الراصد القديم

2016/02/02

جمال عبد الناصر.. الساحر العظيم في عصر غير العصر


صفوت حاتم

... ان مصير الشعوب لا تقرره كبوة عارضة وإنما يقرره حجم الإرادة الوطنية  والقومية واستعدادها لتقبل الخطر وتحمل الصعاب . وليس يخيفنا ان تكون هناك بقاع غالية من أراضينا تحت احتلال العدو , ولكن يخيفنا أكثر ان تعيش أوطاننا كلها غير متنبهة للخطر المحيط بها راضية بالإستسلام تخلط بينه وبين السلام , بينما العدو يمضي في تنفيذ مخططاته العدوانية بغير قتال ويحقق ما يريد بغير مواجهة وينتصر عليها وهي في غيبوبة لاتميز فيها بين العدو والصديق , بين التسلل المنظم والأمن الخداع " . ( جمال عبد الناصر , خطاب في 23 يوليو 1969 ) .

الفصل الأول

عصر الشعوب .. وعصر القياصرة الرأسماليين !!

هل هي محض مصادفة أن تظل ذكرى الزعيم الراحل " جمال عبد الناصر " حية فيالضمير العربي بعد أكثر من ثلاثين عاما من رحيله ؟

وهل هي محض مصادفة أن يلتحق بأفكاره ومبادئه شباب لم يكونوا قد ولدوا حينغاب هو عن دنيانا ؟!!

1 – لعل أهم إنجازات الزعيم الراحل " جمال عبد الناصر " - وهي في رأيي كثيرة – انه أول زعيم عربي يفتح للجماهير العربية بوابة التاريخ التي كانت مغلقة دونهم لقرون طويلة. لقد عاشت الجماهير العربية مع عبد الناصر أحلاما كبيرة عن الوحدة العربية والكرامة وعاشت معه رغبتها الجامحة في العودة كفاعلة في تاريخ البشرية بعد أن طردوا من ساحة الفعل والمشاركة في صنع
التاريخ خلال أزمنة الانحطاط .

هذا يفسر – في رأيي – الشعبية الجارفة التي لا زال يتمتع بها عبد الناصر رغم مرور ثلاثين عاما على رحيله .

فالجماهير العربية خارج مصر لم تستفد من إنجازات عبد الناصر المادية (الإصلاح الزراعي وتوزيع الملكية الزراعية على صغار الفلاحين .. التأميم ومشاركة العمال في أرباح المنشآت الصناعية .. التعليم المجاني وتوسيع قاعدة التعليم لدى الجماهير الفقيرة .. الى آخر كل المنجزات المادية التي لم يستفد منها الا الشعب العربي في مصر ) حتى يمنحوه كل هذا الحب والتقدير الإستثناني الذي لم يحصل عليه أي قائد في التاريخ العربي .

لقد شرع " عبد الناصر " أبواب التاريخ للعرب وبشكل مذهل ليعبروا منها حلقة التخلف الاجتماعي والتجزئة والانقسام والانحطاط . وربما سيستعيد العرب لقرن قادم هذه التجربة كما يستعيدون حتى هذه اللحظة تجربة الخليفة العادل "عمر بن الخطاب " .

2 – لقد كان غياب عبد الناصر - كما يقول جورج قرم في كتابه الممتاز " إنفجار المشرق العربي " - بمثابة نهاية لعصر , لا نهاية لمأساة . فلقد تغير بسرعة الوجه السياسيي للعالم العربي , وأخذت المنطقة تنعطف رويدا رويدا في خلال السبعينات, بإتجاه اليمين, على نحو غير محسوس ولكن أكيد , بعد أن كان يحكمها أثناء العهد الناصري الروح اليسارية التي سيطرت على الجمهور العربي والتي كان تعبر عن نفسها في الشغف بالتحديث الإشتراكي والمعاداة الواضحة للإمبريالية ورفض واضح للتعايش مع الكيان الصهيوني وعلو نبرة تحريرية واضحة لفلسطين , والوقوف أمام التفسير الرجعي للدين وبشكل خاص الإسلام .

لقد تبدل الحال بشكل جذري بعد وفاة عبد الناصر وبشكل يصعب تصديقه , فموجة العداء للغرب أفسحت المجال لسياسات وأقوال ترى في الغرب " المخلص " للعرب من كل مشاكلهم وأولها مشكلة الصراع العربي الصهيوني التي حكمت المنطقة وتوجهاتها في الحقبة الناصرية على نحو حاد , وهكذا أصبح للغرب 99 في المائة من أوراق حل المشكلة كما عبر عن ذلك – أول مرة - أنورالسادات . لقد قاد  السادات هذا التحول الرهيب في حياة الأمة العربية , فبعد أن كانت سياسة الموالاة للغرب تمارس سرا من بعض الأنظمة العربية , تحول الأمر الى سياسات تؤيد الغرب علنا . وهكذا إنتشرت مع التعاظم المفاجئ والفج في الثروة
النفطية , موجة من المتاجرات والمضاربات المالية , وكشف العالم العربي مرة أخرى عن وجهه المحافظ في السياسة والفكر والدين والثقافة. وستبرز حقبة صعود "
الناصرية " في الخمسينات والستينات بإعتبارها " إستثناء " قصير العمر في تاريخ عربي طويل من المحافظة السياسية المؤسساتية .

ان المأساة بقيت كماهي . فخارج الحلقات الضيقة المستفيدة من النفط وريعه , سيستمر تعمق قاعدة الفقر المدقع بين أوساط الجماهير , وسيتعمق معها الأنشطار الحاد بين الفقراء والأغنياء في داخل كل قطر عربي وبين الأقطار العربية وبعضها البعض . وستزداد أحاسيس المهانة والشعور بالذل حيال تفتت العالم العربي وضعفه أمام الآخر المتقدم في الغرب أو إمتداده الحضاري على الأرض
العربية " إسرائيل " .

إن المحافظة السياسية والفكرية التي عرفتها مصر بعد عبد الناصر ستتخطى حدود مصر وتتجاوزها لينزلق العالم العربي كله في هذه النزعة المحافظة , بما في تلك الأنظمة التي ترفع شعارات أو واجهات "يساروية " في العراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي ( قبل الوحدة مع الشمال ) . بل أن الأمر سيطال المقاومة الفلسطينية , لتصبح سياسة مغازلة الغرب نهج كامل ومسيطر في السياسة العربية الرسمية . بل أن قطاعات كبيرة من النخبة المثقفة التي رأت أن عجلات الزمن تدور في الإتجاه المعاكس , لم تلبث أن إلتحقت بنهج "الواقعية السياسية " في حركة " للخلف در " , خصوصا بعد أن إنهار المعسكر الإشتراكي إنهيارا مدويا وما صحبه وماتبعه من إحساس عارم بالخزي من هشاشة البناء الذي شيدت عليه أول تجارب البناء الإشتراكي في التاريخ والسهولة العجيبة التي أنهار بها .

وهكذا إنهارت شعارات الإشتراكية والعدالة الإجتماعية وإختفت من ساحات الجدل السياسي , وأصبح الفكر الإشتراكي فكرا مهجورا ’ يخجل البعض من الحديث عنه أو الترويج له بتأثير الضغط الكبير للفكر الرأسمالي المسيطر سياسيا وإعلاميا . وبعد أن كان الفكر الرأسمالي في موقع الدفاع عنه نفسه خلال حقبة الستينات , إنقلب الحال وأصبحت الإشتراكية تتوارى وراء شعارات عامة ومبسطة
ولم تعد ضمن بنود الدعاية أوالترويج للأحزاب التي تتبناها وتدعو لها !!

لماذا وصلنا إلى هذه النهاية الحزينة ؟.. لماذا إستبد بنا الكابوس بثقله ووحشيته وإبتزاله ؟.. لماذا سقط الحلم العربي بهذه السهولة ؟

قبل الإجابة نقص عليكم قصتين واحدة من فرنسا والثانية من وطننا العربي , ربما يكون فيهما مدخلا لموضوعي عن العصر .

فرنسا .. وديجول

3- في يوم 11 يونيو 1940 طار " ونستون تشرشل " رئيس ووزراء بريطانيا وقائدها في الحرب الأوروبية الثانية( 1939 – 1945 ) الى مدينة " تور " الفرنسية في محاولة لإقناع القادة الفرنسيين بالإستمرار في الحرب ضد الغزو الألماني . لم تكن باريس قد سقطت بعد ( سقطت في 14 يونيو 19440 ) ولكن القادة الفرنسيين كانوا قد إستسلموا فقرروا نيابة عن الشعب الفرنسي أن تستلم فرنسا . ولم تجد زيارة " تشرشل " شيئا .

فلما هم تشرشل بدخول طائرة العودة دخل معه جنرال فرنسي شاب . كان هو " الجنرال ديجول " الذي أختار منفردا أن يقاوم الغزو الألماني وأن يحرر فرنسا . كانت كل المعطيات الموضوعية ضد إختياره : قوة العدو كاسحة و وفرنسا مسحوقة . وبطل فرنسا العتيد " الماريشال بيتان " الذي كان يحظى من أجلال الفرنسيين بما يقارب التقديس كان هو رئيس الحكومة التي قررت الإستسلام. وإنجلترا الحليف الوحيد لفرنسا كانت تقف وحيدة في جزيرتها تنتظر ما كان يبدو مصيرا محتوما بالسقوط . وكان " شارل ديجول " وحيدا ايضا . لم يكن وراءه حزب , ولا جماهير ولا جيوش ولا أموال ولا حتى أعوان . كان كل ما يملكه " إيمانا صوفيا مطلقا "بأنه قادر على تحرير وطنه وأنه يجب أن يحرره . ولقد بدأت به حكومة " فرنسا الحرة " , أو فلنقل أن قد بدأت فيه فرنسا الحرة فلم يبق وحيدا . إنحاز اليه الأحرار في فرنسا وفيما وراء البحار بدون تردد أو مناقشة , كما لو كانوا ينحازون الى فرنسا ذاتها . ولقد كان ديجول مؤمنا ايمانا صوفيا مطلقا أنه رمز فرنسا وتجسيدها العيني في إنسان . وكان أحرار فرنسا يقبلون منه هذا الإيمان
ويؤمنون به ويعترفون له إعترافا غير قاب!
ل للمناقشة بأنه رمز فرنسا وتجسيدا البشري حتى لو كانوا ينقدون بعض ما يفعل .
ولم تلبث فرنسا الحرة أن أصبحت تملك الجيوش وتشارك في الحرب وفي تحرير فرنسا
.

العرب .. وعبد الناصر



4 – في كتابه " ملفات السويس " , كتب الأستاذ " محمد حسنين هيكل " عن  العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 يقول : " ... كان قادة الغزو العسكري في لندن وباريس وتل أبيب يرددون ان الخبرة السياسية تؤكد أنه في اللحظة التي يتم فيها توجيه الإنذار لمصر ثم يلحق به القصف الجوي , فإن مصر سوف تستسلم وأن القيادة السياسية سوف تنهار لأن الجماهير المصرية المصابة بالفزع ستخرج الى الشوارع في مظاهرات ضد حكوماتها وسوف تحطم وتحرق وينتهي كل شيئ في مصر قبل أن يبدأ الغزو الفعلي ... ولابد من الإعتراف بأن تقديرات قادة الغزو لم تكن خاطئة تماما فلقد إجتمع عدد من الساسة القدامى على عجل بمنطق إنقاذ ما يمكن إنقاذه ورأى بعضهم بضرورة تأليف وزارة تستطيع التفاوض مع الإنجليز , كما رأي بعضهم بضرورة أن يترك العسكريون الحكم للمدنيين وأن يذهبوا الىوحداتهم حتى " نثبت للعالم اننا نجد ولا نهزل ونفعل ولا نقف عند الكلام وشقشقة اللسان " .

وعنما بدات الغارات الجوية على مصر في يوم 30 أكتوبر عام 1956 هرع " جمالعبد الناصر " الى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة . وكان مكتب السيد " عبدالحكيم عامر " حينما دخل اليه " جمال عبد الناصر " مزدحما بعدد من الزواربينهم بعض أعضاء مجلس الثورة القدامى وعدد من الوزراء وعدد من قادة القواتالمسلحة . وكان الجو مشحونا بالقلق والعصبية , ونتيجة لهما إحتدت الآراء وإنقسمت.

دعاة الواقعية السياسية

5 - وبين هذه الآراء ظهر رأي تبناه السيد " صلاح سالم " - عضو مجلس الثورة السابق – وكان محكوما بالمنطق " الواقعي " الذي وجد مصر تواجه ثلاثة أعداء في وقت واحد , بينهم إثنتان من القوى الكبرى , وهو حجم من القوة لاقبل لمصر بمواجهته , ومن ثم فقد إقترح " صلاح سالم " " بأسى وحزن " انه لا خيار امام جمال عبد الناصر غير الإستسلام وبسرعة قبل أن يتمكن الطيران
المعادي من تدمير مرافق مصر الحيوية وتمزيق جيشها وتهديم مدنها .

وفي اللحظة التي دخل فيها " جمال عبد الناصر " القاعة كان " صلاح سالم " يشرح رأيه " الواقعي " . ولم يتراجع " صلاح سالم " عما كان يقوله وإنما كرره امام " جمال عبد الناصر " واضاف إليه " انك قمت بخدمة عظيمة لهذا البلد وضحيت كثيرا من أجله والآن فقد كتبت عليك المقادير أن تضيف لتضحياتك تضحية أخرى وأن تقبل تسليم نفسك . إن " إيدن " اعلن في خطابه ان الحرب تستهدفك أنت وليس الشعب المصري , فإذا عرفوا انك على إستعداد لتسليم نفسك توقفت الحرب على الفور " . ثم إستطرد " صلاح سالم " قائلا انه يعرف إن السير " همفري تريفيليان " السفير البريطاني في القاهرة لم يغادرها بعد وإذا توجه " جمال
عبد الناصر " لمبنى السفارة وسلم نفسه فإن ذلك كفيل بحل الأمور " .

6- ولم يفقد " جمال عبد الناصر " اعصابه لهذا الذي سمعه , فقد أدرك ان أبعاد الموقف أهم من اي إعتبار يتعلق بالإشخاص . ومضى يشرح وجهة نظره فقال : " إنه لو كان يعرف ان المعركة هي شخصه لإبتعد بأي وسيلة عن مسرح الحوادث , ولكن
المستهدف هو مصر وشعبها , وغذا لم يقف الشعب المصري في هذا الموقف ويخوض المعركة دفاعا عن وطنه ومستقبله فإن مصير الأمة العربية كلها يصبح معرضا للضياع " .

وكما رفض الرئيس " عبد الناصر " إستقبال الساسة القدامى التقليديين والقبول بمنطق " إنقاذ ما يمكن إنقاذه " , فقد رفض في الوقت ذاته منطق صلاح سالم "من الساسة الجدد وتصرف تصرفا يتفق مع شخصيته وفهمه لشعبه وأمته وتاريخها .

ففي اليوم التالي مباشرة اي الجمعة 1 نوفمبر كان " عبد الناصر " يعتلي سيارة جيب مكشوفة لأداء صلاة الجمعة في وسط الناس . وقد كانت محطات الإذاعة الرئيسية قد ضربت بالقنابل لأسكات صوت مصر , وطلب جمال عبد الناصر تحويل كل الإذاعات الى الموجات الإضافية الباقية وكان أول ما سوف يذاع هو صلاة الجمعة بما قيها خطابه للمصلين بعد إنتهاء شعائر الصلاة .

ووقف " جمال عبد الناصر " على منبر الأزهر ليعلن بصوت مشحون " إننا جميعا سوف نقاتل ولن نستسلم وسوف أقاتل معكم الى آخر قطرة من دمي وسوف يقاتل كل الشعب الذي أصبح السلاح في يده جنبا الى جنب مع الجيش " .

وعندما خرج " جمال عبد الناصر " من الأزهر كانت الجماهير قد تدفقت الى طريق موكبه في صيحة واحدة مدوية " حنحارب .. حنحارب " , وهي الصيحة التي أصبحت شعار تلك الأيام الوحيد . الصيحة التي جمعت الشعب المصري والشعب العربي على
هدف واحد إكتسح امامه صدمة المفاجأة التي وجدت فيها مصر نفسها تواجه في ميادين القتال أثنتين من القوى الكبرى ومعهما إسرائيل .

تأميم المصالح الأجنبية في مصر

7- ويسجل تاريخ هذا اليوم ثلاثة إجراءات قام بها " عبد الناصر " فور عودته من الأزهر . الأول : إسترداد كل منابع البترول المصري من الشركات الإنجليزية التي تحتكره , وتم الإستيلاء عليه في نفس اليوم وإعتبر " عبد الناصر " ذلك أمرا مكملا لتأميم قناة السويس . والإجراء الثاني كان هو فرض الحراسة على كل المصالح البريطانية والفرنسية في مصر وكانت تشمل البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية . واعتبر " جمال عبد الناصر " ان وضع الحراسة على هذه المصالح هو تدعيم للإقتصاد الوطني أثناء المعارك الحربية . والإجراء الثالث الذي إتخذه " عبد الناصر " كان التحفظ على ممتلكات حوالي ستة آلاف من الأجانب معظمهم من اليهود و وإعتبر " جمال عبد الناصر " ان هذه تصفية نهائية لما تبقى من عصر الإمتيازات الأجنبية .

لقد كان المعنى العميق لهذا " التأميمات الجديدة " أن عبد الناصر قد وسع من جديد نطاق الحرب والمواجهة مع الغرب لتتعدى مجرد " تأميم " لمرفأ حيوي هو قناة السويس ليشمل بإجراءته الجديدة مجمل مصالح الدول الغازية وأفرادها جالياتها المقيمة في مصر والتي كانت تسيطر على مواقع إقتصادية إستراتيجية وحساسة ... لم يكن هناك إذا مجال للتراجع أمام الغزو الأجنبي أو تهديداته !!!

وختم " جمال عبد الناصر " هذا اليوم المشحون بأن طلب من إسرته إعداد حقيبة له وذهب الى مقر مجلس قيادة الثورة في " الجزيرة " ليعمل ويعيش فيه , وكانت وجهة نظره أن جميع المحاربين الآن بعيدين عن أسرهم وهو واحد منهم , ومن ناحية أخرى فلم يكن يريد أن يكون في هذه اللحظات مع زوجة وأبناء وأن تتأثر قراراته ولو من بعيد بأية مشاعر قرب عائلي بما يحمله هذا من عواطف أو إنفاعلات .

الثقة في الشعب بالدرجة الأولى

على أي قوى كان يستند عبد الناصر في قرارته بتوسيع نطاق المواجهة والحرب ؟

8 – ان تجربة النضال الوطني عام 1956 أثبتت بما لايدع مجالا للشك أن لحظات النضال الوطني تستدعي كل مقومات الأمة على التوحد والتحالف في مواجهة الخطر الخارجي .

ومن نفس المنطق كان قرار " عبد الناصر " بتوزيع السلاح على المواطنين , " لأن الجيش يجب أن يشعر أن الشعب معه في نفس الخندق " .

وقد جرى بالفعل توزيع مائة وخمسين الف قطعة سلاح . ولقد إندمج في هذا النضال الوطني كثير من الوطنيين المصريين من مناصري جماعة " الأخوان المسلمين " و المنظمات الماركسية الذين هيأوا مسرح القنال لعمليات فدائية حقيقية ونسوا كثير من خلافاتهم وإعتراضاتهم على عبد الناصر .

واللافت للنظر في وقائع هذه الأيام أن بعض كبار المسئولين في نظام عبد الناصر كانوا يعترضون على موقفه بتوسيع نطاق المواجهة وبشكل خاص قراره بتوزيع السلاح على المواطنين وذلك خشية أن يؤدي توافر السلاح في ايدي المواطنين الى عواقب يصعب التنبؤ بها .

وكان رد " جمال عبد الناصر " انه " يستبعد تماما حدوث شغب في هذه الظروف , لأن الشعب يغضب ويثور ويحطم إذا احس أن الحكومة في ناحية وهو في ناحية أخرى . واما إذا احس الشعب أنه هو والحكومة في نفس الموقف فإنه يتفاعل معها ولا
ينقلب عليها . واضاف " عبد الناصر " : " إن المسألة مسألة ثقة بالدرجة الأولى " .

دلالة الركود العربي التاريخي

9 – نعم كان " جمال عبد الناصر " يتمتع بذلك " الإيمان الصوفي المطلق "الذي كان يتمتع به " الجنرال ديجول " بأنه يجسد في شخصه قيم الكرامة والحرية التي تختزنها أمته وأن الشعب العربي قادر على المقاومة وان المسالة – كما قال هو نفسه – مسألة ثقة في الشعب بالدرجة الأولى .

هذا الأمر ( الثقة بالشعب ) لم يستطع أن يدركه الساسة القدامى أو الجددة أو يدخلونه في حساباتهم وهم يطالبون " جمال عبد الناصر " بتسليم نفسه للغزاة عندما بدأت غارات الطائرات البريطانية والفرنسية عام 1956 تحت دعوى " إنقاذ ما يمكن إنقاذه ".

ما فهمه عبد الناصر ولم يفهمه هؤلاء, أنه من السهل على القيادات أن تنقذ الجسور والمصانع والسدود من الإنهيار والسقوط و ولكن من الصعب عليها إنقاذ الأمة إذا ما إنهارت كرامتها وسقطت إرادتها .

إنه نفس الدرس الذي يتكرر يوميا في حياة الأمة العربية ويعمق من الهوة السحيقة بين قيادة من نوع " جمال عبد الناصر " ( قيادة من العيار الكبير شعبيا وتاريخيا) وبين الآخرين الذين يدعون قيادة باطلة أو زعامة هوجاء .

10- لقد كان " جمال عبد الناصر " هو الزعيم العربي – ربما يكون الوحيد - الذي أدرك مبكرا دلالة " الركود التاريخي " للمجتمعات العربية " وحاجة هذه المجتمعات للتخلص من موروثات عهود الإحتلال والحكم الأجنبي وما أفرزه من قيم
الخوف من الحاكمين والتقوقع على الذات وعدم المبالاة والهروب من مواجهة الظالمين . فلقد توالى على حكم مصر قائمة طويلة من الحكام الأجانب منذ عام ( 525 ) قبل الميلاد , بدأت بالفرس وإنتهت بالإنجليز طوال الفين وخمسمائة عام . ولعل طبيعة إقتلاع الحكم الأجنبي خلال تلك السنين على يد قوة أجنبية أخرى , لاعلى يد الشعب - رغم محاولاته المتعددة للتمرد – كان مسئولا عن تكريس قيم الخوف والتجاهل وعدم المبالاة . وقد تكرس هذا النوع من القيم بصفة خاصة خلال عصر المماليك .

11- لقد ذكر عبد الناصر في فلسفة " الثورة " كيف أن المصريين كانوا يهرعون الى بيوتهم حينما تنشب المعارك في الشوارع والميادين بين المماليك ويقفلون على أبوابهم على أنفسهم , ويصعدون الى السطوح لكي يشهدوا نتيجة المعركة ومنها يعرفون اسم حاكمهم الجديد . كانت المعارك تدور ويتصرف المصريون إزاءها كأن " لا ناقة لهم فيها ولا جمل " . ومن هنا تولدت قييمة عدم الإكتراث بالمسائل العامة وإرتبطت بذلك قيمة أخرى وهي ممالأة الحاكم والتظاهر بطاعته , الى أن يقتل أو يموت . ويقول عبد الناصر في " فلسفة الثورة " : ان الطبقة الحاكمة الأجنبية لم تكتف بامتصاص دماء المصريين وإنما حاولت أن تجتث من عروقهم أي إحساس بالكرامة . ( مصر في ربع قرن 1952-1977 و معهد الإنماء العربي )

الكرامة : الداء والدواء

12- لقد وضع " عبد الناصر " يده على موضع الداء الاساسي في الشخصية العربية : الكرامة المجروحة تاريخيا بسبب الغرب الإستعماري المتفوق وضغوط أعوانه من المستبدين .

يقول عبد الناصر: " ان العزة والكرامة كانتا دائما جزءا من الشعب واننا إذ نقول ان هذه الثورة اقامت العزة وأقامت الكرامة إنما نعني ان هذه الثورة ثبتت العزة والكرامة وجعلتهما حقيقة واقعة لأن هذا الشعب كافح طويلا من أجل عزته ومن أجل كرامته واستشهد منه من استشهد وشرد من شرد من اجل هذه الكرامة التي كنا نراها دائما في الصدور وكنا نراها في النفوس التي كانت تمثيلا خفيا أو ظاهرا في كل فرد من أبناء الوطن " . ( حفل كلية أركان الحرب يوم 29 نوفمبر 1954 )

بعث الكرامة في النفوس الجريحة ؟

13 - لقد لمس " جمال عبد الناصر " مبكرا طبيعة المآساة الماثلة في الشخصية العربية وهي إنجراح الكرامة الوطنية والأحساس الدفين بالدونية تجاه الغرب المتفوق .. ففي حديث له في المؤتمر الوطني بجامعة القاهرة يوم 3 ديسمبر 1953 نراه يقول : " ان العامل الأول للحرية هو التجرد التام من روح الإستعباد وروح الخوف والفزع و ويجب ان يكون الحاكم والشعب قوتين متعادلتين  فإذا لم يكن الشعب قويا فإن الحكم لا يكون عادلا , ولكي يكون الشعب قويا يجب أن يكره الإستبداد وينفر من الإستعباد ولا يعرف للخوف والفزع معنى " .

إن عبد الناصر يحدد هنا الخطوة الأولى لكي يدرك الشعب عناصر كرامته الوطنية وهو كره الإستبداد ورفض الإستعباد .

ولكن الإحساس بالكرامة الشخصية والوطنية قد يكون غريزيا , وقد يؤدي في حالات معينة الى سلوكيات مشوهة وسلبية .

14 - إن جهد " عبد الناصر " التاريخي تمثل في محاولاته الدؤوبة نقل الجماهير العربية من مستوى الإحساس الغريزي بالكرامة .. " الكرامة التي كنا نراها دوما في الصدور والنفوس .. الكرامة التي كانت تمثيلا خفيا في كل فرد من أفراد الأمة "

كيف يمكن نقل الجماهير الى مستوى الوعي الفعال بالكرامة ؟

يقول عبد الناصر في خطاب له بفرع هيئة التحرير بالوايلي يوم 7 ديسمبر 1953 :" إننا نلقي جميع الأوزار على الحكام السابقين وحدهم واريد أن اقول ان اي حاكم اذا ترك وحده لن يستطيع أن يتغلب على نزعات نفسه والنفس أمارة بالسوء ولهذا يجب ان يكون الشعب متيقظا متسلحا بالمعرفة ... اننا نريد لهذه الأمة ان تكون مصدر السلطات وهذا لن يتأتى الا بالمعرفة والتيقظ ومعرفة كل فرد حقوقه وواجباته "

المعرفة أو الوعي الموضوعي بالكرامة وعناصرها هو السلاح الثاني الذي إستعمله
" جمال عبد الناصر " في تحريك الجماهير وخلخلة ركودها التاريخي بتاثير
الإستبداد والإستعباد .

لكن الوعي بالكرامة وعناصرها الوطنية لم تكن تعني لدى " جمال عبد الناصر " أناشيد وطنية وخطب حماسية او " شقشقة لسان " كما إدعى الساسة القدامى .

15 - لقد أدرك " عبد الناصر " أنه لا يمكن إيقاظ الوعي الجماعي بالكرامة الوطنية وتنميته إلا من خلال حشد الجماهير في مواجهات ومعارك المتصلة .

من خلال المعارك المتتالية كان " عبد الناصر " يقود الشعب العربي غير مبال بحسابات النصر او الهزيمة . فالشعوب لا تتعلم الكرامة في الكتب ولا تتلقن مبادئها عبر الإذاعات . إنها تمارسها في ميادين المعارك وفي ساحات المواجهة فالنصر يزيد من ثقة الشعوب في نفسها ويحفزها على إجتراح المستحيلات , والهزيمة تظهر معدنها وتشحذ مقاومتها ما دامت تدافع قضايا عادلة وعن مصلحة قومية .

من هذا المنظور الشخصي جدا أدعي أن حقبة عبد الناصر كانت حقبة المعارك الكبرى من أجل الكرامة الوطنية .

وفي إعتقادي أن إستراتيجية عبد الناصر القتالية تلك لم تخب - ولو مرة واحدة - في توقع رد الفعل الشعبي حتى في لحظات الهزائم .

المحارب لا يهدأ

16 - منذ اللحظة الأولى لظهوره وحتى الدقيقة الأخيرة في حياته كان عبد الناصر المحارب الذي لا يهدأ لتأسيس وعي عربي جديد ومخالف عما سبقه .

لقد كانت أفكار الوحدة العربية والقومية العربية موجودة قبل عبد الناصر وترفع
شعاراتها أحزاب عربية كحزب البعث والقوميين العرب . ولكن القومية العربية
تحولت مع عبد الناصر الى معارك يومية ضد اعداءها : الإستعمار.. االرجعية
العربية .. الشعوبية .

إنه لايكتفي بالتنظير والخطب الحماسية بل هو يقود معارك حقيقية : معركة الأحلاف الأجنبية .. معركة السويس .. معركة الوحدة مع سوريا وقيام الجمهورية المتحدة .. معركة الإنفصال .. معركة الجزائر .. معركة اليمن .. معركة بناء
السد العالي .. معركة بناء الإشتراكية .. معركة الحصار الإقتصادي .. معركة إزالة آثار العدوان .. معركة الإستنزاف .. معركة فلسطين ودعم المقاومة الفلسطينية ..

لقد كان " جمال عبد الناصر " , في كل هذه المعارك , يؤسس لوعي عربي جديد ومخالف تماما للوعي العربي التقليدي الركودي العشائري القبلي الطائفي المحافظ .

إستجابة جماهيرية غير مسبوقة

17 - من الشائع اليوم القول أن معركة السويس عام 1956 هي التي كرست زعامة عبد الناصر العربية وعبرت به من حدود القطرية المصرية الضيقة لبلتحم بالجماهير العربية العريضة من المحيط للخليج .

نعم هذا صحيح . وإنما من غير الشائع الحديث عن الدور الذي لعبته الجماهير العربية في معركة السويس التي قادها عبد الناصر . وأن التأييد الشعبي العربي الذي كان يحصل عليه في معاركه :ان له أبلغ الأثر في القفز به من مجرد زعيم محلي محدود الى زعيم عربي له وزن كبير في السياسة الدولية بسبب قيادته لكل هذه الكتلة البشرية الممتدة من المحيط الى الخليج ... كتلة قادرة على التصدي للمصالح الأجنبية دونما تحريض مباشر من " عبد الناصر " .

فعندما نسف الضباط العروبيون في سوريا - مثلا - محطات ضخ البترول بعد العدوان الثلاثي على مصر , وتوقف ضخ البترول الى البحر المتوسط وجدت أوروبا نفسها في لحظة واحدة بدون قناة السويس وبدون البترول .

ويذكر " محمد حسنين هيكل " في هذا الصدد ان وزير الخزانة البريطاني " هارولد ما كميلان " هرول من مكتبه رقم 11 " داوننج ستريت " الملاصق لمقر رئاسة الوزراء في 10 " دواننج ستريت " يحمل له نبأ الكارثة الجديدة قائلا : " لقد توقف بترول الشرق الأوسط تماما وبدأ الجنيه الإسترليني يتعرض لضغط عنيف , ويقرر خبراء وزارة الخزانة أن الخسائر في أسواق العملة تصل هذا اليوم الى عشرة ملايين جنيه إسترليني " .

ورغم أن " جمال عبد الناصر " لم يقم بأي تحريض على تعطيل خط أنابيب البترول الذي يمر بسوريا رغم أنه يعرف أهميته الحيوية , إلا أن المعركة التي كان يخوضها ضد القوى الإستعمارية الكبرى كانت كفيلة بشد كل الأحرار العرب إليها دون تحريض أو إستدعاء .

هذا من ناحية .

من ناحية ثانية كان تأميم " عبد الناصر " لشركات البترول البريطانية العاملة في مصر بمجرد بدأ الغارات الجوية على مصر أول إيحاء للأحرار العرب بالدور الإستراتيجي الذي سيلعبه البترول العربي في المواجهة مع القوى العظمى الإستعمارية وفي تاريخ المنطقة ككل .

18 - فعندما أطلق " عبد الناصر " شعار " بترول العرب للعرب " فقد كان ذلك يعني لديه معركة جديدة ضد الشركات العالمية الكبرى المسيطرة على مقدرات الوطن .

لقد كان " جمال عبد الناصر " يؤسس بذلك لوعي عربي جديد ستنتهجه كل الحركات الوطنية العربية بعد ذلك , منذ ثورة العراق عام 1958 وحتى الثورة الليبية عام
1969.

وهكذا سيستقر في الوعي الشعبي للحركات الوطنية العربية على إختلاف افكارها ان بترول العرب للعرب .

19 - وعندما نجح " جمال عبد الناصر " في تحقيق أول وحدة عربية بين إقليمين عربيين هما مصر وسوريا كان يعلم أن المعركة مع أعداء الوحدة العربية في الداخل والخارج قد بدأت . فمع هذه الوحدة بدا الحلم الذي طال إنتظاره وكأنه قد أصبح قابلا للتحقيق في النهاية فقد بدأت الأنظمة المعارضة للمشروع النهضوي العربي في الإنهيار , فسقط الحكم الشمعوني في لبنان وسقطت المملكة الهاشمية في العراق وبدا أن هناك إتجاها قويا داخل " الضباط الأحرار " العراقيين الذين قاموا بالثورة يضغط بإتجاه الإلتحاق السريع بدولة الوحدة الناشئة والتي كان من نتائجها المباشرة نزول القوات الأمريكية في لبنان والقوات البريطانية في الأردن بعد أن إجتاحت عمان وبيروت مظاهرات عارمة يلهبها حلم الوحدة الذي فجره عبد الناصر . وقد قدرت وكالات الأنباء آنذاك " رويتر " و "الأسشياتوبرس " أن عدد اللبنانيين الذين قصدوا بيروت بإتجاه دمشق التي كان يزورها الرئيس عبد الناصر قد وصل إلى نصف مليون , أي أن نصف لبنان قد شارك واقعيا في مواكب الرحلة إلى دمشق خلال فترة لاتزيد على أسبوعين . من ناحية أخرى تأججت الثورة في الجزائر وبدت الأمور – آنذاك !

- وكأننا نسير نحو النصر النهائي للمشروع العربي الذي بدأت ملامحه قريبة تداعب الخيال الشعبي . أن الوحدة المصرية السورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة كشف بشكل فجائي وصاعق عن جوهر المشروع النهضوي العربي , أي الوحدة
العربية , وكشف في ذات الوقت عن أعداء هذا المشروع , الخارجيين والمحليين . ( إستطاع محمد حسنين هيكل ان يكشف بالوثائق حالة الهوس والجنون التي إنتابت هذه القوى بعد إعلان الوحدة المصرية السورية عام 1958 في كتابه الممتاز " سنوات الغليان )

20 - وعندما أطلق " عبد الناصر " شعار الإشتراكية و " العدالة الإجتماعية " فقد كان ذلك يعني لديه , ولدى الجماهير العربية , معارك متعددة مع الإقطاع والرأسمالية والقوى الرجعية التقليدية في كل الأقطار العربية التي كانت تخشى إنتقال العدوى الإشتراكية الى مواطنيها : معركة توزيع اراضي الإقطاعيين على الفلاحين المعدمين .. معركة تأميم الشركات الرأسمالية وإشراك العمال في الأرباح .

لقد كانت الأفكار الإشتراكية موجودة في العالم العربي بتنويعات مختلفة , بدءا من الأشكال المتطرفة كالحزب الإشتراكي ( مصر الفتاة سابقا ) الذي أسسه أحمد حسين في مصر إنتهاء بالأحزاب الماركسية المنتشرة بدرجات متفاوتة في الأقطار العربية مرورا بالإشتراكية العربية المثالية الإصلاحية التي كان يعبر عنها حزب البعث العربي الإشتراكي في المشرق العربي .

ولكن دخول عبد الناصر معركة تأميم الشركات المصرية الكبرى المصرية والأجنبية , ثم معركة بناء القطاع العام الوطني ( فيما عرف بمعركة التنمية المستقلة ) كان كفيلا بإعطاء مفهوم " الإشتراكية " محتواه العملي والقتالي مع النظام الرأسمالي العالمي ومع الرأسمال المحلي والبيروقراطية .

لذلك يمكن القول أن كل الفكر الإشتراكي الذي كتب ونشر خلال عقد الستينات كان في معظمه إما حوارا اوجدلا أو رفضا لتجربة عبد الناصر في بناء الإشتراكية .

من يعود لجدل هذه الحقبة سيجد مناظرات ومعارك فكرية وسياسية حول مفاهيم مثل  سيطرة العمال على مجالس الإدارة المنشآت الإقتصادية .. حول الطبقة الجديدة  حول الثورة والثورة المضادة .. حول الإشتراكية العربية والإشتراكية
العلمية .. حول الطليعة العربية ووحدة القوى التقدمية .. حول الوحدة العربية وهل هي وحدة إتحادية أم وحدة إندماجية .. حول الثورة الثقافية .. الى آخره .

في مواجهة ذلك العصر .. ماذا يدور في عصرنا من جدل ؟

إنه يدور حول مسائل من نوع : نطبع مع العدو الصهيوني أو لانطبع .. نعطي إعانة بطالة للعمال أو نتركهم لقوانين السوق وضروراته .. تعليم مجاني أم تعليم بالفلوس .. نخصخص القطاع العام كله أو نبقي على جزء منه.. من يستحق المعونة الأمريكية مصر أم إسرائيل ... الى آخره

ان مجمل قضايا عصر عبد الناصر تتناقض مع مجمل قضايا عصرنا .. وهو أمر يوضح حجم الإرتداد الذي شهده عالمنا العربي خلال ثلاثة عقود منذ غياب عبد الناصر وعصره .


الخاتمة

مهما كانت الأخطاء أوالسلبيات التي شابت تجربة عبد الناصر , ومهما كان حجم الهزائم التي مني بها مشروعه التاريخي , إلا أن حلم المساواة والعدالة الإجتماعية والوحدة العربية تبقى في الصدور والنفوس ولا يمكن إقتلاعها .

لقد كان سهلا عليهم الإنقضاض على منجزاته المادية بعد وفاته , واحدا بعدالاخر, ولكنهم سيظلون عاجزين عن نزع انجازه الرائع الذي زرعه في قلوب الشعب العربي .. بعث الكرامة العربية .

إذا كان عبد الناصر قد نجح في شيئ , فقد نجح في تثبيت افكار كانت تعتبر في السابق ضربا من " اليوتوبيا " .. أفكارا مثل : إمكانية قيام تجربة وطنية للبناء الإشتراكي .. إمكانية قيام دولة وحدة إندماجية بين قطرين عربيين .. إمكانية مواجهة الإستعمار والمشروع الصهيوني .. إمكانية إخراج الجماهير العربية من ركودها التاريخي .

لقد صارت تلك حقائق في تاريخنا العربي .. ولأنها كذلك فسيظل من الممكن إستعادتها , فتاريخ الشعوب , هو تاريخ الإنتصارات والهزائم . والفشل ليس سوى لحظة في حياة الشعوب .

لذلك سيظل عبد الناصر باقيا .. وسيذهبون !!

تركمان سوريا.. "زيت الحرب" الروسية - التركية


نذير رضا

لن ينتهي الاشتباك التركي – الروسي، عند إسقاط الطائرة الروسية. فذرائع هذه المواجهة، الاولى من نوعها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا زالت قائماً، في ظل إصرار موسكو على "إنهاء" حالة المعارضة في شمال غرب سوريا، حيث ينتشر المقاتلون التركمان، الموالون لتركيا. في وقت، رسمت أنقرة خطوطاً حمراء أمام استهدافهم، كون هؤلاء، الذين يتشاركون والاتراك عرقاً ومذهباً واحداً، سيكونون حامية المنطقة الآمنة التي تدفع أنقرة باتجاه انشائها على حدودها مع سوريا.

والحال إن الهجمات الروسية العنيفة ضد التركمان، دفعت أنقرة لتحويل تحذيراتها، الى أفعال. كان يمكن لحادث اختراق الحدود التركية لأقل من دقيقة في منطقة حدودية متداخلة ومعقدة جغرافياً، أن ينتهي بتحذيرات، كما في السابق. لكن 32 ساعة متواصلة من القصف الجوي الروسي، لجبل التركمان، ترافق مع تحذيرات، قالت أنقرة انها ناهزت العشرة، من خرق الحدود، فجّر الوضع. فروسيا، ضربت بعرض الحائط تحذيرات دبلوماسية، أدلى بها رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو الجمعة الماضي. تعاملت مع "الحساسية التركية تجاه التركمان" بعنجهية، رغم علمها أن ضرب التركمان، سيقسم ظهر البعير المحمل بالخلافات والتراكمات السياسية مع أنقرة.

غير أن موسكو، تستهدف من خلال ضرب التركمان، الموقف التركي ككل، ومساعيه الآيلة لانشاء منطقة آمنة، لاقى تسويقها في الاروقة الدولية آذاناً صاغية. ترفض موسكو انشاء تلك المنطقة، منعاً لوضعها، بحكم الامر الواقع، تحت "الوصاية التركية"، وبالتالي، منعاً لضم الجغرافية السنية في شمال سوريا الى النفوذ التركي، في حال دخل التقسيم السوري حيز التنفيذ. وهو ما دعا اليه انفصاليون تركمان، مطالبين بالاندماج مع تركيا.

والتركمان، جزء أساسي من "المنطقة الآمنة" التي كانت على أهبة الانشاء قبل اسقاط الطائرة الروسية. يتواجدون في أكثر من نصف المنطقة التي تمتد من جرابلس، الى اعزاز السورية في شمال حلب. وتتضاعف نسبة حضورهم فيها، في حال تم توسعة المنطقة الآمنة الى ساحل المتوسط، بحسب ما أظهر آخر التسريبات الأسبوع الماضي. وعليه، لا تضع أنقرة خطوطاً حمراء أمام إنهاء حلمها بمنطقة آمنة، تسعى اليها منذ عامين، وتبديد القوة الحامية لهذه المنطقة فحسب، بل أمام ضرب بني جلدتها، أولئك الذين حاول أسلاف رئيسها الحالي تأمين حمايتهم، وشدهم الى الحضن التركي كأفراد، بعد عجز اتفاقية ضم لواء الاسكندرون، عن ضم كسب وجبل التركمان، الى الجغرافية التركية.

ويسكن التركمان، الموالون لتركيا، والمعارضون لنظام الرئيس السوري بشار الاسد منذ العام 2011، في 50 قرية حدودية في شمال محافظة اللاذقية، كما يسكنون 145 قرية في شمال حلب التي كانت معدة لتكون الركن الرئيس في المنطقة الآمنة، فضلاً عن سكنهم في خمس قرى في شمال محافظة ادلب. ويقدر عددهم في سوريا، بينها مواقع انتشارهم في حمص وجماه والقنيطرة ودرعا وريف دمشق، بأكثر من مليون تركماني، يعتنق أغلبيتهم المذهب الاسلامي السني.

إذاً، النزاع الروسي والتركي الآني، لا ينفصل عن نزاع تاريخي، بطابع ديني وعرقي، في معرض الصراع على أنطاكيا الارثوذكسية، أو على تركمان سوريا. فروسيا، التي خرجت من المتوسط في العام 1774، بعد بناء امتداد ديني لها في انطاكيا، وتكريس الوجود الاوثوذكسي، بالمعنى السياسي في المنطقة، تحلم بالعودة اليها، واستعادة أمجادها في كنائسها. أما تركيا، فتصارع اليوم الروس، وليس نظام الاسد وحده، لتمديد نفوذها الى القرى التركمانية الحدودية.

انه صراع الاثنية والدين على الارض السورية. من دون هذين السببين، يمكن ترويض السياسة، وكبح جماح الصراعات. وبوجودهما، التسعير يسير بلا هوادة، وهو مفتوح على ردود وحروب لن تتوقف في 5 سنوات.

سؤال إلى العماد والسيّد: ما العمل إذا تعذّر انتخاب الرئيس؟



عصام نعمان

ممهّداً بدرسٍ في الأخلاق للسياسيّين المنافقين، أكد السيد حسن نصرالله في حديثه الأخير دعمه ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية. قال إنه وحزب الله لن يتخلّيا عنه ما دام مرشحاً.


حسناً، لكن إذا تعذّر انتخاب عون بعد شهر، شهرين أو خمسة أشهر، فهل يبقى مرشحاً؟ وإلى متى؟

هذا السؤال موجّه إلى العماد عون، أولاً، وإلى السيد نصرالله، ثانياً، إذ لا يجوز أن تبقى أزمة لبنان محتدمة ومفتوحة إلى أبد الآبدين، خصوصاً إذا تعذّر، أيضاً، انتخاب مرشح آخر غير عون للرئاسة.

منذ عشرين شهراً تحاول القوى السياسية المتصارعة التوافق على شخصية سياسية مقبولة ليُصار إلى انتخابها، لكن من دون جدوى. لماذا؟ لأنّ المشكلة ليست في العثور على الشخصية المناسبة بل في صعوبة الاتفاق على قانون الانتخابات. فتوازن القوى الحالي في مجلس النواب مشفوعاً بمراعاة بعض التكتلات السياسية لقوى إقليمية لها عليها نفوذ وتأثير حال ويحول دون التوافق على قانونٍ ديمقراطي عادل.

مخارج متعدّدة اقتُرحت للخروج من الأزمة المستعصية. لعلّ أوزنها ما كان أدلى به قبل نحو شهرين السيد نصرالله: سلّة متكاملة من التدابير والإصلاحات، أوّلها وأهمّها إقرار قانون جديد للانتخابات على أساس التمثيل النسبي في دائرة وطنية واحدة.

ما السبيل إلى ذلك؟

الدعوة والمناشدة للتوافق على القانون المطلوب لا تكفيان. إنّ مراجعةً دقيقة متفحّصة لتاريخ لبنان السياسي المعاصر تكشف حقيقة ساطعة هي أنّ ما من إصلاح محسوس، ولو كان محدوداً، طرأ على بنية النظام إلاّ وكان نتيجةَ عاملَين فاعلين: الشارع في الداخل، واصطفاف سياسي متجاوب معه في الخارج.

في العام 1952، ما أمكن إزاحة الرئيس بشارة الخوري، المتهم بتزوير الانتخابات لتأمين غالبية نيابية لتعديل الدستور وتجديد ولايته، إلاّ بعد اندلاع تظاهرات وإضرابات في البلاد، ورفْض قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب التدخل لقمعها. هذه الأحداث رافقها رضى ضمني من بريطانيا والولايات المتحدة اللتين كانتا ترغبان في إزاحة الخوري المعارض لحلف بغداد الذي كان قيد الإعداد.

في العام 1958، ما أمكن تعطيل مشروع الرئيس كميل شمعون، الحائز على غالبية نيابية لتعديل الدستور وتجديد ولايته، إلاّ بعد اندلاع انتفاضة شعبية في قضاءي الشوف وعاليه مترافقةٍ مع تظاهرات مؤيدة في مدن الساحل، متعاطفة مع إعلان وحدة مصر وسورية ومعارضة لسياسة شمعون المنحازة إلى حلف بغداد و«مبدأ ايزنهاور».

في العام 1988، انتهت ولاية الرئيس أمين الجميّل في غمرة اضطرابات أمنية وخلافات سياسية ساخنة، تعذّر معها انتخاب رئيس بديل. غير أنّ حدثاً داخلياً جللاً وقع مكّن الولايات المتحدة وسورية والسعودية من الاتفاق على دعوة الأطراف اللبنانية المتصارعة إلى مؤتمر الطائف العام 1989 للتوافق على وثيقةٍ للإصلاح السياسي. فقد انفجرت الخلافات حرباً بين أنصار قائد الجيش العماد ميشال عون وتنظيم «القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع، الأمر الذي أضعف الصفّ المسيحي وسهّل تالياً مشاركة الأطراف المسيحية المستقلة عن عون وجعجع في مؤتمر الطائف.

في العام 2014 وخلافاً لما وقع من أحداث في 1952 و1958 و1988، لم تتمكّن القوى السياسية المتصارعة في الداخل من أن تحسم الصراع لمصلحة أيٍّ منها، أو أن تتوصّل في ما بينها إلى انتخاب شخصية توافقية للرئاسة. كما عجزت القوى الخارجية عن الاتفاق بينها على توليف تسوية لإخراج لبنان من أزمته، فكان أن استمرّت الأزمة وتفاقمت على النحو الذي نعانيه الآن.

ما العمل؟

لا سبيل، على ما يبدو، لحدوث اصطفاف قوى إقليمي قريب يساعد أيّاً من الأطراف المتنازعين على تسوية الأزمة. كما لا يبدو أنّ القوّتين السياسيتين الرئيسيتين القادرتين على تحريك الشارع، وهما «التيار الوطني الحر» عون وحزب الله نصرالله ، تهيّئان لاعتماد هذا الخيار في المستقبل القريب. فالعماد عون ما زال يراهن، بعد تحالفه مع جعجع، على الوصول إلى الرئاسة عبر مجلس النواب. وحزب الله يحاذر أيضاً النزول إلى الشارع لانشغاله بمتطلبات المقاومة، بالدرجة الأولى، سواء لمواجهة العدو التكفيري في سورية أو العدو الصهيوني في فلسطين المحتلة.

هل مِن تغيير في موقف الحزب بعد الحديث الأخير للسيد نصرالله؟

لعلّ قائد المقاومة يراهن على انتصار سورية في حربها على أعدائها التكفيريين خلال سنة على الأكثر، ما ينعكس إيجاباً على لبنان ويعجّل في انتخاب عون رئيساً. لكن، هل يستطيع لبنان تحمّل مفاعيل الأزمة الخانقة عشرة أشهر إضافية؟ ألا يجدر بالعماد عون اختصار المحنة ومآسيها بدعوة أنصاره ومريديه للنزول إلى الشارع والتلاقي مع جماعات الحراك الشعبي رافعاً مطلباً وحيداً: إقرار قانونٍ للانتخابات على أساس التمثيل النسبي وإجراؤها بالسرعة الممكنة؟ ألا يجدر بالسيد نصرالله وحزب الله المبادرة إلى دعم مطلب التيار الوطني الحر والحراكات الشعبية وسائر القوى الحية، بل الانخراط في حركة الشارع لتكبير كرة الثلج الشعبية المتعاظمة بغية إسقاط سلطة العجز ونظامها الفاسد؟

رغم مشروعية إسقاط سلطة العجز وضرورته الماثلة، ثمة خيارٌ بديل ألطف وقعاً يمكن اعتماده، إذا قدّم أهل السلطة الحكمةَ والمصلحة الوطنية على المكابرة والمصالح الشخصية. إنه خيار إقرارٍ معجّل التنفيذ لمشروع قانون الانتخابات على أساس النسبية الذي أحالته حكومة نجيب ميقاتي على مجلس النواب منذ أكثر من ثلاث سنوات. بذلك تجري الانتخابات بالسرعة الممكنة، فيقوم برلمان جديد، ينتخب رئيس الجمهورية الجديد، وتنبثق منه حكومة جديدة قادرة على اتخاذ قرارات وإجراء إصلاحات وتعيينات مستحقة واستثنائية.

إذا رفضت الشبكة الحاكمة إجراء الانتخابات لأيّ سبب من الأسباب، يكون الشعب وقواه الوطنية والاجتماعية الحية في حلٍّ من احترام سلطةٍ عاجزة وممعنة في التزام سياسة التأجيل والتسويف والتمديد ومخالفة الدستور والقانون، ويكون إسقاطها بالتمرّد والعصيان مشروعاً ومتوافقاً مع روح الدستور وأحكامه الأساسية، كما يكون بمأمن من تدخلاتٍ ميدانية للقوى الخارجية كونها منشغلة بمشاكلها وحروبها على مستوى المنطقة برمّتها.

مع إسقاط سلطة العجز يعلن صانعو الحدث قيام مؤتمر وطني للحوار والقرار يكون مؤلفاً ممّن يرغب من أعضاء البرلمان وأغلبية وازنة من ممثلي القوى الحية لمختلف الشرائح الاجتماعية في البلاد.

في ظروفٍ استثنائية كهذه التي نعيشها، لا بدّ من اتخاذ تدابير استثنائية. لذلك يقرّ المؤتمر الوطني نظاماً ديمقراطياً للانتخابات على أساس التمثيل النسبي في دائرة وطنية واحدة، وذلك تطبيقاً لروح المادة 27 من الدستور، ويعيّن هيئة تنفيذية انتقالية لإجراء انتخابات عامة ينبثق منها برلمان جديد ذو طابع تأسيسي وحكومة وطنية جامعة تكون أولويتها تطبيق أحكام الدستور، ولا سيما المادة 22 منه التي تقضي بأنه «مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لاطائفي يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية»، وتطبيق المادة 95 التي تقضي باتخاذ الإجراءات الملائمة لإلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية.

بعد كلّ ما جرى ويجري من انحرافات وارتكابات وسرقات ومفاسد واستبداد وانتهاكات للحريات وحقوق الإنسان، لا يجوز أن نستمرّ في معالجة أزماتنا المزمنة المتناسلة بمزيد من التسويات والمحاصصات والصفقات الشائنة.

آن أوان تحطيم أغلال الطائفية البغيضة وهدم ترتيبات المحاصصة والزبائنية بلا هوادة، وتشييد ركائز الدولة المدنية الديمقراطية بإرادة حرة وصبرٍ وتصميم، مرةً والى الأبد.

منذ 25 عاماً، هكذا اغتيل أبو إياد

 
أحمد نظيف 

كأيام الشتاء القصيرة في تونس، كان المطر يهطل بغزارة في ضاحيتها الشمالية. سماء المدينة غصّت بالسحب السوداء، كأنها تستعد لحدادٍ طويل في ذاك الرابع عشر من كانون الثاني 1991، يومٌ مضى متثاقلاً كدهر. خلاله، ألقى حمزة أبوزيد السيجارة من فمه، واندفع كالمجنون إلى داخل بيت القياديّ "الفتحاوي" هايل عبد الحميد المعروف بـ "أبو الهول"، وإنهال برصاص مسدسه الـ"توغاريف" على الجالسين. قتل الرجل الثاني في "منظمة التحرير الفلسطينية" صلاح خلف (أبو إياد) بسيلٍ من الرصاص، ومساعده فخري العمري، وأصاب أبو الهول الذي ما لبث أن فارق الحياة. وكان أبوزيد أحد حرّاس هذا الأخير. خلال دقائق، خسرت الثورة الفلسطينية ثلاثةً من كبار قادتها برصاصٍ فلسطينيّ وتخطيطٍ ما زلت الأيام تأبى كشف كلّ تفاصيله، بعد ربع قرنٍ على الجريمة.
حينها، كان العالم يحبس أنفاسه استعداداً لحرب "عاصفة الصحراء" ضد العراق في الخليج العربي. فتسلّل الشاب الفلسطينيّ حمزة أبوزيد ليسرق جزءاً من الاهتمام العالمي والعربي بأخبار الحرب، فتتحول تونس شتاء العام 1991 إلى دائرة الضوء الإعلامي. وانطلقت التحليلات والتخمينات في توزيع الاتهامات بين "الموساد" وأجهزة المخابرات العربية حول مَن يقف خلف إنهاء حياة الرجل الثاني في "منظمة التحرير" ورئيس جهاز أمن الثورة الموحّد. مهما يكن المخطّط، فقد رحل في تونس "الرجل الخطير" إلى الأبد، بعدما أوجع إسرائيل كثيراً، وفي مواضع عدّة، من ميونخ إلى الأرض المحتلّة مروراً ببيروت.

وقائع الرحيل
صباح الخامس عشر من كانون الثاني 1991، نشرت وكالات الأنباء العالمية والقنوات التلفزيونية تفاصيل الجريمة. كان صبري البنا (أبو نضال) يتابع الأخبار بشغف في مقر قيادة منظمته، قرب ميدان السويحلي، في العاصمة الليبية طرابلس. ضحِك بملء شدقيه. أخيراً تخلّص من عدوّه اللدود. في الجهة الأخرى، كان حمزة أبو زيد قد استسلم لقوات الكوماندس التونسية التي حاصرت بيت أبو الهول، واقتيد إلى جهاز أمن الدولة بوزارة الداخلية مكبلاً. لاحقاً، سلّمته الوزارة لجهاز أمن الثورة الفلسطينية كي يخضع للتحقيق.
في شهادته التي نشرها خلال العام الماضي في صحيفة "دنيا الوطن" الفلسطينية، يروي فؤاد نجار، أحد مرافقي أبو إياد، وقائع الحادثة كالتالي: "كنا في موعد عند الساعة السابعة مساء مع الناطق باسم جماعة أبو نضال، المنشقّ عنها عاطف أبو بكر. وكان الموعد في منزل أبو محمد العمري. وبعدما ذهبنا إلى منزل العمري، ألغى أبو إياد الموعد، وقال للعمري: دعنا نؤجله، وتعال نذهب بالسيارة. وفعلاً، تمّ له ذلك. ولكن، في أثناء سيرنا، علم أبو إياد أن أبو الهول وصل اليوم من بغداد. فقال له العمري: لنذهب إلى منزله، ونرَه. بعدما وصلنا إلى منزل أبو الهول، جلس القادة الثلاثة وكنت أنا مشغولاً مع مسؤول الأمن لدى أبو الهول وقتها، فجاء شاب اسمه حمزة قدّمه إليّ مسؤول الأمن أحمد سعيد، وسألني: هل تعرفه؟ فقلت له: لا".
في اعترافاته أمام المحقق الفلسطيني، سرد حمزة أبو زيد تفاصيل تجنيده في صفوف منظمة أبو نضال، وكيف اخترق الجهاز المكلّف بحراسة عضو اللجنة المركزية لـ"حركة فتح" هايل عبد الحميد (أبو الهول). شرح وقائع الجريمة لحظة بلحظة. يقول أبو زيد في محضر التحقيق الفلسطيني، الذي كشفت عنه غطاء السرية مجلة "الوسط" اللندنية، في العام 2001: "في 14/1/1991، خرجت إلى حديقة بيت أبو الهول، وكانت الساعة حوالي الثامنة والنصف مساءً. رأيت سيارة سوداء مصفّحة، فسألت الحارس أمام الباب الرئيسي للبيت علي: مَن الزوار عندنا؟ فأجابني بكلامٍ لم أفهمه. عندها، دخلت إلى غرفة المرافقين المجاورة للباب الرئيسي لأقف إلى جانب علي، وكنت متأكداً من أن الزائر هو أبو إياد، وذلك من خلال مرافقيه الذين شاهدتهم في غرفة المرافقة. بقيت أنتظره في الخارج قرب مكان توقف السيارات في الممر الداخلي، وأترصد خروجه لأطلق عليه الرصاص وانسحب... انتظرت كثيراً حوالي أكثر من ساعتين، لكن أبو إياد لم يخرج".
يضيف أبو زيد: "استغليت دخول علي إلى غرفة المرافقين المجاورة للباب الرئيسي، ورحت إلى باب منزل الأخ أبو الهول وقرعت الجرس. وبعدما فتحت الشغّالة الفيليبينية الباب، دخلت المنزل واتجهت مباشرة إلى الصالة وكان موجوداً فيها الأخ أبو محمد الذي لا أعرفه وأبو إياد وأبو الهول، قاعدين وبينهم الطاولة الصغيرة. فقلت: مساء الخير، ووجّهت بندقيتي إلى أبو إياد، وصببت النار بغزارة باتجاهه، وأصيب أبو محمد العمري بطلقاتي في كتفه اليسرى، والأخ أبو الهول أصيب عند مروره من أمام مرمى النيران، واستمرّ سائراً على قدميه وخرج من الباب". خارج البيت، كان فؤاد النجار ورفاقه يرابطون في غرفة الحراسة الدافئة، حتى صعقهم صوت الرصاص. يقول النجار: "حوالي الساعة 11، سمعنا صوت إطلاق نار. وقتها، جاءنا سيناريو أبو جهاد الذي اغتيل على يد قوات الكوماندس الإسرائيلي قبل عامين. فخرجنا خارج السور، لم نجد شيئاً. ثم خرج أبو الهول، وقال: حمزة اغتال أبو إياد، وكان مصاباً برجله. وعندما حاولنا الدخول إلى المنزل، أغلق حمزة الباب، وكان مصفّحاً. بعدما تأكد من موت أبو إياد، أسرع حمزة أبو زيد إلى باب المنزل، فسمع صوت المرافقين قادمين. عاد مسرعاً إلى الداخل، ثم صعد الدرج إلى الطابق العلوي ليقفز من باب الشرفة إلى الشارع. في أثناء صعوده الدرج، قابلتْه أم الهول وابنتها رولا، تريدان النزول. فأجبرهما على الصعود، واحتجزهما كرهائن، لائذاً بغرفة في الطابق العلوي.
ينقل اللواء الفلسطيني محمود الناطور (أبو الطيب) عن زوجة أبو الهول شهادتها قائلاً: "أسرعت زوجة أبو الهول إلى الغرفة الملحقة، حيث وجدت ابنتها ذات السبعة عشر ربيعاً مكومة في سريرها، فأخذتها بين ذراعيها وسمعت أقداماً تصعد السلم. اقتحم حمزة عليهما الغرفة، وأغلق الباب وصاح بهما: الإسرائيليون هنا. لقد أصابوا أبو الهول. فصاحت: هل هو حيّ؟ دعني أدخل وأرَه. فقال لها: لقد جُرح، ولا تسأليني أكثر من هذا. جلست المرأتان معاً على الأرض، والابنة تصرخ والأم تحاول تهدئتها، بينما حمزة يجول في الحجرة صامتاً. أخذ يلتقط أشياءً صغيرة عن مائدة الفتاة زينة، وراح يفحصها ثم يضعها مرة أخرى ثم يحدّق من النافذة. رأى البرق وسمع الرعد وكان المطر يتساقط. كان الظلام شديداً في الخارج، وسمعته زوجة أبو الهول يشتم عاطف أبو بكر، أحد المنشقّين من منظمة أبو نضال، وأقسم أن يقتله. ثم أخذ مظروفاً من جيبه، وبحث فيه عن حبة، ابتلعها، ثم ابتلع أخرى، وأخرى، على مدى الساعات الخمس التي احتجزهما فيها كرهائن. سمعوا سيارات تتوقف أمام المنزل، ووقع أقدام هنا وهناك. لقد وصل البوليس التونسي". تواصلت المواجهة حتى ساعات الصباح الأولى، عندما استسلم حمزة لقوات الأمن التونسية، تحت تأثير الغاز الذي غمر الغرفة وحبوب "الهلوسة" التي أنهكت جسده النحيل. كان أبو نضال قد غادر العاصمة الليبية على أول طائرةٍ أقلعت إلى بولندا، فيما أعلن أبو عمّار حالة الاستنفار القصوى في صفوف تنظيم "فتح" وقوات الثورة الفلسطينية في كلّ مكان. وبدأ التحقيق.

كيف تمّ التخطيط؟
منذ أواخر الثمانينيات، عمل جهاز أمن الثورة الموحّد بقيادة أبو إياد على تفكيك منظمة أبو نضال واختراقها من الداخل في سبيل إنهاء وجودها. كان أبو نضال قد وجّه لمنظمة التحرير ولحركة "فتح" ضربات موجعة في مواضع كثيرة. نجح أبو إياد في إقناع القيادي بتنظيم أبي نضال عاطف أبو بكر بالانشقاق عنه. وكان أبو بكر سفيراً سابقاً وقيادياً في حركة "فتح"، لكنه في منتصف الثمانينيات تركها ليلتحق بفتح الانتفاضة ثم بأبو نضال. كان انشقاق أبو بكر ضربةً قاصمة لمنظمة أبو نضال، التي كانت تعاني، أصلاً، نزيفاً في الأفراد وسمعةً بلغت الحضيض، يومذاك. وصل عاطف أبو بكر إلى تونس آتياً من ليبيا، وأعلن بصحبة عدد كبير من أفراد المنظمة الانشقاق عن أبو نضال، ووجدوا في تونس دعماً واستقبالاً كبيراً من قادة "فتح". منذ تلك اللحظة، وضع أبو نضال غريمه، أبو إياد، على قائمة أهداف بندقيته، وبدأ البحث عن مُنفّذ. كان أحرص على الحياة من أن يفعلها بنفسه.
في خريف العام 1987، وجد التنظيم ضالته في شابٍ فلسطينيّ يُدعى حمزة أبو زيد، كان يشتغل سابقاً في "القوة 17" في أمن رئاسة "منظمة التحرير". هو من مواليد السافرية - يافا في 1963، ومن سكان مخيم "الوحدات" في الأردن. تمّ تنظيمه في الجماعة من أجل تنفيذ العملية، مستفيدين من تاريخه الفدائيّ في صفوف "منظمة التحرير". في اعترافاته التي نشرتها مجلة "الوسط" اللندنية، يروي أبو زيد باستفاضة قصّته مع أبو نضال، قائلاً: "في بداية شهر أيار 1989، كلفني خليل – أحد مساعدي أبو نضال في يوغسلافيا - بالسفر إلى ليبيا. وعند وصولي إلى مطار طرابلس وبلوغي الصالة، استقبلني المدعو عيسى جرادات (مساعد أبو نضال) وبقيت في أحد مقار المنظمة حتى نهاية شهر تشرين الاول عندما حضر إلى غرفتي عيسى ومعه شخص عرفني عليه باسم الرفيق نعيم (نعيم يوسف، من رجال أبو نضال) الذي أطلعني على ملف يضم قصاصات من الجرائد، كلها تتحدّث عن أبو إياد والتصريحات غير المسؤولة له، ومنها تصريحه أن الثورة الفلسطينية لم تخرج من بيروت، وبقي ثلاثة آلاف مقاتل في بيروت. بعد هذا التصريح بفترة قصيرة، حدثت مجزرة صبرا وشاتيلا. وأيضاً، أراني قصاصة من جريدة مصرية تتحدّث عن ثروات أبو إياد في الكويت وأملاكه، وأيضاً قصاصات ممكن أن تكون مطبوعة تتضمن أن أبو إياد هو السبب في اعتقال ثوار ومناضلين. بعدها، قال نعيم إنه يجب أن نضع حدّاً لهذا الإنسان. وبدأ بتوصيف دقيقٍ يضع حدّاً لأبو اياد، وفهمت من نبراته أنه يقصدني. فقلت إن هذا ليس بسيطاً، وتجب استشارتي. فقال بحزم: نحن تنظيم ولسنا شركة سياحية، وهذا ترشيح لك وأنت تقدر على العودة إلى فتح وتنفيذ العملية".
ويضيف أبو زيد: "في اللقاء المطوّل السابع الذي حدث بيني وبين نعيم في غرفتي بالمقرّ، وكان ذلك في شهر كانون الأول، وضع لي نعيم خطة للرجوع الى أبو الهول، والعودة إلى حركة فتح، وطلب مني التردّد على مكتب المنظمة لمعرفة وصول أيّ من قادة فتح الى ليبيا، خصوصاً أبو الهول. وقال لي: يتردّد على بيت أبو الهول العديد من القادة، وبإمكانك تنفيذ قتل أبو إياد عند زيارته بيت أبو الهول، خصوصاً عندما يتم تعيينك ضمن حرس بيت أبو الهول. استمرّت هذه التعبئة حوالي أربعة أشهر. في أواخر نيسان 1990، حضر أبو عمار وأبو الهول إلى ليبيا لحضور احتفالات "القرضابية"، وأيضاً لإحياء مناسبة ذكرى استشهاد أبو جهاد، وفعلاً، ذهبت إلى القاعة، وشاهدت أبو الهول وأبو عمار جالسَيْن على المنصة. في اليوم التالي، ذهبت الى مكتب المنظمة وسألت حارس المكتب عن مكان إقامة أبو الهول، فأجاب الحارس، ويُدعى سامي، أن أبو الهول مقيم في فندق. فذهبت الى الفندق المذكور حاملاً برأسي الرواية التي ساعدني نعيم على تأليفها لأسردها أمام أبو الهول. سلمت عليه ثم جلست وقلت: أخ أبو الهول، أنا بدي أرجع، وبدي أعيد علاقتي، وأنا أخطأت في السابق بهروبي من عندك، وأنا على استعداد لتلقي أية عقوبة تفرضها عليّ، وأنا مستعد لأية محاكمة ولأن تحاسبني على أي قصور سابق ارتكبته. وأتمنى أن تقبل عودتي ثاني مرة لعندك. وفي يوم سفره، قال الأخ أبو الهول لمرافقه: اقطع تذكرة لحمزة ليسافر إلى تونس. رافقته إلى باب الفندق، حيث باسني قبل سفره قائلاً: لا تنسَ يا حمزة أن تأتي إلى تونس. أجبته: أنا بأمرك".
قبل سفره إلى تونس، مسرح الجريمة، التقى حمزة أبو زيد بقائده أبو نضال لأخذ التوصيات الأخيرة، لكأنه يطلب البركة منه قبل أن يُجندل الرجل الذي استأمنه على نفسه ورفيقيه بدم بارد ومن دون أن يرفّ له جفن. يروي أبو زيد في اعترافاته وقائع اللقاء بأبي نضال قائلاً: "حضر نعيم، وقال بدنا نتقابل مع أبو نضال. ومباشرة نزلنا إلى الشارع، حيث ركبنا سيارة بيجو كان ينتظرنا بداخلها عيسى. وصلنا إلى المقرّ، وبعد لحظات من دخولنا، دخل أبو نضال وهو يلبس بدلة سفاري لون عسكري، متوسط الطول ومعتدل البنية، زلمة كبير بالعمر بالخمسينيات، أصلع. تقدّم مني، وعندما صافحته قال لي: الرفيق أبو نضال. ثم أمرنا بالجلوس، ووجّه حديثه لي: أنا أحبّ الشباب الذين عندما نأمرهم بأمر ينفّذونه. نحن اخترناك لهذه المهمة وبدّك تنفذها. أنا مسؤول التنظيم، بيدي أن أجعلك وأهلك تتمتّعون بحياة سعيدة. وإذا تقاعست، بيدي أن أدمّرك وأهلك. ثم شرح لي كيفية التنفيذ، بقوله: عند حضور أبو إياد لبيت أبو الهول عليك أن تستخدم سلاح الحراسات الذي معك وتطلق النار بغزارة وعن قرب على أبو اياد وتصويب النيران على الجزء الأعلى من جسده وتتأكّد من موته. وبعدما تتأكّد من قتله، تهرب إلى تونس المدينة، ومباشرة إلى القرى الشمالية التي تقع على حدود تونس، ونحن نستطيع التقاطك هناك. وطمأنني إلى أني إذا اعتُقلت، فإن التنظيم سينفّذ عمليات مقابل استردادي وتخليصي، ووعدني بمكافأة وحياة كريمة لي ولأهلي".

اختراقات في جسم الثورة
منذ كانت في الأردن، تعرّضت الثورة الفلسطينية لاختراقات قاتلة. كانت العاطفة والمزاجية تقود كل شيء، العلاقات والقرارات. فعلى سبيل المقارنة، كانت ثورات التحرّر الوطني في الجزائر وفيتنام تنتهج مساراً صارماً يصل حدّ التصفية الجسدية في معاقبة المتهاونين، وتختبر عناصرها بقسوة مفرطة. على العكس تماماً، كانت الصرامة الثورية غائبةً عن الساحة الفلسطينية. اللواء المتقاعد أحمد عبد الكريم الحيح، المعروف في أوساط الثورة بـ "بن بيلا"، شارك في بداية السبعينيات في محاولة تغيير نظام الملك حسين في الأردن، والتي سعت لتنفيذها "منظمة أيلول الأسود" بإشراف أبو إياد. فشلت العملية واعتُقل "بن بيلا"، ثم بعد مسار عسير، تمّ إطلاق سراحه. يقول: "توجّهت إلى بيروت للقاء القيادة، وطلبت من أبو إياد تفسيراً واضحاً لأسباب فشل العملية. لكنه رفض أن يوضح الأمر طالباً مني نسيان الحادثة. تبيّنت لاحقاً أننا كنا مخترَقين من المخابرات الأردنية. لقد ذهب الشباب ضحايا التهاون وعدم الحذر والإعداد الأمني". يرى "بن بيلا" أن هذه العملية هي مجرد مثال بسيط على التهاون الأمني الذي كان مستشرياً في الثورة الفلسطينية في محطاتها الثلاث، من الأردن إلى تونس مروراً ببيروت.
يضيف "بن بيلا": "بعد عملية الأردن، التقيتُ أبو إياد وقلت له بالحرف: أنت لا تحسن اختيار الرجال للمهام الصعبة والخاصة. كان القادة الفلسطينيون مزاجيين إلى حدّ كبير في اختيار العناصر وفي اتخاذ القرارات المهمة. كانت الثورة تتطلّب قدراً من الصرامة والشدة. للأسف، كان الثوريون الفلسطينيون متسامحين إلى حدّ أفسد الثورة. فمثلاً، كيف يُسمح لعنصر هارب كحمزة أبو زيد أن يعود للعمل مرافقاً للقادة حاملاً للسلاح من دون التحري عن فترة هروبه ومع مَن كان يتعامل؟ لاحقاً، وخلال حصار بيروت، هرب من أبو إياد كلّ مساعديه ورجاله، لكنني بقيت معه حتى خروجنا إلى دمشق ثم تونس. وفي تونس، عملت مديراً لمكتبه ومشرفاً على أمنه الشخصي. لكنه لم يكن يلتزم كثيراً بالإجراءات الأمنية التي وضعناها، حتى وصل الأمر حدّ الخلاف بيننا. يومها، قال لي إن أمنه الشخصي جزء من حياته الخاصة ولن يقبل بالتدخّل. آثرت أن أترك العمل مع الشهيد على أن أكون مسؤولاً عن أيّ أذى يمكن أن يُصيبه، وكان حدسي يحدّثني بذلك. فقد كان رأس الرجل مطلوباً من أكثر من جهة. قبل أن أتركه، قلت له: سيأتي عليك يوم تُقتل برصاص مرافقيك. كان أبو إياد رجلاً مؤمناً وقدرياً لا يهاب الموت ويكره أن يكون في الأقبية. وطوال حصار 1982، رفض الدخول الى الملاجئ. وجاء في يوم من أيام الحصار فتحي، مرافق أبو عمار، وأبلغني أن أحضر أبو إياد إلى مكان يوجد فيه أبو عمار تحت الأرض بثلاثة طوابق. وما إن وصلنا المدخل حتى رفض أبو إياد الاستمرار، وقال لن أقابل أحداً في الأقبية. كان بالنسبة إلي أكثر من قائد، كان أباً". ولا يُخفي "بن بيلا" شكوكه بتقاطع أكثر من جهة في عملية الاغتيال إلى جانب أبو نضال، بينها "الموساد" الذي كان يلهث خلف رأسه.
في شهادته التي بثّتها قناة "الحوار" اللندنية في العام 2011، لا يستبعِد القيادي السابق في منظمة أبو نضال، عاطف أبو بكر، أن يكون القاتل قد التُقط من جهاز الموساد الإسرائيلي، خلال إقامته في أوروبا الشرقية، تحديداً في بولندا. ثم تمّ تنظيمه في المجلس الثوري. وغمز أبو بكر جهة الجانب الليبي، قائلاً: ليبيا كان لها مصلحة أيضاً في إنهاء حياة أبو إياد، فهي لم تغفر له بعض التصريحات ضد القيادة الليبية منذ حصار بيروت وصولاً إلى مرحلة الانشقاق وما بعدها". وأشار إلى أن القاتل حمزة أبو زيد، قبل مغادرته ليبيا، التقى مع مسؤول في الأمن الليبي بصحبة نعيم يوسف، القيادي في المجلس الثوري والمسؤول عن عملية الاغتيال". لكن، كلّ التحليلات التي تشير إلى تورّط ليبي أو حتى تورّط فلسطينيّ من داخل "منظمة التحرير"، لم ترقَ إلى درجة اليقين، لغياب أيّ دليل واضح، بخاصة أن منظمة أبو نضال حاولت في وقت لاحق السماح لهذه التحليلات بالرواج كي تُخلي مسؤوليتها عن دم أبو إياد.
في مقرّ قيادة قوات شهداء صبرا وشاتيلا في اليمن، انعقدت محاكمة حمزة أبو زيد، بعدما رفضت تونس محاكمته أو إعدامه على أراضيها. ويقال إن ضغوطاً أميركية وإسرائيلية مورست على حكومة بن علي يومذاك لاتخاذ هذا الموقف. فتمّ نقله إلى طائرة يمنية آتية من المغرب، بصفته عضواً باللجنة المركزية لحركة "فتح"، ليعامل معاملة كبار الزوار، إمعاناً في التمويه، وفقاً لرواية اللواء طارق أبو رجب. لاحقاً، قضت محكمة الثورة بإعدام أبوزيد، ليتم ذلك في عرض البحر، قبالة السواحل اليمنية، ولتستقر جثته في القاع، فيما استقرّ القادة الثلاثة، أبو إياد وأبو الهول وفخري العمري، في مقبرة الشهداء في تونس، منتظرين تحرير فلسطين ليعودوا إليها ولو في توابيت.


صلاح خلف في سطور
على أطراف مدينة يافا، ولد في العام 1933 الصبي صلاح خلف، الذي سيُعرف لاحقاً في أوساط الثورة الفلسطينية بكنية "أبو إياد". في المدرسة "المراونية"، تعلم أبو إياد، وفيها أنهى المرحلة الإعدادية. وفيها أيضاً، التحق بــ "أشبال النجادة "وهو تنظيم ظهر خلال فترة الاستعمار البريطاني. عاش النكبة بكلّ تفاصيلها، وهاجر مع عائلته من يافا إلى غزّة عبر البحر، هرباً من إرهاب المنظمات الصهيونية. صار واحداً من لاجئي الفقر، يعمل إلى جانب مزاولة الدراسة من أجل سدّ نفقات عائلته.
بعد حصوله على الشهادة الثانوية، غارد غزّة إلى القاهرة. في العام 1952، صار طالباً في كلية الآداب في "جامعة الأزهر"، وهناك تعرّف إلى ياسر عرفات. عملا معاً ضمن الحركة الطالبية في إطار"رابطة الطلاب الفلسطينيين"، وكان عرفات رئيساً لها وأبو إياد نائباً له. في بداية العام 1955، صار أبو إياد رئيساً للرابطة. بعدها بعامٍ واحد، عاد إلى غزّة مدرّساً للغة العربيّة، لكنه ما لبث أن غادرها نحو الكويت للعمل. هناك، التقى مجدداً بأبو عمار، ونشط في صفوف حركة "فتح"، حتى محيط العام 1967. عندها، تفرّغ تماماً للعمل الوطني وتولى مهمة إنشاء ورئاسة أول جهاز أمني للثورة الفلسطينية عرف حينها باسم "جهاز الرصد الثوريّ".
بعد أحداث عجلون وأيلول في الأردن، توجّه لتأسيس "منظمة أيلول الأسود" التي نفّذت العديد من العمليات الانتقامية ضد الأردن وضد إسرائيل، منها اغتيال رئيس الوزراء الأردني وصفي التل، وعملية ميونخ في العام 1972. وخلال وجود الثورة الفلسطينية في بيروت، عمل على تأسيس "جهاز أمن الثورة الموحّد" مع أبو حسن سلامة وأبو داود وفخري العمري، مشكّلاً شبكة علاقاتٍ واسعةٍ مع أجهزة استخبارات عربيّة وأجنبيّة عدّة.
بعد حصار بيروت وخروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان، غادر نحو دمشق، ثم استقر في تونس، حيث مقرّ قيادة "منظمة التحرير الفلسطينية". لكنه ما لبث أن عاد إلى طرابلس في شمال لبنان خلال الحرب مع المنشقين عن "حركة فتح"، لتتم محاصرته مع ياسر عرفات، وينتهي الحصار بخروجٍ نهائيّ لقوات "فتح" من لبنان.
في تونس، تم اغتياله.

تونس في مفترق الطرق


 الناصر خشيني

بعد خمس سنوات عجاف مما سمي ثورة يعود شباب تونس الى المربع الأول وينتفض ضد نفس السياسات التي انتفض عليها سنة 2011 وذلك ان هذه الحكومة الرباعية والحكومات التي سبقتها كلها حكومات يمينية التوجه مازالت لم تستوعب الدرس انه من الضروري القطع النهائي مع نفس السياسات القديمة والتي أدت بشعبنا الى نفس المأزق الذي يتخبط فيه وذلك أنه موضوعيا لا تعوزنا الامكانيات المادية والبشرية لصياغة حياة كريمة ومتطورة لكل شعبنا فلماذا دول لاتملك ما نملكه من امكانيات وثروات طبيعية تعيش في بحبوحة ونحن لا نزال نعاني من التخلف والتبعية فاليابان وألمانيا دولتان دمرتا في الحرب العالمية الثانية ومع ذلك فهما من القوى الاقتصادية في العالم حاليا لان شعبيهما يقدسان العمل الى أبعد الحدود وليس لهما مافيات في الحكم للسرقة والمحسوبية والرشوة كما الشأن عندنا للأسف الشديد .

ان من مشاكل تونس واضحة للعيان تماما لا يختلف حولها اثنان :
1 الثروات الطبيعية المنهوبة التي يجب وفورا وانطاقا من بنود الدستور اتخاذ خطوات عملية لتأميمها وتوزيع ريعها تنمية وبنية تحية وتوفير مواطن الشغل للعاطلين عن العمل وبالتالي خلق الثروة ومزيد من رفاهية شعبنا واشباع حاجاته المادية والمعنوية
2 مقاومة التهرب الضريبي حيث ان الطبقة الوسطى من الموظفين والعمال قد اصبحت مفقرة الآن لانها هي التي تدفع النسبة الأكبر من الضرائب في حين ان أقلية من الشعب ويمتلكون النصيب الأوفر من الثروة ولايدفعون الا نسبة ضئيلة من الضرائب ويتجه الأمر الى المسارعة بتطبيق القوانين الجبائية بصرامة على المتهربين من دفع واجباتهم بهذا الخصوص للوصول الى تعبئة موارد الدولة باعتمادات ذاتية ولا نبقى محتاجين للتداين الخارجي.

3 مقاومة التهريب لكل انواع البضائع بداية من السيجارة وصولا الى الاسلحة والمخدرات لما في ذلك من تدمير ممنهج للاقتصاد وانهاك للمنتجين المحليين وعدم قدرتهم على المنافسة في ظل تغول النظام الراسمالي وعمله على الاطاحة بالمنتجات المحلية وابقاء الشعوب المفقرة مجرد ادوات للاستهلاك وضرب اي محاولة للانتاج ومن ناحية اخرى فان التهريب للبضائع الوطنية دون المرور بالمسالك القانونية من شانه ان يجعل الاسعار مرتفعة الى حد لا يطيقه معظم شعبنا .

4 الفساد في المنظومة الجمركية وهو أمر أصبح شائعا وليس خفيا على أحد اذ لا بد من الضرب وبقوة على العابثين بهذا اتلقطاع الحساس الذي يربط عضويا بحماية اقتصادنا بشكل مباشر وقد صرح أحد المسؤولين عن هذا القطاع ان الديوانة لو يقع تنظيمها بشكل جيد فانها ستدر أموالا طائلة على الدولة لن نحتاج بعدها الى التداين الخارجي .

5 ضرورة المسارعة الى اصلاح المنظومة التربوية وبشكل عاجل ومدروس بدقة لان المنظومة التربوية الحالية بوضعها الذي هي علية انتجت لنا ما نلاحظه على مجتمعنا من مستويات سلوكية انتهازية ووصولية وانحراف عن الصراط السوي الذي يجب ان يكون عليه شعبنا فلا بد من الاهتمام اولا بالالاخلاق وايلائها البعد الذي تستحقه .

6 ضرورة العناية بالثقافة وتشجيع كل من له علاقة بهذا المجال للنشاط والابداع وفتح النوادي الثقافية في مؤسساتنا التربوية وعلى نطاق واسع وبشكل منظم ومقنن حتى لا نسمح لقوى الظلام والردة بالتسلل الى عقول ابنائنا وتسميمها سواء بالافكار المتطرفة سواء بدعوى التدين الضال او الحداثة والتقدم لكن بشكل مشوه فكلا الاتجاهين ضار بشعبنا.

هذه بعض من مشاكلنا التي لم يعرها رئيس الدولة في كلمته للشعب التونسي عبر القنوات التلفزية ولا حكومة السيد الحبيب الصيد عبر اجراءاتها التي لم ترقى لحد الان الى تطلعات التونسيين ونامل ان تتفطن الحكومة الان وليس غدا الى الواقع والى حقيقة المشاكل التي يعيشها شعبنا وتسارع الى اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتحقيق الحد الادنى من العيش الكريم والآمن للمواطنين في تونس حتى تكون تونس بحق واحة سلام ومستحقة عن جدارة جائزة نوبل للسلام التي تسلمتها منذ وقت قريب .

2016/02/01

«المعرفة قوّة»: دليل المستأجرين للبقاء في بيوتهم



 منذ أيام، نظّم المستأجرون القُدامى مسيرة احتجاجية من أمام ثكنة الحلو مروراً بشارع مار الياس باتجاه منزل رئيس الحكومة تمام السلام. «وُجهة» المستأجرين هذه المرة أتت احتجاجاً على ما سمّوه «انحيازاً» للمالكين، وذلك بعدما رفض سلام، وفق ما يقولون، لقاءهم فيما التقى وفداً من نقابة مالكي الأبنية المؤجرة القديمة، «وهذا يعني أنه غير مقتنع بقضيتنا وبحقوقنا»، على حد تعبير عضو الهيئة التأسيسية للجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين أنطوان كرم.

سبق موعد المسيرة، إطلاق «الحملة الوطنية للدفاع عن حقوق المستأجرين» للمطالبة بإلغاء قانون الإيجارات الجديد ولتكريس الحق في السكن. هذه المبادرات تأتي ضمن سياق «استئناف» تحركات المستأجرين «وإعادة الزخم إليها»، وفق ما يقول كرم الذي يشير إلى ضرورة إعادة طرح المطالب بقوة. من ضمن مساعي إعادة تفعيل المطالب، نشرت الحملة التي تشكل جزءاً من مبادرة الحق في السكن التي انطلقت العام الماضي، بعض «الإرشادات» للمستأجرين القُدامى تحمل عنوان: المعرفة قوة، دليل المستأجر والمستأجرة للبقاء في بيوتهم. يحوي هذا الدليل ستة إجراءات على المستأجر(ة) اتباعها كنوع من الإجراءات «الوقائية» التي، برأي منظمي الحملة، تحفظ حقوقهم، وهي:
1- عدم الموافقة على استبدال عقد الإيجار الحالي أو إيصالات الدفع التي بحوزتهم (المستأجرين) بأي عقد جديد قبل مراجعة محاميهم أو لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين.
2- عدم الرضوخ أو التزام أي نتيجة حسابية بزيادات على بدلات إيجاراتهم، سواء أكانت عن الفترة السابقة أو المُقبلة إلا بعد استشارة محاميهم أو لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين.
3- عدم رفض تبلّغ أي إنذار مرسل بواسطة البريد أو الكاتب بالعدل وعند الاستلام سجّل تاريخ التبليغ يجب كتابة عبارة «مع جميع التحفّظات لناحية عدم سريان قانون الإيجارات الجديد وعدم نفاذه» ثم وقّع(ي) الاسم.
4- عند تبلّغ أي كتاب أو إنذار، عليهم الاتصال فوراً بمحاميهم أو بلجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين لتحديد الإجراءات اللازمة لاتخاذها لأن مهلة الجواب محدّدة بشهرين من تاريخ التبليغ وهي مهلة قانونية مسقطة ومع انقضائها من دون الرّد يسقط حقهم بالإيجارة.
5- في حال رفض المالك قبض بدل الإيجار الحالي كما كان يدفعه خلال 2014 يُنصح بالانتظار حتى يُرسل إليكم إنذاراً بذلك ليبادر ضمن مهلة الشهرين المُسقطة إلى إيداع البدل الذي كان يدفعه خلال 2014 لدى كاتب العدل في منطقة وجود المأجور مع إضافة عبارة: «علماً أن قانون الإيجارات الجديد معطّل وغير نافذ» وتوقيع المعاملة مع ذكر «مع تحفّظ».
6- في موضوع الخبراء، من المستحسن أن «تتنصّلوا» من كشف الخبراء. أما إذا لم تتمكنوا من ذلك، فالقانون يُلزم حضور خبيرين معاً أحدهما مهندس معماري أو مدني، والثاني خبير تخمين عقاري، مع عدم السماح لأي خبير بدخول المنزل إلا إذا كان مُكلّفاً من القضاء.
وعلى المالك أن يُبلغهم نص تقرير الخبيرين بواسطة كاتب العدل دون سواه، وإلا اعتبر التبليغ باطلاً أصولاً. كذلك على المستأجر (ة)، بعد تبليغ التقرير، أن يبادر إلى مراجعة محاميه أو لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين.

جنيف 3 أو أوسلو: نحو تأسيس نكبة العرب الكبرى الثانية في سوريا


مطاع صفدي

بقي جيلنا عقوداً متوالية منذ أربعنيات القرن الماضي وحتى أوائل العشرية الثانية من القرن الحالي الواحد والعشرين، بقينا جميعاً نتحدث عن فلسطين بوصفها نكبة لشعبها، ومن ثم لأمتها العربية وحضارتها الإسلامية كافة! وها نحن اليوم وقد شارفنا على تحوّل ثورة سورية إلى نكبة لها ولنهضة العصر العربي بكامله. هل أصبح هذا العصر الضائع يحمل على منكبيه في وقت واحد كلاً من نكبة فلسطين ونكبة سوريا معاً، كلا النكبتين لهما ذات المرجعية الواحدة، إذ أن صانعهما الأول هو هذا المصطلح المشؤوم: المجتمع الدولي ـ وهو المصطلح الذي تختفي وراءه هيمنة أقوياء العالم أو أقواهم غالباً: أمريكا، كيما تمارس مصالحها الإستثمارية ضد ضعفاء العالم، وأضعفهم منذ عقود هم العرب والمسلمون دائماً. من حيث عجز هؤلاء المتمادي عن حماية استقلالهم الوطني وحفظه بما يُكافىء أدوارهم الإنسانية، وتجاربهم الحضارية للأمس والغد.

منذ حوالي سبعين عاماً أعدَّ ((المجتمع الدولي)) هديته الكبرى، المنتظرة لما بعد الحرب العالمية الثانية بسلب فلسطين من جغرافيتها الأولية : طَرَدَ شعبها من بيوت آبائهم وأجدادهم، سَرَقَ الأرض من أصحابها وأعطاها إلى شعب آخر لا يمتلك أرضاً منذ آلاف السنين.
نَزَع المجتمع الدولي عن أكثرية سكان فلسطين صفةَ المواطنة المتوارثة ليأسرهم في صنف اللاجئين، جعل عيشهم ما بعد الوطن تشريداً دائماً على أبواب الأوطان الأخرى. أسّس لهم كياناً فريداً من نوعه صار له اسم نكبة فلسطين.

ما يفعله المجتمع الدولي راهنياً إزاء العرب والمسلمين، عبر الشام خصيصاً، هو إعادة صياغة هذا البلد بما يجعله وطناً كارثياً لنموذج النكبة المستدامة، هي الثانية ما بعد نكبة فلسطين. وقد تكرر كل آليات تفعيل البنية الكارثية المعهودة، مع تطورات وفوارق تأتي بها مصائب سورية، المتراكمة آثارها التدميرية منذ السنوات الخمس العجاف الماضية؛ ها هي تدخل الآن تحت رسم التصنيع الدبلوماسي، بما يؤهلها لأن تكوّن طَيّعِةً أسيرَة، كلياً تقريباً، لنوازع استثمار الخارج في أخصّ شؤون الداخل للبلد المعذّب، الممنوع من حريته. بموجب قرار دولي، وبما لا يبقي فقط على هذا المنع خلال ظروف الفوضى الدموية، بل يجعله ساري المفعول على ما يعقبها من نتائج السلم الخادع. ذلك أن معنى النكبة، لا يُحصر في تمادي الشرور الطارئة وحدها، بل هي في ديمومة ما يؤسس قابلية الإنتكاب. تماماً كالحالة الفلسطينية التي يعيش شعبها في متاهات أطول ثورة/نكبة في هذا العصر ومنذ عقود مديدة، دونما نهاية ما.
قابلية المجتمع للإنتكاب قد تشكل له طبيعته الَخَلْقية الثانية. لن تظلّ نتاجاً للكوارث الطارئة، بل لها دورها الأولي في انتاج أضرارها. يبقى أن فاعلي الانتكاب ليسوا هم من سلالةٍ سحرية خارقة، هم (بلديون) غالباً. ومواطنون، وقد يصحبهم أشباح الخراب في ضواحيهم، أي أن قابلية الانتكاب ليست هي بمثابة غريزة فطرية بقدر ما يكون المجتمع قد اكتسبها من أحوال الإضرار به المتمادي بدون قدرة على ردّه. هذا ما اصطلحنا عليه باسم الشر المحض. فلن يكون الشر محضاً خالصاً لذاته إلا عندما تتجاوز أحداثه أسبابها ونتائجها. عندما تغدو حتى لغة السياسة اليومية عاجزة عن تسميته، فالنكبة هي الوصية الضامنة لأصناف سلوكياتها، هي التي تفرض على ضحاياها مصائبها مقرونة ببراهين تحقيقها المحتومة غير القابلة للدحض المباشر، حتى، وأساساً من قبل أقوى ضحاياها هؤلاء أنفسهم.

النكبة، بسبب طبيعتها المستدامة، تتابع نشر مسلسلات من الوقائع السلبية المعمّمة من داخل بؤرها الأصلية في موطنها الأول، لكنها تنقله من دوائر جيوسياسية واقتصادية وعسكرية إلى أوسع المحيطات حولها، وإلى ما يتجاوزها زمانياً ومكانياً. فالنكبة الفلسطينية ما عتَّمت حتى أصبحت نكبة عربية حدّدت وظيفتها المركزية في الصميم من كل تحولات المستقبل القومي الذي أتى بعد انفجارها الأول، منذ الغزوة الصهيونية الدولية الكبرى عام 1948 م، أي ما يزيد عن نصف قرن من تاريخ النشأة الإستقلالية للدول العربية الحديثة فقد تتابع إرتهانُ سياستها الوطنية والقومية تحت هاجس الخوف من عقابيل النكبة، ومن تمددها، لكن دون التخلي عن مشاريع مقاومتها. لم يعرف ذلك العصر حدثاً انقلابياً في قطر من المشرق إلا والنكبة كانت عنوانَ تسويغه المنطقي و(الثوري).

تلك هي حروب العرب الرسمية مع الكيان الإسرائيلي الوليد كثمرة للنكبة، وما يليها من كوارث هزائمها للأنظمة الحاكمة العربية، كل هذه الذاكرة الهائلة المضطربة لعودة العرب إلى ساحة الدول الحديثة؛ لم تستطع أن تتحرر من كابوس هذه النكبة. لم تتمكن من كسر قانونها الأساسي المتسلط على الحدث العربي العام الذي وقع، وعلى ما لم يقع منه بعد. ذلك القانون الذي أثبت حتى اليوم أنه هو التجسيم الواقعي لجبل (الإله) سيزيف الأسطوري؛ إذ يحكم على كل مُصطدِم به، أو صاعد متسلق على صخوره الوحشية إلى قمته، ما أن يبلغ تلك القمة حتى تزلَّ به قدمه ليسقط إلى عميق الهاوية تحته التي تنتظره منذ بداية مغامرته في تحديها.

نكبتنا الأولى في فلسطين لم تستنفد قواها بعد كيما يقال أن أقدارنا الحاقدة أعدت لنا النكبة الجديدة الثانية في فلسطين (الكبرى) التي هي شامنا المفجوعة كل يوم بأبشع المهالك الجماعية، متوأمةً دائماً مع أقذر الدبلوماسيات، أهلوياً ودولياً. حتى يكاد بعضنا يخاطب نفسه والآخرين في حفل جنون متواصل، يناديهم هكذا: أيها القوم لقد بكيتم أندلس الشمال منذ قرون، بكيتم فلسطين في ظهيرة القرن العشرين، وها أنتم تبكون أخيراً أندلسكم الأصلية، هذه التي تحتلُ مساحة الصميم من تاريخكم الغابر، ومن مصيركم العاثر. (إنهم) يصنعون لكم، وأنتم شركاؤهم بالقوة أو بالفعل، العينّات الفارقة من كل أصناف همجيات التاريخ، لكي يأتوكم بالنكبة النهائية وهي في صيغتها المطلقة هذه المرة. الممتنعة مقدماً على كل شهادة نزيهة، على كل تفسير عقلاني، حتى لا تشوبها أية مؤثرات خارجة عن صنوف شرورها الفريدة.

تذكروا أيها الأصدقاء (أنهم) هم عينهم ما أن استكملوا عناصر نكبة فلسطين، حتى أودعوها ما يُسمّى بالنفق الأسود للمفاوضات (أوسلو)، حيثما هناك تعفّنت كل الأفكار المصطنعة والمقترحات المشبوهة، والسيناريوهات المنافقة. لقد قالوا أنه حان أوان التصفية. فمن كان المقصود من موضوع التصفية عبر كل حفلاتها الصاخبة. هل هي النكبة، أو الأقل من عواملها الثانوية، بل هي التصفية الواقعة فقط على رؤوس (أعداء) النكبة، من المعارضين والمقاومين الحقيقيين؛ والمناضلين الصادقين.

هكذا إذن أيها الأصدقاء، نحن من أبناء الجيل الأول المعاصر لصناعة نكبة فلسطين، كتبنا عنها آلاف الصفحات. لكننا نعترف أنها لم تستطع أن تغير من نتائجها الكالحة مبدأً واحداً. ونقول للجيل المعاصر لسوريا النكبة الثانية: إنكم لن تتعايشوا مع (أوسلو) جديدة. لم يجفّ حبْر الأولى بعْدُ حتى تستولوا على حبْر الثانية. ومع ذلك لن نتمكّن نحن، كما أنتم منذ اليوم، من مبارحة محكومية قابلية الإنتكاب هذه. كأنما لم تعد مجرد طبيعة ثانية مكتسبة (طارئة). بل كادت أن تصير لنا هي الطبيعة الأولى. هل عَدوْنا شذراً مذراً من شعوب (سيزيف). هل لم يعد بيننا من لايزال ثائراً عليه وعلى أسطورته حقاً.

نعم: لن نُصدق أبداً أنه يمكن لسوريا أن تؤسس مصنعاً، ومن ثم سوقاً لإنتاج مسلسلات هذا المصطلح الكالح الكئيب: النكبة الثانية؛ وذلك بالرغم من تدخل أحابيل (أوسلو) القادمة. تلك (العقيدةْ) هي البقية الباقية من ذخيرة الرواد الأوائل، هؤلاء الذين لم يعرفوا شيئاً، لم يتنبؤوا بشيء عن أوسلو قبل وقوعها بعقود. لكن الجيل الثالث أو الرابع الحاضر الذي يعاصر اليوم النهايات الدرامية لقصته مع النهضة العربية المغدورة، هو الذي عليه أن يقطع الطريق على تدشين أوسلو أخرى لنكبة ثانية موصوفة بالسورية لتكون عربية شاملة وإسلامية، وربما كونية، هل نَعِد أنفسنا بالتصدي لمستحيل (قوموي) جديد!، ومن ثم الإنهزامي المنتظر.

... ولو بالسكاكين: جيل رابع ـ خامس ـ سادس يفتدي فلسطين بدمائه!

 
طلال سلمان

يقيم الفلسطيني بين موتين: الشهادة بقرار منه أو الاغتيال بقرار من الاحتلال الإسرائيلي.
لكأنه يمشي إلى الشهادة منذ ولادته، وهي قد تأتيه على الطريق بين بيته ومدرسته، أو بينما هو في عيادته أو جامعته، ربما لهذا اتخذ الجيل الجديد قراره بأن يسرع خطاه إلى الشهادة: يواجه بالقليل من وسائل المقاومة، سكين المطبخ، أو خنجر كان الأب يخبئه في مكان "سري" لاستخدامه حين تفرض المواجهة مع جنود العدو الإسرائيلي ووحوش المستوطنين نفسها عليه.

بلا خطابات مدوية، بلا مهرجانات صاخبة، بلا استعراضات، وغالباً بلا خطة محددة بل في انسياق طبيعي مع مشاعر الغضب بل القهر، ينفجر في ظالمه، غاصب أرضه ووطنه، مدمر حاضره ومستقبله، المستقوي عليه ـ هو الأعزل والذي فرضت الإقامة الجبرية وهو بعد جنين، حركته محدودة في قريته أو في بعض أحياء مدينته التي يُراد أن تصير لغريب وافد من بلد غريب، لا تربطه رابطة لا بالزيتون أو الليمون أو النخيل ولا بالنرجس والأقحوان وكف مريم..

الأرض أغلى من حياته، فهي مصدر حياته، إن هي صارت ـ بالسلاح ـ لهذا الغريب الوافد المستقوي بدعم دولي مفتوح وبضعف عربي يصل إلى حد التهالك والتنازل عن حقوقه في وطنه، أي عن معنى وجوده، باتت حياته بلا معنى... أليست الأرض مقدسة بل هي مصدر للقداسة وهي التي تعطي الهوية ولون البشرة والأسماء حاملة تاريخ الأرض وأهلها منذ أن بدأت كتابة التاريخ.

قد يقول الناس مشفقين: وماذا تستطيع السكين في مواجهة أسطول الطيران الحربي الأحدث في العالم؟! أو في مواجهة الدبابات الأعظم تصفيحاً، أو في مواجهة وحوش المستوطنين الذين زُوّدوا بالسلاح وقيل لهم: هذه الأرض لكم، اقتلعوا من فيها وخذوها... آمنين!

وقد يقول الذين اشتروا أمانهم بالتخلي عن حقهم في أرضهم، عن معنى وجودهم، فخرجوا منها إلى التشرد واللجوء في بلاد ليست بلادهم حتى لو كان الأهل ـ في الأصل ـ أهلهم، والأرض ـ في الأصل ـ بعض أرض وطنهم الكبير: يجب أن نبقى على قيد الحياة لكي تبقى قضيتنا حية!

ولكن الفتية والصبايا الذي يخرجون إلى مواجهة جنود الاحتلال ووحوش المستوطنين شاهرين الحجارة والسكاكين الصغيرة إنما يقدمون حياتهم على مذبح وطنيتهم لكي تبقى قضيتهم المقدسة حية... بل إن هذه القضية قد اكتسبت قداستها من الدم المقدس المراق فداء لها، كما من الأرض ذات القداسة.

تُراق دماء أهل الأرض، ويخرج من أهل السلطة من يرى في هذه التضحيات عمليات عبثية أو انتحارية مجانية، ويحاولون التأكيد على "العمل السياسي" باعتباره "طريق التحرير"... برغم أن هذا العمل السياسي بذاته، منفصلاً عن الفداء بمختلف أشكال المقاومة، لا يوصل إلا إلى ما وصلت إليه الأمور داخل فلسطين المحتلة: التسليم بالاحتلال الإسرائيلي وكأنه قدر لا يُردّ، ومحاولة "الانتصار" عليه وإلحاق "الهزيمة" به عن طريق "الديبلوماسية" والهيئات والمنظمات الدولية (الأمم المتحدة، ومنظمة حقوق الإنسان، والمحكمة الدولية إلخ..). وينسى هؤلاء أن دهراً قد انقضى على اتفاق أوسلو والسماح "للسلطة" بالدخول إلى بعض الأرض المحتلة والموزعة بين الضفة الغربية وغزة (من دون أراضي 1948 طبعاً) فلم يخرج المحتل ولو من بعض بعض الأرض التي "أعطيت" للسلطة...

وما زالت قوات جيش الاحتلال موجودة في كل الأرض، وقد تعززت بجيوش المستوطنين الذين يهاجمون ـ بصورة يومية تقريباً ـ سكان القرى والبلدات فيُطردون من ديارهم بلا رحمة، والرصاص لمن عصا، أو الاعتقال الجماعي والسجن المفتوح لكل من قاوم بحجر أو اعترض برفع الصوت ومحاولة رد المهاجمين بيديه وعويل النساء من حوله.. حماية للبيت والهوية والتاريخ.

"هذه الأرض لي": ليس بيتاً من الشعر في قصيدة لمحمود درويش. إنها الحقيقة التي تمت تغذيتها بالدماء على امتداد خمسين، ستين، سبعين، ثمانين سنة، والتي سيستمر تأكيدها بدماء أجيال جديدة. فالوطن ليس سلعة في سوق النخاسة. وقد يكون قدر "الفلسطيني" أقسى من أقدار إخوانه العرب الذين اقتطعت لهم المصالح الدولية دولاً شتى في المشرق والمغرب وظلت مرتهنة للأجنبي حتى و"أعلام الاستقلال" ترفرف على وقع الموسيقى العسكرية في استعراضات الجيوش التي ما صارت جيوشاً إلا بعد دهر من "الحكم الوطني" فاجتهد لبناء دول.. لكن بعضها ضاع عبر المغامرات العسكرية، كما عراق صدام حسين، وبعضها الآخر ضاع أو يكاد يضيع مع تغليب السلطة على الوطن في حالات عربية كثيرة لها نماذجها الصارخة في المشرق كما في المغرب وبين بين.

 المواجع أكثر من أن تحصى، لكن أكثرها إيلاماً أن "العرب" قد انقسموا على أنفسهم، وتاهوا عن هويتهم الجامعة، وانفصل بعضهم عن البعض الآخر إلى حد العداوة... والأخطر أنهم قد نسوا أو تناسوا حقيقة أن عدوهم واحد، فأقدم بعضهم على "الاعتراف" بالكيان الصهيوني جهاراً نهاراً وتبادل معه السفراء بل والملحقين العسكريين أيضاً، في حين لجأ بعض آخر إلى الحيلة أو الخديعة أو الكذب المموّه: منهم من ادّعى أن إخوانه الأقرب إليه من العرب طامعون في أرضه وخيراتها أو بحره وثروات الغاز فيه، وأنه لم يتلقَّ الحماية منهم فلجأ مضطراً إلى العدو القوي لأنه قادر على حمايته... وقد كان له ذلك، بمجرد أن رفع العلم الذي تتوسطه النجمة السداسية الزرقاء صار الطامعون فيه يخشون حليفه القوي فامتنعوا عن إيذائه!

بعض آخر قدم ذريعة مختلفة: إذا كانت أكبر الدول العربية وأقواها قد اعترفت بهذا العدو وأقامت معه علاقات مميزة تشمل إلى السفارة التعاون الاقتصادي المفتوح، لا سيما في مجال "الثروات المشتركة" من نفط وغاز، فلماذا أتردد ـ وأنا الأضعف ـ في التمثل بها وتحصين كياني الضعيف بهذه "الدولة" التي تخلت عن مشروعها الإمبراطوري ولا تريد إلا السلامة والعيش بأمان مع جيرانها الذين هم ـ إذا ما استذكرنا التاريخ ـ أبناء عمومة العرب وفي دينهم كثير من المشتركات مع ديننا الحنيف.. وهم قد جنحوا إلى السلم فلماذا نردّ عليهم بالحرب؟!

المأساة ليست في أن الفلسطيني وجد نفسه وحيداً في مواجهة هذا العدو الذي غصب أرض العرب، وقاتل كل العرب، ويملأه الغرور بأنه قد هزم كل العرب... بل إن المأساة في أن الكثير من أهل النظام يقفون مع عدوه ضده، فإذا كانوا لم يصلوا إلى هذا المدى في الهرب من الميدان فإنهم قد تخلوا ـ عملياً ـ عن القضية المقدسة، وبالتالي عن نصرته، وتركوه وحيداً في مواجهة عدوه الذي لا حدود لقوته وإمكاناته وحجم التأييد الدولي الذي كان يحظى به، حتى من قبل أن ينحاز إليه "الإخوة العرب".

إن الفتى الفلسطيني كما الصبية الفلسطينية يتبدى الآن وكأنه قد خرج بحجره أو بسكينه ليواجه العالم جميعاً، بالدول الأعظم والدول الأقوى ومعها "الدول العربية الشقيقة"، ولم يعد له إلا ذراعه وإلا حجره وإلا سكينه التي يعرف أنها تعبّر عن رفضه الاستسلام، وعن إرادته وعزيمته وإصراره على التمسك بحقه في أرضه، وبمستقبله فيها ولو صار وحيداً وشبه أعزل ومن دون نصير في هذا العالم الواسع.

إن هذا الفتى الفلسطيني يرى نفسه في مواجهة العالم أجمع، فقد التقى على دعم الإسرائيلي الشرق الذي كان اشتراكياً فارتد والغرب الذي كان يحابي العرب فيتخذ موقف "الوسيط" بينهم وبين الإسرائيلي، حتى إذا ما تخلوا عن قضية تحرير فلسطين، تخلى بدوره عن مهمة الوساطة المستحيلة وكشف عن انحيازه الكلي إلى المحتل الإسرائيلي واثقاً أن العرب لن يقاتلوه ولن يقاطعوه ولن يطلق قادتهم التصريحات النارية ضده... بل إن قادتهم سيتسابقون إليه ليقيموا معه أطيب العلاقات وليعززوا أوجه التعاون معه، تاركين فلسطين لمصيرها بين براثن العدو الإسرائيلي... بأمل أن ينصرها الله على القوم الكافرين.

 يدفن شهيد الغد شهيد اليوم، ثم يمشي في موكب وداعه وقد عقد العزم على متابعة "الجهاد" الذي ثبت ـ بالدليل الحسي القاني كما دم الشهيد ـ أن لا طريق غيره إلى تحرير فلسطين.

تعرف الصبية الفلسطينية أن التحرير يمر عبر دمائها فتبذل هذه الدماء رخيصة. الوطن هو الغالي. الأرض هي المقدسة.
إن هؤلاء الفتية يشترون غد الحرية في فلسطين بدمائهم الطاهرة.

إنهم يذهبون إلى الشهادة بفرح مَن أنجز واجبه وأتم دينه وحدّد معالم الطريق إلى غد الحرية والاستقلال.
إن هؤلاء الفتية والصبايا يعلّموننا الآن ما كدنا ننساه من أن "حب الوطن من الإيمان".

ولسنا نملك ما نقدمه لهم إلا التقدير والإكبار والثبات على طريق فلسطين، ولو بالكلمة.

وكلنا ثقة أن مثل هذا الشعب العظيم والمستعد لبذل دمائه من أجل أرضه سوف ينتصر.

فإرادة هذا الشعب أعظم من أن تُقهر، وهذا هو التاريخ شاهد وشهيد.

جمال عبد الناصر الحاضر الغائب


عبد الهادي الراجح

في الــ15 من يناير/ كانون ثاني من كل عام يحتفل أحرار الأمة العربية ومناضليها يشاركهم كل أحرار العالم بالذكرى السنوية لميلاد الزعيم العربي الكبير جمال عبد الناصر ، أحد أهم وأبرز زعماء حركات التحرر في القرن الماضي وقائد ومفجر ثورة 23 يوليو المجيدة عام 1952م ، والتي تعتبر رائدة الثورات وحركات التحرر ليس في مصر وأمتها العربية فحسب ولكن في القارات الثلاث بالقرن العشرين وهذا ما أجمع عليه كل أحرار العالم ومناضليه في تلك الحقبة المهمة من التاريخ الإنساني .

لذلك يحتاج الحديث عن القائد الاستثنائي جمال عبد الناصر لمجلدات كبيرة ومؤرخين مختصين وليس مقالاً أو حديثاً عابراً هنا وهناك ، ولعل كثرة المؤامرات التي تعرض لها والحصار الاقتصادي وصولا للعدوان العسكري وحتى المحاولات العديدة للتصفية الجسدية لزعيمنا والتي اعترف بها أصحابها يثبت إلى أي مدى وصل تأثير ذلك القائد العظيم ومشروعه النهضوي الذي هو مشروع الأمة العربية لأجل الوحدة والحرية والكرامة الإنسانية.

ان أعظم حركات التحرر سميت باسمه رغم كثرة المتشدقين بالثورات المزعومة لأجل الوحدة والتي لم تكن في حقيقتها إلا مؤامرات من أعداء الأمة، وما شعاراتها الوحدوية إلا للكذب والتضليل والخداع، فمنهم من صنعته بريطانيا وفرنسا وأمريكا، وكل تلك الحركات المزعومة فشلت وافتضح أمر دعاتها رغم الهالات الإعلامية والدعم المادي الذي لاقته وكل ذلك بهدف إبعاد العرب عن وحدتهم المرجوة التي كانت ثورة 23 يوليو التي قادها عبد الناصر أبرز محطاتها حيث أخذت من الزعيم مسمى لها، وكانت الناصرية عنواناً لحركة المد القومي التحرري في القرن العشرين.

ورغم الانقلاب الذي قاده العميل المدسوس على ثورة يوليو أنور السادات ونجاحه الذي قوامه دعم المخابرات الأمريكية والمال من الرجعية النفطية وغير النفطية التي تنفست الصعداء بعد رحيل الزعيم جمال عبد الناصر، رغم كل ذلك لم يختف بريق الناصرية الأخاذ الذي كان كالذهب الأصيل وكلما زادت المدة عليه وحاولت بعض الأتربة العابرة أن تغير لونه أو جوهره ، ولكنها تفشل وتهزم بمجرد أول مسحة على وجه الذهب، وكذلك هو مشروع جمال عبد الناصر الذي يثبت أنه وحده مشروع الأمة الجدير بالبقاء والخلود، وغير ذلك هتاف من تحت اللحاف وحرث في البحر وزرع بالهواء.

ثمانية وتسعون عاما مضت على ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر وما يقارب النصف قرن الا أربعة أعوام على رحيله ، ولا يزال يثير الجدل والنقاش وكأنه حي بيننا، ومن تابع الهجمة البربرية اللااخلاقية التي انطلقت عليه منذ رحيله وزادت وتيرتها بعد صفقة كامب ديفيد ووصول المدعو محمد مرسي العياط لرئاسة الدولة بعد ثورة يناير في وسط حالة من التصحر والفراغ الذي أوجدته الردة الساداتية التي أكملها المخلوع حسني مبارك وأوصلت مرسي العياط الى رئاسة الدولة، فكان البديل الأكثر سوءا الذي لم يخجل من طرح تصفية الحسابات السياسية مع الزعيم جمال عبد الناصر، فكانت طروحاته من الأسباب الأساسية لخلعه بثورة 30 يونيو/ حزيران المجيدة التي أجبرت الجيش على التدخل وخلعه تياره المتأسلم الذي لم يخجل من الله والتاريخ ودماء الشهداء عندما منح المقبور أنور السادات قلادة النيل أرفع وسام في مصر، وهو الشيء الذي لم يفعله حتى حسني مبارك وقد كان الهدف من ذلك التكريم تحقيق ثلاثة أهداف أساسية للتيار المتأسلم : الأول رسالة لأمريكا وربيبها الكيان الصهيوني والغرب عموما بأنه- أي العياط- على نهج السادات.

اما الهدف الثاني من التكريم فقد جاء عرفانا بانقلاب السادات على خط الزعيم جمال عبد الناصر وتقديرا لخيانته ، وجاء الهدف الثالث بمثابة رسالة للرجعية العربية وخاصة النفطية منها لمواصلة دعمها المادي له ولتياره وليس لمصر ، ناسيا التغيرات التي حدثت في موازين العالم بعد رحيل جمال عبد الناصر وانهيار الاتحاد السوفيتي وما تخلل ذلك من تفكيك الكتلة الشرقية وتراجع النفوذ السوفيتي قبل انهياره في العالم.

ان ذلك المرسي وعصابته لم يقرأوا النداءات والشعارات الناصرية التي رفعتها الجماهير أثناء مواجهتها أمن مبارك وعصابته في أحداث ثورة 25 يناير في الوقت الذي كانت عصابة المقطم ومكتب إرشادها يفاوضون نائب الرئيس المخلوع عمر سليمان من خلف ظهر الثوار ، وعندما انتبه المخلوع محمد مرسي آخر أيامه لحقائق الأشياء وقف في مصنع الألمنيوم ليقول مستجديا الشعب بأنه سوف يبدأ فيما انتهى به الزعيم جمال عبد الناصر، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان حيث كانت جحافل الشعب التي تصرخ حتى قبل 03 يونيو/ حزيران 2013م، انتهى الدرس يا غبي ، وكان السجن في انتظار ذلك المرسي وعصابته ومكتب إرشاده واللهم لا شماتة ، وانتهت مرحلة دامت ثمانين عاما من الكذب والرياء وادعاء دور الضحية.

وان يسجل للقيادة المصرية الحالية ممثلة بالرئيس عبد الفتاح السيسي انها ازاحت مرسي وعصابة التاسلم ومنعت نشوب حرب أهلية في مصر، واننا ما نزال بانتظار ما سيقدمه الرئيس السيسي.

ختاماً.. لعل القيمة التاريخية للزعيم جمال عبد الناصر أنه ربط مصر في عمقها التاريخي بدوائره الثلاثة التي حددها الزعيم خالد الذكر انطلاقا من حقائق التاريخ وأستاذه الجغرافيا، وهذه الدوائر هي العربية والإفريقية والإسلامية ، ولم يربط أمن مصر فيما وراء الحدود ونحو المتوسط كما فعل الكثير ممن جاءوا من بعده، وأولهم أنور السادات وعلى نفس السياسة سار مبارك ومن بعده مرسي ونأمل بالتغيير من عبد الفتاح السيسي .

ان حديثنا عن الزعيم جمال عبد الناصر ليس عاطفيا بالمطلق وان فيه شيء من ذلك، وليس حنينا لعصر الحرية والكرامة والتحرر القومي، وان كان فيه شيء من ذلك ، ولكنه حديث لأجل المستقبل وتأكيد بالسير على طريق الزعيم جمال عبد الناصر لأنه الطريق الوحيد لوحدة الآمة وكرامتها وإيجاد مكانا لها بين الأمم والشعوب في وسط عالم تجمعه مصالحه في تكتلات واضحة لا مكان فيها لمن يغرد منفردا .

رحم الله القائد والزعيم والمعلم جمال عبد الناصر يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا .

قائد المخابرات الأمريكية العسكرية السابق: سيعاقبنا التاريخ على الإطاحة بصدام والقذافي



اعترف الفريق مايكل فلين، قائد العمليات الأمريكية الاستخباراتية خلال حرب العراق بأن غزو هذا البلد العربي كان خطأ فادحا سيجلب عقابا قاسيا.

واعتبر الجنرال الأمريكي أنه لو لم تقم الولايات المتحدة بغزو العراق لما ظهرت منظمة "داعش" الإرهابية.
وقال في حديث لصحيفة Der Spiegel الأحد 29 نوفمبر/تشرين الثاني إن "ذلك كان خطأ فادحا، فمهما كان صدام حسين قاسيا كان القضاء عليه غير صحيحا. والشيء نفسه يخص القذافي في ليبيا التي باتت اليوم دولة فاشلة".

وأضاف أن "الدرس التاريخي الكبير يتلخص بأن غزو العراق استراتيجيا كان قرارا سيئا بشكل لا يصدق. ولن يكون التاريخ متساهلا إزائنا".

وكان الفريق مايكل فلين قد خدم منذ عام 2004 حتى 2007 في أفغانستان والعراق حيث ترأس المخابرات بالاشتراك مع قيادة العمليات الأمريكية الخاصة، وتولى عمليات البحث عن أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم "القاعدة" في العراق ومؤسس "داعش".وقال فلين إن الولايات المتحدة كانت دائما تسعى إلى القضاء على الرأس، معولة على أن خلفه سيكون أضعف، إلا أن ذلك لم يكن صحيحا، إذ حل بدل أسامة بن لادن والزرقاوي أبو بكر البغدادي "الأكثر دهاء وخطرا"، والذي رفع مستوى الأزمة الإقليمية إلى مستوى حرب طائفية عالمية.

واعتبر فلين أن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ عندما أوقفت ومن ثم أخلت سبيل البغدادي العام 2004، "كنا أغبياء جدا، إذ لم نفهم حينها مع من نتعامل".

ولفت الفريق الأمريكي إلى أن هناك "في كل دولة أوروبية خلية (تابعة لداعش) خاصة، ومن المحتمل أن يكون الشيء نفسه في الولايات المتحدة.. مازلنا لا نستطيع العثور عليها".

ولفت الى أنه من غير الممكن القضاء على "داعش" من خلال الضربات الجوية فقط، إذ يتطلب الأمر شن عملية برية، فضلا عن ضرورة التعاون البناء مع روسيا، "فروسيا قررت التصرف في سوريا عسكريا، وهذا غير الوضع جذريا. ولم نعد نستطيع الحديث عن أن روسيا سيئة ويجب أن تذهب... هذا لن يحصل.. فلنكن واقعيين".

كما انتقد مدير المخابرات العسكرية الأمريكية السابق عدم رغبة الولايات المتحدة بالتعاون في المسألة السورية قائلا إن "الرئيس الفرنسي هولاند يأتي إلى واشنطن ويطلب مساعدة عسكرية. واعتبر ذلك أمرا غريبا... نحن من كان يجب أن يذهب إليه منذ زمن بعيد وأن نقدم الدعم" لفرنسا.

واعتبر أن هذا الموقف الأمريكي أجبر هولاند على الاتفاق مع موسكو.

2016/01/01

عام على قانون الايجارات: «الفوضى» باقية

هديل فرفور


لم تكن «المناكفات» المُستمرة بين المستأجرين القدامى ومالكي الابنية المؤجرة القديمة، «وتبادلهما» التظاهرات والبيانات خلال عام 2015، المظهر الوحيد لإشكالية قانون الايجارات الجديد. فالـ»فوضى» التي رافقت القانون منذ صدوره في أيار عام 2014، نتيجة «تنصّل» الدولة من مسؤولياتها في هذا الملف، خلقت إشكاليات عديدة ذات أبعاد خطيرة، لعلّ أبرزها وأفضحها: القرارات القضائية المتناقضة حول نفاذ القانون واختلاف المحاكم في كيفية تطبيقه.

هذه الفوضى لم تكن سوى نتاج طبيعي لسلوك العبثية الذي انتهج في مسار القانون. بداية، أُقر القانون في الأول من نيسان عام 2014 في مجلس النواب بمادة وحيدة. حينها، لم يتكبّد النواب عناء مناقشة بقية المواد التي تتجاوز الـ50 مادة، ولم يتنبّهوا إلى ضرورة البحث في أزمة السكن ووجوب إقرار ضمانات تحفظ حقوق المالكين والمستأجرين على حد سواء، إذ انتقت «النخبة السياسية» اقتراح القانون، من سلّة اقتراحات تتضمن حلولاً مختلفة لمسألة الايجارات القديمة في إطار سياسة إسكان شاملة.
«سلخ» النواب اقتراح القانون وأقرّوه من دون أن يُرفق بسياسة إسكانية واضحة. فكان القانون الذي يُسقط حق التعويض للمستأجر ويضعه أمام خيار «التهجير»، على حدّ تعبير المستأجرين الذين يشكون غُبن دولتهم ويرون أنهم عاجزون عن دفع البدلات المرتفعة الحالية للايجار في ظل المضاربات العقارية والارتفاع الجنوني لاسعار العقارات، تقابله أجور لا تراعي «الحد الأدنى» من مستوى المعيشة المرتفع في البلاد.
في المُقابل، وجد المالكون أنفسهم، أمام «فرصة» تتيح لهم استرداد «حقوقهم المهدورة على مر سنوات من البدلات الزهيدة التي كانوا يتقاضونها»، بحسب رئيس تجمّع المالكين باتريك رزق الله، الذي يرفض مبدأ التهويل، ويشير إلى أن صيغة القانون تتيح للمستأجر التمديد لمدة 9 سنوات (المادة 15) وذلك عبر زيادات تدريجية على بدلات الايجار.
كلام رزق الله يتناقض وما يقوله المستأجرين عن أن «الزيادات التدريجية ستكون مُكلفة على المستأجر وستجبره على إخلاء مأجوره عند السنوات الاولى لتطبيق القانون»، بحسب عضو الهيئة التأسيسية للجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين انطوان كرم. يستند كرم في حديثه إلى كيفية احتساب البدلات التي ينص عليها القانون. ولمن لا يعرف آلية دفع البدلات إذا جرى تطبيق القانون بصيغته الحالية، فإن المادة 15 من القانون حدّدت الآلية وفق التالية: عند السنوات الأربع الأولى لتمديد عقد الايجار، يدفع المستأجر 15% من قيمة فارق الزيادة بين بدلات الايجار القديم وبدلات الايجار الجديد، و20% من قيمة هذا الفارق عن السنتين الخامسة والسادسة من الفترة التمديدة حتى يبلغ بدل الايجار في السنوات الممددة السابعة والثامنة والتاسعة مبلغا مساوياً لقيمة بدل المثل الذي حدّده القانون بـ5% من القيمة البيعية للمأجور سنوياً. وفي نهاية السنة التمديدية التاسعة سيصبح الايجار حراً، ويستطيع المالك إجبار المستأجر على إخلاء منزله. مليون دولار هو السعر الوسطي للشقة في بيروت، بحسب دراسة شركة الاستشارات العقارية «رامكو» (راجع عدد الاخبار/ الخميس ١٣ شباط ٢٠١٤/http://www.al-akhbar.com/node/200555)، وفي احتساب بسيط، ووفق قانون الايجارات الجديد، سيحدَّد بدل المثل بـ 50 الف دولار سنويا (5% من القيمة البيعية للمأجور)، وبالتالي فإن ايجار الشقة سيكون بمعدل الـ4000$ شهرياً، وبالتالي فإن زيادة البدلات وإن كانت «تدريجية» في السنوات الاربع الاولى (عبر احتساب الـ15% من قيمة الفارق) من شأنها أن ترّتب أعباء على المستأجر القديم لا يستطيع تحملها. لا إحصاءات واضحة حول الوضع الاجتماعي لجميع المستأجرين والمالكين على حد سواء، إلا أن غالبية المستأجرين القدامى هم من كبار السن الذين لا يملكون خياراً بديلاً عن مسكنهم. «هناك مستأجرون كبار في السن وما من مالكين كبار في السن؟» يقول رزق الله للإشارة إلى حق المالكين في استعمال ملكيتهم. في الواقع، لا يُلام بعض المالكين على شعورهم بـ»الغبن»، أيضاً، ففي ظل الارتفاع الهائل لأسعار الشقق الذي يُنتجه النظام اللبناني بسياسته ومذهبيته، يجد بعض الملاكين انهم «مظلومون»، نظراً لعدم قدرتهم على «استثمار» فرصة أتيحت لهم في ظل النمط الريعي السائد الذي ينتهجه النظام. «كنت أقبض 175 ليرة، وادفع 200 ليرة إيجار، كل 5 سنين المالك كان يطلّع حق الشقة»، تقول السيدة دوزريه المستأجرة في فرن الشباك منذ عام 1960. وتضيف ممازحة: «العمر ما عاد يحرز، ينطرو علي 5 سنين وبفلّ (في اشارة الى تقدمها في السن)». يواجه المستأجرون اتهامات المالكين لهم بـ»احتلال» أملاكهم واستخدامها مقابل أسعار بخسة، بحجّة السيدة دوزريه نفسها. «نحن لسنا شحادين»، يقول العميد المتقاعد شوقي حمدان، المستأجر في الحمرا، ويلفت إلى أنه «دفع خلوّا للمالك عندما استأجر في الحمرا»، وبالتالي «حق المالك ليس مهدوراً، هناك مالكون اشتروا بنايات بأسعار بخسة إدراكاً منهم بأنها تحوي مستأجرين قدامى، وبالتالي هم يراهنون على إصدار قوانين تخدم الشركات العقارية»، يقول حمدان مُضيفا: القضية مسألة كرامة، ماذا يعني أن يُطرد المستأجرون بهذه الطريقة؟ أو يهدّدون عبر إنذارات إخلاء؟».
«مشكلتنا مع الدولة» هذا ما يتفّق عليه المستأجرون والمالكون

«يعزّ» على المستأجرين أن يُتهموا بـ»المحتلّين». في رأيهم «هم ناس بيروت الاصليين». «وين كان المالك لما ضليت بالحرب دافع عن بيتي؟ كان بفرنسا»، تقول السيدة المستأجرة في الاشرفية بلكنة حادة.
«بيروت مدينة طاردة لسكانها»، هذا ما يقوله المعماري رهيف فيّاض عندما يُشير الى النمط الريعي الذي شهده لبنان والذي أدّى إلى «طرد» سكانها الأصليين من ذوي الدخل المتوسط وما دون، وحوّلها إلى مقرّ للأثرياء الفاحشين الذين يستفيدون من الريع لزيادة ثرواتهم، وهو ما يتوافق والخلاصة التي ذكرتها دراسة «رامكو» :«على راغبي السكن في بيروت أن يزدادوا ثراءً حتى يتمكّنوا من التملك في العاصمة».
«صحيح أن قانون الإيجارات القديمة أصبح غير عادل منذ تدني قيمة العملة الوطنية منذ منتصف الثمانينيات، وصحيح أنه ضمن حق السكن بشروط غير متكافئة، فظُلم مالكون واستفاد منه مستأجرون من ذوي المداخيل المرتفعة جداً، ولكن في فترة إعداد القانون، كان يتعين أن يعاد تحديد الشروط بشكل عادل». هذا ما قاله المحامي نزار صاغية في الاول من نيسان من عام 2015، بمناسبة إطلاق مبادرة وضع مشروع قانون الحق في السكن تصويبا «للمسار التشريعي الذي أتى مبتوراً عند إقرار القانون الجديد».
القانون وفق صاغية، هو «تحرير المالك من عبء الإسكان من دون أن تأخذ الدولة على عاتقها هذا العبء، الا على نحو مجتزأ وملتبس مع ما يحتمله ذلك من أهداف خفية أو غير معلنة على صعيد الاستثمارات أو الفرز الطائفي والطبقي». وبالنتيجة، بحسب صاغية، «جرى تجريد المستأجر من ضمانة السكن المتمثلة بالتمديد القانوني من دون أن يعطى أي ضمانات بديلة موازية».
«مشكلتنا مع الدولة»، هذا ما يتفّق عليه كل من المستأجرين والمالكين، «طرفي النزاع» يريان ان الراعي الاجتماعي لحق السكن هو الدولة وهي المسؤولة عن تأمين الحقوق، مناصفة بين المالكين. الا انه فعليا، وعلى عكس «المفروض»، عمدت مكوّنات الدولة الى التنصل من مسؤلياتها.
عندما تقدّم عشرة نواب بالطعن في القانون في تموز عام 2014، أصدر المجلس الدستوري قرارا أبطل بموجبه مادتين ونصف مادة (7 و13 والفقرة ب من المادة 18)، وهي المواد التي تنص على إنشاء لجنة خاصة للنظر في استفادة المستأجرين ذوي الدخل المحدود من الصندوق الخاص للإيجارات السكنية.
لم يحدد المجلس اذا كان القانون نافذا ام لا، واختلفت وجهات النظر القانونية بين من رأى ان هذه المواد المبطلة مرتبطة بأكثر من ثلاثين مادة، وبالتالي لا يمكن تطبيقها ومن وجد ان القانون قابل للتطبيق ما عدا المواد التي ابطلت، وان القاضي المنفرد له الحق في ان يحل مكان اللجنة.
عند بداية عام 2015، اجتمع رئيس مجلس القضاء الأعلى مع قضاة الإيجارات على مختلف درجاتهم لتبادل فهم قرار المجلس الدستوري، حينها وشدّد على ان لا رأي ملزما للقضاة، لتشهد الشهور المقبلة بعد حديث القاضي أحكاما قضائية متناقضة على مستوى البداية والاستئناف، بين قضاة عمدوا الى تطبيق القانون 160/92 القديم وقانون الايجارات الجديد، مُحدثين بذلك فوضى مسّت «الأمن القضائي»، وفق ما صرّح به مرة القاضي فهد، كما مسّت المساواة بين المواطنين الذين ما عادوا يعرفون على اساس اي قانون يجري التقاضي.
خلال هذه الفترة، كانت لجنة الادارة والعدل تعقد جلسات نقاش لاجراء تعديلات على القانون.
في 27 نيسان، أنهت اللجنة التعديلات بعد 15 جلسة عُقدت على مدار 5 أشهر، من دون أن تتمكن من طرح اي صيغة توّفق بين الحق بالسكن وحق مالك المأجور بملكه، وأبقت إشكالية القانون. وعلى الرغم من عدم رضى الطرفين بالتعديلات «الشكلية» التي حصلت، الا ان مجلس النواب لم يقرها بعد.
في مثل هذا اليوم، صرّح رئيس مجلس النواب بأن قانون الايجارات الجديد غير نافذ، هذا الموقف بقي تصريحاً ولم يُرفق بأي خطوة عملية. عُقد مجلس النواب في شهر تشرين الثاني لإقرار قانون استعادة الجنسية اللبنانية فيما لم يُبحث قانون الايجارات.
«يجوا يشيلوني من البيت»، يقول مُراد كرم، المستأجر في الجميزة في تحدّ لأي محاولة لتطبيق القانون، فيما يحذّر المالكون من دعوات التمرّد على القانون وتبعاته.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر