الراصد القديم

2014/08/01

في ذكرى ثوره يوليو الدم العربى يسيسل


محمود كامل الكومى

إن يوم الثالث والعشرين من يوليو 1952 كان بداية مرحلة جديدة، ومجيدة فى تاريخ النضال المتواصل للشعب العربى فى مصر.

إن هذا الشعب فى ذلك اليوم المجيد بدأ تجربة ثورية رائدة فى جميع المجالات؛ وسط ظروف متناهية فى صعوبتها، وظلامها، وأخطارها، وتمكن هذا الشعب بصدقه الثورى، وبإرادة الثورة العنيدة فيه؛ أن يغير حياته تغييراً أساسياً وعميقاً باتجاه آماله الإنسانية الواسعة.

إن إخلاص الشعب المصرى لقضية الثورة، ووضوح الرؤية أمامه، واستمراره الدائب فى مصارعة جميع أنواع التحديات، قد مكنه - دون أدنى شك - من تحقيق نموذج رائع للثورة الوطنية وهى الاستمرار المعاصر لنضال الإنسان الحر عبر التاريخ؛ من أجل حياة أفضل، طليقة من قيود الاستغلال والتخلف فى جميع صورها المادية والمعنوية.

إن الشعب المصرى فى يوم بدء ثورته المجيدة فى23 يوليو سنة 1952 أدار ظهره نهائياً لكل الاعتبارات البالية التى كانت تبدد قواه الإيجابية، وداس بأقدامه على كل الرواسب المتخلفة من بقايا قرون الاستبداد والظلم، وأسقط إلى غير ما رجعة جميع السلبيات التى كانت تحد من إرادته فى إعادة تشكيل حياته من جديد.

إن طاقة التغيير الثورى التى فجرها الشعب المصرى يوم 23 يوليو تتجلى بكل القوى العظيمة الكامنة فيها؛ إذا ما عادت إلى الذاكرة كل جحافل الشر والظلام؛ التى كانت تتربص بكل عود أخضر للأمل ينبت على وادى النيل العظيم. لقد كان الغزاة الأجانب يحتلون على أرضه، وبالقرب منها القواعد المدججة بالسلاح؛ ترهب الوطن المصرى وتحطم مقاومته، وكانت الأسرة المالكة الدخيلة تحكم بالمصلحة والهوى، وتفرض المذلة والخنوع.

وكان الإقطاع يملك حقوله، ويحتكر لنفسه خيراتها، ولا يترك لملايين الفلاحين العاملين عليها غير الهشيم الجاف المتخلف بعد الحصاد.

وكان رأس المال يمارس ألواناً من الاستغلال للثروة المصرية؛ بعدما استطاع السيطرة على الحكم وترويضه لخدمته، ولقد ضاعف من خطورة المواجهة الثورية لهذه القوى المتحالفة مع بعضها وضد الشعب؛ أن القيادات السياسية المنظمة لنضال الجماهير قد استسلمت واحدة بعد واحدة، واجتذبتها الامتيازات الطبقية، وامتصت منها كل قدرة على الصمود، بل واستعملتها بعد ذلك فى خداع جماهير الشعب؛ تحت وهم الديمقراطية المزيفة، وحدث نفس الشىء مع الجيش الذى حاولت القوى المسيطرة المعادية لمصالح الشعب أن تضعفه من ناحية، وأن تصرفه - من ناحية أخرى - عن تأييد النضال الوطنى، بل وكادت أن تصل إلى استخدامه فى تهديد هذا النضال وقمعه.

وفى مواجهة هذه الاحتمالات صباح يوم الثالث والعشرين من يوليو سنة 1952 رفع الشعب المصرى رأسه بالإيمان والعزة، ومضى فى طريق الثورة مصمماً على مجابهة الصعاب والأخطار والظلام، عاقداً العزم فى غير تردد على إحراز النصر؛ توكيداً لحقه فى الحياة مهما كانت الأعباء والتضحيات.
إن قوة الإرادة الثورية لدى الشعب المصرى تظهر فى أبعادها الحقيقية الهائلة، إذا ما ذكرنا أن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثورى من غير تنظيم سياسى يواجه مشاكل المعركة؛ كذلك فإن هذا الزحف الثورى بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثورى.
من الميثاق كتبنا الدرس حين قدمه زعيم الثوره "جمال عبد الناصر "الى المؤتمر القومى للقوى الشعبيه 1962 , فكان درس ثوره يوليو 1952 كنور الشمس اضاء الكون وارضى النفس .

تطل علينا الذكرى 62 لثوره 23 يوليو 1952 التى قادتها الطلائع الثوريه لجماهير امتنا العربية بقياده الزعيم جمال عبد الناصر , والتى غيرت ملامح المنطقه العربية والشرق الاوسط ودول العالم الثالث كله , وشحذت همه الحركات الثوريه وقادتها الى هدفها نحو التحرر من ربقه القوى الاستعماريه لتخطو خطواتها لبناء دول متحرره مستقله قادره على ان تعيد صياغه نفسها من جديد وفق امانى شعوبها , تلك الثوره التى اختمرت في مخيال زعيمها , آبان حصاره في "الفلوجه "بقطاع غزه  حين سارع الى نجده فلسطين مع الجيش المصرى خلال حرب 1948 فراى الخيانه والعماله والتآمر من جانب حكام العرب والتى انتهت بنكبه فلسطين ,وما اعقبها من استيطان العصابات الصهيونيه على تلك البقعه الغاليه واجبار شعبنا الفلسطيني على الهجره , وافتراش المخيمات في الشتات والى الآن ,فكانت غزه الشمعه التى أضاءت لثوره يوليو فعلها الثورى .

تطل علينا الذكرى 62 لثوره يوليو القوميه العربية الناصريه , والدم العربى يسيل في كل مكان , فسوريا الاقليم الشمالى للجمهوريه العربية المتحده  التى اعلنها جمال عبد الناصر قائد ثوره يوليو , تدمى القلب فمازال شعبنا السوري دمائه تسيل بفعل المؤامره الكونيه على ارضه وبفعل ارهاب حركات الاسلام السياسى وعماله التنظيم العالمى لجماعه الاخوان المسلمين لأعداء الأمه العربية في تركيا وامريكا وعملاء اسرائيل القطريين , سوريا حاضن المقاومه الفلسطينيه وقد حز في خاصرها جرح مسموم من حركه حماس التابعه للاخوان المسلمين .

ومازال الدم انهارا في بلاد الرافدين , فالعراق شريك وحدوى لمصر منذ احتضن جمال عبد الناصر وثوره يوليو بغداد آبان حكم الراحلين عبد السلام وعبد الرحمن عارف , وغدت الوحده ثلاثيه وارتفع علمها ذو النجوم الثلاث في بغداد ودمشق والقاهره ,لكن العراق اليوم في دائره التقسيم , وصار هدف الاحتفاظ بمكونات الدوله الوطنيه بديلا عن الهدف  الوحدوى القومى العربى .

وفى ليبيا التى حولها جمال عبد الناصر من جار تفترش ارضه القواعد الاستعماريه لتكون خنجر مسموم في ظهر الجمهوريه العربية  المتحده, الى عمق استراتيجى لها حين حمى ثوره الفاتح من سبتمبر 1970 وناصرها وثبت اقدامه , لكن مع حلول الذكرى 62 لثوره يوليو ,تغرق ليبيا في حمام دم وتعود لتكون شوكه في خاصره الامه المصريه على حدودها الغربيه بفعل عملاء الاستعمار من جماعه الاخوان والمال القطرى الصهيوني .

كانت اليمن في مجاهل التاريخ وكان عصر الامامه قد حولها الى ضيعه في يد آل سعود , وكانت ثوره  الشعب اليمنى بقياده المشير عبد الله السلال قد بدأت على الطريق , وكان جمال عبد الناصر وثوره يوليو اول الحاضنين ,وحين تدخلت القوى الاستعماريه لاجهاض الثوره كان القرار الناصرى بأرسال الجيش المصرى للوقوف الى جانب الجيش والشعب اليمنى لحمايه ثورته التى تحق لها ما ارادت ووضعت اليمن على اول طريق التنوير , وفى الذكرى 62 لثوره يوليو فأن الدم في اليمن هو الآخر يسيل بفعل القاعده والقتل والترويع وتدخل السعودين وتخريب الاخوان المسلمين .

وتبقى فلسطين - التى عاش ومات من اجلها قائد ثوره يوليو جمال عبد الناصر والتى اعتبر الصراع مع العدو الصهيوني من اجل تحريرها صراع وجود وليس صراع حدود – جرح غائر في النفس ينزف  دما ومازال ينزف الى الآن لكن نزيف الدم الآن كاد أن يفيض به نهر الاردن , ونحن نرى في الذكرى 62 لثوره يوليو الناصريه وفى هذه الساعات  دماء شعبنا الفلسطيني في غزه تسيل وحى الشجاعيه في قلبها يدفن تحت انقاض بناياته مئات الاطفال والنساء والسيوخ بفعل القصف الوحشى والهمجى للطائرات الصهيونيه أستمرارا لحمله الاباده لشعبنا الفلسطيني ,ليحل محله مستوطنى الصهاينه , وأمتنا العربية في سكون وحكامها في مجون , حتى من هم على قمه السلطه الوهميه في غزه ورام الله صاروا جزءا من مجون ولامبالاه حكام العرب المشركون .

كانت غزه الشمعه التى أضاءت لجمال عبد الناصر طريق ثوره يوليو ,  لذاعاش ومات من اجل شعبنا الفلسطيني , فأحتضن حركات المقاومه حين شب عودها وصار الشعب الفلسطيني في مصر له من المميزات في الاعمال الحكوميه والمدارس والجامعات مايفوق المصريين , وخاض عبد الناصر الحروب من اجل فلسطين , ولم يتوقف قلبه الا حينما حمى الشعب الفلسطيني والمقاومه الفلسطينيه من الاباده على يد الملك حسين بن طلال ملك الاردن فيما سمى بأيلول الاسود .

علنا الآن نستدعى روح جمال عبد الناصر ومبادىء ثوره يوليو 1952 القوميه العربية الناصريه في الحريه والأشتراكيه والوحده ,( خاصه في مصر حكومه وشعباً )من اجل ايقاف نزيف الدم العربى في كل مكان , خاصه في غزه الآن , لنتطلع بعدها الى تحرير انفسنا من النظره الدونيه والاستغراق في المحليه التى غرستها فينا منذ سنين قليله الحكومات الرجعيه , , وأن نتحرربسرعه من حاله العداء التى تحاول قوى الصهيونيه بثها بين شعوب اقطار الدول العربية وبعضها بل وبين جماهير القطر الواحد ,وعلنا ان نتطهر من الاتجار بالدين الحنيف الذى مارسته علينا قوى الاسلام السياسى والاخوان المسلمين ,ونعيد صياغه انفسنا من جديد لنصنع ثوره يوليو 2014الآن ,الآن وليس غدا من اجل اعاده الروح للقوميه العربية .
وسلاما على زعيم الثوره "جمال عبد الناصر"في ذكراها ال 62 .

تأميم قناة السويس: أعددنا الخطة في 50 ساعة وانتظار نهاية مدة الامتياز كان يعني تسلم قناة مخربة

أميرة محمد

"قال لـ«الشرق الأوسط» إن الانقضاض على مكاتب الشرطة الفرنسية حافظ على مستندات المرفق"

يبدو من قراءة ما بين سطور حياته ان مصيره ارتبط بقناة السويس الى أبعد من اشتراكه في عملية التأميم، فقد التحق بالجيش ثم تركه ليعمل في مجال البترول، لكنه عشق قناة السويس ربما قبل ان يدرك ذلك، كان هذا عندما أعد مشروعاً أكاديمياً للتخرج في كلية الهندسة حول قناة السويس، وبعد التخرج تقدم لوظيفة بالشركة الفرنسية المالكة للقناة لكن طلبه رفض بسبب لغته الفرنسية الضعيفة.
  وبعد سنوات عاد الى الشركة ليؤممها وينهي سيطرة الفرنسيين، وتعود القناة ملكاً خالصاً للمصريين. ما زالت تفاصيل عملية التأميم التي تمت في 26 يونيو (حزيران) 1956، حاضرة بكل صغيرة وكبيرة في ذهنه، لم تسقط معلومة أو حادثة من ذاكرته، كلما استطرد في الاجابة عن سؤال توقف ليسأل هل ترغبون في مواصلة السرد أم انكم تعرفون هذه التفاصيل؟ ثم يواصل بنفس الحيوية والحضور الذهني.

ومع ذلك، في هذا الحوار، اختارت «الشرق الأوسط» ان تستطلع رأي الرجل الثالث في مجموعة التأميم، حول اسئلة ما زالت تثير جدلا حول قرار التأميم وتوقيته، واختيار منفذي العملية، انه المهندس عادل عزت، سألناه هل حقاً كان عبد الناصر يبحث عن مجد شخصي بلجوئه للقوة بدلا من التفاوض لاسترداد القناة، وهل كان اسناد التأميم لشبان صغار مغامرة محدودة أم مجازفة غير محسوبة؟ وهل كان تمويل السد العالي هو السبب الحقيقي وراء قرار التأميم؟ وهل أخطأ عبد الناصر أم أصاب في حسابات عواقب ما بعد التأميم؟

* عايشت تجربة التأميم منذ بداية تكليفكم بتنفيذها، هل توافق على ان الرئيس الراحل عبد الناصر تعجل في اتخاذ قرار التأميم ليحقق مجداً شخصياً له من دون النظر لعواقب القرار، وان التفاوض كان سيؤدي لاسترداد القناة؟

ـ توقيت التأميم كان ضرورة، وغير صحيح بالمرة ان عبد الناصر تعجل في اتخاذ قرار التأميم لأنه ليس قراراً سهلا، والذين يقولون أو يزعمون ان عبد الناصر كان يبحث عن بطولات وأمجاد لنفسه، هؤلاء لا يعرفون من حقيقة الأمور شيئاً.

فقد كنت من البداية في قلب عملية التأميم، وعندما التقيت بالزعيم عبد الناصر بعد انتهاء التأميم ونجاحه، وجدت امامه على المكتب وعلى الأرفف من خلفه كتبا ومراجع كلها عن قناة السويس، قرأها كلها ليلم بكل صغيرة وكبيرة عن القناة، فهذا ليس الرجل الذي يتخذ قرارات متعجلة بل كان القرار مدروساً بعناية. أعود الى الذين قالوا بعد ذلك، وما زالوا من حين لآخر، ان التأميم وما تلاه من عواقب لم يكن هناك ما يبررها، وانه كان من الممكن تجنب كل ذلك وتجنب الصدام مع الدول الكبرى واستعدائها ضد مصر لو كان عبد الناصر تجنب استخدام القوة وتفاوض مع الشركة الفرنسية أو انتظر حتى نهاية امتياز الشركة في 1968 وكانت مصر ستسترد القناة من دون حروب أو مواجهات.

جميع الشواهد كانت تؤكد ان الشركة المؤممة كانت تسعى لمد الامتياز، وطرحت الفكرة بالفعل على الحكومة المصرية. وكان اغتيال بطرس غالي قبلها بسبب تأييده لمد الامتياز للشركة الفرنسية، وعندما فشلوا في ذلك طرحوا مسألة تدويل القناة، وفشلوا أيضاً. وهذا ما فسر رد فعل العقلية الاستعمارية الغربية على ضربة التأميم. ونستطيع ببساطة ان نرصد ماذا كان سيحدث في حالة انتظار انتهاء مدة الامتياز في .1968 أولا: لم يكن في الشركة العالمية لقناة السويس مصري واحد في مستوى أخذ القرار، كان المصريون يشغلون وظائف بسيطة وهامشية، وكل شؤون المجرى الملاحي في يد الأجانب تماماً، ولم يكن منتظراً تمصير الشركة أو تصعيد المصريين للمراكز القيادية استعداداً لتسلمها، لان الشركة لم تكن تتلقى الأوامر من الحكومة المصرية، إذن ليس لدينا أفراد ولا كوادر مؤهلين لادارة القناة عند تسلمها.

ثانياً: الشركة الفرنسية رفضت القيام بأي مشروعات لتطوير المجرى الملاحي بعد رفض الحكومة المصرية مد الامتياز، وذلك بدعوى انها شركة تهدف للربح ولن تنفق على تطوير القناة طالما انها ستتركها بعد 12 سنة، وهذا كان يعني تسلم المجرى الملاحي غير صالح لاستقبال الأساطيل البحرية العالمية، التي كانت بدورها تتطور باستمرار، ويصبح لدينا مجرى ملاحي متخلف لا يقبل عليه أحد.

ثالثاً: نفس الكلام انسحب على المعدات الملاحية، فرفضت الشركة الفرنسية تجديد القاطرات والشماندورات وأجهزة مراقبة الملاحة، فكنا سنتسلم معدات خردة لا تصلح لادارة الملاحة.

وهكذا الانتظار حتى نهاية الامتياز كما رأى البعض، كان يعني انهيار مرفق القناة تماماً، لا أفراد قادرين على ادارتها، لا تطوير للمجرى الملاحي ولا المعدات الملاحية، تماماً مثلما حدث مع امتياز شركة الترام الذي منح لشركة بلجيكية استغلت فترة الامتياز ثم تركته شبكة متهالكة تحتاج للتجديد بالكامل أو تباع خردة.

وفي رأيي ان توقيت التأميم كان ممتازاً، وحتى الطريقة التي تم بها بالانقضاض على مكاتب الشركة في بورسعيد والاسماعيلية والسويس، هذه الطريقة حافظت على مستندات القناة والدفاتر الملاحية التي كانت بكل تأكيد ستختفي اذا ما بدأنا التفاوض مع الجانب الفرنسي.

* كيف تم اختيار ثلاثي عملية التأميم محمود يونس، عبدالحميد ابو بكر، عادل عزت؟

ـ أولا الرئيس عبد الناصر كلف المهندس محمود يونس بتنفيذ عملية تأميم القناة، ويونس بدوره طلب آخرين يشاركونه العملية ووافق عبد الناصر وطلب منه ترشيح من يرى من اسماء، وفعلا رشح محمود يونس عبد الحميد ابو بكر وأنا، والرئيس عبد الناصر وافق، أما لماذا رشحنا يونس ولماذا وافق عبد الناصر على ترشيحنا فهذه قصة أخرى تعود بداياتها الى ما قبل التأميم بنحو عامين.

فعندما بدأت مصر التفاوض مع الانجليز حول الاستقلال وإلغاء المعاهدة أخذ الجيش على عاتقه تدريب الفدائيين في منطقة القناة، بينما كان الانجليز يتباطأون ويماطلون في المفاوضات، ووسط هذا كله فكر عبد الناصر في احتمال تدخل القوات الانجليزية في القنال لقمع الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال وفكر في ارسال مجموعة مهندسين مصريين لتدمير معملين لتكرير البترول لا يوجد غيرهما في مصر، هما معمل التكرير الحكومي ومعمل شركة شل، والاثنان في السويس، بحيث يحرم الانجليز من الوقود اللازم لمعداتهم حال تدخلهم بعنف، ويمنح المصريين فرصة للتغلب على القوات الانجليزية.

وكلف عبد الناصر المهندس محمود يونس، وكان بكباشي ومدرساً في كلية اركان حرب، وزميلا لعبد الناصر، بهذه المهمة، والمهندس يونس بدوره اختارني وكنت قائداً لجناح المفرقعات واختار المهندس عبد الحميد ابو بكر، وبالفعل تسللنا نحن الثلاثة مع المجموعات التي اخترناها خلف خطوط معسكرات الانجليز في السويس لوضع الخطة لنسف المعملين وأقمنا هناك فترة في انتظار ما ستفسر عنه المفاوضات، ودرسنا كل ما يخص البترول والقناة، وعندما نجحت المفاوضات ألغيت المهمة وعدنا للقاهرة.
هذه الواقعة من المؤكد جعلتنا نحن الثلاثة فريق عمل أثبت قدرته على التعامل مع المواقف الطارئة والصعبة وعلى استعداد للدخول في مواجهات، وهذا ما جعل عبد الناصر يوافق على ترشيح اسمي أنا وعبد الحميد ابو بكر.

* من الذي وضع خطة التأميم وشكل مجموعات التنفيذ، عبد الناصر أم ثلاثي عملية التأميم؟

ـ بعد موافقة عبد الناصر على ترشيحات يونس، ترك تدبير العملية لنا، وبدأنا بسرعة نجمع كل ما تقع أيدينا عليه من معلومات وكتب عن قناة السويس، وأرسل لنا مجلس قيادة الثورة ما لديه بخصوص القناة، وكانت أمامنا خمسون ساعة فقط لاعداد الخطة قبل أن يعلن عبد الناصر عن تأميم القناة، وبحثنا عن أهم المراكز والنقاط الحساسة في المرفق، أين يحتفظون بملفات قياس السفن وادارة الملاحة، كيف سنؤممها، وكان للشركة أربعة مكاتب في الاسماعيلية والسويس وبورسعيد والقاهرة.

وقمنا بتشكيل مجموعات تضم ضباط مهندسين واساتذة بكليات الهندسة وموظفين من المالية لتقدير الرسوم، ومن ادارات أخرى ذات صلة بأعمال الملاحة في القناة.

وبعد رسم الخطة وخطة التمويه على القوات الانجليزية التي كانت في منطقة القناة حتى بعد الجلاء ولكن بالزي المدني، عرضها يونس على عبد الناصر ووافق عليها واتفقا على كلمة السر «ديلسيبس».

* كنت مسلحاً أثناء توجهك لتنفيذ العملية للتعامل مع أي فرد في المجموعة يتردد أو يتراجع، هل كنت بالفعل ستقتل أي شخص يتراجع عن المهمة؟

ـ التسلح كان اساساً للدفاع عن النفس أمام المقاومة التي قد تحدث في مناطق القناة من المخابرات الانجليزية وكانت منتشرة، ولو كانت حدثت مقاومة لكان ذلك يعني افشاء سرية العملية وبالتالي فشلها.

وكان في كل سيارة توجهت نحو أحد مكاتب الشركة في القناة، يوجد شخص مسلح للتعامل مع أي فرد يتردد أو يتراجع أثناء المهمة، لكن الحمد لله لم يحدث ذلك.
وبعد دخولنا معسكر الجلاء أعلن محمود يونس الغرض من حضورنا وكان معنا محافظ منطقة القناة ورئيس معسكر الجلاء. وتلقى المدنيون الخبر بانزعاج وذعر في حين كان العسكريون أكثر رباطة جأش، ولكن لم يتردد ولم يتراجع واحد عن المهمة، ولو كان حدث، فبكل تأكيد كنت سأطلق النار عليه لأن فشل المهمة معناه ضياع القناة.

* اذن لم تشعر بالخوف منذ ابلاغك أو تكليفك بتنفيذ التأميم وحتى انتهت المهمة بسلام؟

ـ على العكس تماماً، كنت في شدة الخوف والتوتر، عندما سمعت كلمة تأميم القناة من المهندس محمود يونس في بداية الاستعداد للعملية لم تكن مألوفة لي، لكن بعد ساعات بدأت أكون وجهة نظر حولها، وبدأت أقدر اننا سندخل في مواجهة مع الغرب وأحسست بخطورة العملية، والأخطر نتائج الفشل، فاذا فشل تأميم قناة السويس كانت مصر ستفقدها للأبد.

هذا الشعور بضخامة المسؤولية جعلنا لا نستطيع النوم ليس بسبب الخوف، فقد عملت مع المفرقعات في بداية حياتي كضابط، ولن يكون هناك ما هو أكثر من ذلك، لكنه الشعور بالمسؤولية الخطيرة والنتائج التي ستترتب على ما سنفعله.
 
* ما هي الصورة التي كونتها عن عبد الناصر والثورة قبل اشتراكك في عملية التأميم؟ وهل اختلفت الصورة بعد ذلك؟

ـ لقد ورثت عن والدي عدم الميل للعمل بالسياسة وهذا حقيقي. وبعد التخرج من المدرسة العسكرية عام 1950 بدأت أعي ما حولي من شؤون الحكم والظروف التي تعيشها البلاد. وعايشت عن قرب ما حدث في انتخابات نادي الضباط وتدخل السرايا لفرض رأيها، وعندما قامت الثورة فرحت جداً كشاب صغير، والذين قاموا بالثورة شباب واستبشرت فيها ان تكون بداية الحكم الديمقراطي ونهاية دولة المباحث وقمع الرأي، هذا كله ظل محفوراً في وجداننا فإن حدثت تغييرات للثورة بعد ذلك فهذا كان وارداً لكننا تصورنا ان قادة الثورة انبياء وهذا تصور خاطئ.

كانت أول مرة ألتقي بالرئيس عبد الناصر اثناء أزمة المرشدين في سبتمبر (ايلول) 1956، ورأيته آنذاك شخصاً بسيطاً للغاية، اسلوب معيشته والطعام الذي يتناوله، طريقة تعامله في مجلس قيادة الثورة، كيف يناقش مع الآخرين، كان يستمع لكل من لديه رأي ولا يصمم على رأي خاص اذا اقتنع بآراء الآخرين، واذكر اثناء أزمة المرشدين مثلا لم يكن عبد الناصر متأكداً ان المرشدين اليونانيين سيقفون معنا ويظلون في مواقعهم بعد ان انسحب باقي مرشدي الشركة الفرنسية، لكنه اقتنع برأينا في امكانية استمالتهم وفعلا ثبتت صحة وجهة نظرنا.

* عملية التأميم نجحت، ونجحتم أيضاً في ادارة مرفق قناة السويس في الأزمات التالية، لكن ألا ترى الآن ان تكليف شبان صغار بتأميم مرفق عالمي وفي خمسين ساعة فقط مغامرة أو مجازفة من قبل عبد الناصر؟

ـ كانت مخاطرة في كل الأحوال، نعم، لكن اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب كان أحد عوامل نجاح المهمة، فعندما تكلف شخصاً بمهمة خطيرة يجب ان تحدد المواصفات المطلوبة لتنفيذ العملية، والشباب يمتلك الجرأة بحكم صغر سنه، وعندما تمنحه المعلومات والثقة ويشعر بالمسؤولية يخرج من داخله الكثير.

وفي تقديري ان نجاح المهمة يعود أولا وقبل أي شيء لتوفيق الله، لانه لا يمكن أن تتم عملية مثل تلك في 50 ساعة تخطيطا وتنفيذا ونجاحا إلا بوقوف الله أولا بجانبنا، وبعد ذلك يأتي عنصر السرية التامة في التنفيذ والتخطيط، ثم حسن اختيار العناصر التي نفذت المهمة.

غسان، سنزرع في الأرض جنّتنا

شهد ياسين
 
إن فكرة الكتابة إليك أو عنك أمرٌ شديد الصعوبة. استحضارك في مقالٍ أو رسالة هو أمر مرعب بحدّ ذاته. غسان، يا قلمنا، قبل أسبوع فقط، وخلال محاولاتي الفاشلة للكتابة إليك، غلبت على مسودات رسائلي رائحة الهزيمة والعار، أنا خجولة أمامك من نفسي ومما وصلنا إليه في غيابك.

مزّقت رسائل الهزيمة وقررت أن أحدثك عن زمن محمد «شهيد الفجر»، الذي انهال جسده المتفحم كشظايا على ضمائرنا، وأيقظ صمتنا الذي استمر سنين، فحوّلنا الهزيمة إلى ثورة تفجّر كل شيء، أعادنا محمد إلى زمن الاشتباك، أعاد تعريف العدو والصديق، جعلنا ندقّ جدران الخزّان، جدران الخوف والهزيمة معاً.

لقد عدت إلينا غسان. عادت كلماتك جمراً بأيدينا، ناراً تشعلنا في ميادين الشجاعة الحقيقة، لنعوض بها بعضاً من زمن الهزيمة الذي مرّ عمرٌ وهم يحاولون إقناعنا بقبولها.. حتى استشهد محمد. أحرقوه يا غسان، عذبوه حتى النَفَس الأخير، هم أنفسهم الذين قتلوك وهشّموا جسدك النحيل. محمد كان نحيلاً أيضاً، بينما خنوع أصحاب البدلات يقتل آمالنا يوماً بعد يوم. هم لم يتخرجوا من مدارس الناس، لم يروا فيهم إلا فرصة للاستغلال والخداع، بل قاتلوا الناس وقتلوهم ومزقوا أحلامهم وأتعبوهم حتى فقدوا الثقة بالنفس.. فجاء الغضب ليقول للراقصين على أحلام المكسورين: نحن لم نمت بعد، نحن أحياء ننتظر دورنا، لأن الموت ليس قضية الميت بل قضيتنا نحن المنتظرين.

كنت أعلم جيداً أنك ستوبخني لو أخبرتك في رسالةٍ سابقة أنني على وشك أن أفقد ثقتي بالناس، بهؤلاء الشباب الذين عمل محتلهم على ترويضهم يوماً بعد يوم، وعاماً بعد آخر. عمل على إبعادهم عن المشهد، على تدمير بنيتهم الثقافية والفكرية، على تشويه صورة فلسطين في أحلامهم. كنت ستوبخني بشدّة لأنك لم تكف يوماً عن الالتصاق بالجماهير التي لطالما وثقت بها، كان إيمانك بنا إيماناً مطلقاً كالشمس.

أولئك الشباب غضبوا في لحظة لم يتوقعها أحد، أخرجوا في ساعات كل ما حقنوا به طوال سنوات. منذ زمن، برأوا أنفسهم من نهج المدافعين الفاشلين عن القضية المحقّة. فأعلنوا بأنهم سيكونون للعدوِ نداً، لن يصافحوه، لن يتراجعوا عن مواجهته، ولن يحوّلوا صراع الأرض إلى نقاش حول مائدات رابضة على أحلامنا ودمنا ودمعنا وحقنا.

لن نستسلم بعد اليوم غسان، لن نتعب ولن نيأس، لن نفقد ثقتنا بالجماهير، علمتنا أنت ألا نرتد حتى نزرع في الأرض جنّتنا، علمتنا أن الاستمرارية في الكفاح أهم من موت أحدنا، علّمتنا أن الثورة جزءٌ لا ينفصل عن الخبز والماء وأكف الكادحين ونبض القلب. ربما نهدأ قليلاً، لكننا لن نعود إلى زمن الهزيمة. ربما تقلّ حدّة المواجهة، لكننا لن نقبل بالموت أحياء.

سيحاولون إسكاتنا، إخماد نارنا، إعادتنا إلى هدوء المتواطئ. سيقولون لنا: هذا الملثم وهذا الحجر، لن يعيدا بلاداً ولن يأخذا بثأر شهيد، هذه الفوضى لا تحرّر أرضاً. سيحاولون إقناعنا بأنهم زعماء الخلاص ورجال المعركة، وأن سِلمهم الكاذب حقيقة، وأننا بحاجة دائمة إليهم. لن نجيب كثيراً، نحن الذين لم نتقن لغة جلسات القمم الدولية. سيجيبهم الملثم والحجر، وفوضى الغضب، ودخان إطارات محروقة، وأمهاتٌ يكسرن الطوب لأبنائهن ويحرّضن على الاشتباك بحجارة لها رائحة الخبز. ستجيبهم جماهير حرّة انتمت للملثم وثورته، فصار صوتها وصورتها ورمزها ونارها وقلبها وأملها والحُب الممتد فيها.

غسان، نسيت أن أخبرك: عكّا خرجت غاضبةً أيضاً، وكنت أنت عنوان غضبها. فعلى الدوار الذي يحمل اسمك، انتفض العكاويون وصرخوا: نحن فلسطينيون باقون هنا كالجدار. لم أخبرك كم أم سعدٍ ولدت هنا في يومٍ واحد، لأننا نعلم جيداً أن الحرية لا تأتي من الخارج.

إنني على يقين بأنك لو حضرت بيننا اليوم، فستكون ثابتاً على كلماتٍ مكملاً مسيرتك الملهمة. فالفكرة إن ولدت يستحيل التخلص منها، والذي بالدم كتب لفلسطين لم يكن يراها من دون عكا أو صفد أو ترشيحا، ولم يكن ليختار طريقاً إليها غير طريق البنادق التي يحملها الكادحون في طريق طويل وشاق. لن يرتدوا حتى يزرعوا في الأرض جنتهم، أو يقتلعوا من السماء جنتها، أو يموتوا بكرامة.

غسان، عليك الاطمئنان. فقد قرّرنا إحياء زمن الاشتباك من جديد، وعدنا أنفسنا ألا نتعب، ألا يطول صمتنا، ألا يجلس فوق أفواهنا أولئك المتآمرون على حلمنا. على «أرض البرتقال»، ستظل كلماتك تساهم في توجيه بوصلتنا، كلماتك التي لم ترَ طريقاً إلى فلسطين غير خطوط المواجهة والثورة.. كلماتك التي لم تتراجع يوماً عن إيمانها المطلق بالحرية الحتمية والعودة الأكيدة.
 

كيف نهضت الهند، وأُجهضت نهضتنا ؟!



غطاس أبو عيطة

باتت الهند في نظر العالم، قوة عالمية صاعدة تفورُ بالثورات الصناعية والتكنولوجية، بعد أن كان ينظر لها حتى زمن قريب، كبلد يسوده البؤس وتضربه المجاعة ويعشش فيه الوعي الغيبي، والسؤال الذي يعاد طرحه على العقل العربي، هو لماذا نهضت الهند ونهض غيرها من بلدان العالم الثالث، فيما ظل مشروع النهوض العربي يتعثر لتصل الأمة إلى وضع ينذر بخروجها من التاريخ ؟.

الباحثة الأمريكية سوزان هويبر رودولف أستاذة العلوم السياسية في إحدى جامعات شيكاغو، تقدم لنا رؤية لما ظهر من تصورات عرفها التاريخ المعاصر بشأن الحضارة الهندية، وفيما يتعلق بالهوية الجامعة لأبناء الهند . حيث توقفت الباحثة، عندما أسمته ” أربع تنويعات للحضارة الهندية ” .

وما قالته الباحثة من خلال مقاربتها للشأن الهندي، هو أن الغرب بعد أن أنجز نهضته، أخذ يتجه نحو معرفة حضارات الشعوب الأخرى، وبالتالي فقد لعب دوراً بالغ التأثير في عملية إعادة إنتاج الهوية الحضارية والثقافية لدى تلك الشعوب، بما أسهم بصورة أو بأخرى في رسم مستقبلها .


وقد صاغ الغرب، الرؤية أو التنويعة الأولى والثانية فيما يتعلق بالهند، وذلك ما جرى في الواقع بالنسبة للأمم والشعوب الأخرى ومن ضمنها ما يتعلق بالحضارة العربية الإسلامية وشعوبها .


وبالنسبة للرؤية الأولى، فقد ظهرت كما تشير الباحثة، في الحقبة الرومانسية التي سادت أوروبا فترة من الزمن . ففي هذه الحقبة، جرى الاهتمام بالحضارات الأخرى باعتبارها جزءاً من الموروث الحضاري الإنساني ومن المسيرة الحضارية التي عاشتها البشرية .


حيث جرى التأكيد عبر رؤية منفتحة، على دور الحضارات الأخرى الضاربة جذورها في التاريخ، في إغناء الحضارة الغربية المعرّضة للهرم إذا لم يتم إمدادها بنسغ الحضارات الشرقية، وفي إطار هذه الرؤية، جاء تغني الشاعر الألماني غوته، بفكرة اندماج ” أزهار حضارات الشرق، مع ثمار الحضارة الغربية ” .


وفي هذا الإطار كذلك، وضع غوته ملحمته الشعرية حول الرسالة التي حملها النبي العربي لأبناء أمته ومنطقته وللبشرية جمعاء، بما كان له أثر بالغ في مسار الحضارة الإنسانية .


وفي هذه الحقبة الرومانسية من تاريخ الغرب الأوروبي، برز مستشرقون انصبّ جهدهم على إزاحة أكداس التراب عن منجزات الحضارات الأخرى . وتذكر الباحثة، كيف نظرت هذه المدرسة من المستشرقين، إلى عظمة اللغة السنسكريتية في الهند، التي أقامت استناداً إلى جاذبيتها وتطورها، جسور تواصل بين أرجاء الهند، فغدت أداة توحيد ثقافي في هذا البلد، وأساس بناء هوية جامعة لتجمعاتها السكانية التي تتسم بتعددية لم تعرف مثيلا لها العديد من بلدان العالم .


وفي هذه الحقبة وعلى ذات الصعيد، أزاح المستشرق الغربي، أكداس التراب عن منجزات الحضارة العربية الإسلامية، وكما أفاد تيار النهضة الهندي المعاصر، من هذا الجهد البحثي العلمي للمستشرق الغربي في إعادة إنتاج هويته الحضارية الجامعة، فقد أفاد كذلك من هذا الجهد، رواد النهضة العربية، لكن نهضة الهند توطدت، فيما تعثّر مسار نهضتنا العربية، وذلك له أسبابه التي مازالت موضوع بحث الدارسين وسط النخب العربية.


ومع ولادة وصعود الحركة الاستعمارية الغربية، تشكلت في الغرب رؤية أو تنويعة أخرى مغايرة بشأن حضارة الهند، وبشأن الأمم والشعوب الأخرى غير الأوروبية الغربية . فضمن هذه الرؤية، جرى الحط من مكانة الحضارات الأخرى، بل نسبت شعوبها إلى البربرية، وذلك في سياق تغطية إيديولوجية لسياسات المستعمرين بحق الشعوب الأخرى، وتبريراً لممارساتهم العدوانية إزاءها، وذلك وسط دعوة لها، بأن تتخلى عن هويتها الثقافية وأن تنبذ إرثها الحضاري، أي أن تبدل جلدها بجلد غربي، لكي تخرج من بربريتها وتدخل في حظيرة الحضارة الوحيدة التي تستحق اسمها كحضارة، وهي الحضارة الأوروبية الغربية.


وبالانتقال إلى التنويعة الثالثة وفق نسق الباحثة الأمريكية، فإننا نلتقي بالتنويعة التي بلور ملامحها تيار غاندي – نهرو التحرري على الساحة الهندية . فقد أفاد هذا التيار كما أسلفنا، مما كشفته الحقبة الرومانسية الغربية من إرث حضاري هندي استناداً إلى أساليب بحث علمية وعصرية، كما أفاد كذلك من أساليب المستعمر في إدارة الصراع على كافة المستويات، وفي صلبها المستوى الثقافي، حيث تمكن هذا التيار، من بلورة هوية حضارية عصرية وجامعة للهند، شكلت أساس نهوضها التاريخي .


ولا تغفل الباحثة، تنويعة رابعة تتعلق بالنظر إلى حضارة الهند وإلى هويتها الحضارية، وهي التنويعة الانغلاقية والرجعية والاقصائية، التي كادت أن تعصف بمشروع الهند النهضوي الحداثي الذي أرساه تيار غاندي- نهرو الذي تصفه الباحثة بالليبرالي .
ففي عام 1999-1998، فاز حزب بهاراتيا جاناتا الممثل للأغلبية الهندوسية بالسلطة، وسعى هذا الحزب إلى فرض أحادية حضارية على الهند منطلقاً من فكرة أن جميع الأقليات ( البوذية – والإسلامية وغيرها )، عليها أن تندمج بالهوية الحضارية الهندوسية التي تعبر وحدها عن هوية الهند – كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم هويتها على أساس مكون واحد هو الانجلوسكسوني البروتستانتي – وذلك وفق منظري الحزب .


لكن هذا الفكر كما تشير الباحثة، لم يجد حاضنة اجتماعية له بما فرض على الحزب تعديل رؤيته، وذلك على العكس مما جرى في الشرق الأوسط – كما تشير الباحثة أيضاً – حيث وجدت الفكرة الوهابية من يدافع عنها معبراً عن رؤية إقصائية وتكفيرية تجاه الآخر .


ونستطرد هنا قبل العودة لسياق موضوعنا، بأن انتصار الحزب المذكور في الانتخابات الأخيرة، قد يقوده في ظل ما يدور من صراع دولي، إلى الانجرار نحو سياسة متشددة انعزالية بالاستناد إلى تشجيع الغرب الاستعماري .


وغني عن التوضيح، بأن نظرة الغرب إلى الحضارة العربية – الإسلامية، ونظرة العرب إلى ذاتهم، عرفت تنويعات مقاربة لما عرفته الهند، لكن الهند استطاعت النهوض، فيما تعثرت مشاريع النهضة العربية، حيث أجهض مشروع محمد علي باشا المنطلق من مصر والمتجه نحو بلاد الشام لترسيخ قواعد صموده، وأجهض مشروع عبد الناصر القومي التحرري، المنطلق من مصر أيضاً والمتجه نحو سورية وبلاد الشام عامة لتعزيز قدرته على الانتصار، فيما يواجه مشروع المقاومة الذي تمثل سورية حاضنته العربية، حرباً كونية حشدت لها الإمبريالية الأمريكية كل أعوانها وأدواتها .


وننتقل فيما يلي إلى إجابة مكثَفة على السؤال الذي طرحه عنوان المادة ( لماذا نهضت الهند وتأخرنا ) وذلك عبر القراءة التالية :


أولاً : لقد خضعت الهند للاستعمار الكولونيالي الغربي كما العالم العربي، وخاض شعبها بقيادة حزب المؤتمر بزعامة غاندي نضاله التحرري، ومع انهيار قدرات المراكز الاستعمارية الكولونيالية عقب الحرب العالمية الثانية، أمكن لشعب الهند أن يحرز استقلاله وأن يشرع في بناء مشروعه النهضوي العصري دون أن يصطدم بما اصطدم به مشروع عبد الناصر من هجمة إمبريالية ضارية، ارتبط عنفها واتساعها بأهمية المنطقة العربية في نظر زعيمة الإمبريالية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية وريثة الاستعمار الكولونيالي.


ثانياَ : لقد قسَم المستعمر البريطاني قبل رحيله القارة الهندية على أساس ديني إلى قسمين، لكن الهند استطاعت برغم نزاعاتها مع الباكستان، أن تنهض على أساس هوية جامعة تحترم التعددية، ولم يكن أمام قيادة وشعب الهند حل مشكلة التجزئة التي خلَفها المستعمر في العالم العربي، والتي خلقت تعارضاً بين الهويتين القطرية والقومية، بما فرخَ هويات أقلوية يستند لها المركز الإمبريالي الآن في خطته لتجزئة المجزَأ في المنطقة . ثم أن المستعمر الكولونيالي لم يترك للهند، قاعدة استعمارية استيطانية صهيونية، يعتبرها المركز الإمبريالي بالنسبة لمنطقتنا العربية والإسلامية، الذخر الإستراتيجي الذي بدونه لا يسهل إخضاع هذه المنطقة .


ثالثاً : وقد رعى المستعمر الكولونيالي والبريطاني تحديداً بالنسبة لمنطقتنا، حركة إسلامية متشددة أصولية أقامت دولة في قلب الجزيرة العربية، وكما أسهمت هذه الحركة في استنزاف طاقات مشروع محمد علي باستنزاف جيشه العصري، فقد كان لدولتها التي أقامتها برعاية كولونيالية ومن ثم امبريالية، دور فاعل في التخريب على مشروع عبد الناصر، وفي استنزاف قد رأته من خلال حرب اليمن، بما سهل هزيمته في حرب حزيران عام 1967 أمام العدوان الأمريكي – الصهيوني، ومن ثم في جر السادات إلى موقع التبعية،منقلباً على المشروع التحرري والنهضوي الناصري، وتتصدر هذه الدولة الآن وحركتها الوهابية التكفيرية، الهجمة الهمجية التي يقودها المركز الإمبريالي ضد محور المقاومة في المنطقة، مستهدفاً إزاحة العائق بوجه فرض مشروعه الإجرامي الذي أطلق عليه مسمى الشرق الأوسط الجديد، الذي تشكل القاعدة الصهيونية مركزه الحاكم .


رابعاً : لقد رأى البعض بأن تغييب الحياة الديمقراطية في مشروع عبد الناصر مقارنة بمشروع غاندي- نهرو في الهند، هو ما جعل هذا المشروع هشاً أمام المشروع الإمبريالي النقيض . ونعتقد أن هذه المسألة تظل في حاجة إلى دراسة علمية موضوعية بعيداً عن الأحكام الجاهزة . فمما لا شك فيه، هو أن الحياة الديمقراطية، هي البيئة التي تخلق الإبداع وتطلق روح التضحية في مواجهة المشاريع المعادية، لكننا رأينا كيف يطلق الغرب في المنطقة، وحوشاً بشرية بذريعة الانتصار للديمقراطية، مستعيناً بكل أعوانه وأدواته في هذه المنطقة


خامساً : لقد أكتشف المثقفون منذ انطلاق فكر النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين . بأنه على نتيجة الصراع بين المشروع الصهيوني بوصفه العنوان للمشروع الاستعماري الغربي في المنطقة، وبين المشروع القومي النهضوي العربي، سوف يتقرر مستقبل العالم، وما بدا واضحا، هو أنه مع كل مرحلة من مراحل احتدام الصراع بين المشروعين النقيضين، يبرز البعد العالمي لهذا الصراع، ويبرز وقوف العالم والنظام الدولي، على أبواب مفترق تاريخي .


وهكذا نقول في الختام، بأنه من سورية الآن، يعاد رسم خريطة المنطقة والعالم، ومن سورية يعاد طرح السؤال إزاء مصير مشروع نهوض الأمة لأجيال قادمة . وفيما يدافع شعب سورية بلحمه الحي عن حلم ومشروع الأمة في النهوض مدعوماً من حلفائه، فإن قائدها لا يغفل وهو في غمرة صراع البقاء الذي يخوضه شعبه، أن يرى في بلورة صيغة عصرية للهوية الجامعة للأمة، عاملاً أساسياً لإحراز النصر في هذا الصراع.

محمود الصرخي وثورة الشيعة العرب


















إبراهيم الجبين 

لم يستطع الانتماء إلى مذهب وعقيدة مشتركة دفع العرب والفرس إلى نسيان صراعهما التاريخي، منذ معركة ذي قار ما قبل الإسلام، وحتى قادسية سعد بن أبي وقاص وفتح العراق وسقوط مملكة كسرى على يد المقاتلين القادمين من جزيرة العرب وصولا إلى الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات وما بين كل تلك المفاصل من تضاريس وعرة لم يكن أقلّها النكبة التي أوقعها الخليفة هارون الرشيد بالأسرة البرمكية بعد ظهور ملامح الانقلاب الذي كان كبارها يعدّون له سرّا لاستعادة ملك الفرس العتيق.


وبين حجري رحى ذلك الصراع، كان عرب العراق هم أكثر من يدفع الأثمان، بسنتهم وشيعتهم، فالسنة انخرطوا في مشاريع أكبر من العراق اتساقاً مع البعد المذهبي للأمة، والشيعة انحصرت خياراتهم في بلاد الرافدين، حتى إذا ما تغيّرت جغرافيا العقائد والمذاهب، وصارت إيران دولة شيعية تحت راية الصفويين الذين حكموا فارس (رغم كونهم من غير الفرس)، بدأ الصراع يتخذ شكلاً آخر، بعد أن حرص الصفويون على بناء المدن الفارسية كمراكز إشعاع ومرجعية لشيعة العالم، وتداخل العامل الاقتصادي في تأجيج العلاقة بين الشيعة العرب والشيعة “العجم” حسب التوصيف العربي الشيعي العراقي، فقد قرّر شاهات فارس سحب الخمس والزكاة لتضاف إلى موارد دولتهم، ليستمر هذا حتى الثلث الأول من القرن العشرين، فنمت قم ومراكز إيران على حساب النجف وكربلاء، بعد أن كان كبار علماء ومرجعيات الشيعة الفرس يتقدمون بطلبات ورجاء لدفن موتاهم في التراب المقدس في كربلاء والنجف.


وبمرور الوقت تم دفع كثيرين من عرب العراق عبر موجات التشييع، فتشيع العديد من أبناء العشائر العربية التي استوطنت العراق في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بسبب المشاريع التنموية التي كان من أهمها إنشاء قناة ريٍّ على نهر الفرات لتشجيع البدو على الاستيطان لتوفر الماء والكلأ وافتتحت قناة “الهندية” التي موّلت بمساهمة قدرها 500 ألف روبية من حسن رضا خان وزير دولة أوذة الشيعية التي ظهرت في شمال الهند في الأعوام 1720 – 1856 وأنجزت قناة الهندية بعد عام 1803 م لتروي الأراضي الممتدة حتى النجف، وكانت عاملاً أساسيا في ازدهار منطقة الفرات الأوسط زراعيا واقتصاديا، وشقت بعد ذلك في أواخر القرن التاسع عشر قناة أخرى موّلت من قبل محمد إسماعيل خان حاكم كرمان الإيراني، ويذكر وداد فاخر أن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد كثافة كبيرة في عملية التشيع، ولكن تلك العشائر التي تشيّعت بقيت على عروبتها، واحتضنت الفكر الجديد دون أن تتخلى عن قميصها القومي، وعن روابط تجمعها مع أبناء عمومتها من العشائر العربية ذاتها التي بقيت على سنّيتها، وسيكون الدور الإيراني لاحقاً بناء جدار فصلٍ طائفي ما بين تلك العشائر والقبائل العربية على أساس مذهبي.



من سرق راية الحسين


في عهد نظام البعث صار الصدر المرجع الشيعي الأعلى، كحاضن عربي لشيعة العراق، وكان العراق قد حارب ما اعتبره وجودا إيرانيا منذ مطلع الثمانينات وقام بتسفير عشرات الآلاف من “التبعية” وهي الصفة التي أطلقها على العراقيين من أصول إيرانية، وتسببت طبيعة النظام في العراق في تفتيت كل القيادات سواء كانت الشيعية أو السنية الدينية أو العلمانية، فيما صعّدت هيمنة الخميني على الثورة الإيرانية وإسباغ الطابع الديني عليها، من جذب شيعة العالم إلى المرجعية الإيرانية، ثم اندلعت انتفاضة الجنوب التي تم وأدها بقسوة، وصمت الشيعة العرب في العراق طويلاً، حتى سقوط بغداد في العام 2003، لتتم الاستعانة بالسيستاني الإيراني ليكون مرجعاً أعلى للشيعة في العراق، مصدّراً فتاوى تحرّم محاربة القوات الأميركية البريطانية الغازية.


وعاشت العشائر الشيعية العربية بعدها على هامش المشهد السياسي، محاولة رفع رأسها بين الحين والآخر، ليكون الرد عليها شديد العنف والقسوة، وسارعت إيران إلى فرض الوصاية على وريث المكانة الصدرية مقتدى الصدر، بينما بقي بقية علماء الشيعة العرب في الظلال.


ظهر الخالصي وغيره، وواجهتم ما سمّيت بالعملية السياسية في العراق بالإقصاء ذاته الذي مورس على العرب السنة، وعلى هامش الحدث كان أحد ورثة البيت الحسني يتحدّث بصوت جهوري من قلب كربلاء، منتقداً المشروع الإيراني، صارخاً بقوة بأن هوية العراق ورسالة الحسين تتعرض للسرقة والخطف، كان آية الله محمود الصرخي الحسني وهو أحد تلاميذ محمد صادق الصدر، والذي لم يتردّد بالتحريض والدعوة لمقاومة الاحتلال الأميركي.


الصرخي والحوزة


ولد الصرخي في الكاظمية في العام 1964 ودرس الهندسة المدنية في جامعة بغداد حتى أواخر الثمانينات، ليبقى بضعة أعوام بعيداً عن النشاط الديني، حتى دخل الحوزة العلمية في النجف في العام 1994، وكان له دور كبير في جانب التحقيق، عرف الصرخي بموقفه الحاد من الطائفية، ودعوته إلى دولة يعيش فيها الجميع بغض النظر عن المذهب والدين والقومية، ويرى الباحثون أن دور الصرخي العلمي في تحليل التناقض والتوافق بين مدرستي الخوئي والصدر يعدّ الأكبر حتى اللحظة، مما رفع قدر الصرخي لدى جمهور الشيعة العرب،علاوة على نسبه الحسني الذي يعتبره هو شخصياً سبباً في انحيازه لعروبة رسالة التشيع.


الصرخي والعروبة


ومنذ بداياته برز الصرخي مختلفاً في الأسس التي بنى عليها فهمه للدين، وبالأخص ما امتاز به التشيّع تاريخياً في باب الاجتهاد، وهو بانتمائه لمدرسة الصدر، يكون قد قطع شوطاً كبيراً في الموقف من هيمنة قم وإيران معها على الشيعة العرب، فلم يستجب للفتوى التي أصدرها السيستاني حيال الغزو الأميركي للعراق، وقال في إحدى محاضراته إنه لمن “سخف القول أن من يدعي المرجعية يشرعن ويمضي دستوراً وضعه بول بريمر الذي عينته أميركا حاكما مدنيا للعراق في العام 2003″، فشن عليه المتعاونون مع إيران من مرجعيات الشيعة في العراق الحرب ووصفوه بالضال والمضلل.


ولكن الصرخي تمكن في زمن قياسي من توسيع قاعدة أتباعه لتصل إلى عشرات الآلاف في محافظات العراق الجنوبية، مما يدلل على المزاج الشعبي الشيعي العربي في العراق، ولم تمض ثلاث سنوات على سقوط بغداد، حتى هاجم أنصار الصرخي القنصلية الإيرانية في البصرة في العام 2006، احتجاجاً على نفوذ إيران في العراق وابتلاعها لهويته.



ثورة المرجع


ثار غضب الصرخي بعد الاستعصاء السياسي الذي أوصل المالكي إليه العملية السياسية في العراق، وبدأ في ثورته الخاصة عبر سلسة من الخطب والمواقف السياسية والتصريحات النارية من نوع قوله إن “المكر السياسي في العراق وصل إلى الخسة وفاق كلّ مكر العالم”، وقوله إن “أهل السياسة لا دين لهم”.


وتزامن هذا مع احتجاجات محافظات العراق السنية التي لم تلق آذاناً صاغية من قبل المالكي، حتى إذا ما غامر المالكي بورقة داعش وسحب جيشه من الموصل وتأليبه المرجعيات الشيعية المرتبطة بإيران لشن حرب على السنّة بحجة داعش، ليفتي السيستاني بوجوب محاربة “الإرهاب” ويبدأ تشكيل الميليشيات الرديفة التي تتخذ الطابع الطائفي، فوقف الصرخي ضد فتوى السيستاني وأفتى بتحريم محاربة السنة الذين اعتبرهم “مظلومين مهمشينوشبههم بالشعب السوري الذي يتهمه بشار الأسد بالإرهاب.


وهاجمت الميليشيات الطائفية مقر الصرخي، وبدأ إعلام المالكي يصفه بالمجرم، فخرج الصرخي ليتهم المالكي بإعدام ثلاثين من أنصار الصرخي في كربلاء وقصفها بالطيران، الأمر الذي دفعه لأمر أنصاره بحمل السلاح ردّاً للظلم ضد المالكي وجيشه.


جيش الحسين


قصف المالكي كربلاء بالمروحيات، ضارباً قداسة المدينة عرض الحائط، وأعلن الصرخي عن تأسيس وقيادة “جيش الحسين”، الذي قال المالكي إنه قام بطرده من كربلاء، ليتجمع الجيش في الناصرية في ذي قار معيداً رمزية الصراع العربي الفارسي من جديد.

وأصدر المالكي مذكرة باعتقال الصرخي بعد ساعات من قصف منزله بالطائرات، لتتوسع العمليات من كربلاء إلى الديوانية والبصرة، وكانت وفود رسمية عديدة قد زارت الصرخي في محاولة لإقناعه بالعدول عن موقفه، مقابل “امتلاك الحوزة بما فيها”، لكنه رفض ذلك وجدد التأكيد على رفض استخدام القوة في الهجوم على المناطق السنية بدءا من الرمادي والفلوجة في محافظة الأنبار، وعرض وساطته لحل الأزمة في الأنبار، تتوسع حركة الصرخي اليوم وقد بدأت بتأييده عدة مراجع في النجف مثل آية الله بشير النجفي وآية الله فاضل البديري والشيخ قاسم الطائي أحد مؤسسي التيار الصدري، ليتحوّل التمرد الفكري لدى المرجعية إلى حراك شعبي عارم على طريق استعادة العراق، ومن سيشكّل جيش الحسين سيكون هؤلاء الذين همّشوا أيضا لحساب المشروع القومي الإيراني هذه المرة، بعد أن تمرّد الذين همشوا لحساب المشروع الطائفي لإيران ذاتها.


من غزة إلى عبد الناصر



فريح أبو مدين



هاتفني الصديق العزيز  شاعر فلسطين الفذ سميح القاسم  قائلاً: فريح كيف قلب غزة ؟ أجبته أنه بخير و ينبض عن الأمة فقال اصمدوا أنتم خط الدفاع الأول فأجبته لا نحن خط الدفاع الأخير يا صديقي .  وبعد إذ أخشى أن تكون صهينة العرب قد تمت فأجاب آآه لو كان هناك عبد الناصر  واختفى صوته وقد شرق بالدموع على ما اعتقد. وهنا كان انثيال الذاكرة عن العلاقة الخاصة بين غزة فلسطين وعبد الناصر ، فلقد كانت غزة وفلسطين هي البداية والنهاية لهذا البطل وكأنها تراجيديا شكسبيرية ففي فلسطين ولد عبد الناصر السياسي في معارك بطولية خاسرة وأدرك أن الحل ليس في فلسطين وإنما في القاهرة وبقية العواصم السبعة آن ذاك. وتلك قصة آخرى وبعد الهزيمة وحتى قيام ثورة يوليو لم يكن حال الفلسطينيين يسر فألحقت الضفة بالمملكة الأردنية وغزة تحت الإدارة المصرية فقامت حملات الإعلام بعد الهزيمة تُحمل الفلسطينيين ظلماً فادحاً أنهم فرطوا وباعوا إلا أن تصدي عبد الناصر لحرب التخوين شارحاً الظروف كما عاشها وأنصف الفلسطينيون حتى أنه سمى ابنه خالد على اسم مختار فلسطيني كان ينقل له المؤن في الحصار واعتقد أنه مختار السوافير وان لم تخنني الذاكرة اسمه خالد الطيطي ومسح تلك الصفحة السوداء التي حاول بعض صحفيي  ذلك العهد ألصقها بنا وما أشبه الليلة بالبارحة يا أبا خالد 
.

لقد نسجت علاقة خاصة بين عبد الناصر وقطاع غزة وكان للقطاع مكانة في قلب عبد الناصر فقد كان يتابع يومياً أحوال القطاع وكان لنا أولوية في كل شيء في مجالات الحياة كالتعليم والصحة والاقتصاد….إلخ 
.

وكان صارماً حازماً ضد أي ما كان إذا تجاوز على أهالي القطاع من رجال الإدارةفغزة كانت بطلة التضحيات في تلك الفترة وكان الكتف بالكتف مع الرجل في المعارك التي خاضها أو التي شنت عليه كتاريخ مشترك في حركة التحرر من الاستعمار و النضال ضد إسرائيل والغرب ولعلى مذبحة غزة في 28 /2/1955 هي نقطة التحول في تفكير عبد الناصر الإستراتيجي بكسر احتكار السلاح والاتجاه نحو الكتلة الشرقية وتأميم قناة السويس وما تلاها من عدوان على مصر وغزة حيث حاربت غزة بكل بسالة وشجاعة ، وكانت المذابح التي ارتكبت ضد شعب غزة في كل مكان خاصة مذبحة خانيونس والتي سقط فيها 1550 شهيد بالمعنى أكثر من خمسة عشر ألف بنسبة عدد السكان وقتها وحفظ الرجل ذلك لغزة وأهلها فحين انسحبت اسرائيل من سيناء ورفض بن غريون الإنسحاب من غزة رفض عبد الناصر كل الحلول بعيداً عن غزة وخرج شعب غزة من يوم 7/3/1957حتى 14/3/1957 إلى الشوارع حتى عادت ادارة مصر لغزة ولم يترك عبد الناصر غزة خلفه 
.

بعد ذلك دخلت غزة في جولة جديدة وأعني حرب يونيو 1967 وحاربت غزة مع الجيش المصري ببطولة شهد بهذا الأعداء ولم تسقط إلا بعد أن سقطت سيناء والجولان والضفة ولكنها امتشقت سيفها سيف المقاومة فور احتلالها وكان عبد الناصر يستشهد بتلك المقاومة وبقي الرجل مسكوناً بفلسطين وبغزة وشعبها خاصةً إلى أن انتقل إلى رحمته تعالى بسبب فلسطين بسبب كلنا نعرفه وهي حرب الأخوة الأشقاء في الأردن وحرك العالم كله وألقى بكل ثقله لحقن الدماء ولم يستحمل قلبه تلك الفاجعة فتوفى في 28/9/1970 ولم يتحمل الشعب العربي والفلسطيني خاصةً فكان النواح و العويل في زنازين الاحتلال وفي معاقل المقاومة في كل مكان وناقش الفلسطينيون شعارهم “عاش ومات من أجلنا ” والسؤال يا ترى هل لو بقى حياً كان سيترك غزة خلفه؟ ويا ترى هل كان سيترك غزة تحاصر وتجوع وتذبح 
.

 وأخيراً يا عبد الناصر لو أطللت علينا لدقيقة من قبرك لوجدت أن هناك عروبة بلا عرب وإسلام بدون مسلمين ولوجدت غزة في خندقها تحارب بدمها ودموعها وأطفالها ونسائها ورجالها ، فنم قرير العين ولا نامت أعين الجبناء.
نحبك ياريس ونفتقدك وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر