أنس أبو عرقوب

"يا رب شعب إسرائيل نحن ذاهبون للقتال من أجلك، امنحنا بركاتك، فنحن ذاهبون لقتال العدو الذي يُدنس اسمك". هذا النص هو جزء من رسالة وجّهها قائد "لواء غفعاتي" الإسرائيلي عوفر فينتر لجنوده، قبل مشاركتهم بالعدوان البرّي على قطاع غزة. هذه الرسالة تحولت إلى رمز يشير، بحسب نخب علمانية في إسرائيل، إلى "تصادم الزيّ العسكري مع قبعة المتدينين".

رسالة فينتر أعادت إلى الأضواء "الثورة" التي يشهدها جيش الاحتلال خلال العقد الأخير، وهي تتمثل بتزايد نسب التحاق شبان تيار الصهيونية الدينية بالوحدات القتالية، ويصاحبه تزايد طموح نفتالي بينت، الزعيم الشاب لحزب "البيت اليهودي" الذي يُمثل هذا التيار في الحياة السياسية، بالترشح لشغل منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بعد نجاحه في حصد ستة مقاعد بالكنيست خلال الانتخابات الأخيرة، مستعيناً بأصوات أبناء تياره، لكن أيضاً بأصوات علمانية.
على مستوى "الثورة" في الجيش، تكفي مراقبة ارتفاع نسبة الجنود المتدينين الذين أنهوا دورة الضباط من العام 1990 لما كانت 2.5 في المئة فقط: في العام 2000، أصبحت 15 في المئة. في العام 2008، بلغت النسبة 22 في المئة، لنستيقظ اليوم على واقعٍ يفيد بأن نصف متخرجي مدرسة الضباط يضعون القبعات الدينية على رؤوسهم. جنودٌ منضوون في التيار الديني الصهيوني الذي يبلغ تعداد مؤيديه سبعمئة ألف نسمة، بحيث يشكّل نسبة 10 في المئة فقط من مجموع سكان إسرائيل.

قرار بقيادة إسرائيل

يؤمن تيار الصهيونية الدينية بـ"ضروة الفعل البشري النشط من أجل تحقيق سيادة يهودية على كامل أرض إسرائيل التوارتية"، بخلاف التيار الديني التقليدي المتشدّد، أيّ "الحريدي"، الذي يرى أن "قيام دولة إسرائيل يتحقق فقط بمجيء المسيح المنتظر".
الفارق بين كلا التيارين يكمن في النظرة إلى الحركة الصهيونية، فالأول ينظر إليها كجزء من "خطة إلهية" برغم أن قادتها علمانيون، فيما يجد الحريديم أن الحركة الصهيونية هي إلحادٌ وتمرّدٌ على إرادة الرب عبر استعجال الخلاص بجهد بشري.
في السنوات التي تلت إنشاء إسرائيل، ساد شعور بالدونية بين قطاع واسع من أتباع "تيار الصهيونية الدينية" لاعتقادهم بأنهم في آن، أقل تديّناً من المتشددين دينياَ ("الحريديم")، وأدنى مرتبة من العلمانيين لانخفاض تمثيلهم في مواقع التأثير داخل المؤسسة العسكرية والقطاع الحكومي.
دفع هذ الشعور بأبرز قادة تيار الصهيونية الدينية الحاخام أبراهام كوك، إلى إطلاق دعوة طالب فيها أنصاره بالاندماج في المجتمع الإسرائيلي، والمزج ما بين دراسة التوارة والحياة القائمة على الالتزام بتعاليم الشريعة اليهودية، ودراسة التخصصات العلمية. ولكن، برغم الدعوات المبكرة للاندماج في المجتمع الإسرائيلي، ظل تمثيل أبناء "التيار الديني الصهيوني" في المناصب المؤثرة داخل المؤسسة العسكرية والوظائف العامة، محدوداً ولا يتناسب حتى مع نسبتهم من عدد السكان.
وقد كشف اللواء احتياط زئيف دروري (قائد لواء غفعاتي السابق)، خلال شهادة أدلى بها للقناة العاشرة في التلفزيون الاسرائيلي، أن "التيار الديني الصهويني" قرّر الوصول إلى قيادة اسرائيل، عبر التغلغل في قيادة الجيش ووسائل الإعلام. ومضى دروري قائلاً: "كان لي لقاء مع حنان بورات - أحد قادة التيار الديني الصهيوني- وقررنا خلاله أن نصل إلى قيادة الدولة. ثمة قناتان اجتماعيتان تقودان إلى قيادة الدولة، الأولى تملي بلوغ مراتب الضباط الكبار في الجيش، والثانية تكون عبر الإعلام". وأضاف دروري، ناقلاً أقوال بورات: "لذلك، نحن نريد أن يصل صبيتنا الذين يؤدون الخدمة العسكرية إلى الخدمة في إذاعة الجيش أو إلى المنظومة القيادية في الجيش، وسيأتي اليوم سواء بعد عشرة أعوام أو عشرين عاماً، الذي نصل فيه إلى قيادة إسرائيل".

"الثورة داخل الجيش"

أسّس الحاخام إيلي سيدان المدرسة الدينية الأولى التي تؤهل طلابها للالتحاق بالجيش في العام 1988، في مستوطنة عاليه. وهو يُعتبر صاحب الخطوة الفعلية الأولى التي مهدت لأحداث ما تصفه بعض النخب الاسرائيلية بـ"الثورة داخل صفوف جيش الاحتلال"، التي تجلت أخيراً بالارتفاع الحاد في نسبة الضباط من التيار الديني الصهيوني.
تعدّ هذه المدارس طلابها روحياً وجسدياً للالتحاق بجيش الدفاع الإسرائيلي، خلال مدة عام ونصف العام من الخدمة العسكرية الإجبارية. وتعمل من أجل الحيلولة دون انتقال الشبان المتدينين إلى العلمانية نتيجة احتاككهم أثناء خدمتهم العسكرية بالعالم العلماني. وتشجع هذه المدارس طلابها على الالتحاق بالوحدات القتالية، ويقصدها ضباط سابقون وقيادات سياسية ليقدموا دورساً في تنمية القدارت القيادية.
حتى منتصف عقد التسعينيات، وُجدت فقط خمس أو ست مدارس دينية تعنى بتأهيل الطلبة لدخول الجيش. أما اليوم فقد بات العدد يقارب الثلاثين. وفي التسعينيات، كانت نسبة 2 في المئة من متخرجي دورات الضباط من مرتدي قبعات المتدينين، بينما شهدت السنوات الأخيرة ارتفاع هذه النسبة إلى 40 في المئة!
عن هذه المدارس، يروي الباحث في شؤون الجيش والمجتمع البرفسور يغال ليفي: "هي مدارس تلقى رعاية من الدولة وتخضع طلبتها لتربية مشبعة بالرموز السياسية مثل التحريض ضد الفلسطينيين وعرض الفلسطينيين كأشخاص بلا حقوق، وهذه المدارس تربي الجيل الجديد من الجنود وقادة الجيش".
وكان مقطع تلفزيوني بثته القناة العاشرة الإسرائيلية قد انتشر مظهراً الحاخام شلومو افينر، رئيس "مدرسة عيطرت الدينية"، وهو يخاطب الطلاب قائلاً: "يجب على كل المتواجدين هنا أن يشاركوا في دورة الضباط، من لا يذهب منكم إلى دورة الضباط سيعاقب بشكل قاس". وبحسب القناة، فإن المئات من المقاتلين والمئات من قادة الوحدات والكتائب، وعدداً من الطيارين، تخرجوا من تلك المدرسة المقامة داخل الحي الإسلامي في البلدة القديمة من القدس".

الانتشار في بؤر التأثير

يعترف وزراء وشخصيات سياسية رفيعة، بقوة التأثير التي يمتلكها الحاخام سيدان الذي يُعتبر المرشد الروحي لتيار الصيهونية الدينية. وبحسب الصحافي روعي شارون، فإن المئات من طلبة الحاخام منتشرون في كل بؤر التأثير في إسرائيل، ومن بينهم مدراء في قطاع التعليم والقضاء، وغالبيتهم منخرطون في المنظومة الأمنية، سواء في الجيش أو مخابرات "الشاباك" أو "الموساد". ويكمل الصحافي: "إن قادة في الجيش، بعضهم شغل منصب رئيس الأركان، أخذوا المشورة من سيدان خلال السنوات الأخيرة".
ويحصد التيار الديني الصهيوني الأغلبية بين صفوف المستوطنين في الضفة الغربية. ومن هولاء، شغلت نسبة 13 في المئة قيادة الكتائب القتالية في الخدمة النظامية في جيش الاحتلال. وهي نسبة تعبّر عن خمسة أضعاف نسبتهم من مجموع السكان البالغة 2.5 في المئة، طبقاً لما كشفته مجلة "بمحنيه" العسكرية قبل أعوام قليلة.
وخلال العدوان الأخير، ساهم حاخامات الصهونية الدينية بتحريض الجنود وإضفاء صبغة دينية على الحرب، فقال الحاخام سيدان: "يجب جلب بوابات غزة إلى الخليل كما فعل شمشون في الماضي لكي تُنشأ مملكة الخليل المقدسة، وبعدها لن يبقى فلسطينيون في البلاد".
ويعتبر سيدان من أبرز المدافعين عن تبرير قائد لواء "غفعاتى" عوفر فينتر للعدوان بأن الفلسطينيين يدنسون اسم إله إسرائيل. وعقّب البرفسور يغال ليفي على ذلك بالقول: "فيتنر يضفي معنى دينياً على العملية العسكرية، وهذا ليس مجرد خطبة بلاغية. أما تصرف فيتنر فقد منح العملية العسكرية معنى دينياً، مثل سياسة فتح النار القاسية، وتدمير المساجد، والتفاخر بذلك علناً".
وطبقاً لتقديرات الحاخام سيدان، فإن وجود اشخاص مثل قائد "غفعاتي" الذي ينتمي لتيار الصهيونية الدينية، سيمنع أي انسحاب محتمل من الضفّة الغربية في المستقبل: "وجود الآلاف من أمثال قائد غفعاتي من المتدينين في بؤر التأثير، سيدفع الكثيرين إلى التساؤل عما تعنيه أرض إسرائيل لهم. وعندها، ما سيمنع الانسحاب ليس هؤلاء الأشخاص في مراكز القرار، وإنما العمليات الروحانية التي تجري داخل المجتمع الإسرائيلي ككل".
في استطلاع للرأي العام نشرت نتائجه القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي، اتضح أن نسبة 41 في المئة من الإسرائيليين لا تعارض تولي شخصية من "تيار الصهيونية" منصب رئيس الحكومة، فيما أشارت نسبة 26 في المئة إلى إنها ربما ستصوت لمصلحة شخص من هذا التيار. وأكدت نسبة 7 في المئة من الإسرائيليين أنها ستنتخب مرشحاً من "الصهيونية الدينية" إذا ترشّح لرئاسة الحكومة. كذلك، أعربت نسبة 35 في المئة من المشاركين بالاستطلاع، عن مقاربتها بإيجابية لشغل شخص من "الصهيونية الدينية" منصب رئيس أركان الجيش، وقالت نسبة 51 في المئة إنها لا تعارض ذلك، بينما اعتبرت نسبة 11 في المئة فقط من المستطلعين أن تعيين رئيس متدين في قيادة الأركان هو أمر سلبي.. علماً أن يآيير نفيه، النائب السابق لرئيس الأركان، انتمى إلى هذا التيار، وهو مرشح لخلافة رئيس الأركان الحالي.