد الإسرائيلي في ضبيه 3. ماذا أوردَ نص قرار المحكمة عن فرح هذا؟ أورد أنه قال عن بشير إنه مثّلَ «الوقوف بوجه العدوّ الإسرائيلي» وأن منطلقاته (هذا الرجل الذي سخر من العرب والعروبة) كانت «عربيّة صرفة». أما كان أجدر بالمحكمة أن تستعين بشهادات مَن بقي حيّاً من جيش العميل انطوان لحد كي يزكّي على وطنيّة بشير الجميّل أيضاً؟

لكن المحكمة بنت على تحقيقات «عدليّة» سبقتها، وقد أجراها في عهد أمين الجميّل القاضي سعيد ميرزا. أي أن ميرزا جلس أمام حبيب الشرتوني المثخن بجراج التعذيب والتنكيل الذي لم يتوقّف كي يأخذ شهادته. والشهادة التي تُأخذ تحت التعذيب تكون باطلة، والمحامي الذي يقبل بشهادة تُنتزع تحت التعذيب يجب أن يخلع ثوب المحاماة عن جسده. بَنَت هذه المحكمة قرارَها الباطل على قرار باطل سبقها بعقود. لا، وهي اعتمدت أيضاً على تحقيقات قام بها أسعد جرمانوس، الذي بدأ تحقيقات في مجزرة صبرا وشاتيلا في عام 1982 ولم ينتهِ منها عندما مات في عام 2007. ولم تكترث المحكمة لأفراد من عائلة الشرتوني قتلهم قوّاتيْون بعد تعذيبهم انتقاماً لبشير الجميّل. لم يردوا في تعداد «الضحايا» في قرار المحكمة. وتكرّر المحكمة أكذوبة «انتخاب» بشير فيما المراجع الغربيّة والاسرائيليّة توضّح أن واحدة من أهداف الاجتياح كانت تنصيب مجرم الحرب الكتائبي في موقع الرئاسة، وقد رصدت حكومة العدوّ مبلغ 30 مليون دولار من أجل دعم ترشيحه، بالإضافة إلى ما ناله من مال الحكومة الأميركيّة ومال ميشال المرّ. وكان للقوّات خطة من أجل جلب نوّاب بالقوّة في حال عدم توفّر النصاب. وتشيد المحكمة في نصّ قرارها بالاجتياح الإسرائيلي الوحشي وتقول عنه «بعدما كانت قد بدأت تحوم في الأفق بوادر حلحلة للأزمة السياسيّة والأمنيّة التي كانت تعصف بالبلاد منذ عام 1975». أي أن المحكمة تقول بصريح العبارة أن الشرتوني والعلم مدانان لأنهما فوّتا على لبنان الاستفادة من الاجتياح الإسرائيلي. إذا كانت هذه جريمتها، فليفخر بهما الوطن ويكرّمهما فوراً.

ومن مضامين الخطاب الانعزالي بعد الحرب تسويغ جرائم اليمين تحت عنوان أن «الكلّ» أجرمَ في الحرب. لكن بشير الجميّل لم يكن مجرم حرب عاديّاً حتى في سياق الحرب الأهليّة. بشير الجميّل امتاز عن أقرانه مِن مجرمي الحرب لأسباب عدّة:

١) هو كان ينتمي إلى الفريق الذي أشعل الحرب الأهليّة: لم تبدأ كل الأطراف المتصارعة الحربَ في وقت واحد. بدأها فريق (اليمين) ولم يكن أمام الفريق الآخر (الحركة الوطنيّة والمقاومة) إلا الدفاع عن النفس.

٢) ارتبط حزب «الكتائب» بعلاقة تحالف ذيلي مع إسرائيل منذ الخمسينيات. كل الذرائع عن الدفاع عن النفس باتت باطلة وعن أن مخطّط التوطين تطلّب معونة إسرائيل. حتى الوثائق الأميركيّة باتت صريحة في أن العلاقة بينه وبين العدوّ سبقت الحرب بسنوات.

٣) دشّن بشير الجميّل صعوده الميليشاوي بمجزرة طائفيّة جماعيّة، ضد المسلمين في ما عُرف بـ«السبت الأسود»، عندما قتل مئاتٍ من اللبنانيّين على الهويّة، حتى لا ننسى أن حروب اليمين لم تكن ضد الفلسطينيّين وحدهم بل ضد المسلمين وضد كل من رفض مشروع الهيمنة الطائفيّة لـ«الكتائب».

٤) قاد بشير الجميّل حروب تهجير طائفي وإثني جماعي من المنطقة الشرقيّة من بيروت (هُجِّر كل المسلمين من حيّ بيضون في الأشرفيّة، ودمّرت مكتبة عبدالله العلايلي فيه). وهذه الحروب لم تستهدف فقط الفلسطينيّين بل استهدفت مسلمين ومسيحيّين معارضين وأرمن.

٥) جرّ تحالف «الكتائب» كل التدخّلات العسكريّة الأجنبيّة في لبنان، بدءاً بالتدخّل السوري في عام ١٩٧٦ إلى الاجتياحات الاسرائيليّة المتكرّرة إلى نشر قوّات احتلال أميركيّة وفرنسيّة وإيطاليّة في عام ١٩٨٢.

٦) لم تكن وحشيّة «القوّات اللبنانيّة» مثيلة لوحشيّة باقي الميلشيات في لبنان. يعترف أسعد الشفتري أن ميلشيات اليمين كانت تعتمد على طقوس انضمام من القتل والتعذيب والتنكيل. لم تكن هناك طقوس مماثلة في أي من تنظيمات الحركة الوطنيّة أو المقاومة الفلسطينيّة.

٧) كان الجميّل عنصريّاً مقيتاً يصارح جمهوره بحقيقة مشاعره نحو العرب، وقد سخر في آخر خطاب له بثقافة «الجِمال والبدو والمتخلّفين 4».

٨) لم يحدْ الجميّل عن إيمانه بلبنان كبلد طائفي للمسيحيّين. وقد منعت «القوّات» نشر آخر خطاب له ألقاه قبل اغتياله بساعات في دير الصليب، لأنه كان صريحاً في بثّ مكنوناته الطائفيّة البغيضة إذ قال: «لبنان وطن للمسيحيّين» لكنه استطرد «ولغيرهم لو أراد» 5 — على طريقة تعبير وعد بلفور عن «الجماعات غير اليهوديّة في فلسطين».

٩) وهناك صفة فريدة اكتسبها الجميّل وهي فتح بيت دعارة إذ استدعى قريبه ومستشاره جورج فريحه ذات يوم وقال له: «قرّرتُ أن أفتح كرخانة» 6. ويجب إضافة هذه إلى سلسلة جرائمه القبيحة.

١٠) كان مجرم الحرب هذا رائداً في كل جرائم الحرب: أوّل من ارتكب سرقات بالجملة من المرفأ والأسواق التجاريّة وأوّل من دشّن عهد القصف العشوائي.

١١) صاحب شعار 10452 كلم مربع ناشد أميركا سرّاً بالقول: «خذوا شواطئنا، خذوا صنّين قواعدَ لكم» 7. والمفارقة أن الكتب الأجنبيّة بأقلام مراسلين غربيّين ومراسلات في حينه (مثل هيلينا كوبان وتابثا باتران وجوناثان راندل وغيرهم) وثّقت لجرائم بشير الجميّل ودوره في الصراع الدموي في لبنان فيما لا تزال الأكاذيب عنه منتشرة في لبنان.

وقرار المحكمة تُوِّج بزيارة جبران باسيل لاحتفال حزبي في ساحة ساسين في الأشرفيّة من أجل الترويج لبشير الجميّل والاحتفال بقرار المحكمة. لو كان هناك شكّ بالرعاية السياسيّة لهذا القرار، فإنه قد زال بهذه الزيارة (علماً أن القواتيين الحاضرين لم يرحبوا به). لكن هناك ما هو أبعد. قد يصعب قول ذلك بعد تفاهم مار مخايل لكن ميشال عون كان ينتمي إلى صلب مشروع بشير الجميّل. بدأ عون تعاونه مع بشير الجميّل مبكِّراً وهو أدار عمليّة القصف المدفعي على مخيّم تل الزعتر، والتي عزّزت موقعه في صفّ اليمين. كان عون من الفريق الاستشاري لبشير الجميّل والذي ضمّ أقرب معاونيه. وقبلَ تبنّي سركيس لترشيح الجميّل لرئاسة الجمهوريّة، كان الجميّل يخطّط لانقلاب عسكري يقوده عون ضد سركيس. وفي آخر اجتماع بين الجميّل وشارون يشير الأوّل إلى تنسيق عمليّات جيش العدوّ مع عون.

طبعاً، إن عون غيّر خياراته بعد تفاهمه مع حزب الله. وصمدَ عون بوجه إغراءات وضغوطات جمّة في حرب تمّوز عام 2006 وبعدها، وصمد في خيار مقاومةٍ يُعدّ اليوم أصعب خيار في العالم العربي. كما أن خطاب عون عن إسرائيل تغيّر كثيراً، وكلمته أمام الديبلوماسيّين في مطلع هذه السنة كانت خطوة متقدّمة في الخطاب اللبناني الرسمي (المرتبك دوماً) ضد الصهيونيّة وإسرائيل (لكن لم يحتلّ موقع قيادة الجيش أو الرئاسة رجل مُعادٍ لإسرائيل والصهيونيّة كما كان إميل لحّود). يجهد جبران باسيل كي يصبح زعيماً مسيحيّاً، وكي يرث عون وهو حيّ. وجبران (مثله مثل نديم الجميّل وسامي الجميّل) يجترّ خطاب بشير الجميّل، والأخيران يقلّدان نبرته في الخطاب. وباسيل يتحدّث عن المجتمع المسيحي وهو يعتبر نفسه وزير خارجيّة لبنان المسيحي — بتعريف باسيل. وحديث باسيل عن هويّة لبنان في المؤتمرات الاغترابيّة يشذّ عن اتفاق الطائف ويربط بين الهويّة الفينيقيّة وبين الهويّة المشرقيّة.

لكن ليس العهد الجديد وحده المسؤول عن هذا القرار. إن فريق الممانعة والمقاومة مسؤول عن ذلك أيضاً. إن التراخي في موضوع التعامل مع تركة الاحتلال الإسرائيلي بدأت في صيف عام 2000، بعدما انسحب، أو طُرد، جيش العدوّ بذلّ من لبنان تحت وقع ضربات المقاومة. وفي واحدة من تجارب المقاومة العالميّة غير المسبوقة، اختار حزب الله ألا يلاحق أو يطارد أو يُعاقب عملاء وإرهابيّي العدوّ الإسرائيلي على أرض لبنان. وخلافاً لكل تجارب المقاومة، لم يستولِ الحزب على السلطة ــ وهذا حسن لأن عقيدة الحزب لا تتوافق مع خيارات الكثير من اللبنانيّين ــ لكنه لم يفرضَ برنامجاً لاجتثاث الخلايا الصهيونيّة وراءه. لا بل إن الحزب اعتبر أن غفرانه هو حسنة له، فيما أثّر هذا على المقاومة نفسها تبعاً لازدياد عدد الخلايا الإسرائيليّة الإرهابيّة والتجسّسيّة عبر السنوات. ولا شكّ أن طائفيّة البطريركيّة المارونيّة في احتضان ظاهرة العملاء (مع أنهم ينتمون إلى كل الطوائف) والبنية الطائفيّة لحزب الله خفّفا من إمكانيّة الفعل: لم يكن باستطاعة الحزب أن يمضي في معاقبة العملاء من دون استثارة عصبيّات طائفيّة غير دفينة. لكن كان على الحزب أن يوكل أمر المعاقبة الشديدة والقاسية إلى الدولة نفسها وذلك من أجل ردع مَن تسوّل نفسه خدمة الاحتلال. هذا التراخي سهّل من عقيدة اليمين والوسط وبعض اليسار في تخفيف العداء لإسرائيل في الثقافة السياسيّة اللبنانيّة.

وقد نجح مطبّعو لبنان (وحتى مطبّعو فلسطين 8) في تمرير التطبيع والمجاهرة بالصهيونيّة تحت عنوان «حريّة العبير»، وهذه ميزة فريدة لحريّة التعبير لا تجدها في أي دولة من الدول الديموقراطيّة في العالم (خصوصاً تلك الدول - مثل أميركا- التي يتمثّل بها مُطبّعو بلادنا، حيث تُفرض عقوبات بالسجن على مُشغّل الـ«كيبل» الذي يحمل محطة «المنار»، وعلى مَن يتبرّع لمستشفى تديره «حماس»، وفي الماضي على الذي يشارك في حفلة دبكة أقامتها الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في الثمانينيات). حريّة التعبير لم تعنِ إلا في بلادنا حريّة التساهل والتعامل والتحالف مع العدوّ.

وقد أسهمَ رفيق الحريري والنظام السوري وحلفاؤه في لبنان، في تمييع العداء لإسرائيل عندما تمّ فرض إيلي حبيقة (الإسرائيليّ الصنع والتركيب والإعداد) على الحياة السياسيّة اللبنانيّة من دون سؤال أو شرح. كان حبيقة وثيق الصلة بالجميّل (وقال بشير الجميّل عندما تعرّض حبيقة للخطف من قبل مخابرات الجيش في عام 1978 إن «حبيقة هو أنا»)، والنظام السوري لغاياته أعاد الاعتبار له وفرضه على قوائم وعلى حكومات، ولم يعترض حزب الله على ذلك. إن أعادة تأهيل إيلي حبيقة في حياته سهّلت إعادة تأهيل بشير الجميّل في قبره.

وردود الفعل أذنت بخلفيّات إقليميّة للجهد في تغيير الثقافة السياسيّة في لبنان. عندما يدلي عبدالرحمن الراشد بدلوه في قضيّة لبنانيّة محليّة فإنك تعلم أنه أعطى كلمة السرّ ــ كالعادة ــ كي ينقاد وراءه فريق جرّار من الكتّاب اللبنانيّين والعرب الذين ينتظرون علامات الساعة السياسيّة من الناطق باسم الفريق السعودي الحاكم. لكن كما أن النطق لفتَ فإن الصمت لفتَ أيضاً. الوسط الإعلامي اللبناني كان إما مناصراً بقوّة أو صامتاً. الذين يعدّون أنفسهم في صف الفريق التقدّمي صمتوا ــ في أكثريّتهم ــ هم أيضاً، لا بل طلع بعضهم بتخريجات متنوّعة عن سبب قبول القرار، منها أن الجميّل قد انتُخب (راجع أعلاه). وهناك الذين دأبوا على مرّ السنوات الماضية ــ في الإعلام اللبناني وفي داخل وخارج 14 آذار ــ على الترويج للحركة الوطنيّة والمبالغة في رصيدها ومقاومتها لأسباب خبيثة واضحة أي فقط من أجل المزايدة على حزب الله ومعارضة مقاومته. هؤلاء صمتوا هم أيضاً مع أن قتل بشير الجميّل كان همّاً مشتركا لأحزاب وفصائل في الحركة الوطنيّة. كان هناك تسابق بين عناصر الحركة الوطنيّة (كما اعترف جورج حاوي في برنامج تلفزيوني) من أجل الوصول إلى بشير الجميّل لقتله قبل الاجتياح الإسرائيلي وبعده. ولم يكن الأمر بذلك «إقليميّاً»: كانت الأسباب محليّة ووطنيّة. صمتَ كل الذين كانوا يروّجون لمقاومة الحركة الوطنيّة ــ فقط بعد اغتيال الحريري ــ وذلك ليس من أجل إنعاش برنامجها بل من أجل الترويج لبرنامج مضاد تماماً لها.

ولم يعلّقْ هؤلاء على همروجة الاحتفال ببشير الجميّل. وبعضهم (مثل إلياس خوري في «القدس العربي») ساوى بين فعلة مقاومة حبيب الشرتوني ونبيل العلم وبين جرائم حرب بشير الجميّل. ويطلع المسالمون الجدد بنظريّة نبذ الاغتيال السياسي كأنه كانت هناك حركة مقاومة لم تعتمد في مسيرتها على الاغتيال السياسي، وكأن نفس هؤلاء استنكروا في السنوات الماضية اغتيال قادة للمقاومة من قبل العدوّ الإسرائيلي. ثم هل يرفض هؤلاء، مثلاً، بالمبدأ اغتيال بشّار الأسد؟

إن مشهد اصطفاف نديم الجميّل وسامي الجميّل وجبران باسيل وصحبهم تحت أنغام أغاني «القوّات» كان يمكن أن يثير الفزع أو القلق في مرحلة غابرة. في مرحلة غابرة، كان فريق مواجهة الصهاينة في لبنان يقوده أمثال وليد جنبلاط وتوفيق سلطان وجورج حاوي وإنعام رعد ومحسن ابراهيم وميلشياتهم. أما الفريق المُواجه للصهاينة في لبنان اليوم، فيكفي أن تذكر اسم واحد منهم فقط كي تُدرك حجم المهزلة التي لحقت بدورة التاريخ هذه المرّة.

إن قدرة النظام العوني على إحياء ذكرى بشير الجميّل وتزييف دوره قبل الانتخابات النيابيّة لم يكن لينجح لو لم تسد السرديّة الانعزاليّة عن الحرب الأهليّة. وهذه السرديّة لم تسدْ إلا لأن 14 آذار اعتنقت هذه السرديّة بعد 2005، ولأن قادة الحركة الوطنيّة تنصّلوا من إرثها ونبذوه وعبروا إلى ضفّة الوهّابيّة. لم يبقَ واحد من هؤلاء القادة إلا وذمّ الحركة وبرامجها وتنصّل من مقاومة العدوّ، أو هو استعملها شعاراً فقط بغاية إحراج ومحاربة حزب الله. ومن أجل تزوير تاريخ الجميّل يبتدع البعض قصّة خياليّة عن صراع بين الجميّل وإسرائيل مع أن نص لقاءاته مع الإسرائيليّين منشور في كتاب جورج فريحة (وكان مرافقاً لبشير في تلك اللقاءات). يستطيع الذين لم يقرأوا ما كُتب عن تلك الحقبة في المراجع الأجنبيّة المتحلّلة من سطوة الانعزاليّين أن يتخيّلوا تاريخاً آخر لبشير. وأسطورة بشير التي لا علاقة لها بالوقائع وبتاريخ الرجل الدموي باتت ذات سحر طائفي – ديني - أسطوري. والذي يصدّقها هو الذي يصدّق أن مقام القدّيس شربل يشفي (بعض) مرضى السرطان (كما عنونَ موقع «التيّار» قبل أيّام) أو أن «سيّدة حريصا» استدارت ذات يوم لتحيّي كميل شمعون على مواقفه (الطائفيّة).

اقليه الروهنجيا المسلمة ببورما(ميانمار) وجذور الاضطهاد الديني والعرقي


صبري محمد خليل

تعريف: اقليه الروهنجيا هي اقليه مسلمة ببورما سابقا ( ميانمار حاليا) بجنوب شرق أسيا ، ويرجع أصل الاسم إلى (روهانج)، وهو الاسم القديم لمملكه أراكان المسلمه، التي كانت دولة مستقلة لعده قرون حتى ضمتها بورما إليها عام 1784م .

السكان والأديان : يقدر عدد سكان إقليم أراكان بحوالي 5.5 ملايين نسمه.واغلبيه سكان الإقليم من المسلمين، وتضم الاغلبيه المسلمة شعب (الروهنجيا )، وهو شعب مستقل بذاته، وليس جزء من جماعات القبلية البنغالية كما تروج الحكومات البورمية المتعاقبة، بالاضافه إلى مسلمين من أصول أخرى كالبنغال والعرب والمورو والأتراك والفرس والمغول والباتان ،كما أن هناك أقلية بوذية متمثلة في شعب (الشاكما)، وعندما ضمت بورما إقليم أراكان شجعت شعب (البورمان) الذي كان يقطن أعالي بورما، والذي يدين بالديانة البوذية ،على الهجرة والاستيطان فيه ، وهما احد أسباب الاضطهاد الديني والعرقي ضد شعب الروهنجيا .

اللغة : ولشعب الروهنجيا لغة خاصة تسمى (الروهنجيان)،وهى لغة مستقلة وليست من اللهجات البنغالية، وهي غير مكتوبة لحد الآن. (الروهنجيا مرة أخرى /عاشق الحرمين ).

تاريخ الإقليم وجذور الاضطهاد:

مملكه اراكان المسلمه: ويرجع دخول الإسلام إلى أراكان، إلى القرن السابع الميلادي ، مع قدوم التجار العرب المسلمين إليها، ثم تتابعت الوفود الإسلامية إليها من أنحاء المعمورة. فأقبل عدد كبير من الأهالي على اعتناق الإسلام، وكوَّن شعب الروهنجيا مملكة دام حكمها 350 عاماً من 1430م إلى عام 1784م، فقد شكلت أول دولة مسلمه في عام 1430م بقيادة الملك سليمان شاه، وحكم بعده (48) ملكاً مسلماً على التوالي، وكان لهم عملات نقدية تتضمن شعارات إسلامية مثل كلمة التوحيد.

الاحتلال البورمي: ثم احتُلت مملكه أراكان من قِبَل الملك البوذي (بوداباي) عام 1784م الذي قام بضم الإقليم إلى ميانمار خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، واستمر البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم وتشجيع البوذيين الماغ (أصل هندي) ، على ذلك طِوال فترة احتلالهم.

الاستعمار البريطاني: وفي عام 1824م احتلت بريطانيا ميانمار، وضمّتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية. وفي عام 1937م جعلت بريطانيا ميانمار مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، وعُرفت بحكومة ميانمار البريطانية. واجه المسلمون الاستعمار الإنجليزي بقوة مما جعل بريطانيا تخشاهم، فبدأت حملتها للتخلّص من نفوذ المسلمين باعتماد سياساتها المعروفة (فرِّق تَسُد) فعَمَدَتْ على تحريض البوذيين ضد المسلمين، وأمدّتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحةً عام م1942 فتكوا خلالها بحوالي مائة ألف مسلم في أراكان.وبذلك كانت سياسة فرق تسد التي أوجدها الاستعمار البريطاني احد أسباب الاضطهاد الديني والعرقي ضد شعب الروهنجيا .

استقلال بورما: وفي عام 1948م، منحت بريطانيا الاستقلال لميانمار شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما أن حصلوا على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، واستمروا في احتلال أراكان بدون رغبة سكانها من المسلمين (الروهنجيا)، والبوذيين (الماغ) أيضاً، وقاموا بأبشع الممارسات ضد المسلمين.

التحول الديموقراطى واستمرار الاضطهاد: ولم تتغير أحوال المسلمين الروهنجيا، بعد الانتخابات التي جرت في نوفمبر 2010م، حيث مازال مخطط إخراج المسلمين من أراكان موجوداً، رغم إعلان حكومة ميانمار تغيير نظام الدولة من نظام عسكري إلى نظام ديمقراطي، يقول د.محمد يونس رئيس منظمة تضامن الروهنجيا(إن بورما تخطط لإخراج المسلمين من أراكان وجعلها مستوطنة للبوذيين الجبليين، ولن يحدث التغيير بالانتخابات التي تم إجراؤها تحت التهديد العسكري، ولن ينال المسلمون الروهنجيا حقوقهم إلا بأحد طريقيْن: إما أن تكون أراكان دولة إسلامية مستقلة، وإما أن تُجرى انتخابات في أراكان تحت رعاية الأمم المتحدة).

من مجالات الاضطهاد: ويشمل الاضطهاد الديني والعرقي ضد شعب الروهنجيا مجالات متعددة ،منها على سبيل المثال لا الحصر:
المجال القانوني: ففي المجال القانوني صدر1982عام قانون للجنسية يعتبر المسلمين الروهنجيا مواطنون من الدرجة الثالثة ، حيث صُنِّفوا على أنهم أجانب دخلوا بورما لاجئين أثناء الاحتلال البريطاني ، وبناء على هذا القانون سُحبت جنسياتهم ، وحُرموا من كل الأعمال، وصار بإمكان الحكومة ترحيلهم متى شاءت.

المجال الاقتصادي: وفى المجال الاقتصادي تصادر الحكومة الميانمارية أراضي المسلمين، وتمنعهم من شراء الآلات الزراعية الحديثة ، وتلغى العملات المتداوَلة بينهم بين وقت وآخر ، كما لا تسمح لهم السماح بالعمل ضمن القطاع الحكومي.

المجال الديني: وفى المجال الديني لا تسمح الحكومة الميانماريه لمسلمي الروهنجيا بلبس الزيّ الإسلامي في أماكن عملهم، وتصادر أوقافهم ومقابرهم ، وتمنع الأذان للصلاة و ذبح الأضاحي،كما قامت بهدم الكثير من المساجد.

المجلس السوري الإيراني .. سوليدير دمشق


 مجد الخطيب

عند الكشك المجاور للقصر العدلي في دمشق، يدخل أبو محمود، من حي جوبر الدمشقي لتصوير بعض الأوراق الثبوتيه بغية تقديم إخلاء سبيل لابنه الموقوف. أحد الأشخاص المتواجدين في الكشك، وبعدما قرأ مكان تولد أبو محمود، وإقامته على هويته الشخصية، سأله، إن كان يملك عقارات أو أملاك في جوبر. أبو محمود، أجاب بنعم، و"لكن منذ ثلاثة أعوام بعد خروجنا منها لا أعرف عنها شيئاً".

عندها ابتسم معقب المعاملات وقال له: "لا عليك، العودة إلى بيوتكم أمر مستحيل، انظر إلى داريا الزبداني والغوطة لم يعد إليها أهلها ولن يعودوا، إذا أردت بيع أملاكك نحن نؤمن لك من يشتريها وبسعر ممتاز". وفعلاً عرض عليه بيع عقاره بمبلغ 200 ألف ليرة سورية (400 دولار) للمتر الواحد.

بحسب أبو محمود، فإن معقب المعاملات أكد له استعداده لتأمين شراء جميع الأراضي في جوبر، حيث سوف يتم بناء "مجمع طبي تعود ملكيته لطبيب شامي مغترب".

أبو محمود، واحد من مئات الأشخاص الذين يتم عرض عليهم بيع بيوتهم التي تركوها وهجروها، ولا يعرفون عنها شيئاً، مقابل مبالغ ضخمة بالنسبة لمن هم في سوريا. هذه العروض التي يقوم بها معقبو المعاملات، أصبحت حديث سكان دمشق، حيث بدأت تنتشر ظاهرة بيع الأراضي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

حركة بيع العقارات كانت قد بدأت منذ أكثر من عام، بعد ركود أصاب سوقها نتيجة الأوضاع الاقتصادية السيئة، وفقدان عوامل الاستقرار والأمان. ونشطت الحركة من جديد بداية العام 2016 عن طريق عدد من معقبي المعاملات والمكاتب العقارية ذات الصلات الأمنية.

والعقبة الأولى التي تقف بوجه من يريد تثبيت ملكيته للأرض الواقعة في ريف دمشق هي أن المستندات الأصلية التي تؤكد ملكية صاحب الوثيقة لأرضه موجودة في مدينة دوما، الخارجة عن سيطرة النظام، وبالتالي لا يمكن لأحد في ريف دمشق تأكيد أو فرز عقار بسبب تعذر الوصول إلى هذه المستندات.

لكن في كانون الأول/ديسمبر 2015 أصدر الرئيس السوري بشار الأسد "القانون الناظم لأصول المحاكمات الجديدة"، الذي تنص مادته الـ34 على أنه "إذا تعذر تبليغ  المدعى عليه وفق أحكام المادة /22/ وما يليها بسبب ظروف استثنائية يجري التبليغ بإحدى الصحف اليومية في العاصمة أو في أحد مراكز المحافظات وفي لوحة إعلانات المحكمة بقرار معلل من رئيس المحكمة وعلى الموظف المختص بيان سبب التعذر في محضر التبليغ على أن يتم التبليغ قبل خمسة عشر يوما على الأقل من تاريخ موعد الجلسة مع مراعاة مهلة المسافة".

هذا الباب القانوني الذي فتحه النظام شكّل ثغرة سمحت بالوصول إلى شراء الأراضي، من دون وجود السجلات الأصلية التي تؤكد عدم صحة الوثيقة المقدمة.

وإن سلسلة من مكاتب معقبي المعاملات، يبلغ عددها 20 مكتباً، موزعاً في المزة فيلات شرقية والعدوي وجرمانا و باب توما. وتقوم هذه المكاتب باستصدار عدد من الوكالات المزورة والممهورة بأختام كاتب العدل. وتعمل هذه الشبكة على البحث بين النازحين إلى دمشق، ممن يعانون ضائقة مادية كبيرة أو لديهم معتقلين ويريدون أموالاً لإخراجهم من سجون النظام، لتعرض عليهم بيع ممتلكاتهم، حتى ولو كانت لا تزال تحت سيطرة المعارضة.

وإذا كان الشخص يملك جميع الوثائق اللازمة التي تثبت ملكيته للعقار يتم أخذ نسبة 5 في المئة من قيمة العقار، مقابل ضمان فصل القاضي بالدعوة لتثبيت حق البائع بملكيته العقار.
أما في حال عدم امتلاك البائع جميع الأوراق الثبوتية، فيتم استصدار وثيقة تبلغ قيمتها ما يقارب المليون ونصف ليرة سورية (3 آلاف دولار)، يدفعها مالك العقار ومن ثم يتم إجراء عملية البيع مع تكاليف العمولة التي تبلغ حوالي 5 في المئة من قيمة بيع العقار. ثم يتم عرض العملية على قاضي "الأحوال المدنية" في دمشق، والذي يؤكد بدوره صحتها. وبالتالي تصبح هذه الوثائق دليلاً فعلياً على امتلاك المشترين لتلك الأراضي.
وتبيّن أن  شبكة معقبي المعاملات والمكاتب العقارية متصلة مع بعضها البعض، وترتبط عبر وكلاء مكاتبهم في العاصمة دمشق، برجل الأعمال المقيم في الكويت مازن الترازي، الذي أطلق في نيسان/إبريل 2015 حملة مساندة للنظام تحت عنوان "راجعين سوريا". وقد أعلن الترازي في وقت سابق، استحواذه على فنادق ومنتجعات "شيراتون صيدنايا"، في حين أن الوكيل الثاني للعقارات في مناطق المعارضة، هو رجل الأعمال بشار كيوان، المقيم أيضاً في دولة الكويت.
كشفت مصادر لـ"المدن" أن عملية بيع الأراضي بدأت بفكرة مشروع عرضها مدير "مجلس رجال الأعمال السوري الإيراني" سامر الأسعد. وينتسب إلى "المجلس السوري-الإيراني" مازن الترازي وبشار كيوان، ويعمل الجميع لصالح رجل الأعمال الإيراني رستم قاسمي. والسعي لشراء هذه الأراضي يتم بواسطة "المجلس السوري الإيراني" من خلال الترازي وكيوان، اللذين يقومان بشراء الأرض، وإسنادها إلى ملكية "المجلس السوري الإيراني".

وبذلك يكون "المجلس" هو الغطاء القانوني الذي تنتقل فيه الملكيات من السوريين إلى إيرانيين، من دون خلق أي توتر، خصوصاً وأن هذا المسألة أصبحت تثير الحساسيات عند السوريين في السنوات الخمس الأخيرة. ومهمة "المجلس" هي ربط التجار العقاريين في دمشق مع الوكيلين كيوان والترازي، لتصل الملكية في النهاية إلى "المجلس السوري الإيراني" باعتباره مؤسسة لها شخصيتها الاعتبارية. بينما يشغل هذه المشاريع ويقوم بإعادة إعمارها، عدد من رجال الأعمال الإيرانيين أبرزهم رستم قاسمي.

ووفق القانون السوري، يسمح فقط للمؤسسات الأجنبية والمنظمات غير الحكومية المسجلة في سوريا بامتلاك أراض وعقارات. ولا يسمح للمقيمين الأجانب بشراء منازل في سوريا باستثناء الفلسطينيين.

و"المجلس الإيراني السوري" أنشئ بعيد انطلاق الثورة السورية في العام 2011، واتخذ من بناء سكر في ساحة الميسات مقراً له. ويسعى وفق بيانه التأسيسي إلى خلق مناخ للاستثمار وتنسيق الأعمال مع السفارة الإيرانية.

"المجلس" الذي أصبح الذراع الاقتصادية الأقوى في سوريا، يُشكل المعادل الاقتصادي للمليشيات الإيرانية التي تقاتل في سوريا.

وبحسب البيان التأسسي، فلتكون عضواً في "مجلس الأعمال السوري الإيراني" عليك أيضاً أن تتقدم بطلب إلى أمانة سر وسكرتارية المجلس، وأن تكون عضواً في إحدى الغرف المحدثة في سوريا؛ التجارة أو الصناعة أو الزراعة أو المصدرين أو السياحة أو الملاحة أو النقابات المهنية. وبهذا يكون المجلس الذي يسميه الكثير من أبناء العاصمة "الأخطبوط الإيراني" قد مد أذرعه إلى جميع الفعاليات الاقتصادية والمهنية داخل دمشق وأصبح صاحب القرار المهيمن فيها.

وكشفت مصادر "المدن" أن المجلس يقوم بتمويل العديد من الغرف ودعم أفرادها مادياً، ومن ثم يتم استقطاب الباقين بحيث يصبح لأعضاء المجلس الأكثرية في استصدار أي قرار من هذه الغرف.

ويصدر المجلس بطاقات عضوية للأشخاص المنتسبين له، وتعتبر هذه بطاقة أمنية للفعاليات الاقتصادية، بحيث يمنع التعرض لهم أو مساءلتهم من دون طلب إذن المجلس، ويعاملون معاملة ضباط قوات النظام بتسهيل تنقلهم وتحركاتهم، كما يتم تسهيل حركتهم خارج سوريا.

ومن أعمال "المجلس الإيراني السوري" تجهيزه للبناء الضخم على أوتستراد المزة بالقرب من السفارة الإيرانية، في حين يسعى لإقامة سلسلة فنادق على الأراض المواجهة لكلية الطب البشري. وهو المسؤول عن إعادة الإعمار في شارع المصطفى خلف مشفى الرازي والمعروف باسم مشروع "حلم دمشق".

وكانت إيران خلال السنوات القليلة الماضية، قد اشترت أهم الفنادق في العاصمة دمشق، ومنها الإيوان وآسيا وفينسيا والبتراء وكالدة، والتي شكل "المجلس السوري الإيراني" أيضاً الغطاء الاقتصادي لها.

وعلاقة إيران بفنادق دمشق قديمة، تعود إلى زمن الحرب العراقية–الإيرانية، إذ عمدت آنذاك إلى استئجار فنادق بكاملها، وبعقود سنوية، من أجل تأمين إقامة الزوار الإيرانيين إلى "أماكنهم المقدسة" في سوريا، من خلال ما يعرف باسم "مؤسسة الشهيد للحج والزيارة".

2017/10/01

لا سلام مع إسرائيل


 عبد الحليم قنديل

بالعقل البارد وحده، وبغير تشاؤم مضاف ولا تفاؤل مفتعل، فلا فرصة حقيقية لسلام أو تسوية على الجبهة الفلسطينية مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، حتى مع تسارع التطورات المريبة، وتدافع دول عربية، وخليجية بالذات، إلى إقامة جسور تطبيع مع إسرائيل، والانتقال من العلاقات السرية إلى الواجهات العلنية.

والسبب ظاهر في ما نعتقد، فالحديث عن فرصة سلام قد لا تتكرر، لا يبعث عليه سوى حسن الظن بنوايا الرئيس الأمريكي المهووس دونالد ترامب، وميله إلى بيع كلام فارغ، من نوع «صفقة القرن» التي كف عن ذكرها، أو وعوده بالسعى لتسوية كبرى، وتوالي لقاءاته بنتنياهو وعباس، ودفع آخرين إلى قمم عار مع نتنياهو، لا يقصد بها سوى نشر إيحاءات في غير محل، وتشجيع أطراف عربية بعينها على التعاون مع إسرائيل، وربما التحالف معها ضد إيران، مع تقزيم الحق الفلسطيني إلى حزمة إجراءات تلطيف عابر، من نوع التسهيلات على المعابر والمعونات الاقتصادية، ووقف الحديث تماما عن تسوية الحد الأدنى المفترضة من قبل أطراف عربية، وطمس عنوانها الكلاسيكي عن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية المحتلة.

وقد تحتاج إلى أن تخلع عقلك، لكي تصدق أن إسرائيل، بنتنياهو أو بدونه، يمكن أن تقبل بفكرة إقامة دويلة فلسطينية في غزة والضفة والقدس، وبالذات في المدى المنظور، فقد أغلقت إسرائيل ملف القدس تماما، واعتبرت ما تسميه القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، وكادت تكمل تهويدها، بالتوحش في الاستيطان، وإعادة هندسة المدينة، ورمي الكتل السكانية العربية إلى خارج حدود القدس.

وربط المدينة جغرافيا بمستوطنات التهويد الكبرى في الضفة الغربية، التي صارت تحتل في مجموعها نحو نصف مساحة الضفة كلها، وبكتل من المستوطنين تفوق الستمئة ألف نسمة، مع حشر الفلسطينيين في معازل مقطعة الأوصال، وتحويل حياتهم اليومية إلى جحيم إذلال متصل، وترك تكاليف معايشهم لسلطة فلسطينية وهمية، تتكفل بها عبر تسول المعونات، وانتظار تعطف إسرائيل بدفع مستحقات الجمارك على المعابر، واستنزاف موارد المياه الفلسطينية في الأغوار، وفرض وجود الاحتلال الفعلي بلا تكلفة تقريبا، فلا شيء يتحرك من مكانه بدون إذن إسرائيلي مسبق، وحتى الرئيس الفلسطيني نفسه، لا يستطيع التحرك ولا السفر إلا بتصريح إسرائيلي، برره الرئيس عباس بأنه نوع من التنسيق المدني، ولا يدخل في سياق «التنسيق الأمني»، الذي تلتزم به السلطة الفلسطينية، رغم الإعلان عن تجميده، وتتعهد فيه بمطاردة واعتقال كل من يفكر أو يشرع في عمل فدائي، وإذا تخلفت أو تقاعست وعجزت، تعطي إسرائيل لنفسها الحق الفوري في المطاردة عبر المنطقة (أ)، التي يفترض أنها ممنوحة في اتفاق أوسلو للوجود الأمني الفلسطيني، بينما في المنطقة (ب) وجود مختلط فلسطيني إسرائيلي، وفي المنطقة (ج)، التي تشمل ستين في المئة من مساحة الضفة الغربية، وغير المأهولة بالسكان إلا قليلا، فلا وجود لسلطة غير سلطة الاحتلال المباشر، وهو ما يتسق مع الفكرة الجوهرية في «أوسلو»، وهي منح الفلسطينيين حكما ذاتيا للسكان بدون الأرض، وخفض تكاليف الاحتلال إلى أدنى حد.

والذين يحدثونك عن مفاوضات جديدة، أو عن حل نهائي في المدى المنظور، يجهلون أو يتجاهلون ما جرى، فقد جرى عقد اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993، وكان التصور المعلن أنها ترتيبات موقوتة، وأن التفاوض على الحل النهائى يستغرق خمس سنوات بعدها، وعلى موضوعات محددة بينها الاستيطان والمياه والحدود والقدس واللاجئين، وبهدف إقامة دولة فلسطينية عام 1999 بحد أقصى.
وقد مرت إلى الآن أربع وعشرون سنة لا خمسا، استغرقت المفاوضات منها نحو عشرين سنة، ثم قررت إسرائيل وقف التفاوض بالاستيلاء الكامل على القدس والتوحش في الاستيطان، ولم تقم الدولة الفلسطينية ولا شبه الدولة، اللهم إلا في وثائق الأمم المتحدة، وفي اعترافات دولية متناثرة بوجودها الافتراضي، لكنها لم تقم في الواقع أبدا، ولم يحدث من تغير، إلا بقوة الناس والمقاومة المسلحة في الانتفاضة الثانية، التي أجبرت إسرائيل على الجلاء عن غزة من طرف واحد، وتفكيك مستوطناتها السبع فيها، فلم تتحرر قطعة أرض بغير سلاح المقاومة في الأربعين سنة الأخيرة، وعلى نحو ما جرى في جنوب لبنان، ثم في غزة، وحيث جرى في الحالين خلق توازن ردع جديد، لم تنجح إسرائيل أبدا في حروبه، وهو نسق أداء مختلف، هو وحده الذي يخلق فرصة للتحرير وللمفاوضات المنتجة، فما يجري على طاولات التفاوض، ليس شطارة تجارية ولا مناشدات عاطفية، بل موازين القوى على الأرض هي التي تحكم وتؤثر، ولا أحد يكسب بالتفاوض شيئا أبعد من مدى مدافعه، مع الإدراك العميق بالطبع لاتساع معنى المقاومة، وشمولها لصور من المقاومة الشعبية الجماهيرية، على نحو ما أبدع الفلسطينيون فيه بمعارك المسجد الأقصى الأخيرة، وقد نجحوا في كسر أنف إسرائيل رمزيا، وبوسعهم أن يكملوا الطريق نفسه، خاصة بعد الاتجاه لمصالحات عباس وحماس برعاية مصرية، وهو ما قد يضيف إلى إمكانية توحيد الكفاح الفلسطيني، وليس الاكتفاء بتقاسم ترتيبات سلطة وهمية، ولا بحرمان الفلسطينيين من الدعم العربي الرسمي بما يسمى «مبادرة السلام العربية»، التي يريد البعض اختصارها في التطبيع المفضوح مع بقاء الاحتلال.

ولا يجوز القياس في الشأن الفلسطيني على المعاهدة المصرية ـ الإسرائيلية، المعروفة إعلاميا باسم «كامب ديفيد»، ولا على معاهدة «وادى عربة» الأردنية الإسرائيلية، التي لم تتضمن إعادة شبر أرض للأردن، بل نصت على تأجير أرض أردنية إلى إسرائيل لمدة قرن كامل، بينما جرت إعادة سيناء صوريا لمصر، ومقابل ثمن محدد، هو إخراج مصر بثقلها الحاسم من دائرة الصراع مع إسرائيل، ولم تكن النتائج «رائعة» ولا يحزنون، فقد فرضت المعاهدة نزع سلاح شبه كامل في سيناء، وبعمق يصل إلى مئة وخمسين كيلومترا من خط الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، وحظر إقامة مطارات وموانئ حربية بحرية مصرية في سيناء كلها، وهو ما جعل من عودة سيناء عملا صوريا، ظلت آثاره الوبيلة تتفاقم، إلى أن جرت تطورات السنوات الأخيرة، وعاد الجيش المصري بكامل هيئته إلى سيناء كلها، وبما أنهى عار نزع السلاح المترتب على المعاهدة المشؤومة، أي أن الصورة في أصلها لم تكن «رائعة»، ولم تتغير إيجابا بغير الخروج عن شروط المعاهدة وقيود ملاحقها الأمنية، وبسياسة وطنية براغماتية لا تخلو من ذكاء لافت، استثمرت التواصل الأمني مع إسرائيل في تحرير حركة السلاح المصري، وتحرير سيناء فعليا لا صوريا، وبتضحيات هائلة اليوم لجنود الجيش المصري وضباطه، تصل ما انقطع مع نتائج ملاحم عبور الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973، وبدون أن تنجح معاهدة السلام (إياه) في اختراق جدار الرفض الشعبي المصري لإسرائيل، ولا في تكريس اعتراف بمشروعية التطبيع مع إسرائيل، التي أغلقت سفارتها بالقاهرة على مدى تسعة شهور أخيرة، بعد أن جرى إحراق شعبي لمقر السفارة الأصلي في 2011، وانزوت السفارة إلى مقر مهجور معزول لإقامة السفير الإسرائيلي، وهي حالة حصار شعبي لن تتغير مهما جرى، ومهما توالت مظاهر دفء رسمي مصطنع، فقد اتخذ الشعب المصري قراره الذي لا راد له، وظلت عقيدة الجيش المصري راسخة كشعبه، فالخطر الأكبر على مصر يأتي دائما من الشرق، ووجود كيان الاغتصاب الإسرائيلى في ذاته، بالحرب أو بدون الحرب، يظل خطرا داهما على الوجود المصري في ذاته، وهو ما لا يستطيع صانع القرار الرسمي تخطيه، حتى إن تجاهله أحيانا، وبدليل سعي القاهرة الرسمية المتصل لتكثيف وجودها على الجبهة الفلسطينية، ففلسطين هى خط الدفاع الأول عن الوجود المصري، وقضية فلسطين قضية وطنية مصرية.

وعلى عكس الترويج لما يسمى سلام محتمل، أو صفقة كبرى ممكنة على جبهة التسوية الفلسطينية، فإن المنطقة أقرب إلى حرب جديدة منها إلى سلام، فلا يشغل إسرائيل الآن أكثر من إيران النووية الصاروخية، وتغير خرائط المشرق العربي بعد حروب سوريا، وتنامى قوة حزب الله بالذات، وتداخل جبهة الجنوب اللبناني مع جبهة الجنوب السوري في الجولان المحتل، وإسرائيل تدرك أنها لا تستطيع وحدها مواجهة التطورات الجديدة، ولا الفوز في حرب تشنها وحدها ضد إيران، وتسعى لدفع أمريكا إلى حرب مباشرة تدفع عنها الخطر الإيراني، وترامب المحاصر سياسيا في واشنطن، يسعى لكسب دعم إسرائيل واللوبي اليهودي، ويزيد من نبرته العدائية الفجة لإيران، ويريد ضم أطراف عربية للتعبئة العامة ضد إيران، وإقامة تحالف خليجي مع إسرائيل، وهذا هو المعنى المضمر في الحديث المموه عن صفقة سلام إقليمي، هي في حقيقتها توريط للعرب في استنزاف لوجيستي ومالي جديد، لا يخدم في النهاية سوى تكريس الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين.

العراق لا يحتاج لعمامة!


شهباء شهاب

زمننا هذا، ليس زمن الأنبياء، والأصفياء، والصالحين. هذا زمن الفتن العظيمة، والشر المستطير. ولكي نحافظ على الدين، وقداسته، وجماله، ونقائه الأفضل أن نبقيه بعيدا عن السياسة وأهلها، وعن الحكومات بمختلف ألوانها، وأشكالها، وبعيدا عن المتطفلين، والمتملقين، والمتزلفين، والوصوليين، والمرتزقة، ومن يركبون كل موجة رائجة،عالية

الدين مكانـه القـلب فحسـب. هو العلاقة الجميلة، الرائقة،الهادئة، النَدِية مع الله، العلاقة التي تلجأ لها لتطمئن، وترتاح، وتسترخي، لا لتقلق، وتتعذب، وتشقى. الدين هو المحبة الرقيقة، البيضاء، النقية، هو المحبة غير المشروطة، هو باب الله الواسع، الكبير، المفتوح على مصراعيه على الدوام، والذي تتركه خلف ظهرك طويلا، وربما تنساه لثقتك بأنه سيكون في مكانه أبدا، لا يتغير موقعه أو شكله، أو هيأته، أو درجة انفراجه؛ باب لا يقف عنده حاجب، أو وزير، أو سفير، أو مَلْك.

حشر الدين في السياسة، والدولة، والحياة العامة، والحروب، والصراعات سلب من الدين هيبته القديمة، ومذاقه الساحر الأخاذ، وقدسيته الطاغية، المبهرة، ورونقه البهي، المبهج. هذا الحشر القسري، كان مخططا له، ولم يكن إعتباطيا، أو عفويا، أو طارئا.

الساسة الذين خططوا لهذا الحشر، ورسموا خريطته، وبرامجه فعلوا ذلك لضرب عصفورين بحجر واحد؛ الأول هو إستخدام الدين كأداة مؤثرة لكسب الجماهير، ولاسيما الجماهير الساذجة، المتواضعة في ثقافتها، و إطلاعها لتمرير برامج سياسية مرسومة، والحصول على السلطة، والثروة، والامتيازات. والثاني هو ضرب الدين من الداخل عن طريق تشويه صورته، وشرخ حصونه، والحط من قيمته، وضرب مكانته في قلوب المؤمنين به. فإذا بالمؤمنين ينهشهم الشك في دينهم، ويأكلهم اليأس، ويساورهم التخبط، ويغريهم البعد عن الإيمان، ويستدرجهم الإلحاد والإنكار، ويتملق لهم الخواء الروحي، والتفاهة النفسية.

عشنا حياة ماضية لم نكد نرى فيها عمامة تتجول هنا، أو هناك، أو تحكم هنا، أو هناك، أو تظهر على الناس في محطة تلفزيونية، أو إذاعية، أو ترعد وتزبد، أو تحرض على العنف، والقتل، والإرهاب، وقطع الرؤوس، وتقطيع الأوصال، والنهب، والسلب، والحرق، وهدم البيوت، واغتصاب النساء. كنا في ماضي الأيام، لا نرى المُعَمَّم إلا في برنامج ديني مثلا، أو عند التوجه لأماكن العبادة. ما بالنا اليوم أصبحنا لا نرى غيرهم في كل شأن صغير، أو كبير، عظيم، أو تافه، شأن سلم، أو شأن حرب. ماذا حصل للدنيا ! من أين أتى كل هؤلاء ! هل أخرجتهم مفقسة مثلا ! هل أنتجتهم ماكينة للاستنساخ البشري ! لم يبقوا شأنا صغيرا، أو كبيرا إلا وحشروا أنوفهم الكريهة فيه.
لماذا نهجر العمامة ؟ لأنها ببساطة لا تصلح للحكم، ولا تصلح للسياسة، ولا تصلح لإدارة الدولة، لأن عصبيتها دينية، ولأن عصبيتها مذهبية، لأن عصبيتها ليست للوطن، لأن عصبيتها ليست للإنسان، لأن عصبيتها ليست لمصلحة الوطن، والشعب، ونحن تعبنا من هذه العمامة التي لم تجلب لنا سوى الحرب، والخراب، والدماء، والدمار، والفوضى.

هذه العمامة هي التي خطفت خيرة شبابنا؛ كانوا بعمر الورود اليانعة، سيقوا إلى الموت بجنون عمامة حمقاء. كفانا دماء، كفانا جوعا، وفقرا، وعوزا؛ كفانا حربا، كفانا شقاقا، ونفاقا، كفانا جهلا، وغفلة، كفانا وجعا، وثكلا. نحن بشر، ولسنا حجرا؛ نحن بشر نستحق الحياة، نستحق أن نعيش، نستحق الخبز بكرامة. هؤلاء المشركون الجدد، لماذا هم بحاجة لخلق أصنام جديدة، عمائم يعبدونها من دون الله، بعد أن علمنا الله أن ننبذها؛ هؤلاء المشركون الجدد لماذا عادوا إلى جاهلية العرب الأولى، وأشركوا بالله أهوائهم، ومعمميهم؛ هؤلاء المشركون الجدد مضحوك عليهم حد الثُمالة، مضحوك عليهم من قمة الرأس، لأخمص القدمين.

الغليان المتفجر الذي يشهده العراق، منذ تسيّد ما يسمى بالأحزاب الدينية عليه، وإمساكها لمقدراته، وفشلها الذريع في خلق دولة ناجحة، ونجاحها المنقطع النظير في إنشاء دولة اللادولة، ودولة الميليشيات المسلحة، التي تعيث فسادا، وإجراما، وجنونا لا تطفئه إلا ثورة غير معلنة، ثورة هادئة، كالثورة الكيبيكية الهادئة، الثورة التي شهدتها مقاطعة كيبيك الكندية في ستينيات القرن المنصرم، لسحب المجتمع من بين قبضة الكنيسة الكاثوليكية. هذه الثورة أنتجت تحولات جذرية سريعة، إجتماعية، وسياسية، وحياتية كان لها أثرها في علمنة المجتمع، وفك أرتباطه بالقيم الدينية، ومظاهرها في الدولة، والحياة الاجتماعية. الثورة الكيبيكية الهادئة، قامت عندما أدرك الشعب أن أوان التغيير قد حلّ، وهكذا تم رفع شعار «حان الوقت لإحداث تغيير ما» في إنتخابات عام 1960. نتائج هذا التغيير برزت في تقليص دور الكنيسة الكاثوليكية في المجتمع، وسحب سيطرتها على قطاعات مهمة، مثل التعليم، والرعاية الصحية.

ما يسمى بالمرجعيات الدينية لم تستطع أن تقدم شيئا استثنائيا للعراق، وذلك لأنها مرجعيات غير حرة، وغير مستقلة في قراراتها، ومحكومة بإملاءات خارجية. المرجعيات التي لا تستطيع التغيير الجذري، والتأثير الفعال في حياة المجتمع، هي مرجعيات عاجزة، هرمة، ومعوقة، ولا قيمة لها. ذهب زمن المرجعيات الدينية، وأنتهى من كل العالم، ولم يعد له وجود، مثلما ذهب زمن الشيوعية، وزمن الدكتاتورية.

العراق لا تنفعه العمائم؛ دولة القانون والمؤسسات، وفصل الدين عن الدولة تماما، هو الحل الوحيد لينهض العراق على قدميه، وهو السياسة التي تتبعها معظم دول العالم شرقا وغربا. نحن لسنا بحاجة لمصباح علاء الدين لنخلق عراقا جديدا؛ نحن بحاجة لتحرير العقول من الهوس المرضي بالتدين الزائف، وإطلاق سراحها من سجن الخرافة والدجل.
دين الله ليس في حاجة لكهنة، ومراجع، وعمائم، وحوزات، وصوامع، وسادة، وعامّة. السياسة مصالح، لا مكان للعواطف فيها، ولذلك فالمُعَمَّم لا يصلح للحكم، لأن العمامة مشحونة بالعصبية، العصبية لدين ما، ولطائفة ما، ونحن نريد عصبية عراقية، عراقية فحسب، عصبية عراقية تحتضن كل الألوان والأطياف العراقية.

ناجي العلي في الذكرى الثلاثين لاغتياله




في الذكرى الثلاثين لاغتيال الفنان الفلسطيني الكبير الشهيد ناجي العلي ضمير الثورة والمقاومة الحي في فلسطين والوطن العربي لا يسعنا الا ان ننحني اجلالا وإكبارا لذكرى هذه القامة الوطنية والقومية الكبيرة المميزة الذي كرس جل عمله الفني الراقي المستوحى من صميم الواقع الاجتماعي والسياسي الفلسطيني والعربي لمحاكاة الحدث ما قبل الحدث لكن رصاصات الغدر والخيانة قطع عليه سلسلة افكاره لترديه شهيدا بعدما ضاق صدر سلطات الاحتلال الصهيوني من رسوماته المعبرة, كما ضاقت صدور بعض القيادات الفلسطينية المتنفذة والانظمة العربية المتصهينة وفي مقدمتها النظام الوهابي التكفيري السعودي هذه الرسومات الكاريكاتورية المعبرة التي كانت في تلك المرحلة بمستوى رصاصات الفدائيين الموجهة لجنود الاحتلال الصهيوني في فلسطين والاراضي العربية المحتلة .

قد تميز الفنان الفلسطيني الكبير بهذه الرسومات التي جسدت في جوهرها ومضمونها النقد اللاذع الذي استند للفكر المقاوم الخلاق لطرح رؤية التغير السياسي السلمي المبكر من خلال اسلوب التكثيف المبسط بأبعاده الفكرية العميقة ليستوعبها اصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة وعموم ابناء الشارع العربي المقاوم من البسطاء .

وفي هذا السياق لا ادري ماذا سنقول لشهيدنا الشاهد ناجي العلي بعد اغتياله في ال29 اب عام 1987 وخاصة بعد اختطاف منظمة التحرير الفلسطينية من قبل بعض القيادات الفلسطينية المتنفذة وتوقيع اتفاقيات اوسلو الخيانية وذبح انتفاضة الحجارة واغتيال الميثاق الوطني الفلسطيني في مجلس غزة اللاشرعي ؟؟ ماذا سنقول له عن تحويل الفدائيين الى موظفين وحراس للمستعمرات الصهيونية بموجب اتفاق التنسيق الامني ؟ ماذا سنقول له عن حصار قطاع غزة الصامد والاتفاقيات الاقتصادية الخيانية مع العدو الصهيوني المحتل وقتل ابو عمار وتصغيه كتائب شهداء الاقصى والمفاوضات العبثية؟؟ ماذا سنقول لك ايها الشهيد الشاهد عن الانقسام الفلسطيني والاقتتال بين الاخوة وماذا .. وماذا و ماذا عن التآمر على سورية حاضنة المقاومة والمقاومين وماذا سنقول عن المخيمات في سورية ولبنان التي تعيش حالة من التي والاستباحة من قبل العصابات الوهابية التكفيرية كثرة هي الاسئلة في هذا الزمن العربي الرديء.

لكننا نطمئنك لترحاح في قبرك الغريب في بلاد الغربة ان عصر الهزائم ولى بفعل صمود وصلابة المقاومين الذين يحققون الانتصارات تلو الانتصارات التي ارعبت وترعب العدو الصهيوامريكي من جنوب لبنان المقاوم المحرر عام 2000 الى انتصار تموز عام 2006 وليس انتهاء بهزيمة شارون من غزة ووصول الصواريخ الفلسطينية الى حيفا ويافا والقدس وتل ابيب والعفولة وغيرها وغيرها من الصمود الاسطوري في غزة امام الة الحرب الصهيونية.

نبشرك ان سورية خرجت من ازمتها وتلملم جراحها بعد سب سنوات ونيف من الحرب الكونية عليها وهزمت الارهاب والارهابيين واسيادهم بقيادة العدو الصهيوامريكي, نبشرك بتربتك ن محور المقاومة اليوم اصبح قوة ومعادلة اقليمية لا يستطيع احدا تجاهلها فنم ايها الفدائي المقاوم قرير العين هانيها لنبشرك بالنصر الكبير على مجرمي الحرب الصهاينة المرعوبين من انتصارات محور المقاومة من الموصل الى حلب والقلمون وجرود عرسال الى القدس الصامدة بوجهة الغزاة مجرمي العصر نعم اقترب اليوم الذي ستتحرر كل الاراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها فلسطين كل فلسطين من نهرها الى بحرها وسنعيد رفاتك لتوارى في الشجرة الى جانب كل شهدائنا الذين سيعودون معززين مكرمين الى ثرى الوطن مع ابناء شعبنا المشردين بعد التحرير واجتثاث الغدة السرطانية الصهيونية فن ارضنا ليعم الامن والامان ربوع المنطقة كلها لنخلص شعبنا وامتنا من شرور هذا العدو المحتل .

ولد شهيدنا الشاهد ناجي العلي عام 1937 في قرية الشجرة التي تقع بين طبريا والناصرة لأسرة فلسطينية ذاقت مرارة الاحتلال والهجرات من مكان الى اخر حتى استقر بها المطاف في مخيم عين الحلوة في لبنان بعد نكبة عام 1948 منذ ذلك التاريخ لم يعرف الفتى الفلسطيني الاستقرار ابدا لكنه كان نشيطا ومقاوماً ولم يستكن للهجرة واحتلال الارض من قبل مجرمي الحرب الصهاينة بل بقي يتطلع لأرض الوطن ويحن اليها فكرس جل نشاطاته لمقاومة المحتل الصهيوني الذي اعتقله وهو في مقتبل العمر ولم يستلم للجلاد الصهيوني بل تعمد تحويل جدران زنزانته الى لوحة رسم ليعبر عما يجول في مكنونات نفسه الابية ضد سلطات الاحتلال الصهيوني وعندما افرجت عنه سلطات الاحتلال الصهيوني لم يسلم من اعتقاله عند السلطات اللبنانية التي اعتقلته عدة مرات وحول جدران زنزانته الى لوحات لرسوماته ليعبر خلالها عن صدق انتمائه الوطني والقومي العربي في مرحلة كانت تتميز بوجود حركة القومين العرب آنذاك ولم ييأس ذلك الفتى الحيوي النشيط وعندما افرجت عنه السلطات اللبنانية توجه الى مدينة طرابلس شمال لبنان ليدرس في مدرسة مهنية وحصل على شهادة ميكانيك السيارات ليستعين بها على دنك الحياة وقسوتها ويعيل اسرته الفقيرة تزوج من صبية فلسطينية من بلدة صفورية الجليلية وانجب منها اربعة اولاد هم خالد واسامة وليال وجودي وعندما استشهد غيلة وغدرا اعاد ابنه خالد انتاج رسوماته في عدة كتب جمعها من عدة مصادر كثيرة وتم ترجمتها لعدة لغات منها الانكليزية والفرنسية وغيرها .

وبالرغم من ذلك بقي فن الرسم الكاريكاتوري هاجسه ورفيق دربه الذي لا يفارقه حتى استشهاده وخلال هذه المسيرة الكفاحية المضنية تعرف على الكاتب والصحفي الفلسطيني الشهيد القائد غسان كنفاني رحمه الله وشاهد عدد من رسوماته التي اعجب بها ووعده بنشرها في مجلة الحرية وسرعان ما اوفى بوعده ونشرها بالعدد 88 الصادر بتاريخ 25 ايلول عام 1961وكانت هذه البداية لميلاد فنه الشعبي الرائع المعبر .

وفي عام 1963 سافر الى الكويت وعمل محررا ورساما ومخرجا صحفيا فعمل في صحيفة الطليعة وكذلك في صحيفة السياسة الكويتية ثم صحيفة السفير اللبنانية والقبس الكويتية والقبس الدولية وكان فنانا ناجحا بامتياز وفي سياق عمله الفني تعمد ابتداع شخصية مميزة اطلق عليها اسم حنظلة والتي تعتبر من من اهم سمات الثورة الفلسطينية المسلحة المعاصر بالرفم من اختزالها بحدود صبي لا يتجاوز العاشرة من عمره لكنه عايش تفاصيل امال وآلام شعبنا العربي الفلسطيني والعربي وادر الظهر للجميع وقد ظهرت هذه الشخصية المميزة مع نكسة حزيران عام 1967 لتمثل ضعف وهوان الانظمة العربية وهزيمتها امام العدو الصهيوني .

اما ظهورها بشكل عملي فقد ظهرت لأول مرة في جريدة السياسة الكويتية عام 1969 وبعد حرب تشرين عام 1973 ادار ظهره للجميع وعقد يديه خلف ظهره ومنذ ذلك الحين مثلت هذه الشخصية الفلسطينية المعبرة توقيع الفنان الفلسطيني الكبير على رسوماته التي نالت استحسان الجماهير الفلسطينية والعربية وخاصة انها كانت تمثل المواطن الفلسطيني المعذب في حله وترحاله الذي تميز بالقوة والصبر والتحمل رغم المصاعب والمشاكل التي اعترضت مسيرته الحياتية اينما كان والتي لم يستسلم لها ولم يهادن احدا او يخشاه

كان لدى ناجي شخصيات أخرى رئيسية تتكرر في رسومه من اهمها شخصية المرأة الفلسطينية فاطمة التي ظهرت في العديد من رسومه وشخصية فاطمة هذه شخصية لا تهادن في مواقفها و رؤياها وكانت شديدة الوضوح فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وطريقة حلها بعكس شخصية زوجها الذي ينكسر حينا ويمتلك الارادة أحيانا في العديد من الكاريكاتيرات لكن رد فاطمة كان قاطعا وغاضبا .

مقابل هاتين الشخصيتين تقف شخصيتان أخرتان الأولى شخصية السمين ذي المؤخرة العارية والذي لا أقدام له (سوى مؤخرته) ممثلا به القيادات الفلسطينية والعربية المرفهة والخونة الانتهازيين وشخصية الجندي الصهيوني طويل الأنف المرتبك في أغلب الحالات أمام حجارة الأطفال لكنه الخبيث والشرير أمام القيادات الانتهازية.

لقد استثمر الشهيد ناجي العلي رسوماته بطريقة عبقرية ليوظفها في استعراض الاحداث ولكن بطريقة ناقدة جارحة ولاذعة ومضحكة مبكية في آن معا

لقد اكتنف الغموض عملية اغتيال الشهيد ناجي العلي ويرجح ان الاستخبارات الصهيونية استثمرت انتقاداته لبعض القيادات الفلسطينية المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية وفي مقدمتها ابو عمار وبعض الانظمة العربية المتصهينة مثل النظام الوهابي التكفيري السعودي لتصفيته في لندن وها هي الحكومة البريطانية اليوم وبعد ثلاثين عاما من اغتياله طرحت فتح ملف الاغتيال من جديد مما رعب بعض الشخصيات الصهيونية وخاصة ان جريدة ” يديعوت احرونوت ” الصهيونية نشرت بعد سنوات عدة قائمة بعمليات اغتيال ناجحة ارتكبها الموساد في الماضي وتم ذكر اسم ناجي العلي في القائمة الثانية وهذا ما اكدته صحيفة الاتحاد الحيفاوية في ملحقها الأسبوعي الصادر بتاريخ 1 ايلول عم 2000 في مقالة للكاتب الفلسطيني بشير شلش بعنوان ” ناجي العلي الغزال الذي جف دمه ” لكن الكاتب لم يتمكن من ارفاق مقالته بتقرير صحيفة ” يديعوت احرنوت الصهيونية ” الذي سحب من التداول على ما يبدو . .

ثوابت إسرائيلية تحصد متغيّرات عربية


صبحي غندور
 
هناك الآن حالة انتظار تسود المنطقة العربية لما ستسفر عنه هذه المرحلة من متغيّرات سياسية وتطوّرات عسكرية، خاصّةً في معارك المواجهة المفتوحة حالياً مع "دويلة داعش" في كلٍّ من العراق وسوريا، لكن حتماً القوى الدولية والإقليمية الفاعلة ليست جالسةً مكتوفة الأيدي ومكتفيةً بحال الانتظار، فهي تعمل من دون شك على تهيئة نفسها لنتائج هذه المتغيّرات، بل هي تحاول الآن استثمارها أو حرفها أو محاصرتها أو التحرّك المضاد لبعض مساراتها.. وهي كلّها مسائل قائمة مرتبطة بمكان هذه المتغيّرات وظروفها.

فالانتفاضات الشعبية العربية التي حصلت قبل أكثر من ست سنوات رآها البعض كظواهر مشرقة واعدة بغدٍ أفضل، لكن النور الساطع لهذه الانتفاضات سرعان ما بهت بسبب التدخّل الإقليمي والدولي، في ظلّ أجواء طائفية ومذهبية كانت أصلاً تنخر الجسم العربي وتهدّد وحدة أوطانه، وتُسهّل السيطرة الخارجية عليه.

فالأمّة العربية كانت تعيش قبل الانتفاضات الشعبية كابوس خطر التقسيم على أسس إثنية وطائفية ومذهبية، وذلك حصل منذ الاحتلال الأميركي للعراق ثمّ بعده تقسيم السودان إلى جنوب وشمال. وكانت الأمّة تخشى على نفسها من نفسها أكثر ممّا يجب أن تخشاه من المحتلّين لبعض أرضها أو الساعين إلى السيطرة الكاملة على ثرواتها ومقدّراتها.


وللأسف، فإنّ المعارضات العربية، التي كانت توّاقةً للديمقراطية، تساهلت مع مشاريع الهيمنة الأجنبية على أوطانها. بينما الشعوب العربية تدرك بوعيها الفطري الصادق أن لا فصل ولا انفصال بين حرّية الوطن وحرّية المواطن، وبأنّ الاستبداد الداخلي يخدم الهيمنة الخارجية، والعكس صحيح.

وكان القلق مشروعاً، والتنبّه أيضاً، ممّن يريدون أولوية المكاسب السياسية الفئوية، ولو من خلال إشعال الفتن الداخلية، وحيث هناك أشخاصٌ جاهزون لخدمة أجندات أجنبية وإسرائيلية تبحث لها عن عملاء ووكلاء.

إنّ تحميل "نظرية المؤامرة" وحدها مسؤولية المصائب والمخاوف هي حتماً مقولة خاطئة ومُضلّلة، فكلّ ما يحدث من "مؤامرات خارجية" يقوم فعلاً على استغلال وتوظيف خطايا داخلية، لكنّه أيضاً "قصر نظر" كبير لدى من يستبعد دور ومصالح "الخارج" في منطقةٍ تشهد الآن أهمّ التحوّلات السياسية والأمنية والجغرافية.

هناك في سيرة آدم عليه السلام، كما وردت في الرسالات السماوية، حكمةٌ هامّة. فإغواء الشيطان له ولحوّاء كان "مؤامرة خارجية"، لكنّ ذلك لم يشفع لهما بألا يكون هناك عقابٌ وتحمّل مسؤولية.

الواقع الآن أنّنا نعيش زمناً إسرائيلياً في كثيرٍ من الساحات العربية والدولية. زمنٌ يجب الحديث فيه عن مأساة الملايين من الفلسطينيين المشرّدين منذ عقود في أنحاء العالم، لا عن مستوطنين يهود يحتلّون ويغتصبون الأرض والزرع والمنازل دون رادعٍ محلّي أو خارجي. زمنٌ إسرائيليٌّ حتى داخل بلدان عربية كثيرة تشهد صراعات وخلافات طائفية ومذهبية تخدم المشاريع الأجنبية والإسرائيلية، في الوقت الذي تحتّم فيه مواجهة هذه المشاريع أقصى درجات الوحدة الوطنية. زمنٌ تفرض فيه إسرائيل بحث مسألة "الهويّة اليهودية" لدولتها التي لم تعلن عن حدودها الرسمية بعد، بينما تضيع "الهويّة العربية" لأمَّةٍ تفصل بين أوطانها، منذ حوالي قرنٍ من الزمن، حدودٌ مرسومة أجنبياً، وبعض هذه الأوطان مُهدّدٌ الآن بمزيدٍ من التقسيم والشرذمة!!.

يُغرِق البعض الأمَّة في خلافاتٍ ورواياتٍ وأحاديث عمرها أكثر من 14 قرناً، وليس الهدف من ذلك إعادة نهضة الأمَّة وأوطانها، بل تقسيمها إلى دويلات طائفية ومذهبية تتناسب مع الإصرار الإسرائيلي على تحصيل اعتراف فلسطيني وعربي بالهُويّة اليهودية لدولة إسرائيل، فتكون "الدولة اليهودية" نموذجاً رائداً لدويلات دينية ومذهبية منشودة في المنطقة كلّها!.

وإذا كانت إسرائيل وأجهزتها الأمنية تتسلّل إلى أهمّ المواقع السياسية والأمنية في دول كبرى ومنها حليفتها الكبرى أميركا، فكيف لا تفعل ذلك مع أعدائها "الجيران" لها؟ فرغم كلّ العلاقات الخاصّة بين أميركا وإسرائيل، هناك العديد من العملاء الأميركيين الذين اعتقلوا بتهمة التجسّس والعمل لصالح إسرائيل في مواقع أمنية أميركية مهمّة، وبعضهم من خلال علاقتهم مع منظمة "الإيباك"، اللوبي الإسرائيلي المعروف بواشنطن.

ثمّ ماذا عن الدكتور ماركس وولف، الذي كان مسؤولاً عن جهاز الاستخبارات العسكرية في ألمانيا الشرقية الشيوعية (قبل سقوط الإتحاد السوفييتي)، وقد لجأ إلى إسرائيل بعد سقوط حائط برلين وانهيار النظام الشيوعي فيها حيث تبيّن أنه كان عميلاً للموساد الإسرائيلية، وهو الذي كان يشرف على العلاقات الخاصّة مع منظمات وأحزاب شيوعية في دول العالم الثالث ومنها المنطقة العربية؟!.

وهل كان باستطاعة إسرائيل أن تغتال قيادات فلسطينية ولبنانية وعلماء مصريين وعراقيين في عدّة عواصم لو لم يكن لديها العديد من العملاء والمرشدين في هذه الدول؟. من السذاجة طبعاً تجاهل كلّ ذلك واعتبار أنّ إسرائيل هي طرفٌ محايد ومراقب لما يحدث في "جوارها العربي" المعادي لها.

إنّ إسرائيل، بلا شكّ، أحسنت توظيف الأخطاء الرسمية العربية، كما أحسنت توظيف الظروف الدولية والمشاريع الأميركية في المنطقة، لكن لإسرائيل مشاريعها الخاصّة التي تتجاوز أجندة واشنطن أو موسكو أو غيرهما من قوى إقليمية ودولية، فإسرائيل لم ولن تتراجع عن مشروعها التفكيكي للبلاد العربية على أسس طائفية ومذهبية وإثنية.

هذه ليست "تخيّلاتٍ وأحلاماً ومجرّد مشاريع"، بل هي "ثوابت" إسرائيلية ملازمة للمتغيّرات الحاصلة على الأرض العربية، وفي في ظلّ حكومة إسرائيلية يقوم برنامجها على ما قاله نتنياهو في خطابه الشهير أمام الكونغرس الأميركي قبل عامين، ونال تصفيقاً حادّاً حينما تحدّث عن لاءاته: لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين، لا للعودة لحدود 1967، لا لوقف الإستيطان، ولا لتقسيم القدس التي ستبقى العاصمة الأبدية للدولة "اليهودية"، كما أشار نتنياهو إلى الآمال التي تضعها حكومته على حركة الشارع العربي: "الذي لم يعد يتظاهر ضدّ إسرائيل بل ضدّ حكوماته". .

طبعاً ليست الخطط والمشاريع الإسرائيلية والأجنبية بمثابّة "قضاء وقدر"، فقد كان هناك في العقود الماضية مشاريع كثيرة جرى في أكثر من مكان وزمان إحباطها ومقاومتها، لكن ما يحدث الآن يختلف في ظروفه عن المرحلة الماضية. فالحديث عن "مقاومة إسرائيل" و"مواجهة الهيمنة الأجنبية" ليس هو الأولويّة الآن لدى جماعاتٍ كثيرة على امتداد الأرض العربية، بل إنّ بعض هذه الجماعات لم يجد حرجاً في طلب التدخّل الأجنبي أو في العلاقة مع إسرائيل نفسها!.

عسى أن يدرك الحكّام والمعارضون والمواطنون العرب عموماً إلى أيِّ منقلبٍ قد ينقلبون وهم يحكمون أو يثورون!.
 

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر