الراصد القديم

2016/12/01

من الموصل إلى حلب.. تجديد مشروع التقسيم


 محمد السعيد إدريس

تفتح معركة تحرير مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى العراقية من الاحتلال الداعشي الأبواب على مصراعيها للبحث ليس فقط في مستقبل الموصل بعد تحريرها في ظل التعقيد الشديد الذي أحاط بترتيبات معركة التحرير والأطراف التي ستشارك فيها بل أيضاً للبحث في مستقبل العراق ومعها أيضاً مستقبل سوريا بسبب التداخل الشديد بين ما يحدث من صراع في العراق وامتداداته القوية في سوريا، وبالذات مسألتان أساسيتان؛ أولاهما، فرص خروج تنظيم «داعش» الإرهابي من عاصمته في الموصل إلى سوريا وبالتحديد إلى مدينة الرقة أهم مراكزه في الشمال السوري، حيث توجد معلومات تؤكد أن أعداداً كبيرة من ميليشيات «داعش» هربت بمعداتها إلى الداخل السوري تحت أعين الأمريكيين، وهذا بدوره يفرض سؤالاً مهماً حول ما يخطط له الأمريكيون بالنسبة للصراع في سوريا، وهذا يأخذنا إلى المسألة الثانية وتتعلق بمآلات الأزمة الخاصة بمدينة حلب السورية ذات الأهمية القصوى.

تفجرت معركة تحرير الموصل وسط صخب وضجيج كشف مدى عمق الصراع المحتدم بين أطراف عديدة داخلية وأخرى إقليمية تركية وإيرانية بالأساس، صراع له علاقة مباشرة بخرائط النفوذ وخرائط المصالح التي ستفرض نفسها بعد انتهاء معركة تحرير الموصل التي بدأت فجر الاثنين (2016/10/17) والتي قد تمتد لأسابيع وربما أكثر. لم تبرز ضمن تلك الصراعات شبهة صراع دولي في العراق الأمر الذي يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الدولية صاحبة النفوذ والتأثير الأوحد في العراق. هي التي هندست خرائطه السياسية وقواعد حكمه بعد غزوها له واحتلاله عام 2003، ولم تخرج منه إلا بعد ترتيب كل الأوضاع التي تبقيها وحدها متفردة تحكم عن طريق من اختارتهم حكاماً للعراق وفق معادلة أمريكية بحتة قائمة على المحاصصة السياسية التي قسمت العراق فعلياً إلى شيعة لهم الغلبة والسيطرة وأكراد شركاء أقوياء بحكم ما استطاعوا فرضه من حكم شبه مستقل لأنفسهم في كردستان العراق بدعم أمريكي- بريطاني منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، وسُنة ضعفاء تقرر إخضاعهم لتحالف شيعي كردي ترعاه أمريكا فعلياً وتديره إيران الشريك للأمريكيين من الباطن في حكم العراق في ظل غياب عربي كامل.

العنوان الذي حرص الأتراك على إبرازه مبرراً لإصرارهم على المشاركة في حرب تحرير الموصل هو الحيلولة دون وقوع «حرب طائفية» إذا ما شاركت ميليشيات الحشد الشعبي «الشيعية» الموالية لإيران في هذه الحرب، والدفاع عن السُنة على نحو ما أكد الرئيس التركي حرصه على «عدم السماح بأي سيادة طائفية على الموصل» وقوله إن «الموصل لأهل الموصل، وتلعفر “مدينة عراقية قرب الموصل يقطنها التركمان العراقيون” لأهل تلعفر، ولا يحق لأحد أن يأتي ويدخل هذه المناطق»، ومؤكداً أنه «يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السُنة العرب ومن السُنة التركمان ومن السُنة الأكراد، ويجب ألا يدخل الحشد الشعبي للموصل». وأمام الإصرار العراقي على رفض المشاركة التركية اضطر أردوغان أن يكشف عن نواياه الحقيقية أو بعضها، فأبرز ورقة «الحق التاريخي»، وتجديد الحديث عن تمسكه بوثيقة ما يسمى «الميثاق الوطني» التي ترسم حدود تركيا وتضم ولاية الموصل ضمن الأراضي التركية والتي تشمل مدينة الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، إضافة إلى الشمال السوري.

اللافت هنا أن الإدارة الأمريكية التي دعمت الموقف العراقي الرافض لأي مشاركة تركية في معركة تحرير الموصل عادت وبشخص وزير الدفاع الأمريكي نفسه آشتون كارتر وعقب النجاحات الملموسة التي حققتها القوات المشاركة في تحرير الموصل ليجدد دعوة العراق للقبول بمشاركة تركية في هذه المعركة. وساطة آشتون كارتر رفضها حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية، لكن المهم هو لماذا غيرت الإدارة الأمريكية من موقفها الداعم لموقف الحكومة العراقية، هل هو خوف من غلبة قد يحققها «الحشد الشعبي» (الشيعي) المشارك في معركة تحرير الموصل باعتبار أن ذلك سيكون رصيد نفوذ لإيران، أم أن الأمر له علاقة بالأزمة السورية وترتيبات النفوذ التركي في سوريا، بحيث يسمح لتركيا بنفوذ في العراق يوازن النفوذ الإيراني في سوريا.

مقولة «الأرض لمن يحررها» التي سبق أن وردت على لسان قادة البيشمركة الكردية في العراق بإصرارهم أيضاً على أن يكونوا طرفاً فاعلاً في معركة تحرير الموصل يبدو أنها هي التي ستحكم مواقف كل الأطراف: إيران عبر كل من «الحشد الشعبي» والحكومة العراقية، والولايات المتحدة عبر التحالف الدولي، والأكراد عبر البيشمركة، وتركيا، جزئياً عبر ما أخذ يُعرف ﺑ«قوات حرس نينوى» ويقودها أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق وهي القوات التي كان يطلق عليها «الحشد الوطني» أو «الحشد السُني» لتمييزها عن «الحشد الشعبي» الشيعي الموالي لإيران.

ليس في مقدور أحد أن يتوقع المآل النهائي لمعركة تحرير الموصل، وبالذات إجابة السؤال الذي طرحه مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق عندما زار بغداد قبل أسابيع من إطلاق معركة تحرير الموصل وهو: كيف ستدار المدينة بعد تحريرها. برزاني اقترح على حيدر العبادي مشروعاً يقضي بتقسيم محافظة نينوى إلى ثلاث محافظات جديدة، وإجراء استفتاء يقرر فيه سكان هذه المحافظات الانضمام إلى إقليم كردستان أم لا. هناك مقترح آخر تدعمه تركيا لتقسيم محافظة نينوى إلى ثماني محافظات من بينها «سهل نينوى» الذي كان نواب أمريكيون قد تقدموا بمشروع لتحويله إلى محافظة تحت عنوان «حماية الأقليات» هذا المشروع كان بمنزلة ضوء أخضر أمريكي لبعث المؤتمر الآشوري العام والحركة الديمقراطية الآشورية، والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري والمطالبة بمنح المسيحيين حكماً ذاتياً في منطقة سهل نينوى. ضوء أخضر أمريكي لإطلاق مشروع التقسيم في العراق، إذا حدث سيكون حتماً عنواناً لمشروع مماثل في سوريا، أحد أهم مؤشراته، السماح بهروب «داعش» من الموصل إلى «الرقة» في سوريا، لفرض معادلة توازن قوى جديدة تتوازي مع الجهود الأمريكية الأوروبية لمنع نظام الأسد مدعوماً من روسيا وإيران من الفوز في معركة تحرير حلب التي تتحصن فيها جبهة النصرة التي بدأت تستقطب معظم الفصائل الجهادية هي وجبهة أحرار الشام، الأمر الذي من شأنه أن يفرض واقعاً عسكرياً جديداً يمكن أن يؤسس لمشروع سياسي جديد لحل الأزمة السورية عنوانه «التقسيم هو الحل».

قلق المسلمين المشروع في دول الغرب


صبحي غندور

مع فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، ثمّ تعيينه الإعلامي المتطرف والمشجّع على "الإسلاموفوبيا"، ستيف بانون، لشغل منصب كبير المخطّطين الإستراتيجيين في "البيت الأبيض"، ازدادت نسبة القلق لدى العرب والمسلمين في العديد من الولايات الأميركية، خاصّةّ التي تنشط الآن فيها القوى العنصرية الحاقدة على الأميركيين الأفارقة والمهاجرين الجدد والمسلمين خصوصاً.

وما يحدث في الولايات المتحدة لا ينفصل طبعاً عن المناخ السلبي السائد في أوروبا ضدّ المهاجرين والمسلمين، والذي تضاعف وتعزّز بعد حدوث أعمال إرهابية في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهي الدول التي تقود الاتحاد الأوروبي، وبعد تدفّق عشرات الألوف من المهاجرين واللاجئين من دول عربية وإسلامية.

لكن هناك في داخل الغرب قوى ترفض العنصرية، وتريد التفاعل الإيجابي مع المسلمين وترحّب بهم في أوطانها، كما هناك في داخل الغرب قوى تُسعّر العداء معهم. وهناك في داخل الغرب قوى تتصارع مع بعضها البعض، كما هناك في داخل العالم الإسلامي أيضاً حروب داخلية على أكثر من مستوى. أي، ليس هناك الآن جبهتان متّحدتان ضدّ بعضهما البعض: غربية وإسلامية، بل هناك كتل متنوعة وقوى متصارعة في كلٍّ من الموقعين.

ولقد مرّت الصورة المشوّهة للعرب والمسلمين في الغرب عموماً بثلاث مراحل، فهناك مرحلة ما قبل سقوط "المعسكر الشيوعي"، حيث كان التركيز السلبي على الإنسان العربي تحديداً (كهويّة قومية وثقافية دون التطرّق للبُعد الديني)، من خلال توصيفه عبر الإعلام وبعض الكتب والأفلام السينمائية بالإنسان الماجن والمتخلّف، الذي يعيش في بلدان صحراوية ما زالت تركب الجِمال رغم ما تملكه من ثروةٍ نفطية. وفي هذه المرحلة جرى تجنّب الحملات السلبية على الإسلام أو المسلمين عموماً بسبب تجنيد المسألة الدينية الإسلامية في مواجهة "المعسكر الشيوعي"، كما حدث في أفغانستان ضدّ الحكم الشيوعي فيها، وكما جرى في تحريك جمهوريات إسلامية في آسيا ضدّ موسكو الشيوعية.

أمّا المرحلة الثانية، فقد بدأت بمطلع عقد التسعينات، واستمرّ فيها التشويه السلبي للهويّة القومية الثقافية العربية لكن مع بدء التركيز أيضاً على الهويّة الدينية الإسلامية، حيث تجاوز التشويه العرب ليطال عموم العالم الإسلامي باعتباره "مصدر الخطر القادم" على الغرب و"العدوّ الجديد" له بعد سقوط "المعسكر الشيوعي".

في هاتين المرحلتين، لعبت (وما تزال إلى الآن) الجماعات الصهيونية، وقوى عنصرية ودينية متعصّبة ومتصهينة، الدور الأبرز في إعداد وتسويق الصور المشوّهة عن العرب والإسلام. بدايةً، لإقناع الرأي العام الغربي بمشروعية وجود إسرائيل (مقولة شعب بلا أرض على أرض بلا شعب)، وبأنّ العرب شعب متخلّف ولا يمثّل الحضارة الغربية كما تفعل إسرائيل!. ثمّ أصبح الهدف في المرحلة الثانية (أي في مطلع التسعينات) هو تخويف الغربيين من الإسلام والمسلمين كعدوٍّ جديدٍ لهم، وفي ظلّ حملة واسعة من الكتابات والكتب والمحاضرات عن "صراع الحضارات"، وبشكلٍ متزامن أيضاً مع ظهور مقاومة للاحتلال الإسرائيلي بأسماء إسلامية.

المرحلة الثالثة ظهرت عقب الأحداث الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، وما لحقها من أعمال إرهاب مشابهة في بلدان مختلفة جرت تحت أسماء جماعات إسلامية، وأصبح يُرمز اليها، اختصاراً لمفاهيمها وأساليبها، بجماعات "القاعدة" رغم عدم تبعيتها لقيادة واحدة، وهذه المرحلة تجدّد نفسها الآن من خلال ما قامت وتقوم به "جماعات داعش" من إرهاب ووحشية في الأساليب تحت راية "الدولة الإسلامية"!.

وخطورة هذه المرحلة الثالثة أنها حوّلت ما كان مجرد كتاباتٍ في عقد التسعينات عن "العدوّ الجديد للغرب"، إلى ممارساتٍ ووقائع على الأرض، كان المستفيد الأول منها إسرائيل والمؤسّسات الصهيونية العالمية، التي كانت تُروّج أصلاً لمقولة "الخطر القادم من الشرق"، والتي لها أيضاً التأثير الكبير على صناعة القرارات السياسية في أميركا والغرب.

لذلك، وضع من حكموا أميركا من "المحافظين الجدد" شعار "الخطر الإسلامي" منذ التسعينات ليُقبَل أولاً داخل أميركا والغرب قبل أيّ مكانٍ آخر، وليبرّر سياساتٍ وحروب لم تكن لاحقاً لصالح أميركا، ولا لدورها القيادي الأوحد المنشود، بل استفادت منها فقط شركات ومصانع ومصالح خاصة، إضافةً إلى ما جنته إسرائيل من توظيفٍ كبير لهذه السياسات والحروب الخاسرة. ولا شكّ أيضاً بأنّ أساليب الإرهاب والعنف المسلح بأسماء جماعاتٍ إسلامية، خدما بشكلٍ كبير هذه السياسات وإن تصارعا شكلاً معها في أكثر من ساحة!.

أمّا على الجهة الأخرى من العالم، فنجد وضعاً مأساوياً داخل عدّة بلدانٍ إسلامية، وهو ممزوجٌ معظم الأحيان بتدخّلٍ خارجي، تزداد فيه الانفعالات الغرائزية التي نراها تحدث بأشكال طائفية ومذهبية وإثنية يواجه فيها بعضُ الوطن بعضَه الآخر، وحيث هناك عربٌ ومسلمون يقومون بخوض "معارك إسرائيليّة" تحت راياتٍ {وطنيّة أو عربيّة أو إسلاميّة}، وهم عمليّاً يحقّقون ما كان يندرج في خانة "المشاريع الإسرائيليّة" للمنطقة العربية تحديداً، ومن سعي لتقسيم طائفي ومذهبي وإثني يهدم وحدة الكيانات الوطنيّة ويقيم حواجز دم بين أبناء الأمّة الواحدة.

ولقد أصبح العنف ظاهرة بلا ضوابط في المجتمعات العربية خصوصاً، ودول العالم الإسلامي عموماً، وهذا نراه الآن حتّى في مجتمعاتٍ سعت لتغيير الحكم فيها، بينما التغيير القائم على العنف المسلّح والقتل العشوائي للناس يؤدّي حتماً إلى تفكّك المجتمع، وإلى صراعاتٍ أهلية دموية، وإلى بيئة مناسبة لنموّ واحتضان جماعات إرهابية، وإلى مبرّراتٍ لتدخّلٍ إقليمي ودولي يُكرّس تقسيم المجتمعات والأوطان ويُدوّل قضاياها.

طبعاً تشويه الصورة العربية والإسلامية في الغرب، رافقه ويرافقه، عاهات وشوائب كثيرة قائمة في الجسمين العربي والإسلامي، ولذلك فإنّ تصحيح الذات العربية، والذات الإسلامية، يجب أن تكون له الأولوية قبل الحديث عن مسؤولية الغرب، علماً أن العرب يتحمّلون – بحكم المشيئة الإلهية – دوراً خاصاً في ريادة العالم الإسلامي، فأرضهم هي أرض الرسل والرسالات السماوية، ولغتهم هي لغة القرآن الكريم، وعليهم تقع مسؤولية إصلاح أنفسهم وريادة إصلاح الواقع الإسلامي عموماً.

إنّ المناخ السياسي والثقافي والإعلامي في الولايات المتحدة، والغرب عموماً، هو جاهزٌ لكلّ عاصفةٍ هوجاء وأعاصير ضدَّ كلّ ما هو عربي وإسلامي، لكن للأسف، فإنَّ ما صدر ويصدر عن جماعات التطرّف العنفي وما يحدث من ممارساتٍ إرهابية هنا أو هناك، أعطى ويعطي وقوداً لنار الحملة على العرب والمسلمين أينما كانوا.

لكن هل يمكن تجاهل وجود أزمة حقيقية لدى العديد من الشعوب الإسلامية، والتي يزدهر في أوساطها الفكر التكفيري القائم على طروحات حركات عُنفية تستبيح قتل كل من يختلف معها دينياً أو مذهبياً أو فقهياً؟! بينما القتل العشوائي لناسٍ أبرياء هو أمرٌ مخالف للدين الإسلامي ولكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، وهو، رغم ذلك، يتكرّر في أكثر من زمان ومكان، ولا نراه يتراجع أو ينحسر، وهذا دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية.

إنّ اتّساع دائرة العنف الدموي باسم الإسلام أصبح ظاهرةً خطرة على المسلمين أنفسهم وعلى كافّة المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا أمرٌ يضع علماء الدين أولاً أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، كذلك هي مسؤولية الأهل في كيفية تربية أولادهم، كما هي مسؤولية الكُتّاب والمفكريين والإعلاميين وكل المؤسسات الحكومية والمدنية في عموم العالم الإسلامي. لذلك، فإنّ الموقف المبدئي الرافض لأساليب العنف في المجتمعات أينما كان هو المطلوب الآن، لا الاكتفاء بالإدانة النسبية فقط تبعاً لاختلاف المكان والمصالح.

إن الساحة الأميركية مفتوحة الآن لجماعات "السوء" لبثِّ سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة (ولو بظروفٍ صعبة) على "دعاة الخير" من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوَّهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأميركا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من الأميركيين والغربيين الذين يريدون معرفة الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية، بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود. فإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب، فإنَّها فرصة مهمَّة (بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يعملوا من أجل استبدال "الجهلوقراطية" الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عنهم وعن أصولهم الثقافية والحضارية.

الانتخابات الأميركية: قراءة أولية في النتائج والتداعيات






زياد حافظ





نتائج الانتخابات الأميركية كانت بمثابة زلزال هزّ مرتكزات العمل السياسي في الولايات المتحدة بعدما تحدّثت النخب المتحكّمة بحتمية فوز بنت المؤسسة الحاكمة هيلاري كلنتون. وانتخاب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يوازي في الأهمية التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي وما يمكن أن يرافقهما من تغيرات في موازين القوة على صعيد العلاقات الدولية. هذا إذا ما كتب للمملكة المتحدة الخروج نهائيا من الاتحاد الأوروبي دون أي عائق قانوني داخلي وإذا ما سمح للرئيس المنتخب ترامب من تحقيق كل أو بعض القضايا على أجندته السياسية. فالرئيس المنتخب يأتي بتوجّهات مختلفة عن توجّهات النخب الحاكمة ويبقى السؤال من يستسلم لمن؟


فمع انتخاب دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة طويت صفحة يعتبرها المراقبون الأميركيون من أسواء الحملات الانتخابية التي مرّت بها البلاد وإن لم تكن الأولى. فالحملة التي اتسمت بتبادل الشتائم والتهم وتجنّبت مقاربة القضايا الوطنية والخارجية تدلّ على مستوى ترهّل النظام السياسي القائم الذي لا يفرز إلاّ نوعيات رديئة في العلم والخبرة والأخلاق. لذلك سيكتشف الرئيس المنتخب صعوبة كبيرة في تنفيذ أجندته إن لم يأخذ بعين الاعتبار اهتمامات خصومه داخل الحزب الحاكم وداخل حزب الحرب المهيمن على مقدّرات البلاد وإن كانت حملته تمرّدا على كل ذلك.

في مطلق الأحوال جاءت النتائج لتؤكّد عدّة حقائق كنّا قد أشرنا إليها سابقا. أولى هذه الحقائق هي استمرار تدنّي مستوى المرشّحين وعدم اكتراثهم لهموم المواطنين مما أثار نقمة الجمهور الأميركي. فالانتخابات التمهيدية والانتخابات العامة شهدت تمرّدا للجمهور الأميركي على نخبه الحاكمة. تعدّدت الأسباب التي لا داعي سردها الآن إلاّ أنها تعبّر عن ضرورة إصلاح النظام السياسي بشكل يأتي بمسؤولين يعملون لصالح الجمهور الأميركي وليس لصالح المصالح الخاصة. فهذه الانتفاضة سمّاها المرشح سندرز ب “الثورة” بينما حملة ترامب كانت مركزة ضد رموز الحزب الجمهوري التقليدي فكانت بمثابة ثورة شخص استطاع أن يعبّر عن غضب القاعدة.

الحقيقة الثانية هي تكريس هزيمة عدد من القوى التي كانت وما زالت تتصدّر المشهد السياسي على مختلف الأصعدة. فالهزيمة طالت أولا النخب المتحكّمة بالحزبين السياسيين اللذين يتصدّران المشهد السياسي منذ بداية الدولة الفتية في أواخر القرن الثامن عشر. الانتخابات التمهيدية عند الحزب الديمقراطي شهدت ثورة قاعدة الناخبين الشباب وقاعدة العمّال والقوى الكادحة على قياداتها التقليدية إلاّ أن النخب المتحكّمة بالحزب استطاعت تزوير العملية الانتخابية وتجييرها لمصلحة بنت المؤسسة الحاكمة وممثلتها هيلاري كلنتون. إن جمهور برني سندرز لم يرق له أن يساند قائد الحملة الإصلاحية مرشّحة المؤسسة الحاكمة فكان تحوّل قسط من القاعدة للتصويت لدونالد ترامب أو عدم التصويت. لم تنل هيلاري كلنتون أكثر من 55 بالمائة من أصوات الشباب بينا نال الرئيس أوباما في الانتخابات الماضية ما يوازي 80 بالمائة من أصواتهم. أما على صعيد الحزب الجمهوري فاستطاع دونالد ترامب أن يطيح برموز الحزب الجمهوري المتحكّمة خلال الحملة التمهيدية. والجدير بالذكر أن النخب في الحزب الجمهوري تجنّبت إلى حد كبير المساندة العلنية لدونالد ترامب لما يجلب الأخير من انتقادات حول شخصه وتصريحاته المثيرة والعنصرية والمهينة بحق المرأة. ففوز ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض يشكل أيضا هزيمة لهذه النخب.

القوة الأخرى التي هُزمت هو الاعلام المهيمن الذي كان مؤيدا بشكل سافر لهيلاري كلنتون ومعاديا لدونالد ترامب. فصحف مرموقة كالواشنطن بوسط والنيويورك تايمز واللوس انجلس تايمز والمحطاّت التلفزيونية الكبرى ك سي أن أن، وأن بي سي، وأي بي سي، وسي بي أس مُنيت بهزيمة نكراء. فتغطيتها للحملة الانتخابية كانت فاقدة للحد الأدنى من الموضوعية ومركّزة على التصريحات المثيرة لترامب ومتجاهلة لإخفاقات وفضائح هيلاري كلنتون. والجدير بالذكر أن أكثر من 90 بالمائة من الاعلام الأميركي تملكه فقط ست شركات عملاقة. فارق الفوز عند دونالد ترامب ملفت للنظر ويؤكّد إما عدم معرفة الإعلام بواقع المشهد الشعبي أو أنه متواطئ مع مصالح المؤسسات المالية والمجمع العسكري الصناعي والأمني الذي يملكه أو يسيطر عليه والذي لا يكترث لواقع الشعب.

الفريق الآخر الذي مُني بالهزيمة هو سقوط مؤسسة استطلاعات الرأي العام التي كان يروّجها الاعلام المهيمن. وتأتي هذه الهزيمة في أعقاب إخفاقات كبرى في التنبؤ في العديد من الاستحقاقات المفصلية ليس فقط في الولايات المتحدة بل في مختلف أنحاء العالم، كالإخفاق في توقّع فوز حزب المحافظين في المملكة المتحدة، أو فوز نتانياهو في الكيان، أو التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي أو البقاء فيه. هذا يدّل إما على عدم مهنية أو معرفة في إجراء الاستطلاعات أو على “لغم” الاستطلاع للمجيء بنتائج تدعم الأهداف المعلنة أو غير المعلنة لصاحب الاستطلاع. ومن كان يتابع بدقة الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية منذ بدايتها وكان على تواصل على الأرض وخارج وصاية الاعلام المهيمن وجد منذ البداية أن تلك الاستطلاعات مغلوطة ومضلّلة ولا تعكس مدى التجاوب الشعبي الفعلي على الأرض مع المرشحين. فبينما كانت الحشود الانتخابية للمرشح ترامب بعشرات الالاف كانت الحشود لصالح المرشحة كلنتون لا تتجاوز بضعة المئات، أي التجاوب الشعبي كان لصالح ترامب وليس لصالح كلنتون. حاول الاعلام الإيحاء بان المعركة محسومة حتى جاهر بالتحسّر على مستقبل ترامب بعد هزيمته الحتمية! فمن شاهد المعلّقين على الشبكات الرئيسية الأميركية لدي الفرز لاحظ مدى إحباطهم وخيبة أملهم. المحطة الوحيدة التي حافظت على توازنها في التغطية كانت محطة “أر تي” روسيا اليوم!

في خانة المهزومين أيضا كان اللوبي الصهيوني الذي دعم بقوّة حملة هيلاري كلنتون. هذه هي الهزيمة الثانية المتتالية لذلك اللوبي في الانتخابات الأميركية (بعد إخفاقه في دعم ميت رومني ضد باراك أوباما) مما يعني أن نفوذ اللوبي لا يتعدّى النخب الحاكمة والمتحكّمة ولا يصل إلى القاعدة الكبرى من الجمهور الأميركي. الجالية اليهودية صوّتت لهيلاري كلنتون ولكن اللوبي الصهيوني لم يستطع أن يجنّد أكثر من ذلك. استطاع ترامب تجاوز نفوذ اللوبي عبر مخاطبته المباشرة للجمهور الأميركي ومحاكات همومهم بينما اكتفت كلينتون بترداد الشعارات التي لم تعن شيء لذلك الجمهور إضافة إلى فقدان الثقة بالمؤسسة الحاكمة. في خانة المهزومين في هذه الحملة بعض الدول العربية التي كانت تراهن أيضا على هيلاري كلنتون فدعمتها ماليا كما كشفتها تسريبات ويكيليكس والتي أكّدت على التواصل المالي مع مؤسسة كلنتون فأصبحت محور ملاحقة من مكتب التحقيق الاتحادي (اف بي أي).

الحقيقة الثالثة هي ترابط البيوت المالية والنخب الحاكمة. فالأسواق المالية أبدت استياءها عند فرز الأصوات من النتائج الوافدة التي كانت تشير منذ بدايتها إلى إمكانية فوز ترامب، فشهدت انخفاضات كبيرة في التعامل المستقبلي. فعلى ما يبدو هناك حدود لما تستطيع أن يقوم به المال المؤسّسي، أي بيوت المال، في توجيه الرأي العام والمجيء بأشخاص ينفّذون أجندتهم بدون مسائلة ومحاسبة. هذا لا يعني أن دونالد ترامب سيكون بعيدا عنها، فهو رجل أعمال أولا وأخيرا وبحاجة إلى المؤسسات المالية، لكنه ليس مدينا لهم بالوصول إلى البيت الأبيض.

الحقيقة الرابعة هي أن الشعب متفوّق على النخب الحاكمة وأو الطامحة إلى الحكم. فحس الجماهير أقوى من آلة الاقناع التي تشكّلها الدعاية والمال. فلا الاعلام ولا استطلاعات الرأي العام ولا النخب الحاكمة في الأهمية التي يعتقد العديد من المراقبين والمحلّلين. الانتخابات الأميركية الأخيرة قلبت رأسا على كعب قوانين اللعبة السياسية وخطورة الاستهتار برأي الشعب.

الحقيقة الخامسة هو انتصار وسائل التواصل الاجتماعي في تعبئة وتنظيم وتنفيذ الحملة الانتخابية على مقولة ضرورة التنظيم على الأرض. فعلى ما يبدو استفاد ترامب من دروس الحراك الشعبي العربي في مطلع هذا العقد وطبّق نتائجه! استطاع ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتفوق على الآلة التنظيمية للمرشحة هيلاري كلنتون. فالإعلام المهيمن لم يستطع أن يغيّر رأي العام بشكل ملموس لأنه تجاهل عمق الغضب والحنق وحتى الخوف عند الناخب الأبيض الأميركي. الإعلام المهيمن ركّز على أهمية الأقليّات وتناسى دور الأكثرية وحنقها. فدفعت هيلاري كلنتون ثمن الاستهتار برأي الأكثرية. ربما هناك عبرة لمن يعمل بالشأن العام في لبنان والوطن العربي!

أما على صعيد التداعيات فما زال من المبكر تحديدها لتعقيد وتركيب المشهد على الصعيد الداخلي والخارجي. كما أن الرئيس المنتخب لم يحدّد من هو فريق عمله في الحكم وكيف سيتعامل مع النتائج لفوزه وكيف سيتعامل مع سلوك خصومه بعد المعركة. فالدولة العميقة التي اختطفها حزب الحرب في الإدارة الأميركية لن يستسلم بسهولة للواقع الجديد الذي يمثله ترامب. فهو يسيطر على كافة مفاصل الإدارة ويستطيع إما تسهيل أو إفشال أي قرار للرئيس المنتخب. لذلك سيحاول الحزب في المرحلة الأولى استقطاب ترامب عبر الترغيب وإذا فشل سيلجأ إلى الترهيب. ليس من السهل لحزب الحرب أن يسلّم بالهزيمة أو أن يخرجه عن أهدافه. فعلى سبيل المثال، التزم ترامب بزيادة النفقات العسكرية لتقوية القوّات المسلّحة. لم يحدّد من اين سيتم التمويل وإن كان في رأينا سيكون على حساب انتشار القواعد العسكرية. فهذه القواعد تستنزف القدرات المالية دون أن تزيد في الفعّالية العسكرية بل العكس فهي تزيد من خطورة الانكشاف لدى خصوم الولايات المتحدة في مختلف مناطق العالم. كما أن نفقات التسليح تعطى للشركات الخاصة التي تصنّعها وإن كان همّها الأول هو الربح وليس الجدوى العسكرية والفعّالية. فكيف سيتعامل ترامب مع حزب الحرب؟ هناك مقولة لجوليان اسانج صاحب موقع ويكيليكس وهي أنه لن يُسمح لترامب بالفوز، ما يعني حتى لو فاز فإن المؤسسة الحاكمة، أي حزب الحرب، سيجهد إما لإفشاله أو إزاحته. والله أعلم!

لكن بشكل عام فإذا ترك الأمر للرئيس المنتخب أن يعمل وفقا لأجندته فإن محور اهتمامه سيكون الشأن الداخلي. أما على الصعيد الخارجي فالواقعية السياسية هي التي ستكون سيّدة الموقف، وليست التوجّهات العقائدية للمحافظين الجدد أو أصحاب التدخّل الليبرالي. لذلك ستكون خلفية التوجه نحو الانكفاء الأميركي حتى يتم إعادة بناء عناصر القوة في الولايات المتحدة. هذا معنى شعاره “لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى”، الذي هو اعتراف واضح بالضعف الحالي.

جدار العزل الأخوي!









عبد اللطيف مهنا

“المحاسيم”، جمع “محسوم” بالعربية، وهي كلمة عبرية فُرضت على يوميات العامة الفلسطينيين فتسللت لدارجتهم، وتعني الحواجز العسكرية الاحتلالية الصهيونية المنتشرة في طول الضفة الغربية وعرضها، فاصلةً بين مدنها، عازلة بين قراها، وقابضةً على مداخل مخيمات اللاجئين فيها، بل وتجدها بين أحياء بعض مدنها، كالقدس والخليل مثلاً. وهى إذ من مهمتها أن تحيل حياة الفلسطينيين إلى جحيم، حيث في انتظاراتها الطويلة المتعمدة تلد الحوامل ويموت المرضى في سيارات الإسعاف، وتحوِّل تجمُّعاتهم إلى معازل ومعتقلات، تطورت إلى ميادين رماية يطلق فيها جند الاحتلال النار على مطلق شاب أو شابة، وحتى تلميذ في مدرسة، قد يتوهم جندي منهم، أو يخطر بباله، أو حتى من باب التسلية وتنفيساً للحقد، أنه ربما يحمل سكيناً في جيبه، أو يخفيه في حقيبته، وبعدها ما هم إن تبين أن الضحية اعزلاً، كل ما في الأمر أن المسألة تطوى مذيلةً بعبارة أنه لم يمتثل لأمر التوقُّف، أو كان يحمل سكيناً لم يحمله.

هذه “المحاسيم”، أو بوَّابات المعتقلات والمعازل الكبيرة، تمظهرت في اشكال أخرى متعددة، منها الأسوار التهويدية العازلة، أو الخانقة، الملتفة حول مزق التواجد الفلسطيني في الضفة، والأسلاك الشائكة وابراج المراقبه المطلة والمسوِّرتان لقطاع غزة المحاصر براً، تعضدهما البوارج الحربية بحراً، والطيران بطيارين او بدونهم جواً…باختصار إن لهذا المصطلح الاحتلالي مدلولاً واحداً لدى الفلسطينين هو فوق الحجز والاحتجاز، وليس دون الاعتقال والأسر، وأكثر من المهانة والإذلال، وأقرب إلى القتل العمد…لكن الأنكى والأمرَّ هو أن ل”المحاسيم” العبرية ما يردفها عربياً، من تلكم، مثلاً، معبر رفح القابض على انفاس الغزيين، والذي لا يدع لهم مجالاً لتنفس فيما خلا أياما تنفيسيةً معدودة المرات في العام.

…وإذا كان أكبر هذه “المحاسيم” هى أكثرها تضييقاً واحكمها عزلاً، أو خنقاً وقهراً، أي الأسوار التهويدية العازلة الممتدة لمصادرة الأرض وأسر البشر داخل الوطن المُغتصب، فإن انتقال عدواها، أو اعتماد مثالها، في مخيمات الشتات الفلسطيني في دنيا العرب، هو ضرب يعادل اللامعقول والأكثر من جلل، لاسيما في راهن أمة تكسَّرت على جسدها المثخن بجراحات الفتن والتدخل الأجنبي النصال على النصال…في هذا الراهن، وربما اغتناماً لفرصته، سمعنا من غيارى اللبنانيين، قبل غيرهم، ما يطلقون عليه هم لا سواهم، “جدار العار” اللبناني قبل أن نشاهد في التلفزة ابراجه المُحدِّقة بأزقة مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين وبينما كتله الخرسانية تشاد ويتواصل التفافها من حوله.

نعم، ومن أسف، إن هذا ما يحث الآن في لبنان، وإذ هو يحدث، فالبراءة من عاره للبنان لبنانيي تلكم الدماء الزكية التي لطالما سالت وامتزجت مع دماء الفلسطينيين في الخندق الواحد في معاركهما الواحدة ضد أعداء الأمة ودفاعاً عن فلسطينها، ولا من براءة للبنان القطرية ذات التكوين الطوائفي بعنصريتها المقيمة المترتبة على تكوينها فالمكتسبة للمناعة المضادة لمستحقات انتمائها القومي…هذا التكوين الطوائفي الذي لطالما لاقى منه اللاجئون الفلسطينيون معاملةً يصفها بعض اللبنانيين قبل منظمات حقوق الإنسان الدولية بغير الإنسانية، جوهرها حرمانهم من ابسط الحقوق المدنية…نكتفي هنا بذكر حالتين تساويان التهجير المكمِّل لما بدأته النكبة، أو محاولة إعادة انتاج اللجوء، وهما حرمان الفلسطيني من مزاولة ما ينوف عن سبعين إلى ثمانين مهنة، ومن حق التملك، وحتى من سبق وأن امتلك بيتاً فلا يحق له أن يورثه لبنيه، وكذا الرعاية الصحية، وكله بذريعة الحؤول دون التوطين!

وهنا، يعرف القاصي والداني حقيقةً خُطَّت بالدم الفلسطيني على مدار سبعين عاماً، وهى أنه لا يوجد فلسطيني واحد يريد توطينا خارج فلسطينه، أو يرضى عن العودة لها بديلاً…وأخرى، هي إن الكينونة الطوائفية العنصرية الرافعة لفزاعة التوطين هي إياها من جنَّست الأثرياء الفلسطينيين عندما لجأوا اليها مع أموالهم عقب النكبة، ومن جنَّست لحسابات تتعلق بطبيعة تكوينها إياه 55 الفاً من الفلسطينيين لانتمائهم لديانة معينة في خمسينيات القرن الماضي، ولاحقاً، ضمن بازارات محاصصاتها الطوائفية وترضياتها اكملت تجنيس ما تبقَّى منهم، ومعهم، أو مقابلهم، من عرفوا بلاجئي القرى الحدودية السبع شمال فلسطين المحتلة، والمفارقة أن تجنيس الأخيرين تم باعتبار أنهم كانوا لبنانيين، لكن دون اعتبار قراهم كذلك، إذ يتوجب حينها المطالبة باستعادتها من محتليها!

يسجَّل في لبنان 480 ألف فلسطيني، والمقيمون منهم فيه قرابة نصفهم، واثنى عشر مخيماً، دُمِّر اثنان، هما تل الزعتر وجسر الباشا، وثالث بات اطلالاً وإعادة اعماره برسم التأجيل، أي المنع، هو نهر البارد، والتسعة كانتونات بؤس ومراتع تهميش والتعامل الرسمي معها أمني لا غير، وفوقه، قلَّصت الأونروا خدماتها بزعم شح في التمويل…والجديد هو إفادة الأشقاء من المثال الصهيوني بنقله حرفيا وتطبيقه في عين الحلوة ليُضرب من حول مخيم يحوي ما يزيد عن السبعين الف نسمة ولا تزيد مساحته عن الكيلو متر مربع واحد جداراً عازلاً ذا أبراج مراقبة بذريعة الحؤول دون دخول أو خروج “إرهابيين” اليه أو منه، ذلكم في تجاهل تام لحقيقة انعدام ما يتهدد أمن لبنان فلسطينياً…وأن مثل هكذا إجراء هو خير وصفة لاختلاق “الارهابين” إن هم افتقدوا.

…إذا ما تذكرنا مقولة قديمة للوزير اللبناني السابق نقولا فتوش تصف الفلسطينيين ب”نفايات بشرية”، ندرك أن جدار العزل الأخوي في عين الحلوة لا يعدو “محسوماً” تهجيرياً رديفاً ل”محاسيم” الجدران التهويدية الترانسفيرية الصهيونية ومكملاً لها، وإلا فما الفرق؟!

الأتراك في طهران … تقاطع مصالح.. ام استراتيجيات متناقضة







هشام الهبيشان

لم تكن زيارة مولود جاويش، وزير الخارجية التركي الى طهران ، على رأس وفد امني وعسكري يضم هاكان فيدان رئيس جهاز المخابرات، الذي يعتبر صندوق اسرار اردوغان، مفاجئة كما يتحدث بعض المراقبين ،وهنا اعتقد أنه يخطئ كل من يظن أن العلاقات التركية -الإيرانية، ستصيبها انتكاسة كبرى جراء ما يجري بالموصل العراقية أو حلب السورية، فليس هناك ما يدعو لقلق دوائر صنع القرار في كل من طهران وانقرة بشأن احتمالات تدهور العلاقات الإيرانية – التركية على ضوء ما يجري في الموصل وحلب، رغم اختلاف وجهات نظر البلدين، سواء في العراق أو في سورية أو في اليمن، والسبب بذلك أن هناك في النهاية حالة من تقاطع المصالح بين الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية والاستراتيجية الإقليمية التركية، مع أن البعض مازال يراهن على تفاقم الخلافات بين البلدين، بالنظر للتباعد في التوجهات الإستراتيجية بين تركيا حليفة أمريكا والفاعلة في حلف شمال الأطلسي، وإيران العدو اللدود إلى حد ما لأمريكا وللغرب عمومآ وحليفة موسكو، الا أن جميع المؤشرات الواردة من طهران وانقرة، تؤكد عكس هذه الفرضية وهذا الرهان.

وبالرغم من كل التصعيد الخطابي الرسمي بين الجانبين حول ما يجري بالموصل وحلب ، تؤكد حقائق الواقع أن حجم المؤشرات الاقتصادية لحجم التبادل الاقتصادي والتجاري وصل بعام 2014 الى حدود 17 مليار دولار بين البلدين، والمتوقع أنه كسر حاجز 19 مليار دولار للعام 2015، ومن المتوقع ان يتجاوز حاجز20 مليار دولار للعام الحالي 2016، كما أن الاتراك يستفيدون بشكل ملموس من الغاز والنفط الايراني الذي يتدفق الى أنقرة وسيتدفق منها الى العالم الغربي قريبآ، كما أن الزيارات المتبادلة بين زعماء ومسؤولي كلا البلدين بالفترة الاخيرة، تؤكد حجم التنسيق السياسي والامني بين البلدين .


من هنا يمكن قراءة ان حجم العلاقات والمصالح الاستراتيجية لكلا البلدين وحجم الزيارات المتبادلة للمسؤولين الإيرانيين والأتراك يمكنها بأي مرحلة أن تساهم بتقريب وجهات نظر الطرفين، وتكسر كل الرهانات على حصول انتكاسة بالعلاقات بين البلدين وهذا بالطبع سيتم دون التأثير على استراتيجية كل بلد في المنطقة العربية والإقليم ككل ، رغم أن هناك اختلافآ في تعاطي أنقرة وطهران في التعامل مع الحرب على الدولة السورية وما يجري بالعراق واليمن، ولكن هذا لاينكر أن هناك تنسيقا وتبادلآ للزيارات ووجهات النظر بشأن هذه الحروب والازمات بالتحديد ، و في ذات الاطار فلا يمكن للنظام التركي في الواقع، أن يتبع سياسات إقليمية جديدة، يتم من خلالها فكرة أنهاء التقارب مع النظام الإيراني، لأن النظام التركي يدرك واكثر من أي وقت مضى أن إيران واحدة من أكبر قوى الاقليم الفاعلة، أن لم تكن هي القوة الأولى بالاقليم وخصوصآ بعد أن نجحت بتفاوضها مع القوى الدولية حول ملفها النووي ، وبالشق الاخر فالإيرانيين كذلك يدركون حجم القوة الاقتصادية والعسكرية لتركيا ويعلمون أنها هي البوابة الاوسع لطهران للأنفتاح على الغرب مستقبلآ اقتصاديآ وسياسيآ ، ويسعون لبناء وتجذير وتوسيع حالة الشراكة القائمة مع الاتراك بهذا الاتجاه غير أن هذا الانتفاع المتبادل والتفاهم الظاهر بين أنقرة وطهران لا يخفي حجم التنافس بين البلدين على قيادة المنطقة ولعل الحرب المفروضة على الدولة السورية قد كشفت عن جانب من التباين بين البلدين، والرغبة في احتلال موقع الدولة القائدة والفاعلة في الأحداث، فقد رمت تركيا بكل ثقلها ضد النظام السياسي للدولة السورية، فيما تسعى إيران بكل قوة للحفاظ على النظام السياسي للدولة السورية،”من منطلق المصالح بالطبع لكلا الدولتين”.

ما يدفع تركيا ايضآ لتعميق التقارب مع إيران أو مع بعض الدول العربية الخليجية ومع الكيان الصهيوني “إسرائيل ” “رغم الحديث عن تشكيل حلف سعودي –تركي –إسرائيلي لمواجهة تمدد إيران بالاقليم” ، هو حجم التحديات التي تواجه الاتراك فقد بات حلم تركيا بان تكون واحده من اعضاء دول الاتحاد الاوروبي وهم اقرب إلى الخيال منه إلى الواقع وعلينا أن لاننسى أن تركيا بالفترة الاخيرة بدأت تعاني عزلة إقليمية وضغوط دولية بعد فشل الرهان على الإخوان في مصر وعدم حدوث اختراق في الملف السوري التي كان لها نفوذ كبير فيه بدعم المعارضة السورية “المعتدلة أو الإرهابية” التي تأكل جسدها السياسي والعسكري بشكل كبير بالفترة الاخيرة،ومن هنا “فخسارة تركيا لهذه الملفات والشكوك حول دورها في المنطقة، وبعد خسارة تركيا اردوغان ملفات المعارضة السورية واخوان مصر، فقد أدت هذه الخسارة ، إلى اعادة دراسة تركيا لسياستها الاقليمية وهذا ما دفع بالأتراك مجددآ لتعميق حالة الشراكة مع الإيرانيين حتى وان كانت ملفات هذه الشراكة تتم خلف الكواليس، وهذا ما ساهم مرحليآ باذابة قطع الجليد التي تغطي سقف العلاقة بين أنقرة وطهران .

تطور العلاقات الإيرانية -التركية بالتاريخ الحديث، يعيدنا إلى الماضي القريب قليلآ وبقراءة موضوعية للتاريخ الحديث، نلاحظ أنه في فترة ما قبل الثورة الإسلامية في إيران كانت تركيا وإيران حليفتان للولايات المتحدة والحلف الأطلسي، لكن تغيرت الأمور لاحقآ بانسحاب إيران من هذا الحلف بعد الثورة الإسلامية بإيران ، وخلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي توترت العلاقة بين عسكر تركيا والنظام الايراني بشكل واضح ،والسبب أتهامات عسكر تركيا حينها لايران بأنها تسعى لتصدير الثورة الإسلامية الإيرانية لتركيا، وهذا أمر أزعج الجيش التركي حينها، وسبب له حساسية كبيرة باعتبار تركيا بلدآ علمانيآ، ولكن مع تقدم الاسلاميين الأتراك الى سدة الحكم بمطلع عام 2002 “حزب التنمية والعدالة” ،بدأت العلاقات الإيرانية التركية بالتحسن التدريجي بكل المجالات ، وخصوصآ بالملف الامني والثقافي والاهم الاقتصادي فمستقبلآ ومع الانفتاح الغربي المتوقع على إيران بعد أن تم توقيع الاتفاق النووي ، سيستفيد الاتراك اقتصاديآ بشكل كبيرمن هذا الانفتاح فتركيا تعتبر المعبر للطاقة الإيرانية نحو أوروبا، وأحد المستفيدين من النفط والغاز الإيراني.

ختامآ ،تسعى تركيا لتكون هي الحلقة الوسطى والقريبة من كل قوى الاقليم، وخاصة فيما يتعلق بصراع القوى الكبرى بالاقليم فهي بعد مجموعة تجارب ثبت لها أنها ستكون الخاسر الاكبر من فوضى الاقليم ،وهي بذات الوقت تسعى لفرض نفسها لملئ حالة الفراغ العربي على اعتبار أنها وفي ظل غياب دور محوري لبعض الدول العربية المحورية يستطيع ان يستوعب فوضى الاقليم العربي ، فهي ستسعى إلى القيام بهذا الدور، مستفيدة من الخوف الخليجي والعربي عمومآ من المد الإيراني “المصطنع إعلاميآ “، وهذا ما سيعطيها مساحة كافية للمناورة مع كل قوى الاقليم فهي قد تحولت إلى الشريك المحوري لبعض الدول العربية ولشريك هام للكيان الصهيوني وبذات الاطار فهي ستسعى لبناء عميق لشراكة أستراتيجية مع الإيرانيين، وحتى وان كانت هذه الشراكة ستبنى من خلف الكواليس.

يعيش ’’ فيدل كاسترو ’’..Viva Fidel Castro


محمود كامل الكومى
جيفارا مات ... جيفارا مات... أخر خبر فى الرديوهات ... هتف المُغنى الثائر الشيخ أمام وتَسَأل .. ما رأيكم دام عزكم يا أنتيكات يا غرقانين في المأكولات والملبوسات ,يا دفيانين ومولّعين الدفايات ,يا محفلطين يا ملمعين ,يا جيمسينات, يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات ؟! جيفارا مات .

-منذ أول أمس والى الآن .. تجولت فى معظم القنوات العربية - حين سرى نبأ رحيل أخر عظماء الثورة والثوار- فى أثير الفضاء ليغرد الكروان الملك لك لك لك .. " كاسترو " مات , لم أجد من صدى لتغريد الكروان على تلك القنوات سوى خبر فى ذيل شريط الأنباء أسفل الشاشات يُنبىء عن الرحيل فى نشاز .. تابعها بعض الموتورين وشذاذ الأفاق وعملاء الصهيونية والأستعمار والرجعية العربية ومن ينتسبون لجماعت الأسلام السياسى والممولين بالبترودولار , يعلنون فى وسائط التواصل الأجتماعى عن الشماتة والأبتهاج للوفاه , التى من شأنها أن تطفىء لظى الحرائق التى تعم أسرائيل الآن وتسمح للدخان المتصاعد منها أن يظلل جماهير شعبنا العربى بالغمام – لتتصدر شاشات الفضائيات المموله خليجيا والمسيسة صهيونيا بنفايات الراقصات والغوانى والأفاعى وأخبار الحانات والبارات .

على جانب آخربدى رجع الصدى يشير الى وسائل الأعلام ووكالات الأنباء العالميه وهى تسلط الأضواء على "جورج بوش" الأب -المنتشى بهزيمة الجيش العراقى فى 1991 , وأستحكام الحصار على الجزيرة الكوبية بعد أن فقدت حليفها الأستراتيجى بتفكيك "الأتحاد السوفيتى" – وهو يعلن أنه سيُمَضِى أحتفالات أعياد الميلاد فى "هافانا".... لكن تبقى عشرية الجوع والحصار , جديرة بأن تكون خير شاهد على عظمة الثائر الأممى كاسترو ,حين قضى عليها بالأشتراكية ووحدة الشعب الكوبى , ليحصار جورج البوش اليمينى المتشدد فى مزرعته بولاية تكساس ومعه كثير من الحيوانات والى الآن لم يغادر.

لكن أكيد كاسترو مات ليعيش .. فى قلوب الشعوب :......... بين الثوار طريق النضال والثوره ..رباط ..و الذكريات هنا فى رجع الصدى تعود الى العام 1959 حين قضى ثوار كوبا على "باتيستا" ونظامه الديكتاتورى الأقطاعى التابع والخانع لأمريكا , وفى أعقابها تحط طائرةالثائر "جيفارا " فى مطار القاهره ضيفا لمدة 15 يوم, محدثا الزعيم الخالد عبد الناصر كيف إنه وفيدل كاسترو رفعا صورتة عندما سمعا بإعلان تأميم قناة السويس , وروى كيف أن فيدل كاسترو كان يستمد شجاعته من القصص التي سمعها عن صمود مصر وقت العدوان الثلاثي في 1956 أبان كان فيدل كاسترو يقود مجموعة من المسلحين في التلال الكوبية - ومن يومها وصارت الروابط الثوريه تجمع الثوار من اجل مساعدة الحركات التحرريه فى العالم والقضاء على الأستعمار والرأسمالية والأقطاع من اجل حياه حره كريمة للفقراء .

وكان اللقاء وجها لوجه بين الزعيمين في 1960 خلال زيارة عبد الناصر وكاسترو لنيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. وأعطى عبد الناصر تأييده لكاسترو في نيويورك عندما أرادت الإدارة الأمريكية إجبار الزعيم الكوبي على مغادرة الولايات المتحدة عن طريق حملة دعاية سلبية,و توجه جمال عبد الناصر لزيارة كاسترو في حي "هارلم " الفقير الخاص بالزنوج المعزول لإبلاغه رغبته فى أن يقترح نقل الأمم المتحدة إلى بلد آخر إذا جعل الأمريكيون من المستحيل على كاسترو أن يشترك فى دورة الجمعية العمومية, من يومها وأمتد طريق النضال بين العرب وكوبا عبر ثورية كاسترو وجمال عبد الناصر .

فى رجع الصدى نعود الى يوم 2 ديسمبر/ كانون الأول 1956، حيث وصل فيدل كاسترو مع مجموعة من 82 شخصاً إلى كوبا في قارب صغير بهدف إقامة حركة مقاومة مسلحة في سلسلة جبال سييرا مايسترا, بحلول أواخر عام 1958، انتشر المتمردون خارج سلسلة الجبال ودعوا إلى تمرد شعبي عام. بعد أن استولى المقاتلون على سانتا كلارا، فر (باتيستا) بشكل درامي من هافانا في 1 يناير/ كانون الثاني 1959 إلى المنفى في البرتغال, ودخلت قوات كاسترو العاصمة يوم 8 كانون الثاني/ يناير 1959وبدأ النضال .

وبدأت ال C I A تلف جزيرة كوبا على الكاريبى وعلى بعد 90 ميلا من ولاية ميامى الأمريكيه- تنشر الدسائس وتروج للأشاعات وفعلا مهدت لغزو خليج الخنازير الذى سحقته قوات كوبا الوطنيه وعلى أثرها قطعت العلاقات مع أمريكا التى شددت من الحصار, لأنها كانت تريد خضوع كوبا من جديد كمزرعة خلفية لها , لكن نضال كاسترو الأسطورى قادها الى تحدى الغطرسه الأمريكيه فصنع لكوبا حريتها واستقلال ارادتها واعتمادها على نفسها وسط حصار من جميع الجهات حيث الجزيره لاحدود ولاجيران مشتركين, فكانت كوبا بقيادة كاسترو رمز للصمود ضد مؤامرات الأمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية , يحتذى فى كل بلدان العالم النامى .

وعُرف كاسترو بمواقفه المناصرة لقضيّة فلسطين والمدافعة عن شعبها. وقد وقّع كاسترو عام 2014 بياناً دوليّاً للدفاع عن فلسطين، يطالب إسرائيل باحترام قرارات الأمم المتّحدة والانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية. وبدأت كوبا بمناصرة القضية الفلسطينية تدريجيّاً بعدما استلم كاسترو الحكم. وتفرّدت كوبا من بين دول أميركا اللاتينية بشجب العدوان الإسرائيلي صبيحة الخامس من حزيران/ يونيو 1967 كما طالبت بانسحاب إسرائيل الشامل من الأراضي الفلسطينية المحتلّة ومن الجولان وسيناء. وفى 1970، دُعيت منظّمة التحرير الفلسطينية لأوّل مرة لحضور احتفالات أعياد الثورة الكوبية. وعام 1972 صادرت السلطات الكوبية المركز الثقافي الإسرائيلي في هافانا وكانت تبث منه الدعاية الصهيونية. إلى أنّ أعلن كاسترو بتاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 1973 في مؤتمر القمة الرابع لدول عدم الانحياز المنعقد في الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. وبهذا كانت كوبا أوّل دولة في القارة الأميركية تقطع علاقاتها الدبلوماسية بالكيان الصهيوني- كما ناصر كاسترو كل الشعوب العربية والأفريقية والآسيوية فى نضالها ضد الأمبريالية والهيمنة والصهيونية .

وتبقى المعادلة الصعبة حين تنشأ وفى فمك ملعقه من ذهب , وتقذفها من فمك من أجل أن تضع فى فم الفقراء لقمة عيشهم , هكذا نشأ فيدل كاسترو وعاش ليموت فقيراً من أجل أن يعيش الفقراء , ولذلك لم يكن مفهوم الثوره عنده فعل فضائى بل مفهوم لبناء الدولة وهى فعل أيمان بالقضية, فكان تأثيره متقد فى كل الثورات ومواقفه مع المظلومين ثائر مغوار , فصارت مدرسته فى أمريكا اللاتينه لها تلاميذ ورواد " هوجو شافيز " مثال.

ترك فيدل كاسترو الحكم من سنوات , وعاش فى تواضع دون أرث او مال , وتعبيراً عن احترمه للذات ولنضالة ضد أمبراطورية الشر الأمريكيه رفض استقبال أوباما فى زيارته لهافانا, معلنا بذلك أن النضال ضد مافيا الأمبرياليه وبارونات المخدرات الصهيونيه مازال ولن ينتهى بزيارة رئيس أمريكا لكوبا من عام مضى , حتى لو الغت الحصار.

وعبر أثير الفضاء يغرد الكروان .. الملك .. لك .. لك .. لك .. "فيدال كاسترو "زعيم كوبا وأمريكا اللاتينيه الثائر, مات ليعيش فينا , ليسدل الستار عن عصرالثورة و الثوار. مع الزعيمين "جمال عبد الناصر " و " جيفارا"ذهب " كاسترو"فى لقاء الأرواح الخالده. فهل نستلهم برحليه روح الثوره والثوار ونرفع الستار ونحمل الراية من جديد,؟ أم برحيلة أنطفأت شمعة الثورة فى كل مكان ؟

 وتتحول أبصار الشعوب الحره الفقيرة والمناضلين ضد الهيمنة الأمبريالية الأمريكيه والصهيونية العالمية ومافيا رأس المال وبارونات المخدرات , وكل المناضلين من اجل الحرية والأشتركية والوحده الى "سانتياجو"جنوب الجزيرة الكوبية وتشحذ أنفاسها حتى 4122016 يوم وداع " فيدل كاسترو" لتهتف من الأعماق ليشق الهتاف عنان السماء فيفا( يعيش) فيدل كاسترو حتى فى موته .

عن كردستان اليهودية



مدى الفاتح 

منذ فترة بدأت تستخدم في بعض الكتابات الصهيونية إشارات إلى ما تسمى «كردستان اليهودية». لن تحتاج النظر إلى الخريطة للتأكد من أن كردستان العراق تحديداً يقع ضمن المجال الحيوي للدولة اليهودية الأسطورية التي ستمتد، حسب النبوءة، بين النيل والفرات. بل إن العقيدة الصهيونية تذهب إلى ما هو أبعد بذكرها أخباراً عن دولة يهودية تاريخية كانت موجودة في وقت ما على الأراضي التي تشغلها القومية الكردية حالياً. يوضح كل ذلك أن للقوم أهدافاً أكبر بكثير من مجرد تطبيع العلاقات مع الإقليم الذي يطمح للانفصال.

رغم هذا التهديد الوجودي إلا أن العلاقة، شبه الرسمية، قد توطدت بين القيادات السياسية الكردية والصهيونية خلال العقود الأخيرة وبشكل خاص منذ حقبة التسعينات حينما ساعد الغرب الإقليم على الخروج من الظل الحكومي للسلطة في بغداد. في الواقع فقد استطاع الكيان الصهيوني أن يستفيد من حالة الرفض الإقليمي للتطلعات الكردية بإعلان دولة مستقلة ليظهر وكأنه الداعم الوحيد لهذه التطلعات في المنطقة بالتشديد على حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وبتثمين جهوده ونضاله في سبيل ذلك، بل وبتشبيه ذلك النضال بنضال الشعب اليهودي الذي لا يريد جيرانه الاعتراف بحقوقه. (هذا هو ذات الدور الذي لعبه الكيان حين سارع لمد جسور التواصل والتعاون مع انفصاليي جنوب السودان).

سياسة البناء على المشتركات سياسة صهيونية أثبتت نجاحها وجدواها مع أكثر من طرف إقليمي، ففي ظل غياب المشاريع القومية والرايات الأممية أو العقدية لا يعود أمام الدول والكيانات المتفرقة إلا البحث عن مصالحها الضيقة المباشرة. وإذا كان الأمر عبارة عن حسابات سياسية مجردة من كل شيء سوى المصلحة فإننا سنجد الكثير مما قد يعد رؤية مشتركة بين الجانبين وما قد يصب في إطار علاقة استراتيجية مستقبلية ستؤثر بالضرورة على موازين القوى في المنطقة.

أهم المشتركات التي جعلت من الكيان يعبر بصراحة وبلا تحفظ عن دعمه لحق كردستان في الاستقلال هي ما يشكله التغول الإيراني من خطر على كل من الإقليم الطامح للاستقلال من جهة والكيان الصهيوني الذي يفضل أن يكون جاره الأقرب هو الصديق الكردي وليس إيران أو حلفاءها من جهة أخرى.

في إطار الفوضى الأخيرة التي تشهدها مدن العراق وفي ظل العنوان الهلامي للحرب على الإرهاب والتي تشارك فيها القوات الكردية تسعى كردستان المستقبل وبدعم واضح من الولايات المتحدة إلى توسيع حدودها بحيث تشمل أراضي جديدة في إطار ما يمكن أن يسمى كردستان التاريخية.

لا نحتاج لاستنتاج حقيقة أن هذا الاتجاه مدعوم بشكل أهم من الكيان الصهيوني الذي من صالحه أن تتمدد سلطة الإقليم الصديق لأبعد مدى ممكن.

هذا لا يعني طبعاً أن انخراط الأكراد في الحرب غرضه الوحيد هو توسيع رقعة النفوذ، فهذه قد تكون مجرد فائدة جانبية شجع عليها الوضع الهش للبلاد. لكن الإقليم كغيره من مناطق العراق والشام ظل مهدداً خلال الفترة الماضية بهجمات تنظيم «الدولة» ونواياه التوسعية، بل إن التهديد قد وصل عاصمته أربيل نفسها وقد كان هذا هو أحد الأسباب الرئيسية في تحرك المجتمع الدولي لإيقاف تقدم الـ»دواعش».

«الإرهاب» ومكافحته هو أحد العناوين المهمة التي تجمع سلطة الإقليم بالكيان الصهيوني الذي يرى في كل الحركات الإسلامية عدواً مفترضاً ومصدراً للإرهاب سواء في ذلك حركات المقاومة في الداخل أو تنظيمات «القاعدة» و»داعش» الإرهابية في الخارج.
القيادات الكردية الفاعلة تنحدر في معظمها من خلفيات علمانية ويسارية ولذلك فهم جزء من التحالف السري الذي عبر عنه بنيامين نتنياهو في العام 2014 حين أقر بتعاون كيانه مع عدد من الدول العربية التي سماها «المعتدلة» في مجال محاربة حركات «الإسلام السياسي» التي هي عدو مشترك.

يرى البعض أن الجائزة الكبرى تكمن في حصول الكيان على امدادات مستمرة ومستقرة من النفط وعلى سوق ناشط جديد قد يصلح كبوابة مهمة للدول العربية والآسيوية، لكنني أرى أن الجائزة الأكبر هي تحييد ركن مهم من أركان المنطقة وتحول الإقليم الذي كان جزءاً من الدولة العراقية التي طالما أقضت مضاجع المستوطنين إلى حليف وشريك في مقابل «الآخرين».

لقد شرعت عدة دول مؤثرة في فتح قنوات للتواصل مع قادة الإقليم. أهم هذه الدول هي تركيا التي لم تشأ أن تترك كردستان فريسة سهلة للكيان. كان التوازن صعباً فتركيا تبدو مجبرة على هذا الاتجاه في ظل عدم وجود خيارات أخرى وإلا فإن ظهور دولة كردية مستقلة ومجاورة يشكل ولا ريب تهديداً مباشراً للبلاد التي تخوض منذ عقود صراعاً ضد متمردين أكراد.
منع النفوذ الصهيوني المتنامي داخل الإقليم قد يكون سبباً غير مباشر أما السبب المباشر فهو التنافس الإقليمي المحتدم لكن غير الصاخب بين تركيا وإيران. نعني أنه قد يكون في استمالة الإقليم ودعمه ومحاولة التعامل معه بشكل لا يشكك في شرعية مطالبه ما يصب في مصلحة تركيا التي بدأ النفوذ الإيراني في العراق والتطورات الدرامية التي أفرزتها الحرب في العراق وسوريا تثير مخاوفها.
تحرك تركيا لمد جسور التواصل مع قيادات كردستان العراق يجب أن يقرأ في إطار رغبة تركيا في المشاركة في صياغة المستقبل وهو الإطار الذي يشمل عملية «درع الفرات» التي يبدو من أهدافها منع تحقيق دولة مستقلة للكرد، كما يشمل التوغل العسكري والاصرار على التواجد داخل الأراضي العراقية بذريعة المشاركة في حرب الإرهاب أو تدريب أهل المناطق الحدودية للدفاع عن أنفسهم.

التواجد الصهيوني ملاحظ بكثافة في المجالات التجارية والثقافية المرتبطة بكردستان ويبرز من حين لآخر ما يوضح إلى أي حد وصلت العلاقة بين الجانبين، كما حدث في التغطية الإخبارية للحرب على الموصل. ففي حين كان المراسلون الإسرائيليون يتجولون بحرية برفقة البيشمركه كانت القيادات العسكرية تبدي عدم ارتياحها للتغطية التي كانت تقوم بها القنوات العربية للأحداث. بعض هؤلاء المراسلين بمن فيهم مراسلو قنوات كردية محلية قد تم التضييق عليهم أو طردهم في الوقت الذي كان ينجز فيه إعلاميو الكيان عملهم دون مقاطعة. كانت الرسالة واضحة: الرواية التي تقدمها القنوات الصهيونية هي الأقرب إلى ما أراد المقاتلون وسلطتهم السياسية إيصاله.

لكن الحدث الأهم والأكثر استفزازاً كان ما حدث في مثل هذه الأيام من العام الماضي حين أقامت كردستان احتفالاً يهودياً علنياً حضره مسؤولون وممثلون أجانب أطلق عليه منظموه اسم «هولوكوست منسي» بقصد التذكير بمرور سبعين عاماً على ترحيل اليهود من الإقليم.

الشمعدان اليهودي والتوراة وغطاء الرأس اليهودي وغيرها من الرموز الدينية وضعت جنباً إلى جنب مع العلم الوطني الكردستاني في حين انتهزت السلطات المناسبة للتعهد بحماية حقوق اليهود وبإعادة بناء المعابد ودور التجمع والعبادة. والسؤال هنا هو: هل هناك بالفعل بقية لليهود في الإقليم؟

الثابت كما يذكر فرست مرعي في دراسته: «اليهود الجدد في كردستان العراق» هو رحيل جميع العائلات اليهودية عن الإقليم واستيطانهم في فلسطين مع وجود أعداد قليلة من النساء اللواتي تزوجن من مسلمين والذين ستحمل أسرهم الجنسية الإسرائيلية حسب المعروف من القانون المستمد من الشريعة اليهودية.

الحركة الصهيونية تحاول الاستفادة من هذه العائلات المختلطة ومن روابطها الأسرية في الإقليم للحديث عن وجود رعايا لها في كردستان وهو ما سيمنح علاقتها بالسلطة الإقليمية بعداً اجتماعياً جديداً.

هناك أطراف أخرى قد تحدد مستقبل الإقليم أهمها الولايات المتحدة التي يبدو موقفها من القضية الكردية ملتبساً حيث تتعامل مع سلطتهم السياسية وقواتهم العسكرية كورقة ضغط تستخدمها حين تشاء، كما يحدث حالياً في الاستفادة منهم كمقاتلين شرسين ضد «الإرهاب»، في حين تبدو في أحيان أخرى كأهم المعادين لفكرة الدولة المستقلة وذلك لتفضيلها التعامل مع العراق، الذي تتقاسم النفوذ عليه مع إيران، كدولة واحدة.

من الأطراف المهمة بالطبع دول الإقليم العربية التي لا يبدو حتى الآن أن لديها استراتيجية واضحة في التعامل مع القضية الكردية رغم ما لها من أهمية وتأثير. المطلوب في المرحلة المقبلة هو الخروج برؤية متوازنة لا تتجاهل حقوق وأشواق القومية الكردية وتعمل في الوقت ذاته على استعادتهم من جديد كرافد مهم من روافد الحضارة العربية والإسلامية.

2016/11/01

قّْرنّ علي وعد بلفور المشؤوم- فلنحاسب بريطانيا

جمال عبدالناصر أبونحل

أنهُ الوعد المشؤوم وعد المجحوم بلفور، والذي بسببه نكبة النكبات حصلت للشعب الفلسطيني فكل شهيد, وأسير وجريح وطريد ومهاجر، ومهجر من أرضه، وكل من هدم الاحتلال منزله، وهجره من أرضه ووطنه بسبب الاحتلال الصهيوني، الذي جاءت به بريطانيا وهي السبب؛ فبريطانيا التي أعطت للعصابات الصهيونية وطن قومي لليهود في فلسطين التاريخية يجب أن تحاسب وتحاكم علي تلك الجريمة البشعة؛؛؛ فلقد مضي عام كامل علي انتفاضة الأقصى، ودخلت الانتفاضة والهبة الشعبية الفلسطينية العام الثاني، وشعبنا الفلسطيني الذي هب ثائرًا مُنتفضًا في وجه أعداء البشرية والإنسانية الصهاينة المجرمين؛ ومع حلول قرن من الزمن علي الذكري الأليمة اللعينة لوعد الهالك آرثر بلفور، نقول أننا متمسكون بحق العودة للاجئين، وتحرير فلسطين، وعهدنا أن تكون عيننا على الاسرى و المسرى والمسجد الأقصى، وكيف لا! وشعبنا الفلسطيني يمتلك أعظم سلاح وهو سلاح الإيمان والارادة والعزيمة. ومع تواصل جرائم جيش المحتلين والغاصبين لفلسطين واستمرار شلال الدم النازف من خاصرة شعبنا الأعزل؛ وكل ذلك بسبب وعد بلفور المشؤوم!! والذي بسببه لايزال شعبنا يدفع ثمنه بحرًا من الدماء والدموع والتضحيات، والويلات والأهات؛ إنهُ وعد من لا يملك لمن لا يستحق؛ حيث لم يعرف التاريخ البشري أبداً أن دولة تهدي دولة تانية للآخرين!! ماعدا بريطانيا المجرمة، فقد كانت هي الدولة التي أعطت وعداً لليهود بتقديم فلسطين العربية لهم ليقيموا عليها وطناً أصبح فيما بعد «اسرائيل» فتكون النتيجة تشريد وتهجير شعب هو الشعب الفلسطيني الذي تمتد مخيماته وآهاته ونضالهُ الطويل في كل حدب وصوب. إن بريطانيا أرادت بوعدها هذا تخفيف حدة عداء اليهود في دول الحلفاء لروسيا من جهة وإعطاء اليهود الروس الذين كانوا نشطين في محاولاتهم لقلب نظام الحكم القيصري حافزاً للمحافظة على استمرارية وجود روسيا في الحرب.

أما عن سبب إعطاء بريطانيا هذا الوعد لليهود، فهو الدافع والعامل الاستعماري فقد قام اللورد كيتشنر بتوضيحه والكشف عنه واعتبره من أكثر الدوافع أهمية في إصدار الوعد ذلك أن من يسيطر على فلسطين يسيطر على مصر، فمن النظرة الاستراتيجية البحتة نخرج بالحقائق التالية: من يسيطر على فلسطين يهدد أمن سيناء ومن يسيطر على سيناء يسيطر على قناة السويس؛ ومن يسيطر على قناة السويس يضعف مصر ويسيطر عليها لأنها هي خط الدفاع الرئيس عن مصر من ناحية الشرق، و من يسيطر على مصر يسيطر على العرب؛ وهكذا وتبعاً لهذا التحليل مرورا بالمصالح الاستعمارية وللحفاظ عليها خاصة في الخليج العربي فقد رغب البريطانيون في الحفاظ على الجسر الأرضي الذي يربط بين مصر والعراق وبالتحديد في قناة السويس في مصر والبترول في العراق باعتبارها مصالح بريطانية حيوية. وبما أن الفرنسيين وإذا ما عدنا إلى الخلاف المبدئي وغير المعلن على نطاق واسع، على صيغة اتفاقية سايكس بيكو التي أرادت فيها فرنسا أن تستأثر بفلسطين فقد احتاج البريطانيون لحجة تستثني الفرنسيين من المطالبة بها فكان اصدار الوعد ليقدم هذه الحجة وبتعبير آخر أراد البريطانيون أن يكونوا في وضع يسمح لهم بالقول للفرنسيين لا نستطيع اعطاءكم فلسطين لأننا التزمنا بإعطائها لليهود لإنشاء وطن قومي لهم على ترابه العربي كل ترابه العربي. وهكذا تبدو التحليلات منطقية من قبل الكثيرين بمن فيهم العرب وبعض الباحثين الغربيين إلا أن البعض وجدها غير ذلك «فوايزمن» مثلاً رفض الدافع الاستعماري وادعى بأنه عندما وافقت الحكومة البريطانية على اصدار وعد بلفور في مثل هذا اليوم الثاني من تشرين الثاني لعام 1917 فقد وافقت بشرط واحد وهو ألا تصبح فلسطين في عهدة الرعاية البريطانية. إلا أن ادعاء هذا الصهيوني وايزمن لا يتفق مع التقرير الذي أصدرته اللجنة التنفيذية للمؤتمر الصهيوني الثاني عشر عام 1921 والذي يشير بوضوح أنه خلال الجولة الأولى من المفاوضات مع بريطانيا كان الصهاينة والحكومة البريطانية على دراية كاملة بقيمة فلسطين الاستراتيجية لبريطانيا وقد أراد وايزمن جس نبض بريطانيا منذ البداية ويرى إن كانت صادقة في تنفيذ وعدها أم لا ولم لا؟ إلا أن «لويد جورج» رئيس الوزارة البريطانية وقت اصدار وعد بلفور ادعى في مذكراته التي كتبها تحت عنوان «مذكرات حرب» بأن السبب الحقيقي لإصدار الوعد كان بهدف دفع اليهود الأميركيين إلى حمل حكومتهم على خوض الحرب العالمية الأولى، وما جاء في مذكرات حاييم وايزمن نفسه عام 1916 إلى الحكومة البريطانية عندما قال: «إننا إذ نضع هذا بين أيديكم فكل مصيرنا القومي اليهودي نضعه بين أيدي وزارة الخارجية البريطانية والمجلس الامبراطوري آملين النظر في القضية في ضوء المصالح الامبراطورية ومبادئ الحلف» وطبعاً كان يشير وايزمن إلى مصالح بريطانيا، وإن الحقائق التاريخية تؤكد أن اليهود كانوا متفقين مع بريطانيا وطموحاتها وتطلعاتها الامبراطورية الاستعمارية عندما تقدموا إليها بطلب المساعدة.

الآثار المترتبة على تصريح بلفور:

إن هناك ثلاث سمات من سمات تصريح وعد بلفور تستدعي الانتباه وإحدى هذه السمات أن من الواضح أنه كان لا يتفق مع روح تعهدات الاستقلال التي قدمت للعرب قبل صدوره وبعده فإن السمة الثانية هي أن التصرف بفلسطين قد تقرر بالتشاور الوثيق مع منظمة سياسية كان هدفها المعلن هو توطين غير الفلسطينيين في فلسطين ألا وهي «المنظمة الصهيونية العالمية» وهذا يُعتبر انتهاكاً متعمداً لحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والسياسية الإنسانية. أما السمة الثالثة من سمات وعد بلفور هذا فهي ان الحكومة البريطانية قدمت هذا التصريح في وقت كانت هذه الأرض العربية الفلسطينية مازالت رسمياً تشكل جزءاً من الامبراطورية العثمانية. وقد جاء في نشرة هيئة الأمم المتحدة في نيويورك عام 1978 يقول: «ومع ذلك فإن أهم حقيقة لا تقبل الجدل هي أن التصريح في حد ذاته عاجز قانونياً إذ لم تكن لبريطانيا التي كانت عظمى يومذاك أية حقوق سيادية على فلسطين ولم تكن لها أية ملكية، ولم تكن لها سلطة التصرف بالأرض بل لقد كان التصريح بياناً بالنوايا البريطانية ليس إلا» وقد رأى ثقات آخرون في القانون الدولي أن التصريح باطل قانوناً ولكن هذا لم يكن يمثل قضية في عام 1917 عندما أصبح وعد بلفور سياسة بريطانية رسمية فيما يتعلق بمستقبل فلسطين، وقد أسهمت أوجه الغموض والتناقضات التي ينطوي عليها التصريح اسهاماً كبيراً في تضارب الأهداف والتوقعات التي تنشأ بين عرب فلسطين واليهود الدخلاء الغرباء والغزاة... ماهي القيمة القانونية له؟ ويأتي الجواب وببداهة مطلقة ليقول: إن التصريح الصادر عن وزير خارجية بريطانيا «آرثر بلفور» يومذاك لم يعدُ أن يكون تصريحاً سياسياً لا يقوم على سند شرعي وليست له قيمة قانونية ولا يلزم إلا الجهة التي أصدرته كما لا يتمتع بأية قيمة قانونية في العلاقات الدولية، فقد أعطى من لا يملك وعداً لمن لا يستحق» ومن بديهيات القانون الدولي أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ إن القانون الدولي يعترف لبريطانيا بحقها في ممارسة اختصاصاتها داخل حدود بلادها وعلى مواطنيها ولكن فلسطين التي يسكنها العرب منذ ثلاثة عشر قرناً لم تكن قط بريطانية» طبعاً وبذلك فإن وعد بلفور هذا الذي منحته بريطانيا لليهود كقاعدة تمكنها من أن تبني عليه أسس «الدولة اليهودية» في فلسطين يعتبر لا قيمة له ولا يلزم الشعب العربي الفلسطيني بأي حال من الأحوال لأن الدولة التي منحته لم يكن لها حق السيادة على فلسطين ولأن بريطانيا أصدرته ظلماً وتعسفاً وفي غياب شعب فلسطين صاحب الحق والسيادة على أرض آبائه وأجداده؛ وإذا كان وعد بلفور يشكل تناقضاً صارخاً مع مبدأ حق تقرير المصير فإن صدوره على شكل رسالة موجهة من الحكومة البريطانية إلى شخص عادي من رعاياها هو اللورد اليهودي «روتشيلد» لا ينطوي على أي الزام قانوني بل كان بصيغته تصريحاً سياسياً لا أكثر وهو إجراء باطل قام باطل وما بنُي على الرمال فلا بد أن تقتلعه العواصف والرياح: فدولة الاحتلال الغاصبة لفلسطين حتمًا إلى زوال وها هو شعبنا قدم ولايزال يقدم فداءً للقدس الشريف كوكبة جديدة من قوافل الشهداء ونحن نقول للصهاينة ولأحفادهم المتصهينين من الحكومة البريطانية والأمريكية، إن فلسطين والقدس الشريف خط أحمر نحميه بأرواحنا ونفديه بدمائنا.

“عندما يكون المستهدف وطنا يكون الحياد خيانة”.. عن العلاقات المصرية السعوديه..


محمود كامل الكومى

لحظة فارقة تمر بها مصر من خلال علاقاتها مع المملكة السعوديه, والمتتبع للدور الأقليمى للمملكة منذ وفاة الزعيم جمال عبد الناصر الى الآن , يراه فى تنامى وتصاعد دائم , وكما حددته ال C I A .

والدور الأقليمى قد يكون ذات تأثير ايجابى لدولة القياده فى محيطها الأقليمى والمثال على ذلك مصر الناصريه فى الخمسينات والستينات من القرن الماضى وتصاعد وتنامى دورها فى محيطها العربى والشرق أوسطى حين قادت حملات التنوير والتحديث خاصة فى دول الخليج وفى السعوديه تحديداً , وكيف ساهمت فى الحفاظ على التراث واللغه العربيه من الاندثار خاصة فى دول شمال أفريقيا التى رزحت تحت نير الاستعمار الفرنسى عقودا كانت كفيله بمسح ذاكرتها الثقافيه لولا الدور المصرى والمعلم المصرى ,ومصر بقيادة “جمال عبد الناصر” قادت الأمه العربيه الى التحرر من الأستعمار الفرنسى فى الجزائر ومن الاستعمار البريطانى فى الجنوب العربى , ووقفت مع الشعوب العربيه لنيل حريتها السياسيه والأجتماعيه فى كل البلدان العربيه التى ثارت على الظلم والطغيان وعلى حكامها العملاء للأستعمار والصهيونية ,ونزعت شعوبها الى التطلع والتقدم نحو الوحدة العربيه التى رأت فى
القيادة المصريه ” عبد الناصر” أملها لتحقيق هدفها الأستراتيجى الوحدوى.

تصاعد تأثير مصر الناصريه فى محيطها العربى وصارت مصدر الهام ووعى الشعب العربى , حين قضت على الأمبراطوريتين الفرنسيه والبريطانيه فى السويس , وكانت على على قدر التأثير ولم تترك سوريا أثيرة التهديدات الأسرائيليه التى كانت تمهد لحرب 1967 عليها فدخلت الحرب معها , وعلى الرغم من النكسه اِلا أن الشعب تمسك بزعامة مصر ولم يقبل تنحى جمال عبد الناصر وطالبة بقيادة الأمه العربية حتى أزالة آثار العدوان لأدراكه أن جمال عبد الناصر فى صراعة مع العدو الصهيونى صراع وجود وليس صراع حدود وأن هدفه أعادة فلسطين الى حضن الأمه العربيه كهدف تكتيكى لتحقيق الوحده العربية كهدف أستراتيجى , ومن هنا مات جمال عبد الناصربعد أن أوقف نزيف الشعب الفلسطينى وحماه من الأباده فى أيلول الأسود .

والدور المصرى ذات شعاع وبريق أضاء وأثر فى الشرق الأوسط وأسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتنيه , من خلال قوافل الأزهر الشريف التى جابت العالم الاسلامى من اجل نشر التقافه الاسلاميه الوسطيه , وكذلك مساعدة شعوبها على التحرر والتقدم . وأرساء قواعد التعاون والتكتل ضد هيمنة الدول الكبرى وكان ذلك من خلال قيادة مصر (عبد الناصر) لدول عدم الأنحياز .

من جميع ماتقدم صارت مصر دولة أقليمية تؤثر بالموجب فى محيطها الأقليمى خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضى وأصبحت القاهرة مركز أشعاع حضارى وثقافى وأعلامى وثورى يشع ويضىء أنوار التقدم والأزدهار فى المحيط العربى والشرق أوسطى , وبدا الشعب العربى بوعيه وحسه يدرك مدى تأثير مصر وقيادتها الثوريه ومدى خطورة التآمر عليها الذى يعنى اندثار وهزيمة للشعب العربى وشعوب العالم الثالث , اذا سقطت مصر او نجح التآمر على قيادتها الناصرية .

وعلى الجانب الآخر فاِن الدور الأقليمى لدولة القيادة قد يكون ذو تأثير سلبى فى محيطها الأقليمى وهو ما يتبدى الآن من خلال حكم آل سعود للمملكة العربية السعوديه وصعودها كدولة أقليمية , لكن هذا الدور يتنافر بالطبع كتنافر الموجب والسالب , و يبقى الفارق شاسعا فى أن قيادة مصر كدولة أقليميه صاغتها زعامة جمال عبد الناصر الوطنية والقوميه وأنحيازه لشعوب العالم الثالث التى تعانى القهر والتبعيه من الاستعمار العالمى , فى حين بدت قيادة المملكه السعوديه كدولة أقليمية كدور سخرته لها قوى الاستعمار والصهيونية العالميه له جذوره منذ فرض الأستعمار البريطانى أسرة آل سعود على حكم الحجاز , وتصاعد الآن الى الدور المرسوم لها من جانب الموساد وال C I A, ليصل الى حد تدمير دول الأمة العربية وتمويل كل التنظيمات الأرهابية التى تسعى الى القضاء على ديموجرافية الشعوب ونشر الفوضى الخلاقه فى ربوع بلدان المحيط العربى وأخضاع الشعوب الأسلامية للفكر الوهابى الارهابى المتقطاع مع الفكر الصهيونى الأمبريالى عن طريق المَنِ والمنح بالبترودولار وأستغلال معاناة الشعوب الفقيره فى جعلها أسيرة حفنه من المال فى مقابل اخضاعها والغاء فكرها والسيطره على عقلها خاصة من خلال الإعلام الخليجى المُسَير بفعل الصهيونيه والذى يمارس الديموجاجيه على شعبنا العربى من اجل تشتيت فكره والغاء عقله , والكفر بكل قيمه فى الحريه والأستراكيه والوحده .

ومن هنا صار الفارق جوهرى بين الموجب الذى وضعت فيه القياده الناصريه المصريه محيطها الأقليمى حين نمت فكره وعقله ودفعته الى حريه الاراده والأستقلال وتنامى الشعور الوحدوى من اجل خير المحيط الأقليمى وتقدم شعوبه , وبين السالب الذى مارسته أسرة الحكم السعودى على المحيط الأقليمى فساهمت فى تدنى الفكر والأخلاق ونشر الفوضى والارهاب والأمتثال لأهداف الأعداء من اجل تفتيت المحيط العربى وخلق فوضى خلاقه فى المحيط الشرق أوسطى تجعل من أسرائيل دوله محوريه فى نظام اقليمى جديد تقوده فى شرق أوسط جديد .

من هنا أيضاً كان الدور السعودى فى خلق آليه صهيونيه ” مجلس التعاون الخليجى” لتدمير الجامعة العربية , وتابعت بخطوات على أرض الواقع , فساهمت فى تدمير ليبيا وخلق الفوضى فيها الى الآن , ثم أتجهت الى سوريا تمول كل ارهابى العالم من اجل تفتيتها والقضاء على جيشها العربى , وهى الى الآن ومع قرب دخول العام الثانى تمارس عدوانها المخطط صهيونيا وأمريكيا على شعبنا وارضنا فى اليمن ,وبكل ضراوة وحقد فاق فعل الصهاينه على أرض فلسطين تبيد طائرات التحالف السعودى الأنسان والزرع فى اليمن وقد تجسد ذلك مؤخرا فى قصفهم لمجلس عزاء فى صنعاء نتج عنه 700 أنسان مابين قتيل وجريح حتى المسعف وسيارات الأسعاف لم تسلم من حقد الطيران السعودى الأسود , ويبدو كل هذا الدمار تحت راية أن السعوديه دولة أقليميه فى المحيط الأقليمى .

وماهو مخطط أمريكيا وصهيونيا للدور الأقليمى السعودى فى المحيط الأقليمى لايتحقق لها اِلا بالقضاء على مصر وجيشها , لذا فاِن ماتحدثه السعوديه من تأثيرات بالسالب فى المحيط الأقليمى هى أهداف تكتيكيه لتحقيق الهدف الأستراتيجى وهو مصر وجيشها .

ويبدو أن تجنيد العميل النائم الذى أوكلت دور تجنيده المخابرات الأمريكيه لكمال أدهم رجل المخابرات السعودى فى مصر , والذى أيقظته عقب وفاة جمال عبد الناصر , وقد حقق لها أهدافها فى الصلح مع اسرائيل وعقده معها اتفاقية كامب ديفيد بتشجيع من حكام السعوديه ,وعودة سيناء مقيده ومنزوعة السلاح فى بعض اراضيها وأقامة سفارة أسرائيليه فى القاهره , هو بداية الدور السعودى لتحقيق مأربها فى القضاء على مصر وجيشها , ومن أجل ذلك كان ربط الأقتصاد المصرى بالرأسمالية العالمية وهيمنة المستثمرين السعوديين التابعين للأمبرياليه العالميه على الأستثمار المصرى وتابعيهم من مافيا رجال الأعمال المصريين وبارونات المخدرات . فحولوه الى استثمار رأسمالى ترفى غير منتج, يفرغ الأقتصاد المصرى من قواعده بييع المصانع والقطاع العام وبالتالى التخلى عن حقوق الفقراء ونزح الأحتياطى من العملات والهروب بالأموال الى خارج البلاد , وهو ما يؤدى الى الأعتماد على القروض والمنح من حكومات السعوديه التى ترهن أستقلال مصر وتفقدها حرية قرارها وتؤدى الى تبعيتها , وهذا ما يجعل السعوديه تنفرد أكثر بالدور الأقليمى لها فى المحيط الأقليمى العربى على الأقل وتضمن عدم منافسة مصر
لها مستقبلا فى هذا الدور .

وعلى ذلك فأن المتتبع للعلاقات المصريه السعوديه يراها وقد تمحورت حول فرض شروط السعوديه على صانع القرار المصرى باِيعاز من الأدارة الأمريكيه, لتصوير مصر وهى تلهث وراء الحكم السعودى من أجل قرض هنا أو تمويل هناك ,وقد سايرت الأدارة المصريه مؤخراً ذلك المنطق من خلال التصريحات التى تداعب لعاب حكام السعوديه خاصة شبابها الأهوج وبدى تصريح “مسافة السكه”هو الأمثل ثم الأنضمام للتحالف فى حرب السعوديه على اليمن لايبارح تصريح أو أعلان , وصارت أتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعوديه هى الأخطر خاصة فى نصها أن تيران وصنافير سعوديتان , لولا وقفة الشعب المصرى وقضائه الشامخ .

وتبقى القشه التى قصمت ظهر البعير والتى تمثلت فى تصويت مصر فى مجلس الأمن على مشروع القرار الروسى بشأن سوريا , وأدراك مصر أن سوريا هى أمن قومى مصرى وأن وحدتها وجيشها خط أحمر , وحيث أن آل سعود يأملون الأنتهاء من الموضوع السورى وتدمير سوريا وجيشها والخلاص من رئيسها , لكى تتفرغ قوى الشر والارهاب العالمى التى تمولها السعوديه وتقودها اسرائيل وأمريكا لتفتيت مصر والقضاء على جيشها , لذا كان الفِراق , ولاحت جليا النيه المبيته لآل سعود فى خنق الشعب المصرى , بعد أن اوصلت الأقتصاد المصرى منذ انفتاح السادات السداح مداح الى الأعتماد على المنح والقروض العالميه والسعوديه , فكان قرار شركة”أرامكو السعوديه بالتراجع عن تعهداتها بأمداد مصر بالمنتجات البتروليه بما قيمته 27 مليار دولار خلال خمس سنوات ,وما سبق ذلك من رفض المملكه لقرض ضمان بقيمة 3 مليار دولار , واخيرا اتخاذ خطوات من اجل طرد المصريين العاملين بالمملكه .

ومن هنا يتجلى الدور الأقليمى ذات التأثير السلبى فى المحيط الأقليمى وهو فى الحاله المصرية يتدنى من سلبى الى شيطانى , وهو يهدف الى أستغلال معاناة الشعب المصرى فى خلق فوضى خلاقه تطيح بالأخضر واليابس قبل أن تطيح بقيادته .

وحيث أن المستهدف هنا هو الوطن المصرى , وفى حالة أستهدافه يبقى الأقليم وقد فقد تركيبته البيولوجيه وتحول الى كيان تقوده الصهيونيه وقد أسالت فيه المملكه السعوديه أموالها وبترودولارها ودماء الأبرياء من اجل
الشيطان .

من هنا فأن أتخاذ كثير من الكتاب وأفراد الشعب المصرى موقف الحياد من الأزمة التى تدفعها أسرة الحكم فى الشأن المصرى يرقى الى مستوى الخيانه , ففى هذه اللحظه الفارقه التى تستهدف فيها السعوديه كدولة أقليميه مصر وشعبها , وقد تجلى ذلك مؤخرا من خلال زيارة ولى العهد السعودى لتركيا واتفاقه مع اردوجان عدو الشعب المصرى لأتخاذ خطوات تتخطى منع البترول الى التدخل فى الشأن المصرى لتطويع مصر وفرض أراده وهيمنة السعوديه وتركيا كدول أقليميه عليها ,حتى تغير من موقفها تجاه سوريا الى موقف يساهم فى القضاء على سوريا وجيشها العربى ,لحظتها تكون حانت الفرصه للأنفراد بمصر وجيشها ونشب مخالب الأرهاب الذى سيتحول من سوريا اليها .

وعلى ضوء ذلك “عندما يكون المستهدف وطنا يكون الحياد خيانة” .

أين العرب من فكر التجربة الناصرية؟


صبحي غندور

36 سنة مضت على غياب جمال عبد الناصر. 36 سنة هي ضعف عدد سنين التجربة الناصرية التي امتدت من 23 تموز/يوليو 1952 حينما حدثت الثورة المصرية بقيادة ناصر، إلى 28 أيلول/سبتمر 1970 حينما وافته المنية.
18 سنة من التجربة الناصرية التي غيّرت مجرى الأحداث والتاريخ في مصر والأمَّة العربية وفي العديد من دول أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.

التجربة الناصرية أحدثت تغييراتٍ جذريةً في المجتمع المصري ونظامه السياسي والاقتصادي والعلاقات الاجتماعية بين أبنائه، وكانت أيضاً ثورة استقلالٍ وطني ضدّ احتلالٍ أجنبيٍّ مهيمن لعقودٍ طويلة (الاحتلال البريطاني لمصر)، ثمّ كانت أيضاً قاعدة دعمٍ لحركات تحرّرٍ وطني في عموم الدول النامية، كما كانت كذلك مركز الدعوة والعمل لتحرّر وتوحّد البلاد العربية ولبناء سياسة عدم الانحياز ورفض الأحلاف الدولية في زمن صراعات الدول الكبرى وقمّة الحرب الباردة بين الشرق والغرب.. لكن انجازات التجربة الناصرية كانت أكبر بكثير من حجم أداة التغيير العسكرية التي بدأت بها التجربة، وهي مجموعة "الضباط الأحرار" في الجيش المصري. كذلك، فإنّ الأهداف التي عملت من أجلها طوال عقدين من الزمن تقريباً، إي إلى حين وفاة جمال عبد الناصر عام 1970، كانت أيضاً أوسع وأشمل بكثير من "المبادئ الستّة" التي أعلنها "الضباط الأحرار" عام 1952. فهذه "المبادئ" جميعها كانت "مصرية" وتتعامل مع القضاء على الاستعمار البريطاني لمصر وتحكّم الإقطاع والاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم في مصر، وتدعو إلى إقامة عدالة اجتماعية وبناء جيش مصري قوي وحياةٍ ديمقراطيةٍ سليمة.

وإذا كان واضحاً في هذه المبادئ الستة كيفية تحقيق المرفوض (أي الاحتلال وتحكّم الإقطاع والاحتكار)، فإنّ تحقيق المطلوب (أي إرساء العدالة الاجتماعية والديمقراطية السليمة) لم يكن واضحاً بحكم غياب "النظرية السياسية الشاملة" التي تحدّث عنها ناصر في "الميثاق الوطني" عام 1962. أيضا، لم تكن هناك رؤية فكرية مشتركة لهذه المسائل بين أعضاء "حركة الضباط الأحرار"، حتى في الحدِّ الأدنى من المفاهيم وتعريف المصطلحات، فكيف بالأمور التي لم تكن واردة في "المبادئ الستة" أي بما يتعلّق بدور مصر العربي وتأثيرات الثورة عربياً ودولياً وكيفية التعامل مع صراعات القوى الكبرى ومع التحدي الصهيوني الذي فرض نفسه على الأرض العربية في وقتٍ متزامنٍ مع انطلاقة ثورة يوليو، حيث شكّل هذا التحدي الصهيوني المتمثّل بوجود دولة إسرائيل، والمدعوم والمستخدَم من قبل الغرب، أبرز ما واجهته ثورة يوليو من قوّة إعاقةٍ عرقلت دورها الخارجي وإنجازاتها الداخلية.

أهمّية هذه المسألة المتمثّلة في ضيق أفق أداة التجربة الناصرية (الضباط الأحرار) ومحدودية (المبادئ الستّة) مقابل سعة تأثير القيادة الناصرية وشمولية حركتها وأهدافها لعموم المنطقة العربية ودول العالم الثالث، أنّها تفسّر حجم الانتكاسات التي حدثت رغم عظمة الإنجازات، وأنّها تبيّن كيف أنّ الثورة كانت تيّاراً شعبياً خلف قائدٍ ثوريٍّ مخلص لكن دون أدواتٍ سليمة تربط ما بين القائد وجماهيره، وبين الأهداف الكبرى والتطبيق العملي أحياناً.

ورغم هذه السلبية الهامّة التي رافقت التجربة الناصرية في مجاليْ الفكر والأداة، فإنّ ما حققته داخل مصر وخارجها كان أكبر من حجم السلبيات والانتكاسات.

كذلك، فإنّ الخلاصات الفكرية والسياسية لهذه التجربة، خاصّةً في العقد الثاني من عمرها، هي التي بحاجةٍ إلى التأكيد عليها الآن وفي كل المناسبات "الناصرية".

وقد ظهرت هذه الأمور الفكرية والاستراتيجية والتكتيكية في أكثر من فترة خلال مراحل تطوّر التجربة الناصرية، لكن نضوجها وتكاملها ظهر واضحاً في السنوات الثلاث الأخيرة من حياة عبد الناصر، أي ما بين عامي 1967 و1970.
فاستناداً إلى مجموعة خطب عبد الناصر، وإلى نصوص "الميثاق الوطني" وتقريره، يمكن تلخيص الأبعاد الفكرية للتجربة الناصرية بما يلي:

· الدعوة إلى الحرّية، بمفهومها الشامل لحرّية الوطن ولحرّية المواطن، وبأنّ المواطنة الحرّة لا تتحقّق في بلدٍ مستعبَد أو محتَل أو مسيطَر عليه من الخارج. كذلك، فإنّ التحرّر من الاحتلال لا يكفي دون ضمانات الحرية للمواطن، وهي تكون على وجهين:
- الوجه السياسي: الذي يتطلّب بناء مجتمعٍ ديمقراطي سليم تتحقّق فيه المشاركة الشعبية في الحكم، وتتوفّر فيه حرية الفكر والمعتقد والتعبير، وتسود فيه الرقابة الشعبية وسلطة القضاء.
- الوجه الاجتماعي: الذي يتطلّب بناء عدالةٍ اجتماعيةٍ تقوم على تعزيز الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل وكسر احتكار التعليم والاقتصاد والتجارة.
· المساواة بين جميع المواطنين بغضّ النظر عن خصوصياتهم الدينية أو العرقية، والعمل لتعزيز الوحدة الوطنية الشعبية التي بدونها ينهار المجتمع ولا تتحقّق الحرية السياسية أو العدالة الاجتماعية أو التحرّر من الهيمنة الخارجية.
· اعتماد سياسة عدم الانحياز ورفض الارتباط بأحلافٍ عسكرية أو سياسية تقيّد الوطن ولا تحميه، تنزع إرادته الوطنية المستقلّة ولا تحقّق أمنه الوطني.
· مفهوم الانتماء المتعدّد للوطن ضمن الهويّة الواحدة له. فمصر تنتمي إلى دوائرَ أفريقية وإسلامية ومتوسطيّة، لكن مصر - مثلها مثل أيّّ بلدٍ عربيٍّ آخر- ذات هويّة عربية وتشترك في الانتماء مع سائر البلاد العربية الأخرى إلى أمّةٍ عربيةٍ ذات ثقافةٍ واحدة ومضمونٍ حضاريٍّ تاريخي مشترك.
· الاستناد إلى العمق الحضاري الديني لمصر وللأمّة العربية انطلاقاً من الإيمان بالله ورسله ورسالاته السماوية التي ظهرت جميعها على الأرض العربية، والتركيز على أهمّية دور الدين في بناء مجتمعٍ قائم على القيم والمبادئ الروحية والأخلاقية.
· رفض العنف الدموي كوسيلةٍ للتغيير الاجتماعي والسياسي في الوطن أو للعمل الوحدوي والقومي.
· إنّ الطريق إلى التكامل العربي أو الاتحاد بين البلدان العربية لا يتحقّق من خلال الفرض أو القوّة بل (كما قال ناصر) "إنّ الإجماع العربي في كلّ بلدٍ عربي على الوحدة هو الطريق إلى الوحدة" .. وقال ناصر أيضاً في "الميثاق الوطني": "طريق الوحدة هو الدعوة الجماهيرية .. ثمّ العمل السياسي من أجل تقريب يوم هذه الوحدة، ثمّ الإجماع على قبولها تتويجاً للدعوة وللعمل معاً". وقال أيضاً في الميثاق: "إنّ اشتراط الدعوة السلمية واشتراط الإجماع الشعبي ليس مجرّد تمسّك بأسلوبٍ مثالي في العمل الوطني، وإنّما هو فوق ذلك، ومعه، ضرورة لازمة للحفاظ على الوحدة الوطنية للشعوب العربية".

أمّا على صعيد مواجهة التحدّي الصهيوني، فقد وضع جمال عبد الناصر منهاجاً واضحاً لهذه المواجهة، خاصّةً بعد حرب عام 1967، يقوم على:
1- بناء جبهةٍ داخليةٍ متينة لا تستنزفها صراعات طائفية أو عرقية ولا تلهيها معارك فئوية ثانوية عن المعركة الرئيسة ضدّ العدوّ الصهيوني، ومن خلال إعدادٍ للوطن عسكرياً واقتصادياً بشكلٍ يتناسب ومستلزمات الصراع المفتوح مع العدوّ.
2- وضع أهدافٍ سياسيةٍ مرحلية لا تقبل التنازلات أو التفريط بحقوق الوطن والأمَّة معاً، ورفض الحلول المنفردة أو غير العادلة أو غير الشاملة لكلّ الجبهات العربية مع إسرائيل.
3- العمل وفْقَ مقولة "ما أُخِذ بالقوّة لا يُسترّدّ بغير القوّة" وأنّ العمل في الساحات الدبلوماسية الدولية لا يجب أن يعيق الاستعدادات الكاملة لحربٍ عسكريةٍ تحرّر الأرض وتعيد الحقَّ المغتصَب.
4- وقف الصراعات العربية/العربية، وبناء تضامنٍ عربي فعّال يضع الخطوط الحمراء لمنع انزلاق أيّ طرفٍ عربي في تسويةٍ ناقصةٍ ومنفردة، كما يؤمّن هذا التضامن العربي الدعم السياسي والمالي والعسكري اللازم في معارك المواجهة مع العدوّ الإسرائيلي.

هذه باختصار مجموعة خلاصات فكرية وسياسية أراها في التجربة الناصرية، خاصّة في حقبة نضوجها بعد حرب عام 1967.
لكن أين هي مصر الآن وأين المنطقة العربية من هذه الخلاصات الفكرية والمواقف الاستراتيجية؟

الطبخة أمريكية …والحطب تركي!


لؤي توفيق حسن

سيكتشف اردوغان عاجلاً ام أجلاً بانه ضحية خدعة امريكية .عندما وضع تركيا في مواجهة محيطها ، معتقداً بانه يستطيع أن يحصد بيادر “الربيع العربي” في بداياته!! ،والآن لعبة التقسيم فيما اسموه : “الشرق الأوسط الجديد ” . سيكتشف اردوغان بأنه يقاتل نيابةً عن امريكا وأسرائيل في هذه اللعبة مبدداً ما راكمه من انجازات منذ وصول حزبه للسلطة ، لاسيما بعدما اصبح المساهم الأول في تدمير سوريا ،متوهماً بانه سيستطيع ان يضعها تحت جناحيه مستنسخاً في ذهنه الأحلام العثمانية ، ولعل ما سمح لأحلامه ان تبالغ في تحليقها ، وصول إخوان مصر إلى السلطة ما اغراه بإعتماد الوسيلة ذاتها في سوريا وفي خطوة تنطوي على حماقة سياسية كبيرة ، ومسلك اخلاقي جاحد .

أما الحماقة السياسية فتبدت في ثلاثة أمور : اولهما أن التاريخ لايمكن ان يعيد نفسه – هذا في المبدأ – لإن الشروط التي تنضج ظاهرة ما لا يمكن ان تتكرر بحكم حركة التاريخ وسنة التطور ، فالدولة العثمانية ما كانت لتتمكن في القرن السادس عشر من هذا التوسع لولا الفراغات السياسية المحيطة بها ؛ ولتبيان ذلك حديث أخر خارج بحثنا الحالي .

والأمر الثاني أن اردوغان أساء في تقدير أمكانيات الفرع السوري للإخوان ، تنظيمياً او حضورا أو بالحد الأدنى خبرةً سياسية . ولو قرأ اردوغان التاريخ السياسي لسوريا سيتضح له بأن أخوانها كانوا خارج الحياة السياسية كلياً منذ مطلع الثمانينات مع تصفية تنظيمهم ، فضلاً أنهم في احسن حالاتهم في خمسينات القرن الماضي كانوا خارج دائرة التأثير السياسي مقابل الأحزاب السورية التقليدية مثل الحزب الوطني او حزب الشعب ،او العابرة للحدود كالحزب السوري القومي ، وغيره من قومية ويسارية .

وقد دفعه سقوط رهانه على الإخوان للهروب إلى الأمام متعاملاً مع الذئاب من (داعش) و (النصرة) وما شابهها ، فإذا بهذه تنقلب عليه لتنهش في الداخل التركي ، ما أضطره لقطع حبل السرة معها. الأمر الذي حرمه حتى من فرصة المبادلة عليها في بازار التسويات كما كان يحلم !، لينطبق عليه قول المتنبي : ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده.. يصيره الضرغام فيمن تصيد .



والأمر الثالث أن ما حصل عليه من مكتسبات ومزايا اقتصادية من نظام الرئيس بشار الأسد ، هو في ميزان الواقعية السياسية اجدى واضمن من مغامرة الأنقلاب على خياراته التي اعتمدها في السابق : “صفر مشاكل مع الجوار” !.وهي في ميزان الأخلاق غدر وجحود ، وهنا تنتصب الأرقام إثباتاً .حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسوريا في عام 2011 قرابة 3 مليار دولار . وكان المقرر أن تصل في السنوات الخمس التالية له إلى 8 مليار دولار وذلك من خلال 51 اتفاقية وبروتوكول بين البلدين اضافة الى اتفاقيات ذات طابع امني وذلك كله تحت جناح “مجلس التعاون الاستراتيجي السوري التركي ” ، في ظاهرة غير مسبوقة بين سوريا وأي دولة أخرى بما فيها ايران . وتظهر الأحصائيات ارتفاع عدد المشاريع الاستثمارية التركية في سورية خلال 5 سنوات بنحو 100% ، منها على سبيل المثال استثمارات لمتمولين أتراك في المدينة الصناعية بحلب شكلوا وحدهم نحو 40% من مجمل المستثمرين العرب والأجانب ، وللمفارقة فإن هذه العلاقات كانت غالبيتها لصالح تركيا ، حتى أثرت سلباً على قطاع الأعمال السوري ، إذ تعرضت “صناعة المفروشات المنزلية لمنافسة قوية أدت إلى إغلاق 20% من المنشآت في هذا القطاع”.
كما تراجعت صناعة الملابس والنسيج السورية ؛ وقدرت “هيئة تنمية وترويج الصادرات السورية ” عدد المنشآت النسيجية التي أغلقت بشكل جزئي أو كامل، جراء ذلك بما يتراوح بين 70 و100 منشأة.!

فضلاً عما سبق فقد شكلت سوريا ممراً مثالياً للبضائع التركية التي اجتاحت الأسواق اللبنانية والأردنية والمصرية، فضلاً عن أسواق بلدان الخليج العربي ناهيك عن السوق السورية . يضاف إلى ماسبق ذكره على المستوى الاقتصادي ، ابعاد أخرى ثقافية وفرتها اتفاقيات ذات صلة حتى شاعت موجة الدراما التركية في الفضائيات ؛

ترى اليس كل ما سبق هي القوة الناعمة او لغة العصر الجديدة الكافيةً ليلج بها (الحلم العثماني) لاردوغان ! .بل هي الأكثر ثباتاً . هل كان يمكن لأردوغان ان يحصل على ما هو اكثر من هذا حتى لو كان على رأس النظام السوري حكومة إخوانية !! . ولو قرأ أردوغان تاريخ الدولة العثمانية لاستخلص العبر ،وفي مقدمتها ممانعة الغرب لأي خطوة جدية هادفة لبناء منظومة مشرقية عابرة للحدود سواء كانت على قاعدة أسلامية او اقتصادية . بمعنى انه لو قبل الواقع جدلاً قيام “كمنولث إخواني” من انقرة إلى القاهرة مروراً بدمشق وعمان فإن اول ما سيستشعر خطره (اسرائيل) وعرابتها أمريكا . كان على اردوغان في حمأة هذا الأرباك الأمريكي في منطقتنا أن يمرر إتفاقياته مع سوريا ويعممها مع العراق بوصفها البديل الممكن والواقعي . والنواة الصلبة لمنظومة اقليمية في وجه العواصف التي لن توفره كما سيأتي لاحقاً .

يتحول أردوغان بعد تكسر حلمه العثماني على الصخرة السورية لينتهج الخيار “الكمالي”! ، أي توسيع حدود تركية كما فعل كمال اتاتورك مع تعديلات في العناوين ! ، وهذا ايضاً نوع من المعاندة التاريخية الفاشلة لأنها خارج الزمن!!، فقد جرى ذلك ذات يوم وسوريا مكبلة بالانتداب الفرنسي . فضلاً عن ان بديله “الكمالي” يقع خارج سياق القواعد الاستراتيجية حيث الأمن القومي لتركيا لا يبدأ بالقطع من جرابلس أو الباب ، ولامن الموصل أيضاً !

وقد ثبت في المبدأ فشل “الأحزمة الأمنية ” أبتداءً من جنوب لبنان . غير أن هذا الخيار لو تأملنا فيه بعقل بارد سيشكل منزلقاً أخر لتركيا يقودها إلى توسيع دائرة أعدائها ، أو ربما مدخلاً لحروب تستنزفها وتضعف مناعتها ! وهاهي تشكيلات مقاومة عربية كردية تتجهز للتصدي للخرق التركي ،سيقابله بالتواتر تحرك كردي لحزب العمال على الجانب التركي .إن كل ما سبق ربطاً بمحاولة الانقلاب الفاشل في تركيا الصيف الماضي ، ليس مصادفةً بل يصب في طاحونة “الفوضى الخلاقة” وبالتالي إضعاف تركيا ،يلاقيه الاستثمار الجيوبوليتيكي لأمريكا واسرائيل بدعم واحتضان كيانات كردية في الجانب العربي ، مما سيتداعى مع الزمن -” بقانون الدومينو “- إلى الضفة التركية مهدداً وحدة أراضيها التي يقع فوقها موزاييك من الأثنيات.وبذات الكيفية وبمنصة الكيانات الكردية المستحدثة ستكون ايران أيضاً في دائرة الأستهداف! . واضعين نصب أعيننا الثابت الأستراتيجي لأمريكا وربيبتها (اسرائيل ) في تقزيم الدول الأسلامية الكبرى في المنطقة من وزن ايران وتركيا ومصر !

لقد جرى توريط تركيا في المستنقع السوري والعراقي من قبل امريكا، وما حصل عليه اردوغان من وضع اليد على أراضي الجوار السوري والعراقي لايصلح في بازار مفاوضات الكبار ، فأمريكا ستفاوض عليها سواء بسواء كما على رأس داعش والنصرة لتقبض هي الثمن ! كما ان روسيا ستصبح معنية باستنزافه-اذا استمر اردوغان على عناده- لمنعه من الأمساك بورقة تجني امريكا ثمارها في سوريا وفق ما اسلفنا ، وذلك تحصيناً للموقع الجيوستراتيجي السوري
. الباب ليس موصداً امام اردوغان ليراجع حساباته . فهل من مخرج؟. لهذا حديث أخر .

تيار المستقبل ..و قفزة في المجهول

خورشيد الحسين

أستنفار سياسي_إعلامي داخل تيار المستقبل بتوجيهات من الشيخ سعد الحريري لقيادة التيار من الموالين له تقضي بالتواصل مع قيادات المناطق والكوادر واللقاء المباشر معهم لشرح وتبرير المعطيات والدوافع الذي أملت عليه أختيارمرشح حزب الله(الموغل في الدم السوري حسب وصفه) لرئاسة الجمهورية ,المهمة ليست سهلة سواء على مستوى جسم التيار التنظيمي او على مستوى شارعه فليس من السهولة بمكان لملمة شظايا قنبلة الحريري التي بقيت حتى اللحظة الأخيرة مجرد احتمال وقد وضعها الكثيرون من مناصريه في خانة المناورة وكسب الوقت الى حين وقع المحظور بالنسبة لهم .وفي ظل أجواء غيرمريحة وغير سوية وعلى أعتاب المؤتمر العام للتيار الذي يعاني أصلا من آتهامات من داخله أن المتنفذين والممسكين بعنق المواقع تنظيميا وخدماتيا يعملون على ترتيب أنتخابات المؤتمر وحسم نتائجه قبل بدءه .

وعلى إيقاع الأزمة المالية وأزمة الأجنحة التي خرجت من إطار تمردها مع البقاء على تموضعها الى رحاب تشكيل حالات وحيثيات خاصة بهم ولن يشفع للشيخ سعد كما ذكرت مصادر مستقبلية هذا الترشيح الذي مهد له مستنطقا موقف الشهيد الرئيس رفيق الحريري في مثل هذه الظروف ليصل في نهاية الخطاب الى ترشيح الجنرال(تفاديا لاستمرار الفراغ في الموقع الأول وتعطيل المؤسسات)ولن يشفع له مهاجمة أصحاب الترشيح الأوائل لحليفهم وأنتقاده لهم بلهجة عدائية لا تتفق والموقف عموما .,وقد بدا واضحا حالة الإرباك التي يعاني منها خصوصا بعدما أصبح واضحا له خريطة المعارضين ليس على مستوى ترشيح الجنرال عون بل هي معارضة سابقة على هذه الخطوة ولكنها ربما تكون القشة التي أظهرت رغبة قيادات مستقبلية في ممايزة نفسها وخلق حيثية لنفسها طامحة لزعامة خارج عباءة الشيخ سعد ولكن تحت الشعارات الحريرية وكان لهم في الجنرال ريفي (قدوة حسنة).

لم يستطع أعضاء كتلة المستقبل ورئيسها إخفاء آمتعاضهم والإيحاء بأنهم حضروا خجلا ربما أو شبه واجب للمحافظة الشكلية على وحدة الموقف بالرغم من البوح العلني لرئيس الكتلة وبعض أعضاءها بعدم الألتزام بخيار الشيخ سعد .حقا أنهم لم يعلنوا أنهم لن يصوّتوا لعون لكنهم أشاروا إلى أن طريق الرجل إلى بعبدا ليست سالكة، وقد أكد النائب رياض رحال أنه «في بيت الوسط، ألتزم بقرار الكتلة، أما في مجلس النواب فأنا سيد نفسي»!والنائب فريد مكاري قالها صريحة واضحة كما فعل السنيورة الذي أعلن أن «حضوره في بيت الوسط شيء وموقفه من العماد عون شيء آخر» كذلك النائب سمير الجسر الذي اوضح انه” سيقترع بورقة بيضاء، لانني “اتحفّظ” على شخص العماد عون”.حتى النائب حوري قالها حرفيا “لن انتخب عون لأنني مع اتفاق الطائف ومع نهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومع اهلنا الأوفياء”، ،مما يعني أن عشرة نواب حتى الآن معترضين على التصويت لعون .
مآخذ عدة أشبه بجردة حساب يواجهها تيار المستقبل من قواعده ,فمن الأسئلة التي لا جواب عليها التي ووجه بها قيادات التيار خلال تواصلهم مع الفعاليات الشعبية هي كيف آستطاع الشيخ سعد أن يقدم على هذه الخطوة ووجد لها مبررا في حين منذ ال2005 وحتى اليوم والشارع السني يعاني من آنقسام وصل في أكثر من محطة حد الصدام وحد تعيين مفتيين ولم يمد يده ويتجاوب مع المطالب بالمصالحات وفتح صفحات حفاظا على وحدة الطائفة؟؟؟

لماذا لم يذهب في الخيار الثالث حيث لا جعجع ولا ثنائية عون_فرنجية والخيارالثالث أي رئيس وسطي هو الأسلم ؟؟ فهل من مبرر للسير في مرشح حزب الله والنظام السوري(وفق تعبيرهم)؟؟؟

كيف يغامر في خيار غبر مضمون النتائج بآنتخاب عون وقد بدا حتى اللحظة أن الأنقسام حوله طال كتلة المستقبل نفسها اضافة لبعض نواب 14 أذار وكتلة الرئيس بري ولا أحد يعلم موقف كتلة النائب جنبلاط علما أن الأخير لا يمكن أن يفض شراكته مع بري في الأستحقاقات الكبرى فماذا تبقى ؟؟؟

ما هي الضمانات ومن هو الضامن بترشيح الشيخ سعد لرئاسة الحكومة ؟؟ ولو سموه وكلفه الرئيس (افتراضا) !! فمن يضمن تسهيل أمور تشكيل الوزارة ؟؟؟ وماذا عن تسمية حصاه الوزارية هل سيكون له بها رأي أم يتفرض عليه فرضا أيضا وتوزيع الحقائب والبيان الوزاري والثلت المعطل وقانون الأنتخابات النيابية ؟؟ كيف سيواجه هذه الأمور في ظل رئيس كالجنرال عون وحلفاءه الأقوياء ؟؟؟أم سيقدم على تنازلات أخرى تمس موقع رئاسة الحكومة وصلاحياته أي موقع الستة حفاظا على كرسي الحكومة لمصلحة شخصية بحتة بعيدا عن الطوباوية والمثالية التي زخر بها خطابه!!

ما هو موقفه الذي ستبنى عليه السياسة الخارجية للحكومة والمرتبطة آرتباطا عضويا بمكونات أساسية منها من سورية الى العراق فاليمن والسعودية؟؟؟

وقد كان الموقف الأكثر تعبيرا عن غضب الشارع (المستقبلي )في أجتماع أمين عام التيار مع فعاليات ورؤساء البلديات في البقاع الأوسط حين قال( “تيار المستقبل” قد اتم اكثر من واجبه لجهة الفراغ الرئاسي .) فعلق احد الحضور قائلا :المهم توقف عند الواجب وما نبلش بالنوافل ..!!!
خورشيد الحسين
سلسلة الأسئلة لا تنتهي .هكذا يعبر مصدر مستقبلي ,ولا إجابات مقنعة أو غير مقنعة ,كل ما يمكن يقوله أن (المستقبلين)يرون في خطوة قائدهم ..قفزة في المجهول….

هل ما زال هناك فعلاً هُويّة عربية مشتركة.. وما هو دور المهاجرين العرب؟!


صبحي غندور

يتكرّر لدى بعض المشاركين في ندوات "مركز الحوار العربي" بمنطقة العاصمة الأميركية، طرح مسألتين متلازمتين، وهما: "هل ما زال هناك فعلاً هُويّة عربية مشتركة؟"، ثمّ "ما هو دور المهاجرين العرب تجاه ما يحدث في بلدان العرب؟". وحتماً، فإنّ هذين الموضوعين هما أيضاً قضية مثارة في أي محفل فكري عربي في دول الغرب والمهجر عموماً، لأنّ الصراعات العربية البينية هي الطاغية الآن، فعن أي "هُوية عربية" نتحدث؟!، وأين هو دور من يشكّلون طليعة عربية مثقّفة في دول المهجر إذا كان السائد عربياً هو أسلوب العنف، لا التحاور أو التفاعل الفكري المثمر؟!.

ورغم مصداقية هذه التساؤلات، فإنّ خلاصاتها السلبية لا تتناسب مع الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى حدوثها، ذلك أنّ مشاعر اليأس التي تزداد الآن بين العرب، وتصل ببعضهم إلى حدّ البراءة من إعلان انتمائهم العربي، وإلى تحميل العروبة مسؤولية تردّي أوضاع أوطانهم، هي ناتجة عن مشكلة الخلط بين الانتماء الطبيعي وبين الظروف المصطنعة، بين العروبة الحضارية وبين الأنظمة والحكومات، بين الهويّة الثقافية وبين الممارسات السياسية والحزبية.

أي إنّها مشكلة التعامل مع الانتماء القومي بمقدار ما ننظر إليه آنيّاً وليس بمقدار ما هو قائمٌ موضوعياً. فسواء رضي بعضنا بذلك أم لم يرضَه، فإنّ الانتماء للهوية العربية، ليس ثياباً نلبسها ونخلعها حين نشاء، بل هو جلد جسمنا الذي لا نستطع تغييره مهما استخدمنا من عملياتٍ جراحية وأدواتٍ مصطنعة.

إنّ "الهوية العربية"، والانتماء لها، فخرٌ للعرب، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. فيكفيهم فخراً أنّ أرضهم العربية هي أرض كلّ الرسالات السماوية، وأنّ الله عزَّ وجلَّ كرّمها بأنّ بعث رسله كلّهم منها وعليها، وكانت هذه الأرض الطيّبة منطقة ومنطلق الهداية الإلهيّة للناس أجمعين وفي كلّ مكان، وبأنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، وأن الثقافة العربية كانت الحاضنة الأولى للدعوة الإسلامية.

أيضاً، إنّ مسألة الهوية لا ترتبط فقط بالجغرافيا بل بالتاريخ المشترك، وبالمستقبل الأفضل القائم على التكامل، وبالحاضر السياسي والثقافي والاجتماعي الموحّد في حال العرب. فالهويّات المتعدّدة للإنسان الفرد أو الجماعة هي ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى أو تتناقض فيما بينها، فلا تتفاعل أو تتلاقى، أو التي تفرض الاختيار فيما بينها، بل هذه الهويّات المتعدّدة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها، إبتداءً من العائلة وصولاً إلى وحدة الإنسانية.

ونجد أيضاً في مشكلة الهويّة العربية هذا الانفصام الحاصل بين وجود ثقافة عربية واحدة وبين عدم وجود دولة عربية واحدة. فمعظم شعوب العالم اليوم تكوّنت دوله على أساس خصوصية ثقافية، بينما الثقافة العربية لا يُعبّر عنها بعد في دولة واحدة. فالموجود الآن من الدول العربية هو أوطان لا تقوم على أساس ثقافات خاصّة بها، بل هي محدّدة جغرافياً وسياسياً بفعل ترتيبات وظروف مطلع القرن العشرين التي أوجدت الحالة الراهنة من الدول العربية، إضافةً طبعاً لزرع "دولة إسرائيل" في قلب المنطقة العربية.

إنّ "الهوية العربيَّة" كانت موجودةً كلغةٍ وثقافة قبل وجود الإسلام، لكنَّها كانت محصورة بالقبائل العربيَّة وبمواقع جغرافية محدّدة في الجزيرة العربية .. بينما "الهويّة العربية الحضارية" الآن، والتي أستحسن تسميتها ب"العروبة" –كَهويَّة انتماءٍ ثقافي غير عنصري وغير قبلي- بدأت مع ظهور الإسلام، ومع ارتباط اللغة العربيَّة بالقرآن الكريم، وبنشر الدعوة بواسطة روَّادٍ عرب. فالعروبة هي إضافة حضارية مميَّزة أوجدها الإسلام على العربيّة كلغة نتيجة ارتباط الإسلام بالوعاء الثقافي العربي، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وبالتَّالي خرجت الثقافة العربية من دائرة العنصر القبلي، ومن حدود الجغرافية الصغيرة، إلى دائرةٍ تتَّسع في تعريفها ل"العربي" ليشمل كلّ من يندمج في الثقافة العربيَّة بغضِّ النَّظر عن أصوله العرقية أو الإثنية أو القبلية أو الدينية.

ومن المهمّ الإدراك أنّ العرب هم أمَّة واحدة في الإطار الثقافي وفي الإطار الحضاري وفي المقاييس التاريخية والجغرافية (اشتراك في عناصر اللغة والثقافة والتاريخ والأرض)، لكنَّهم لم يجتمعوا تاريخياً في إطارٍ سياسيٍّ واحد على أساس مرجعية العروبة فقط. فالأرض العربيَّة كانت تحت سلطةٍ واحدة في مراحل عديدة من التاريخ، لكن على أساس تسمياتٍ لمرجعياتٍ دينيةٍ إسلامية (الخلافة) لا على أساسٍ قوميٍّ عربيّ.

من هنا أهمّية التوافق على مسألتين:

الأولى: حسم مسألة الانتماء إلى أمَّةٍ عربيَّةٍ واحدة من حيث عناصر تكوين الأمَّة (لغة- ثقافة- تاريخ - أرض مشترَكة)، وحسم مسألة البُعد الحضاري الإسلامي الخاصّ في العروبة، والمميِّز لها عن باقي القوميات في العالم الإسلامي..

الثانية: ضرورة المرونة في كيفيَّة الوصول إلى تعبيرٍ دستوريٍّ سياسي عن وحدة الأمَّة العربية، وفي عالمنا المعاصر نماذج عديدة ممكن الأستفادة منها كالتجربة الأميركية (دستور اتحادي/فيدرالي بين خمسين ولاية) والتجربة الأوروبية (تكامل تدريجي/من الكونفدرالية إلى الفيدرالية بين أممٍ ودولٍ مختلفة).

لكن يبقى الأساس في أيَّة وسيلةٍ تستهدف الوصول إلى دولة "الولايات العربية المتحدة" أو إلى "الاتحاد العربي"، هو:

1- الدعوة السلمية ورفض الابتلاع أو السيطرة أو الهيمنة من وطنٍ عربيٍّ على آخر..

2- تحرّر الأوطان العربية من الهيمنة الأجنبية (الإقليمية والدولية) وإقامة أنظمة حكم ديمقراطية تصون عملية الوحدة أو الاتحاد. فالتَّحرر الوطني والبناء الدستوري السليم، معاً هما المدخل السليم لوسائل تحقيق الوحدة أو أيّ شكلٍ اتحاديٍّ عربيّ.

إنّ العروبة الثقافية الجامعة بين كلّ العرب هي حجر الزاوية في البناء المنشود لمستقبلٍ أفضل داخل البلدان العربية، وبين بعضها البعض. وحينما تضعف الهُويّة العربية فإنّ بدائلها ليست هُويّات وطنية موحّدة للشعوب، بل انقسامات حادّة تولد حروباً أهلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس معاً.

***

أمّا عن دور المهاجرين العرب إلى الغرب، فقد توفَّرت لهم فرصة التفاعل المشترك فيما بينهم بغضِّ النظر عن خصوصياتهم الوطنية، وبالتالي توفَّر إمكان بناء النموذج المطلوب لحالة التفاعل العربي في أكثر من مجال. أيضاً أتاحت لهم الإقامة في الغرب فرص الاحتكاك مع تجارب ديمقراطية متعدّدة من الممكن الاستفادة منها عربياً في الإطارين الفردي والمجتمعي. لذلك فإنّ للمهاجرين العرب خصوصية مميّزة في عملية التكامل والإصلاح العربي المنشودين.

لكن المشكلة عند المهاجرين العرب، هو التشكّك الذاتي الحاصل لدى بعضهم في هويّته الأصلية العربية، ومحاولة الاستعاضة عنها بهويّات فئوية بعضها ذو طابع طائفي ومذهبي، وبعضها الآخر إثني أو مناطقي أو في أحسن الحالات إقليمي. وربّما يرجع سبب ذلك إلى طغيان الانقسامات وسمات مجتمع "الجاهلية" على معظم المنطقة العربية، وانعكاس هذا الأمر على أبنائها في الداخل وفي الخارج.

لذلك، فإنّ الدور المنشود من المهاجرين العرب يُحتّم عليهم أولاً تحسين وإصلاح ما هم عليه الآن من خلل في مسألة الهوية، ومن سلبية تجاه مؤسّسات العمل العربي المشترك في الغرب.

ولا أعلم لِمَ لا يستفيد المهاجرون العرب من تجارب سابقة في الهجرة العربية للغرب، كان في مقدّمتها في مطلع القرن العشرين تجربة الأدباء العرب ذوي الأصول اللبنانية، الذين استوطنوا في معظمهم بمدينة نيويورك الأميركية وشكّلوا فيما بينهم "الرابطة القلمية" بمبادرة من الكاتب والمفكّر جبران خليل جبران، حيث كانت هذه "الرابطة" نموذجاً لما نحتاجه اليوم في دول المهجر من منتديات وروابط وجمعيات تقوم على أساس المشترك من الهُوية الثقافية والاهتمامات والعمل، لا على الأصول الوطنية والطائفية والمناطقية. فعلى الرغم من أنّ كل هؤلاء الأدباء الذين جمعتهم "الرابطة القلمية" كانوا من أصول لبنانية ودينية مسيحية فإن "رابطتهم" كانت الأدب العربي، فلم يجتمعوا أو يعملوا في أطر فئوية، ولم يُطلقوا على أنفسهم اسم "الرابطة اللبنانية" أو "الرابطة المسيحية". فكان "قلمهم" من أجل نهضة أوطانهم ووحدة شعوبهم، ومن أجل الإنسان عموماً بغضَّ النظر عن العنصر والدين. كذلك فعل أدباء المهجر آنذاك في أميركا الجنوبية حيث أسّسوا "الرابطة الأندلسية" التي برزت فيها أسماء رشيد سليم الخوري وفوزي المعلوف وآخرون.

وفي فترة زمنية متقاربة مع فترة تأسيس "الرابطة القلمية" في نيويورك، حدثت تجربة الإصلاحي الإسلامي الشيخ محمد عبده من خلال تأسيس مجلة "العروة الوثقى" في باريس. وكما حرص الشيخ محمد عبده على توظيف منبره (العروة الوثقى) لإصلاحيين ومفكّرين آخرين، كان في مقدّمتهم الشيخ جمال الدين الأفغاني، كذلك كانت "الرابطة القلمية" التي أسّسها جبران منبراً لعدد مهمّ من المفكّرين والأدباء كميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي. فهذا النموذج من المهاجرين العرب أدرك واجبه ومسؤوليته في إصلاح المجتمع الذي هاجر منه، وفي المساهمة الفكرية والعملية بتقديم المشروع النهضوي المطلوب، وفي جعل بلد المهجر مصنعاً لخميرة إيجابية جيّدة وجديدة، لا مرآةً تعكس سلبيات الأوطان التي هاجروا منها. ولم يجد هؤلاء في "الآخر" منهم منافساً بل مكمّلاً لعطائهم. تعلّموا الكثير من بلدان الغرب لكن لم يفقدوا هُويّتهم ولا نسوا أوطانهم. حافظوا على لغتهم وثقافتهم في بلاد المهجر لكن كانوا فاعلين إيجابيين أيضاً في مجتمعاتهم الجديدة. كان همّهم الأول في "الشرق" وإن كان تواجدهم في "الغرب". استفادوا من حسنات المكان لكي يساهموا في تغيير سيّئات زمن أوطانهم، وهذا ما على المهاجرين العرب فعله الآن.

هل فات لبنان قطارُ النفط؟




شهد بلدان الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط في الآونة الأخيرة تطورات في قطاع النفط قّلما شهدتها من قبل. فلا يمضي شهرٌ إلّا ونسمع عن اكتشاف نفطي جديد أو إعلان دورة تراخيص أو تحالفات استراتيجية بين الدول لتسويق الغاز المكتشف. وقد ساهمت هذه التطوّرات في تحريك ديناميّة جيوستراتيجيّة دفعت بالدول العظمى إلى مراقبتها ومواكبتها عن كثب، حتّى إنها تدخّلت لتذليل العقبات حيث أمكن، وهذا ما يدعونا إلى عرض آخر المستجدّات في البلدان الثلاثة القريبة من لبنان، مصر وقبرص وإسرائيل.

الاكتشافات المصرية
يعود اكتشاف النّفط في البرّ والبحر في مصر إلى أكثر من ستين عاماً، وقد عُدّتْ مصر حتّى سنة 2005 بلداً مصدّراً للنفط وخصوصاً الغاز، حيث تمّ بناء معملين مسيّلين (LNG) للغاز بهدف تصديره. فضلاً عن ذلك، جرى تمديد أنابيب لتغذية الأردن وسوريا ولبنان وحتى إسرائيل. غير أنّ الأحداث التي حصلت وأطاحت الرئيس مبارك والأسعار المتدنية التي كانت تشتري بها الدولة المصرية الغاز من الشركات العالمية العاملة فيها، حالت دون تشجيع الاستثمار والاكتشاف، ما خفّض الإنتاج وجعل مصر غير قادرة على تأمين حاجتها،فأوقفت التصدير على نحوٍ شبه كامل وراحت تستورد الغاز المُسال بعدما كانت تصدّره. وما إن تسلّم الرئيس السيسي زمام الحكم حتى عاد واتفق مع الشركات على أسعار أكثر واقعيّة حفّزتها على معاودة التنقيب والاستكشاف في البحر والبرّ. فاكتشف حقل «زُهر» باحتياط يزيد عن 30 تريليون قدم مكعبة ليكون أكبر اكتشاف غازيّ في تاريخ البحر الأبيض المتوسّط. ما سلّط الضوء مجدّداً على هذه المنطقة ودفع بالبلدان المجاورة كقبرص وإسرائيل إلى إطلاق دورات تراخيص جديدة لتلزيم بلوكات إضافيّة في مياهها الاقتصاديّة الخالصة.

قبرص والأسواق الجديدة
مع إطلاق دورة التراخيص الثالثة في بداية هذه السّنة، شهدت قبرص إقبالاً مشجّعاً جدّاً للشركات العالمية، ومن بينها شركة ExxonMobil الأميركيّة التي تُعدّ أكبر شركة نفطيّة في العالم إذا ما استثنينا الشركات الوطنيّة. وقد وقّعت قبرص في شهر آب الفائت اتفاقية مبدئيّة مع مصر لمدّ خطٍّ بحريٍّ يربط «حقل أفروديت» بالشاطئ المصري. وإذا ما جرى تذليل العقبات المالية لبنائه يُباشر العمل به في سنة 2020. وتطمح مصر من خلال هذه الاتفاقيات إلى أن تصبح محوراً رئيساً لتصدير الغاز المسال من شرق البحر الأبيض المتوسط، خصوصاً أنّ معمليها جاهزان لاستقبال الغاز الطبيعي وتسييله وتصديره إلى جميع أنحاء العالم.

ولا يبقى على قبرص المنقسمة منذ أكثر من أربعة عقود إلّا تخطّي القضايا السياسية الشائكة التي تواجهها لكي تتوحّد مجدّداً، فينطلق قطاعها النفطي بزخم أكبر وتفتح عليها أسواق جديدة للغاز المكتشف. وتعمل البلدان الأوروبية اليوم، كما الولايات المتحدة، على دفع المفاوضات القائمة بين قبرص اليونانية والتّركية بهدف الوصول بأسرع وقت إلى اتّفاق سلام بينهما. أمّا المحفّز الأساسي هذه المرّة فهو المخزون النّفطي الواعد الذي تملكه هذه الجزيرة الشرق متوسطية. وقد صرّح المبعوث الخاصّ الأميركي لشؤون الطاقة آموس هوكشتاين أمام الكونغرس مؤخّراً عن أهمية الاكتشافات الغازية في شرق البحر الأبيض المتوسّط، ما يدعو إلى المساهمة بجدّية لحلّ المشكلة القبرصية فينعكس إيجاباً على المنطقة. وبحسب هوكشتاين، فإنّ عدم حل المعضلة القبرصية سيمنع استخراج الغاز من كامل المنطقة، نظراً إلى عدم إمكانية الولوج إلى الأسواق المستوردة وبالأخص السّوق الأوروبي. وتبقى نظرة الولايات المتّحدة الاستراتيجية لتصدير غاز المنطقة تتمحور على تعاون متين بين إسرائيل وتركيا، والعائق الأساسي لذلك هو تأخّر الحلّ القبرصي فالخط الغازي سيمرّ حكماً عبر بحر قبرص. كما ترى السياسة الأميركية أنّ سرّ نجاح تصدير غاز المنطقة يكمن بالتعاون بين إسرائيل وقبرص ومصر وتركيا. وسيُخفِّض هذا التعاون على هذه البلدان قيمة تكلفة تطوير البنية التحتيّة للتصدير، خصوصاً أنّ مخزون أغلب حقول المنطقة يبدو متدنياً حتى الآن. ووفقاً للمفهوم الأميركي، يؤدي عدم التعاون إلى بقاء هذه الثروات من دون استخراج لعدم جدواها الاقتصادية.

ومن المتوقّع أن يُجَرّ الغاز القبرصي والإسرائيلي إلى مصر لتسييله في المعمَلَين القائمَين حاليّاً هنالك، ما يوفّر على البلدين استثمارات بمعامل تسييل جديدة تزيد كلفة إنشائها على عشرات مليارات الدولارات.

إسرائيل تدخل على الخط
أعلنت إسرائيل في خلال السنوات القليلة الماضية اكتشاف حقول غازيّة عديدة، أبرزها «ليفياتان» و «تمار» بمخزون قوامه نحو عشرين وثمانية تريليون قدم مكعبة على التوالي. عانى هذا القطاع تأخيراً يقارب الثلاث سنوات جرّاء أحكام الاحتكار لاتّحاد الشركات المكتشفة لأغلب الحقوق الإسرائيليّة، من ثمّ إجبار الاتحاد على بيع قسم من هذه الحقول. ولم تتوقّف إسرائيل عن السّعي الدؤوب لإيجاد أسواق لغازها، فأبرمت اتفاقيات بيع طويل الأمد مع أغلب جيرانها كالأردن والسلطة الفلسطينيّة ومصر. غير أنّ إمكانيّاتها التصديريّة تفوق بشكل كبير حاجات هذه البلدان، ما أجبرها على التقارب مجدّداً من تركيا لتصدير الغاز عبر أنبوب يمرّ بالمنطقة الاقتصاديّة الخالصة لقبرص، آملة إمكانية التصدير إلى أوروبا عبر تركيا.

وقد أعلنت إسرائيل أخيراً موعد إطلاق دورة تراخيص جديدة لأربعة وعشرين بلوكاً بحريّاً تقارب مساحتها الإجمالية العشرة آلاف كيلومتر مربّع. وبحسب وزارة الطاقة الإسرائيليّة هناك 6.6 مليارات برميل من البترول و2.2 تريليون متر مكعب من الغاز يمكن اكتشافها في منطقتها الاقتصادية الخالصة. ويقوم حالياً وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس بالتسويق لهذه الدورة لدى العواصم البتروليّة العالميّة كلندن وسنغافورة وهيوستن. إضافةً إلى ذلك، أعلنت إسرائيل أنّ حكومتها ستموّل مدّ خطوط الغاز التي ستصل الحقول الصغيرة بعضها ببعض وبالشاطئ الإسرائيلي لتقليل كلفة الاستثمارات للشركات المهتمّة، ما سيشجّع على تطوير هذه الحقول الصغيرة. أمّا الأسباب غير المعلنة لهذا الكرم الإسرائيلي فهي التشجيع على الاستثمار بالحقول الحدوديّة مع دول الجوار، ما سيحرم جيرانها الاستفادة من هذه الحقول إذا امتدّت إلى خارج حدودها.

وأشارت إسرائيل في أواخر أيلول إلى اتفاقية غاز مع شركة الكهرباء الأردنيّة بقيمة عشرة مليارات دولار لمدّة خمس عشرة سنة ليتمّ استجرار هذا الغاز من حقل «ليفياتان» إلى الأراضي الأردنيّة. وقد استحوذت مؤخّراً شركة Energean اليونانية على حقوق التنقيب في حقلي «تنين» و «كريش» القريبين من لبنان بقيمة 148 مليون دولار أميركي، وقد تمّ اكتشاف هذين الحقلين منذ أكثر من سنتين واللذين يحتويان على أكثر من تريليوني متر مكعب من الغاز. وضمن شروط الصفقة أن تقدّم الشركة في خلال ستّة أشهر خطّة تطوير الحقلين للموافقة عليها من قبل الحكومة الإسرائيلية ومن بعدها مباشرة العمل. وقد حصلت الشركة في المقابل على تسهيلات بالدفع ونسبة متدنيّة للأتاوى التي يجب أن تدفعها.

أمّا دخول شركة يونانيّة في القطاع النفطي الإسرائيلي فله مدلولات عديدة للصناعة النفطية في شرق بحر الأبيض المتوسّط، فاليونان تُعدّ ممرّاً طبيعيّاً للغاز الإسرائيلي إلى أوروبا ما يخلق حلفاً رباعيّاً قويّاً يتألّف من مصر وقبرص واليونان وإسرائيل. ويمنح هذا التضامن لتلك الدول سهولة الدخول إلى السوق الأوروبي ومنافسة الغاز الرّوسي هناك، ما يساهم في خفض تكلفة البنية التحتيّة لتصدير الغاز من المنطقة إلى أوروبا على نحوٍ مهم ويجعل الاكتشافات المتتالية تنعم بجدوى اقتصادية عالية.

أما أين لبنان من الذي يحصل في المنطقة، وهل يستطيع أن يلحق بالقطار؟ فإن أردنا أن نجيب عن هذا السؤال ونضع هذا القطاع الواعد للبنان واللبنانيين على السكّة مجدّداً، فما علينا إلّا أن نترفّع عن المصالح الشخصيّة والضيّقة.

ذات يوم... القذافى يطالب بإيداع «حسين» مستشفى المجانين و«فيصل» يغضب و«عبدالناصر» يعلق

 
سعيد الشحات
 
أجرى الرئيس جمال عبدالناصر اتصالًا تليفونيًا مع العاهل الأردنى الملك حسين يوم 22 سبتمبر 1970، وحسب محمود رياض، وزير خارجية مصر وقتئذ، فى مذكراته «البحث عن السلام والصراع فى الشرق الأوسط» عن «دار المستقبل العربى - القاهرة»: «تقرر إرسال وفد ينوب عن مؤتمر القمة العربية بالقاهرة إلى عمان، برئاسة الرئيس السودانى جعفر نميرى وعضوية الباهى أدغم رئيس وزراء تونس، وسعد العبدالله السالم، وزير الدفاع الكويتى، والفريق محمد أحمد صادق رئيس أركان الجيش المصرى».

سافر الوفد لوقف القتال، الذى بدأ يوم 17 سبتمبر 1970 بين الجيش الأردنى وقوات المقاومة الفلسطينية المتواجدة فى الأردن، وحسب رياض، فإن عبدالناصر كان فى مرسى مطروح يقضى أول يوم من إجازة عشرة أيام، ألح الأطباء عليه أن تكون شهرا، نظرا لحالته الصحية، وعاد على الفور فور بدء الأزمة.

أرسل عبدالناصر فى البداية، الفريق صادق للقاء الملك حسين، لكن مهمته فشلت، فدعا لقمة عربية طارئة، وتوافد القادة العرب وبدأت مشاوراتهم من مساء السبت 21 سبتمبر حتى صباح 22 سبتمبر، وأسفرت عن إرسال الوفد برئاسة نميرى، وحسب مذكرات الفريق صادق «موقع البديل الإلكترونى - 28 مارس 2015» قال له عبدالناصر: «أهم شىء عندى أن تحضر لى ياسر عرفات حيا إلى القاهرة، فعرفات يمثل الرمز الفلسطينى، ولابد من إنقاذ هذا الرمز».

فى عمان شرح «حسين» الموقف لوفد القمة، الذى تعذر اجتماعه مع «عرفات» فاجتمع بقادة من منظمة التحرير وهم، صلاح خلف، فاروق قدومى، إبراهيم بكر، بهجت أبوغريبة، والعقيد سمير الخطيب «كانوا تحت الأسر لدى الجيش الأردنى»، وأسفرت الاجتماعات عن اتفاق بوقف لإطلاق النار أعلنه الملك حسين ونميرى فى كلمتين للإذاعة فى مثل هذا اليوم «23 سبتمبر 1970» لكنه فشل، فتجدد القتال بطريقة أعنف.

فى دراما هذه النكبة العربية، كانت مناقشات الرؤساء فى بداية جلسات القمة من فصولها المثيرة، وينقل محمد حسنين هيكل جانبا منها فى كتابه «الطريق إلى رمضان»:
 
قال الملك فيصل: «متفق مع فخامتكم لـ«عبدالناصر» أن ذلك كله يبدو وكأنه خطة لتصفية المقاومة، وقال القذافى: «غير متفق معكم فى الجهود التى تبذلونها، واعتقد أنه لابد من إرسال قوات مسلحة إلى عمان من العراق وسوريا»، رد فيصل: «تريد أن ترسل قواتنا المسلحة للقتال فى الأردن؟، هذا ليس عمليًا»، طلب عبدالناصر: «علينا أن نتحلى بالصبر»، ونظر فيصل إلى القذافى: «إذا كان علينا أن نرسل جيوشنا إلى أى مكان، فلابد أن نرسلها لتقاتل اليهود».

رد القذافى: «ما يفعله حسين أبشع مما يفعله اليهود، والمسألة كلها اختلافات فى الأسماء»، تدخل عبدالناصر: «إذا أرسلنا جنودا إلى الأردن، فإن ذلك يؤدى إلى تصفية الفلسطينيين، وأريد منكم أن تستمعوا إلى رسالة تلقيتها هذا الصباح من الاتحاد السوفيتى إنهم يطلبون منا التمسك بأقصى قدر من ضبط النفس، لأن الموقف الدولى أصبح دقيقًا للغاية، وأى خطأ فى التقدير يمكن أن يؤدى إلى أن يفقد العرب كل السمعة التى اكتسبوها خلال السنوات الثلاث الماضية»، علق القذافى: «مازلت معترضًا، فإننا إذا كنا نواجه مجنونا كحسين يريد أن يقتل شعبه، فلابد من أن نرسل له من يقبض عليه ويضع الأغلال فى يديه، ويمنعه من أن يفعل ما يفعل، ويحيله إلى مستشفى مجانين»، رد فيصل: «لا أظن أن من اللائق أن تصف ملكًا عربيًا بأنه مجنون، يجب أن يوضع فى مستشفى مجانين»، رد القذافى: «لكن أسرته كلها مجانين، والمسألة مسألة سجل»، قال فيصل: «حسنا، ربما كنا كلنا مجانين»، قال عبدالناصر: «فى بعض الأحيان حينما ترون جلالتكم ما يجرى فى العالم العربى، إن ذلك ربما يصبح صحيحًا، واقترح أن نعين طبيبًا يكشف علينا بصورة منتظمة ليتبين من هم المجانين من بيننا، رد فيصل: «أريد أن يبدأ طبيبك بى، لأنى أشك بالنظر إلى ما أراه فى أنى أستطيع الاحتفاظ بتعقلى». تدخل عبدالناصر: «على أية حال دعونا نعد إلى موضوعنا الأصلى، أقترح أن يصدر على الفور بيان باسم الرئيس نميرى يقول إن الملك حسين قطع للوفد عهدًا بإنهاء القتال، فعلق القذافى: «الملك حسين لن يتراجع ما لم يحس بخنجر فوق عنقه».

اذا تحطم الجيش

 عبد الحليم قنديل

القاعدة العامة ـ في المنطقة العربية على الأقل ـ أنه إذا تحطم الجيش تحطمت الدولة، وربما يكون السبب في غياب وتخلف الشروط الأخرى للمواطنة المستقرة ووحدة الدولة، ومن نوع الافتقار إلى تقدم اقتصادي انتاجي صناعي بالذات، أو غياب المزايا الديمقراطية ومعاني المساواة وتكافؤ الفرص، أو قوة الكيانات الاجتماعية التقليدية الموروثة كالقبائل والطوائف الدينية، أو عشوائية الحدود المرسومة اعتباطيا من قبل الاستعمار كما في الخليج والمشرق العربي بالذات.
.
والعراق هو المثال الأشهر على ضمان الجيش لوحدة الدولة، فقد كان الجيش زمن صدام حسين هو الممثل الأوفى للوطنية العراقية الجامعة، كان مؤسسة التجنيد العام العابر للطوائف والعرقيات، وثبتت صلابته في الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي استمرت لقرابة عقد من الزمان، وكان غالبية جنود الجيش العراقي بطبائع الأوزان السكانية من الشيعة، لكن الجيش لم يشهد انشقاقا واحدا طوال الحرب مع نظام الخميني، فقد حارب شيعة العراق في جيش صدام ضد قوات الإمام الشيعي، وأجبروه في النهاية على «تجرع السم» والوقف المهزوم لإطلاق النار، وبدا الجيش العراقي في صورة المنتصر، رغم أن الحرب لم تكن عادلة في رأيي، ورغم ديكتاتورية صدام، لكن المثال غاية في البلاغة عن ضمانة الجيش لوحدة الوطن، فغالبية العراقيين العرب من الشيعة، لكنهم في الحرب مع شيعة إيران كشفوا عن قوة الوطنية العراقية، وبدا وعاء الجيش وحده أكثر كفاءة، وهو ما انتبه إليه المخططون لغزو أمريكا للعراق فيما بعد، فقد كان أول قرار اتخذه الاحتلال الأمريكي هو حل الجيش العراقي، وكان حل الجيش يعني حلا وتفكيكا لدولة العراق، بل تحطيما لوحدة الشعب العراقي نفسه، فقد زالت المناعة الوطنية، وبدأت حروب الطوائف، وتحول شيعة العراق إلى مجرد ملحق ذيلي لدولة الشيعة الإيرانية، وحولوا الجيش العراقي البديل الذي بناه الأمريكيون، إلى مزرعة طائفية نتنة، وجرى إلغاء مبدأ التجنيد الوطني العام، وألبسوا الميليشيات والعصابات الطائفية زي الجيش، وصرفوا عليه ما يزيد على مئتي مليار دولار، وفي لحظة الجد، انهار الجيش المفتعل ككومة من تراب، وهرب ثلاثة وخمسون ألفا من جنوده وضباطه أمام قوة «داعشية» تزيد عن الألف بقليل، وتكررت الحالة ذاتها من سقوط «الموصل» إلى سقوط «الرمادي» بعدها بعام، وبدا الجيش العبثي كأفضل مورد للسلاح الأمريكي بالمجان إلى تنظيم «داعش»، وما من حاجة إلى استظهار التفسير البديهي، فقد انتفت فكرة الوطنية الجامعة عن تكوين الجيش، وحلت الفكرة الطائفية المخاصمة والمدمرة لفكرة الوطن، وبدت العصابات الشيعية وجيشها كامتداد للأراضي الإيرانية، فيما جرى إلحاق ثلث العراق بأراضي «داعش» الممتدة على نصف مساحة سوريا المجاورة، ورغم تغيرات جرت فيما بعد، وفي صيغة ما سمي بالتحالف الدولي تحت قيادة واشنطن، التي نجحت في دفع دولة داعش إلى التراجع جغرافيا في سوريا والعراق، وهو ما ظل متصلا إلى الآن في معركة «الموصل» الجارية، إلا أن الدودة الطائفية تظل تنخر في شجرة الجيش العراقي، الذي أضيفت له جيوش طائفية خالصة تحت عنوان «الحشد الشعبي»، إضافة لجماعات الأكراد والتركمان وكل من هب ودب، بما يجعل متوالية تفتيت وتقسيم العراق سارية بآثارها المرعبة في غياب جيش وطني يضمن وحدة التكوين العراقي.

ومن العراق إلى سوريا، يبدو الخطر نفسه قابلا للتكرار الآلي، فالجيش السوري قائم هو الآخر على مبدأ التجنيد الوطني العام، وإذا تفكك الجيش السوري نهائيا، لا قدر الله، وقد صار ذلك واردا جدا، فسوف تختفي سوريا إلى الأبد، صحيح أن الجيش السوري به أمراض طائفية، وسيطرة للعلويين على دوائر التحكم في حركته، وهو العيب القاتل المهدد لاحترافية الجيش، ولكفاءته واقناعيته في خوض الحرب ضد الجماعات المسلحة، التي تنمو وتتوغل في الحاضنة الاجتماعية السنية المقهورة، وكل ذلك مفهوم بحكم الطابع الطائفي للنظام الحاكم، وقد كان ذلك كله قابلا للإصلاح مع تغيير النظام، ومع بناء تقاليد مواطنة متساوية ذات طابع ديمقراطي، تقبل الامتداد لإصلاح عيوب التكوين القيادي الطائفي للجيش والأجهزة الأمنية، لكن وقت الإصلاح فات على ما يبدو في المأساة السورية، وجرى دهس أحلام الثورة السلمية، وإحلال حرب طائفية كافرة لا تبقي ولا تذر، مع التقسيم العسكري الميداني لسوريا فعليا بين قوى دولية وتوابع إقليمية، ولم يعد من ضمان إلا إذا حدثت معجزة، وجرى إقرار تسوية سياسية تستبعد جماعات التحطيم الإرهابي، وربما تستبعد عائلة الأسد بالمقابل، ولكن بشرط أن تبقي على وحدة الجيش، فما من ضمانة لبقاء سوريا بدون وحدة الجيش، والبديل هو حرب إبادة طائفية جماعية قد تستمر لعشرات السنوات، ومع تفكيك سوريا إلى دويلات وإمارات طائفية وعرقية متحاربة إلى آخر الزمان.

وبين حالتى سوريا والعراق، يتكرر التلازم بين قوة الجيش ووجود الدولة في حالات تفكيك عربية أخرى، بينها السودان واليمن وليبيا وقبلها الصومال، فلم يعد من وجود لدولة صومالية منذ تفكيك جيش الجنرال سياد بري، والسودان يتفكك إربا مع ضعف جيش البشير الحزبي المترهل، والمطامع القبلية مزقت وحدة الجيش اليمني، ثم غزت «الطائفية الحوثية» صفوفه، ولم يعد لليمن جيش واحد متماسك، بل عدة جيوش تتحالف أو تتصارع، وفي بيئة قبلية محاربة ومقفرة اقتصاديا، وبما حول اليمن من زمن إلى دولة فاشلة بامتياز، توزعت جيوشها على جبهات الحوثيين والإخوان والحراك الجنوبي و»القاعدة» و»داعش» وأخواتهما، وبدون أمل في غير تسويات ركيكة، لا تلبث أن تقوم حتى تتفكك، وتفكك معها اليمن إلى دويلات وجيوب، وعلى النحو الذي انتقل بخطره إلى ليبيا منذ سنوات، فلم يكن لليبيا جيش موحد زمن القذافي، كان العقيد القذافي يكره قيام جيش قد ينقلب عليه، وتكشف الخلل ظاهرا بعد نهاية العقيد، فقد ذهب نظام القذافي، لكن ليبيا مهددة الآن بالذهاب هي الأخرى، وبسبب عدم وجود جيش قوي يسيطر على أراضي ليبيا الواسعة، ويحفظ ثرواتها الهائلة من الضياع، ويجعلها موطنا مستقرا لأهلها الهائمين على وجوههم في خوف وفزع، وقد تتشكل حكومة وحدة وطنية في ليبيا، وتجري جولات الانتخابات، لكن ذلك قد لا يعني شيئا في استعادة وحدة ليبيا، ما لم يقم جيش ليبي موحد يحفظ السلاح في يده حصريا، وعلى نحو ما حدث في الشرق الليبي، وتكوين ما يعرف بجيش «حفتر»، الذي يبسط سيطرته كاملة من الحدود المصرية الليبية إلى ما بعد منطقة «الهلال النفطي» التي سيطر عليها مؤخرا، وبما يدفع الأطراف كلها إلى اعتباره الرقم الأصعب في المعادلة الليبية. وقد تكون من أسباب كثيرة لقوة الدولة في مصر، ولوحدة مصر العصية على التفكيك، لكن قوة الجيش ووطنيته الجامعة ضمان لا يمكن إنكاره، ففي مصر أقوى دولة عربية بأقوى جيش.
صحوة مراوغة
قد يكون شيئا طيبا أن تسمع خبرا عن الشيء المسمى بالجامعة العربية، فقد بادرت الجامعة أخيرا إلى عقد لقاء ثلاثي جمعها مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وكان العنوان عن ليبيا ومحنتها وأزمتها الممتدة من سنوات، التي كانت الجامعة نفسها واحدة من أهم أسبابها، فقد لعبت الجامعة دور «المحلل الشرعي» في زواج باطل، وأفتت بطلب التدخل الحربي من مجلس الأمن، بما أدى إلى تحطيم ليبيا، ناهيك عن ضياع ثورتها المدهوسة تحت أقدام جماعات الارتزاق والإرهاب .

ما علينا، المهم أن أحدا سمع صوتا للجامعة العربية في شأن عربي، فقد صارت كل قضايانا وأزماتنا «دولية» بامتياز العالم كله يلعب في العراق، وجيوش الغرباء تعيد تشكيل خرائط سوريا، ومأساة اليمن أفلتت من كل تحكم عربي، وليبيا صارت مهمة المبعوثين الدوليين من طارق متري إلى برناردينو ليون إلى الألماني مارتن كوبلر، ناهيك عن قضايا أقدم صارت في غياهب النسيان من زمن طويل، كقضايا الصومال وجزر الإمارات وحتى قضية فلسطين، وإلى حد أن أحدا لم يعد يلتفت إلى عروبة هذه الأزمات المزمنة، وصار تدويلها هو الحل الذي يفاقم المآسي دائما، مع غياب أي دور مستقل للأطراف المحلية في أقطار الأزمات، ومع غيبة أي مبادرات عربية ترد الاعتبار لأمة تتمزق أطرافها ويسيل دمها وينفطر قلبها.

ولا تكفي النوايا وحدها لاستعادة الدور العربي الغائب في قضايا العرب، ولا رغبة الأمين العام للجامعة في صحوة تبدو مراوغة، فالجامعة ـ كأي نظام إقليمي ـ محكومة بإرادة أطرافها، وأطراف الجامعة في غالبها لا تملك إرادة تخصها وتستعير أصواتها من حناجر ومصالح قوى دولية، أو من دول جوار تستقوي بالغياب العربي، وهو ما يفسر ضعف الإرادة الذاتية للدول العربية إلى حد التلاشي، فمن لا يملك إرادته لا يملك قرارا ولا مبادرة تخصه، وهكذا تجتمع دول الجامعة كأنها لم تجتمع، فلا يتردد في قاعات اجتماعاتها سوى صدى أصوات الآخرين، فنحن بصدد جامعة ترفع شعار العروبة والعرب، فيما يبدو العربي الطارق على أبوابها مطاردا يتيما، غريب الوجه واليد واللسان

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر