الراصد القديم

2017/04/01

هل تتذكّرون القضية الفلسطينية؟!


صبحي غندور

هو أمرٌ سيءٌ ومؤسف هذا التهميش العربي الحاصل الآن للقضية الفلسطينية، بحجّة تفاصيل الأوضاع الداخلية والصراعات العربية البينية القائمة حالياً. ولعلّ بعض الشواهد التاريجية مهمّة لتأكيد عدم الفصل بين القضايا العربية الداخلية وبين الصراع العربي/الصهيوني: فالعدوان الثلاثي الإسرائيلي/ الفرنسي/ البريطاني على مصر في العام 1956 حدث لأنّ جمال عبد الناصر قام بتأميم شركة قناة السويس لأسباب داخلية مصرية. أمّا في لبنان، فقد بدأت فيه حربٌ أهلية دامية وطويلة في العام 1975 ارتبطت بمسألة الوجود الفلسطيني على أرضه، الوجود المسلّح وغير المسلّح. ففي لبنان يعيش مئات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين المسؤولة إسرائيل والغرب عن تهجيرهم من وطنهم وأرضهم لأكثر من ستّة عقود، ولا حلّاً قريباً لمشكلتهم، وبالتالي شكّل هذا الوجود الفلسطيني عنصرَ تأزّمٍ دائم في الحياة السياسية اللبنانية، القائمة أصلاً على أوضاع خاطئة مهدّدة دائماً بالانفجار. فهل يمكن أن يشهد لبنان استقراراً دون حلولٍ عادلة لحقوق الشعب الفلسطيني؟! ثمّ أليست أوضاع سوريا والعراق والأردن ومصر مشابهةً أيضاً للحالة اللبنانية، وهل يمكن عزل القضايا الداخلية في هذه الدول عن مجريات الصراع العربي مع إسرائيل والمشاريع الأجنبية الداعمة لها؟! ألم يكن تفكيك السودان مؤخّراً ومحاولات تقسيم سوريا والعراق ولبنان وغيرها من دول المنطقة مصلحةً وهدفاً إسرائيليين يتمّ العمل لأجلهما منذ حصول نكبة فلسطين قبل سبعة عقود؟!.

أليس كذلك هو حالُ كثيرٍ من الدول العربية التي يرتبط الاستقرار السياسي والاقتصادي فيها بمصائر الحروب والتسويات مع إسرائيل؟! أليس أيضاً تحجيم التدخّل الإقليمي الإيراني والتركي في الشؤون العربية أمراً يرتبط في مستقبل القضية الفلسطينية وما لهاتين الدولتين من علاقات وتأثير في الصراع العربي مع إسرائيل؟!.

فلسطين كانت أوّلاً في "وعد بلفور"، قبل تقسيم المنطقة العربية في "سايكس بيكو" بمطلع القرن العشرين قبل مائة عام. وفلسطين كانت أوّلاً في حروب "الإفرنج" قبل ألف عام. وفلسطين كانت أوّلاً في معظم صراعات المنطقة في القرن الماضي.

ففي منطقةٍ عربية يزداد فيها الآن استخدام شعار: "الطائفة أوّلاً"، يترسّخ واقع خدمة مصالح "إسرائيل أوّلاً". فبعد شعار "الوطن أوّلاً" الذي ساد في عدّة دولٍ بالمنطقة بعد المعاهدات مع إسرائيل، تبيّن أنّ هذا الشعار لم يكن من أجل تحريض المواطنين على الولاء الوطني أوّلاً والتخلّي عن الانقسامات الداخلية القائم معظمها على انتماءاتٍ طائفية أو مذهبية أو أصولٍ إثنية، بل كان الشعار لتبرير الابتعاد عن الصراع العربي/الإسرائيلي والتخلّص من الواجب الوطني والقومي في المساهمة بتحرير القدس والأراضي المحتلّة في فلسطين. أيضاً، جرى استخدام هذا الشعار أحياناً (الوطن أوّلاً) في مواجهة دول عربية أخرى وليس طبعاً في مواجهة إسرائيل وأطماعها في الأرض والثروات العربية.

إسرائيل هي المستفيدة الأولى من الواقع الفلسطيني تحديداً والعربي عموماً بما هو عليه من حال الصراعات والتشرذم وانعدام وحدة الموقف، ومن الفوضى في العلاقات والمؤسّسات العربية، ومن أولويّة مصالح الحكومات على الأوطان، ومن "جهالة" من هم بمعارضة عُنفية تتحدّث فقط عن الديمقراطية ولا تمانع بالتدخّل العسكري الأجنبي!.

لقد سبق إعلان "المجلس اليهودي الصهيوني" في فلسطين لدولة "إسرائيل" في 14/5/1948 ومطالبته لدول العالم الاعتراف بالدولة الإسرائيلية الوليدة عشيّة انتهاء الانتداب البريطاني، سبق ذلك، عشرات السنين من التهيئة اليهودية الصهيونية لهذا اليوم الذي أسماه العرب والفلسطينيون بيوم النكبة. وكان خلف هذا الإعلان منظّمة صهيونية عالمية تعمل منذ تأسيسها في العام 1897 على كلّ الجبهات، وهي التي حصلت من بريطانيا على "وعد بلفور" الشهير ونظّمت هجرة يهودية كبيرة للأراضي الفلسطينية على مدار أكثر من ثلاثة عقود، مروراً بحربين عالمتين استثمرت الحركة الصهيونية نتائجهما لصالح "خطّة إقامة دولة إسرائيل"، كما ربطت مصالحها الخاصة بمصالح دول كبرى بسطت سيطرتها على المنطقة العربية بعد انهيار الدولة العثمانية.

فاين هو التخطيط والتنظيم على المستويين الفلسطيني والعربي في مقابل ما حدث من تخطيط وتنظيم صهيوني لأكثر من مائة عام؟!.

طبعاً، هناك متغيّرات كثيرة حدثت في العقود السبعة الماضية، دولياً وعربياً وفلسطينياً، لكن العودة الآن إلى تفاصيل ما حدث في القرن الماضي، مردّه استمرار مراهنة السلطة الفلسطينية على "الأمم المتحدة" وعلى دور الولايات المتحدة في ظلّ إدارة ترامب، وبالتالي إعادة الحديث الأميركي عن أهمّية المفاوضات كخيار وحيد أمام الشعب الفلسطيني!.

فهل من المؤمَّل أن يتخلّى نتنياهو عن "لاءاته" بشأن رفض الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، وإقرار حقّ الشعب الفلسطيني بالعودة، وجعل القدس عاصمةً للدولة الفلسطينية المنشودة؟ حكومة نتنياهو لا تجد مصلحةً الآن في أيِّ حلٍّ سياسي مع الفلسطينيين، ولا أقطاب هذه الحكومة طبعاً من الموقّعين أصلاً على الاتفاقيات التي تمّت مع "منظمة التحرير" في "أوسلو" بالعام 1993، وهي حكومة ترفض أصلاً وقف الإستيطان في القدس والأراضي الفلسطينية المحتلّة، ولا تعترف بأحقّية وجود دولة فلسطينية مستقلّة.

إسرائيل تعتمد فقط على منطق "حق القوة"، مقابل اعتماد رسمي فلسطيني وعربي على منطق "قوّة الحق" .. وفقط عبر مبادرات سياسية ومفاوضات واتصالات ومراهنات على مؤسّسات دولية، بينما المنطق العملي الذي يؤكّده التاريخ يقول: "إنَّ الحقّ بغير قوّة هو حقٌّ ضائع"، وأنَّ "الجنوح للسلام" يعني أصلاً أنَّ الحقّ هو كالطير له جناحان: جناح العمل للسلام وجناح الاستعداد للحرب، فأين السلطة الفلسطينية والبلاد العربية من هذا الجناح الأخير! وهل يكفي لتحقيق الحقّ التلويح فقط بأغصان الزيتون ومعظمها يابسٌ الآن؟!.

الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استفادت وتستفيد من الظروف الدولية والعربية والفلسطينية على مدار عقود من الزمن إلى أقصى الحدود الممكنة، وهي تفرض شروطها ومطالبها على العالم ككل، فلِمَ انقلبت الأمور عربياً بعد حرب العام 1973 التي يُفترض أنّها كانت نصراً للعرب، عمّا كانت عليه بعد حرب 1967 التي يُفترض أنها كانت هزيمة للعرب؟!.

فمِن شعاراتٍ حافظ عليها العرب بعد حرب 67 : لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بإسرائيل قبل انسحابها من الأراضي المحتلة عام 1967، إلى التسابق إلى الاعتراف والتفاوض والصلح مع إسرائيل، كما حدث بعد اتفاقيات كامب دافيد ثمّ بعد مؤتمر مدريد واتفاقيات "أوسلو"؟!.

أيضاً، بعد حرب 1967، كان العرب يتحرّكون وفق إستراتيجية شاملة وواضحة للتحرير، فيها الجمع بين العمل الدبلوماسي والاستعداد العسكري، بين قبول قرارات دولية وبين حرب استنزافٍ مفتوحة على الجهة المصرية وعمليات متعدّدة للمقاومة الفلسطينية .. أمّا في "الزمن الصهيوني" الراهن، فإنّ العجز الرسمي العربي وصل إلى أقصاه حيث لا بدائل عربية لمشاريع ومبادرات السلام، ولا إستراتيجية شاملة واحدة حتّى في الإطار الفلسطيني نفسه.

وإذا كانت المنطقة العربية عاجزة عن التحرّك إلى الأمام، فلِمَ إستباحة التراجع إلى الوراء؟ ولِمَ لا يقف العجز الرسمي العربي والتنازل الرسمي الفلسطيني عند سقفٍ معيّن من التراجعات؟ لماذا لا تشترط السلطة الفلسطينية تنفيذ القرارات الدولية بشأن فلسطين قبل القبول بتجديد التفاوض مع إسرائيل؟، فأساس المشكلة الآن هو الاحتلال الإسرائيلي وليس فقط موضوع الإستيطان أو الإفراج عن الأسرى.. أساس المشكلة الآن هو ضعف الوضع الرسمي العربي الذي يكتفي بالمبادرات السياسية دون أيّة خططٍ عملية لفرض هذه المبادرات، فالعرب منشغلون اليوم في "جنس شياطين" الإرهاب أو بعض الحكّام والمعارضين بينما أبواب أوطانهم تُخلَع واحداً بعد آخر، بل إنّ أساسات بعض هذه الأوطان تتهدّم وتتفكّك ليُبنى عليها "مستوطنات" صهيونية جديدة بأسماء دينية أو إثنية!.

هل ولّى زمن السنيورة في «المستقبل»



ابتسام شديد
انقلب السحر على الساحر في رسالة الرؤساء الخمسة وبدل ان تأتي الرسالة بمفاعيل ايجابية فانها سقطت بالضربة القاضية التي وجهت اليها من القمة العربية التي تجاهلت مضمونها وحتى مجرد ذكرها، ومن الرأي العام اللبناني الذي عبر عن استيائه ضده وهو الذي يتطلع الى مرحلة تغييرية والى الوئام والانسجام بين رئيسي الجمهورية والحكومة لأول مرة في تاريخ السياسة اللبنانية ومن الرؤساء الثلاثة الذين أغضبهم التصرف فأتى مفعول الرسالة «لا شيء» او نتيجة «صفر» بمردودات سلبية سيكون على موقعي الرسالة معالجتها او ايجاد المخارج لها، ولعل هذا الوصف ينطبق بصورة اساسية على رئيس كتلة المستقبل الذي يبدو الأكثر إحراجاً حيال الرسالة كونه ينتمي الى جبهة سياسية او تكتل نيابي بخلاف الباقين من الرؤساء فالرئيس ميشال سليمان او الرئيس السابق امين الجميل ومعهما سلام وميقاتي خارج اطار الحساب بعكس السنيورة الذي سيكون لموقفه وما سبقه من مواقف ترددات داخل اروقة المستقبل وحساب مع رئيس التيار في وقت لاحق ربما.

ولعل حساب السنيورة ومن معه جاء عسيراً في ردود الفعل الاولية والاستنكارية للرسالة المشبوهة التي لم تؤد غرضها وسقطت بتجاهل القمة لها وبالمواقف القاسية التي اطلقت من حزب الله باعتبارها عبوة خبيثة من خمسة عبيد زغار او من رئيس المجلس النيابي الذي اعتبرها مردودة بالشكل، فيما لم تؤد غرضها بالتشويش على القمة والوفد اللبناني بالقول ان موقف ليس موحداً وبان ما يقوله رئيس الجمهورية او رئيس الحكومة لا يعبر عن اللبنانيين جميعاً وبعكس ما أرادته الرسالة فان رئيس الجمهورية اثبت انه رجل القمة محدثاً القادة العرب والزعماء ومخاطباً وجدانهم لوقف حروب الأخوة والالتفات الى النازحين.


وبالتالي فان تداعيات الرسالة لبنانياً ستكون كبيرة لانها تجاوزت الخطوط الحمراء المقبولة. على ان وقع الرسالة ليس عادياً على تيار المستقبل وعلى رئيس الحكومة الذي نفض يديه منها كما تقول اوساط سياسية فتبرأ منها سريعاً واوضح ان لا معرفة له بها لا من قريب ولا من بعيد ولعل سعد الحريري كان الأكثر إحراجاً في المسألة بسبب توقيع رئيس كتلته النيابية ولأنه لا يقبل التشويش على علاقته برئيس الجمهورية والعهد الجديد. وبالتالي فان الحريري كما تقول الاوساط ليس مرتاحاً في العلاقة مع السنيورة منذ التسوية الرئاسية وبعدما أحاط الحريري نفسه بفريق عمل قوامه الاساسي او رجاله «نادر الحريري ونهاد المشنوق وغطاس خوري» مما أزعج السنيورة الذي وجد نفسه خارج دائرة القرار وهو الذي يعارض كل التسوية التي أولت عون الى بعبدا والحريري الى السراي.
وبالتالي فان الحريري في المرحلة المقبلة سيكون ملزماً على اتخذا قرار في شأن السنيورة على اعتبار ان «شطحاته» لم تعد مقبولة وانه بات أقرب الى بداية تمرد أشرف ريفي او خالد الضاهر وغيرهما فيما الحريري يرسم مسار العودة الى السراي في الحكومة الثانية من عمر العهد وفي كل الأحوال فان الحريري امام خيارين احلاهما «مر» إلا اذا اعاد السنيورة قراءة دفتر الشروط الذي وضعه الحريري للمرحلة الجديدة وحاول ضبط نفسه عن مهاجمة خيارات الحريري الجديدة.

وعليه ثمة من يقول في المستقبل ان السنيورة «حفر قبره بيديه الاثنين» واستدرج نفسه الى نهايته السياسية قرب رئيس الحكومة في الوقت الذي تتكاثر فيه الوشوشات في أذن الحريري لإخراجه وابعاده منذ فترة ولكف يده سياسياً وعن الملفات الاقتصادية والمالية وسياسة المستقبل التي يديرها الحريري شخصياً مع المجموعة المعروفة حوله، ولم يكن عبثاً او عرضياً موقف وزير الداخلية نهاد المشنوق باعتبار الرسالة خطيئة وطنية لانها تجاوزت حدود الوطن وبان لا احد يزايد علينا في مسألة العروبة. فكلام المشنوق سيد الكلام مؤخراً في تيار المستقبل ويعبر عما يريده او يدور في رأس سعد الحريري، فالأخير بات متأكداً بان السنيورة ليس في وارد التراجع فهو لا يحتمل مشهد الانسجام بين الرئاستين وما يحصل على الساحة وهو خارج الاضواء السياسية والمعادلة الراهنة بين السراي وبعبدا، وبالتالي فان السنيورة يبدو كأنه في افعاله يوحي بانه لم يعد لديه ما يخسره ولذلك يحاول التمايز قبل المغادرة ربما او انشاء حالة خاصة يتفرد بها عن اترابه من موقعه المتمايز اصلاً كرئيس حكومة سابق وهو الذي أكد ان رسالته من موقعه وصفته الشخصية ولا تلزم تيار المستقبل.

بدون شك فان الحريري لن يسمح للسنيورة بتكرار فعلته، فرئيس الحكومة يريد ان يمسك تياره بيد من حديد، فالرجل ابتعد عن الوطن وتُرك طيلة تلك السنوات بين «فكي التنين»، فهو ترك اركانه وصقوره يصولون ويجولون ويصعدون المواقف وهو مرتاح البال بان الخطة الانجح للمتابعة وفي يقينه ان الثأر صار بين يديه ممن اخرجوه من الساحة السياسية، لكن احداً من صقوره لم يخرج لترتيب الاولويات له بل عمل كل فريق على تحسين وضعيته السياسية وهذا ما لم يعد مقبولاً اليوم».

فالحريري اليوم وبعد مراجعة شاملة للماضي قرر السير بالنهج الجديد الذي وضع اسسه بأن كل شيء قابل للنقاش والموافقة، وانطلق فريق عمله اللصيق به في كل اتجاهات وضمن امكانياته وفعاليته، نهاد المشنوق نادر الحريري، غطاس خوري، وباسم السبع هو الفريق المصغر الذي مهد ونسق للتسوية الرئاسية ولعودة الحريري الى الساحة السياسية. وبالتالي نجح هؤلاء في نقل الحريري من ضفة الى اخرى وتغيير موازين القوى واعادة فتح ابواب السراي امام سعد الحريري وبات اسمه مقبولاً من الجميع ولم يعد الحريري ذلك «البعبع الفاسد» الذي اكل مال الدولة وبات بالنسبة الى رئيس الجمهورية يليق به وصف «الآدمي». والعودة الى المرحلة السابقة لم تعد مطروحة «فاما يمشي السنيورة ومن معه في الخطة الجديدة او يصبحون «على خير» خارج المستقبل ولكن ليس قبل الانتخابات النيابية لان وضعية المستقبل الانتخابية لا تحتمل الخضات.

لا عزاء للعرب والفلسطينيين




دعونا نتحدث بهدوء وصراحة عما يدور حولنا وما يجري لنا وبنا كعرب ، وعلاقة هذا بذاك . هل يستحق العرب ما يجري لهم من أهوال وكوارث ، وهل هي من صنعهم أم مفروضة عليهم ؟ ولماذا أصبح العرب أمة تقاسي الويلات وتنتحب على ماضيها وتخشى من مستقبلها ؟

لا يوجد أدنى شك في أن ما يجري الآن في عالم العرب وللشعوب العربية مرتبط بشكل يكاد يكون كاملاً بوجود اسرائيل وخططها العدوانية التوسعيـة والمستقبليـة. ولكـن ، وبالرغم من هذه الحقيقة المـﱠرة فإن معظم العرب يميلون بشكل فـِطري إلى لوم الآخرين ، أو الظروف المحيطة بهم ، أو الأفعال والقرارات الصادرة عن جهات أو دول أجنبية ، لتبرير سقوطهم أو فشلهم ، وكأنهم بذلك ينشدون الخلاص من الشعور بالذنب أو تعذيب الضمير أو لوم الآخرين لهم ، علماً أن هذا الأسلوب يعكس سلبية متناهية موغلة في أعماق النفس العربية ولا تعكس أي استعداد أو حتى رغبة في التغيير نحو الأفضل . فخلق الأعـذار لتبريـر السقوط أو الاستسلام للأمر الواقع هو ما يمـَيـﱠز العرب الآن من المحيط إلى الخليـج ، والانصياع لأمر الحاكم بل وتبرير أخطائه هو سُنـَّةُ العرب ، ما عدا إستثناآت قليلة جاءت خلال حقبة الربيـع العربي خصوصاً في تونس ومصر ، بالإضافة إلى رفض الفلسطينيين للإنصياع للإحتلال ، مع أنهم فشلوا في فعل الشئ نفسه لقيادتهم الفلسطينية المارقة .

الانهيار العربي الحالي لم يأت فجأة أو نتيجة لتطورات داخلية وخارجية باغتت العرب وفاجأتهم بما هم فيه . الإنهيار جاء نتيجة عقود من العبث بعقول الأجيال الجديدة وبمناهج التربية والتعليم في العالم العربي بالاضافة إلى عقود من الاستسلام الشعبي والإنصياع للقهر السياسي وعبادة الفرد القائد إلى حد التضحية بالنفس والوطن والاستسلام الطوعي لذلك الحاكم إنطلاقاً من مبدأ “واطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” ، وكأنه لا يوجد في الاسلام شئ آخر سوى طاعة أولي الأمر في بَاطِلِهم وهو كثير وفي صَوَابـِهـِمْ وهو قليل . إن هذه الانتقائية لم تجئ صدفة ولكنها تعكس انصياع طبقة رجال الدين لما يريده الحاكم ، ومحاولة جعل تلك الطاعة جزأ ً من الطاعة الربانية تماماً كما إستعمل ملوك أوروبا في العصور الوسطى اصطلاح “الحق الالهي” (Divine Right) لتبرير وجوب الطاعة العمياء للملك حتى ولو كان ذلك في الباطل .

لقد ساهم الضعف والتهاون العربي في إضعاف قدرة العرب وبشكل متفاقم على الدفاع عن أنفسهم وعن قضاياهم . والانفصام في العلاقة بين الحاكم والمحكوم ساهم إما في اعتماد الحاكم الفاسد المستبد بشكل متزايد على القوى الخارجية نتيجة لعدم ثقته بشعبه ، أو لعدم رغبة الشعب في الدفاع عن ذلك الحاكم حتى ولو أدى ذلك إلى إنهيار الدولة . معادلة صعبة ومؤلمة ولكنها حقيقية .

فلسطين ليست ببعيدة عن المسار العربي العام ، فهي تؤثر فيه وتتأثر به . والأمر سيان عندما تكون الأمور جيدة وفي صعود وتقدم . أما عندما تكون الأمور في تراجع وهبوط ، فإن العلاقة تصبح سلبية والسوء ينتقل من هذا الطرف إلى ذاك ، وعندها فإننا نتحدث عن علاقة سَرَطانية مسارها مُؤلم وملئ بالأوجاع وعلاجها قد يكون أشد إيلاماً وفتكاً ونهايتها قد تكون مميتة .

إن البحث عن مخرج بهدف ايجاد حل للقضية الفلسطينية لا يعني ولا يجب أن يعني أنﱠ على ذلك المَخْرَج أن يكون اسرائيلياًَ . ولكن الواقع ينبؤنا بخلاف ذلك . فإسرائيل تريد حلاً اسرائيلياً للقضية الفلسطينية يكون على حساب الفلسطينيين والعرب . والقيادة الحالية للفلسطينيين واقعة تحت حماية سلطات الإحتلال الاسرائيلي ، وهي بذلك تشكل جزأ عضوياً منه . وقد بلغ العرب من الضعف والتشتت مرحلة أصبح بها حكامهم ينظرون إلى اسرائيل بإعتبارها الحليف المنتظـر بالنسبة لبعضهم في صراعهـم مع إيـران ، والوسيط الوحيد لدى أمريكا بالنسبة للبعض الآخر في سعيهم للحصول على رضا أمريكا ومساعداتها ، وحائط المبكى بالنسبة للعرب الآخرين لتبرير فشلهم في تحرير فلسطين من خلال تأييد الإدعاء الباطل الوقح بأن فلسطين هي للاسرائيليين .

وهكذا ، فإن الوضع العربي الراهن الضعيف والمهلهل والممزق جعل من عملية تسهيل مرور الحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية مهمة عربية ومن مسؤولية بعض الأنظمة العربية بغض النظر عن موقف شعوبها ، وبدون أي إعتبار لهم إنطلاقاً من قناعة تلك الأنظمة أن ما هو في مصلحة النظام وضمن رؤيته هو بالضرورة في مصلحة الوطن حتى ولو كان واقع الحال عكس ذلك . وفـَشـَلْ الفلسطينيون في وضع حد لشطط قياداتهم يعادل فشل العرب . وقد ساهم ذلك بالإضافة إلى حالة الضعف والاقتتال العربي ، في توفير الأرضية الصالحة للتقدم بأفكار سوداء جامحة بإتجاه تسوية ما .

الحديث الدائر الآن في العلن حيناً وبالهمس أحياناً يتمحور حول أفكار إسرائيلية يتم تسويقها من قبل بعض العرب بهدف الضغط على الفلسطينيين للقبول بها . والمطروح الآن هي أفكار اسرائيلية سوف تؤدي إلى إغلاق ملف القضية الفلسطينية إلى الأبد عوضاً عن حلها . وفي حين أن إستعمال كلمة الحل في الحالة الفلسطينية يعني تنازلات متبادلة ، فإن الاغلاق يعني فـَرْض إرادة القوي على الضعيف ، وهو ما يجري العمل عليه الآن .

الأفكار المطروحة للتداول تعطي مؤشراً على الغياب الكامل لمفهوم التحرير ومفهوم الانسحاب الإسرائيلي ومفهوم الحقوق الانسانية والوطنية للفلسطينيين وكذلك مفهوم الدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة على الأرض والشعب . وفي غياب كل هذه المفاهيم الاساسية ، يصبح ماهو مطروح حقيقة ينحصر في بقاء الاحتلال ولكن تحت مسميات مختلفة تـُضْفي على ذلك الاحتلال الديمومة والشرعية الفلسطينية والعربية ومن ثم الدولية ، وتعطي الإنطباع الخاطئ بأن هنالك إنسحاباً وسلاماً وحلاً للقضية الفلسطينية .

المتـَدَاوَلْ همساً يشير إلى أهمية ما دار في اجتماع العقبة الثلاثي بين الأردن ومصر واسرائيل ، وإلى الدور المحوري الذي ستلعبه ادارة ترمب في ترجمة الأفكار الاسرائيلية المطروحة الآن إلى سياسات مؤطرة عربياً واقليمياً ودولياً . وإستدعاء محمود عباس إلى واشنطن لا يعني مشاورات بقدر ما يعني اصدار أوامر وتعليمات له ولسلطته تؤشر على تسارع الخـُطَى في إتجاه إنضاج الأفكار الاسرائيلية للتسوية والهادفة إلى إغلاق الملف الفلسطيني ، وترجمتها إلى سياسات وبرنامج عمل يشمل جميع الأطراف بما في ذلك الفلسطينيين وبرعاية أمريكية ومباركة عربية .

إن التسارع الواضح في جهود الإستيطان وتهويد القوانين يشير إلى طبيعة الأفكار الاسرائيلية لايجاد تسوية ما للقضية الفلسطينية تستثني عملياً أي إنسحاب من الأراضي الفلسطينية بإستثناء ما تبقى من أراضي قطاع غزة الذي نجحت القيادات الفلسطينية ، قبل اسرائيل ، في فصله عن باقي الأراضي الفلسطينية ، وبالتالي سَهـﱠلت مهمة الاحتلال في حصر حل الدولتين في قطاع غزة وفصله وسكانه تماماً عن الأرض الفلسطينية التاريخية .

إن الحديث عن حل الدولتين كان دائماً في صلب الأفكار المطروحة فلسطينياً وعربياً ودولياً ، بغض النظر عن الموقف منه ، وبالرغم من أنه يهدف حقيقية إلى طمس الحقوق الفلسطينية خصوصاً وأن ترجمة الجزء المتعلق بالفلسطينيين قد تم حصره في إنشاء دويلة فلسطينية في قطاع غزة ، أو ما تبقى منه ، واعتبار ذلك هو نهاية المطاف بالنسبة لمطلب الدولة الفلسطينية . وهذا سيؤدي إلى إتمام عزل قطاع غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال سور اسرائيلي عازل بشكل كامل . ماهو مطـروح اسرائيليـاً ، إذاً ، هو التخلص من الخطر الديموغرافي الفلسطيني من خلال فصل سكان القطاع مع أقل مساحة ممكنة من الأرض عن الكيان الاسرائيلي والتخلص من المسؤولية القانونية التي يفرضها القانون الدولي على أي دولة إحتلال .

وفي سياق هذا الحل والأفكار المطروحة ، يبدو أن مصر ، وعن حق، غير راغبة ولأسباب مختلفة في قبول المقترح الاسرائيلي بإعطاء قطاع غزة عمقاً جغرافياً من خلال ضم أجزاء من صحراء سيناء إلى دويلة قطاع غزة ، كما أنها قد لا تكون راغبة أيضاً في بقاء حدودها مع فلسطين هي المنفذ الوحيد لدويلة قطاع غزة على العالم الخارجي الأمر الذي سيضعها تحت مسؤولية أدبية وأخلاقية وضغوط فلسطينية وعربية هائلة ويحرج علاقاتها مع اسرائيل ويضيف عبئاً أمنياً عليها للسيطرة على المجموعات الاسلامية المسلحة القابعة في صحراء سيناء ، أو هكذا يعتقد أولي الأمر في مصر .

وهكذا ، يدور الحديث الآن حول بناء جزيرة إصطناعية في المياة الاقليمية الفلسطينية المقابلة لشواطئ قطاع غزه يتم استعمالها كنقطة عبور وخروج لقطاع غزه وفيها مطار وميناء ونقطة حدود . وهنا يجب أن تؤخذ النقاط التالية بعين الإعتبار :-
بناء هذه الجزيرة والمرجح أن تكون تكلفتها بين 5-10 مليار دولار سوف تقع مسؤولية تمويله على مال النفط العربي وبقرار أمريكي .
حدود قطاع غزه تبقى مصطنعه وتعكس توافقات اقليمية ودولية تسمح ببناء تلك الجزيرة الاصطناعية . وهكذا تبقى السيادة الفلسطينية مرهونة لحسن نوايا أطراف أخرى بما فيها اسرائيل وسماحها بالإستمرار في استعمال تلك الجزيرة كنقطة عبور وخروج حدودية .
إن هذا المخطط قد يتم تنفيذه بالتعاون مع حركة حماس كما هي الآن ، أو بعد أن يتم تفتيتها إلى حماس الداخل والخارج أو بعد أن يتم استبدالها كلياً .

وفي كل الأحوال ، من الخطأ الإستمرار في إعتبار إسرائيل قضية تخص الفلسطينيين لوحدهم وأن خطرها محصور بهم . فإسرائيل والصهيونية هي أيضاً العدو الطبيعي لكل ما هو عربي . وإصرار البعض على إعتبار إسرائيل هي قضية ومشكلة تخص الفلسطينيين لوحدهم هي هروب إلى الأمام أملاً لدى البعض في أن تختفي المشكلة من تلقاء نفسها ، أو الاستسلام القـَدَري لها من منطلق “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” مع العلم أن “الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” .

لماذا لم يرجع مسيحيو الموصل لبيوتهم بعد استعادتها من تنظيم «الدولة»؟


وائل عصام

خمسة أشهر مضت على استعادة قوات الحكومة العراقية لمناطق سهل نينوى، حيث الثقل الاكبر لمسيحيي الموصل في برطلة وبعشيقة وقراقوش، ولكن حتى اليوم فان معظم تلك البلدات المسيحية تبدو مهجورة، بل وتعرضت مئات المنازل لعمليات حرق ونهب لمحتوياتها، بعد استعادة تلك المناطق في الحمدانية من سيطرة تنظيم «الدولة»، ما جعل معظم السكان المسيحيين يفضلون البقاء خارج بلداتهم، على الرغم من زوال العائق الذي كان يحول بينهم وبين عودتهم وهو تنظيم «الدولة» .

فمن هو المسؤول عن حرق بيوت مسيحيي الموصل ونهبها وتهديد امنهم؟ السكان المحليون من تلك البلدات الذين نتحدث إليهم يعرفون المسؤول عن منع عودتهم، لكن قبل التطرق إلى روايات السكان، أريد ذكر ما قاله لي أحد أبرز الصحافيين الذين شاركوا في تغطية النزاع في الموصل على مدى الاشهر الماضية، وهو يتولى إدارة تحرير الشرق الاوسط لمؤسسة إعلامية غربية عريقة، هذا الزميل الصحافي يبدي استياءه من التحيز الاعلامي الغربي في تغطية النزاع، بدءا من طريقة معالجة ازمة الإيزيديين في سنجار، التي تابعها عن قرب، وصولا لتجاهل الضحايا المدنيين في معركة الموصل، حتى حدثت مجزرة الموصل الجديدة، إلا أن ما لفت انتباهه اخيرا، هو الصمت الكامل عن قصة حرق بيوت المسيحيين في الموصل وبلداتهم الخاوية على عروشها، بعد ان امتلأت الصحافة الغربية بالتقارير المتعاطفة معهم، إذ خلت الموصل من مسيحييها عندما كان الطرف الآخر في القصة هو تنظيم «الدولة». أما اليوم فإن خمسة اشهر مضت على إبعاد التنظيم المتشدد، ولم يتساءل أحد، لماذا ظلت الموصل خالية من مسيحييها، بل وحرقت الكثير من بيوتهم؟

الزميل الصحافي لديه إجابة واحدة عن الطرف المسؤول عن المعاناة الجديدة لمسيحيي الموصل، وهي تتفق مع مجمل نتائج اللقاءات التي اجريناها مع سكان محليين وعناصر وضباط أمنيين، وهذا الطرف هو الحشد الشعبي، اذ تم تكليف الميليشيات الشيعية بإدارة المناطق التي تمت استعادتها من قبل قوات الحكومة بمختلف تشكيلاتها، من مكافحة ارهاب وشرطة اتحادية ورد سريع، والجيش، وغيرها من تشكيلات. وبينما تقدمت قوات الحكومة نحو جبهات القتال مع تنظيم «الدولة» فإن مهام ادارة المناطق التي تمت استعادتها أوكلت لهذه الميليشيات، فقامت عناصر بسرقة المئات من منازل المسيحيين ثم حرقها، ويقول معظم الذين زاروا سهل نينوى ان دور الميليشيات المسيحية المتواجدة هناك هامشي وشكلي ولا يعدواكونه غطاء لتواجد الميليشيات الشيعية المهيمنة تماما، وأن الحشد الشعبي يسيطر ليس على سهل نينوى فحسب، بل على معظم حزام الموصل الجنوبي الشرقي والجنوبي مقابل تواجد خجول للقوات الحكومية، فبعد حاجز الجيش في برطله، وباتجاه قراقرش وحمام العليل، تم إحصاء أكثر من عشرين حاجزا للميليشيات، وبعدها يأتي حاجز واحد حكومي عند الجسر الصناعي الحديدي.

في الأشهر السابقة لم تكن قضية اتهام الحشد الشعبي بهذا الدور في بلدات المسيحيين أمرا سهلا، لذلك تفضل أغلب الجهات الاشارة له من دون ذكر اسمه، خوفا من توترات محلية، وهكذا فعلت إحدى المنظمات المسيحية، وهي المرصد الآشوري لحقوق الانسان، التي نشرت قبل اشهر قليلة بيانا يطالب بالتحقيق في حرق منازل المسيحيين، واصفة الاطراف المسؤولة عن ذلك بالـ»جهات العراقية المجهولة»، رغم ان قناة تلفزيونية لمسيحيي الموصل نشرت تقريرا عن بيت احد المسيحيين الذي تعرض للحرق في بغديدا قراشوش، وتحدث صاحب البيت مع زوجته عن أنهم عادوا لمنزلهم بعد إبعاد تنظيم الدولة ونظفوا البيت، ثم عادوا بعد ايام ليجدوا المنزل قد تم حرقه بالكامل، كما اظهرته الصور، واللافت ان الرجل وزوجته قالوا انهم ابلغوا القوات الحكومية بذلك وردوا عليهم بعدم قدرتهم على التعامل مع الموضوع، ثم ابلغوا الشرطة المحلية في قراقوش ليردوا عليهم بعدم معرفتهم بالجهة التي قامت بالحرق! ويعلق احد السكان المحليين على الامر بالقول إن تنظيم «الدولة» كان يفجر البيوت الخاصة بالمتعاونين مع الحكومة والقوات الامنية، لكنه لم يحرق بيوتا في منطقتنا. أما الميليشيات فهي من عرف عنها حرق البيوت، وقد اصبحت ماركة مسجلة باسمها، بعدما فعلوه بمئات المنازل في تكريت وبيجي وغيرها من المدن التي دخلوها، ويضيف معلقا عن واقع اقاربه من مسيحيي الموصل الذين هاجر معظمهم لاوروبا والولايات المتحدة «بين من يفجر البيوت ومن يحرقها، فضل كثير من المسيحيين في الموصل ترك البيوت والهجرة». خلف هذا كله يختبئ شبح التغيير الديمغرافي، ليس فقط المتعلق بالسكان المسيحيين في سهل نينوى، بل بقضية النزاع العربي الكردي على حدود كردستان في سهل نينوى، التي يبدو ان مسيحيي سهل نينوى دفعوا ثمنا لها، فالحشد الشيعي يكثف من تواجده هناك على ما يبدو على خلفية النزاع المحتدم بين الاحزاب الشيعية وحكومة كردستان وسلطة بارزاني فيها تحديدا، والتي وصلت لتهديد القيادي بالحشد قيس الخزعلي بالهجوم على اقليم كردستان العراق، وعادت الأزمة للتصعيد من جديد بعدما رفع الاكراد علم حكومة كردستان في كركوك قبل ايام، ورغم نجاح القوى الكردية والشيعية بنزع فتيل اكثر من مواجهة عسكرية وسياسية بينهم، فان هناك من ينتظر ويرقب تصاعد التوتر والصدام بين القوى الشيعية والكردية من جانب، وبين بارزاني وطالباني المدعوم ايرانيا من جهة اخرى .

فى ذكرى يوم الأرض: الفلسطينيون لم يبيعوا أرضهم!!
















رفعت سيد أحمد

الأكذوبة لاتزال تتردّد، ولايزال البعض من نخبة إعلامنا العربي وسياسيه يردّده من دون حياء، فإننا نقدّم اليوم طرفاً من الحقيقة، والتي تقول سطورها أن من باع الأراضي ليس الشعب الفلسطيني، ولكن الاحتلال البريطاني والتركي قبله فضلاً عن بعض أثرياء العرب الخوَنة ممن كانوا يمتلكون وقتها آلاف الأفدنة أو(الدونمات بالتعبير الفلسطيني والشامي)؛ داخل فلسطين، بحُكم وحدة أراضي بلاد الشام التي كانت فلسطين إحدى دولها المفتوحة أمام العرب.

في مثل هذة الأيام من العام 1976 وقعت أحداث يوم الأرض في فلسطين والتي يؤرّخ لها ب ((30/3/1976)) حين استشهد ستة فلسطينيين وأصيب المئات دفاعاً عن أرضهم التى صودِرت منها آلاف الدونمات فخرجت التظاهرات من الخليل إلى النقب وارتفع الشهداء الستة .من يومها ونحن عربياً وإسلامياً نحتفل بالذكرى ، لكن هذه الأيام ثمة طعم آخر لها … ففي زمن أبومازن ورفاقه من القابضين في بؤس على خيار أوسلو وثقافة التسوية التي زادت من الاستيطان وأضاعت ما بقي من حقوق؛ عادت الأكذوبة-وفي ذكرى يوم الأرض – لتطلّ برأسها مجدّداً، أكذوبة بيع الفلسطينيين لأرضهم لصالح المُحتل الصهيوني، لقد دأب فريق من النُخبة الإعلامية والسياسية في عالمنا العربى على تكرار أكاذيب تتّصل بالصراع العربي الصهيوني، وتبنّوا بإرادتهم (الروايات الصهيونية) للعديد من قضايا الصراع وحقائقه الممتدّة منذ بداية القرن العشرين حين أتت الهجرات الاستعمارية الصهيونية وحتى يومنا هذا (2017)، ومن بين ما تبنّوه وروّجوا له أكذوبة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود والصهاينة قبل حرب 1948 وبعدها؛ وذلك لكي يُبرّروا فشلهم في تحرير أولى القبلتين، ولكى يبرّروا تطبيعهم وربما تحالفاتهم ومن ثم خياناتهم، حتى لحظتنا تلك!! ، مع العدو الصهيوني الممتدة.

ولأن الأكذوبة لاتزال تتردّد، ولايزال البعض من نخبة إعلامنا العربي وسياسيه يردّده من دون حياء، فإننا نقدّم اليوم طرفاً من الحقيقة، والتي تقول سطورها أن من باع الأراضي ليس الشعب الفلسطيني، ولكن الاحتلال البريطاني والتركي قبله فضلاً عن بعض أثرياء العرب الخوَنة ممن كانوا يمتلكون وقتها آلاف الأفدنة أو(الدونمات بالتعبير الفلسطيني والشامي)؛ داخل فلسطين، بحُكم وحدة أراضي بلاد الشام التي كانت فلسطين إحدى دولها المفتوحة أمام العرب.

إن الحقائق التاريخية تقول أنه في الفترة ما بين 1929 و1947 قُتِل أكثر من 15 ألف فلسطيني وعربي على يد الانكليز والمُسلّحين اليهود وتم تهجير الآلاف من بيوتهم وقراهم .. وتم تدمير وقتل أهالى 531 قرية بالكامل.

– عندما زادت وتيرة الهجرة اليهودية لفلسطين التاريخية وزادت أيضاً وتيرة المقاومة الفلسطينية في مواجهة عُنف المستعمر الإنكليزي واليهودي امتنع الفلسطينيون عن بيع أراضيهم أو التعامل مع اليهود، ما دفع الانكليز لسياسة تخصيص أراضي الدولة التي في حيازتهم لليهود .. لإنشاء المستوطنات ومشروعات توليد الكهرباء والمصانع وخلافه.

ويحدّثنا التاريخ أن إنكلترا استخدمت وسيلة خطيرة لهذا الهدف وهي استخدام بعض الأثرياء العرب وخصوصاً من العائلات المُهاجرة لأوروبا وأميركا للعب دور الوسيط .. يتم الشراء بمساحات كبيرة جداً وأسعار عالية باسمهم من الفلسطينيين، ثم عند إعلان دولة إسرائيل باعوا هذه الأراضي لليهود.

إن التاريخ ووثائقه يؤكّد أن إجمالى مساحة الأراضي التي وقعت تحت أيدي اليهود حتى عام 1948 من غير قتال أو حرب كانت حوالى 2 مليون دونم، أي ما يعادل 8.8% من مساحة فلسطين التي تبلغ 27 مليون دونم.

هذا ويحدّثنا التاريخ أن الصهاينة حصلوا على تلك الأرض (2 مليون دونم) عبر وسائل عدّة نذكر منها :
أولاً: حصلوا على مساحة 650.000 دونماً (ستمائة وخمسين ألف دونم) حصلوا على جزء منها كأية أقلية في فلسطين منذ مئات السنين، وتملك أرضاً تعيش عليها، وحصلوا على الجزء الآخر بمساعدة الولاة الأتراك.

ثانياً : مساحة 665 ألف دونم (ستمائة وخمسة وستين ألف دونم) حصل عليها اليهود الصهاينة بمساعدة حكومة الانتداب البريطاني المباشرة، وتحديداً من خلال المندوب السامي البريطاني وعلاقاته المشبوهة بالوكالة اليهودية.

ثالثاً : مساحة 606 آلاف دونم (ستمائة وستة آلاف دونم) قام اليهود الصهاينة بشرائها من إقطاعيين عرب كانت لهم ملكيات واسعة في فلسطين. وهنا يحدّثنا التاريخ أن أبرز تلك العائلات أتى من لبنان وسوريا ومنها من لبنان : (آل سرسق – آل تويني – آل سلام – آل الصباغ – محمّد بيهم – جوزف خديج – خير الدين الأحدب (رئيس وزراء سابق) – آل الخورى) ومن سوريا : (آل ماردينى – آل اليوسف – آل القوتلي – آل الجزائرلي – الشمعة – العمري – مدام عمران .. وغيرهم) .

رابعاً : باقي الأراضى التي استحوذ عليها اليهود كانت عبر الإرهاب والقوة المُسلّحة ودير ياسين نموذجاً لذلك.

– إن التاريخ يحدّثنا أنه عند قرار التقسيم سنة 1947 كانت ملكية اليهود للأراضي لا تتعدّي 2 مليون دونم – كما سبق وأشرنا – من كامل مساحة فلسطين، ولكنهم بالقوة المُسلّحة والعدوان والقتل والتهجير الإجرامى من ناحية، وبالأساليب السابقة للشراء عبر وسطاء ومن عائلات غير فلسطينية من ناحية أخرى، وعبر ضِعاف النفوس من الفلسطينيين أيضاً والذين تمت تصفيتهم على أيدى الحركة الوطنية الفلسطينية لاحقاً، تمكّنوا من احتلال أجزاء كبيرة من فلسطين الحبيبة.

وبعد .. لقد آن اليوم (2017) وفي الذكرى الحادية والأربعين ليوم الأرض، ورغم بؤس (أوسلو) وما تلاه من اتفاقات كانت أشد خطراً من بيع الأرض للمحتل الصهيونى قبل 1948 لأنها أضفت شرعية على الاحتلال الكامل لفلسطين، نقول رغم ذلك فإننا ينبغى أن نُصحّح ونرفض تلك الأكذوبة التاريخية عن بيع الفلسطينيين لأرضهم والتي تتكرر، وتتردّد كل حين، حتى نحافظ على ذاكرة الحق، وذاكرة الصراع، وحقائق التاريخ التي لم تلوّث؛ حيّة ونقيّة وصحيحة، أمام أجيالنا العربية القادمة والتي ستُحرّر فلسطين، وتُعيدها كاملة لأمّتها، من البحر إلى النهر، بإذنه تعالى، مصداقاً لسنن التاريخ وحقائق الواقع في مواجهة الغُزاة عبر التجارب التاريخية كافة، هكذا يحدّثنا التاريخ الإنساني والفلسطيني، وقبله، أكّده الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز من خلال الوعد القرآني في (سورة الإسراء) بالعودة وتحرير فلسطين، وهو سبحانه لا يخلف وعده، حيث قال : (وقَضَيْنَا إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُواً كَبِيراً * فَإذَا جَاءَ وعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وكَانَ وعْداً مَّفْعُولاً ) صدق الله العظيم ( الإسراء آية 4-5).

عن«قمة» التنازلات الجديدة فى عمان


 طلال سلمان

اختلفت وظيفة القمة العربية اختلافا جذريا مع غياب مبتدع فكرة انعقادها الدورى سنويا، الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، والقادر على جمعها استثنائيا كلما دعت الحاجة.

وبعدما كانت إحدى مهمات القمة توحيد الصف العربى، ولو «بخطى أضعفهم»، صارت المهمة الوحيدة للقمة العربية تنظيم التنازل العربى، منهجيا، التحاقا بمسيرة الرئيس المصرى أنور السادات، بمعزل عن قراءة دروسها والاتعاظ بنتائجها الدموية المشهودة.

هكذا تحولت القمة من رافعة للعمل العربى المشترك وحاجز أمام التنازلات إلى مؤسسة تنظيم التنازل والتفريط، بذريعة العجز عن مقاومة العدو الذى لا يُقهر، اسرائيل، المعزز بالتأييد الدولى المفتوح تحت الراية الأمريكية.

ومع أن بعض أصوات الاعتراض ظلت ترتفع، أحيانا، فتحد من التنازل أو تؤخره، إلا أن مسيرة التنازلات تواصلت حتى بلغت وهدة خطيرة، عبر القمة العربية فى بيروت (فى العام 2002) والتى تُوجت بالمبادرة العربية التى قدمتها السعودية ووافقت عليها القمة مقدمة مجموعة من التنازلات الإضافية حتى كادت دولة العدو الاسرائيلى تصبح «دولة شقيقة».

بعد ذلك سيشن الأمريكيون الحرب على العراق، بذريعة التخلص من صدام حسين، (العام 2003)، موجهين تهديدا مباشرا إلى سوريا بلسان وزير الخارجية الأسمر كولن باول، فيفهم «أهل القمة» الرسالة، ويسرعون خطاهم فى التنازل عن حقوق الأمة، بعنوان فلسطين.

.. ولسوف تنفجر أو تفجر الحرب فى سوريا وعليها، قبل خمس سنوات، فيضعف موقفها المعترض، خصوصا وقد شارك كثير من الدول العربية فيها.. ثم إن هذه الدول ما لبثت أن جعلت الجامعة العربية «تتجرأ» على إحدى الدول المؤسسة لها، سوريا، فتتخذ قرارا همايونيا «بطرد» الدولة السورية وإعطاء مقعدها فى الجامعة لمجاميع من المعارضات السورية، المقاتلة بتمويل وتسليح وتدريب توفره دول عربية أخطرها إمارة من غاز.

خلال السنوات الماضية حصلت تطورات خطيرة فى المنطقة ولّدت تنازلات إضافية، لاسيما وقد حوصر «مشروع» السلطة الفلسطينية وتم تقزيمه حتى أصبح أسيرا قيد الاعتقال فى سجن التفوق الإسرائيلى على العرب مجتمعين.. وصار «التحرير» حديث خرافة، وتقزم المطلب بالحرص على استمرار «السلطة» على قيد الحياة.

ها نحن عشية القمة العربية الجديدة التى ستلتئم ناقصة النصاب، مرة أخرى فى عمان، وقد سبقتها التطورات التالية:

أولا: أن رئيسا أمريكيا جديدا قد دخل البيت الأبيض، خلفا لباراك أوباما من موقع الخصومة بشهادة حملة التشهير التى شنها ويواصل تغذيتها دونالد ترامب، يوميا، ليؤكد الافتراق بينه وبين سلفه الأسمر نصف المسلم.

ثانيا: أن الحرب فى سوريا وعليها لا تزال مستمرة، ولا تزال عضويتها فى الجامعة العربية معلقة، وإن تم سحب مقعدها من أشتات المعارضات التى تلفعت أخيرا بالعباءة السعودية، لتغطى هزائمها فى الميدان، بعد دخول روسيا طرفا مقاتلا إلى جانب النظام إضافة إلى إيران ومعها «حزب الله» فى لبنان.

ثالثا: أن الرئيس الأمريكى الجديد قد حدد ــ مبدئيا ــ خط سيره فى التعامل مع القضايا العربية، وفلسطين منها فى الطليعة.. وهكذا فقد بادر، فى لفتة ذات دلالة إلى تخصيص الملك سلمان بن عبدالعزيز بالاتصال الهاتفى الأول...

رابعا: حرص الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى أن يكون بين أوائل المتصلين لتهنئة ترامب، والتأكيد على العلاقة المميزة التى تربط بين القاهرة وواشنطن، مذكرا بأنه تلقى التدريب والتأهيل لدى القوات المسلحة الأمريكية.

خامسا: على الرغم من ازدحام جدول أعمال الرئيس الأمريكى بالمواعيد، فقد وجد وقتا قصيرا للقاء الملك عبدالله الهاشمى، خارج المكتب البيضاوى، مع وعد بأن يستقبله ــ رسميا ــ بعد القمة، ربما ليستمع منه إلى تقرير حول مجرياتها..

سادسا: أقدم ترامب على ما لم يجرؤ عليه غيره من الرؤساء الأمريكيين، فى ما عدا كلينتون، إذ دعا رئيس السلطة الفلسطينية إلى لقائه فى البيت الأبيض، مع اختلاف المناسبة.

سابعا: خرق الرئيس الأمريكى البروتوكول للتدليل على حفاوة استثنائية بزيارة ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، إذ استقبله رسميا فى البيت الأبيض، ثم عقد معه ووفده جلسة محادثات رسمية (ومصورة) جلسا فيها متواجهين من حول طاولة رئاسية، بكل الدلالات التى تحملها هذه الصورة والتى ــ لا بد ــ يفهمها سائر الأمراء المتصارعين بصمت، على خلافة الملك سلمان، ولا سيما منهم ولى العهد الأمير محمد بن نايف..

ثامنا: بسحر ساحر سقطت «الخلاقات» التى عكرت صفو العلاقات بين القيادة المصرية و«السلطة الفلسطينية»، وقصد محمود عباس إلى القاهرة بدعوة من الرئيس السيسى..» لتنسيق المواقف فى القمة العربية».

تاسعا: تم تحديد موعدين للقاء الرئيس الأمريكى مع مسئولين عرب، بعد القمة مباشرة، الأول للرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى والثانى لرئيس الحكومة العراقية الدكتور حيدر العبادى.

من قمم توحيد الصف، منعا لانهيارات أو انحرافات أو سقطات تؤذى «القضية المقدسة» أو تذهب بالإجماع من حولها، ولو فى البيانات وصور «القادة المخلدين» يتلفعون بعباءاتهم المقصبة ويتساندون فى اللقطات التاريخية، سيكون إنجاز بيان التنازلات الجديدة، فى قمة عمان مكرسا لتعزيز موقف رئيس السلطة الفلسطينية التى لا سلطة لها، محمود عباس، فى لقائه المقرر مع الرئيس الأمريكى المحاصر، عاطفيا وموضوعيا، بالصهاينة وليس فقط باليهود..

من تلك القمم التى حاولت الحد من خسائر القضية المقدسة، إلى قمة عمان، التى تُغيَّب عنها سوريا، مرة أخرى، سنشهد فصلا جديدا لعله سيكون الأخطر من فصول التنازل عن «الثوابت» و«البديهيات» التى تجعل من فلسطين«قضية مقدسة».
سيكون العنوان «إحياء المبادرة العربية»، ولكن واقع العرب مختلف جدا اليوم، فى 2017، عما كان عليه الحال قبل خمسة عشر عاما، فى بيروت فى مثل هذه الأيام من العام 2002.

إن خمس عشرة سنة من التنازلات، و«حروب الإخوة» التى دمرت وتدمر بعض أخطر عواصم التاريخ فى دنيا العرب، من بغداد إلى دمشق، ومن طرابلس إلى صنعاء التى عجز الغزاة عن دخولها على مر التاريخ..

إن خمس عشرة سنة من التنازلات و«حروب الإخوة» ستصيب بأضرار فادحة العرب جميعا بعنوان قضيتهم المقدسة، فلسطين..
خصوصا أن اسرائيل التى تعيش حالة غير مسبوقة من غرور القوة، فلا تكتفى بالإغارة على الداخل السورى (قرب تدمر) بل هى تعلن أن محاولة صد طائراتها الحربية الذاهبة إلى تدمير أسباب القوة فى سوريا ستجعلها توسع نطاق هجماتها لتشمل سوريا جميعا.
.. ولعل القيادة الإسرائيلية تفترض أن هذا التهديد قد يُنعش ما تبقى من «المعارضات السورية»، كما أنه قد يسرع من خطوات التطبيع بين«من تبقى من العرب» والعدو الإسرائيلى.

.. خصوصا أن الاتصالات (السرية؟!) بين العدو الإسرائيلى وبعض دول الجزيرة والخليج العربى، تتوالى وتظهر إلى العلن، فلا يجتهد أبطالها فى نفى حصولها بل إنهم يبررونها ويهاجمون «المزايدين» الذين يعترضون عليها فيتهمونهم بأنهم يعيشون خارج العصر.
حماك الله يا فلسطين من القمم العربية وأهلها.

حالُ الثقافة العربية.. عروبة مهدّدة


صبحي غندور

حالُ الثقافة العربية الآن هو كحال الأراضي الفلسطينية المحتلّة. فالثقافة العربية أيضاً تتهدّدها مخاطر "الاحتلال" و"نزع الهويّة العربية"، بينما تعاني الحكومات والمجتمعات العربية من صراعاتٍ وخلافات تنعكس سلباً على كلِّ المشترَك بين العرب، وفي مقدّمته الثقافة العربية والقضية الفلسطينية.

فلسطين، تجاوزت أهميّتها أبعاد المكان فقط، فهي رمزٌ لتاريخ وحضارة ورسل ورسالات سماوية. كذلك هي الثقافة العربية أيضاً، التي لها أبعادها الحضارية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين العرب، كما للغتها العربية مكانة مقدّسة لعموم المسلمين في العالم.

العرب كان لهم ثقافة خاصّة بهم فقط قبل ظهور الدعوة الإسلامية، أيضاً، كان وجود هذه الثقافة محصوراً جغرافياً في إطار البقع السكانية التي تتحدّث اللغة العربية. وكانت طبيعة هذه الثقافة تتّصف بما كانت عليه القبائل العربية من سماتٍ وخصائص. أمّا بعد ظهور الدعوة الإسلامية، فإنّ الثقافة العربية أخذت مضامين جديدة جاء بها الإسلام بحكم نزول كتاب الله الحكيم باللغة العربية، وأيضاً من خلال بدء الدعوة وانتشارها عبر روّادٍ عرب حملوا الرسالة إلى بقاع عديدة في العالم، لا توجد فيها قبائل عربية ولا يتحدّث أهلها باللغة العربية.

وفي ذلك الحدث التاريخي، خرجت الثقافة العربية، من الدائرة العنصرية (الخاصّة بالعرب) إلى الدائرة الحضارية الإنسانية (التي جاءت بها مضامين الدعوة الإسلامية). أيضاً من نتائج ذلك، أنّ الثقافة العربية خرجت من دائرة التعريف بها وجوداً، إلى موقع متميّز دوراً.

وهذه علاقة خاصّة جدّاً بين الثقافة العربية وبين رسالة سماوية لا تختصّ في زمانٍ أو مكان، وبذلك تتميّز الثقافة العربية عن غيرها من الثقافات العالمية، بما في ذلك الثقافات الأخرى في العالم الإسلامي.

وهذه العلاقة الخاصّة بين الثقافة العربية وبين لغة الرسالة الإسلامية، وإن كانت تعني تمييزاً لا تمايزاً عن باقي الثقافات في العالم الإسلامي، لكنّها أيضاً تعني دوراً مميّزاً لها ولِمن ينتمون إليها (أي العرب)، ففي الحفاظ على الثقافة العربية ولغتها، حفاظٌ على لغة القرآن الكريم وتسهيلٌ لفهمه الصحيح ولاستيعاب مضامينه.

لكن الثقافة العربية، كغيرها من ثقافات العالم، يندمج فيها عبر حركة الزمن، الصالح والطالح معاً، وتكون مهمّة القائمين على هذه الثقافة والحاملين لها، إجراء عملية الفرز بين ما هو إيجابيّ في الأصل وبين ما هو سلبيّ في الإلحاق.

الثقافة العربية، كغيرها من الثقافات أيضاً، يرتبط تأثيرها بدور الجماعة البشرية التي تنتمي إليها، حيث نجد في تاريخ المجتمعات ما هو تأكيدٌ على هذه المسألة حول الترابط بين دور الثقافة ودور المنتمين إليها. فانتشار اللغة الإنجليزية إلى مشرق الأرض ومغربها تحقّق حين كانت بريطانيا "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس". وقد كان انتشار اللغة الإنجليزية مقروناً بمقدار توسّع سيطرة وهيمنة الشعب الإنجليزي على مناطق عديدة في العالم.

واليوم، وبعد عشرات السنين من التحرّر من الهيمنة البريطانية، ما زالت أوستراليا ودول في شرق آسيا وغيرها من الدول، شرقاً وغرباً، تأخذ بالعادات البريطانية وتقاليدها الاجتماعية، إضافةً إلى لغتها الإنجليزية.

فالانتشار الثقافي عالمياً يرتبط بقوّة تأثير ودور الجماعة التي تحمل هذه الثقافة. وذلك قد يتمّ من أجل خدمة رسالة دينية وقيم حضارية (كما كان الحال بين الثقافة العربية والحضارة الإسلامية)، أو قد يحصل بفعل مصالح دولية وأسلوب قهري استعماري، كما انتشرت اللغة الإنجليزية سابقاً، واللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية أيضاً في أماكن أخرى من العالم.

اليوم نجد أن انتشار الثقافة الأمريكية (ومن ضمنها اللغة الإنجليزية طبعاً) جعلها هاجساً حتى لدول تنتمي إلى الحضارة الغربية نفسها، لكنها تتمايز ثقافياً عن ثقافة أميركا ولغتها، كما بالنسبة لفرنسا وألمانيا.

إذن، كلّما كان لأيِّ جماعةٍ بشرية أو أمَّة دورٌ فاعل (بمضامين حضارية أو بأساليب هيمنة)، كلّما انتشرت واتّسعت ثقافة هذه الأمّة و"تَعَوْلَمت" على مرِّ السنين .

أمّا حال العرب اليوم فهو يسير من سيء إلى أسوأ، وتعاني أمّتهم الآن من انقساماتٍ وصراعات انعكست على الثقافة العربية نفسها، لذا نجد الثقافة العربية مهدّدةً الآن (كما هي اللغة العربية أيضاً) ليس من حيث الدور فقط، بل من حيث الوجود الفاعل نفسه.

فالثقافة العربية هي الآن الباقي الوحيد كرمز يجمع بين العرب. والخطر عليها كوجود لم يبدأ فقط مع وجود الاحتلال الأوروبي للمنطقة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بل بدأ مع سقوط الريادة العربية للعالم الإسلامي، وتسلّم السلطة العثمانية لدور كان أولى بالعرب الحفاظ عليه فأخذه منهم الجيش الانكشاري. من هنا كانت بداية تدهور حال الثقافة العربية بغضّ النظر عمّا حملته هذه الثقافة (بعد انتهاء دولة الخلفاء الراشدين) من مفاهيم بعضها تناقض أحياناً مع المضمون الأصولي للقيم الإسلامية.

في سياق هذا الموضوع عن الثقافة العربية، أجد أنّ من المهمّ التمييز في المصطلحات بين "الحضارة" و"الثقافة". فمن الخطأ استخدام تعبير "الثقافة الإسلامية" إذ الأصحّ القول "الحضارة الإسلامية". فهناك "حضارة إسلامية واحدة" لكن قائمة على ثقافاتٍ متعدّدة، ومنها الثقافة العربية التي كان لها - وسيبقى- الدور المميّز بالحضارة الإسلامية. فالثقافات تختصّ بشعوب معيّنة، بينما الحضارات تشمل أكثر من شعبٍ وثقافة. تماماً كما هو حال الحضارة الغربية اليوم التي تجمع تحت مظلّتها ثقافاتٍ متنوعة ولغاتٍ مختلفة كالفرنسية والألمانية والأسبانية والإيطالية والإنجليزية والأميركية التي هي في موضع الريادة الآن للحضارة الغربية.

إنّ العالم الواحد له شجرة حضارة إنسانية واحدة تقوم على جذوع حضارات إنسانية متميّزة عن بعضها البعض، ومتفاعلة مع بعضها البعض، تشترك في أشياء وتختلف في أخرى، كما أنّ كلَّ جذعٍ حضاري يحمل أغصان ثقافات قومية متميّزة عن بعضها البعض بخصائص تختلف من أمّةٍ إلى أخرى..

ومهما تقاربت دول العالم في المجالات الاقتصادية والتجارية والعلمية والإعلامية - وربّما أيضاً في سمات الأنظمة السياسية - فإنّ الخصائص الثقافية لكل أمّة ستبقى قائمةً لتلعب دوراً رئيسياً في العلاقات والمصالح، وربّما الصراعات، بين الأمم المختلفة على هذه الكرة الأرضية الواحدة.

وكما هو الواجب في الحفاظ على هُويّة فلسطين وتحريرها من الاحتلال العسكري، كذلك هو واجبٌ الحفاظ على "عروبة" هويّة العرب من خلال الحفاظ على "الهويّة الثقافية العربية" و"تحريرها" من أمراض الذات ومن هيمنة "الآخر".

لقد كان السياق العام لتاريخ المنطقة هو أنّ "الخارج الأجنبي" يتعامل معها كوحدة متكاملة ومتجانسة، في الوقت نفسه الذي يدفع فيه هذا "الخارج" أبناء الداخل العربي إلى التمزّق والتشرذم.

لكنّ سلبيّات الواقع العربي الراهن لا تتوقّف فقط على سوء الأوضاع العربية وعلى المخاطر الناجمة عن المطامع الأجنبية، بل تنسحب أيضاً على كيفيّة رؤية أصحاب الأرض العربية لأنفسهم ولهويّتهم ولأوضاعهم السياسية والاجتماعية.

ففي هذه الظروف التي تمرّ بها المنطقة العربية، تزداد مشاعر اليأس بين العرب وتصل ببعضهم إلى حدّ البراءة من إعلان انتمائهم العربي، وتحميل العروبة مسؤولية تردّي أوضاعهم. وهي هنا مشكلة الخلط بين الانتماء والظروف، بين العروبة والأنظمة، بين الهويّة والممارسات.

إنّها مشكلة التعامل مع الانتماء القومي بمقدار ما ننظر إليه آنيّاً وليس بمقدار ما هو قائمٌ موضوعياً.

فالانتماء الوطني والقومي، ليس ثياباً نلبسها ونخلعها حين نشاء، بل هو جلد جسمنا الذي لا نستطيع تغييره مهما استخدمنا من أدواتٍ مصطنعة. وسواء رضينا بذلك أم لم نرضَه، فتلك طبيعة قانون التطوّر الاجتماعي الإنساني الذي ينتقل بالناس من مراحل الأسر والعشائر والقبائل إلى مرحلة الأوطان والشعوب والأمم.

إنّ العروبة فخرٌ لأبنائها وبناتها، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فيكفي فخراً أنّ الأرض العربية كانت أرض الرسالات السماوية كلّها، وأنّ الله عزَّ وجلَّ كرّمها بأنّ بعث رسله كلّهم منها وعليها، فكانت هذه الأرض الطيّبة منطقة ومنطلق الهداية الإلهيّة للناس أجمعين في كلّ مكان.

لكن هذا الافتخار بالأرض وبالتاريخ، لا قيمة له وحده، ما لم نجعله، بالعمل المستمرّ وبالمسؤولية الواعية، حاضراً نعيشه، وجسراً يصل بنا إلى مستقبلٍ أفضل.

إنّ الشعوب هي مجموعة أفراد، والوطن هو مجموعة مواطنين، لذلك فإنّ المستقبل العربي يتوقّف أيضاً على مجهود كلّ فردٍ فيه، ويتحمّل كلّ مواطن عربي، في كلّ مكان، مسؤولية وأمانة رسم آفاق هذا المستقبل، وتصحيح خلل المعادلة ما بين المكوّنات الإيجابية للأمّة العربية وبين الواقع السلبي للأوطان..

عودة لمبارك ولصوصه


عبد الحليم قنديل

لو كان المخلوع مبارك قد أصبح ماضيا، لما كنا نعود مجددا إلى سيرته، لكن التاريخ لا يعرف كلمة «لو»، وما جرى منذ ثورة 25 يناير 2011 إلى الآن، جعل ظل الرجل الكئيب مخيما حاضرا في حياتنا، ببلادته الحسية والشعورية، وبجماعته التي لاتزال تحتل مراكز قرار في الحكومة والبرلمان والجهاز الإداري، وبالفساد المتوحش الذي هو «كلمة السر» في كل ما يتصل بمبارك ونظامه، فقد صارت كلمة «الفساد» هي المعادل الرمزي، وربما المرادف اللغوي لاسم مبارك شخصيا، والفساد ـ كما ترى ـ لايزال ينخر في بدن الدولة وروح المصريين، وهو أخطر من الإرهاب مليون مرة.

نعم، نحن لا نخوض معركة في الماضي، ولا نحارب طواحين الهواء في الربع الخالي، ولا رجلا استبدت به أمراض الشيخوخة، حتى لو انتقل من مصير الدفن في سرير بمستشفى المعادي، التي ظل فيها لسنوات، يعالج على نفقة الشعب، وينقلونه الآن إلى «فيللا» منيفة، اشترتها عائلته بمال الشعب المسروق، وقد كان يمكن أن نتغاضى عن هذا كله، أو أن نعتبره من سخريات الزمان ومفارقاته، لولا أن ما جرى، ولا يزال يجري إلى الآن، لم تطو صفحة الكوارث والصدمات فيه، فقد قامت في مصر ثورة شعبية عظمى، بلا نظير في التاريخ، وقررت خلع مبارك ونظامه، ثم كان أن ذهب الرجل مرغما إلى مصير الخلع، لكن نظامه لم يذهب بعد، لا باختياراته التي انتهت بمصر إلى موارد التهلكة، ولا حتى بشخوصه، الذين توارى منهم من كانوا في الصفوف الأولى.

لكن صفوف «الفرز العاشر» لا تزال تواصل التحكم في مصائر مصر والمصريين، وتسيطر في السلطة والاقتصاد والإعلام، وتواصل عمليات «الشفط» والنهب، وتريد أن تجعل حاضرنا كماضينا القريب الأسود، فالثورات لا تقوم لمجرد استبدال أشخاص، ولا تنهض بغير قطيعة ثقافية وسياسية واقتصادية مع ما كان قبل الثورة، وهو ما كان يفترض أن يحدث مع محاكمات ثورية عادلة، جرى استبدالها بمحاكمات عادية جدا، وبالقوانين ذاتها التي أصدرها حكم المخلوع، وهو ما كان سببا في نهايات «التبرئة بالجملة» للفاسدين والظالمين، وفي قضايا بالغة الأهمية كقتل المتظاهرين، وكأن الثوار هم الذين قتلوا أنفسهم، أو كأن طائفا من مس شياطين الجن قد ذهب بهم إلى العالم الآخر، بينما تفرغ شياطين الإنس للسخرية من الثورة وأهلها، والادعاء ببراءة مبارك، ورد اعتباره القانوني، إلى حد زعم محامي المخلوع أن موكله لا يملك مليما، وكأن محامي الشيطان لم يتلق أتعابه بعشرات الملايين من الجنيهات، أو كأنه كان في عمل خيري، يشبه بالضبط دوره في الدفاع كمحام عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام، فالطيور على أشكالها تقع، ومبارك المخلوع كان خادما لإسرائيل بدرجة رئيس، وأخطر من أي جاسوس جنده «الموساد»، وانقلب على ماضيه البعيد كقائد عسكري في حرب أكتوبر 1973، وعلى دوره في الضربة الجوية لإسرائيل، ووجه لمصر والمصريين «ضربة نووية» بالمعنى الوجودي، حين صار رئيسا، وجرد مصر من كل قوة وقدرة، وهو ما كان موضع امتنان عظيم من قادة كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وعلى طريقة وصف الجنرال بنيامين بن أليعازر لصديقه مبارك بأنه كان «أعظم كنز استراتيجي لإسرائيل»، ووصف شيمعون بيريز للمخلوع بأنه «المؤسس الثاني لدولة إسرائيل بعد المؤسس الأول بن غوريون».

وقد نكون في حاجة إلى إعادة التذكير بأصول ما جرى، وحتى لا يتصور النصابون المتهافتون، أن كل شيء ينسى بعد حين، وأن ذاكرة الشعوب قصيرة، فاللاعبون بالثلاث ورقات، وجماعات المصالح المليارية والتريليونية، يجهدون لإثبات مزاعم براءة مبارك، وادعاء أنه ترك الحكم بسلام وسلاسة، وكأنه كان لديه خيار آخر، بعد أن وقف الجيش مع ثورة الشعب، وهو ما أفضى إلى خلع مبارك تلقائيا، وحال في الوقت نفسه، دون أن تصل الثورة إلى السلطة، لا بالبرنامج ولا بالشخوص، فالجيش هيئة نظامية لا ثورية، وحتى القوى التي تقافزت إلى السطح بعدها، ومن نوع جماعة الإخوان وأخواتها، كانت رجعية بطبيعة تكوينها، ولم تدع إلى الثورة على مبارك ونظامه في أي وقت، وهو ما سرى بأشكال متزايدة من التباطؤ والتواطؤ في سيرة محاكمة مبارك، حتى بعد أن اضطروا إلى اعتقال مبارك ورجاله، وسوقهم إلى محاكمات تحت ضغط مليونيات ميدان التحرير.

وبعد أن ظل المخلوع وعائلته في حرية تامة لستين يوما بعد الخلع، كانت أكثر من كافية للف «الفيل في منديل»، ولتهريب مئات المليارات، ولإخفاء أي دليل يثبت التهم قضائيا، وهو ما يفسر السيرة المراوغة لقصة استعادة الأموال المنهوبة إلى الخارج، التي جدد «الاتحاد الأوروبى» أخيرا التحفظ على بعض فتاتها، وأعدت حولها عشرات التقارير، عبر جهاز الكسب غير المشروع وغيره، وتكلفت اجتماعات وحوافز وسفريات لجان الفحص والمتابعة عشرات الملايين من الجنيهات، ودون أن يجري تحريك التقارير من الأدراج، أو أن تنتهي التحقيقات إلى قرارات باتهامات ومحاكمات، لا في أصول سرقات ولصوصية مبارك وعائلته بالداخل المصري، ولا في عشرات المليارات التي اختفت في سراديب مناطق «الأوف شورز» حول العالم، أو في صورة أمانات وودائع محفوظة لدى حكام خليجيين من أصدقاء المخلوع.

والمحصلة أنه لم يعد لمصر مليم مما نهب، ولم يحاكم مبارك سوى في قضية سرقة واحدة، هي المعروفة باسم أموال القصور الرئاسية، التي صدر فيها حكم نهائي بات عن محكمة النقض، أدان مبارك ونجليه في قضية سرقات أميرية، وحكم على كل منهم بالسجن لثلاث سنوات، وقضى بتغريم ثلاثتهم مبلغ 147 مليون جنيه، وهو الحكم الذي أسقط كل اعتبار قانوني لمبارك ونجليه، وصار بعده المخلوع في وضع «الحرامي بختم النسر»، وفي محاكمة عادية جدا، كل الفرق بينها وبين قضية قتل المتظاهرين، أن قرار الاتهام فيها كان محكما، بينما قرار الاتهام في قضية قتل المتظاهرين كان مثقوبا، وبتعمد بدا مدبرا، وهو ما كشفه قاضي التبرئة المستشار حسن الرشيدي، الذي استند في حيثياته إلى خطأ قانوني شاب قرار الاتهام، أدرج اتهام مبارك في تاريخ لاحق لاتهام الآخرين، وهو ما أدى في النهاية إلى عدم قبول الدعوى، وكأننا بصدد «تاجر مخدرات»، كسب حكم البراءة لخطأ في إجراءات الضبط، وإن كان القاضي الرشيدي أراد أن يخلص ضميره، وأن يورد إلى جوار حكم التبرئة، اتهامات أغلظ لحكم مبارك وعائلته، وأعلن في جلسة النطق بالحكم المذاعة على الهواء عن الحقيقة المحجوبة، وقال إنه لم يجد قانونا يحاكم به خطايا وآثام الثلاثين سنة، ولا وجد سبيلا للاقتصاص من جرائم الشفط والنهب والانحطاط والتوريث والتدهور والاستبداد والتخلف، أي أن قاضي التبرئة أدان مبارك في اللحظة نفسها، ودون أن يدافع المخلوع عن نفسه بحرف، فهو يعرف الحقيقة التي يعرفها عموم الناس، وهي أن مصر لم تشهد لصوصية ونهبا كما شهدته في عصر المخلوع، وأن المحصلة حتى في المحاكمات العادية الهينة اللينة التي جرت إلى الآن، هي الإدانة القطعية النهائية الباتة لمبارك.

لكن غياب المحاكمات الثورية، أي المحاكمات بقضاة طبيعيين، وبقانون خاص شامل افتقده قاضي التبرئة في قضية قتل المتظاهرين، غياب هذه المحاكمة الواجبة، أعفي مبارك من العقاب المستحق، فقد كان يستحق الإعدام لألف مرة على الأقل، وكان صدور الحكم الواجب بإعدامه، حتى لو لم ينفذ، كفيلا بترجمة معنى القطيعة مع ما كان، وليس الاكتفاء بمنعه من السفر وحرمانه من التصرف في الأموال، أو تهدئة غضب الرأي العام بوعود عن محاكمات تالية، فكل ذلك لا يجدي، ولا يخفي الأثر السياسي الفادح لما جرى، فقد أحست عصابة مبارك باطمئنان مضاف، ورأت أن بوسعها مواصلة عمليات الشفط والنهب والتجريف، ودون خوف من عقاب لم يلحق بكبيرهم الذي علمهم السرقة، وهم يرون في ترويج دعوى براءة مبارك على خلاف الحقيقة وأحكام القضاء، خشبة إنقاذ، وفرصة لغسل سمعة الأموال المنهوبة، خصوصا بعد التلاعب المضاف في قانون الكسب غير المشروع، وإقرار مبدأ المصالحة مع الفاسدين، والحصول على البراءة التلقائية بعد دفع مبالغ تافهة، والعودة إلى اللصوصية ذاتها، وكأن شيئا لم يكن، وكأن ثورة لم تقم من أصله، وكأن الفساد لا يزال يحكم ويعظ، رغم غارات الرقابة الإدارية على أوكار المرتشين الصغار والمتوسطين، لكن اللصوص الكبار يظلون في حمى ما سرقوا بالخصخصة و»المصمصة» والقوانين الملوثة، وفي ظل السياسات نفسها، التي تعطى «المستحمرين» صفة «المستثمرين».

وقد لا تكون القصة في محاكمات ولا في مساومات، فالقصة الأصلية في مصير الثورة اليتيمة المغدورة، التي ينشغل أهلها بأي شيء إلا واجب الوقت، وهو بناء حزب سياسي ثوري قادر على الوصول للسلطة، يتركنا غيابه ندور في حلقة مفرغة، تخون فيها السياسة دائما فكرة الثورة، وتجعل حكم الثورة المضادة كأنه القدر المحتوم، فقد انتحلت جماعة الإخوان صفة ثورة 25 يناير، وتنتحل جماعة مبارك صفة الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو 2013، وتصورها كانقلاب على الثورة الأصلية، تماما كما يقول الإخوان، وتسعى ـ كما يسعى الإخوان ـ إلى الاستيلاء على الوضع كله، ومع فارق ملموس، هو وجود جماعة مبارك في مفاصل السلطة السياسية والأمنية، وقيادتها لتحالف مماليك البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات المال الحرام، وهو خطر لو تعلمون عظيم، قد ينتهي بمصر إلى انفجار جديد.

“من ذاكرة التاريخ”: عملية كريات شمونة


مهند أبو غوش

الزمان 11/4/1974 -المكان: الخالصة، بلدة في الشمال الفلسطيني.

ثلاثة فدائيين: “عراقي، وسوري، وفلسطيني”، أعضاء في الجبهة الشعبية –القيادة العامة. يقتحمون مستوطنة “كريات شمونة” ويسيطرون على مبنى كبير فيها، والهدف: الإفراج عن 100 معتقل. القائمة محددة: تسعة وتسعون مقاتلًا فلسطينيًا وعربيًا، وفدائي ياباني واحد إسمه كوزو آكيموطو.

بعد أن جمّع المقاتلون الرهائن في أحد الطوابق، وتموضعوا في نقاط المراقبة، قاموا بالتغطية على النقص المريع في عددهم، فثلاثة مقاتلين، سيضّطر أحدهم للاهتمام بحراسة الرهائن، سيجبر الفدائيان الباقيان على تدبر أمرهما في تغطية المبنى من أربعة جهات. هذه مهمة مستحيلة، خصوصًا في عملية خطف رهائن، وسط بيئة معادية، في عملية لا أحد يعلم متى تنتهي. ولذا، فقد وزّع المقاتلون الحشوات الناسفة التي حملوها معهم عبر الحدود في زوايا البناية، واستحكموا، وأطلقوا إنذارهم: “المئة فدائي أو المجزرة”.. اختار الإسرائيليون المجزرة!.

سقط في تلك العملية، إلى جانب الجرحى، 18 إسرائيليًا. كما استشهد المقاتلون الثلاثة، العراقي ياسين الموسوي (أبو هادي)- قائد المجموعة، والسوري أحمد الشيخ محمود، والفلسطيني منير المغربي. (لاحقًا، أطلق متحمّس مجهول على الانترنت إشاعة تقول بأن طلال حيدر قد كتب قصيدة للفدائيين الثلاثة وأن فيروز قد غنّت “وحدن بيبقوا” كرمى لهم).. غنّت فيروز لهم أم لم تغنّ،ليس مهمًا!

المهم هو أن دوي الانفجارات المتلاحقة قد ظل يرن في رؤوس القيادات الأمنية الإسرائيلية منذ ذلك التاريخ، إذ كيف تفشل الشرطة والمخابرات والقوات العسكرية كثيفة التواجد على ذلك الطرف من الحدود في إحباط تسلل ثلاثة شبّان؟ وكيف تفشل في إنهاء عملية احتجاز الرهائن في قلب المستوطنة الأكبر شمالي فلسطين؟ تعقيب : بذلك الوقت لم تكن فتن دينية أو مذهبية ,كانت القضية واحدة والدم واحد ,
هذا المشهد أرعب الإستعمار فقرر تفتيت المنطقة لأديان ومذاهب وإثنيات .
في السبعينات شعر الإستعمار بخطر الوحدة العربية بعدما التف الشعب العربي حول شعارات عبد الناصر المطالبة بالوحدة والعدالة الإجتماعية وبتحرير فلسطين , في ذلك الزمن التقى العربي بالعربي دون اعتبار لدين أو مذهب أو من اي بلد في محاربة الصهاينة ومن وراء الصهاينة , في السبعينات أوكل جيمي كارتر مهمة تفتيت المنطقة للصهيوني برنارد لويس ,قام برنارد لويس بتقديم مخططه للكونغرس الأمريكي فوافق عليها في العام 1982 وبقيت سراً حتى عام 1995 أي بعد تفكك الإتحاد السوفييتي حبث نشرها موقع عسكري أمريكي ومنه نشرتها معظم صحف العالم , لم يسلط إعلام البترودولار على المخطط بل كان المنفذ لمضمونه الفتنوي وفقاً لتوجيهات مستشاريه
نقدم لكم هذه الرواية ليتعرف الجيل الجديد أن قوتنا تكون في وحدتنا لا في فرقتنا.

«علم كركوك»: طبول الحرب قد قرعها طالباني وسيدفع ثمنها البرزاني



نور أيوب

من دون أي تلميحٍ أو إنذارٍ مسبق، أمر جلال طالباني أنصاره برفع العلم الكردي في دوائر مدينة كركوك الرسمية إلى جانب العلم العراقي.
خطوةٌ لم يستسغها سوى المكوّن الكردي في المدينة، في ظلّ انتقاد تركي متوقّع، أما القضية فلا ترقى إلى إعلان «الانفصال»، ولكنها أكبر من ابتزاز لحكومة بغداد

يفسّر البعض عملية رفع علم إقليم كردستان في مدينة كركوك شمال البلاد، في الأيام الماضية، بأنه عملية ابتزاز من قبل إحدى القوى السياسية (حزب الاتحاد الكردستاني، برئاسة جلال طالباني) من المكوّن الكردي في وجه حكومة بغداد الاتحادية. لكن الرأي في العاصمة قد يكون مغايراً تماماً.

ما حدث ليس وليد اللحظة، بل يتعدّى حدود «الابتزاز»، ويتّصل بما يجري في الشمال الغربي العراقي والشرق السوري.
بمعنى آخر، إن ما جرى في كركوك ليس إلا «إرهاصات» تحضيرية لمرحلة «ما بعد الموصل»، على المستوى العراقي أولاً، ومرتبط بطبيعة المشهد الذي سيتكوّن في المرحلة المقبلة، على المستوى الإقليمي ثانياً.

لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فمن المبكر الحديث عن الصورة أو طبيعة المشهد الذي ستنحو إليه الأمور، لكن ــ وفق أكثر من مصدر متابع ــ فإن العراق سيكون أمام مرحلة معقّدة جدّاً، وحساسة في الأشهر القليلة المقبلة، تبدأ مع استعادة مدينة الموصل، ولا تنتهي مع إعلان نتائج الانتخابات النيابية المقبلة، في نيسان 2018.

سيكون العراق أمام مرحلة معقّدة جدّاً، وحساسة في الأشهر القليلة المقبلة 

يعود السبب في ذلك إلى أن المشاكل المتوقّعة في المرحلة المقبلة ستكون ضمن البيت الواحد على مستوى المكوّنات العراقية المختلفة، الأمر الذي سيفرض واقعاً مغايراً عن هذا الموجود حالياً، كإبرام تحالفات جديدة نتيجة الضغوط الإقليمية والدولية للملمة البيوتات السياسية المشتّتة، خصوصاً أن جميع القوى لم تعد تأبه للتحذيرات الدولية بأن البلد على حافة الانهيار.

وفي شمال البلاد، فإن القوى السياسية الكردية الخمس، رغم اختلافها في بعض تفاصيل العملية السياسية، فإنها مجتمعةً «في مكان ما» على رأي واحد، وهو أن «موعد الانفصال قد حان». 

فمع انطلاق «عمليات قادمون يا نينوى»، سرت شائعاتٌ عن تنازل رئيس الحكومة حيدر العبادي لرئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني عن بعض المناطق التي تستعيدها قوات «البيشمركة» برعايةٍ وضغطٍ أميركيين في آن واحد (راجع «الأخبار»، العدد 3036)، ما أسفر عن قضم أربيل لأراضٍ جديدة.

استفاد البرزاني من هذه الصفقة، وبقيت عينه على كركوك ونفطها، باعتبارها جزءاً من المادة 140 من الدستور، والتي تنصّ على تطبيع الأوضاع في المحافظة والمناطق المتنازع عليها (بين العراق والإقليم)، وإعطاء الحقّ لأبناء تلك المناطق في تقرير مصيرها، سواء ببقائها وحدة إدارية مستقلة، أو إلحاقها بإقليم كردستان العراق عبر تنظيم استفتاء. 

لكن للبرزاني حسابات أخرى، فقد حرص على الاستفادة القصوى من نفط كركوك، مبرماً اتفاقيات بيع النفط لأنقرة، مقابل أن يكون مردودها محصوراً فقط به وبحاشيته.

طالباني: كركوك لي
أمام هذا المشهد، وجد جلال طالباني نفسه، بالتزامن مع الظرف الإقليمي المستجد، أمام فرصةٍ حقيقية لينتزع كركوك من قبضة البرزاني من جهة، وضمّها إلى مناطق نفوذ السليمانية من جهةٍ أخرى. 

فيتمكّن حينها من الاستحواذ على مناطق نفطية، هو أساساً بحاجة إليها، في ظل حاجته الملحّة إلى مردود مادي «مستمر» له ولحزبه وقاعدته الجماهيرية.

حاول حزب طالباني جسّ نبض بغداد، فعمد إلى إجراء «بروفا» كانت بسيطرة مسلحيه على مقر شركة «نفط الشمال» في كركوك، الشهر الماضي، حيث أوقفوا كافة الأعمال فيها، وأرسلوا العمّال إلى منازلهم. 
 
حينها، بدأ الإعداد جديّاً لعملية تمهيد «استقلال كركوك»، بشرط أن تكون على مراحل، أي الاقتصار المرحلي فقط على رفع العلم الكردي، لتكون رسالةً واضحةً من السليمانية ــ وبرضى كافة الأطراف الكردية ــ أن «ما بعد الموصل» مختلفٌ عمّا قبله، وأن الأكراد باتوا جاهزين لمثل هذه الخطوة.

المشهد هنا اكتمل.
الأكراد يدعمون طالباني، واصفين خطوته بـ«القانونية والدستورية، التي كان من المفترض أن تكون منذ 2003». لم يخالف رفع العلم الدستور العراقي، بتعبير أكثر من مصدرٍ كردي، لكن أحدهم رأى أنه «كان من المستحسن إجراء اتفاق مع جميع مكوّنات كركوك»، إلا أن هذه الخطوة «لا تضر بالتعايش السلمي في المدينة». لكن في النقاشات الداخلية، يعيد متابعون ما حدث إلى صراع داخلي في البيت الكردي الواحد. 

ومن المؤكّد لدى تلك المكوّنات أن الخطوة تهدف إلى فرض إرادة حزب طالباني في كركوك، وإجبار حزب البرزاني على التسليم بأن الأمر لحزب «الاتحاد». فالتوسّع الذي جاء شرق الموصل لأربيل، مقابله نفوذ للسليمانية في كركوك.

بغداد تتحرّك؟
من العاصمة، دعا الرئيس فؤاد معصوم جميع القوى في كركوك إلى احتواء التوترات، مطالباً الحكومة بتنفيذ بنود المادة 140 الخاصة بمستقبل المدينة. 

أما اللجان الخاصّة بالمسؤولين العراقيين، فدعت القيادات إلى وقفة حقيقية كي لا تصبح كركوك جزءاً من إدارة السليمانية.
وترى تلك الفرق ضرورة اللجوء إلى «المحكمة الاتحادية» لإبطال تصويت مجلس المحافظة، قبل بدء انتخابات مجالس المحافظات، وإلا فسيخسر العراق كركوك في الوضع الراهن.

لكن الفرق نفسها ترى أن الركون إلى المحكمة لن يجدي نفعاً، والأمور تنحو باتجاه تصعيدٍ سياسي، وعقوبات مالية من بغداد تجاه كل دائرة ترفع علم كردستان من دون موافقتها، ومحاسبة المسؤولين عن مثل تلك الخطوات. كذلك، فإن خيار الذهاب إلى السفارات الكبرى للملمة الاشتباك القائم مطروح، فيما لا تستبعد أيضاً إمكانية تدهور العلاقات وصولاً إلى التصادم المسلح بين الفصائل الموالية لبغداد مع قوات «البشمركة» و«الأسايش». 

وأمام احتمال التدهور، فإن فرق المستشارين يصرّون على الحكومة لاتخاذ موقف جدّي بشأن المسألة قبل أن تتحول إلى قضية 

مجتمع دولي.
وإلى أن تبتّ بغداد قرارها في كيفية معالجة الأزمة وحدود التحرّك، فقد كان لافتاً أمس إعلان قائد قوات «البشمركة»، جنوب كركوك، وستا رسول، أن «المدينة عادت إلى إقليم كردستان من الناحية العسكرية، لكنها لا تزال غير محسومة من الناحية الإدارية»، معتبراً أن «رفع العلم حق طبيعي للشعب الكردي». 

وأضاف أن «العلم رفع بتضحيات القوات الكردية»، الأمر الذي فسّرته قيادات عسكرية عراقية بأنه إعلان جاهزية حربية، خصوصاً إذا ما تقدّمت القوات إلى تلك المنطقة لاستعادة هيبة الدولة… 

فـ«طبول الحرب قد قرعها طالباني وسيدفع ثمنها البرزاني».

بانوراما القمم العربية من (أنشاص 1946) إلى (البحر الميت 2017)


محمود كعوش

تنعقد القمة العربية العادية لهذا العام في دورتها الثامنة العشرين في منطقة البحر الميت، جنوب غرب العاصمة الأردنية عمان يوم 29 من شهر آذار الجاري، وسبق ذلك اجتماعات تحضيرية سياسية واقتصادية وفنية شهدتها عمان وشارك فيها الوزراء والمندوبون الدائمون وكبار المسؤولين. وتكتسب القمة المرتقبة أهميتها من الظروف السياسية المعقدة التي يمر بها الوطن العربي، بدءاً بالمستجدات الخطيرة التي طرأت على القضية الفلسطينية، من مواصلة سلطات الاحتلال سياسة التغول الاستيطاني، إلى تراجع هذه السلطات عن حل الدولتين، وقرار واشنطن في ظل رئاسة الجمهوري دونالد ترامب بنقل سفارتها إلى القدس في تحدٍ سافر لقرارات الشرعية الدولية وللحقوق الفلسطينية العادلة، وتراجع القضية الفلسطينية التي كانت إلى الأمس القريب قضية العرب المركزية من سلم أولويات الحكام العرب إلى درك ذلك السلم، مروراً باستمرار الأزمة السورية التي لم يظهر في الأفق حتى الآن ما يدلل على نهاية قريبة لها، والأزمة اليمنية التي تزداد صعوبة وتعقيداً يوماً بعد آخر، وصولاً إلى الحاجة الماسة لإعادة ترتيب البيت العربي، الذي ذاق ما ذاقه من ويلات "الربيع العربي" المزعوم.

ومن الواضح حتى اللحظة الراهنة أن خمسة من الحكام العربي من أصل 22 يمثلون النظام الرسمي العربي سيتغيبون عن قمة عمان، ثلاثة بسبب المرض هم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وسلطان عُمان قابوس بن سعيد وحاكم الإمارات العربية المتحدة خليفة بن زايد آل نهيان، والآخران هما الرئيس السوري بشار الأسد الذي تواجه بلاده عدواناً إرهابياً متواصلاً للعام السابع على التوالي تحت ذات مسمى "الربيع العربي" المزعوم، والذي جمدت عضوية بلاده في جامعة الدول العربية على طريقة "تأبط شراً" مع بدء ذلك العدوان عليها في عام 2011، والرئيس اليمني الذي يفترض أن يحظى بإجماع شعبي يمني واعتراف عربي ودولي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن بسبب الانقسام اليمني والحرب الضروس التي تشن على اليمن للعام الثالث على التوالي من قبل تحالف دولي – عربي. 

والملفت للنظر أن سوريه لم تزل تراقب جميع الترتيبات التي تجري على قدم وساق في العاصمة الأردنية بهدوء تام ودونما ضجيج إعلامي أو دبلوماسي، ودون أي مطالبة من قبلها بضرورة حضور القمة او التعبير عن الاستخفاف بها وبمن سيشاركون فيها، بالرغم من أنها كانت هي واليمن من بين الدول العربية السبع التي كان لها شرف تأسيس الجامعة العربية في عام 1946، الامر الذي لا يمكن قراءته بإيجابية تنبئ بإمكانية اختلاف هذه القمة عن القمم التي سبقتها والتي غيبت عنها لغايات في نفس الأمريكيين في واشنطن والصهاينة في تل أبيب و"المتصهينين الجدد" في الوطن العربي.

المسؤولون الأردنيون أتموا كل التجهيزات اللوجستية التي تضمنت حجز ما يزيد على ألفي جناح وغرفة فندقية للوفود القادمة للبحر الميت لحضور الاجتماعات، وإغلاقات الطرق وترتيبات الاستقبال والوداع وغرف الصحفيين وغيرها. وهم حتى اللحظة الراهنة يجهدون أنفسهم على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي لصياغة البيان الختامي والتأكيد على التشبيك الدبلوماسي والسياسي بكل الطرق للاستفادة من فرصة انعقاد القمة في بلدهم.

وباعتبار أن بالإمكان قراءة الأمور من عناوينها قبل الوصول إلى خواتيمها، فإن برنامج قمة عمان قد بدا شبه جاهز لكل من تابع الاجتماعات التحضيرية السياسية والاقتصادية والفنية للوزراء والمندوبين الدائمين وكبار المسؤولين، ولكل من تابع اللقاءات السياسية الثنائية التشاورية بين وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي ونظرائه العرب التي سبقت ذلك والمؤتمرات الصحفية التي أعقبت تلك اللقاءات، وبالأخص لقائه مع نظيره المصري سامح شكري.

من غير المتوقع أن تشكل قمة عمان حالة متمايزة عن مثيلاتها من القمم العربية الأخرى، وبالأخص القمم التي انعقدت في ظل ما سمي زوراً وبهتاناً "الربيع العربي". فأقصى ما يمكن أن يصدر عن هذه القمة هو بيان يصاغ بطريقة محكمة وتظهر فيه البلاغة اللغوية ويتضمن رزمة من المقررات الجميلة في لفظها والفارغة في مضمونها التي تجتر مقررات القمم السابقة أو بعضها، والتي أقصى ما يراد من ورائها هو مخاطبة مشاعر المواطن العربي الذي لم يزل يبدي اهتماماً بالجامعة العربية وقممها ويراهن عليهما، كإعادة التمسك بالمبادرة العربية "العتيدة" لحل النزاع العربي الصهيوني التي طرحت في قمة بيروت والتي عفا عنها الزمن بعدما تجاهلتها سلطات الاحتلال الصهيونية منذ اللحظة الأولى لطرحها، بل رفضتها رفضاً قاطعاً، وكالتمسك بمساندة الموقف الفلسطيني ورفض مخططات هذه السلطات الهادفة إلى تجاوز القيادة الفلسطينية التي يتزعمها رئيس السلطة الوطنية محمود عباس. ومن المرتقب أن تتضمن رزمة المقررات قراراً فضفاضاً يدعو إلى محاربة الارهاب يأتي من باب رفع العتب وذر الرماد في العيون، وقراراً يعيد التأكيد على تعهدات القادة العرب بالتزامات دولهم المالية تجاه الجامعة العربية التي تعاني من ضائقة مالية مردها تهرب بعض الدول العربية من دفع التزاماتها، إلى ما هنالك من مقررات لا تطعم العرب ولا تغنيهم عن جوع وتبقى مجرد حبر على ورق.
يتعذر على المطلع على محاضر أعمال القمم العربية والقرارات التي صدرت عنها التمييز بين تلك المحاضر والقرارات التي بلغت ما يزيد على الثلاثمائة قرار منذ نشأتها، لأنها عادة ما كانت تتشابه في مضامينها، وفي معظم النتائج التي تتمخض عنها، وحتى في طرق انعقادها وانفضاضها، وفي بياناتها الختامية، وفي كل تفاصيلها من الألف إلى الياء تقريباً.

ومن المفيد البدء بالإشارة إلى أن القضية الفلسطينية كانت في فترة من الفترات، وبالأخص في فترة المد القومي العربي بين خمسينات وستينات القرن الماضي وفي ظل قادة تاريخيين من أمثال الراحل الكبير جمال عبد الناصر، قضية العرب الأولى ومحور اهتمامهم الرئيسي. ومن المفيد الإشارة أيضاً إلى أن الوقائع التي استجدت على مسرح الأحداث في الوطن العربي في ظل ما اصطلح على تسميته زوراً وبهتاناً "الربيع العربي"، دللت على أن غالبية القادة العرب الحاليين ليسوا في وضع يُحسدون عليه، أكان ذلك لجهة تحمل المسؤوليات الوطنية والقومية الملقاة على عاتقهم، أو لجهة كفاءاتهم وقدراتهم على مواجهة التحديات التي طرأت على القضية الفلسطينية، في ظل تزايد حديث الرئيس الأمريكي عن قرب نقل سفارة بلاده من تل أبيب ألى القدس، وفي ظل تزايد الضغوط الأميركية "الإسرائيلية" المشتركة على القيادة الفلسطينية لغرض إجبارها على الاعتراف بيهودية "إسرائيل"، وفي ظل تصاعد وتيرة الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية، واستمرار عمليات التهجير والتهويد في الجزء الشرقي من مدينة القدس. وأكثر من ذلك فإن هؤلاء القادة غير مؤهلين لإيجاد حلول للقضايا الجوهرية المتعلقة بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود ما قبل الخامس من حزيران 1967، وغير مؤهلين كذلك لمواجهة وحل أبسط المشاكل والصعوبات التي تواجهها بعض البلدان العربية، خاصة وأن بينهم وللأسف من تسبب في افتعال وتأجيج وتيرة تلك المشاكل والصعوبات.

منذ قمة "أنشاص" المصرية التي انعقدت في العَقد الرابع من القرن الماضي وتحديداً في شهر أيار من عام 1946، وصولاً إلى قمة "الأمل" التي انعقدت في نواكشوط الموريتانية يومي 25 و 26  يوليو  2016  يتوالى عقدُ القمم العربية قمةً بعد أخرى، وما بين العادية والطارئة منها كان هناك ثمة قضايا جوهرية بات عمرُها من عمر القمم ولا حاجة لتعدادها وإعادة اجترارها لأن ذلك لن يفيد أو يضر ولن يقدم أو يؤخر.

يمكن القول أن التوافق في الرؤى بين القادة العرب إزاء العديد من القضايا المشتركة وفي طليعتها القضية الفلسطينية وحقوق البلدان العربية في الاستقلال قد حافظ على وضوحه في العديد من القمم العربية، مما لم يستوجب حتى الحد الأدنى من التشاور والتنسيق قبل انعقادها، إلا أن عقد الستينيات شهد تبايناً حاداً في الآراء في ما بين العديد من الأنظمة العربية ، فبرزت الخلافات إثر انفصال الوحدة بين مصر وسوريه، واشتعال حرب اليمن، وولادة المقاومة الفلسطينية، مما حتم التشاور والتنسيق للتقريب بين وجهات النظر المتباينة ومواجهة المخاطر "الإسرائيلية" المحدقة بالأمة العربية.

وشهدت العقود التي تلت عقد الستينات من القرن الماضي انعقاد العديد من القمم وسط أجواء سياسية مشحونة، كانت أبرزها قمة الخرطوم التي أعقبت نكسة الخامس من حزيران 1967 والتي سميت بقمة "اللاءات الثلاثة، لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع كيان العدو الصهيوني". وفي تلك القمة أجمع القادة العرب على دعم دول المواجهة وشهدت المصالحة بين الراحلين جمال عبد الناصر وفيصل بن عبد العزيز.

ولربما أن قمة القاهرة 1970 والتي انعقدت على خلفية أحداث أيلول الدامية بهدف تسوية الأزمة بين الملك حسين وقادة فصائل الثورة الفلسطينية كانت الأكثر سخونة، بسبب ما تخللها من اجتماعات جانبية كثيرة ومباحثات صعبة وشاقة دفع الرئيس جمال عبد الناصر حياته ثمناً لها، جراء الجهود المرهقة والمضنية التي بذلها لرأب الصدع.

ولم تقل قمة بغداد عام 1978 عن قمة القاهرة 1970 سخونة، لأنها أعقبت توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد مع "إسرائيل". كما وشهدت قمة القاهرة 1990 التي جاءت إثر اجتياح العراق للكويت انقساماً حاداً بين الدول العربية بعدما دان غالبية القادة العرب ذلك الاجتياح وطالبوا العراق بالانسحاب الفوري، وأيدوا طلب قوات أجنبية وعربية للدفاع عن المملكة السعودية وإخراج الجيش العراقي من الكويت.
وفي قمة شرم الشيخ 2003 التي سبقت غزو واحتلال العراق بثلاثة أسابيع، ساد التوتر أجواء القمة وتبادل القادة الصراخ والألفاظ الجارحة والاتهامات التي بلغت حد اتهام البعض بالخيانة والتآمر مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.
وفي ما يلي جدول القمم العربية ونبذة موجزة عن كل قمة وإنجازاتها وإخفاقاتها:
قمة أنشاص:
انعقدت في الثامن والعشرين من شهر أيار عام 1946 بدعوة من ملك مصر فاروق في قصر أنشاص، بحضور الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية، وهي مصر،وسوريه، والأردن، والسعودية، واليمن، والعراق، ولبنان.
وخرجت القمة بعدة قرارات، أهمها:
مساعدة الشعوب العربية المستعمرة على نيل استقلالها، والتأكيد على أن القضية الفلسطينية هي قلب القضايا القومية. والدعوة إلى وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، مع اعتبار أي سياسة عدوانية ضد فلسطين من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا هي سياسة عدوانية تجاه كافة دول الجامعة العربية. إضافة إلى ضرورة حصول طرابلس الغرب على الاستقلال، والعمل على إنهاض الشعوب العربية وترقية مستواها الثقافي والمادي، لتمكنها من مواجهة أي اعتداء صهيوني داهم.

قمة بيروت:
انعقدت في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني عام 1956 بدعوة من الرئيس اللبناني كميل شمعون؛ إثر الاعتداء الثلاثي على مصر وقطاع غزة. وشارك في القمة تسعة رؤساء عرب أجمعوا في بيان ختامي على مناصرة مصر ضد العدوان الثلاثي، واللجوء إلى حق الدفاع المشروع عن النفس، في حالة عدم امتثال الدول المعتدية (بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل) لقرارات الأمم المتحدة وامتنعت عن سحب قواتها. وأعربت القمة عن تأييدها لنضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال عن فرنسا.

قمة القاهرة:
انعقدت في الثالث عشر من شهر كانون الثاني عام 1964 بناءً على اقتراح من الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مقر الجامعة العربية بالقاهرة. وخرجت ببيان ختامي تضمن عدة نقاط أهمها، الإجماع على إنهاء الخلافات، وتصفية الجو العربي، وتحقيق المصالح العربية العادلة المشتركة، ودعوة دول العالم وشعوبها إلى الوقوف بجانب الأمة العربية في دفع العدوان الإسرائيلي. إضافة إلى انشاء قيادة عربية موحدة لجيوش الدول العربية، يبدأ تشكيلها في كنف الجامعة؛ وذلك رداً على ما قامت به "إسرائيل" من تحويل خطير لمجرى نهر الأردن، مع إقامة قواعد سليمة لتنظيم الشعب الفلسطيني من أجل تمكينه من تحرير وطنه وتقرير مصيره، وتوكيل أحمد الشقيري بتنظيم الشعب الفلسطيني.

قمة الإسكندرية:
انعقدت في الخامس من شهر أيلول 1964 في قصر المنتزه بمدينة الإسكندرية المصرية، بحضور أربعة عشر قائداً عربياً، ودعت إلى دعم التضامن العربي، وتحديد الهدف القومي ومواجهة التحديات، والترحيب بمنظمة التحرير الفلسطينية.
قمة الدار البيضاء:
انعقدت في الثالث عشر من شهر أيلول عام 1965. وقررت الالتزام بميثاق التضامن العربي، ودعم قضية فلسطين عربيا ودوليا، والتخلي عن سياسة القوة وحل المشاكل الدولية بالطرق السلمية.

قمة الخرطوم:
انعقدت في التاسع والعشرين من شهر آب 1967 بعد الهزيمة العربية أمام إسرائيل في يونيو/ حزيران 1967، بحضور جميع الدول العربية ما عدا سوريا التي دعت إلى حرب تحرير شعبية ضد "إسرائيل". وخرجت القمة بعدة قرارات، أبرزها اللاءات الثلاثة، وهي لا صلح، ولا تفاوض مع "إسرائيل، ولا اعتراف بها، إضافة إلى التأكيد على وحدة الصف العربي، والاستمرار في تصدير النفط إلى الخارج.

قمة الرباط:
انعقدت في الحادي والعشرين من شهر كانون الأول عام 1969 بمشاركة أربع عشرة دولة عربية، بهدف وضع استراتيجية عربية لمواجهة "إسرائيل"، ولكن قادة الدول العربية افترقوا قبل أن يصدر عنهم أي قرار.
قمة القاهرة:
انعقدت في الثالث والعشرين من شهر أيلول عام 1970 بعد أحداث أيلول الأسود التي شهدتها المخيمات الفلسطينية في الأردن وكان من أهم توصياتها، الإنهاء الفوري لجميع العمليات العسكرية من جانب القوات المسلحة الأردنية وقوات المقاومة الفلسطينية، وتميزت بعقد مصالحة تاريخية بين الراحل ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وملك الأردن الراحل الملك حسين.

قمة الجزائر:
انعقدت في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1973 بحضور ست عشر دولة، بدعوة من سوريا ومصر بعد حرب أكتوبر 1973، وقاطعتها ليبيا والعراق. ووضعت القمة شرطين للسلام مع "إسرائيل"، هما انسحاب "إسرائيل" من جميع الأراضي العربية المحتلة، وفي مقدمتها القدس، واستعادة الشعب الفلسطيني لكافة حقوقه. ودعت إلى تقديم كافة الدعم المالي والعسكري للجبهتين السورية والمصرية من أجل استمرار نضالهما ضد العدو "الإسرائيلي". وشهدت هذه القمة انضمام موريتانيا إلى الجامعة العربية.

قمة الرباط:
انعقدت في السادس والعشرين من شهر تشرين الأول عام 1974 ووضعت أسس العمل العربي المشترك، واعتمدت منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.

قمة الرياض غير العادية "مؤتمر القمة السداسي":
 انعقدت في السادس عشر من شهر تشرين الأول عام 1976 بدعوة من السعودية والكويت لبحث الأزمة في لبنان وسبل حلها. وضمت هذه القمة كلا من السعودية ومصر والكويت وسوريا ولبنان إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية. ودعت إلى وقف اطلاق النار في لبنان وإعادة الحياة الطبيعية إليه واحترام سيادته ورفض تقسيمه، وإعادة اعماره، وتشكيل لجنة عربية لتنفيذ اتفاقية القاهرة.

قمة القاهرة:
انعقدت في الخامس والعشرين من شهر تشرين الأول عام 1976 وشاركت فيها أربع عشر دولة لاستكمال بحث الأزمة اللبنانية التي بدأت في مؤتمر الرياض الطارئ. صدقت على قرارات قمة الرياض السداسية ودعت إلى ضرورة أن تساهم الدول العربية حسب امكانياتها في إعادة اعمار لبنان، والتعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي.

قمة بغداد:
انعقدت في الثاني من شهر تشرين الثاني عام 1978 . وكانت القمة رفضت اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع "إسرائيل"، ونقلت مقر الجامعة العربية إلى تونس وعُلقت عضوية مصر في الجامعة.

قمة تونس:
انعقدت في العشرين من شهر تشرين الثاني عام 1979 بمبادرة من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، وأكدت تطبيق المقاطعة على مصر، وأدانت سياسة الولايات المتحدة في تأييدها "لإسرائيل".

قمة عمان:
انعقدت في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1980 واعتبرت إن قرار مجلس الأمن اثنين أربعة اثنين لا يشكل أساسا صالحا للحل في المنطقة، ودعت إلى تسوية الخلافات العربية.

قمة فاس
انعقدت في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 1981 بمشاركة تسع عشرة دولة وتغيب كل من ليبيا ومصر، وبحثت في مشروع السلام العربي، والموقف العربي من الحرب العراقية الإيرانية، وموضوع القرن الإفريقي.

قمة فاس:
انعقدت في السادس من شهر أيلول عام 1982 وشاركت فيها تسع عشرة دولة وتغيبت كل من مصر وليبيا، واعترفت فيها الدول العربية ضمنياً بوجود "إسرائيل". وصدر عنها بيان ختامي تضمن:
(1) انسحاب "إسرائيل" من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام  1967، وإزالة المستعمرات "الإسرائيلية".

2017/03/01

لوبان والموارنة والدم المراق

 
  محمود الزيباوي
 
وصلت مرشحة اليمين المتشدد للرئاسة الفرنسية مارين لوبان إلى بيروت مساء الأحد الفائت، وكان أوّل المحتفلين بها رئيس "حزب السلام اللبناني" روجيه إده الذي أقام على شرفها مأدبة عشاء في مدينة جبيل. في هذه المناسبة، ألقى عضو المجلس السياسي في "التيار الوطني الحر"، ناجي إميل الحايك، كلمة ترحيبية تحدث فيها عن الروابط التاريخية التي تجمع بين فرنسا ولبنان، وقال ان الموارنة أرسلوا إلى الملك لويس، 25 ألف مقاتل منهم لمساعدته في حملته الشرقية، وأن الدم اللبناني اتحد بالدم الفرنسي منذ تلك الفترة. من جهتها، ردّت لوبان التحية، وقالت: "أومن بأن أقوى رابط هو رابط الدم المراق، ونحن معاً لدينا هذا الرابط".

بحسب وليم الصوري (نسبة إلى مدينة صور)، اتّصل الموارنة بالفرنجة للمرة الأولى في نهاية القرن الحادي عشر، يوم وصلت الجيوش الصليبية إلى عرقا، في عكّار، وتطوّرت هذه العلاقة، وأدّت إلى اتحادهم بكنيسة روما العام 1182. في رصده لهذه العلاقة، يقول مؤرخ الفرنجة باختصار شديد: "لم يكن هؤلاء الناس قليلي العدد، وقدّروا بأنّهم أكثر من أربعين ألفًا، وكانوا شعبًا قوي البنية ومقاتلين شجعان، وقدّموا فوائد عظيمة للمسيحيين في المعارك الصعبة التي كانوا قد خاضوها مرارًا مع العدو". تؤكّد الروايات المارونية المتأخّرة أن حالة التعاون الماروني استمرّت في زمن تصدّع سلطة الفرنجة في الشرق، وتصاعدت مع مجيء الملك الفرنسي القديس لويس التاسع، على رأس الحملة الصليبية السابعة العام 1250 الى عكا. في "اخبار الاعيان في تاريخ لبنان"، يروي طانيوس الشدياق :"ارسل أمير المردة ولده سمعان، ومعه خيل بخمسة وعشرين ألف مقاتل الذين استقبلوا بالترحاب. ثم كتب الملك لويس إلى أمير الموارنة ورؤساء كهنتهم كتاباً ومضمونه أولا اظهار محبته للموارنة، ثانيا امتداح كنيستهم وإتحداهم الدائم مع خلفاء بطرس الرسول، ثالثاً تأكيد الحماية لهم منه ومن خلفائه ومن شعب فرنسا".

لا نجد في الحوليات الغربية المعاصرة لتلك الأحداث أي إشارة لهذه الواقعة، ويُجمع أهل الاختصاص اليوم أن الكتاب المرسل من الملك لويس التاسع إلى الموارنة في 24 أيار 1250 هو في الواقع كتاب ابتُدع في الأزمنة الحديثة فحسب، وأوّل من نقله المطران نقولا مراد في مقالة طويلة بالفرنسية صدرت العام 1844 في باريس تحت عنوان "نبذة تاريخية في أصل الأمّة المارونية وعلاقتها بفرنسا، وفي الأمّة الدرزية، وفي مختلف شعوب جبيل لبنان". في العام 1987، قدم يوسف حميد معوض وأنطوان محسن القوال وعرّب هذه الرسالة، وأشار في التوطئة إلى مسألة "اختلاق" رسالة الملك لويس إلى أمير الموارنة. وفقاً لهذه المراجعة العلميّة الحديثة، كان المطران نقولا مراد رئيس أساقفة اللاذقية "حامل القضية المارونية إلى الآستانة وروما وباريس خلال السنوات المضطربة (1840-1860)"، وكانت رسالته الصادرة في باريس "أوّل كتاب يضعه ابن جبل لبنان باللغة الفرنسية، وأوّل تعبير منظّم للخطاب السياسي الماروني".

في هذا الكتاب، "حاول مراد ارساء مشروعه السياسي، فلم يتوقّف عند نشر رسالتي الحماية الصادرتين عن لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، اللتين لا شك في صحتهما، بل أبرز جملة من الاعترافات تضمن خروج الموارنة والإمارة من نير السلطنة. وقناعة منه أن الحماية التقليدية المؤمنة بهاتين الرسالتين غير كافية، نسج أخباراً هي مزيج من التاريخ والأسطورة، ليبرهن أن الموارنة هم فرنسيو الشرق أو "الموارنة الإفرنج" حسب تعبيره. ومن هذا الاختلاق رسالة لويس التاسع في العام 1250 وكلام بونابرت العام 1799. فالأول الذي يحمل حجة الأقدمية، يدمج الموارنة بالأمة الفرنسية ويثبت شرعية منزلتهم بقوله "نحن على قناعة بأن هذه الأمة القائمة على اسم القديس مارون، هي جزء من الأمة الفرنسية". كما أن كلام بونابرت، وهو الأقرب زمنياً، يعطي برهاناً قاطعاً على استمرار العلاقة حين يعترف "بأن الموارنة فرنسيون منذ زمن بعيد". وكلا المقولتين من نسج الخيال، فإن من وضعهما هو مراد بذاته، وهو أوّل من روّجهما، إذ لا نجد لهما أثراً قبل 1844، سنة صدور "النبذة التاريخية". ولم يكن اختيار مراد لشخصيتي لويس التاسع وبونابرت عبثاً، إذ مثّلا بنظره وبنظر موارنة تلك الفترة نموذج القائد الغربي الذي ترتفع راية جيوشه في الشرق، فتُعقد عليه الآمال. وكم كان المطران مراد يحلم بحملة عسكرية فرنسية تبعث الإمارة المسيحية المفقودة، الا أنه قليلا ما كان يجاهر بهذه الأمنية".

تقول الرسالة المنسوبة إلى الملك لويس: "امتلأ قلبنا سروراً عندما شاهدنا ولدكم سمعان على رأس خمسة وعشرين ألف رجل، آتين من قبلكم لمقابلتنا، معبرين عن مشاعركم، وحاملين لنا الهدايا عدا الجياد الجميلة التي بعثتم بها إلينا. الواقع ان الصداقة الحميمة المخلصة التي بدأنا نشعر بها أثناء وجودنا في قبرص حيث هم مقيمون، ما دامت تزداد وتنمو. فنحن على قناعة بأن هذه الأمة، القائمة اسم القديس مارون، هي جزء من الأمة الفرنسية لأن صداقتها للفرنسيين هي مثيلة الصداقة التي يكنها الفرنسيون لبعضهم البعض. ومن ثم، فحق أن تنعموا أنتم وكل الموارنة بالحماية عينها التي ينعم بها الفرنسيون من قبلنا، وأن تكونوا مقبولين في الوظائف كما هم مقبولون. اننا ندعوكم أيها الأمير الشهير إلى العمل بحماسة في سبيل سعادة سكان لبنان، وأن تهتموا في منح الأكثر جدارة بينكم ألقاب النبل، كما هو مألوف في فرنسا. واننا نرى بالرضا التام أنكم أيها السيد البطريرك، والسادة الأساقفة، وكل الأكليروس، وأيها الشعب الماروني وأميرك النبيل، نرى برضى كبير تعلّقكم الشديد بالدين الكاثوليكي، وخضوعكم لرأس الكنيسة خليفة القديس بطرس في روما. اننا ندعوكم إلى الاستمرار في هذه الطاعة وفي إيمانكم. أما في ما يتعلّق بنا وبالذين سيخلفوننا على عرش فرنسا فإننا نعدكم بأننا نوليكم وشعبكم الحماية، كما نوليها للفرنسيين أعينهم، وسننهج دائما بما ضروري لسعادتكم. حرّر في عكا في اليوم الحادي والعشرين من شهر أيار 1250، السنة الرابعة والعشرين لجلوسنا".

من أين أتت هذه الرسالة، وما مصدرها الأصلي؟ يجيب المطران مراد في تعليق مختزل ورد في حواشيه: "هذه الرسالة مأخوذة من مخطوطة عربية جداً وهي جزء من محفوظات الموارنة، واضع المخطوطة يدّعي أنه نقلها من اللاتينية إلى العربية".

ترجم يوسف حميد معوض وأنطوان محسن القوال، كتاب المطران نقولا مراد، الا أنهما تفاديا نقل أجزاء منه يتحدّث فيها المؤلف عن الدروز، وأشارا إلى هذا "الحذف" في تعليقهما، وكتبا في تبرير هذه الرقابة الذاتية: "لقد حذفنا من هذا النص المترجم بعض العبارات التي تمس الشعور الديني". ويتّضح لنا عند مراجعة النص الفرنسي الأصلي الذي يرافق الترجمة، أنّ هذا الحذف طاول كذلك هذا النص. ويمكن القول، أننا لا نزال نخاف من مواجهة تاريخنا، بعد مرور أكثر من 330 عاماً على كتابة "نبذة" المطران نقولا مراد. في الواقع، تشهد هذه النبذة لبدايات حرب الجبل التي اشتعلت بين الموارنة والدروز في لبنان العام 1860، وامتدت سريعا إلى سوريا. سجّل عدد من الرواة وقائع هذه الحرب، وصدر بعض من هذه الروايات في كتب، ومنها كتاب نشره يوسف خطار أبو شقرا عام 1952 تحت عنوان "الحركات في لبنان في عهد المتصرفية".

تطرّق العلّامة الدمشقي محمد كرد علي، إلى هذا الكتاب عند صدوره، ورأى فيه "شهادة درزية صريحة في مخطوطة تلمّ في حوادث لبنان"، وكتب معلّقا: "أن أسلاف الدروز أهل ذلك العصر كانوا ذوي ولع وغرام بالحرب والقتال، ولأخفّ مسألة كنت تراهم ينقلدون العدد، فيخوضون الأهوال، ويوقدون نيران الفتنة والقتال، حتى انك ترى تاريخ لبنان الحديث أشبه برواية حماسية، وسلسلة حروب أهلية آخذ بعضها برقاب بعض، ومتصل منتهى الأولى بمبتدأ الأخرى وهلمّ جرا. وهذا الرأي يصدق على الدروز في كل مكان حلّوا فيه من الديار الشامية، فكان جهلتهم دعاة فتن دائمة بين الدروز وجيرانهم من أهل السنّة والشيعة والمسيحيين، وكان الدروز إلى عهد قريب يقتلون أنفسهم كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله، ولما منّ الله على بلادنا بنعمة التعلّم بطلت هذه العادات الوحشية وأصبح الدروز وسائر الطوائف من إخوانهم السنيين والشيعيين وغيرهم إخوانا يتحابون ويتآلفون وكذلك مع سائر الطوائف النصرانية".

أثبتت الأحداث الأخيرة في سوريا أن محمد كرد علي لم يكن صائباً في تقييمه، وأنّ "العادات الوحشية" لا تزال قائمة في بلادنا اليوم كما في القرن التاسع عشر. واكبت الصحافة الفرنسية زيارة مارين لوبان إلى لبنان، وقالت أن مرشحة اليمين المتشدد للرئاسة الفرنسية "بقيت في زمن الصليبيين" يوم "ساند الجنود الموارنة الملك لويس"، ويبدو أننا ما زلنا نعيش في منتصف القرن الثالث عشر، ونحن في شتاء 2017.

نحو مشروع نهضة مصرى


سامى شرف

شهد تاريخ مصر الحديث والمعاصر مشروعان كبيران للنهضة الوطنية؛ الأول قاده محمد علي مؤسس مصر الحديثة، والثاني قاده الرئيس جمال عبد الناصر.
وكم هي عديدة عوامل التشابه بين المشروعين من حيث الغاية والوسيلة، وكذلك التحديات التي واجهتهما.
بداية، كلا الرجلان كانا يمتلكان رؤية إستراتيجية واضحة لضرورة أن تتبنى الدولة في مصر مشروع نهضة قومي؛ قائم على قراءة دقيقة وعميقة للتاريخ، وموقع مصر الاستراتيجي الفريد، وقدرات شعبها، ولمفهوم الأمن القومي المصري.
كلا الرجلان آمن وأدرك أنه حتى يكتب لمشروعه النجاح يجب على مصر أن تتفاعل بقوة مع محيطها الجغرافي، وأن تتولى الدفاع عن أمنها القومي الذي يمتد حتى جبال طوروس في الشمال الشرقي ومنابع النيل في الجنوب.
وفي هذا السياق، كان خلق وبسط نفوذ مصري خارج الحدود في كلا المشروعين ضرورة لا غنى عنها لتأمين المشروع، وهذا إدراك لا يملكه سوى القادة العظام.

كما يحسب لكلا الرجلان أنهما تخطيا مرحلة الرؤية إلى مرحلة ترجمتها لواقع ملموس بناء على خطط واستراتيجيات محكمة، تمت صياغتها بدقة، ومن خلال الاعتماد على عدد من الركائز الأساسية:
الركيزة الأولى: استنهاض عوامل القوة والتميز اخل الإنسان المصري، من خلال تنمية قدراته وطاقاته، بالاعتماد على التعليم؛ فكثيرا ما يشاد بمحمد على لإنشائه ديوان المدارس في عام 1838، والذي يعتبر أول وزارة للتعليم في مصر، ولافتتاحه العديد من المدارس المتخصصة في طول البلاد وعرضها، ولإرساله البعثات التعليمية لأوروبا، بالإضافة إلى رعايته لمشروع ترجمة طموح استطاع أن يترجم المئات من الكتب الأجنبية.

وبالمثل فإن الكثيرين يعتبرون أن من أهم انجازات ثورة يوليو تلك السياسات التعليمية التي كفلت بها الدولة تعليما مجانيا للجميع حتى المستوى الجامعي، وأن جيل ثورة يوليو كان جيلا تنويريا بكل المقاييس، أشع بنوره على المحيطين العربي والأفريقي.
الركيزة الثانية: الدور المركزي الذي لعبته الدولة في كلا المشروعين؛ حيث أدارت الدولة قطاع الزراعة وتحديدا لمشروعات الري الكبرى، بالإضافة إلى الصناعة التي نالت هي الأخرى قدرا كبيرا من اهتمامها.

الركيزة الثالثة: كان دعم المؤسسة العسكرية المصرية، وإقامة جيش وطني قوي وقادر محورا رئيسيا في كلا المشروعين؛ غاية ووسيلة هامة من وسائل تحقيق المشروع، وحمايته.

الركيزة الرابعة: كلا المشروعان كان غايتهما الأسمى إقامة دولة مدنية حديثة تأخذ بكافة أسباب القوة؛ لتحافظ على مصالحها، وأمنها القومي بمفهومه الأشمل، وتحمي استقلالها وإرادتها.

وكما اشترك المشروعان في كثير من ركائز البناء والهدف، اشتركا في التحديات الجسام التي واجهتهما.
فبالرغم من الاعتراف بوجود نقاط خلل وضعف داخلية في كلا المشروعين، إلا أنها لم تكن جوهرية، ولم تكن كافية أو سببا رئيسيا في إجهاض أي منهما، وكان بوسع التجربتين التغلب عليها في إطار "قانون التجربة كفيلة بتصحيح الخطأ"، لكن سببا جوهريا كان له الدور الأكبر في إجهاض هذين المشروعين، وهو التدخل الخارجي، من قبل القوى الكبرى التي لها أطماع في المنطقة، وعملائها من دول المنطقة، لأن هذه القوى الامبريالية والعميلة تدرك أن مصر القوية القادرة هي العقبة الكئود في سبيل تحقيق أطماعهم في الاستيلاء على مقدرات المنطقة.
وإذا كان من الصواب التأكيد على أن تاريخ علاقة مصر بالخارج ملئ بالمؤامرات؛ فإن تصوير تاريخها الحديث والمعاصر على أنه سلسلة من المؤامرات التي حيكت ضدها يعد تبسيطا مخلا لهذا التاريخ؛ إذ أنه يبرئ ساحة الكثير من الفاعلين المحليين من المسئولية التاريخية.
ولأن التاريخ هو معمل تجارب العملية السياسية؛ أوجه السطور القادمة لكل من يهمه نهضة هذا الوطن الغالي ..
يقول الدكتور أنور عبد الملك، "إن هدف مشروع النهضة هو إقامة القوة الذاتية، وإذا كان التحرك أصلا من الداخل، وعائده إلى الداخل عبر التفاعل المستمر غير المتردد مع العالم الخارجي، فان هذا الداخل وتلك الذات الوطنية تعني أولا وقبل كل شيء تحديد الخصوصية المصرية المتميزة، وهذا بيت القصيد في جميع صراعات تاريخنا الألفي".

وهنا أؤكد على أن أي مشروع نهضة يقوم على وسيلة وغاية؛ الوسيلة هي الجبهة الوطنية الموحدة، أي اتحاد جميع القوى الوطنية صاحبة المصلحة في بناء دولة قوية .. قرارها مستقل، تقوم على احترام قيم العدل والمساواة والحرية وسيادة القانون، ودولة قادرة على حماية مقدراتها وتنميتها .. دولة تكون نموذجا يشع حضارة لمحيطها وعالمها، وبجانب الجبهة الوطنية الموحدة يقف جيش قوي وطني يحمي إرادة هذه الجبهة، ويزود عن استقلال ومكانة الدولة.
وهنا لدي كلمة لله وللوطن من رجل يظن أن له تجربة ودور يسمحان له بأن يقولها .. جيش مصر يا سادة عمود خيمتها، وحصنها ودرعها القوي، ومكمن قوتها في المحن والأزمات .. وهو واحد من الجيوش الوطنية العريقة التي لعبت أدوارا كبيرة ومؤثرة في تاريخ أمتها .. تعدت الدور العسكري لتمتد إلى الاجتماع والسياسة، ولا يعد هذا نقصا أو عيبا كما يريد البعض أن يصور، فجيش مصر ليس مرتزقة أو عسكر محتل، وإنما هو جزء من نسيج الوطن ومؤسساته الوطنية؛ وكل سهام النقد التي توجه إليه هي سهام مغرضة حاقدة، أو غير واعية بحجم الدور الخطير الذي يلعبه الجيش في حماية الوطن والأمة العربية بأسرها.
ولكي تتأكد من صدق قولي، يكفيك أن تتأمل مصدر الانتقادات للجيش المصري؛ فهو يأتي إما من قوى خارجية لا تريد لمصر أن تكون دولة قوية لها دورها المستقل في محيطها، أو قوى داخلية لها أجنداتها الخاصة التي تتعارض مع مصالح الوطن دولة وشعب، سواء من قبل جماعات مصالح رأسمالية تريد أن تنفرد بنهب ثروات هذا الوطن وتتحكم في موارده ويقف الجيش الآن حائلا ضد أطماعها، من خلال قيامه بدور وطني رائع في بناء الوطن، والمساهمة في تخفيف العبء عن أبنائه، أو من قبل جماعات وتيارات دينية وسياسية لها أجندات خارجية لا تصب في صالح مصر، وقف الجيش ضدها ومازال يجهض مخططاتها واحدة تلو الأخرى، باعتباره ذراع الوطن القوي القادر في هذه المرحلة.
وفي المقابل، حين نتأمل من يدعم الجيش ويؤمن بدوره الوطني ستجدهم الملايين من أبناء هذا الوطن الذين أدركوا -بفطرتهم وبخبرة آلاف السنين المليئة بالمحن والأزمات كان فيها الجيش المصري طوق النجاة- أن جيش مصر منهم ولهم، وأن أي سوء يوجه له ينالهم جميعا.
وأختم مقالي بالتأكيد على أن أي مشروع النهضة لابد أن يجمع بين الفكر والعمل؛ الفكر يشمل الرؤية التأسيسية، والهوية والانتماء، ومداخل التغيير، وأولويات المرحلة.
والعمل يشمل التوعية والاتصال بقطاعات المجتمع المختلفة، وآليات عدة لإنشاء أو تبني كيانات تقوم على تفعيل فكر النهوض، وآليات للتحريك والتحويل من الفكر إلى الحركة، ضمن تدبير عملي، وآليات للتنسيق والتجميع، وآليات ترشيد وحفز.
كل ذلك من أجل تحقيق غاية كبرى؛ وهي صياغة فلسفة ثقافية ووطنية متميزة، تهدف إلى بناء متميز للإنسان .. صاحب الرسالة ومقصدها، وإقامة وطن قوي قادر.
وحتى يتحقق ذلك، على صانع القرار في مصر، وكل من يشارك في صياغة وتنفيذ مشروع نهضة حقيقي -وليس فنكوش كمشروع نهضة الشاطر وجماعته- أن يعي درس تجربتي محمد علي وجمال عبد الناصر، كي يعظم الايجابيات فيهما، ويتلافى سلبياتهما، والأخطاء التي وقعا فيها، والأهم بذل كل الجهد من أجل تفويت الفرصة على الخارج في أن يجهض هذا المشروع للمرة الثالثة، وهذا الهدف في حد ذاته تحد حقيقي كبير.

لبنان.. تمارين على الطائفية


 مالك ونوس

يحتاج الأمر في لبنان بين الفينة والأخرى، إطلاقَ أبناء الطائفة إلى الساحات، أو إلى زاويةٍ ما على ناصية شارع، للهتاف ذوداً عن زعيم طائفي، أو إلى تقديسه والطائفة، من أجل شدِّ أزر أبناء الطائفة الآخرين الذين قد تسوِّل لهم أنفسهم، في وقت الراحة، التفكيرَ في التغريد خارج سرب <">الطائفية، وتحقيقاً للهدف الأسمى، تلميعَ وجهِ الزعيم، إن علاه الغبار من قلَّة الحوادثِ الجِسام. وهو ما حصل حين هاجم أنصار حركة أمل <اللبنانية مبنى قناة تلفزيون الجديد، هاتفينَ ذوداً عن زعيم حركتهم الحالي، في حين أن برنامجاً، بثَّته المحطة، قيل إنه تناول زعيمها السابق بشكل غير لائق. 

وجاء هجوم أنصار حركة أمل بعد يومين من بث القناة المذكورة حلقةً من برنامجها السياسي الفكاهي "دمى كراسي"، في 12 فبراير/ شباط الحالي، والذي جُسدت فيه شخصيات الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بان كي مون، ورئيس مجلس النواب اللبناني ورئيس حركة أمل، نبيه بري، والرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي الذي اتهمه بري باختطاف الزعيم الشيعي، موسى الصَّدر، مع اثنين من مرافقيه وإخفائهم في أثناء زيارتهم ليبيا سنة 1978. كما استضاف البرنامج النائب السابق في البرلمان اللبناني، حسن يعقوب، نجل محمد يعقوب، الذي كان والصحافي عباس بدر الدين رفقة الصدر حين اختفى. وإذ تتناول الحلقة موضوع اختفاء الصدر ومُرافقيه، 

ويتحدث فيها يعقوب عن بعض حيثيات القضية، ينحصر دور الدّمية التي تجسّد بري في التعليق على الحديث، مع بروز سؤال نطقت به الدمية التي تجسّد القذافي، والذي يرد بها عنه تهمة الاختطاف، قائلاً إن السيد بري يعرف ذلك، ويسأله: "هل خطفتهم أنا يا سيد بري؟". ثم يقول لبري: "أتحداك أن تقول إنك لا تعرف أين المكان الذي يوجد فيه الإمام الصَّدر". ويعقِّب النائب يعقوب على كلام القذافي إنه، طوال فترة تغييبهم، أصبح غير خافٍ عن الرأي العام أنه لم يكن هنالك عمل جَدّي لمعرفة مصيرهم، وكل ما يجري من كلام ومهرجانات تطالب بمعرفة مصيرهم كانت ذات طابع انتخابي. ولعل سؤال القذافي وكلامه الموجَّه لبري وإقرار يعقوب هي الأسباب الخفية وراء هجوم أنصار بري على القناة، فهي تكرّس ما يقال همساً عن دور لبري ومصلحة له في اختفاء الصَّدر.
والمستغرب هو كيف انتظر أنصار حركة أمل يومين، قبل أن يقرّروا مهاجمة القناة، حيث لمتدفعهم الحَميَّة


إمكانية شن حرب ضد مصر عوضا عن إيران!


محمد عبد الحكم دياب

تعود القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام من جديد، ولا يعني ذلك أن المهتمين هم أهل فلسطين أو أصحاب الحق الأصيل في تحديد مصيرها ومستقبلها من العرب والمسلمين، ومن يؤازرهم من أنصار المقاومة والساعين إلى العدل والمنادين بالمساواة في العالم ومن كل الملل والنحل، والمشكلة في أن الطبقة العربية الحاكمة في مجملها هي الأدنى اهتماما بفلسطين، وشغلت نفسها بالاستقطاب المذهبي والطائفي، وتصفية حساباتها فيما بينها، وتقوية علاقاتها بواشنطن وتل أبيب، والمهتمون بفلسطين أبعدوا من دوائر الحكم والقرار، واقتصر الاهتمام بها على من هم خارج هذه الدوائر من قوى مؤمنة بتصحيح مسار التاريخ وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الاستيطان والاحتلال والتهجير.‬

ومركز الاهتمام انتقل إلى الرئاسة الأمريكية، وهو اهتمام بالمصلحة الصهيونية، البعيدة عن الحل العادل أو المتوازن، والعمل على تمكين الدولة الصهيونية لتكون دولة يهودية خالصة، مع التراجع عن حل الدولتين.‬ حيث تحتفظ الدولة الصهيونية بما استولت عليه، بالحرب والاستيطان وبطش الآلة العسكرية، وسن قوانين القضم والحيلة والابتزاز، ولم يبق من فلسطين التاريخية إلا خُمسها.‬ ودولتها المقترحة «القابلة للحياة»، بمنطق «الشرعية الدولية»، منزوعة الثروة والسلطة والسلاح.‬

تسارعت التطورات وأتت مع إصرار الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب على أن يكون صهيونيا أكثر من مؤسسي الحركة الصهيونية.‬ هذا بينما تشهد «القارة العربية» تغييرات وتحولات من المتوقع أن تنتهي بحرب صهيونية خاطفة أو طويلة نسبيا، والسبب هو حاجة تل أبيب لحسم الأوضاع بعد اطمئنانها إلى المساندة الأمريكية المطلقة، والتأييد الغربي النسبي، والضعف العربي العام.‬

ومؤخرا تكررت كثيرا تصريحات رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن حكومات عربية لم يسمها صارت حليفا للدولة الصهيونية، ودعا لقيام تحالف عسكري إقليمي جديد أو اتفاق دفاع مشترك، يضم مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وعواصم خليجية أخرى، وذلك بالإضافة إلى الدولة الصهيونية، على أن تكون القيادة أمريكية، وكان الهدف من هذه الترتيبات دخول حرب مذهبية مؤجلة ضد إيران، وإبعاد أنظار «القارة العربية» عن الخطر الصهيوني الحقيقي.‬

واستبعد سيرغي دولغوف كبير الباحثين في مركز الدراسات العربية والإسلامية التابع لمعهد الاستشراق في موسكو، استبعد الحرب ضد إيران، واعتبرها كارثة للجهود الروسية في سوريا وتجعلها «هباء منثورا»، على حد قوله.‬ وطلب عدم الأخذ بالخيار العسكري، وبذل الجهود الدبلوماسية وإطلاق المفاوضات المباشرة بين الأطراف المتصارعة، وأعلن قلقه من الأصابع الصهيونية في إشعال الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وراهن على الضغط الروسي للحيلولة دون وقوعها.‬

إذن سترمي موسكو بكل ثقلها، إنْ لم يكن لمنع الحرب ضد إيران، فعلى الأقل لاستمرار تأجيلها.‬ ولهذا يجب على الدول العربية التفكير بعيدا عن مراوغات السياسة ومداهنات ومبالغات الإعلام وأوهام «المحللين الاستراتيجيين»، وعليهم التخلي عن التفكير التقليدي والمسلمات القاصرة والاختيارات البائسة، وتجنب الاطمئنان لأي تكتل عسكري أو سياسي أو اقتصادي جديد تسعى إليه تل أبيب أو تقوده وتؤيده واشنطن.‬
ونأتي إلى إشكالية سحب الدولة الصهيونية لسفيرها في القاهرة، حيث بدا كأنه خارج السياق، إذا ما تم قياس ذلك على حالة الانسجام السياسي والشخصي بين رئاسة الدولة في القاهرة ورئاسة الوزارة في تل أبيب، ومظاهرها الحميمية والاستراتيجية.‬ وسحب السفراء حدث ليس بسيطا في القوانين والعلاقات الدولية، فما بالنا إذا ما حدث مع حكومة ترتبط مع تل أبيب بـ «معاهدة سلام».
إنه أمر يثير الاستغراب والعجب، ويدفع للشك في النوايا وفي صدق المبررات التي سيقت مع إعلان الخبر من جانب الطرف الصهيوني، وفيما بدا من استرخاء واطمئنان عربي ومصري، وكان أول من نشر الخبر ـ‬ حسب ما ذكرت صحيفة التلغراف البريطانية ـ‬ محلل سياسي مصري هو أمين المهدي، على صلة وثيقة بمصادر المعلومات الصهيونية.‬ وأشار إلى وجود توترات سياسية مكتومة بين تل أبيب والقاهرة تتعلق بقطاع غزة والحدود بين فلسطين المحتلة ومصر، وهذه أسباب سياسية وليست مخاوف أمنية كما ادعت تل أبيب.‬

والحديث عن الحرب ليس حديثا في الهزل، ويؤخذ دائما على محمل الجد، ويعني أنه كالحرب تماما، وكما أن الحقيقة أول ضحايا الحرب، وغالبا ما يكون الحديث جزءا من التمويه والخداع الاستراتيجي، وهو ما نجحت فيه مصر وسوريا في حرب 1973، وأوضح المهدي أنه يعتقد أن الرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي على خلاف بسبب قطاع غزة والحدود مع مصر، وأن ذلك الخلاف هو الذي أدى إلى سحب السفير، وإذا ما ربطنا ذلك بما كرره نتنياهو من مزاعم عن تأييد عواصم عربية وتحالفها مع الدولة الصهيونية.‬ وذكرت القناة العاشرة الإسرائيلية أن نتنياهو سحب سفيره تعبيرا عن غضبه مما أسماه بتقارب مصر وحماس، وضيقه من تأييد مصر لقرار إدانة الاستيطان في مجلس الأمن، وكشفت مصادر أمنية صهيونية لموقع «همكور»، أن هناك أسبابا عديدة جاءت وراء سحب السفير وتتلخص في تلقي الحكومة الصهيونية تقارير عقب تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، أشارت إلى عمليات نوعية يستعد لها تنظيم «الدولة» (داعش) في مصر، وقد تشمل دبلوماسيين صهاينة من العاملين في القاهرة.‬
ويبدو أن الحديث عن محاربة إيران أصبح أقل جدوى، بسبب ما طرأ على موازين القوى في مركز الصراع العربي والإقليمي، وتمثله سوريا حاليا، فبعد الحضور الروسي، واصطفاف المحور الروسي الإيراني السوري والجماعات ذات العلاقة، كحزب الله اللبناني، وتنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني بجانب تطورات شمال العراق وما يجري في الموصل، والتقارب التركي الروسي، ومد جسور أنقرة مع أطراف فاعلة في الإقليم بما فيها الدولة الصهيونية.‬ وشهدت موازين القوى تغييرات جوهرية بدت أكثر توازنا من ذي قبل، ومن المحتمل أن تميل لصالح المحور الروسي الإيراني السوري وحلفائه.‬
ألا ينبه ذلك إلى إمكانية تغيير بوصلة الحرب لاتجاهها صوب مصر بدلا من إيران، وعادة فإن قرار الحروب الصهيونية ضد دول الطوق في فلسطين ومصر وسوريا ولبنان والأردن أسهل وأيسر فالدولة الصهيونية لا تسعى لاستصدار قرار من مجلس الأمن، وهي كدولة مارقة تضرب عرض الحائط بكل ما يصدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وكل حروبها وتوسعاتها تمت بعيدا عنهما، أما استصدار قرار بضرب إيران فصعب، بسبب حق النقض (‬الفيتو)‬ الذي تتمتع به كل من روسيا والصين، وهو غطاء يحمي إيران، أما دول الطوق فلا يتوفر لها مثل ذلك الغطاء..‬ من حق مصر أن تقلق من حرب قد تكون خاطفة أو طويلة وظروف تغري تل أبيب بالمغامرة، فليس لدى مصر سياسة واضحة..‬ وتتعامل مع الصديق كتعاملها مع العدو..‬ ويلعب أغلب مسؤوليها الكبار على كل الحبال..‬ ولهذا خسروا الجميع فازدادوا ضعفا..‬ وهل تجد الدولة الصهيونية ظرفا مواتيا أفضل من هذا، والحرب ستؤثر على فلسطين تأثيرا شديدا، وعلى كامل «القارة العربية»، ومع ذلك لا يجب أن يكون المصريون دعاة حرب، وعليهم أن يكونوا دعاة سلام يقوم على العدل ويحق الحق، ويعملون من أجله اعتمادا على أنفسهم، وعلى إمكانيات أمتهم وقدرات وبسالة شعبها!!

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر