الراصد القديم

2016/07/01

هل حصل الطلاق البائن بين ريفي والحريري؟!




الهوّة التي بدأت بين أبناء البيت السني الأزرق، لم تردمها القبلات المتبادلة عشية مهرجان ذكرى 14 شباط في البيال، إذ أعلن الوزير استقالته من الحكومة في 20 شباط 2016 وأنّه لن يكون شاهد زور في ظلّ هيمنة حزب الله على الدولة.

الشرخ بين الحريري وريفي لم يتوقف عند تغريدة تويترية، بل تمثّل بعدة مواقف متتالية، منها إعلان الوزير المستقيل أنّه ليس من تيار مستقبل وإنّما حالة حريرية مستقلة، ثمّ دعوته فيما بعد الحريري للعودة لنهج ابيه ولخطّه وللثوابت، وتأكيده أنّ مواقفه الأخيرة تتقاطع مع مواقف الشهيد.

كلّ هذه التطوّرات كانت باكورتها الانتخابات البلدية، والتي خاضها الرئيس الحريري بتحالف سياسي مع الأطراف النقيضة، ممّا دفع الوزير أشرف ريفي لمواجهة هذا التحالف الهجين كما سمّاه، بلائحة مستقلة تعكس مناخ طرابلس الذي لا يمكن أن يسمح لا لحزب الله ولا لمشروع النظام أن يتظلل به.

تَرّشُح ريفي أمام الحريري، حوّل المعركة إلى معركة زعامات، ووجه الأنظار نحو القائد السني الأوّل، لا سيما وأنّ طرابلس هي عاصمة السنّة.

هذا التحدي، زاد المسافات فأصبح الالتقاء بين الطرفين صعباً وهذا ما أوضحته وسائل إعلامية سرّبت أنّ الرئيس الحريري طلب من السفير السعودي عدم دعوة الوزير أشرف ريفي لمأدبة العشاء التي دعا إليها جميع أفرقاء السياسة.


الأزمة الحريرية- الريفية، انفجرت جلياً بعد الانتخابات البلدية، فكان التوّجه الشعبي – السني لصالح الوزير المستقيل، نتيجة لم يتوقعها التحالف السياسي المؤلف من حيتان المال والسياسة، كما لم ينتظرها ريفي نفسه الذي كان يعتبر أنّ الخرق ولو باسم واحد هو انتصار، وكان من انعكاساتها استقالة النائب روبير فاضل.

هذه الإعادة الموجزة للمرحلة الريفية – الحريرية، إنّما للتوقف عند زيارة الحريري إلى طرابلس والتي ترافقت بتصريح ناري قال من خلاله علناً لاشرف ريفي “حل عن رفيق الحريري وعن المزايدات والعنتريات على بيت الحريري باسم رفيق الحريري”، كما اتسمت بتجاهل لزيارته أو زيارة النائب خالد الضاهر.

الحريري وأثناء تواجده في طرابلس حاول أن يستوعب المناخ العام، وعمل على استقبال العديد من الناشطين والشباب الذين ينتقدونه عبر مواقع السوشيل ميديا سياسياً، فاستمع لاسألتهم وأجابهم بصراحة، وكان من الأسئلة التي طرحت عليه، لماذا من يحمل مفهوم الاعتدال ومن يقدم التنازلات إن لحزب الله أو لميقاتي أو لغيره، لا يقوم بأيّ خطوة ايجابية تجاه الوزير اشرف ريفي .

عن هذا السؤال، يفصل سعد الحريري بين الخصم والحليف وبين ابن البيت الأزرق، موضحاً أنّ الحليف لا يعوّل على مواقفه ولا يؤذيه طعنه وكذلك الخصم، وهو إن قام بخطوة اتجاه أيّ منهما فكونهما يخالفانه، والتضحية هي لأجل الوطن، إنّما ابن البيت الواحد فهو ليس بحليف ولا خصم بل يجمعه به السقف السياسي والخط والنهج، وأيّ خروج عليه هو انقلاب.

كذلك، يتساءل الحريري أمام زواره إن كان أشرف ريفي أو خالد ضاهر يريدان أن يقيما زعامات على حسابه بالمزايدة عليه بمواقفهما.

من جهة ثانية، تهمس مصادر متابعة أنّ أيّ تنازل سوف يقدّمه الحريري في هذين الملفين، سوف يزعزع مكانته السياسية، فالحريري رئيس تيار سياسي في نهاية المطاف وتقديمه التنازلات للمعترضين سوف سؤذيه شخصياً.

في سياق آخر، يصرّح النائب خالد ضاهر عن استقبال عكار وببنين للحريري بعد ما أعلنه مؤخراً، بأنّ “أهل عكار وببنين هم أهالي الكرم، والزائر هو سعد الحريري ابن الشهيد رفيق الحريري ولا بدّ أن يتم استقباله أفضل استقبال”.

ويضيف ضاهر”انتقادي للحريري أنّه كان عليه أن يدخل البيوت من أبوابها”، متسائلاً، “ليقرأ مستشاروه الشارع الطرابلسي بعد تَجاهُل كل من أشرف ريفي وخالد ضاهر”.

مظاهر غياب العقل العربى ومهامه للحضور ..!

 
محمود كامل الكومى 

افضل مارزق الله بة عبادة ومَن بة عليهم (العقل)-الذى هو الدعامة لجميع الاشياء ,والذى لا يقدر احد فى الدنياعلى اصلاح معيشتة ولا احراز نفع الا بة .

وكذلك طالب الآخرة,المجتهد بالعمل المنجى بة روحة, لايقدر على اتمام عملة,الا بالعقل,الذى هوسبب كل خير ومفتاح كل سعادة.

والعقل مكتسب بالتجارب والادب.
ولة غريزة مكنونة فى الانسان كامنة كالنارفى الحجر,لاتظهر ولايرى ضوئها حتى يقدحها قادح من الناس ,فاذا اُقدحت ظهرت طبيعتها.

وكذلك العقل كامن فى الانسان لايظهر حتى يظهرة الادب وتقوية التجارب.
ومن نتاج العقول يتشكل العقل الجمعى للمجتمع....

كان لابد من هذة التقدمة,,ونحن ندرك غياب العقل العربى فينا.
ولعل ابرز مظاهر غياب العقل العربى ..........

انة لايستطيع ان يفرق بين العدو والصديق,بل فى كثير من الاحيان يساهم العقل العربى المغيب ,فى تمرير مؤامرات الاعداء التى تُحاك ضد الامة العربية ..........

ويبدو العقل العربى (اليوم)ممثلا فى شعوبة وعلى الاقل نخبة, وكأنهم منقسمون على كل القضاياالرئيسية فى حياة الامم... فهم منقسمون :

1-على القيم الحاكمة لحياتهم 2-على رؤيتهم لتاريخهم 3-على علاقتهم بالخارج الثقافى والحضارى
4-على فهمهم لكليات دينهم ذاتة(الاسلام -خاصة).

ان صعود بعض تيارات الاسلام السياسى -ممثلة فى الاخوان المسلمين - وكذلك التيارات التكفيريه المنبثقه عن الوهابيه التى تأصلت فى حكم آل سعود وما نشأ عنها من تنظيمات جاهليه " القاعده وداعش والنصره وبيت المقدس وجند الشام وأحرار الشام , وما نتج عنها من نشر الفوضى والارهاب فى ربوع أمتنا العربيه .
يساهم الآن بدرجة اوبأخرى فى تغييب هذا العقل العربى .
فقد عملت هذة التيارات على ..
1- تأجيج الصراع والانقسام الداخليين فى البلد الواحد 2- تبنى تصورها الخاص للاسلام

3- اختزال دينا توحيدياعظيما ,الى مجرد خطاب وشعارات سياسية .

4-ادلجة الاسلام ,وتحويلة الى مجرد برنامج عمل سياسى .

5-تجربة الحكم فى السودان من قبل لم تكن مضيئة,وتجربة تونس ومصر,بداياتها متعثرة, ومقدماتها المبنية على الشعارات الكاذبة . وعدم تحقيق حد ادنى مما وعد بة ,لاتؤدى الى نتائج, لكنهاترسخ استغلال معاناة الشعب لتحقيق مكاسب الوصول للسلطة , دون انتشال التدنى فى العقل والوصول الى الرشد,,وهو ماساهم فى غياب العقل العربى بشكل او بأخر وحتى حينما انكشف زيفها وأنهار حكمها فى مصر وتونس , فأن ذلك لم يصب فى خانة تنوير العقل بسبب تأصيل الثأر بين أبناء البلد الواحد مما ساهم أكثر فى تغيب العقل وترديه .
—————
كان تغيب العقل العربى (ابتداءا)من احداث الفتنة الكبرى التى دارت ست سنوات وانتهت بقتل عثمان.
وخلال الخلافة الاموية والعباسية برز بعض من التجليات للعقل العربى , لكن كلها انتهت الى ضمورفى العقل العربى لسبب اولآخر.
وخلال القرن ال17 وبداية ال18 ,,دعا علماء ومصلحون كبار الى تحرير الدين مما علق بة من قيود التقليد والخرافة ..والى احياء الاجتهاد.

حتى كان القرن ال19 فكان قرن ازمة العقل العربى الاسلامى,وفية..
تراجعت الجيوش العثمانية
واحتل نابليون بونابرت مصر وسيطرت بريطانيا على عدن ثم مصر وسيطرت فرنسا على تونس والجزائر.
وهوماادى الى تراجعات شديدةنحو تقدم العقل العربى,,,,,,,,,,,,, صاحبها ,,

اختراق ثقافى (تمثل فى محاولات طمس الهوية , وفصل الحدود, والقضاء على اللغة العربية واستبدالها بلغات دول الاحتلال (دول شمال افريقيا),

ثم اختراق غربى واسع للاسواق العربيةعلى شواطىء المتوسط والخليج ,, مما دفع البعض من القائمين على الدول العربية الى اتخاذالقوانين والمؤسسات الاوربية مثالا لها,,وهو ما أدى الى تعزيز سلطة الدولة وسيطرتها على التعليم .
وكان هدف النظام التعليمى انتاج موظفين ,,مماساهم فى انحدار العقل العربى -لاعلماء تنتشل العقل العربى من الانحدار-
وقد استوردت الانظمة القانونية من الغرب كما هى ..واخذت طبقة العلماء فى الانحداروبدأ النظام الاخلاقى فى التراجع.
وسط دباجير الظلام هذة لاحت نقطة ضوء ,فترة من الزمن,ساعدت فى نمو العقل العربى واتقادة.

فاذا كنا فى البداية قد عرفنا العقل بانة لة غريزة كامنة فى الانسان لايرى ضوئها حتى يقدحها قادح من الناس,

فقد لاح فى الافق ذلك القادح . وظهر جمال عبد الناصر.حيث اخذت الفترة الناصرية من 1953 حتى1967 تساهم بشكل اوبأخر فى عودة الروح للعقل العربى .
فعرف العقل العربى طريقة نحو الصديق وعدائة للعدو ,
وساهم فى تعميق الانتماء العروبى , والنضال من اجل الوحدة,وانتشرت من القاهرةالبعثات والعلماء الى كافة انحاء الدول العربية من اجل الارتقاء الثقافى والادبى والعلمى بشعوبها
فنتج عن ذلك تنوير اضاء العقل العربى , ولو لبعض الوقت .
وصارت مصر والامة العربية,محط انظار العالم ,وفاعل يخشى منة.

وكانت النظرة الامبريالية قد استشاطت من هذا النمو للعقل العربى.

1 فنفذت مؤامرة عدوان 1967 على مصر والاردن وسوريا , وهو ما اعاد العقل العربى الى ضمورة من جديد.

2 وفرضت معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية (السادات -بيجين)ثم وادى عربه بين (النظام الأردن واسرائيل ) وأتفاقية أوسلو (عرفات أسرائيل )التى أدت جميعها الى تبعية العقل العربى من جديد لقوى الاستغلال الامبريالى.
3 وأخيراً فرضت الأمبرياليه والصهيونيه على دول الخليج تكوين مجلس التعاون الخليجى ليكون آليتها لتدمير الجامعه العربيه وهو ما تحقق الآن لتواصل تلك الآليه تفتيت الدول العربيه فى العراق وسوريا واليمن وليبيا بتمويل كل الحركات الأرهابيه تحقيقا للأمن الصهيونى , وهنا يكون العقل وقد تفتت هو الآخر .
4 أنشاء قناة الجزيره القطريه التى ساهمت فى أصابة العقل العربى بالسرطان الفكرى وغدت الديماجوجيه تحوم حول للفكر فتشيطنه .
5 نقل مراكزالتنوير الفكرى من القاهره ودمشق وبيروت وبغداد حيث الثابت مدى اشعاعاتها الفكريه التى تنير العقل العربى على مدى التاريخ ,الى دبى وابو ظبى والدوحه حيث الثابت مدى سيطرة الموساد الصهيونى وال C I A على هذه المراكز وجعلها طريق العقل العربى الى الغياب .
6 مشاركة بعض المحسوبين ععلى الفكر العربى وكذلك الشخصيات الرسميه العربيه مؤتمرات الصهيونيه التى تعقدها سواء خارج فلسطين المحتله وعلى ارض فلسطين وأخرها :أنعقاد مؤتمر فى هرتسيليا ً تحت عنوان " نحو بلورة استراتيجية صهيونية للمناعة ا لقوميه "
المشاركون :عرب من الخليج خاصة قطر"سلمان الشيخ،" مدير سابق لمركز بروكينجز الدوحة، والسعوديه ضمت قائمة المشاركين كذلك سفيرى مصر والأردن لدى الصهاينه وعضو من اللجنه التنفيذيه لمنظمة التحرير الفلسطينيه .. وكذلك ممثل مايسمى بالجيش السورى الحر عصام زيتون " وهو شىء طبيعى للأخير كعميل ينفذ سياسة أسرائيل فى تفتيت سوريا "..
ورياض خوري، أستاذ جامعي أردني،
الهدف : أمن أسرائيل القومى بتقويض الأمن القومى العربى وأشعال النار فى ربوع الدول العربيه من اجل القضاء نهائيا على فكرة الوحده العربيه وانهاء القوميه العربيه .

وهو ماادى الى ماوصلنا الية اليوم من غياب الرؤى ,وتعامى العقل العربى عن المفاضلة بين العدو والصديق.

بل ان الامر وصل الى حد تفضيل العدو على الصديق والادهى انة ساهم فى نجاح مؤامرات الاعداء لتفتيت الامة العربية,(كما حدث للعراق وليبيا , وما يبغون لة ان يحدث فى سوريا واليمن ).
——————-
والسؤال الآن..أليس من قادح يقدح النارالكامنة فى العقل العربى حتى يرى ضوئها وتظهر طبيعتها؟؟
يرى د|محمد عابد الجابرى(نقد العقل العربى -3 )

انة يجب الا ينسينا ذلك ((النموذج الامثل ))الذى برزت كثير من ملامحة خلال الدعوة المحمدية, لقد رفض النبى (ص)مرارا ان يسمى ملكا اورئيسا ..محددا هويتة بأنة نبيا رسولا لاغير.
وان اتباعة لم يكونوا ينظرون الى انفسهم ولم تكن قريش تنظر اليهم (على انهم مرؤسون محكومون)
بل كانوا يسمون انفسهم وكان العرب يسميهم (اصحاب محمد او صحابتة).

وقد رسم القرآن الاسس التى تبنى عليها هذة الصحبة ,فذكر منها الشورى.

فكان اسلام عهد النبوة (نموذج مفتوح)بمعنى انة يقبل اضافات كثيرة مختلفة ومتباينة.
ومع ذلك فان اعتبار هذة المعالم الاربعة ..
1-وامرهم شورى بينهم 2-وشاورهم فى الامر 3-انتم ادرى بشئون دنياكم4-كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيتة , كضوابط موجهة او كأصول تأسيسية,تسد الباب امام جميع انواع التسلط والاستبداد

واذا كان العاقل هو من يبلغ بحيلتة مالايبلغ بالخيل والجنود .

فان مهام العقل العربى تتجلى فى..

1-تحويل القبيلة فى مجتمعنا ..الى تنظيم سياسى اجتماعى(احزاب ,نقابات ,مؤسسات دستورية ) ,أى بناء مجتمع فية تمايز واضح بين المجتمع السياسى (الدولة واجهزتها)والمجتمع المدنى (التنظيمات المستقلة) , مما يؤدى الى فتح الباب لقيام مجال سياسى حقيقى يتم فية صنع القرار-ويقوم فاصلا وواصلا-بين سلطة الحاكم و امتثال المحكوم.
واذا كان هذا التحول يتم عبر تطور اجتماعى ,سياسى ,ثقافى ........اِلا أن هذا لايلغى دور العقل والممارسة .
2-تحوبل الاقتصاد الريعى الى اقتصاد انتاجى .

ان التكامل الاقتصادى الاقليمى ,وفى اطار سوق عربية مشتركة تفسح المجال لقيام وحدة اقتصادية بين الاقطار العربية..........هو الاساس الضرورى لتنمية عربية مستقلة, وهذا يتطلب التصدى للآليات الصهيونيه التى أُنشئت لغزو العقل العربى وتفتيت بنيان الأمه العربيه " مثل مجلس التعاون الخليجى وكافة القنوات الفضائيه الخليجيه المموله بالبترودولار", وفى العموم التصدى للرجعيه العربيه وعدم الأمان لها على الأطلاق بأعتبارها عميلة الأستعمار والصهيونيه , والفاعله على تدمير العقل الجمعى للشعب العربى ونشر اللاوعى .

3-تحويل العقيدة الى مجرد رأى.
وهذا معناة التحرر من سلطة عقل الطائفة ,,والتعامل بعقل اجتهادى نقدى, فالفكر العربى مطالب الآن اكثرمن اى وقت مضى بنقد المجتمع ونقد العقل .
وبدون ممارسة ذلك بروح علمية سيبقى كل حديث عن النهضة ووحدة الوطن العربى اضغاث احلام.

فهل من يحول الحلم الى حقيقة؟,ويقدح الغريزة المكنونة فى الانسان العربى (العقل)حتى يرى ضوئها ويظهرطبيعتها .

ثمن المصالحة التركية الروسية

 
 سمير صالحة
 
عندما يعرب الناطق الرسمي باسم الحكومة التركية، نعمان كورتولموش، عن أمنيته في أن تساهم تهنئة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه، بن علي يلدرم، لنظيريهما في روسيا فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف، بمناسبة العيد الوطني لروسيا، في إعادة العلاقات بين البلدين التي تضرّرت نتيجة إسقاط المقاتلة الروسية في أكتوبر/ تشرين الثاني المنصرم إلى سابق عهدها ، فهو يوجه بذلك رسالةً تركية واضحةً تعكس استعداد أنقرة لتفعيلها سياسياً ودبلوماسياً باتجاه تحريك قنوات الاتصال المباشر وغير المباشر، وعلى المستويات كافة، للوصول إلى النتيجة المرضية للجانبين. 

لم تتأخر موسكو كثيراً في الرد على التحية التركية، عندما أعلن بوتين أن بلاده ترحب بإعادة العلاقات إلى سابق عهدها، مع بعض التحفظ حول وجود ما ينبغي أن تفعله أنقرة أولاً. وسارع الرئيس التركي، مرة أخرى، للإعلان أنه تسلم رسائل موسكو الانفتاحية، فأمر بإدراج اسم السفير الروسي في أنقرة، ألكسندر كارلوف، على لائحة المدعوين للإفطار الرئاسي الذي أقيم لأعضاء السلك الدبلوماسي في تركيا، ليأتي الرد الإيجابي بقبول الدعوة الذي لم يكن ليتم من دون موافقة الكرملين مباشرة. ثم جاء دور موسكو، هذه المرة، مع قرار وزارة الدفاع الروسية إشعال الضوء الأخضر أمام طائرات استطلاع تركية بالطيران في الأجواء الروسية وفق اتفاقية "الأجواء المفتوحة"، على الرغم من أنّ تركيا رفضت طلباً روسياً مماثلاً في فبراير/ شباط الماضي، ليعقبه، على الفور، إعلان نائب وزير الخارجية الروسي، فايلي نيبنزيا، أن بلاده وجهت الدعوة لتركيا لحضور اجتماع منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر الأسود، في مدينة سوتشي جنوب غرب روسيا الشهر المقبل، تاركا الباب مفتوحاً أمام جلسة مباحثات تركية روسية مباشرة، في حال حضور وزير الخارجية التركي، مولود شاووش أوغلو القمة. 

باتت المسألة أكثر وضوحاً حول تقدّم لغة الانفتاح على أسلوب التصعيد والانغلاق في البلدين. ويستخدم الرئيس التركي نبرةً لا تُقارن بنبرة ما قبل سبعة أشهر من التحدّي والتهديد والوعيد "لا نعرف ما تتوقعه موسكو، لدي صعوبات في فهم الخطوة الأولى التي ينتظرونها". ويذكّر بوتين الأتراك، في زيارته اليونان أخيراً، بأن "روسيا لم تفكّر مطلقاً في الذهاب إلى الحرب مع تركيا، لكن الأمر لم يقتصر على طائرتنا التي أسقطت، بل قتل طيارنا أيضاً. تلقينا تفسيرات، ولكن لم يصل إلينا اعتذار". هل يعني هذا التطور أن تركيا جاهزة لمد يدها أولاً نحو روسيا، وأن ذلك لن يفسّر على أنه أقصى ما يمكن لأنقرة أن تقدّمه باتجاه إعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين؟
قبل أن يقول بوتين إن روسيا لن تنسى إسقاط الطائرة وقتل الطيار، وإن تركيا ستندم على فعلتها، ولن تفلت من العقوبات، كان البلدان يتجهان نحو شراكةٍ استراتيجيةٍ في مجال الطاقة بمشروع محطة الطاقة النووية وخط أنابيب الغاز بعقودٍ تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، لتنقلب الأمور رأساً على عقب، بدأتها موسكو بتجميد واردات الخضروات والفواكه التركية، ثم ألحقتها بجملةٍ من القيود على أنشطة رجال الأعمال الأتراك في روسيا، ليتبعها وقف تدفق السياح إلى تركيا، ما أدى إلى انخفاض بنسبة 90% في عدد السياح الروس أخيراً. وقالت أنقرة أيضا ما عندها وقتها، عبر إبطاء مشروعات الطاقة مع روسيا، وتعطيل مشروع بناء محطة الطاقة النووية "أك كويو"، كما تم تجميد مشروع خط أنابيب الغاز الرئيس الذي تعلق عليه موسكو أهميةً كبيرةً، وكان مخططاً أن يحمل مشروع "السيل التركي" 63 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا سنوياً.
يتزايد الحديث عن تحولاتٍ في السياسة الخارجية التركية في صفوف القيادات السياسية التركية والإعلام المقرب منها، والتوتر التركي الروسي أحد أهم الملفات العالقة التي تحتاج إلى معالجةٍ سريعة، وتحرّكٍ لا يمكن تأخيره أكثر من ذلك. يعرفون في أنقرة جيداً أن لروسيا اليوم اليد الطولى في توتير علاقات تركيا بإيران والعراق ولبنان، وتسليح حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وتحريض حزب العمال الكردستاني، ومحاولة الضغط على لاعبين إقليميين ودوليين لعدم الاقتراب من أنقرة، مثل إسرائيل ومصر. كما يتابع الأتراك عن قرب ما تقوم به موسكو في سورية في تضييق الخناق على التحرّك العسكري واللوجستي التركي في المناطق الحدودية التركية السورية، وإيقاف حركة الطيران التركي فوق غرب الفرات البقعة الجغرافية الحسّاسة للأتراك.
وفي صلب التحول في الموقف التركي حيال روسيا، ربما هناك قناعة تركية جديدة باستحالة الرهان على موقف أميركي أوروبي داعم في المواجهة مع روسيا. هناك قلق تركي حقيقي حيال سيناريوهات تناقش في المحافل الغربية أن مواجهة عسكرية تركية روسية تعني للغرب فرصة إضعاف البلدين، وإخراجهما من لعبة التوازنات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد التفاهم الغربي النووي مع إيران. المصالحة التركية الإسرائيلية وانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بين الأسباب التي ستأخذ مكانها في مسألة التحوّل التركي الروسي في قراءة مسار علاقاتهما ومستقبلها. قد تكون أنقرة قادرةً على إيلام موسكو في الملف الأوكراني، وكذلك موسكو في ردّها من خلال الملف الأرمني، لكن واشنطن قادرة على إيجاعهما معاً وبسهولة. وتندرج رسائل واشنطن إلى موسكو، أخيراً، في أن صبرها قد نفد حيال السياسة الروسية في سورية، وإبلاغها أنقرة مجدّداً على هامش قمة وزراء دفاع حلف الناتو أنها جاهزة لمناقشة مشروع المنطقة الآمنة في شمال سورية، تندرج، بعد هذه الساعة، في إطار المحاولة الجديدة للعب ورقة التوتر التركي الروسي، وعرقلة الغزل الجديد بين أنقرة وموسكو لا أكثر.
ألن يسأل أحد عن دور الإدارة الأميركية في تغريم أنقرة الثمن الاستراتيجي الباهظ الذي دفعته، بعد قرار تعليق الجيش التركي الطلعات الجوية فوق سورية؟ تقول موسكو إنه لا حل في سورية لا تتبناه وتعتمده هي، وواشنطن لا تقول أي شيء سوى تكرار مواقف قديمة، قد تكون غايتها منح روسيا الوقت والفرص التي تريدها هناك، فكيف ترضى أنقرة أن تبقى بين المطرقة الروسية والسندان الأميركي؟ تقول أنقرة إنها لا تعرف ما الذي تريده موسكو لإنهاء الأزمة، لكن الجانب الروسي، وعلى لسان السفير في أنقرة، كان واضحاً عندما طالب بتنفيذ شروط بلاده، وبينها اعتذار تركيا عن إسقاط الطائرة ودفع تعويضات، بالإضافة إلى محاسبة المسؤولين عن الحادثة. 

السيناريو التركي هو اعتذار بسبب سقوط القتيل الطيار ربما، والاستعداد لتقديم الدعم المالي لأسرته، لكن موسكو تريد الاعتذار بسبب إسقاط الطائرة ومعاقبة الفاعلين، وهو تباعدٌ من الممكن سد فجواته، في حوار سياسي دبلوماسي بعيد عن الأعين، من المفترض أن يكون قد بدأ بوساطة الجاليات الإسلامية في روسيا ورجال الأعمال الروس من أصل تركي المنتشرين في البلدين. وينقل الإعلام الرسمي في الجانبين الصورة مبتورةً، ويقدّم ما يرضي متابعيه، وهو عائق آخر أمام التهدئة تتطلب إزاحته من الطريق. 
 
ويطاول تراجع العلاقات مصالح البلدين التجارية والاستثمارية والسياسية، وليس مقبولاً بعد الآن الاكتفاء بإبراز خسائر الطرف الآخر. ربما مشكلة القيادات السياسية في الدولتين، والتي تحول دون إطلاق التغيير الواسع في ملف العلاقات التركية الروسية، هي الهتافات التي تردّدها القواعد الشعبية المناصرة في كل مناسبة، وفي كل موقف داخلي وخارجي، كرسالة تعبير عن دعمهم الواسع قيادييهم "تابع، فأنت في الطريق الصحيح". 

تكرّر موسكو دائماً أنها متمسكة بتنفيذ أنقرة شروطها ومطالبها، قبل الدخول في أي نقاش باتجاه إنهاء التوتر وإعادة العلاقات إلى سابق عهدها، لكن تركيا حصلت على ما تريد كما يبدو، وهو تحريك قنوات الاتصال السياسي والدبلوماسي بين البلدين، لتسخين عملية الحوار، والانتقال إلى الخطوة التالية التي قد تكون على طريقة لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم. لا بد أن تكون المصالحة حلقةً في إطار تفاهم حول إعادة العلاقات إلى سابق عهدها، لكن المطلوب أيضا هو بناء الآلية السياسية والدبلوماسية والعسكرية المشتركة التي تحول دون وقوع أحداث مماثلة في المستقبل. 

في العلاقة مع روسيا، تعرف أنقرة تماماً أنه حكم عليها بمجاورة دولةٍ عظمى، لن يكون من السهل محاكاتها. يقول التاريخ، والأرشيف أيضاً، إن التهديد والوعيد ليست اللغة التي يقبل بها الأتراك والروس في علاقاتهما.

مشكلة فهم معنى الحوار مع “الآخر”


صبحي غندور

تقوم وسائل الإنترنت والإعلام الفضائي بدورٍ كبير الآن في التواصل والحوار بين الأفراد والجماعات والشعوب، غير أنّ المنطقة العربية انتقلت من حالة تجاهل كلمة (الحوار) في عقودٍ ماضية إلى حالة استهلاكٍ عشوائيٍّ شديدٍ لها أفقدها معناها الحقيقي.

فالحديث يكثر الآن عن “حوار” مطلوب بين أطراف عديدة في المنطقة، وبين العرب ودول أخرى، دون إدراك أنّ المطلوب لحلّ الكثير من الأزمات القائمة حالياً هو التفاوض، وليس أسلوب الحوار.

فالحوار هو أسلوبٌ يحدث في التعامل بين الأفراد والجماعات من أجل التعرّف إلى الآخر وفهم هذا “الآخر” دون التوصّل معه بالضرورة إلى مرحلة التفاهم والتوافق.

الحوار هو تعبير عن الاعتراف بوجود “رأي آخر” وعن حقّ صاحبه بالمشاركة في الرأي، وإفساح المجال أمامه للتعبير عن فكره ومعتقده دون تشويه أو ضغط مانع لذلك.

فهل تحتاج الآن قضايا المنطقة المتنازَع عليها إلى هذا المفهوم عن أسلوب الحوار؟ وهل يجهل أصلاً كلّ طرفٍ معنيٍّ بهذه القضايا ماهيّة الرأي الآخر؟

إنّ الفرق كبير بين الحوار والتفاوض. فالحوار هو أسلوب مكاشفة ومصارحة وتعريف بما لدى طرفٍ ما، دون شرط التوصّل إلى اتفاق مع “الآخر”، وأيضاً دون مدًى زمني محدّد لهذا الحوار.

أمّا التفاوض فهو ينطلق من معرفة مسبَقة بما يريده الآخر، لكن في إطار المحادثات التي تستهدف لاحقاً الحصول على مكاسب في جانب مقابل تنازلاتٍ في جانب آخر. أي أنّ كلّ طرفٍ مفاوض يكسب ويتنازل في الوقت نفسه، ثم يكون الفارق في مدى حسابات الربح والخسارة.

أمّا الحوار، فليس فيه مكاسب أو تنازلات، بل هو تفاعل معرفي فيه عرض لرأي الذات وطلب لاستيضاح الرأي الآخر دون شرط القبول به أو التوصّل إلى نتيجة مشتركة معه، بل ربّما يحدث تأثّر وتأثير متبادلان دون إقرار بذلك من الطرفين.
الحوار يقوم به أفراد ومؤسسات، وليست الحكومات والدول، التي هي معنيّة أصلاً بأسلوب المفاوضات القائم على موازين القوى والمصالح المادية، لا على بلاغة الأفكار والكلمات أو صدق المشاعر!.

إنّ أسلوب الحوار مهمّ جداً بين الشعوب عبر مؤسسات المجتمع المدني حيث لا يجوز هنا استخدام تعبير “التفاوض”. فالشعوب “تتحاور” بينما الحكومات “تتفاوض”. لكن كما “التفاوض” له أسس للنجاح، كذلك أسلوب “الحوار” يحتاج إلى إدراك عام مسبَق بالمواضيع، وإلى مراعاة لضوابط الحوار وقواعد نجاحه.

وهناك عوامل كثيرة تدفع بعض الناس إلى الانحباس في خنادق فكرية، فيعتقدون أنّهم بذلك يصونون أنفسهم من مخاطر جحافل “الفكر الآخر”، بينما هم في الواقع يسجنون ما لديهم من فكرٍ ورؤى، فلا “الآخر” يصل إليها أو يتفاعل معها، ولا هم يتطوّرون أو يكسبون فكراً جديداً، بل يبقون على ما هم عليه جامدين متحجّرين.

ومن دون شك، يرى صاحب كل فكر الصوابَ في فكره والخطأ في فكر غيره، لكنْ قليلٌ من المفكّرين من يرى احتمال الخطأ في فكره أو احتمال الإصابة في فكر الآخر. فهذا منطلقٌ مهمّ لإمكان نجاح أي حوار بين أفكار وآراء مختلفة، ومن دونه، سيسير أي حوار في طريقٍ مسدود.

قد يكون مهمّاً في هذا المجال أيضاً التمييز بين “الحوار” و”الجدل”، كما هو مهمٌّ التمييز بين “المفاوضات” و”المباحثات”، حيث تكون المفاوضات بين أطراف متساوية في الحقوق، وإن لم تشترك في المساواة على صعيد ميزان القوى، بينما “المباحثات” هي التي تُمهّد عادة الطريق للمفاوضات ولا تحكمها ضوابط الحقوق والواجبات.

أمّا “الجدل”، فهو تعبيرٌ مظلوم في الثقافة العربية المعاصرة، إذ هو منهجٌ مطلوب ومهم إذا أحسن الأفراد أو الجماعات معرفة متى وكيف يُستخدم. “الجدل” هو التقاء نقيضين وتفاعلهما في محتوى (أو موضوع) واحد، وبظروف معيّنة وزمان محدّد، وتخرج حصيلة هذا التفاعل نتيجة جديدة بديلة عن النقيضين. فهو منهج علمي من جهة، وهو أسلوب تعامل بين البشر من جهة أخرى.

“الجدل” في أحد أوجهه، هو “حوار” حول موضوع محدّد لكن بشرط التوصّل إلى نتيجة مشتركة جديدة في زمان محدّد أيضاً، ولا يكون (الجدل) ذا جدوى ما لم تتوفّر لدى كلّ الأطراف المعنيّة فيه الموافقة عليه والقدرة على أدائه.

ونجد هذا الخلط العجيب بين (الحوار) و(الجدل)، في عددٍ لا بأس فيه من البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية، حيث المتوجّب في هذه البرامج هو الحوارات الجادّة التي لا تشترط من طرف الموافقة على رأي الطرف الآخر، وتُبقي الاختلاف في حدود الآراء بحيث لا تتحوّل إلى خلافٍ بين الأشخاص.

إنّ البلاد العربية هي بحاجةٍ قصوى الآن لكلّ هذه المفاهيم معاً. هي بحاجة للحوار كأسلوب داخل العائلة الواحدة، كما أنّ العائلة بحاجة للجدل أحياناً لحسم بعض الأمور على أسس سليمة .

الأوطان العربية بحاجة إلى حوار داخل شعوبها بين مؤسساتها المدنية وبين دعاة الفكر والدين والثقافة، لكن البلاد العربية، وعلى الأخصّ تلك التي تشهد أزمات لها امتدادات إقليمية ودولية، تحتاج أيضاً إلى اتّباع أسلوب “المفاوضات” مع الأطراف المعنيّة بالنزاعات، لا إلى أسلوب الحوار فقط.

إنّ “الجدل” مطلوب الآن داخل الأمَّة العربية حول موضوع الهويّة الوطنية وضرورة حسم ذلك لصالح وحدة الهويّة المشتركة بين العرب، بغضّ النظر عن اختلافاتهم الفكرية والسياسية، وعن خصوصياتهم الوطنية والدينية والإثنية.

فالعرب يشتركون في ثقافة عربية واحدة لا تقوم على أصل عنصري ولا يختصّ بها أبناء دينٍ دون آخر..

و”الحوار” مطلوب الآن داخل كل بلد عربي حول مفهوم المواطنة وصيغ العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد والحفاظ على التنوع الفكري والعَقَدي والسياسي في المجتمع الواحد ..

وحينما يتحقّق ذلك، تصبح البلاد العربية أكثر قدرةً على تحقيق المصالح الوطنية والعربية في مفاوضاتها مع القوى الإقليمية والدولية، فالمعيار في “ميزان القوى” حين “التفاوض” هو “كفَّة القويّ الموحَّد” لا “كفَّة الضعيف المنقسم”.

إنّ التوافق على فهمٍ مشترَك لمعنى أي مصطلح فكري هو المدخل الأهم لأي حوار فكري متميّز. هذا الأمر ينطبق حتّى على ما يندرج تحت خصوصياتٍ قائمة داخل الأمَّة الواحدة.

فالحلُّ لا يكون برفض المصطلح لمجرّد اختزان خلاصات عن تجارب محدّدة سلبية تحمل تسمية المصطلح نفسه، إذ المشكلة هنا أنّ المصطلحات كلّها تعرّضت إلى تجارب تطبيقية سلبية ومسيئة: في الفكر الإسلامي والفكر القومي والفكر العلماني، كما على صعيد شعارات الحرّية والديمقراطية والوطنية.

هنا أهمّية دور “الآخر” في المجتمعات العربية وبين العرب أينما وجدوا، وهذا “الآخر” قد يكون على أساسٍ مذهبي أو طائفي أو إثني أو حتّى عقائدي وسياسي. لكن المعيار ليس بإقرار حقّ وجود “الآخر” فقط، بل في القدرة على التعامل السليم معه وبحقّه في دوره كشريك طبيعي في المجتمع المحلي أو في المواطنة، وبضمان صيانة حقوقه الكاملة كإنسانٍ متساوٍ مع الإنسان “الآخر” في كلّ الحقوق والواجبات.

إنّ الأمّة العربية تقوم ثقافتها الدينية وحضارتها على الحوار مع الآخر بينما لا يفعل ذلك ناسُها.

الأمّة العربية هي مهبط كل الرسل والرسالات، وفيها ظهرت قبل الإسلام حضاراتٌ كثيرة ورسالاتٌ سماوية.

كذلك في الدين الإسلامي دعوةٌ صريحة للتّعارف بين الشعوب ولعدم التفريق بين الرسل والأنبياء.

فهي أمَّة عربية مجبولة على التعدّدية والتنوع وعلى حقّ وجود الآخر، وتقوم روحياً على تعدّد الرسل والرسالات، وتقوم ديموغرافياً على تعدّد الأجناس والأعراق والألوان، وحضارياً على تجارب وآثار أهمّ الحضارات الإنسانية، بينما يسود واقع الأمَّة العربية الآن حال التخلّف والتفرقة والفئوية والتعصّب.

توطين اليهود الأكراد في العراق..قنبلة الموسم


أسعد العزوني

لا جريمة كاملة ، ولا سرا يبقى طي الكتمان إلى الأبد ، لأن الحقيقة كتبت على نفسها عهدا ، أن تظهر سريعا في حال وجدت من يتطوع للبحث عنها ، ونحن الآن أمام حقيقة مرة هي قنبلة الموسم بالنسبة لنا ، لأنها وجدت إعلاميا أمريكيا يبحث عنها ، أو وحتى نكون منطقيين أكثر ، وجد من يسهل له عملية كشف السر أو إستخدمه لإعلان تلك الحقيقة ، لأنها أصبحت معلما واضحا على ارض الواقع.

وما نحن بصدد الحديث عنه هو القنبلة التي فجرها الإعلامي الأمريكي “وي ماديسون” على موقعه الإليكتروني الذي يحمل ذات الإسم ، وهي أن مستدمرة إسرائيل الخزرية ، تعمل على توسيع “أرض إسرائيل الكبرى ” لتشمل العراق ، وعلى وجه الخصوص مناطق الموصل ومحافظة نينوى ، من خلال توطين يهود إسرائيل الأكراد في تلك المنطقة.

يقول الإعلامي الأمريكي ماديسون ،أن العملية بدات منذ الإحتلال الأمريكي للعراق في ربيع عام 2003 ، حيث بدأ يهود مستدمرة إسرائيل الأكراد بزيارات متكررة للعراق ، وشراء الأملاك والعقارات اليهودية التاريخية في المنطقة ، تمهيدا للعودة إلى مناطقهم والإستدمار فيها مجددا ، وبطبيعة الحال فإنهم لن يكونوا مواطنين عراقيين محترمين ، كما كانوا في العراق قبل تضليلهم وتهجيرهم بالحيلة والغدر والصفقات إلى فلسطين المحتلة بعد العام 1948 ، بل سيكونون مستدمرين يكنون العداء للشعب العراقي وحتى للأكراد.

لا تتوقف الرواية عند هذا الحد ، فصاحبنا الأمريكي ممسك بتلابيب الملف ، إذ يتحدث في تحقيقه الإستقصائي عن الجرائم الإرهابية التي إرتكبت بحق إخوتنا المسيحيين في العراق وخاصة في مناطق الموصل ، ونسبت إلى عصابة القاعدة الإرهابية بعيد الإحتلال الأمريكي للعراق ، ويؤكد المستقصي أن الموساد الإسرائيلي هو الذي نفذ تلك العمليات ، لتحقيق هدفين إثنين هما تسهيل تفريغ المنطقة المراد إستدمارها ، وإلصاق التهمة بالمسلمين لتشويه سمعتهم في الغرب ، وهذا ما تفعله إسرائيل منذ زمن ، وها هي الآن تركب صهوة تنظيم فرع الإستخبارات السرية الخارجية الإسرائيلية داعش “ISIS” للقيام بالعمليات الإجرامية ضد المسيحيين والأقليات العرقية والدينية في نفس المنطقة تحقيقا للهدف الإسرائيلي المنشود.

يقول صاحبنا المستقصي في قنبلته أن عملية الإستدمار الإسرائيلي في العراق تسير منذ العام 2003 على قدم وساق ، ويتم التمهيد لها من خلال زيارات قبور أنبياء بني إسرائيل في العراق مثل النبي نحوم ويونس ودانييل وحزقيل وعزرا وغيرهم ، وأن مستدمرة إسرائيل تنظر إلى الموصل ومحافظة نينوى على أنها تابعة لإسرائيل الكبرى ، ولها نفس أهمية القدس .
أبلغ ما كشفه الصحفي المستقصي الأمريكي الذي أتوقع بحدسي الصحفي أن ما قام به هو تسريب إسرائيلي بعد إكتمال المشهد لفضح الطابق ، وتبيان دور الأكراد في العملية ، وعليه فغنه يقول أن الموساد الإسرائيلي بالإشتراك مع مجموعات من المرتزقة والميليشيات الكردية ، نفذوا المجازر البشعة بحق إخوتنا المسيحيين وغيرهم من الأقليات في محافظة نينوى ، كما أن خطوة إستدمار الموصل ومحافظة نينوى وتخصيها لليهود الأكراد الذين سيعودون إليها من مستدمرة إسرائيل ، تنال مباركة الحزبين الكرديين الكبيرين .

للوهلة الأولى فإن ما نتحدث عنه ، يعد بالنسبة للعامة خبرا عاديا ، فمستدمرة إسرائيل التي أسست لها شبكات ترحيب إقليمية حتى قبل تأسيسها بإثنين وثلاثين عاما ، تحقق حلم إسرائيل الكبرى ، بسبب إخلاص من وظفتهم لتحقيق أهدافها في المنطقة ، وتفانيهم في خدمتها منذ أن كانت فكرة صهيونية يطرحها الصهيوني د.ثيودور هيرتزل ، إلى أن أصبحت شبح دولة يهودية تعمل علانية على هدم المسجدين الأقصى في القدس والحرم الإبراهيمي في الخليل ، إضافة إلى كنيستي القيامة في القدس وكنيسة المهد في بيت لحم ، وسط مسمع ومرآى من قادة الأمة الذين يعلنون صباح مساء غيرتهم على الدين والعروبة ، لكن ما يقومون به على أرض الواقع يثبت غير ذلك.

لكننا عندما نعمق النظرة في الموضوع ، ونسترجع الأحداث التي بدانا نشهدها بعد غدر الفلسطينيين في لبنان ، وإخراجهم منه بالحيلة والغدر أواخر العام 1982 بعد صمود أسطوري مع الشعب اللبناني إستمر 88 يوما أبلوا فيه بلاء أسطوريا ، نجد أن ما كان يجري في العراق ليس منفصلا عن مجريات الأمر في فلسطين وخاصة ضد الأخوة المسيحيين ، وكذلك ما جرى في سوريا ضد الأخوة المسيحيين بعد ظهور داعش.

آن لنا بعد كل ما شاهدناه إثر إخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية وخنق المقاومة اللبنانية الرديفة ، أن نقرأ ما وراء الحدث ، ولا نتوقف مشدوهين عند كل حدث ، نعتبره محصورا في كلماته ، فمستدمرة إسرائيل ما تزال تخطط لشطبنا من على الخارطة ، وما تداعيات الحراكات العربية إلا نتاجا للمخططات الإسرائيلية التي تحالفت مع المخططات الغربية الإستعمارية ، التي لا ترغب بنهضة عربية إسلامية ، ربما تضع حدا لمستدمرة إسرائيل الخزرية ، فيضطر يهودها الخزريون إلى العودة إلى بلدانهم الأصلية في الغرب ، وهذا ما لا يريده الغربيون أن يعود الفساد والإفساد إليهم مجددا.

تحديات تفعيل الدور الإقليمى لمصر

محمد السعيد إدريس


إذا اتفقنا على أن الدور المصرى، وعلى الأخص فى المجالين العربى والإقليمي، قد أصبح ضرورة ترقى إلى مستوى الحتمية، لأسباب كثيرة أفضنا فى الحديث عنها، فإن هذا الدور لا يمكن أن ينشأ من فراغ، ولكنه محكوم بضوابط ومحددات ومبادئ ويجب أن تكون له أيضاً أهدافه. فهذا الدور يجب أن يكون محكوماً ومنطلقاً من دافعين أساسيين: دافع المصالح الوطنية المصرية ودافع الحرص على الدفاع عن الأمن الوطنى المصرى إلى جانب الدفاع عن المصالح القومية العربية وعن الأمن القومى العربى ثقة بالترابط الشديد بين ما هو مصالح وأمن وطنى مصرى وما هو مصالح وأمن قومى عربي. كما أن هذا الدور يجب أيضاً أن يكون محكوماً بالقدرات والموارد المصرية، وبأجندة أولويات توزيع هذه القدرات والموارد، وفوق ذلك يجب أن يكون واعياً بخصوصيات التطورات التى تحدث فى وطننا العربى وعلى مستوى كل من البيئة الإقليمية والبيئة الدولية وما تفرضه من تحديات.


إذا اتفقنا على ذلك فإن الدعوة الواردة فى المبادرة المقترحة لتأسيس مؤتمر للأمن والتعاون الإقليمى فى الشرق الأوسط تضم أربع دول عربية على رأسها مصر وكل من إيران وتركيا مع استبعاد متعمد للكيان الصهيونى للبحث فى قضايا التعاون والأمن المشتركة يمكن اعتبارها من الطموحات المأمولة، أو الآمال الآجلة، نظراً لأن مصر مهمومة الآن بضغوط وقضايا أخرى ذات أولوية وتدخل ضمن المطالب العاجلة التى يجب أن تحظى بكل الاهتمام، أو على الأقل بمعظم الاهتمام، وبالذات القضايا الثلاث الداخلية وهي: التحديات الاقتصادية والتهديدات الأمنية والأزمة المائية المتصاعدة، إضافة إلى القضايا العربية الساخنة وبالذات خطر تفكك وتقسيم بعض الدول العربية المفعمة بصراعات عرقية وطائفية مثل سوريا والعراق، وخطر الإرهاب الذى يتهدد أمن واستقرار هذه الدول، والخطر الذى يتهدد القضية الفلسطينية بسبب الاختلال الشديد فى توازن القوى بين العرب والكيان الصهيونى الحريص على استغلال هذا الاختلال لفرض السلام الذى يريده، وهو السلام الذى يستهدف القضاء الكامل على كل حقوق الشعب الفلسطيني، هناك أسباب أخرى تجعل دعوة تأسيس مؤتمر للأمن والتعاون الإقليمى هدفاً آجلاً من أبرزها أن مصر فى حالة اشتباك راهن مع تركيا أو على الأقل مع النظام الحاكم فى تركيا بسبب تدخلاته السافرة فى الشئون الداخلية المصرية وانحيازه المرفوض لجماعة الإخوان المسلمين، كما أن مصر فى حالة استياء من المشروع السياسى الإيراني. استياء مقرون بتوجس مشروع تدعمه التدخلات الإيرانية السافرة فى الشئون الداخلية للعديد من الدول العربية، ناهيك عن حالة الصراع الساخن الراهنة بين دول عربية شقيقة لها مكانتها المحورية لدى مصر مثل السعودية والإمارات مع إيران. على نفس المستوى فإن معظم الدول العربية تكاد تكون فى حالة انقسام فيما بينها على العلاقة مع كل من إيران وتركيا، فالسعودية مثلاً فى حالة تحالف إستراتيجى مع تركيا (عكس مصر) وفى حالة عداء شديد مع إيران. وسلطنة عمان فى حالة تقارب مثيرة مع إيران وليست لها عداءات مع تركيا، والكويت فى علاقة تقارب حرجة مع إيران وليست فى عداء مع تركيا، الأمر بالنسبة للعراق وسوريا واليمن ولبنان شديد الارتباك بالنسبة للعلاقة مع إيران وتركيا حيث توجد حالة انقسام داخلى حادة على العلاقة مع هاتين الدولتين الأمر الأكثر خطورة، هو أنه فى الوقت الذى تنقسم فيه الدول العربية على العلاقة مع إيران وتركيا بين أنماط من تفاعلات: الصراع والتنافس والتعاون، فإن دولاً عربية بدأت تدخل فى علاقات دافئة مع العدو الصهيونى لأسباب كثيرة فى مقدمتها أولوية الصراع مع إيران والرفض الأمريكى للانحياز إلى جانب هذه الدول العربية ضد إيران، معنى ذلك أن دعوة واشنطن لتأسيس شرق أوسط جديد منذ صيف عام 2006 وفى ذروة العدوان الإسرائيلى الإجرامى ضد لبنان بدأت تتحقق بكل ما تعنيه من دعوة إلى استبدال الصراع العربي- الإسرائيلى بصراع بديل هو الصراع العربى الإيراني، وإلى استبدال إسرائيل كعدو مركزى وتاريخى للعرب بعدو آخر بديل هو إيران، وإطلاق الصراع السُني- الشيعى باعتباره الوسيلة الفعالة لتفجير الصراع بين العرب وإيران، ناهيك عن فعاليته الأهم فى تفجير الصراع الداخلى فى الدول العربية كخطوة لإعادة تقسيم وتجزئة هذه الدول على أسس عرقية وطائفية تخدم طموحات توسيع النفوذ الإسرائيلي.

فقادة الكيان الصهيونى حريصون الآن على توظيف الصراعات المتأججة داخل الدول العربية والتورط الإيرانى فى بعض هذه الصراعات إلى إعادة تقسيم العرب أولاً بين دول سُنية تقودها السعودية بالتعاون مع تركيا وبين دول شيعية تقودها إيران، وإعلان النية الإسرائيلية، بل الحرص الإسرائيلي، على مشاركة إسرائيل كطرف أصيل فى التحالف السُنى لمواجهة التحالف الشيعى الذى تقوده إيران. ووسط هذا كله يجد قادة الكيان الصهيونى الفرصة سانحة للتخلص نهائياً من عبء القضية الفلسطينية من خلال طرح التعاون العربي- الإسرائيلى كأولوية لمواجهة الخطر الإيراني، وهذا التعاون يستلزم من الدول العربية المعنية به تخفيض سقف انحيازاتها السابقة للقضية الفلسطينية، وتأجيل البحث فى هذه القضية، والترويج لأكذوبة تقول أنه ربما يؤدى التعاون العربي- الإسرائيلى إلى تفاهمات لحل القضية الفلسطينية، ومن هنا جاء الرفض الإسرائيلى للمبادرة الفرنسية لصالح ما يسمونه بـ «الحل العربي» أى الحل المطروح من دول عربية يصفونها بـ «الدول العربية المعتدلة»، أبدت، حسب تصريحات أدلى بها زعيم المعارضة فى الكنيست اسحق هرتسوج «اهتماماً ملحوظاً بالتعاون الدبلوماسى مع إسرائيل».

أما على مستوى العلاقات الإقليمية بين كل من إسرائيل وتركيا وإيران فإنها تزيد من ارتباك فرص تفعيل تعاون عربى مع كل من إيران وتركيا حيث نجد أن التعاون الإسرائيلي- التركى بدأ يشهد دفئاً غير مسبوق قد يعود بالعلاقات بينهما إلى مستوى «التحالف الإستراتيجي» السابق، فى ذات الوقت فإن تركيا شديدة الحرص على تطوير علاقات التعاون الاقتصادى مع إيران، والطموح للوصول بهذا التعاون إلى 30 مليار دولار مع نهاية هذا العام بهذا المعنى يبدو أن الطموح إلى تأسيس مؤتمر للتعاون والأمن الإقليمى بين دول عربية وكل من تركيا وإيران فى الوقت الراهن طموحاً غير منطقى رغم أهميته وضرورته، لكنه طموح يجب أن يخضع لأجندة أولويات الدور المصرى أولاً وخاصة مواجهة التهديدات الداخلية العاجلة، كما يجب أن يكون محكوماً برؤية مصرية لإعادة تأسيس وتفعيل للنظام العربى وأن يكون التوجه نحو القوى الإقليمية محكوماً بأهداف وآليات النظام العربى الجديد والمأمول.

بوتن وتعزيز الشراكة مع نتنياهو

عبداللطيف مهنا

ليست لقلة فطنة، ولا مبعثها جهالة سياسية، وإنما هي من اعراض بلوى الوهن العربي، هذا الذي وكأنما لابد وأن يلازمه اغفال لامعقول لإدراك ابسط حقائق العلائق بين دول المنظومة الكونية، وفي كل حالاتها، العدائية والتحالفية والمابينهما. اولاها، ونكتفي بها في هذه العجالة، أنه ما من سياسة خارجية خيرية، وإنما ما تحددها المصالح أولاً وتالياً وأخيراً. وهى إن لبست احياناً، أو اُلبست غالباً، ثوباً ايدولوجياً ما، فقد تسارع لخلعه حين يلزم الأمر كما تخلع الحية جلدها، أي تبقى مصالحها هي ثابتها الوحيد.

ما تقدم ينعت تلطيفاً بالبراغماتية، وهذه بلغة ما يعرف ب”المجتمع الدولي”، أو ما يعني واقعاً وفعلاً في السياسة الكونية الغربي، لا من ترجمة لها سوى ما هو النقيض لكافة ما يرفعه من شعارات ويافطات مزعومة حول القيم والمواثيق والمبادئ والحقوق الإنسانية، وصولاً إلى التجرُّد غالباً من كل ما يمت للأخلاقية بصلة…أو هاته التي لايتعلق بقشتها عادةً سوى الضعفاء وحدهم ولطالما كانت تخذلهم، وليس هذا فحسب، بل تتحول ذرائعاً غب الطلب تُستخدم انتقائياً للبطش بهم لإخضاعهم والهيمنة على قرارهم ومقدَّراتهم.

نقول هذا ونستدرك بأن الموضوعية تستوجب منا الإشارة إلى أن الأمور هنا تظل نسبية، كما لاتجوز مساواة غير الغرب بهذا الغرب، لكنما يجوز الجزم بأننا إزاء سمة دولية، ومن هنا ندلف إلى ما نحن بصدده والذي كان مدعاة لاستهجان بعض العرب، وهو هذه الوصلة الدفئوية في العلاقات الروسية الصهيونية التي طبعت طقوس ومراسم احتفالية الكرملن بمرور 25 عاما على العلاقات الديبلوماسية بين الطرفين، ومظهر تحويلها إلى موسم سياسي واقتصادي لخصه نتنياهو، الحال ضيفاً مرحباً به لثلاث أيام حافلات بدفء المناسبة، ب” العديد من الاتفاقيات المهمة في مجالات الطاقة والزراعة والمعاشات التقاعدية، والحفاظ على الحقوق الاجتماعية والتسوية الجمركية”، ولدرجة أن تصدح صحيفة “إسرائيل اليوم” النتنياهوية الهوى بأن “شبكة العلاقات بين تل ابيب وموسكو في حالة ازدهار غير مسبوقة”، وأن تنوه بأن هذه العلاقات ومع قوة عظمى كروسيا تعد “ذخراً استراتيجياً حقيقياً” بالنسبة للكيان الصهيوني.

في التفاصيل، ما هذا إلا غيض من فيض سبقه. صادرات الكيان لروسيا تصاعدت خلال العامين الأخيرين، والتبادل التجاري فاق الثلاث مليارات، وتعاون في كافة مجالات ما تدعى التكنولوجيا الرفيعة أو المتقدمة ومنها العسكري، أما المستجد فيعني المزيد من انفتاح الأسواق الروسية للبضائع الصهيونية، والأمر مثله بالنسبة للسياحة الروسية إلى الكيان، إلى جانب انصباب الأموال الناجمة عن تعويضات ومعاشات تقاعد لمئات الألوف من يهود السوفيت الذين هجروا بلادهم وانهالوا على فلسطين المحتلة وبينهم ما يقارب الثلاثين الفاً من المتهوِّدين الزائفين الذين لم يبت الحاخامات حتى الآن في يهوديتهم، وبهم تعززت عملية تهويد فلسطين، وليبرمان واحد منهم…أهو مكافئة لهم على تركهم لبلادهم لاستعمار بلاد الآخرين؟! وأخيراً، ما يقال عن وعد روسي بعدم تزويد العرب بصواريخ إسكندر.

إنه لا من غرابة في هذا، خصوصا إذا ما استحضرنا زيارة بوتين لفلسطين المحتلة وتذكًّرنا تصريحاته آن ذاك، وإذا ما عرفنا أنه ونتنياهو التقيا للمرة الرابعة خلال عام والثانية فيما هو اقل من شهرين، وسبق هذه الأخيرة كرماً روسياً أعاد للكيان دبابته التي اسرها الجيش العربي السوري في معركة السلطان يعقوب في لبنان 1982 واهداها السوريون للأصدقاء السوفيت في حينه، الأمر الذي وصفه نتنياهو وهو يتفقد هذه الدبابة في متحف الدبابات الروسية باللفتة التي تستحق الإشادة…وكله مفهوم ولأمرين:

الأول، أننا إزاء روسيا البراغماتية والأقرب منها إلى روسيا القيصرية منها الى السوفيتية التي اعتدناها سابقاً، بمعنى القوة العظمى التي جار عليها الزمن وتحن إلى أيامها الخوالي، وتسعى لاستعادة دورها الكوني الغابر الذي افتقدته بإفول الاتحاد السوفيتي، لكن دون مبادئه أو مواقفه…بهذا فحسب اختلفت عن بقية ايتام السوفيت في شرق أوروبا، لكنها اتفقت معهم على أهمية المعبر الصهيوني إلى الغرب. هم باعتباره اسهل الطرق للارتماء في احضانه، وهى، وإذ تعلم، ومنذ القياصرة، أن هذا الغرب لن يحتضنها ولن يتركها وشأنها أو يكفيها شره، تأمل في هذا الممر ميسراً لنوع ما من الشراكة مع هذا الكاره لها قد يكفيها بعض أذى مقاطعتة ويستدر الاستثمارات الصهيونية، إلى جانب أن في توثيق العلاقة مع الكيان الصهيوني ما قد يسهِّل لها استعادة تأثيرها في منطقة لم تعد اكثر أنظمتها ترى فيه عدواً. إنه الأمر الذي التقطه الصهاينة ملوِّحين بجزرة الدور الموعود والوسيط المستقبلي في انعقادات بازارات التسوية في مسلسل عروض التصفية للقضية الفلسطينية، لكن مقابل تفاهمات تنسيقية بين جيشيهما في سورية، وتطمينات روسية بمحدودية التقارب مع الإيرانيين وعدم الذهاب أكثر في العلاقة معهم.

…قبل مغادرته موسكو وضع نتنياهو النقاط على حروف حصاده الوفير: ” روسيا غدت صديقة وهى ليست بديلاً لاميركا”، وعاد بأكثر من اشادة بوتين بما دعاه “جهوداً مشتركةً” لمواجهة الإرهاب مضيفاً: “وإسرائيل تعرف معنى ذلك حق المعرفة، وتكافح الإرهاب، ونحن حليفان في ذلك بلا شك، ويراكم بلدانا خبرة كبيرة في مجال مكافحة التطرف، ونحن سنعزز الاتصالات في هذا المجال”…لم يقل لنا بوتين أي إرهاب يكافحه الكيان الصهيوني، وأي تطرًّف يواجهه وزير حرب معتدل من امثال ليبرمان؟! وهل ثمة ما يعنيهم سوى المقاومين للاحتلال الصهيوني؟!

اطلالة على التجربة الثورية لجمال عبد الناصر وعلى فكره الاستراتيجي والتاريخي


جمال الاتاسي


1- مع الثورة في مسارها التاريخي العام- الثورة المستمرة وحضور عبد الناصر

قال عبد الناصر عام 1953 في " فلسفة الثورة " : " إنني كنت بنفسي داخل الدوامة العنيفة للثورة. والذين يعيشون في أعماق الدوامة قد تخفى عليهم بعض التفاصيل البعيدة عنها... وكذلك كنت بإيماني وعقلي وراء كل ما حدث وبنفس الطريقة التي حدث بها، وإذن فهل أستطيع أن أتجرد من نفسي حين أتكلم عنه، وحين أتكلم عن المعاني المستترة وراءه؟

أنا من المؤمنين بأن لا شيء يمكن أن يعيش في فراغ . حتى الحقيقة لا يمكن أن تعيش في فراغ... والحقيقة الكامنة في أعماقنا هي : ما نتصوره أنه الحقيقة، أو بمعنى أصح : هو الحقيقة مضافاً إليها نفوسنا... نفوسنا هي الوعاء الذي يعيش فيه كل ما فينا . وعلى شكل هذا الوعاء سوف يتشكل كل ما يدخل فيه ، حتى الحقائق . وأنا أحاول - بقدر ما تستطيع طاقتي البشرية - أن أمنع نفسي من أن تغيّر كثيراً من شكل الحقيقة . ولكن إلى أي حد سوف يلازمني التوفيق ؟ .

هذا سؤال ... وبعده أريد أن أكون منصفاً لنفسي ، ومنصفاً لفلسفة الثورة ، فأتركها للتاريخ يجمع شكلها في نفسي، وشكلها في نفوس غيري ، وشكلها في الحوادث جميعاً ، ويخرج من هذا كله بالحقيقة كاملة... " .

وهذا الذي قاله عبد الناصر في بدايات ثورته ، لم يأت في سياق تقديم فلسفة للثورة التي يريدها، أو تقديم تحليل أيديولوجي لمسارها ، بل جاء في سياق النفي لذلك ، ولأن يكون كتابه فلسفياً أو يحمل فلسفة للثورة ولو أنه صدر وهو يحمل هذا الاسم . فذلك الكتاب الأول والصغير جاء ليعطي صورة أولية عن مخاض الثورة في حياة عبدالناصر وحياة وطنه وشعبه ، وليسجل المقدمات الأولى لحركة هذه الثورة واستراتيجيتها ولآفاقها العامة وأبعادها وتطلعاتها وأهدافها ، وليؤكد أصالة هذه الثورة وجذريتها ، فهي ليست انقلاباً ، وهي ليست لمرحلة تتوقف عندها ، بل هي ثورة وطنية تتطلع للمستقبل وتتطلع للشمول ، شمول الأمة وشمول تاريخها وحضارتها ، وشمول التحرر الإنساني والتقدم والنهوض بالأمة إلى مستوى العصر.

ولكن هذه الفقرة التي اقتطعناها من سياقها في كتاب " فلسفة الثورة " ، أتينا بها في هذا التقديم للبحث عن " الفكر التاريخي لعبد الناصر " ، ما جئنا بها إلا لأنها تكاد تكون تعبيراً عن سياق نضج الوعي الثوري في حياة عبدالناصر وسياق تجربته ، وليس في تلك البدايات فقط ، بل وفي استمراريتها حتى النهاية. كما وأنها التعبير ومنذ تلك البدايات ، عن الحس التاريخي عند عبد الناصر، من قبل أن يقرأ فلسفة التاريخ، ومن قبل أن يأخذ بالاشتراكية العلمية ، أي بالجدلية التاريخية، التي صاغ على أساس من مبادئها ومقولاتها العامة ، دليل عمله الاستراتيجي " الميثاق الوطني "، بعد عشر سنوات من تلك البدايات . وهو من خلال هذا الحس التاريخي، جاء ليقول ، إن الحقيقة ليست جاهزة ولا منزلة ، بل هي صيرورة تتكامل وتتجدد في مسار التاريخ ، وهي تتشكل أيضاً في نفس الإنسان، أي في تقدم حركة وعيه الذاتي واستيعابه.

وهي صيرورة من خلال تلك الجدلية بين وعي الإنسان وقوانين التاريخ الإنساني الناظمة لحركته، هذا من غير أن يقف عند تأكيد المقولة الثانية في الفكر التاريخي وهي " أن الإنسان يصنع التاريخ "، وعبدالناصر من خلال ثوريته، ومن خلال تفاعله مع تاريخ أمته وجماهير شعبه وفعله فيهما ، كان ممن صنعوا ذلك التاريخ .

ولكن عبدالناصر لم يكن فيلسوفآ للثورة ، ثورة الأمة العربية في هذا العصر، بل كان يعيش هذه الفلسفة إحساساً ومعاناة ، ويطبقها ممارسة ونضالاً . وعبدالناصر لم يقدم أيديولوجية أو " نظرية متكاملة " ومنهجاً في البحث والتفكير يدل الثورة في كل مراحلها ، إلى طريقها وأهدا فها ، ويبني الوحدة الفكرية لطلائعها وأداتها ، ولكنه كان أيديولوجية ثورية في مخاض التشكل ، من خلال التجربة الثورية الخاصة والتعلم من تجارب الآخرين ، لتأتي مطابقة للواقع الثوري الذي يتقدم به نضال شعبنا وحركة نهوض أمتنا. وكان يتحرى الكلمة التي تعبر عن حس الجماهير وعن المرحلة التي نهض إليها وعيها السياسي والاجتماعي . وكان يطالب بالفكر الموحد الذي يؤلف بين قوى الثورة العربية ويدفع على طريق وحدة برنامجها الثوري ووحدة أداتها ، ولو أنه لم يصل إلى صياغة أيديولوجبة لهذا الفكر ولم يتوصل إلى تحقيق تلك المرامي .

ومن خلال هذا المنظور، وبالتطلع إلى ذلك الهدف ، الذي تطلع إليه عبدالناصر وأراده و لم يصل بنا إليه، نعيد اليوم قراءة عبدالناصر، ونخوض في حوار مع تجربته وممارساته وأفكاره، في محاولة لاستكشاف حقيقة تلك التجربة الثورية وحقيقة تشكلها " في نفسه " وفي حركة الجماهير التي أعطاها الكثير وأعطته أكثر، وعن شكلها أو انعكاسها " في الحوادث " التي تعاقبت في حياته وبحضوره ثم من بعده وفي غيابه.

إن التقييم الذي يجري اليوم من قبل البعض، للدور التاريخي الذي قام به عبدالناصر ولفكره المتقدم في مرحلته، من خلال الفراغ الذي خلفه بغيابه عن مسرح الأحداث ، ومن خلال النكسات التي توالت من بعده ، على أرض مصر وفي أرجاء الوطن العربي ، شيء هام وجدير بالتأمل ، ولكن الأهم من ذلك، هو تقييمه وتثمينه عبر تحليل ونقد تجربته الثورية في مساره كله . فهي تجربة أمسكت بمسار الأمة العربية كلها وشدتها إليها كما لم تشدها في يوم من أيام تاريخها منذ قرون ، وشدت الجماهير، كما شدت بشكل أو بآخر، سلباً أو إيجاباً ، جميع فئاتها وقواها ، ولذا لا بد أن يكون نقدنا لها بالضرورة ، نقداً أعم وأشمل يتناول تيارات الثورة العربية ككل من خلال تجربة عبدالناصر، ثم إن قضية الثورة الناصرية ما زالت قضيتنا ، وأهدافها ما زالت أهداف جماهير أمتنا في مختلف أرجائها ، إلا أنها ثورة تعثرت وانقطعت ، ولا بد أن نعي بعمق عوامل التعثر والانقطاع ، ليكون هذا الوعي النقدي سبيلنا إلى تدارك هذا التعثر الكبير بل هذا الانحطاط الذي تردت إليه أوضاع النظم السياسية وتردت إليه الحياة الاجتماعية والثقافية لشعوب أمتنا، وتردت إليه حركة تحررنا ونضا! لنا، وليظل هذا الوعي النقدي متواصلاً ومتقدماً ، يضع جدلية الثورة ويدفع بحركة التاريخ .

 ولعل الخطأ الكبير الذي وقع به نظام عبدالناصر والأدوات التنفيذية لسلطته الثورية ، كما وقعت به ثورات ونظم ثورية أخرى ، هو أنها لم تساعد على تفتيح هذا الوعي النقدي ، أي تقدم الوعي الثوري عن طريق النقد المتواصل للتجربة الثورية في مساراتها كلها، ولم تعمل على خلق أدوات مثل هذا الوعي الجماعي ، الذي يصنع حيوية الثورة وتجددها المستمر، فضلاً عن أنها في عدد من مراحل هذه الثورة ، عملت ضد تفتح هذا الوعي النقدي وأدواته بحيث لم يمارس مثل هذا الطراز من النقد ( أي نقد الثورة لذاتها وتجربتها) إلا عبدالناصر ذاته . وكان هذا يأتي أحيانأ وبحكم الواقع والضرورات ، بعد أن تحل الكوارث والمصائب ، كما جاء النقد الذاتي لتجربة الوحدة ، بعد كارثة الانفصال، وكما جاء النقد لبنيان النظام وتكوين أجهزته وقياداته والأمور التي كانت من عوامل الهزيمة ، بعد أن وقعت الهزيمة في حزيران ( يونيه) . وإذا كان من الحق القول إن عبدالناصر قبل الهزيمة ، كان يعيش بنفسه ، استمرارية الثورة ( وكما قال في البداية عن نفسه في كلماته التي قدمنا به! ا مقالتنا) ، " داخل الدوامة العنيفة للثورة " يقود صراعاتها ويدفع بحركت ها إلى الأمام ويصارع أعداءها الكثر في الداخل والخارج ، فلقد كان يعيش أيضاً في إطار النظام البيروقراطي الذي يبسط مصالحه وهيمنته من حوله . وإذا كانت دوامة الثورة وحرارتها تشد الإنسان في كليته " لتخفي عنه بعض التفاصيل البعيدة عنها "، فلقد كان من طبيعة النظام البيروقراطي واللاديمقراطي الذي شيّد في ظل قيادة عبدالناصر، أن يغيّب عن عين " قيادة الثورة "، لا التفاصيل البعيدة، بل والكثير من الوقائع والكثير من القصورات والثغرات ومن المصالح اللاثورية والانحرافات، التي راهن عليها التآمر على الثورة والقوى المضادة للثورة والتي دخلت منها القوى المعادية ودخلت الهزيمة.

ونعود مرة ثانية إلى التاريخ ومنطق التاريخ، حيث تأخذ الحقيقة الإنسانية صيرورتها، وحيث تتسلسل الأ حداث وتتوالى، آخذة إيجابيتها معناها ، وحيث تفعل قوانين التطور والصراع لتدفع بمراحله وتحدد منحاها، وحيث يأخذ رجال الفكر ورجال السياسة التاريخيون دورهم في تحريك الوعي والدفع بحركة الأحداث وتحريض النقلة النوعية واختصار الزمن ، وحيث تأخذ الثورات الإنسانية للشعوب دورها في التغييرات التاريخية وتخطي المراحل ، ولكن التاريخ يبقى في تسلسله الزمني ماضياً وحاضراً ومستقبلا.

وإذا كان من منطق الفكر التاريخي ، أن يفسر الحاضر بالماضي ، وأن يجد الحدث الذي يمر الآن تعليله في توالي الأحداث التي جاءت قبله وما فعلت، كذلك فإن الماضي لا ينفصل عن حكم الحاضر عليه . والحدث التاريخي العظيم الذي تعيشه الأمة في مرحلة ، لا بد وأن يفقد الكثير من عظمته إذا ما توالت الإخفاقات من بعده وبسبب تلك الإخفاقات . وهكذا ينال كثيراً من شموخ المرحلة التي عاشتها أمتنا نضالاً وثورة وتقدماً في أيام عبد الناصر، وفي ظل قيادته وفي حضوره القومي والفاعل ، وينال كثيراً من عظمة تلك المرحلة، ما كان بعدها من انتكاس ، وما كان بعدها من ردات ومن تشتت وضياع . وذلك منطق الأمور في مراحل التقهقر الثوري ، وعندما تتوقف حركة الدفع نحوالمستقبل .

ولكن الظاهرة التي عاشتها أمتنا في مرحلة عبدالناصر وبحضوره القوي المتحرك على مسرح الأحداث ، هي أن المستقبل وآمال المستقبل أخذت تقتحم الحاضر وتفعل فعلها في حياتنا وترسم ملامحها عليها، وتؤجج حيوية الجماهير ونضالها اندفاعاً على طريق التغيير ودفعاً على طريق أهداف المستقبل ، أي أن تاريخنا بعد الركود الطويل ، أصبح تاريخاً هادفاً وأخذ يسير. ولكننا، وبعد غياب عبدالناصر عن مسرح الأحداث ، وبهذا الغياب لدوره الذي كان ، وبتدخل عدد من العوامل والقوى السلبية المضادة للثورة ولحركة تاريخ الأمة التي وجدت فرصتها في هذا الغياب ، تجمدت حركة تاريخنا وانغلق المستقبل وتاهت الأبصار دون الهدف وعادت رواسب الماضي تلقي بأثقالها على الحاضر، وتدور به في دوامة التأزم والتشتت والعجز.

إن عبد الناصر ما جاء، ومنذ البداية، نداء بالثورة وتاكيداً على ضرورتها ، لتغيير مجرى حياتنا وتاريخنا فحسب ، بل جاء وكأنه بدوره القيادي والمحرك فيها ، ضرورة من ضرورات تلك الثورة. جاء ليستشكف أمام جماهير أمته، مقدار ضياع حريتنا وقدراتنا ومقدار تأخرنا عن الركب الإنساني الصاعد، وليحرض في نفوسنا وحياتنا حافز الثورة لتدارك هذا التأخر وتحرير إرادتنا وإطلاق طاقات أمتنا ومبادراتها الإنسانية المبدعة.

والثورة التي قادنا عبدالناصر على طريقها ، لتحرير أوطاننا وإرادة جماهير أمتنا، ولتدارك تأخرنا واللحاق بركب التقدم والنهوض إلى مستوى العصر، لم تكن ثورة واحدة ومحددة ، لم تكن ثورة التحرر الوطني فحسب (حسب التحديد الأيديولوجي وحسب التحديد التاريخي والاجتماعي للثورات التي توالت في تاريخ الإنسانية) بل هي حركة تغيير ثوري ، تعددت وتداخلت مهماتها ومراحلها . وهي إذا ما انطبقت عليها تلك التسمية العامة التي تطلق على الثورات الوطنية لأقطار ( العالم النامي) ، أي الثورة الوطنية الديمقراطية المتعددة المراحل والمهمات التاريخية ، فإنها قد صاغت بذاتها ومن خلال مسارها، لحمتها الثورية الواحدة ، لتصبح ثورة الأمة العربية، لتحرير أوطانها وشعوبها، ولبناء اندماجها الوطني ووحدتها القومية، ولصنع تقدمها وبناء حياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جديد على طريق الحرية والاشتراكية .

فمن أين بدأ عبدالناصر ثورته ، أو بالأحرى ثورة الأمة العربية في مرحلة القيادة الناصرية لها ، وأين وقفت هذه الثورة وإلى أين تنتهي؟
نستطيع أن نحدد بالتأكيد أين ومن أين بدأت : إنها بدأت ثورة وطنية مصرية تخلع الملك وتسقط النظام الملكي ومعه حلفه الطبقي ، أي تسقطه كنظام اجتماعي وسياسي ، وتطرد الاستعمار وأعوانه . ولقد حققت ثورة عبدالناصر ، أول ماحققت ، ذلك الاستقلال الوطني الكامل للقطر المصري وحكم أبناء شعبه كما لم يتحقق منذ عشرات القرون .

إنها ثورة التحرر الوطني وهي تواصل مسارها، ولكنها، ولوجود عبدالناصر على رأسها وما جسده هذا الوجود لعبدالناصر، رجل التاريخ والمتعامل مع حركة التاريخ ، عبدالناصر المنفتح بكليته على الشعب وأحاسيسه وتطلعاته، والفاعل في حركة الجماهير والمتفاعل معها ، يصنع معها وبنضالها وبتقدم وعيها، حركة التاريخ ، فإن هذه الثورة أخذت صيغة الثورة المستمرة ، محددة أبعادها الأولى في أنها ثورة سياسية واجتماعية معاً ، صاعدة بهذه الثورة مراحل وأطواراً ، آخذة شيئاً فشيئاً بعدها القومي العربي دفعاً على طريق وحدة نضال الأمة ووحدة أهدافها ، وعلى طريق اندماجها ووحدتها، متطلعة إلى أن تكون ثورة شمولية تقدم تجربتها الإنسانية ومعانيها الحضارية .

تلك بداية وذلك مسار، أما أين انتهت وأين يمكن أن تنتهي مثل هذه الثورة، فقد قال عبدالناصر بعد عشر سنوات من البداية : يسألون أين نقف بثورتنا " لا أعرف أين نقف ، إننا لن نقف إلا عندما ينتهي استغلال الإنسان للانسان ... ". وهذه النهاية جدلية مثل جدلية الصراعات الاجتماعية والاقتصادية وجدلية التاريخ الإنساني ، وتظل مفتوحة على المستقبل .

إنها ثورة بدأت من استيعاب تاريخ النضال الوطني التحرري لمصر، ومن استيعاب مراحله السابقة وانتفاضاته الثورية، واستيعاب قصورات ذلك النضال وعثراته ، لتنتقل إلى استيعاب معطيات الحاضر. وهي إذا ما أعطت المقدمات الأولية لهذا الاستيعاب في كتاب " فلسفة الثورة " ، مؤكدة على الأبعاد الزمنية والأطر " المكانية " التي تتحرك فيها هذه الثورة فلقد جاء عبد الناصر ليوضح بعد ذلك هذا الاستيعاب ، في مقدمة " الميثاق الوطني " ، من خلال استعراض قصورات الثورة الوطنية المصرية لعام 1919 وعوامل انتكاسها وفشلها، وقد حدد ثلاثة جوانب من تلك القصورات :

" أولاً - إن القيادات الثورية ( في تلك المرحلة) أغفلت إغفالاً يكاد أن يكون تاماً مطالب التغيير الاجتماعي ، على أن تبرير ذلك واضح في طبيعة المرحلة التاريخية التي جعلت من طبقة ملاك الأراضي أساساً للأحزاب السياسية التي تصدت لقيادة الثورة ...
ثانياً - إن القيادات الثورية في ذلك الوقت لم تستطع أن تمد بصرها عبر سيناء وعجزت عن تحديد الشخصية المصرية، ولم تستطع أن تستشف من خلال التاريخ أنه ليس هناك من صدام على الإطلاق بين الوطنية المصرية وبين القومية العربية . لقد فشلت هذه القيادات في أن تتعلم من التاريخ ، وفشلت أيضاً في أن تتعلم من عدوها الذي تحاربه ، والذي كان يعامل الأمة العربية كلها على اختلاف شعوبها طبقاً لمخطط واحد...

ثالثاً- إن القيادات الثورية ( تلك) لم تستطع أن تلائم بين أساليب نضالها وبين الأساليب التي واجه الاستعمار بها ثورات الشعوب في ذلك الوقت..." . وهكذا فعلى محور الصراع الاجتماعي والطبقي ، وعلى محور النضال الوطني والقومي العربي وعلى محور النضال ضد الاستعمار بأشكاله التقليدية والامبريالية الجديدة ، على هذه المحاور الثلاثة صاغت الثورة الناصرية حركتها التاريخية. ولكن عبدالناصر، وفي إطار الواقع التاريخي والجغرافي والسكاني لمصر، وفي إطار معطيات الواقع العربي وفواصل التجزئة القائمة بين أقطاره واختلاف أطوارها في التقدم والتحرر واختلاف نظمها، ثم وفي مواجهة ذلك الواقع المتجسد بقيام الكيان الإسرائيلي الاستعماري الاستيطاني التوسعي المدعم بالحلف الإمبريالي- الصهيوني العالمي ، أراد أن يجعل من مصر، القطر العربي الأكبر والأكثر تقدماً في اندماجه الوطني وتطوره الاجتماعي والثقافي وكذلك في موقعه الاستراتيجي الدولي، ذلك المرتكز الذي لا بد منه لبناء تلك الثورة بكل أبعادها الاستراتيجية والاجتماعية والوطنية والقومية والدولية ، وأن يجعل من تجربته في مصر النموذج والقدوة ، وأن يحمل مصر العبء الأكبر، وأن يجعل منها المرتكز الاستراتيجي لثورة الأمة ، تمشي في مقدمتها، وتدفع بحركتها وتقود تلك الحركة.

لقد قامت ثورات وحركات متعددة في أرجاء مختلفة من الوطن العربي ، بعضها جاء من قبل عبدالناصر، وبعضها في حضوره وبمساندته، وبعضها قام في منافسة ومن خلال ادعاء التقدم عليه... بعضها كان شامخاً شموخاً كبيراً وله رصيده العربي والدولي الكبير كثورة الجزائر حين مشت بنضالها الرائع إلى النصر، ولكن أياً منها لم تأخذ بعدها القومي وبعدها الشمولي مثل ثورة عبد الناصر، لعاملين اثنين هما : دور مصر وشعب مصر ومكانة مصر في الوطن العربي ، والدور التاريخي لشخصية عبدالناصر، ثم هناك علاقة قيادة عبدالناصر بجماهير الأمة ، تلك العلاقة التي لم تقم لقيادة غيرها .

وأذكر بهذا الصدد كلمة للرجل الذي كان رمزاً كبيراً من رموز الثورة الجزائرية والرئيس الأول لدولتها الوطنية المستقلة أحمد بن بلا . كان ذلك في شهر أيار (مايو) عام 1963 عند زيارة وفد رسمي وشعبي من " حركة 8 آذار (مارس) في سورية " للجزائر، وانفردت للحظة في إحدى مناسبات تلك الزيارة بالرئيس بن بلا ومعنا رجل ثالث ، وكان الحديث عن الوحدة الثنائية (مصر وسورية) أو الثلاثية (مصر- سورية - العراق) وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه قيادة ثورة الجزائر في التأثير على الجانبين الصديقين لها، دفعأ بمسيرة الوحدة إلى الأمام . وشاء الرجل أن يتحدث عن النقلة النوعية التي يمكن أن تحدثها الجزائر إذا ما دخلت في المسيرة الوحدوية، وعن إمكانية أن تحل الإشكالات بأن تأخذ القيادة الثورية الجزائرية دورها القيادي في تلك الوحدة . وجاء جواب أحمد بن بلا بما يعني على وجه التحديد: " قضيتكم اليوم أن تقوم وحدة ثلاثية بين مصر وسورية والعراق ولا بد من التركيز على إنجازها، وهناك وجهة نظر هي أن تكون البداية بإعادة الوحدة بين مصر وسورية أولاً ، وهي وجهة نظر محقة لما تعنيه من إسقاط فعلي للانفصال وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي ! . أما موضوع الجزائر فإنني مؤمن بالوحدة وضرورتها ولكننا ما زلنا في بداية استقلالنا الوطني ولدينا مهمات كثيرة وعويصة لا بد من إنجازها لنضع أنفسنا على هذا الطريق . ولكن لتكن الأمور واضحة أمامكم ، لا وحدة إلا بمصر أولأ ولا وحدة إلا بعبد الناصر رئيساً لدولتها . فهناك مصر وحجم مصر أو دورها، وهناك أيضاً دور عبد الناصر كرئيس لمصر وشعبيته العربية . فلو افترضنا أننا انضممنا بالجزائر لوحدة من هذا القبيل ، فإنه سيكون من السهل علينا في مثل هذه الحال إقناع شعب الجزائر بالتصويت للرئيس عبدالناصر رئيساً له ولدولة الوحدة . ولكنني لا أتصور مطلقاً أن بالإمكان إقناع شعب مصر، بل ولا شعب سورية ولا أي شعب عربي آخر يدخل الوحدة ودولة الوحدة ، أن يكون رئيساً له غير رئيس مصر وغير الرئيس جمال عبدالناصر " .

فمصر والدور القومي الكبير لمصر، ومصر بعبدالناصر والحيز الذي شغلته قيادة عبدالناصر، عاملان استراتيجيان كبيران في إرساء معالم ثورة الأمة تلك ، وعبدالناصر، ومنذ حرب السويس عام 1956، جاء يحتضن قضية الأمة العربية كلها، ونضال الأمة على جميع ساحاتها، وعاش لهذه القضية ولذلك النضال بكليته وقضى على طريقهما وفي سبيلهما.

ولكن ثورة عبد الناصر التي كانت الثورة المستمرة والمتعددة المراحل والمتجددة صعوداً إلى الأمام، هذه الثورة أين كان توقفها، وما هو سر توقفها عند غيابه. ولماذا جاء هدا الانتكاس وصعود قوى الثورة المضادة من بعده، وصعودها في مصر أولاً لترتد بها عن طريق الثورة، ولتخرج بها عن طريقها الوطني والقومي الثوري ، وليسهل على قوى الثورة المضادة أن تمتد بعد ذلك إلى العديد من الساحات العربية. ذلك أن تلك الثورة ، ولو أنها احتضنت قضية الأمة العربية كلها، وكانت التعبير عنها في مرحلة أساسية من مراحل التحرر العربي والنهوض ، ومن مراحل تاريخها، فإنها كانت ثورة بمصر وبعبدالناصر، كحلقتين قويتين من حلقات تركيبها وتكوينها. وبعد أن ذهبت قيادة عبد الناصر دون أن تخلف بديلاً لها وفي مستوى دورها وفعلها، تحركت الثورة المضادة من داخل مصر وخارجها، بل ومن داخل النظام الناصري نفسه، لتضرب الحلقة الثانية ، ولتجهض مشروع عبدالناصر في الثورة العربية الشاملة.

إنها قوى الثورة المضادة من أعداء التقدم وأعداء تحرر الأمة ووحدتها، كانت دا ئماً موجودة وأمام كل عثرة من عثرات الثورة وأمام كل مأزق من المآزق التي مرت بها. كانت تتهيأ للانقضاض، ولكن وجود عبد الناصر والتحام حركة الجماهير به كانت تقف سداً في وجهها . لقد تهيأت للأنقضاض عند حرب السويس، وكذلك عند انفصال وحدة مصر وسورية . ولكن ذلك ما كان ليعطي إلا دفعاً جديداً للثورة ، ونقلة نوعية جديدة ، إلا أن قوى الثورة المضادة استطاعت أن تجد رصيداً لها داخل نظام حكمه أيضاً ، ومن خلال ثغرات في تكوينه وفي تركيبه الاجتماعي ومن قصورات ديمقراطية فيه. ومحاولة الانقضاض من داخل النظام لم تأت بعد غياب عبد الناصر فقط ، بل وجاءت عندما اهتز النظام واهتزت ثورة عبد الناصر، بل وثورة الأمة العربية كلها وما بيتت عند هـزيمة حزيران (يونيه)، وعبّرت عن نفسها في تلك المؤامرة العسكرية التي استجر إليها المشير عبد الحكيم عامر على رأس زمرة من قيادات الجيش المهزوم والأجهزة المتواطئة ، والتي تحركت في 11 حزيران (يونيه) للاستيلاء على الحكم ووقف في وجهها عبد الناصر بلا جيش، وإنما بحضوره وبحركة الجماهير العظيمة التي رفعته من ! جديد في 9 و 10 حزيران (يونيه) .

إن الكثيرين ممن كتبوا وبحثوا وأعطوا تقييمات لمرحلة عبد الناصر ولتجربته الثورية وقفوا عند الهزيمة ، هزيمة حزيران (يونيه) ، وأوقفوا ثورة عبد الناصر عندها، واعتبروها هزيمة لها، وإن اختيار الحرب لم يكن كاشفاً لثغرات فيها وثغرات نظامها فحسب ، بل وهزيمة لبرنامجها ونهاية وقفت عندها تلك الثورة .

والواقع أن تلك الهزيمة واختيار الحرب ، بالشكل الذي جاءا عليه، كانا اختباراً قاسياً وخطيراً لعبد الناصر وثورته، كاد يسقطه ويسقط نظامه، ولكن الجماهير التي تحركت في 9 حزيران ، في مصر أولأ ثم في أرجاء الوطن العربي الكبير، وقفت حائلاً دون هزيمة عبد الناصر وهزيمة ثورته ، وأحبطت حركة الثورة المضادة ، وأعادت عبدالناصر إلى موقع القيادة . لقد ذهل الكثيرون ، ولكن من غير العرب، في أن يروا جماهير أمة بأكملها تقف مثل هذه الوقفة وتسير وراء قائد خسر الحرب ، ذلك أنهم لم يدركوا طبيعة الرابطة والعلاقة الثورية التي قامت وتوطدت بين جماهير الأمة وعبدالناصر، وأن حضوره في تلك المرحلة أصبح وكأنه من مستلزمات استمرار ثورتها بل ومن مستلزمات تاريخها.

إنها واحدة من المواقف القليلة التي وجد فيها عبد الناصر الجماهير أمامه لا وراءه ، بل وعندما كانت الجماهير تطالبه بالعودة لقيادة ثورتها، كانت أمامه. وهذا ما استوعبه عبد الناصر كلية، واستجابته لإرادة الجماهير في العدول عن استقالته، أخذ بها كإرادة للجماهير في التغيير، وفي تجديد حيوية الثورة وتصحيح مسارها.

إننا نعيش اليوم، وبعد أربعة عشر عاماً من " حرب الأيام الستة " مرارة الهزيمة بكل أبعادها ليسود هذا الجو من التمزق الرهيب الذي تعيشه أمتنا ضياعاً عن أهدافها، وعجزاً عن التصدي لآثار تلك الهزيمة ذاتها. فتلك الهزيمة كشفت ، حتى العظم، عن ضعف ما بناه التقدم العربي ، بل عن ضعف بنيان نظام عبد الناصر الذي كان متقدماً على كل ما عداه من النظم العربية. ولكننا نظلم ثورة عبد الناصر ونظلم تاريخ أمتنا إذا ما وقفنا بتلك الثورة عند تلك الهزيمة أو عند هذا التردي الذي آلت إليه أوضاعنا العربية اليوم وأغفلنا تلك المرحلة التي جاءت في أعقاب الهزيمة مباشرة ، ورداً عليها، وإذا أغفلنا النهج الذي سار فيه عبدالناصر تصدياً للهزيمة ونتائجها، وحفاظاً على مكتسبات الثورة وأهدافها . وحري بنا أن نقول عن عبد الناصر بهذا الصدد ما قاله في كلمته التي ألقاها بمناسبة ذكرى الثورة في 23 تموز في أعقاب الهزيمة مباشرة : " إنني أثق أن أجيالاً قادمة سوف تلتفت إلى هذه الفترة وتقول : كانت تلك من أقسى فترات نضالهم، لكنهم كانوا على مستوى المسؤولية وكانوا الأوفياء بأمانتها... " .

ولكن الهزيمة، ثم عودة عبدالناصر إلى قيادة الأمة من جديد تحت شعار " إزالة آثار العدوان " الذي رفعه عبد الناصر شعاراً مرحلياً لمعركة " لا بديل عن النصر فيها " أدخل الثورة الناصرية في طور جديد، ووضعها أمام تلك المهمة المرحلية التي أصبحت متقدمة على كل ما عداها من المهمات ، وكأنها رهنت تلك الثورة لها ، وأوقفتها عند إنجازها، لتقوى على تثبيت استمراريتها من بعدها . ولكنها أيضاً، ومن خلال ذلك الهدف المحدد الذي حصر عبدالناصر مهمته التاريخية في تلك المرحلة بإنجازه ، فقد كان مطالباً بمراجعة مساره الاستراتيجي كله .

إن الجيوش قد هزمت في الحرب ، ولكن إرادة الأمة لم تهزم ... هذا هو المؤشر الذي استمده عبد الناصر من حركة الجماهير عندما عاد إلى موقع القيادة ، وراح يجدد المسار واعتبر أن تلك الهزيمة مسؤوليته من خلال موقعه القيادي الذي كان يحتله في نضال الأمة ، وأن إزالة آثار تلك الهزيمة أصبحت مهمته الأولى التي لا بد له أن يحمل أعباءها كلها، ثم يكون بعد ذلك، حكم الأمة عليه وعلى ثورته، وحكم التاريخ .

وموقفه منذ العاشر من حزيران (يونيه) لعام 1967 يمكن أن يتلخص بكلمات : لقد قاد الأمة وهزمت في معركة حربية، وأعادته الأمة إلى قيادتها فلا بد أن ينتصر. وصب كل جهده وبكل ما يطيق انسان وبكل ما يفكر ويعمل ويقوى ، على أن يجعل الهزيمة معركة في حرب لم تتوقف ولم تنته ، والانتصار في تلك الحرب أصبح الضرورة التاريخية التي لا بديل عنها، وليس لاسترجاع الارض المحتلة واجلاء العدو عنها فحسب، بل تاكيداً لقضية ثورة الأمة ولاستمراريتها وقدرتها على انجاز مهماتها وتحقيق أهدافها.
لقد ظل عبدالناصر هو نفسه من حيث توجهه العام الفكري والسياسي ، الوطني والقومي والاشتراكي، ومن حيث مبادئه ومنطلقاته، ولكنه انتقل نقلة نوعية الى طور جديد، وأضاف وأصبح شيئاً جديداً وتسلح بخبرات جديدة . لقد ظل الثورة ، ولكنه أصبح عقلنة الثورة وعقلانيتها التي تضع كل شيء على محك الواقع الملموس وعلى محك الجدوى .

كان مسار عبدالناصر، كما قال في كثير وكثير من المرات، التعلم من التجربة والخطأ. ولكن بعد الهزيمة لم يعد هناك أمامه من هامش كبير للخطأ ولا من مجال للتجربة ، فالممارسة لا بد أن تخضع لمنهجية واضحة كل الوضوح وأن تكون حساباتها دقيقة سواء في التخطيط أو في التطبيق والعمل .

وتقدم عبدالناصر بعد الهزيمة، وبجهد خارق لا يقبل التردد والكلل، تقدم على طريق بناء قوة مصر وصمودها، جدد بناء جيشها وتسليحه وتدريبه وترسيخ قوته ، وزج في صفوفه بكل خريجي الجامعات وكل الكفاءات المتاحة، ونقله أيضاً نقلة نوعية . وجدد بناء الدولة والنظام وأسقط ما قوي على اسقاطه من داخله، من ترهل ومواقع قوى وأجهزة مخابراتية ومعوقات . وصمد بالاقتصاد رغم الخسائر الكبرى ، وعزز حركة الا نتاج وأعطى لحركة الجماهير حيزاً أوسع من الرقابة على الدولة ومن الدفع بها. ولو أن وعد " الديمقراطية السليمة " ظل وعداً مؤجلاً في جوانب عديدة منه، والى أن ينكسر العدوان . لقد أحدث تغييرات في إطار التنظيم السياسي والتنظيمات الشعبية والحكومية والمجالس وأبقى المجالس واللجان بحالة انعقاد الى أن تنتهي المعركة ثم يأتي التقييم والحساب والتغيير الثوري .

بل وعندما تحركت مظاهرات العمال والطلاب في وجه النظام في أواخر شباط ( فبراير) لعام 68 ، احتجاجاً على ضعف الأحكام التي صدرت بحق العسكريين الذين تسببوا بهزيمة حزيران (يونيه)، واصطدمت مع قوات الأمن ، لم يقف ليندد بتلك التحركات الشعبية ، بل اعتبرها دليل صحة وعافية ولو أنه كشف عن طبيعة بعض القوى المضادة للثورة التي تحاول ان تستغل هذه الاجواء في ظروف الحرب ونادى " لا يجوز أن تقع الثورة في تناقض مع الجماهير صاحبة الحق في الثورة وصاحبة المصلحة الحقيقية في الثورة أو أن تقع في تناقض مع العمال أو الطلبة أو مع جماهير الشعب العامل ... " بل وجد في ذلك التحرك الشعبي دليلاً على أن جماهير 9 و 10 حزيران ( يونيه) ما زالت يقظة وتطالب بالتغيير وتطالب بالحساب ومضى على طريق التغيير وعلى طريق المعركة، وقدم ترجمة عملية لذلك في بيان 30 آذار (مارس) ، الذي جاء برنامجاً مرحلياً لانجاز المهمات الضرورية واللازمة لتحقيق الهدف المرحلي، هدف إزالة آثار العدوان .

ولكن بيان 30 مارس كما جاء محدداً بذلك الهدف المرحلي الذي وضعته الهزيمة على طريق الثورة، ظل منهاجاً مرتبطاً كل الارتباط بالبرنامج الاستراتيجي الأساسي للثورة ، وهو البرنامج الذي نص على منطلقاته ومقوماته وأهدافه " ميثاق العمل الوطني " .
لقد أصبح منهاج " ازالة آثار العدوان " في تلك المرحلة معياراً للثورة يحكم مسارها ويراجع ويعدّل في عدد من مواقفها وانجازاتها، ولكنه ظل منهاجاً في الخط الأساسي للثورة ، يرصد بعدها التاريخي العام والتزامها بأهداف الأمة. وكما قال عبدالناصر في خطبته التي افتتح بها " مجلس الأمة الجديد " في 30 كانون الثاني (يناير) عام 1969، نعمل سياسياً ونناضل عسكرياً لدحر العدوان ونظل دائماً تحت نفس الأعلام التي وقف تحتها نضالنا الوطني والقومي... مهما حاولت قوى الاستعمار... ومهما حاولت قوى الاستغلال... ومهما حاولت اسرائيل أداة هذه القوى كلها ... سوف نظل دائماً تحت علم التحرير. وسوف نظل دائماً تحت علم الاستقلال الوطني . وسوف نظل دائماً تحت علم الوحدة العربية. وسوف نظل دائمأ تحت علم الاشتراكية. وسوف نظل دائماً تحت علم عدم الانحياز..." .

ولقد وقف بعد ذلك بأيام ، ليقول في 29 كانون الثاني (يناير) عام 69، في افتتاح المؤتمر الرابع للاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب : " إن الأرضية الأصلية وراء الصراع العربي الاسرائيلي هي في الواقع وعلى وجه الدقة أرضية التناقض بين الأمة العربية... وبين الاستعمار... وفيما مضى كان سلاح الاستعمار ضد الأمة العربية هو سلاح التمزيق . وبعد حربين عالميتين تعاظم الإيمان بالوحدة العربية فقد لجأ الاستعمار الى اضافة سلاح التخويف الى سلاح التمزيق ... وسلم وطناً من أوطان الأمة العربية غنيمة مستباحة للعنصرية الصهيونية المدججة بالسلاح لكي يتم تكريس التمزيق للأمة العربية ولتحقيق تخويفها باستمرار... فضلاً عن استنزاف كل امكانيات القوة العربية ... ولقد زاد من حدة التناقض بين الأمة العربية والاستعمار ظهور الحركة التقدمية العربية بقيادة الفلاحين والعمال العرب ، الأمر الذي دفع الاستعمار الى مغامرات عنيفة ومخيفة ، عبرت عن نفسها... بحرب السويس ، ثم عبرت عن نفسها مرة ثانية سنة 1967 في ماعرف فيما بعد بحرب الأيام الستة والتي هي في الحقيقة حرب لم تنته حتى الآن".

وفي هذا المجال بالذات فقد استطاع عبدالناصر أن يقف في وجه الهزيمة ويصمد لها وأن يحولها الى اندحار في معركة لحرب ما زالت متواصلة . ولقد تواصلت فعلاً ، بدءاً من حرب المدافع على السويس وهجمات الكوماندوس المصري ، وصولاً الى حرب الا ستنزاف ، وإعداداً للانتقال الى حرب التحرير. وكان في تقديرات عبدالناصر أن ينتقل الى تلك الحرب التحريرية وعبور القنال قبل نهاية عام 1970. واذا ما أشهر البعض هنا في وجهنا اعتراضاً ، حول قبول عبدالناصر بمبادرة روجرز في تموز (يوليو) من ذلك العام، واذا ما استغل ذلك القبول في حينه، كما استخدم من بعد وفاة عبدالناصر من قبل القوى المعادية لثورته للتشكيك بتصميمه القاطع على التحرير، فان ذلك القبول وفي السياق العام الذي جاء فيه، وفي إطار ممارسات عبدالناصر كلها في تلك المرحلة، الداخلية والعربية والدولية، يأخذ مكانه الواقعي كتكتيك بين جملة التكتيكات التي سار فيها عبدالناصر، وبدءاً من القبول بقرار مجلس الأمن رقم 242، لاعطاء آفاق للعمل السياسي وللتعامل مع القوى الدولية والفعل فيها، ثم كان ذلك القبول فرصة لالتقاط الأنفاس العسكرية في مهلة ايقاف إطلاق النار المحددة ، لاست! كمال الاستعداد للعبور وتقديم سلاح الصواريخ الى جبهة القتال ...

وأذكر بهذا الصدد كلاماً سمعته من عبدالناصرفي لقاء كان لي معه في الاسكندرية في آب (أغسطس) عام 1969. كان موضوع ذلك اللقاء تعاون سورية مع مصر في معركتها المصيرية هذه أي " معركة ازالة آثار العدوان " وما هو مطلوب من القوى الوحدوية في سورية من مواقف ايجابية لتعزيز هذا التعاون لصالح المعركة والانتصار فيها. وما كنت بحاجة لطرح بداية السؤال : أين أصبحنا على طريق المعركة... لأرى كل شيء صريحاً وواضحاً أمامي ، فلقد كان عبدالناصر مأخوذاً بكليته للاعداد لها فكرياً ونفسياً ، وسياسياً وعسكرياً ، وبخاصة عسكرياً . والشعارات التي كنا نسمعها تتردد على لسانه في كل خطاب وتصريح ومناسبة " لا بديل لنا عن النصر في هذه المعركة... وما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة... " كانت مترجمة الى وقائع وانجازات وخطط ، وكان حينها يستعد لمباشرة حرب الاستنزاف وقال : " لقد نفد صبر شعبنا ، إنني أعيش مع الشعب إحساسه هذا. لقد بذلنا جهداً كبيراً لكي يصبر علينا شعبنا، اذ لا بد أن يكون إعدادنا كبيراً وكاملاً ... إن لدينا اليوم نصف مليون جندي ونيّف تحت السلاح، ولقد تدربوا وبسرعة مذهلة ووصلوا الى كفاءة ممتازة ، وسنصل بهذا الج! يش المؤهل الى مليون جندي . لقد كنت اليوم في اجتماع عسكري مشترك على مستوى القيادة العليا، إن تقدير قيادة أركان جيشنا، وكذلك تقدير الخبراء السوفيات الذين يشاركوننا ، أن جيشنا قادر اليوم على خوض معركة ناجحة ضد اسرائيل واجتياز القنال إلى الضفة الشرقية، ولكن المسألة لا يمكن ان تتوقف عند معركة محدودة ( كما كانت تتحدث بعض الصحف ذلك الحين) ولا عند اجتياز القنال . ان معنويات جنودنا وضباطنا رائعة ويريدون القتال ، والشعب يدفع بقوة ويريد، ولكن المعركة لا بد ان تمضي في طريقها كحرب تحرير، وأن تواجه مختلف الاحتمالات السياسية والعسكرية لعدونا الاسرائيلي ومن وراءه. إنني ما زلت بحاجة ، وفي المسار الذي نحن عليه الى سنة أو سنة ونصف تقريباً لاستكمال مستلزمات هذه الحرب، وكذلك للاستفادة من دعم أصدقائنا السوفيات والسير بهم الى التزام أقوى بمعركتنا هذه في مواجهة التزام أميركا باسرائيل ، ووجودها العدواني على أرضنا... ولكن هذه المدة من الاستكمال لن تكون مجرد إعداد وانتظار، بل سنشن فيها حرب الاستنزاف ، إن هذه الحرب الأولية ستؤهل جنودنا اكثر وتحافظ على جاهزيتهم القتالية، كما ستشد جماهير شعبنا من الداخل! ، وجماهير الأمة العربية دفعاً على طريق المعركة واستمراريتها الى أن نح قق هدفنا كاملاً ... " .

وفي ذلك الحديث، كما في كل المواقف والأحاديث ، كان تصميم عبدالناصر قاطعاً . وكان تطلعه المستقبلي وتطلعه لاستمرارية الثورة ولأهداف الأمة، من خلال إنجاز تلك المهمة، مهمة الانتصار في حرب " إزالة آثار العدوان " .

كذلك كان موقفه في تلك المرحلة، عندما يطرح عليه الكثير من المسائل والقضايا الكبرى ، كمسائل الوحدة مثلا ، أو مسألة الثورة الفلسطينية وفصائلها، أو مسائل وحدة قوى الثورة على المستوى القومي، ووحدة أداة تلك الثورة.

ولكن عبدالناصر، ومن خلال موقعه القيادي ومسؤولياته، اذا ما ظل محاصراً في تلك المرحلة بذلك الهدف المحدد، واذا ما حصر همه بإعادة بناء جيش مصر المقاتل ، وببناء صمود المجتمع المصري من ورائه ، وبالفعل في السياسة العربية والدولية لصالح ذلك الهدف ، فانه لم يضع قيداًً بذلك على حركة القوى الثورية العربية الأخرى في أن تعمل لما هو أكثر من ذلك الهدف أو لما سيكون بعده. فعبدالناصر ولو أنه أراد تحديد دوره في تلك المرحلة بازالة آثار العدوان ، فان الدور التاريخي الذي أعطته له جماهير الأمة ظل يحاصره ويطالبه بما هو أكثر، وموقفه من المقاومة الفلسطينية واضح وصريح في هذا المجال . فمنذ البداية وفي مرارة الهزيمة، وجد في صعود النضال الفلسطيني المقاوم، وبخاصة في عمليات حركة فتح ، ومضة رائعة من ومضات الأمل ومن التأكيد على الحيوية الثورية للأمة وعلى استمرارية الكفاح من أجل القضية... ولقد وجد أن من الطبيعي بل ومن الضروري أن ترفض المقاومة ويرفض الفلسطينيون ما قبلته مصر من قرارات مجلس الأمن ، وأن لا يوضع أي قيد على حركة المقاومة ونضالاتها ، وما كان يريد لها الا ان تصمد وتستمر وأن تكون بحق طليعة متقدمة من ط! لائع الثورة العربية، وليس دفعاً على طريق " إزالة آثار العدوان " ، فمهمتها لا تتحدد بهذا الهدف، بل ولما بعد ذلك ولما هو أبعد من ذلك بكثير. ولقد ظل ثابتاً عند هذا الموقف من المقاومة، رغم الكثير من الانتقادات والتجريحات التي نالته من بعض عناصرها وفصائلها، ورغم تحريضات تلك العناصر العنيفة ضده والتشكيك بمساره . وبخاصة عند قبوله مبادرة روجرز، وهو لم يسكت صوتها الاذاعي في القاهرة لفترة الا بعد أن أصبحت تحريضاً ضده داخل مصر ذاتها ، وعندما وقعت الواقعة مباشرة بعد ذلك وحل أيلول الأسود، كانت له وقفته المشهودة في الانتصار لها ، وكان إرهاقه من تلك الأحداث الدامية وعذابها ، الطعنة الأخيرة التي وجهت لقلبه فقضى .

ومثال آخر: موضوع الوحدة العربية والدفع على طريق خطوات وحدوية . فلقد كان شاغله الوصول في تلك المرحلة الى أقصر ما يمكن الوصول إليه من التماسك العربي في وجه مخططات أعداء الأمة، وتوظيف كل ما يمكن توظيفه من طاقات الأمة الجاهزة لصالح المعركة واسكات كل ما يمكن اسكاته من تناقضات أمام ذلك التناقض الخطير بين مصلحة الأمة ككل ، وبين عدوها الاسرائيلي المحتل لأرضها والحلف الصهيوني- الامبريالي المساند له. وكثيراً ما كان قادة النظام السوري ذلك الحين يطرحون عليه في لقاءات التنسيق معه تمنيات تتعلق بموضوع الوحدة والقيام بخطوات وحدوية بين مصر وسورية. وكان يجيب : " دعونا الان نعمل للمعركة وللتنسيق من أجلها ولوحدة القوة فيها، وأخشى أن يؤدي فتح ملف الوحدة الى إثارة تناقضات نحن بغنى عنها الآن " .

ولكن هدف الوحدة، وقوة الوحدة لم يغيبا عن فكره واستراتيجيته الشاملة يوماً ، بل وعندما جاءت ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول) في ليبيا كومضة ضياء جديدة في أيام النكسة، ورافداً جديداً للنضال العربي ، أصبح من اهتماماته الكبرى أن ينجح نظام تلك الثورة ويثبت ويقوى . ولقد جاءت الثورة الليبية منذ بدايتها تطرح عليه قضية! الوحدة ، وكان في ذلك بعض الارباك لعبدالناصر ولخط سيره في مواجهة ضرورات المعركة، وأراد لتلك الثورة أن تصلّب عودها في البداية بنفسها . ولكنه عندما جاء لزيارة ليبيا في حزيران ( يونيه) عام 1970 بمناسبة احتفالها بجلاء القوات الأميركية عن قاعدة " عقبة بن نافع "، وتعرف عن قرب الى ما تواجهه القيادة الثورية الفتية من مصاعب ، فان تخوفه على تلك الثورة فرض عليه أن يفكر بالحل الوحدوي . لقد كان رئيس الجمهورية السورية ذلك الحين ( الدكتور نور الدين الأتاسي) موجوداً معه بتلك المناسبة في ليبيا ، وأرسل عبدالناصر يوقظه من نومه قبيل الفجر ( وبعد اجتماع طويل لعبدالناصر مع قيادة الثورة الليبية حتى ذلك الوقت) ليطرح عليه موضوع الوحدة واقامة اتحاد ثلاثي بين مصر وسورية وليبيا . لم يرد عبدالناصر أن ينفرد بوحدة مع ليبيا، لما يمكن أن تعطيه تلك الوحدة من انطباعات في بسط الهيمنة المصرية عليها. وأخذت الحماسة ليلتها مأخذها بالجميع، وذهبت الاستعدادات الفورية لتنقل في طائرة واحدة الرؤساء الثلاثة صباح اليوم التالي ( وكان يوم جمعة) ليصلوا صلاة الجمعة في المسجد الأموي ، وشكلت لجنة متابعة. وسافر بعدها عبدالناصر ! مباشرة الى الاتحاد السوفياتي . وكان من أخطر الموضوعات التي طرحها على ا لزعماء السوفيات في لقائه الأخيرمعهم، فضلاً عن مواضيع التسليح وشبكة الصواريخ والمواقف الدولية ، موضوع الوحدة، فلقد كان يهم عبدالناصر، أن يكون هذا الأمر وضروراته واضحاً أمام السوفيات وأن يكون موقفهم ايجابياً منه، وأن لا يعطي أي انعكاس سلبي على مساندتهم لعبدالناصر وللأمة العربية في معركتها ضد العدوان، ولقد كان التفهم السوفياتي جيداً والاستجابة معقولة . وعاد عبدالناصر، وظل للمعركة أولاً، وأعلن في 23 تموز (يوليو) قبول مبادرة روجرز وقبول وقف اطلاق النار ثلاثة أشهر. وذهب عبد الناصر، وأخذت المطامح والمطامع فرصتها، وتقدمت في الساحة ولكن على طريق غير طريق عبدالناصر، ووضعت نفسها في تعارض مع حركة الجماهير بل وفي تصادم معها غالباً ، وليس في تفاعل معها ومع طموحاتها.

هذا تاريخ أمتنا وقيادة عبدالناصر كانت قمة فيه، ومن بعدها كان الانحدار الذي لم يتوقف . ومن قبل عبدالناصر كانت هناك مقدمات وانجازات على طريق النضال القومي، وأمسك عبدالناصر بتلك المقدمات والانجازات كلها ، وصاغها فكراً وممارسة وعملاً ، صياغة نهضت بالأمة وتقدمت بثورتها مراحل وخطوات . وكانت هزيمة حزيران (يونيه) الامتحان الرهيب الذي كاد يسقط تلك القيادة ويسقط تجربتها الثورية . شيء واحد بقي وقتها في الساحة هو القوة العفوية لحركة الجماهير، تلك القوة الثورية التي وقفت في وجه السقوط ووجه الهزيمة وأعادت عبدالناصر ليتابع مهمته التاريخية، وقد حدد مهمته المرحلية بعدها بازالة آثار العدوان ، وقضى قبل إنجاز هذه المهمة . والجماهير الهائلة التي رفعته من السقوط هي نفسها التي مشت تشيع جثمانه منادية بتصميم واحد " حنكمل المشوار " ... ولكن المشوار انقطع فالجماهبر تفرقت ولم تجد أمامها من يحشدها من جديد على طريق أهدافها ، ولم تجد من يواصل بها المسار. ذلك أن طريق عبدالناصر كان قد انقطع أيضاً بغيابه ، لأن حضوره كان مقوماً أساسياً من مقومات ذلك الطريق، ووجوده كان يشد ثورية الجماهير الى الأمام . وذلك أن ع! بد الناصر هو الذي صاغ تلك العلاقة الحية بينه وبين جماهير الشعب، وكان يندمج بأحاسيسها ومطالبها بحيث يكاد يتوحد معها، وبهذا التعامل معها كان يحس نبض حياة الأمة وتاريخها، ويتعامل مع حركة التاريخ
وفي وجه من ينادون المعلم والقائد كان يقول دائماً : الشعب هو المعلم والشعب هو القائد، ما كان يقول لقد فعلت وأنا حققت ، بل كان يقول ارادة الشعب حققت والشعب هو الذي طور المبادىء و" لقن طلائعه أسرار آماله الكبرى ... وأقام من وعيه حافظاً لها ... ".

ما أراد عبدالناصر أن يمارس ذلك الدور الأبوي الذي تتسم به وتفرضه على جماهير شعبها الدكتاتوريات الشرقية السائدة في الأقطار المتخلفة ، بل كان ينادي " إرفع رأسك يا أخي... " وما كان يخاطب جماهير الشعب بيا أبنائي ... بل كان خطابه دائماً أيها الأخوة المواطنون ... ". وفي وقفته الأخيرة مع الشعب ، وفي آخر كلمة خاطب بها جماهير الأمة ، عبر منصة المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي في 26 تموز (يوليو) عام 1970، تلك الكلمة التي وصفت بأنها كانت ما يشبه " الوصية " أعطى شهادة للتاريخ عن محصلة النضال الثوري لشعبه ، بل عن محصلة نضاله هو بالشعب ومع الشعب ومن أجل قضية الأمة، وعن محصلة تجربته الثورية حيث قال :
"... ويضاعف من قيمة المكتسبات الهائلة في ضمير الشعب المصري ، أن تجربته التاريخية كانت على مر العصور أوسع من مصلحته الذاتية ، وأكبر من حدوده السياسية وذلك بحكم انتمائه العضوي إلى أمة عربية تعيش في قلب العالم جغرافياً وحضارياً . ولست أريد ان أعود الى الماضي وصفحاته المشرقة، وانما يكفينا استعراض ما لا يزال حياً في أذهاننا منذ اليوم الذي ارتفعت فيه أعلام ثورة 23 يوليو... إن الشعب المصري تحت أعلام هذه الثورة رفض السلامة عن طريق الانعزال ، ورفض الأنانية برفض كل مغرياتها الوقتية ، لقد جعل قضية أمته قضيته ، وعاش النضال من أجلها بحياته، وكان في ذلك يصدر عن وعي بمسار التاريخ لم يساوره فيه شك أو تردد، أثبت أبناء هذا الشعب دائماً أنهم الأمناء ... الأمناء بالكلمة... والأمناء بالفعل ... لم تكن الحرية والاشتراكية والوحدة بالنسبة له كلمات وانما كانت الحرية والاشتراكية والوحدة بالنسبة له أعمالاً ، بل كانت كلها بالنسبة له قتالاً . وليس هناك علم شريف يرفرف على الأرض العربية الا وكانت يد الشعب المصري أول الأيدي التي امتدت لتساعد على اقامته . وليست تعنينا في ذلك شهادة أي فرد وانما تعنينا في ذلك! شهادة التاريخ مبرأة من العقد ومن الأهواء ومن التحزب ومن النسيان " ...

تلك كانت محصلة مرحلة عبدالناصر، وكان شعب مصر بعبدالناصر، وكان عبدالناصر بشعب مصر بل بشعوب الأمة العربية المتطلعة الى وحدتها كلها. ولكن عبدالناصر، وكما قال أحد الكتاب اليساريين العرب " وصل بجماهير مصر وجماهير الأمة العربية الى منتصف الطريق ثم قطعها... وصل بها الى مستوى جديد من الوعي السياسي الوطني والقومي بل والتقدمي الاشتراكي ، ولكنه لم يصل بها الى انضاج تجربتها الديمقراطية في بناء تنظيمها وعلاقاتها ولم يصل الى إكمال الأيديولوجية التي تطابق واقعها وثورتها، وترسم بوضوح مسيرتها الى أهدافها. والقطيعة أو الانقطاع جاءا من حيث أنه لم يبن الضمانة ولم يبن البديل الذي يواصل المسار بوجوده ومن بعده . لم تكن تلك ارادته، أي أن يكون في موقع البديل دائماً ، وفي موقع الأبوية والاتكال عليه ولكن هكذا جرت الأمور، ولمجريات الأمور أسبابها وقوانينها، ولكن الوقائع استقرت على أن تظل ايجابيات عبدالناصر في مسار تجربته هي ايجابيات تقدم الأمة، وعلى أن تكون الثغرات التي خلفها من حوله ومن بعده ، هي الثغرات التي نفذت منها قوى الثورة المضادة ، ومنها دخل الارتداد والتحول عن طريق عبد الناصر وطريق ثورة الأم! ة الواحدة .

لقد أشار عبدالناصر أكثر من مرة الى واحدة من تلك الثغرات في تجربته ونص على ذلك في الميثاق بقوله "... إن هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة، كذلك فان هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرية كاملة للتغيير الثوري " ... ولكن ما لم يقله عبدالناصر هو أنه بحضوره ، وبحركة فعله وحركة فكره ، كان يسد حيزاً من هذا الفراغ في حياة الجماهير وفي تقدم حركة الثورة . واذا ما كان لهذا الدور ايجابياته فلقد كانت له سلبياته أيضاً ، فمثل ذلك الاكتفاء بقيادة عبدالناصر وترله الأمور لمبادراتها ، كان حائلاً دون الدفع على طريق سد تلك الثغرة ، وبذلك أضعف جانبآ من جوانب بناء أداة الثورة وتنظيمها ، ليفقدها بالتالي ضمانة استمراريتها من بعده .

ولكن هل كانت تلك مسؤولية عبدالناصر وحده؟ أم أن مثل تلك القصورات والثغرات مرتبطة بالظروف السياسية والاجتماعية والثقافية العامة لأمتنا التي تحرك من خلالها نضالنا الوطني والقومي وتحرك من خلالها عبدالناصر، مرتبطة بمستوى تطور الوعي السياسي والأيديولوجي للطلائع المثقفة من أمتنا وللقيادات التي تقدمت على رأس حركات النضال العربي بمختلف فصائلها وأحزابها وتنظيماتها ، وإلا فلماذا لم يأت من يسد ذلك الفراغ من بعده ، أو لماذا لم يقم البديل بوجوده؟ ذلك أن هذه القصورات كانت مرتبطة بقصورات الجانب الديمقراطي في التجربة .

وهذه مسألة أساسية تستحق أن نقف عندها ، لأن الاجابة عليها هي التي تضعنا على طريق تكملة ذلك " المشوار " الذي انقطع ، " مشوار" الثورة العربية الذي مضت فيه قيادة عبدالناصر بنهج معين ، عبر مراحل وأطوار متعددة ، وكانت له مقدماته ثم كانت له انجازاته وانتصاراته كما كانت له قصوراته وانكساراته. أي هي التي تضعنا في النهاية أمام ما تتطلبه المرحلة الراهنة - مع هذا التمزق والانتكاسالذي تمر به أمتنا- من صياغة جديدة لحركة الثورة ولمنظورها وبرنامجها وقواها . ثم إن وقوفنا على تجربة عبدالناصر بكل معطيـاتها ، لا يردنا الى مرحلة مضت وفات زمانها ، بل هو يضعنا في صميم المسائل التي نواجهها اليوم في حاضرنا وفي تطلعنا للمستقبل . والواقع أيضاً أن العديدين منّا، فى أيام عبدالناصر وبخاصة في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته ، كانوا يتساءلون ويسألون أنفسهم ، ماذا سيحل بقضية أمتنا ووقفتنا النضالية اذا انتهى أو غاب عبد الناصر. أي أننا كنا ندرك ، لا ما يجسده حضور عبدالناصر وقيادته للأمة من ايجابيات فحسب ، بل ولما يغطي عليه هذا الحضور، بل ويموهه أحياناً من ثغرات و من سلبيات ، وما تؤدي إليه هذه التغطية في النهاية من قصورات في إنضاج الوعي الثوري والتجربة الثورية لحركة الجماهير وتنظيمها . ولكن وعي القصور لا يعني بالضرورة تداركه، لأن القصور لا يبقى محصوراً في اطار تجربة عبد الناصر وما قوي عليه ، بل هو قصور في حركة نهوض الأمة وفي تطور الوعي التقدمي لطلائعها الثقافية والسياسية : والا فلماذا بقينا قاصرين عن ملء ذلك الفراغ وتدارك ذلك التقصير بحضور عبدالناصر وبخاصة بعد غيابه؟

فعبدالناصرلم يكن نسيج ذاته أو قائماً بذاته ، بل هو نسيج مرحلة في تاريخ أمتنا، وأياً ما كانت ثغراتها فلقد كانت مرحلة نهوض وتقدم . وعبدالناصر اذا ما جسد صورة نموذجية للرجل التاريخي، كما هو الأمر بالنسبة للرجال التاريخيين العظام الذين برزوا في حياة الأمم وكان لهم دورهم التاريخي ، فانه لم يأت استثناء بل تجاوباً مع ظروف أمة وتلبية لحاجتها وتعبيراً عنها ، وكما قال عبدالناصر ذاته " ما أنا الا تعبير عن القومية العربية في مرحلة من حياة الأمة... " .

إن المسائل الديمقراطية كانت مطروحة في وجه النظام الذي كان يرأسه عبدالناصر في مختلف مراحل تطوره وانتقالاته الوطنية والقومية والتقدمية والاشتراكية . كانت مطروحة من اليسار ومن اليمين أيضاً بصيغ مختلفة. واذا ما غطت الشخصية التاريخية لعبدالناصر وجماهيريته وانجازاته وخطواته المتقدمة على من سواه ، واذا ما غطت في قليل أو في كثير، على القصورات الديمقراطية في نظامه وممارسات ذلك النظام ، فانها اليوم وبعد ذلك الارتداد الكبير من بعده وهذا الانكسار المتواصل لحركة الجماهير وللعمل الثوري ، تعود لتحتل مكان الصدارة كمسألة مركزية في النضال الوطني والقومي . لقد جاء عبدالناصر إلى الحكم في مصر وراء " ست رايات أو مبادىء " ، كان من بينها " اقامة ديمقراطية سليمة... " ولقد حاول عبدالناصر في مختلف مراحل تجربته أن يجد صياغة في " الدساتير المؤقتة " وفي الميثاق وفي التنظيمات الشعبية والرسمية ، لذلك المبدأ الهدف ، ولكنها كلها لم تستطع في النهاية ان تلبي الوعد الديمقراطي في تحقيق المواطنية الديمقراطية الكاملة وحرية المواطن والمساواة الفعلية بين المواطنين بعد ان أنجزت الكثير من تحقيق حرية الوطن ، هذا التحقي! ق الذي عادت وارتدت عليه هزيمة حزيران (يونيه).

ولكن هل كانت مثل هذه التوجهات الديمقراطية التي نتوجه بها اليوم ، وبعد معاناة الهزيمة، ومعاناة حركة الردة من بعد عبدالناصر وصعود قوى الثورة المضادة ونظم الاستبداد المشرقي ، هل كانت توجهات أساسية وقفت عندها قوى التقدم واليسار العربي قبل مرحلة الانكسار هذه وما كشفت عنه من ضعف البنيان العربي في لحمة الوطنية الديمقراطية الأساسية؟

واقع الأمر أن هذا التأكيد على الديمقراطية السياسية، كموقف أساسي ومبدئي، هو موقف جديد، ومن خلال استيعاب موضوعي لحركة تطورنا ومن خلال وعي ثوري جديد، بحيث أصبحنا نتلمس تلك الثغرات التي خلفتها وراءها حركة تقدمنا، وكانت تعبيراً عن تأخر وعينا الثوري من حيث استيعابه للمسار التاريخي لتشكل الدول القومية الحديثة، و من حيث مطابقته مع واقعنا وحاجات نهوضنا الأساسية، وما تتطلبه من تركيز ديمقراطي لبنياننا السياسي والا جتماعي قبل أي شيء آخر.

إن الكثير من الثورويين كانوا يحسبون أن تلك " الليبرالية السياسية والثقافية " ترتبط بمرحلة تاريخية لنظم اجتماعية أخرى ، تخطاها نضالهم الثوري الى مرحلة تاريخية متقدمة عليها. ولكن الفكر التاريخي، أو بالأحرى المفهوم الجدلي للتاريخ وفقاً للاشتراكية العلمية ، يضعنا أمام حقيقة، وهي أنه ليس بمقدور مجتمع من المجتمعات أو شعب من الشعوب أن يتخطى مرحلة من مراحل تطور المجتمعات الانسانية، ما لم يتمثل قيمها وانجازاتها وبذلك يقوى على تجاوزها والتقدم عليها، أي بعد توظيفها في بناء حركة تقدمه.
ان هذه المسألة، وعلى المستوى الثقافي بخاصة، كانت من المسائل التي شغلت المفكر العربي المغربي عبدالله العروي في مؤلفاته وبخاصة في كتابه " الأيديولوجية العربية المعاصرة " و" العرب والفكر التاريخي " التي لخصها في مقدمة كتابه الثاني بقوله : " بدأت أحس أن المشكل الأساسي الذي أحوم حوله منذ سنين هو الآتي : كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل ( أو بدون) ان يعيش مرحلة ليبرالية؟ . وهذه المسألة التي يطرحها العروي في بعدها الثقافي والتاريخي والحضاري ننقلها الى مستواها السياسي والا جتماعي فنقول اليوم : ما هو السبيل لأن تتقدم ثورتنا العربية كثورة " وطنية ديمقراطية "، وان تبني اندماجها الوطني ووحدتها القومية ودولتها العصرية وتمضي في هذا الاطار لتأخذ بعدها الاجتماعي الجذري كثورة اشتراكية ، أي كيف لها أن تأخذ أولاً بمنجزات الثورة البورجوازية، في ليبراليتها السياسية والثقافية ، من غير أن تعيش مرحلة التطور البورجوازية وحكم الطبقة البورجوازية، ثم من غير ان تأخذ بالمنهج الرأسمالي في بناء قاعدتها في الإنتاج والتنمية؟

ولقد قدمت التجربة الناصرية في مسارها جواباً على هذه المسألة ، بل لقد أعطت التجربة الثورية العربية في تلك المرحلة جوابها من خلال ممارسة عبدالناصر. وكان الجواب ، وكما كشفت حركة الردة، مقصراً عن الوفاء بالحاجة، ليعود اليوم ويطرح نفسه من خلال التقصير، لا في الدور التاريخي الذي أداه عبدالناصر، بل في بناء حركة الثورة العربية ككل .

واذا وقفنا هنا عند جانب من جوانب القصور الديمقراطي في تلك المرحلة، كما ألمحنا قبل ذلك الى مسألة الأيديولوجية ونظرية العمل السياسي والثوري والوقوف دون صياغتها صياغة ملائمة، والى مسألة الحزب الثوري أي التنظيم السياسي الملتزم بالأيديولوجية الثورية والذي " يواجه مشاكل المعركة " ويدفع بحركة التغيير ويحمي من الا نتكاسة والردة ... فانها كانت قصورات وثغرات موضوعية في مسار التجربة، بل في مسار المرحلة اذ لم تقم أمامها تجربة بديلة. ولقد كانت لعبدالناصر محاولاته وأساليب قيادته في معالجة هذه المسائل، أو في سد هذه الثغرات بحضوره في قمة السلطة، وبشعبيته التي كان يشد بها الجماهير. وبقناعتنا أن مراجعة تجربة عبدالناصر في إطارها التاريخي ، ومتابعة حركة تطوره الفكري والاستراتيجي، يقدمان لنا معطيات هامة للاستدلال بها في مواجهة هذه المسائل اليوم، وعلى ضوء ما تغير في الساحة بعد ذهاب عبدالناصر.

وما تغير شيء كثير، واذا كانت سلبيات قوى الثورة المضادة المتحركة بحرية في الساحة هي البادية على السطح، فثمة ايجابيات أمامها تعطي المؤشر للمستقبل ، منها هذا التوجه الديمقراطي الأساسي الذي تتوجه به القوى التقدمية العربية في حركة نضالها وفي فكرها وارادة التغيير وارادة تجديد نهوضها الثوري . ولكن منها أيضاً ، التقاء اليسار العربي بما يشبه الاجماع ، على الأهداف الاستراتيجية الكبرى لحركة الثورة العربية والتي تجد رموزها في كلمات " الحرية والاشتراكية والوحدة "، وهي بذاتها الأهداف التي وضعتنا على طريقها بالممارسة تجربة عبدالناصر، أيا ما كانت ثغراتها، و أياً ما كانت التشويهات التي نالت منها والانحرافات والردات التي جاءت بعدها.

ولكن تجربة عبدالناصر ومرحلته، أياً كانت حركة المراجعة وأياً كانت الانتقادات التي توجه إليها، تبقى تجربة غنية جداً ومرحلة نهوض . وإذا كانت ثورتنا العربية تمضي مراحل وأطواراً ، فيها النهوض وفيها الانتكاس ، فاننا حين نأخذ بفكرة استمرارية الثورة وضرورتها ، لا بد أن نأخذ أيضاً من تلك التجربة انجازاتها كمكتسبات لنا ونقاط استناد . فالبناء الثوري يأتي في سياقه التاريخي ، ولا يعود لنقطة البداية أو يبدأ من الفراغ . ثم إن تجربة عبدالناصر هي التي أبرزت أكثر من غيرها ماهناك من خصوصية في حركة الثورة العربية ، وشدّت الآخرين للتطابق معها .
واذا ما بلور عبدالناصر مهمات الثورة العربية وأهدافها في صياغة استراتيجية مرحلية معينة قوامها بداية " الوطنية " فلقد طالب أن تكون نظريتها في النهاية ابداعاً لا اتباعأ، وطالب بثورة ثقافية لتكمل الثورة السياسية والاجتماعية ولتخلق المناخ المواتي للابداع الفلسفي والنظري ، ولتضع الثورة في سياق فكرها التاريخي ونهوضها الحضاري .
والمطالبة اذا لم تكن انجازاً فانها تبقى تعبيراً عن وعي وحاجة... واذا كان الجو السائد اليوم في حياتنا ومن حولنا هو التشتت والضياع لا جو التوحد والابداع ، فلا آقل من أن نعود لتثبيت المرتكزات التي تجمع من حولها شتاتنا وهي مرتكزات تظل تقدمها لنا تجربة عبدالناصر أكثر من سواها.

ألمانيا حليف رئيس للولايات المتحدة بدلا من بريطانيا!


تناولت صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" نتائج استفاء بريطانيا، مشيرة إلى أن ألمانيا ستصبح العامل المساعد الرئيس للولايات المتحدة بدلا من بريطانيا. 

جاء في مقال الصحيفة:
أعلن وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون، بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بموجب نتائج الاستفتاء، لن يقوض عزم الحكومة على تحديث القوات النووية. المقصود هنا أربع غواصات تحمل صواريخ باليستية من طراز ترايدنت التي يجب تغييرها قبل عام 2028.

ولكن أخذا بالاعتبار قيمة قطع الغيار الأمريكية المستخدمة في إنتاج هذه الصواريخ وانخفاض قيمة الجنيه الإسترليني بالنسبة للدولار، لا يسمح للندن بتحمل هذه التكاليف، وهذا يضع دور بريطانيا في الناتو موضع تساؤل. لذلك يحتمل أن تصبح ألمانيا الحليف الرئيس للولايات المتحدة.

إذا استندنا إلى التصريحات الرسمية، قد لا يحدث هذا. لأنه مباشرة بعد إعلان نتائج الاستفتاء حاولت واشنطن وسعت إلى إقناع البريطانيين بأن العلاقات بين البلدين تبقى على حالها، وقال أوباما: "لن يتغير أي شيء، العلاقات بين بلدينا خاصة ومتميزة".
وتشير صحيفة فايننشال تايمز، إلى أنه لم يبق لأوباما سوى بضعة أشهر في البيت الأبيض، وقد لوحظ بأنه حتى قبل الاستفتاء بدأ التوجه نحو ألمانيا وبدرجة أقل نحو فرنسا كحليفين يجب التشاور معهما. لذلك من المحتمل أن تصبح هذه العملية أسرع مع تقلص نفوذ لندن في المنطقة.

من جانبه يقول نيكولاس بيرنس، أحد المسؤولين السابقين في الخارجية الأمريكية، وحاليا مستشار هيلاري كلينتون في حملتها الانتخابية،: "لقد سأل هنري كيسنجر في وقت ما: بمن اتصل هاتفيا في أوروبا؟ الآن أصبح الجواب واضحا. يجب الاتصال بالمستشارة الألمانية. وهذا يعني علينا أن نستثمر في علاقاتنا مع ألمانيا".

ولكن حزب المحافظين حاله حال أنصار ومعارضي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يريد تقلص وزن بريطانيا في المحافل الدولية. لأن بريطانيا على خلاف ألمانيا لها عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي وتملك سلاحا نوويا. لذلك عندما تهتز قيمة الجنيه والمصارف الكبيرة تنوي نقل بعض عملياتها إلى أوروبا قرر الوزير فالون تأكيد ضرورة المحافظة على القوة النووية.
وتتكون القوة النووية من أربع غواصات من طراز فانغارد "Vangard" على متن كل منها 16 قاعدة لإطلاق صواريخ باليستية من طراز ترايدينت، حيث يجب أن تحل محلها ابتداء من عام 2028 غواصات جديدة من طراز "Successor".
من جانبها أشارت رئيسة مركز الدراسات البريطانية في معهد أوروبا، يلينا أنانيفا إلى أن "التصويت بشأن تحديث منظومة ترايدنت يجب أن يجري في الخريف المقبل. هذه المسألة ستكون موضوع جدل واسع خاصة بعد نتائج الاستفتاء. وذلك لأنه لا يمكن لبريطانيا في وضعها الحالي أن تنفق هذه المبالغ الكبيرة لتحديث الغواصات، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن عدم تحديث الغواصات يفقد بريطانيا صفتها كدولة نووية".

من جانبه دعا الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى الإبقاء على غواصتين فقط. في حين يقول حزب العمال الذي يرأسه جيريم كوربين، بأنه لا حاجة لوضع رؤوس نووية في هذه الغواصات.
أما أسكتلندا فقد أعلنت خلال الاستفتاء بشأن استقلالها عن المملكة المتحدة، بأنها ستطلب نقل الصواريخ النووية إلى خارج مياهها الإقليمية. أي أن هذه المسألة تبقى مفتوحة، لأن أسكتلندا تنوي تنظيم استفتاء جديد بشأن استقلالها، وحزبا العمال والمحافظين في أزمة "المحافظون سيصوتون لصالح تحديث القوة النووية، أما العمال فليس لديهم موقف واضح حتى الآن، لأنهم منشغلون في انتخاب رئيس جديد للحزب".

تجدر الإشارة إلى أن كلفة تحديث الغواصات تعادل حسب قيمة الجنيه الإسترليني الحالية 182 مليار جنيه إسترليني وتستمر 32 سنة.
أي يمكن القول بأن الاستفتاء وجه ضربة إلى هيبة لندن. ولكن حتى إذا فقدت صفة جسر بين الولايات المتحدة وأوروبا، لن تنتهي كحليف لواشنطن، لأنه ليس لوكالة الاستخبارات المركزية علاقات تعاون وثيقة ومتينة مع الأجهزة الأمنية الأخرى، كالتي تربطها بجهازي "مي -6 " و "مي – 5 " البريطانيين.

2016/06/01

تصادم المصالح الأمريكية والتركية بسبب القضية الكردية


تناولت صحيفة "إيزفيستيا" إمكان مشاركة تركيا في الحرب ضد "داعش"، مشيرة إلى رفض أنقرة مشاركة الأكراد فيها. 

 جاء في مقال الصحيفة:
أعلن وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو عن استعداد أنقرة لإرسال قوات خاصة لمشاركة الأمريكيين في محاربة "داعش"، وفتح جبهة ثانية ضد التنظيم في شمال سوريا. في حين أن روسيا تعتقد أنه لا يمكن لتركيا القيام بعمليات برية في سوريا من دون تفويض من مجلس الأمن الدولي أو موافقة السلطات السورية. أما الخبراء فيفترضون أن الهدف الأساس للأتراك هو ضرب الأكراد وليس محاربة الإرهابيين، ويحذرون من أن يؤدي دخول القوات التركية إلى الأراضي السورية إلى وقوع اشتباكات بينها وبين القوات الروسية.

وقال وزير الخارجية التركي إن العسكريين الأتراك يمكنهم السيطرة على المناطق الواقعة جنوب جرابلس وإغلاق الحدود بالقرب من منبج، لمنع وصول الإمدادات إلى الإرهابيين من الخارج. والشرط الأساس – رفض الولايات المتحدة التعاون مع أكراد سوريا. لأن "حزب الاتحاد الديمقراطي"، بحسب اعتقاد أنقرة، يرتبط بـ"حزب العمال الكردستاني"، الذي يناضل من أجل استقلال كردستان التركية منذ ثلاثة عقود.

أي بحسب تشاووش أوغلو، تُفتح الجبهة الثانية من دون "حزب الاتحاد الديمقراطي".

بيد أن الولايات المتحدة لا تعُدُّ "حزب الاتحاد الديمقراطي" إرهابيا، وتتعاون مع مقاتليه في الحرب مع "داعش"، حيث كانت الطائرات الأمريكية ترمي لمقاتليه الأسلحة والذخائر خلال معركة كوباني (عين العرب).

وقد أدى نشر "وكالة الصحافة الفرنسية" صور القوات الخاصة الأمريكية مع "وحدات الحماية الكردية" إلى رد فعل عنيف من جانب أنقرة، التي اتهمت واشنطن بالنفاق.

ولعل ذلك كان أحد أسباب تأخير نشر راجمات "هيمارس" الصاروخية الأمريكية على امتداد الحدود التركية – السورية لدعم هجوم الفصائل الكردية على المناطق الواقعة تحت سيطرة الإرهابيين.

لكن تشاووش أوغلو نفى ذلك، وأكد استعداد تركيا التام لنشر منظومات "هيمارس"، وأعلن أن أسباب التأخير تتحملها واشنطن. وهذا يعني أن هجوم الأكراد قد يؤجل إلى شهر أغسطس/آب على أقل تقدير.

ومن الواضح أن لأنقرة خطتها الخاصة لمحاربة "داعش". ففي البداية يجب على الولايات المتحدة التخلي عن التعاون مع الأكراد، وبعد ذلك تقوم التشكيلات العربية التي شكلت من المهاجرين، بدعم جوي ومدفعي، بتطهير المناطق الحدودية من الإرهابيين، تساندهم في ذلك القوات الخاصة لتركيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ثم بعد ذلك يتم التوجه نحو الجنوب.

لكن روسيا ترفض رفضا قاطعا مشاركة تركيا في النزاع السوري؛ حيث صرح نائب وزير خارجيتها، ميخائيل بوغدانوف للصحافيين، بأنه يجب أن تكون هناك قرارات دولية من مجلس الأمن الدولي، أو اتفاق مع السلطات السورية؛ لأنه ليس لدى الأتراك ما يبرر تدخلهم في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة.

من جانبه، يدعو الباحث العلمي في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، فيكتور نادين- راييفسكي، إلى عدم تصديق مزاعم تركيا حول محاربة "داعش"، لأن ضربتهم الأساسية ستكون ضد أكراد العراق وسوريا. وقال إن علاقة أكراد سوريا بـ"حزب العمال الكردستاني" هي فقط من تخيلات السلطات التركية.

ولكن، وبحسب رأيه، لا توجد قوة بديلة عن الأكراد يمكنها محاربة "داعش" في شمال سوريا. والولايات المتحدة تدرك هذا.

كما يقول الخبير بالشؤون التركية مدير مركز الدراسات الشرقية والعلاقات الدولية والدبلوماسية العامة، فلاديمير أفاتكوف إن تركيا تستمر في انتهاج سياسة عثمانية جديدة، وتصر على تنفيذ خطتها في سوريا، ليس فقط ضد بشار الأسد وروسيا وإيران، بل وضد الولايات المتحدة أيضا.

ويضيف أفاتكوف أن تركيا تعدُّ نفسها قوة عالمية يمكنها التصرف كما تشاء. لذلك تحاول بكل السبل محاربة الأكراد وفرض نفوذها على المنطقة. والقيادة التركية مستعدة لعمل أي شيء لمنع قيام دولة كردية.

واستطرد الخبير أن الأتراك سيشاركون بنشاط في محاربة "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية، فقبل أيام، توغلت الدبابات التركية في الأراضي السورية، ولكن الأمريكيين بحاجة إلى الأكراد، ولن يرضخوا لشروط تركيا. وهذا سيكون اختبارا لصلابة الناتو.

نسيب المتني - اغتياله اشعل ثورة 1958 ضد كميل شمعون



كان اغتيال نقيب المحررين السابق نسيب المتني عام 1958 فاتحة الاغتيالات السياسية لأرباب القلم في لبنان. لكن اغتياله «صُنع في لبنان» مئة في المئة، على عكس الاغتيالات اللاحقة التي طاولت أعلاماً بارزين في مهنة البحث عن المتاعب.

دفع المتني دمه ثمناً لموقفه السياسي. إذ كان معارضاً لسياسات عهد الرئيس كميل شمعون. ووقف بكل ما أوتي من حبر ضد التجديد لرئيس الجمهورية، معتبراً ان «التمديد جريمة»، ومعلناً معارضته «الاعتداء على الدستور... وفرض شخص لمدة 12 سنة، حتى لو كان أقرب أقربائنا وأعز أصدقائنا».

كان نسيب المتني من أولئك العصاميين الشرفاء، وقد بدأ عاملاً في المطبعة، ولم يكن يحسب انه سيأخذ المهنة عن أصحابها فلم يكن له نصيب من الثقافة لكن ضميره كان يقظاً.. وقد باشر كتابة الأخبار ثم التعليقات بالاضطرار، وكان يهتم بإثارة قضايا الناس والتركيز على همومهم بلغة بسيطة وبأسلوب مباشر فيه قدر عظيم من الجرأة. وحين آلت اليه «التلغراف» جعلها على مثاله، وهكذا فقد باتت صوت المعارضة، كل معارضة، وبالتالي صوت العمال والفلاحين وصغار الكسبة والمظلومين والمغبونين والذين لا صوت لهم..

وفي الساعة الأولى والنصف من فجر الثامن من أيار (مايو) من العام الذي شهد «ثورة 1958»، اغتيل المتني بخمس رصاصات، اخترقت إحداها قلبه، ليخرّ صريعاً بعدما صرخ في وجه قاتله: «يا كلب يا جبان». فأشعلت دماؤه شرارة «الثورة» ضد عهد شمعون. إذ عمّت التظاهرات والاضرابات أرجاء البلاد. واندلعت في طرابلس معارك مع الجيش وقوى الأمن الداخلي، ذهب ضحيتها المئات بين قتيل وجريح، من دون أن يتزحزح شمعون عن كرسيّه قيد أنملة. فأكمل عهده حتى اليوم الأخير، لكنه لم يجدد ولم يمدد. كانت كل المؤشرات تدل آنذاك إلى أن المتني قتل على أيدي أنصار شمعون. لكن معلومات ترددت لاحقاً حول قيام عناصر تابعة لاستخبارات عبد الحميد السرّاج كانت وراء اغتيال المتني بهدف إشعال نار الثورة ضد شمعون.

ومع ذلك، لم تكن تلك أولى معارك المتني مع رؤساء الجمهورية. فقد خاض ذلك الصحافي الجريء الذي انتخب نقيباً للمحررين عام 1947، معركة سابقة دفاعاً عن المبادئ ذاتها ضد عهد الرئيس بشارة الخوري الذي استقال في 18 أيلول (سبتمبر) 1952، تحت ضغط الرأي العام الغاضب والمستجيب لدعوات المتني الى إضراب شامل عمّ لبنان ثلاثة أيام متتالية.

واستطاع المتني، بقربه من المواطنين الذين اعتبروه ضميرهم العام أن يصنع جريدة على نمطه هو. فأصدر صحيفة «التلغراف» اليومية عام 1945 لتصبح الجريدة الشعبية الأولى آنذاك، بعدما جعلها صوت المعارضة ومنبرها الأخطر، يتناوب على الكتابة لها وفيها وعلى تزويدها بالأخبار كل أقطاب ذلك الزمن من السياسيين، وبينهم صائب سلام وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وحسين العويني وأحمد الأسعد... وغيرهم.

وحتى اغتيال المتني عام 1958، كانت «التلغراف» تطلع كل صباح على اللبنانيين بمقالات نارية، بقلم رئيس تحريرها، فاضحةً تغلغل الفساد في إدارات الدولة، ومنتقداً بقوة الاستعانة بالخارج ضد الداخل، مطالبةً «سيد العهد» بالرحيل لتجنيب البلاد حرباً أهلية كانت ملامحها بدأت تلوح في الأفق

السوريون يستقبلون آلاف اللاجئين الأوروبيين!



لطالما كثر اللغط بين الأوروبيين منذ بداية الأزمة السورية والعراقية، فعبروا عن انزعاجهم من توافد اللاجئين متناسين كيف استقبلتهم مخيمات الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الثانية.

فمنذ اندلاع الحرب في سوريا قبل 5 سنوات، سعى الملايين من اللاجئين السوريين إلى الوصول لموانئ أوروبا برا أو بحرا من خلال تركيا وعبر البحر المتوسط مستنجدين بالقارة العجوز عساها "ترد الجميل"، لكن رجاءهم قوبل بالاستنكار والرفض والخوف..

نفس هذا الطريق عبره اللاجئون منذ أكثر من 70 عاما، لكن حينها لم يكونوا سوريين، إنما أوروبيون عبروا نفس الطرق في الاتجاه المعاكس.

ونشر موقع "بوبلك راديو انترناشيونال" (PRI)، الخميس 28 أبريل/نيسان، تقريرا يعرض الأوضاع المعيشية للاجئين الأوروبيين في الشرق الأوسط آنذاك، حيث أقامت منظمة الإغاثة واللاجئين بالشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الثانية، مخيمات لجوء في سوريا ومصر وفلسطين، لتكون ملاذا لآلاف اللاجئين الأوروبيين.

ووفقا للتقرير، كانت المنظمة جزءا من شبكة مخيمات اللاجئين حول العالم، وكانت الحكومات الوطنية هي المسؤولة عن إدارتها بشكل شامل. كما ساهمت في إدارة المخيمات مجموعات تابعة لمنظمات دولية مثل خدمة الهجرة الدولية والصليب الأحمر ومنظمة الشرق الأدنى ومنظمة أنقذوا الأطفال.

وفي مارس 1944، أصدر المسؤولون الذين عملوا في منظمة الإغاثة واللاجئين وخدمات الهجرة الدولية تقارير عن مخيمات اللاجئين كجزء من جهود تطوير الظروف المعيشية بها.

واحتوت تلك التقارير على تفاصيل دقيقة عن حالة المخيمات مشيرة إلى وجود لاجئين فروا من بلادهم مثل بلغاريا وكرواتيا واليونان وتركيا ويوغسلافيا وغيرها، وجميعهم اضطروا للتأقلم مع الحياة داخل المخيمات في الشرق الأوسط.

ولدى وصول أي من اللاجئين للمخيمات، كان عليهم أولا التسجيل في المخيم والحصول على بطاقة تعريف خاصة تحتوي مجموعة من المعلومات مثل اسم اللاجئ والرقم التعريفي الخاص وتعليمه وعمله ومهاراته.

ويذكر التقرير أن اللاجئين كانوا يتمتعون ببعض المميزات منها التجول خارج المخيم والقيام برحلات للمدن، بعضها تجاوزت مسافة الطريق إليها العديد من الأميال.

كما كانوا يدخلون المحال ويشترون الإمدادات الأساسية ويشاهدون الأفلام في السينمات المحلية، أو ببساطة ينعمون بالقليل من الترفيه غير الموجود في حياة المخيم.

وكانوا يحصلون على نصف حصص مؤنة الجيش يوميا كما اهتم المسؤولون عن المخيمات بالأطعمة المقدمة بحيث تتناسب مع العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية الخاصة بكل مجموعة عرقية في المخيم.

ويختتم التقرير بالتذكير بالتشابه بين الأمس واليوم، فحال اللاجئين اليوم هو نفسه حال من سبقوهم من اللاجئين الأوروبيين في مخيمات الشرق الأوسط، كلاهما سعى للحصول على حياة طبيعية قدر الإمكان.

وحسب الوكالة الدولية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، يوجد حوالي 500 ألف لاجئ سوري مسجلين في مخيمات اللاجئين اليوم، ويوجد حوالي 5 ملايين سوري اضطروا لمغادرة بلادهم منذ بدء الصراع في سوريا.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر