الراصد القديم

2016/04/02

الاشتراكية الاسلاميه ومذاهبها

صبري محمد خليل

تعريف: الاشتراكية الاسلاميه هي مذهب في الفكر الاقتصادي والاجتماعي الاسلامى الحديث والمعاصر، يدعو إلى الالتزام بنظام اقتصادي اشتراكي، يتسق – أو لا يتعارض- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الاسلامى الكلية ، فهو يقوم ضمنيا على أساس انه لا يوجد تعارض " مطلق" بين الإسلام كدين ، والاشتراكية كنظام اقتصادي.

تعدد دلالات مصطلح الاشتراكية: لكل مصطلح دلالات (معاني) متعددة : فهناك دلالته العامة اى المصطلح كمفهوم مجرد ، وهناك دلالته الخاصة اى ما يكتسبه المصطلح من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا، وهناك دلالته المشتركة اى المعنى الذي تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ( بصرف النظر عن أوجه الاختلاف بينها) ، وهناك دلالته المنفردة اى المعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معينين وبالتالي تتعدد بتعدد هذه الفلسفات والمناهج.فإذا تناولنا مصطلح الاشتراكية نجد أن له دلاله عامه- مشتركه تتمثل في الاشتراكية كمفهوم مجرد ، تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج، ومضمونها التحرر من القهر الاقتصادي وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج، والتخطيط الاقتصادي والملكية العامة لوسائل الإنتاج الاساسيه....كما أن له دلاله خاصة - منفردة تتمثل في تطبيق مفهوم الاشتراكية في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا، وطبقا لمعنى تفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين من مصطلح اشتراكيه.

المواقف المتعددة من الاشتراكية: استنادا إلى ما سبق ذكره، من تعدد في دلالات مصطلح الاشتراكية، فان هناك ثلاثة مواقف أساسيه من الاشتراكية، تقوم على موقف معين من هذه الدلالات المتعددة .

أولا: القبول المطلق (التغريب): هو موقف يقوم على القبول المطلق للاشتراكية ، اى قبول كافه دلالات مصطلح الاشتراكية، دون تمييز بين دلالاتها المتعددة،سواء كانت ايجابية أو سلبيه . وهو موقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وبالتالي فهو موقف يستند إلى التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد التي جاء بها الإسلام بمفاهيم وقيم وقواعد أخرى.

ثانيا:الرفض المطلق (التقليد): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق للاشتراكية، اى رفض كافه دلالات مصطلح الاشتراكية، دون تمييز بين دلالاتها الايجابية والسلبية . وهو موقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يكون بالعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه، فهو لا يميز بين أصول الدين النصية الثابتة وفروعه الاجتهادية المتغيرة ...وهنا نلاحظ أن الموقف الثاني " الرفض المطلق " كان أساسا رد فعل على الموقف الثاني" القبول المطلق"، .إلا أن الموقفين- رغم تناقضهما في المقدمات إلا إنهما ينتهيان إلى نفس النتيجة ، وهى أن هناك تناقض "مطلق" الإسلام والاشتراكية ،ولا يمكن إلغاء هذا التناقض إلا بإلغاء الأول " كما في الموقف الأول" ، أو إلغاء الثانية "كما في الموقف الثاني".

ثالثا: الموقف النقدي (التجديد): وهو الموقف الذي يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق إلى موقف نقدي من الاشتراكية، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح الاشتراكية ، فيرى أن الإسلام كدين - لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الاشتراكية، اى التحرر من القهر الاقتصادي وسيطره الشعب على وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي والملكية ألعامه لوسائل الإنتاج الاساسيه، لأن الإسلام كدين قائم – على مستوى أصوله النصية الثابتة – على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للمال ( وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(المائدة: 17)، وأن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع به، أما الفرد فوكيل عنها في الانتفاع به على وجه لا يتناقض مع مصلحتها (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد: 7) ، أما الدلالة الخاصة المنفردة لمصطلح الاشتراكية، فيرى هذا الموقف أن الموقف الصحيح منها هو على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما. هذا الموقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام ،التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.وهذا الموقف هو الموقف الذي تستند إليه الاشتراكية الاسلاميه بمذاهبها المتعددة ، لأنها- كما سبق ذكره - مذهب في الفكر الاقتصادي والاجتماعي الاسلامى الحديث والمعاصر ، يقوم ضمنيا على انه ليس ثمة تناقض "مطلق" بين الإسلام والاشتراكية،اى تناقض بين الإسلام وكل دلالات مصطلح الاشتراكية، وان كان من الممكن وجود تناقض "محدود" بينهما ، اى تناقض بين الإسلام وبعض دلالات مصطلح الاشتراكية ، وهو ما يمكن إلغائه بأخذ الدلالات إلى تتناقص مع الإسلام، ورد الدلالات التي تتناقض معه.
الاشتراكية الاسلاميه بين الوحدة والتعدد: و الاشتراكية الاسلاميه مذهب يتصف بالوحدة ، من جهة دعوته إلى الالتزام بنظام اقتصادي اشتراكي، يتسق – أو لا يتعارض- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الاسلامى الكلية ، فانه يتصف بالتعدد من جهة تحديد خصائص هذا النظام الاقتصادي الاشتراكي، وبيان كيفيه اتساقه - أو عدم تعارضه- مع الإسلام كدين، فهي هنا تتضمن العديد من المذاهب ،وفيما يلي نعرض لأهم هذه المذاهب:

مذهب الإمام جمال الدين الافغانى: يعبر الإمام جمال الدين الافغانى عن موقفه الايجابي من الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الاشتراكية، من خلال تقريره في خاطراته أن الاشتراكية هي التي ستؤدي حقاً مهضوماً لأكثرية من الشعب العامل. واتساقا مع هذا الموقف الايجابي يقرر أن هذه الدلالة لا تتعارض مع الإسلام كدين من خلال تقريره أن الاشتراكية منبعها الإسلام كثقافة ودين، حيث يشير إلى الإخاء الذي عقده رسول الله بين المهاجرين والأنصار، و أن الدولة العربية الإسلامية الأولى في عهد النبي وخليفتيه أبو بكر وعمر كانت بمثابة تجربة اشتراكية (أول من عمل بالاشتراكية بعد التدين بالإسلام، هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضا (الأعمال الكاملة للأفغاني، ج,1 ص.107)، كما يشير إلى أن البداوة أحد أصول الاشتراكية في الإسلام ( الاشتراكية في الإسلام.. ملتصقة في خلق أهله عندما كانوا أهل بداوة)(الخاطرات ص 234) .كما يعبر عن موقفه النقدي من الدلالة الخاصة – المنفردة لمصطلح الاشتراكية ، من خلال رفضه لكل من موقفي القبول المطلق و الرفض المطلقين ، من خلال تحفظه على الاشتراكية الغربية ، مع اتخاذه موقفاً رافضا للذين يكفرون مناصري الاشتراكية ويخرجونهم من الملة، حيث يجيب على سؤال لأحد مجالسيه عن تكفير مشايخ الإسلام للاشتراكية، بأن الاشتراكية وإن قل ناصروها اليوم فإنها ستسود العالم عندما يعم العلم الصحيح ويشعر البشر بأنهم إخوة، وأن التفاضل بالأنفع للمجموع وليس بالسلطان السياسي أو المالي أوالعسكر وإنما يحتاج الأمر إلى الشجاعة والبسالة والجهر بالحق ...) (جمال الدين الأفغاني – حسن حنفي ص.113).

مذهب الإمام حسن البنا: أشار الإمام حسن ألبنا إلى وجوب التزام المسلمين بالعدل الاجتماعي في الكثير من النصوص ،حيث يقول ( لم يقف أمر النظام الاقتصادي الإسلامي عند هذا الحد، ولكنه رسم الخطط الأساسية للتقريب بين الطبقات، فانتقص من مال الغنى بما يزكيه ويطهره وينقيه ويكسبه القلوب والمحامد، وزهّده في الترف والخيلاء، ورغّبه في الصدقة والإحسان، وأجزل له في ذلك المثوبة والعطاء، وقرر للفقير حقًّا معلومًا، وجعله في كفالة الدولة أولاً، وفى كفالة الأقارب ثانيًا، وفى كفالة المجتمع بعد ذلك. ثم قرر بعد هذا صور التعامل النافع للفرد الحافظ للجماعة تقريرًا عجيبًا في دقته وشموله وآثاره ونتائجه، وأقام الضمير الإنساني مهيمنًا عليها من وراء هذه الصور الظاهرية. كل هذا بعض ما وضع الإسلام من قواعد ينظم بها شأن الحياة الاقتصادية للمؤمنين، وقد فصلت الحياة التقليدية الممسوخة التي يحياها الناس في هذه الأعصار بين الاقتصاد والإسلام، فقمتم أنتم ومن أهدافكم وأغراضكم الإصلاح الاقتصادي بتنمية الثروة القومية وحمايتها، والعمل على رفع مستوى المعيشة، والتقريب بين الطبقات، وتوفير العدالة الاجتماعية، والتأمين الكامل للمواطنين جميعًا، وإقرار الأوضاع التي جاء بها الإسلام في ذلك كله) ( مؤتمر رؤساء المناطق والشعب عام 1945 ). كما يقرر اسبقيه الإسلام للنظريات الاشتراكية الغربية في الدعوة إلى العدالة الاجتماعية (... وإذا كانت الثورة الروسية قاربت بين الطبقات، وأعلنت العدالة الاجتماعية في الناس؛ فإن الثورة الإسلامية الكبرى قد أقرت ذلك كله من قبل ألف وسبعمائة سنة، ولكنها سبقت سبقًا لن تلحق فيه في أنها جملت ذلك وزينته بالصدق والعمل؛ فلم تقف عند حدود النظريات الفلسفية، ولكن أشاعت هذه المبادئ في الحياة اليومية العملية، وأضافت إليه بعد ذلك السمو بالإنسان واستكمال فضائله ونزعاته الروحية والنفسانية؛ لينعم في الحياتين، ويظفر بالسعادتين، وأقامت على ذلك كله حراسًا أشداء أقوياء من يقظة الضمير، ومعرفة الله وصرامة الجزاء وعدالة القانون)، اتساقا مع ما سبق يرى الإمام حسن ألبنا أن روح الإسلام توجب علينا القيام بعدد من الإجراءات، التي لا تخرج عن إطار الدلالة العامة المشتركة للاشتراكية، كاعاده النظر في الملكيات وتنظيم الضرائب الاجتماعية... حيث يقول في ص 349 من رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي ( توجب علينا روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي أن نعيد النظر في نظام الملكيات في مصر ، فنختصر الملكيات الكبيرة ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع)، ويقول( وتوجب علينا روح الإسلام في تشريعه الاقتصادي أن نبادر بتنظيم الضرائب الاجتماعية وأولها الزكاة (. بالاضافه الى ما سبق فقد استخدمت وثائق جماعه الإخوان المسلمين في عهد الإمام المؤسس مصطلح" الاشتراكية الاسلاميه" ،ورد فى الاجتماع السنوي العاشر جمعية الإخوان العمومية عام1946 يعلن المجتمعون أن الإخوان المسلمين ليسوا حزبًا غايته الوصول إلى الحكم، ولكنهم هيئة تعمل لتحقيق رسالة إصلاحية شاملة ترتكز على تعاليم الإسلام الحنيف، تتناول كل نواحي الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي، وتسلك إلى كل ناحية سبيلها القانونية شكلاً وموضوعًا. يقرر المجتمعون أن الوضع الاجتماعي في مصر أمام التطورات العالمية والضرورات الاقتصادية وضع فاسد لا يحتمل ولا يطاق، وأن على المركز العامل للإخوان المسلمين أن يعلن برنامجه المفصل لإصلاح هذا الوضع، ولرفع مستوى الشعب أدبيًّا بالتربية والثقافة، وروحيًّا بالتدين والفضيلة، وماديًّا برفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تفرضها الاشتراكية الإسلامية، والتي يحيا في ظلها العامل والفلاح والزارع والتاجر وكل مواطن حياة مريحة كريمة، ويعمل على تنفيذه في حزم وإسراع ) ( الإخوان والعدالة الاجتماعية/ السعيد رمضان /موقع الموسوعة الإخوانية “أخوان وبكى )

مذهب الشيخ محمد الغزالي : يقرر الشيخ محمد الغزالي عدم تناقض الدلالة ألعامه المشتركة لمصطلح الاشتراكية مع الإسلام كدين من خلال تقريره (إن الإسلام أخوة في الدين واشتراكية في الدنيا ((الإسلام والاشتراكية ، ص 183)،وكذلك تقريره ( أن أبا ذرٍّ كان اشتراكيا وأنه استقى نزعته الاشتراكية من النبي صلى الله عليه و سلم )( الإسلام المفترى عليه ، ص 103) . كما يتخذ موقفا نقديا من الدلالة الخاصة المنفردة من الاشتراكية، يتمثل في قبول ما وافق أصول الدين، وواقع المجتمعات المسلمة ورفض ما خالفهما ، حيث يقوله (وأرى أن بلوغ هذه الأهداف يستلزم أن نقتبس من التفاصيل التي وضعتها الاشتراكية الحديثة مثلما اقتبسنا صورا لا تزال مقتضبة - من الديمقراطية الحديثة - ما دام ذلك في نطاق ما يعرف من عقائد وقواعد، وفي مقدمة ما نرى الإسراع بتطبيقه في هذه الميادين تقييد الملكيات الكبرى وتأميم المرافق العامة)( الإسلام المفترى عليه، ص 66 (..مذهب الشيخ محمد السباعي: أما الشيخ مصطفى السباعي فيقرر عدم تناقض الدلالة العامة – المشتركة لمصطلح الاشتراكية من الإسلام كدين من خلال استخدامه لمصطلح" اشتراكيه الإسلام " حيث يقول( لقد سميت القوانين والأحكام التي جاءت في الإسلام لتنظيم التملك وتحقيق التكافل الاجتماعي باشتراكية الإسلام) (مصطفى السباعي ، اشتراكيه الإسلام)، وكذلك من خلال تحديده خصائص اشتراكية الإسلام حيث يقول (...ان اشتراكية الإسلام ليست اشتراكية الدراويش والزهاد، كبعض الصوفية وفقراء الهنود، الذين ينفرون من المال والتملك، جبنًا منهم عن تحمل أعباء الحياة ومسؤولياتها، وإنما هي اشتراكية حضارية إيجابية بناءة، تقيم أكمل مجتمع حضاري متمدن. وان اشتراكية الإسلام تحارب الفقر والجهل والمرض والخوف والمهانة. وان مستوى المعيشة في اشتراكية الإسلام مستوى مرتفع. وان اشتراكية الإسلام تشرك الشعب مع الدولة في تحقيق التكافل الاجتماعي، كما في نظام نفقات الأقارب. وان اشتراكية الإسلام تحارب الترف والبذخ واللهو الماجن في السلم والحرب. وان اشتراكية الإسلام تُخضع الحكومة لإرادة الشعب، لا العكس. وان اشتراكية الإسلام توسّع دائرة التكافل الاجتماعي، ومن ثم فهي أكثر ضمانًا لكرامة الإنسان وسعادته. وان اشتراكية الإسلام ليست نظرية ولا عاطفية، بل هي عملية. كما يحدد الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الرأسمالية فى انهما يتفقان في إعطاء الفرد حق التملك، والتنافس في الإنتاج. ويختلفان في أن حق التملك في اشتراكية الإسلام يخضع لمصلحة الجماعة، وفي الرأسمالية تخضع الجماعة لمصلحة رأس المال. كما يختلفان في أن التنافس في الاشتراكية الإسلامية يشيع الحب والتعاون في المجتمع، وفي الرأسمالية يشيع العداء والخلاف والاضطراب. وان الرأسمالية ملطخة بدماء الشعوب، والاستعمار، والاستعباد، واللصوصية، والاستغلال، ولاشيء من هذا في اشتراكية الإسلام).. أما موقفه النقدي من الدلالة الخاصة المنفردة للاشتراكية فيتمثل في تحديده الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الشيوعية والتي حددها في النقاط التالية: ان اشتراكية الإسلام تنسجم مع الفطرة الإنسانية في إباحة الملكية الشخصية. وان اشتراكية الإسلام تبيح التنافس، أما الشيوعية فترى أنه يجرّ البلاء على المجتمع. وان اشتراكية الإسلام تقوم على التعاون، والشيوعية تقوم على الصراع وحرب الطبقات، مما يؤدي إلى الحقد. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الأخلاق،بخلاف الماركسية. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الشورى، والشيوعية تقوم على الاستبداد والدكتاتورية والإرهاب.

مذهب سيد قطب: أما سيد قطب فيرفض موقفي الرفض المطلق و القبول المطلق للاشتراكية ،ويتبنى موقفا نقديا منها ، قائم على اخذ ما وافق الإسلام ورد ما تعارض معه ، حيث يقول(فإذا انتهينا من وسيلة التوجيه الفكري ، بقيت أمامنا وسيلة التشريع القانوني لتحقيق حياة إسلامية صحيحة تكفل فيها العدالة الاجتماعية للجميع . وفي هذا المجال لا يجوز أن نقف عند مجرد ما تم في الحياة الإسلامية الأولى، بل يجب الانتفاع بكافة الممكنات التي تتيحها مبادئ الإسلام العامة وقواعده المجملة. فكل ما أتمته البشرية من تشريعات ونظم اجتماعية ولا تخالف أصوله أصول الإسلام ، ولا تصطدم بفكرته عن الحياة والناس ، يجب أن لا نحجم عن الانتفاع به عند وضع تشريعاتنا، ما دام يحقق مصلحة شرعية للمجتمع أو يدفع مضرة متوقعة . ولنا في مبدأ المصالح المرسلة ومبدأ سد الذرائع ، وهما مبدآن إسلاميان صريحان ما يمنح ولي الأمر سلطة واسعة لتحقيق المصالح العامة في كل زمان ومكان) (العدالة الاجتماعية، ص 261 ، الطبعة الخامسة) .وقوله في كتابه( معركة الإسلام والرأسمالية ، ص44 ) ( بل في يد الدولة أن تنزع الملكيات والثروات جميعـًا، وتعيد توزيعها على أساس جديد، ولو كانت هذه الملكيّات قد قامت على الأسس التي يغترف بها الإسلام ونمت بالوسائل التي يبررها لأن دفع الضرر عن المجتمع كله أو اتقاء الأضرار المتوقعة لهذا المجتمع أولى بالرعاية من حقوق الأفراد). وقوله فى نفس الكتاب (ص 61 ) ( ولابدَّ للإسلام أن يحكم لأنه العقيدة الوحيدة الإيجابية الإنشائية التي تصوغ من المسيحية والشيوعية معاً مزيجاً كاملاً يتضمن أهدافهما جميعاً ويزيد عليهما التوازن والتناسق والاعتدال).

مذهب عبد المنعم محمد خلاف : أما عبد المنعم محمد خلاف فيقرر أن الاشتراكية كلمه إسلاميه لفظا ومضمونا ، وأنها اشتقت من لفظ عربي استعمله نبي الإسلام والمسلمون من بعده ، في المعنى الذي يريده من نفس التسمية الغربيون والشرقيون ، وهو الملكية المشتركة للمصادر الاساسيه للأموال، وذلك في قول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلاء والنار)، وفى قول أبى عبيد صاحب كتاب الأموال( أن عمر رأى أن كل المسلمين في هذا المال شركاء)(عبد المنعم محمد خلاف ، المادية الاسلاميه وأبعادها، دار المعارف، طبعه ثانيه، ص130).

الاشتراكية الإسلامية عند المفكر الاسلامى السوداني الأستاذ / بابكر كرار:

استمداد النزعة الاشتراكية من الإسلام: يرى الأستاذ / بابكر كرار( أن التيارات التقدمية والثورية في بلادنا تستمد نزعتها الاشتراكية من الإسلام ومن ثورتنا الكبرى ومن الثورة الاشتراكية العالمية، فالإسلام يقوم في أصوله الأولى على الإيمان بالله والحرية الفردية ووحده البشرية و احترام العمل و مساواة المراه و رعاية اليتامى والفقراء وتحريم الاستغلال والاحتكار والسرقة..)(ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا).

التمييز بين الاستخلاف والملكية : وعند إشارة الأستاذ / بابكر كرار إلى الفكر الاسلامى وموقفه من المال يميز بين نظريه الاستخلاف"الاسلاميه" وانطوائياتها الفكرية والروحية والاخلاقيه والتشريعية، ونظريه الملكية "الراسماليه" وانطوائياتها الفكرية والروحية والاخلاقيه والتشريعية ( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا، ص 185).ولعله بهذا التمييز يعتبر ان نظريه الاستخلاف تشكل الأساس الفكري للاشتراكية الاسلاميه .دلالتا مصطلح الاشتراكية العلمية: وقد استخدم الأستاذ بابكر كرار مصطلح الاشتراكية العلمية في العديد من كتاباته ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يتحدث في كتاب (ميثاقنا ونهوض الثوري ببلادنا) عن اللقاء التاريخي بين الاشتراكية العلمية والشريعة الاسلاميه ( ميثاقنا ،ط2، 1986، الخرطوم ، ص178)، وهذا الاستخدام لهذا المصطلح أدى إلى اتهامه من قبل البعض بأنه يتبنى الشيوعية "الماركسية " ،وهو غير صحيح ، حيث أن للمصطلح دلالتين:الدلالة الأولى: تعنى الماركسية مقابل الاشتراكيات الطوباوية السابقة عليها لأنها كانت خياليه وغير واقعيه ، وهى دلاله تاريخية، الدلالة الثانية تعنى انتهاج البحث العلمي سبيلا إلى الاشتراكية فكرا وتطبيقا)(د.عصمت سيف الدوله ، النظرية، ج2، ص254)، وهى الدلالة التي كان بقصدها الأستاذ بابكر كرار عند استخدامه لهذا المصطلح.

الموقف النقدي من الماركسية: فقد تجاوز الأستاذ/ بابكر كرار موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق للماركسية - باعتبارها إحدى الدلالات الخاصة لمصطلح الاشتراكية – واتخذ منها موقف نقدي ، يأخذ ايجابياتها ويرفض سلبياتها، ويعبر عن ذلك بقوله :ان فضائل الماركسية موجبات في الإسلام (ندوة بنادى العروبة بطرابلس عام 1975م).

مواقع النقص فى التيار الاشتراكي: كما يرى الاستاذ / بابكر كرار ان مواقع النقض في التيار الاشتراكي هي :عدم تشبع التيار الاشتراكي بالوعي الاسلامى ، وضعف وعى هذا التيار بضرورة توطيد الديموقراطيه وحكم القانون، عجزه عن رؤية القضايا الاساسيه في الثورة السودانية رؤية موضوعيه تقدمه ذات أفاق قوميه)( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا ،الخرطوم 1986، طبعه ثانيه، ص 14 -34).

أوجه الاختلاف بين الاتجاهات الاشتراكية والشيوعية"الماركسية" :كما يشير الأستاذ/ بابكر كرار إلى أوجه الاختلاف بين الاتجاهات الاشتراكية المتعددة – ومنها الاتجاه الاشتراكي الديني / الاسلامى - والشيوعية"الماركسية" ويحددها في الاتى:أولا: الشيوعيين يستندون عقائديا إلى المادية الفلسفية، والتي يستخرج الشيوعيين منها بالضرورة نتائج الحادية، تجعلهم تلقائيا في موقف عدائي للأديان كلها ، بينما الاشتراكيون يرفضون المادية الفلسفية، ومن ثم لا يجعلون الإلحاد ومعاداة الأديان شرطين جوهرين لإيمانهم بالاشتراكية . ثانيا: الشيوعيين يؤمنون بالتغيير المادي وحده للتاريخ ،والاشتراكيون لا يرفضون المؤثرات الماديه، وإنما يفسرون التاريخ فى ضوء الأسباب المادية والنفسية معا . ثالثا:الأحزاب الشيوعية تؤمن بالدور الطليعي الحتمي للحزب الشيوعي في قياده الطبقة العاملة...أما الاشتراكيون فيرفضون حتمية الدور الطليعي للحزب الشيوعي ودكتاتوريه البروليتاريا...ويرون أن الطرق المؤدية للاشتراكية متعددة. رابعا :الشيوعيين يؤمنون بان الطريق الاساسى للاشتراكية هو الثورة ألمسلحه والعنف. أما الاشتراكيون فإنهم يرفضون طريق الثورة المسلحة، ويؤمنون أن الطريق الاساسى للاشتراكية هو الطريق السلمي –الديموقراطى (الاختلافات الاساسيه بين الاشتراكية الديموقراطيه والشيوعية/ الخرطوم / مطبعه مصر "سودان" /1966 ).

الموقف الايجابي من الحركة العمالية ومنظماتها النقابية: انطلاقا من موقفه الاشتراكي الإسلامي اتخذ الأستاذ بابكر كرار موقف ايجابي من الحركة العمالية ومنظماتها الديموقراطيه "النقابية " ، حيث يرى أن الوعي الجديد بالإسلام، في مواقفه من القضايا الاجتماعية الاساسيه: قضايا الفكر والعمل والقيم الاخلاقيه والعدالة والتشريع ، عندما ينتقل هذا الوعي الجديد من المعاهد والمحاكم ، إلى القاعدة الجماهيرية العريضة ومنظماتها الجماهيرية والديموقراطيه ،يتحول هذا الوعي إلى قوه سياسيه جديدة، تحبط كل الأساليب التي درجت الدوائر الاستعمارية والرجعية على استخدامها لتضليل الجماهير ، وتصدع وحدتها ، ويسلح هذا الوعي الجديد الجماهير بطاقات جبارة، وبوعي عميق بضرورة القيم الروحية والاخلاقيه ، التي يجب أن يرتفع إليها التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والتشريع والقوانين وأحكام القضاء (ميثاقنا ، ص 188).

دروس عسكرية روسية لـ «حزب الله» في سوريا

 
  العميد موني كاتس و نداف بولاك


للمرة الأولى في التاريخ، يخوض «حزب الله» حرب المناورات الهجومية كجزء من عملياته في سوريا. ويساهم التدخل الروسي في تعزيز هذه التجربة، فيعطي بذلك للحزب على الأرجح دروساً هامة للنزاعات المقبلة.

وحتى الآن، لطالما اتبع «حزب الله» استراتيجية دفاع واستنزاف في أعمال القتال ضد عدوه الأساسي إسرائيل، وهي مقاربة اعتبرها عدة ضباط رفيعي المستوى في «جيش الدفاع الإسرائيلي» "غير خاسرة". وعلى ضوء العناصر القتالية والميزات التكنولوجية المتوفرة لدى إسرائيل، ركزت هذه الاستراتيجية على تمديد فترة القتال إلى أقصى حد، مبقيةً على الاستنزاف في الساحة الداخلية عبر إطلاق صواريخ على المراكز السكنية الإسرائيلية وزيادة تكاليف المناورات البرية التي يقوم بها «جيش الدفاع الإسرائيلي» في جنوب لبنان. وقد أظهر «حزب الله» هذه المقاربة الدفاعية خلال حرب عام 2006 عندما أخفى صواريخ ومقاتلين في شبكات معقدة من التحصينات السرية تحت الأرض ومناطق ذات كثافة نباتية أطلق عليها ضباط إسرائيليون تسمية "المحميات الطبيعية". واعتقد الحزب أنه طالما لم ينهار، يمكنه أن يدعي أنه قد صمد في حرب ضد «جيش الدفاع الإسرائيلي» المدجج بالسلاح، الأمر الذي اعتبره الحزب انتصاراً بالفعل. إلا أن الحرب السورية غيرت هذا النموذج الدفاعي.

تجربة جديدة، استراتيجية جديدة
في سوريا، اضطر «حزب الله» إلى تغيير أهدافه الأساسية لتصبح الاستيلاء على الأراضي وإبقاء السيطرة عليها، وفي الوقت نفسه محاربة القوات شبه التقليدية التي تستخدم تكتيكات [حرب] العصابات. وفي وجه «جيش الدفاع الإسرائيلي»، كان الحزب معتاداً على القتال ضمن وحدات صغيرة على أراضٍ معهودة، بيد أنه ينشر اليوم مئات المقاتلين في عمليات هجومية معقدة على أراضٍ غير معهودة. وبالنسبة إلى قادة «حزب الله» ومقاتليه، يمكن أن تغير هذه التجربة آراءهم حول الطريقة الأكثر فعالية للفوز في معركة، ويفترض انخراط روسيا بالحرب في سوريا أن «حزب الله» يتعلم هذه الدروس من أحد أفضل الجيوش في العالم.
منذ البداية، اعتمدت روسيا على القوات السورية والإيرانية و «حزب الله» وقوات شيعية أخرى لإنجاز المهمة على الأرض. ونظراً للطابع المعقد للحملة ولرغبة موسكو بتجنب تصورات الفشل، تحافظ القوات الروسية على الأرجح على تعاون وثيق جداً مع شركائها للتأكد من أنهم يقومون بتنفيذ مهامهم. وتشير التقارير إلى أنه تم إنشاء غرف عمليات مشتركة بين «حزب الله» وروسيا في اللاذقية ودمشق، بينما ساعد «حزب الله» وعناصر إيرانية على ما يبدو على استرجاع طيار روسي كانت قد سقطت طائرته في تشرين الثاني/نوفمبر. وما تزال موسكو مترددة كما يبدو حول زيادة عدد القوات البرية المشاركة في القتال بشكل ملحوظ، وبالتالي يجب عليها أن تعزز هذا التنسيق أكثر فأكثر.

تخطيط حملة عسكرية وتنفيذها
على المستوى الكلي، سيطّلع «حزب الله» على الفكر العسكري الروسي، الذي يتضمن مفاهيم تشغيلية متطورة ومهارات متقدمة من ناحية التخطيط العسكري. فالجيش الروسي يملك خبرة واسعة في ما يتعلق بإنجاز أنواع مختلفة من العمليات، بما فيها حملات مكافحة التمرد وحملات تقليدية. لنفترض مثلاً هذا السيناريو: يجتمع قائد روسي بقادة من «حزب الله» وقادة إيرانيين وسوريين ويعرض الاستراتيجية العسكرية للحملة السورية. كما يتكلم عن الأهداف والإطار الزمني المناسب لبلوغ هذه الأهداف وعن أولويات القتال. ومن ثم يشدد على الأدوات التي يمكن أن تكون مفيدة في المعركة، وربما يقدم دروساً هامة مستخلصة من عمليات سابقة مثل حملة مكافحة التمرد في الشيشان. وبالنسبة لـ «حزب الله»، ستكون هذه المرة الأولى التي بإمكانه أن يراقب ويتتبع كيف يقوم جيش من الصف الأول بالتخطيط لحملة قتال.

وتحصل عمليات التعلم المماثلة في كافة الأوقات. على سبيل المثال، إن تجربة سوريا كجزء من الائتلاف الأمريكي خلال "عملية عاصفة الصحراء" عام 1991 قلبت استراتيجية الحرب الخاصة بها رأساً على عقب. فبعد أن شهد الجيش السوري مباشرةً آثار المعركة البرية-الجوية الأمريكية وفعالية الذخائر "الموجهة بدقة"، استخلص الجيش السوري بشكل صحيح بأن إسرائيل يمكن أن تستخدم جزءاً من الذخائر والتكتيكات ذاتها. وبناءً على ذلك، حوّل النظام تركيزه من التفكير بكيفية الاستيلاء على هضبة الجولان إلى استراتيجية أكثر دفاعية تضمنت إعادة هيكلة بعض الوحدات واكتساب/تطوير قدرات متعددة فيما يتعلق بالأسلحة المضادة للدبابات والقوة النارية والعبوات الناسفة اليدوية الصنع.

بالإضافة إلى ذلك، عندما يخطط اللاعبون لحملة عسكرية مشتركة تتضمن هجمات جوية وبرية متزامنة، يتشاركون عادةً المعلومات الاستخباراتية مع بعضهم البعض، ولا تُستثنى الحرب الحالية من ذلك. فالروس تشاركوا على الأرجح معلومات استخباراتية حول أرض المعركة مع «حزب الله» في سوريا وعرّفوا الحزب على أدواتهم الاستخباراتية. وليست هذه المرة الأولى التي يقومون فيها بذلك. فخلال حرب لبنان عام 2006، قام مركز استخباراتي سوري-روسي مشترك في الأراضي السورية بتزويد «حزب الله» بتقارير استخباراتية.

وعلى نطاق أوسع، يطّلع الحزب على الأرجح عن كثب على كيفية قيام المحللين الروس بجمع استخبارات الإشارات واستخبارات بصرية واستخبارات المصادر المفتوحة لتقديم صورة أوضح عن العدو وأرض المعركة. ويتضمن ذلك على الأرجح استخدام الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية وتصوير جوي من الطائرات بدون طيار من طراز "Orlan-10" وقدرات متطورة متعلقة باستخبارات الإشارات وعناصر الحرب الإلكترونية. وتعتبر هذه الملاحظات ذات قيمة خاصة بالنسبة إلى «حزب الله» كونه لا يملك خبرة كبيرة في جمع أقصى قدر من الاستخبارات البصرية انطلاقاً من الطائرات بدون طيار وفي إدراجها ضمن استخبارات أخرى.

كما أن العمل مع الروس سيساعد الحزب أيضاً على تعلم كيفية تنفيذ عمليات هجومية معقدة في البيئات الحضرية. ففي النزاعات السابقة، كانت تكتيكات «حزب الله» تركز على حرب العصابات وكانت الوحدات الصغيرة مكلفة بالدفاع عن قراها أو إعاقة تحركات «جيش الدفاع الإسرائيلي». ولا تنطبق هذه المقاربة على عدة معارك في سوريا، حيث اضطر «حزب الله» في معظم الأحيان إلى نشر وحدات أكبر بكثير في العمليات الهجومية بالتزامن مع المدفعية وعناصر الطاقة الجوية. وتملك القوات الروسية خبرة واسعة في حرب المدن، وبالتالي يمكنها على الأرجح أن تزود الحزب بعدة معلومات مفيدة، بما فيها كيفية تنظيم بنية فعالة للقيادة والتحكم، وكيفية اختيار أسلحة مختلفة لسيناريوهات مختلفة، وكيفية خلق أهداف إضافية بعد الدخول إلى أرض المعركة، وكيفية المحافظة على الطرق اللوجستية.

وفي الشيشان مثلاً، شكّل الروس وحدات عسكرية مكنّاة "العاصفة" مؤلفة من قناصين، وجنود مزودين بأسلحة أوتوماتيكية، ومراقبين أماميين، وعناصر استطلاع، وهي مقاربة تهدف إلى إتاحة أقصى درجات التحرك والمرونة. كما استخدموا عدداً من قاذفات الصواريخ (مثل قاذفة الصواريخ المتعددة المتحركة التي تحتوي على الباريوم الحراري من طراز "TOS-1" وقاذفة الصواريخ المحمولة "RPO-A Shmel") بينما كانوا يقومون بمناورات داخل غروزني، عاصمة الشيشان، مما يُظهر تنسيقاً جيداً بين العناصر المختلفة. ومن خلال مناقشة هذه التكتيكات مع قادة روس مخضرمين، يمكن أن يطّلع «حزب الله» بوضوح على كيفية تنظيم قواته وفقاً للمهام على النحو الملائم، والتنسيق بين عناصر متفرقة على أرض المعركة بشكل فعال، وقضايا أخرى، مما يعود بفائدة كبرى على الحزب بالرغم من قلة تدريبه وتجهيزه بالمقارنة مع القوات الروسية.

تحضير للصراعات المستقبلية
عندما يخوض القادة العسكريون حملة طويلة وصعبة، تتجه أفكارهم لا محالة نحو النزاعات المستقبلية المحتملة. وغالباً ما يعني ذلك ترجمة العبر المستخلصة إلى استراتيجيات وتكتيكات جديدة، بالإضافة إلى مقاربات جديدة فيما يتعلق بالمشتريات والتدريبات العسكرية. وليس هناك شك بأن قادة «حزب الله» في سوريا يفكرون بالفعل في مثل هذه القضايا، ويمكن أن يؤثر القتال إلى جانب الروس إلى حد كبير على العبر التي يستخلصونها.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يبدو أن الحزب قد تخلى عن مقاربة "عدم الخسارة" وأخذ يركز عوضاً عن ذلك على طرق تحقيق الانتصارات المرتقبة في مراحل مبكرة من نزاع معين. على سبيل المثال، أفاد الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصر الله عام 2011 أن قواته تخطط لاختراق الحدود الشمالية لإسرائيل خلال الحرب المقبلة بهدف الاستيلاء على مستوطنات في الجليل، ومنذ ذلك الحين، أعرب مراراً عن هذه المشاعر. ويشكل ذلك ابتعاداً واضحاً عن النموذج الدفاعي التقليدي للحزب، كما أن المحادثات مع القادة الروس يمكن أن تدعم هذا التحوّل وتساعد «حزب الله» على مواصلة تطوير استراتيجياته الهجومية.

وعلى المستوى التكتيكي، يشغل «حزب الله» حالياً مقعداً في الصفوف الأمامية يتيح له مراقبة مختلف نظم الأسلحة والمعدات التي يستخدمها الروس في سوريا، والتي لم يسبق للحزب أن رأى بعضها من قبل. وبالتالي، يمكن أن يتعلم «حزب الله» كيفية استخدام أسلحته الحالية (بعضها روسية الصنع) على نحو أكثر فعالية ويدرس النظم التي قد يرغب بشرائها في المستقبل. على سبيل المثال، أشارت تقارير مؤخراً إلى أن «حزب الله» قد حصل على صواريخ أرض-جو من طراز "SA-22". وقد جلبت روسيا النظام ذاته إلى سوريا. فإذا ما استُخدمت هذه الأسلحة تحت إشراف غرف العمليات المشتركة، يمكن لعناصر «حزب الله» أن يكوّنوا فكرة أوضح عن كيفية تشغيل رادار النظام والتعامل مع أهداف متعددة في الوقت نفسه. وكذلك، سيرون كيف تستخدم القوات البرية الروسية نظم الصواريخ على غرار "TOS-1" و "RPO-A Shmel"، التي سبق أن شوهدت في سوريا وقد تبدو مفيدة للحزب في حرب مستقبلية مع إسرائيل. حتى أن الخبرة المكتسبة من استخدام نسخ روسية متفوقة من المعدات الأساسية، بما فيها نظارات الرؤية الليلية والبزات التكتيكية والمستلزمات الطبية، قد تكون حاسمة.

انعكاسات إقليمية
مضى حوالي ثلاثة أشهر على بدء موسكو حملتها في سوريا، الأمر الذي يشير إلى التزامها القوي بالإبقاء على نظام الأسد. وبما أن روسيا و «حزب الله» لن ينسحبا في القريب العاجل، سيستمر الحزب في استخلاص الدروس. فضلاً عن ذلك، تُفيد بعض التقارير أن روسيا في صدد تكثيف وجودها العسكري، (انظر المرصد السياسي 2531، "تكلفة الحملة العسكرية الجوّية التي تشنها روسيا")، وبالتالي قد يتسنى لـ «حزب الله» تعلم دروس إضافية.

وقد أظهر التاريخ الحديث أيضاً أنه مهما كانت الدروس المستخلصة من قبل «حزب الله»، فإن شركائه في الجريمة سرعان ما سيحذون حذوه. فقد درست عدة تنظيمات إرهابية تكتيكات الحزب العسكرية ونفذتها، وفي بعض الحالات، قام «حزب الله» حتى بإرسال مدربين لمساعدة بعض وكلائه على تطوير قدراتهم. مثلاً، نفذت ميليشيات شيعية مدربة من قبل «حزب الله» تكتيكات مماثلة ضد الجنود الأمريكيين في العراق قبل الانسحاب الأمريكي (انظر المرصد السياسي 2277، "«حزب الله» اللبناني في العراق: القليل من المساعدة قد تنفع كثيراً"). ووفقاً لبعض التقارير، أقدم قادة مخضرمون رفيعو المستوى من «حزب الله» على تدريب القوات الحوثية في اليمن، التي تُظهر اليوم قدرات هائلة في معركتها ضد التحالف العربي. وفي غزة، تنفذ تنظيمات إرهابية على غرار «حماس» و «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» منذ وقت طويل استراتيجيات «حزب الله» في المجالين السياسي والعسكري.
وعلاوةً على ذلك، بما أن «حزب الله» يستخلص دروساً من الروس، سيتفوق بقدراته على "القوات المسلحة اللبنانية"، التي هي بالأساس أضعف منه من ناحية الخبرة القتالية والأسلحة. ويشكل قلب ميزان القوى لصالح «حزب الله» على نحو أكبر احتمالاً خطراً نظراً لانعدام الاستقرار والتوتر الحزبي السائدين في لبنان.

وفيما يتعلق بإسرائيل، تجدر الإشارة إلى أنه في حين يكتسب «حزب الله» خبرة قيّمة في سوريا، فإن الأعداء الذين يواجههم هناك أضعف بكثير من «جيش الدفاع الإسرائيلي». صحيح أن «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة الإسلامية» وفصائل ثوار متعددة تملك كلها نقاط قوة خاصة بها، إلا أنها لا تفرض التحديات ذاتها التي تفرضها حرب ضد مؤسسة عسكرية مدربة جيداً وتملك قوات جوية وبحرية وجيشاً ذات قدرات عالية، وجميعهاعلى معرفة وثيقة بـ «حزب الله». وسيستخلص «حزب الله» دروساً هامة ولكنه سيجد صعوبة بالغة في تطبيقها، لا سيما عندما يكون خصمه «جيش الدفاع الإسرائيلي».

ومع دخول روسيا ساحة المعركة في سوريا في أيلول/سبتمبر، أعلن نصر الله لتلفزيون "المنار" أن موسكو "تلعب دوراً إيجابياً سيأتي بنتائج إيجابية بإذن الله". فالدروس العسكرية الروسية التي سيتلقاها «حزب الله» في الأشهر المقبلة ستساهم في تعزيز شعور التفاؤل لدى الحزب من جهة وقدراته من جهة أخرى.

موني كاتس هو عميد في «جيش الدفاع الإسرائيلي» وزميل عسكري زائر في معهد واشنطن لعام  2015-2016. نداف بولاك هو زميل "ديان وجيلفورد جليزر فاونديشن" في المعهد.

هل أستخدم الملك فيصل سلاح ’’النفط ’’ في حرب أكتوبر 73 ؟؟



ناصر 56
·
 
لقطتان في يوم واحد لابتسامة القلب النظيف و نقيضها الذي يُضمر الحقد الدفين ، تُنبئان عن " طويّة" الثَرى و الثُريا : الريّس و فيصل السعودي ، فى القاهرة يوم 16 يناير / كانون الثاني 1958 ، يوم احتفال " مجلس الامة" بـ" عيد الدستور" .

لمن يُريد أن " يعرف فيصل" :
بالوثائق : فيصل لم يقطع النفط عن أميركا في أكتوبر 1973 ، بل فعل العكس :

ليس أسوأ من غمط الناس حقهم من حمدهم بما لم يفعلوا ، و في تاريخنا كثير من الوقائع التي جرى فيها إسناد صَنيع مُلفّق لغير أصحابه . و أشهرها الملك السعودي " فيصل بن عبد العزيز" ، الذي لم يعُد سراً الآن أنه هو ؛و ليس غيره؛ مَن حَرّض على " تركيع عبد الناصر" بضربة 1967 ، بنصوص رسائل " فيصل" إلى الرئيس الأميركي "ليندون جونسون" على " لجم" عبد الناصر ، الذي كان يعني بالنسبة لجونسون " إذلال" عبد الناصر ، من خلال تعريضه لهزيمة ساحقة تكسر شوكته و تقصم ظهره فلا تقوم له من بعدها قائمة !

و لأنه كثيرا ما تُختَزل سير الحُكّام في الذاكرة الشعبية بأحداث معدودة تُستَنبط منها صفاتهم وطموحاتهم. تُضَخم تلك الأحداث وتُسطح ويُعاد تفسيرها حسب الحاجة. و بالتالي صار يصعُب استحضار شخصية " فيصل بن عبد العزيز" دون الرواية الأسطورية لقطع النفط عن الولايات المتحدة التي انطلقت شرارتها ، يوم 16 اكتوبر ؛ بعد عشرة أيام كاملة من بدء حرب أكتوبر 1973. حيث تُخفي الرواية المنتشرة أكثر مما تُظهر وتنقل معها سردًا مشوّهاً للتاريخ.

و بعدما أتاح مشروع "ويكيليكس" مؤخرا أكثر من مليون وسبع مئة ألف برقية توثّق مراسلات السفارات الأميركية ولقاءاتها واستراتيجيتها وتحليلاتها في حقبة السبعينيات. و تُعد تلك البرقيات مرجعا ثرياً وسرداً دقيقاً يساعد على فهم كواليس السياسة المُعاصرة، و أهمها فيما يخصنا حروبنا و في قلبها حرب أكتوبر. و بعد مراجعة مئات من تلك البرقيات ، سنسرد هنا " حقيقة" ما قيل أنه " دور سعودي في الحرب" عبر ما أسماه أصحابه من المؤلفة جيوبهم " سلاح النفط" !!

طالما كان سلاح النفط موضعا للسجالات الإعلامية والتهديدات الصورية ففي أغسطس 1973 التقى الملك فيصل بالمُمثّل الأمريكي لشركة أرامكو (حيث كانت ملكية الشركة تشترك فيها أميركا و السعودية ) فأخبره أن السعودية "قد" تستخدم سلاح النفط للدفاع عن القضية الفلسطينية. التقى المُمثّل الأميركي بعد ذلك بوزير الداخلية "الأمير فهد" الذي أكّد على قوة علاقته بأميركا وإيمانه بأن "مصلحة السعودية تكمن في تلك العلاقة" وأنه بصفته "رئيس المجلس الأعلى لشؤون البترول والمعادن" سيحرص أن تبقى السياسة النفطية "تحت السيطرة" .1 في الشهر التالي ( سبتمبر 1973 ) زار الملك فيصل السفارة الألمانية ليؤكد عمق العلاقة بين السعودية وأميركا، وعلى ضرورة أن تسعى ألمانيا والسعودية للتقرب من أمريكا وحفظ العلاقات معها فعدتّها السفارة تراجعا عن التهديد.2

عندما اندلع القتال ظهيرة 6 أكتوبر1973 كانت السعودية أمام اختبار حقيقي لـ" كلام" فيصل.وتؤكد البرقيات السرية أن السعودية لم تكن تعلم عن الهجوم شيئاً، بعكس الروايات التي تحاول إبراز دورها زاعمة أن استخدام النفط كان قد رُتّب له مسبقا لإنجاح المعركة. فالواقع أن فيصل بدا مستاءً من الهجوم لأنه سيضعه في موقف حرج مع الولايات المتحدة ولأنه سيبدو متخلفاً عن الركب ولأن الاتحاد السوڤيتي قد يجدها فرصة للنيل منه.3 في 8 أكتوبر التقى "محمود ملحس" مساعد "الأمير فهد" بالسفير الأميركي وأكد له أنه "منزعج" مما أقدمت عليه سوريا ومصر وأنه يعده "عبثيا" لكن السعودية "ستضطر لمساعدتهما مراعاة للضغوط الداخلية" .4 ظهر سريعا التفوق العسكري العربي لدرجة أذهلت الدبلوماسيين الأميركيين الذين علموا أن أميركا ستزود إسرائيل بالسلاح فطلبوا من واشنطن أن يكون تدّخُلها هادئاً.5 كان المسؤولون السعوديون على علم بتسليح أميركا لإسرائيل لكنها برّرت لهم ذلك بأن "الاتحاد السوڤيتي يزود العرب بالسلاح وأن ذلك يجعل الكفتين غير متساويتين" .6 عتّمت الصحافة السعودية على أي ذكر لتسليح أميركا لإسرائيل بل ذهبت أبعد من ذلك فحذفت أجزاءً من خطبة للسادات يشير فيها إلى معونة أميركا لإسرائيل؛7 وأخبرت وزارة الإعلام السفارة الأميركية ؛ أنها أقدمت على ذلك تفاديا لتهييج المشاعر ضد أميركا.8

في هذه الأثناء التقى السفير البريطاني بعدد من المسؤولين السعوديين وجميعهم بلا استثناء كان قلقاً من أن السعودية قد "تضطر" للمشاركة الفعلية لأنها إن لم تفعل فسيحملها العرب المسؤولية حال الخسارة وسيلومونها حال الفوز وانتقد بعضهم بشدة السادات وبدأه للمعركة.9 في 9 أكتوبر كان وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عمر السقاف" في الأمم المتحدة وهدد بقطع النفط، لكن يبدو أنه كان تصريحاً ارتجالياً إذ إن السفارة البريطانية سألت "سعود الفيصل" عن ذلك فأخبرهم أنه "لم يكن على علم مُسبق" .10 ثم صرّح "الأمير سلطان" أيضا أن السعودية "ستقلل من إمدادات النفط" لكن الخارجية السعودية أخبرت السفارة الأميركية أن ء"حديث الأمير سلطان عام ولا علاقة له بالظروف الراهنة" . في ذات الأثناء أخبر مسؤولون سعوديون السفارة الأميريكة أنهم "يستبعدون أن تخوض السعودية الحرب" ،11 لكنها لا تستطيع أن تمكث هكذا ولذا فإن اضطرت للمشاركة فستكون مشاركتها "رمزية".12 في 10 أكتوبر أخبرت السعودية الأردن أنها سترسل كتيبة إلى سوريا فخاف رئيس الوزراء الأردني زيد الرفاعي من ذلك فاتصل بالسفارة الأميركية في عمّان ليطلب منها أن تتواصل مع الملك فيصل لأن الأردن لن تستطيع أن ترفض.13في هذه الأثناء كانت الصحافة السعودية تهوّل من دور السعودية وتشيد بمشاركتها في الجبهة السورية ولتتأكد أمريكا أن السعودية لن تُقدِم على شيء ولتُحكِم قبضتها راسلت وزارة الخارجية الأميركية شركات الدفاع الأميركية طالبة منها ألا تشترك في أي نشاط خارج الحدود السعودية.14 في 11 أكتوبر التقى "الأمير نواف بن عبد العزيز" السفير الأميركي ليؤكد له حرص السعودية على علاقتها بأميركا وعلى ضرورة وقف إطلاق النار وأكد له أن العرب لا يريدون تدمير إسرائيل بل تنفيذ قرار مجلس الأمن 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 15

في 10 أكتوبر دعت الكويت الدول المُصدّرة للنفط لاجتماع عاجل لبحث استخدام سلاح النفط وجاءت الدعوة بعد تنامي ضغط البرلمان الكويتي والاحتجاجات الشعبية.16 اعتبرت السعودية المبادرة الكويتية ( تحت الضغط الشعبي ) "مُحرجة" لأنها لا تريد "المغامرة" .17 في ذات الوقت أكد ولي العهد الكويتي "جابر الأحمد" الصباح للسفير البريطاني أن الكويت “لا تريد أن تضر أصدقاءها فهي تحتاجهم”. في 17 أكتوبر عُقد الاجتماع وسرعان ما وشى وزير النفط السعودي المدعو "أحمد زكي يماني" بمجرياته التفصيلية للسفارة الأميركية : كانت العراق وليبيا تقفان في الجانب “الراديكالي” فطالبا بقطع النفط تماماً وقطع العلاقات مع أميركا وسحب أرصدة الدولار لينهار، لكن السعودية واجهت بشدة كل تلك المقترحات، فدعت العراق الدول للانسحاب من الاجتماع لكن أحدًا لم يلحق بها. انتهى الاجتماع بعد التسوية إلى خفض نسبة الإنتاج 5% على الأقل شهريا وبأثر رجعي حتى حل القضية.18

في 19 أكتوبر طلب الرئيس الأميركي" ريتشارد نيكسون" من الكونجرس اعتماد معونة عسكرية عاجلة لدعم إسرائيل بمبلغ 2.2 مليار دولار. كان التطور صارخاً ولا يمكن كتمانه كما كُتِمت المعونات السابقة، فاضطرت السعودية لإعلان قطع النفط عن أميركا بعد أن قامت ليبيا بذلك.

حاول العراق استثمار الفرصة لرفع سقف الطموحات فطالب" بتأميم شركات النفط وسحب جميع الأرصدة العربية من الدولار وقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع أميركا" ثم هاجم إعلام العراق السعودية واتهمها" بالخيانة والوقوف على المصالح الأميركية" . وصرّح وزير النفط السوري أنه "كان ينتظر إجراءات أقوى على الجبهة النفطية" .19

قُسّمت الدول المستهلكة للنفط لثلاثة أقسام: دول مُقاطَعة وهي الدول التي تُسلّح إسرائيل ولا تنال من نفط السعودية شيئا (أميركا وهولندا والبرتغال)، ودول مُحبّذة وهي الدول التي أدانت إسرائيل وتنال حصتها كاملة كما كانت قبل الحرب دون نقصان (بريطانيا وفرنسا وإسبانيا)، ودول غير مُحبّذة وهي الدول التي لم تنحز للعرب وتتأثر بالنقصان الشهري المتصاعد لإمدادات النفط (بقية دول العالم).20

لم يكن قرار قطع النفط مؤثرا على بقية العلاقات العسكرية والتجارية والدبلوماسية والشخصية بين السعودية وأميركا. فعلى الصعيد العسكري التقى نائب وزير الدفاع السعودي"الأمير تركي بن عبد العزيز " برئيس البعثة الأميركية للتدريب العسكري في 21 أكتوبر (بعد الحظر بيومين) ليؤكد له أن السعودية " اضطرت لاتخاذ هذه القرارات السياسية” وأنها يجب ألا تؤثر في التعاون العسكري،21 وبعد أسبوع زار نائب رئيس شركة ريثيون الأميركية للسلاح وزير الدفاع الأمير سلطان ليطمئن على استمرار صفقة شراء معدات دفاعية،22ثم زار وفد سعودي ولاية جورجيا الأميركية ليستلم طائرات حربية من شركة لوكهيد،23 وتواصل رئيس الحرس الوطني "الأمير عبد الله بن عبد العزيز" مع السفارة الأميركية طالبا صفقات للحرس الوطني.24

أما على الصعيد الاقتصادي فأكّد رئيس مؤسسة النقد السعودي "أنور علي" للسفارة الأميركية أن السعودية لا تنوي سحب أرصدتها من الدولار،21 وراسلت السفارة الأميركية وزارة الخارجية الأميركية لتبلغها أن بإمكان رجال الأعمال الأميركيين القدوم وإتمام صفقاتهم كما كانوا25 وأُجريت مشاورات عن استثمار شركة "جنرال موتورز" في السعودية.26

أما على الصعيد الدبلوماسي فاستمرت الاتصالات الدبلوماسية بين المسؤولين السعوديين والسفارة الأميركية بل أُبلِغت أن السعودية لن تقطع علاقتها بأميركا حتى لو قطعتها كل الدول العربية. وأكد وزير النفط السعودي "أحمد زكي يماني" أن علاقة السعودية بأميركا "ستكون أقوى مما كانت بعد انتهاء الأزمة" .27 وأكد الملك فيصل لوزير الخارجية الأميركي هنري كسنجر أن "المقاطعة لن تنتهي فحسب بل سيزداد الإنتاج النفطي عما كان عليه قبل الحرب".28 أما وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عمر السقاف" فزار عددا من العواصم العربية (منها القاهرة ودمشق) ثم عاد ليُبدي للسفارة الأميركية استياءه من التوجه العربي “العدواني” لأنه وجد أنهم يعتقدون أن بإمكانهم الإثخان في إسرائيل ولم يكونوا حريصيين على إيقاف إطلاق النار وطلب من أميركا أن تصدر تصريحا يعزّز من موقف “المعتدلين” (السعودية والمغرب وتونس).29

وفوق ذلك كله كانت العلاقات الشخصية بين المسؤولين السعوديين والأميركيين متينة إذ كان السعوديون يسمون الأمريكيين “الأصدقاء”، وفي عيد الفطر لعام 1973 (في ظل توتر حاد على الجبهة المصرية الإسرائيلية) دعا وزير النفط أحمد زكي يماني السفير الأميركي لقضاء إجازة العيد معه !.30

كانت السعودية في وضع ممتاز: قدّمت أقل ما يمكن أن تقدمه، وحافظت على علاقات متينة بأميركا، وحقّق فيصل منزلة لم يسبق له أن نالها31(ولا تزال تذكر له إلى اليوم ! ). وعلاوة على ذلك كله زاد دخل السعودية نتيجة لزيادة لارتفاع الطلب على النفط وانخفاض العرض؛ حيث قدرت السفارة الأميركية الزيادة بأنها من 4 إلى 8 مليارات دولار سنويًا.32

في 26 نوفمبر 1973 عُقِدت قمة عربية في الجزائر وحضرها فيصل وقررت القمة أن تترك المجال لكل دولة لتخفض من إنتاجها النفطي كما شاءت. أبدى السفير السعودي في بريطانيا "عبدالرحمن الحليسي" سعادته للسفير الاميركي لأن هذا القرار "سيخفف الضغط على السعودية" .33

في 22 ديسمبر عقدت أوبك اجتماعًا في طهران ومثّل السعودية وزير النفط "أحمد زكي "يماني وأصر فيه الشاه على رفع أسعار النفط من 3.05 دولار إلى 7 دولار. رفضت السعودية الارتفاع مطلقاً لكن الشاه أكد أنه تشاور مع أميركا وبريطانيا وكلاهما وافقا على الرفع. اتصل يماني بالسعودية فأمره الأمير فهد "ألا يواجه الشاه وأن يقبل" . عاد يماني من الاجتماع ليشي مجدداً بمجرياته للسفير الأميركي ويخبره أنه حاول جاهداً أن يقنعهم بتخفيض الأسعار، فأخبره السفير أن الولايات المتحدة ( بعكس دعوى الشاه ) لم توافق على الرفع ، فأجابه يماني أن السعودية ستدعو لاجتماع آخر عاجل لأعضاء أوبك للتراجع عن القرار.34 وهذا ما جرى، ففي 8 يناير 1974 اجتمعت دول أوبك في جنيف وهددت السعودية بأن "تخفض الأسعار بشكل مُنفرد" .35

في أواخر ديسمبر 1973 تلقى الملك فيصل رسالة من "معمر القذافي" يتناول فيها السادات الذي بدأ مفاوضات تسوية مع إسرائيل ويتهمه فيها بالخيانة، فسارع "عمر السقاف" ( وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية ) في اليوم التالي إلى السفارة الأميركية ليعرضها عليهم ويعرض عليهم مسودة رد الملك التي خطّأ فيها القذافي وحدثه عن " ضرورة القبول بالحلول الواقعية”.36

في 18 يناير 1974 وقّعت مصر وإسرائيل " اتفاق فض الاشتباك الاول " تنسحب بموجبه إسرائيل عن غرب قناة السويس (التي احتلتها بعد بدء الحرب) وتحافظ على سيطرتها على معظم سيناء، وبقيت الجبهة السورية دون تسوية. في أواخر يناير تصدّرت السعودية مساعي إلغاء المقاطعة عن أميركا، و سعّت لإقناع بقية الدول بذلك . ثم التقى عمر السقاف بالسفير الأميركي ليبلغه بالردود التي تلقاها (لم يمانع إلا ليبيا ! )، واعترف السقاف للسفير أنه رغم سعادته بانتهاء الحرب إلا أن ما تم لا يمكن أن يُعد إنجازاً لهدف المقاطعة.37 في أوائل فبراير التقى السفير الأميركي بنواف بن عبد العزيز (مستشار الملك فيصل) ومساعد بن عبد الرحمن (وزير الاقتصاد) وكلاهما أبلغاه أنه " لو كان الأمر بيد الملك فيصل لألغى المقاطعة فورا لكنه يخشى من أن يناله نقد بقية الدول العربية وأن يُتّهم بشق الصف العربي ولذا فلن يتخذ قرارا قبل قمّة طرابلس" التي عقدت أخيرا في 13 مارس.38 لم ينتج عن تلك القمة اتفاق لأن ليبيا أصرت على تأجيل إلغاء المقاطعة لحين تسوية الجبهة السورية، فأُجل إعلان الرفع إلى قمة أوبك في ڤيينا لأن الحضور رأوا أنه من غير الملائم أن يتم ذلك من الأراضي الليبية رغم معارضتها.39 في 18 مارس أعلن أحمد زكي يماني في مؤتمر صحفي لأوبك أن السعودية ومصر ( التي ليست طرفاً في تصدير النفط أصلاً ! ) والكويت وقطر والإمارات والبحرين قرروا إلغاء المقاطعة عن أميركا مع امتناع ليبيا وسوريا عن ذلك.40 تعهد يماني أن تعوّض السعودية أميركا عن النقص الذي سيلحقها بسبب مقاطعة ليبيا وأنها سترفع إنتاجها 300،000 برميل،41 بل ذهب أبعد من ذلك وأخبر السفارة سرًا أن السعودية ستزيد الإنتاج أكثر ، إذا ما احتاجت أميركا ذلك.42

في الأيام التالية شنت الصحافة اليسارية هجوما على موقف السعودية وعدَّته بعضها خيانة للقضية وتعاميا عن أن أميركا لم تقدم شيئا بل أثبتت الحرب تماهيها التام مع الموقف الإسرائيلي.أحست السفارة الأميركية بمقدار الهجوم فأرسلت إلى واشنطن طالبة أن يشكر الرئيس الأميركي الملك فيصل وأن يهنئه وأشادت بـ" حكمة” السعودية ودورها “القيادي” !

وهكذا انتهت 150 يومًا من قطع النفط عن الولايات المتحدة: لم يكن الدور السعودي بطولياً فدائياً ولا ريادياً ( كما يوهمنا حتى اليوم الشماشرجية و أذيالهم ) ، بل كان دور الحريص على تخفيف المقاطعة وتأجيلها قدر المستطاع ثم دور الواشي بالاجتماعات والمراسلات ثم دور الساعي لرفع المقاطعة سريعاً بأقل المكاسب. كانت معركة إعلامية ومساومة سياسية ما تزال أساطيرها سائدة بيننا حتى اليوم .و منها النكتة الرائجة حول اجتماع كسينجر و فيصل و تجهم فيصل الى آخر تلك الأوهام التي يروّجها الغائبين عن الوعي بالتاريخ ممن لا يُحسنون شيئاً سوى الترحم على الذين لو أنصفوا لأحرقوا عظامهم في قبورهم ، أو على الأقل يقرؤون ( لو كانوا يعرفون القراءة ) ما نشرته الصحافة السعودية نفسها عن محضر اجتماع كسينجر و فيصل في 09.11.1973 . المنشور على حلقتين في صحيفة " الشرق الأوسط" السعودية يومي 8 و 9 يناير 2008 !

ورابطيهما هنا :

http://archive.aawsat.com/details.asp?article=453095&issueno=10633#.Vkbo2BKeqrU

و

http://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=10626&article=453238#.VkbrOJqeqrU

أزمة حماس فى اخوانيتها!!


((عندما تغلب حماس الانتماء لفلسطين على الانتماء للتنظيم الدولى للاخوان ساعتها سيحترمها التاريخ وستعود علاقاتها مع مصر الى قوتها واحترامها القديمين ))

رفعت سيداحمد

عندما كانت حماس فى الانتفاضة الاولى /1987 والثانية2000/ تنطلق من الهم الفلسطينى وتقدم الشهداء والاسرى بالالاف ....ساعتها كانت حماس تمثل اضافة كبرى للقضية الفلسطينية اما عندما تحولت الى حركة اخوانية ذات اجندة اخوانية تبحث عن الحكم والتنظيم الدولى، اكثر منها اجندةفلسطينيةتحررية .. حتى فى ذروة لحظات الصدام الدامى مع العدو الصهيونى ،عندئذ خسرت حماس وخسرت فلسطين الكثير جدا.اما بالنسبة لخسارة القضية من الانقسام الفلسطينى فهى خسائر عديدة ابرزها زيادة معاناة الشعب الفلسطينى على مستوى النضال الوطنى وعلى مستوى الحياة المعاشة وحرية التنقل والحركة وفى المقابل كسبت اسرائيل الكثير فهى قويت على المستوى العسكرى وزادت من الاستيطان حيث اقترب الان عدد من زرعتهم من المستوطنين فى الضفة فقط فى سنوات اوسلو وسنوات الانقسام الفلسطينى الى ما يقرب من ال700 الف مستوطن ..ان الانقسام الذى يفتت الجسد الفلسطينى اسقط تماما خيار المقاومة وأعلى-للاسف- من قيم التنافس الباْئس على السلطة بين الفرقاء الفلسلطينين وخاصة بين فتح وحماس.

ان حماس مثلها مثل الاخوان واى جماعة تحمل فكرا متطرفا هى جماعة اولا منغلقة على نفسها وتعتبر نفسها افضل من الاخرين وان رايها هو الاصوب بغض النظر عن مدى صحته او عدم صحتة بل ان هذا النوع من الفكر المتطرف لاينظر لافكاره على انها خطأ ، بل انه ينظر الى الاخرين نظره فيها قدر من الدنيوية والاحتقار وعدم الثقة طالما انهم لايتفقون معهم فى الرأى وفى ضوء هذه الخصائص نجد ان هذه الجماعات المتطرفة تسعى لتحقيق مصالحها بأى شكل كان حتى وان كان على تقسيم الوطن نفسه وهذا ماحدث مع حركة حماس والاخوان المسلمين ، فحماس فضلت - مع قيادات السلطة الفلسطينية التى اتت بعد اتفاق اوسلو البائس- الانقسام الفلسطينى بل انها تصر عليه لانها تحاول افشال المفاوضات الفلسطينية الفلسطينية لتحقيق نوع من الوئام الوطنى بنفس الطريقة التى سعى بها الاخوان المسلمين الى تقسم مصر الى فرق متنحارة وتفكيك اجهزة الدولة ( كالقضاء والاعلام والشرطة والجيش اخيرا كان مستهدفا).

بعد ما سمى زيفا بثورات الربيع العربى ،ارتضت حماس بأن تكون مجرد ورقة فى يد جماعة الاخوان المسلمين فى اطار سعيها لضمان الدعم االامريكى لحكمها فى مصر و لم يكن غريبا استقبال الاخوان عندما كانوا فى الحكم لعشرات من رجال السياسة والمخابرات الامريكية وتعهدهم بالاعتراف بكامب ديفيد وبكبح جماح المقاومين فى فلسطين وحفاظهم على امن اسرائيل بل وارسال محمد مرسى برسالته الشهيرة للرئيس الاسرائيلى للتهنة وتجديد تعهده بالسلام مع الصهاينة الذين كان يلعنهم بالامس القريب عندما كان خارج السلطة .ان علاقة حماس بالاخوان زادت ترابطا بعد ثورة يناير وبالمقابل زاد الحديث عن هدنة طويلة بين الكيان الصيونى وحماس عبر وساطة اخوانية وقطرية ولكن مجىئ ثورة 30 يونيو افشل المخطط الذى كان يعده الاتراك وقطر وواشنطن مع تل ابيب والاخوان وكانت غزة وتضحيات شعبها العظيم هى الضحية الاولى .

ويوماً إثر يوم " ينكشف لنا أسرار جديدة " عن خالد مشعل ، وبعض القادة السياسيين لحماس من العاملين فى الخارج بشكل أساسى ، ينكشف لنا كيف أنهم كانوا (إخواناً) أكثر مما كانوا (فلسطينيين) ، فقبل أيام نشرت الصحافة الإسرائيلية معلومات مخابراتية مهمة نشرها بعض الصحفيين أمثال (جاكى حوجى) وحملت عنوان " خالد مشعل منع عملية نوعية خطيرة ضد إسرائيل فى أثناء العدوان على غزة التى سميت وقتها بالجرف الصامد " لمنع هذة العملية التى كانت ستؤدى الى اسر وقتل عشرات الجنود الصهاينه أكدت فيها أن خالد مشعل تدخل شخصياً وفى هذا السياق تقول الصحافة الإسرائيلية : [ التوتر الذي طرأ في الـ 2014 بين القيادة السياسية في الخارج وبين الجناح العسكري ما زالت ترسم الى يومنا هذا معالم موازين القوى في صفوف حركة حماس، لم ينتهِ الأمر مع انتهاء الحرب؛ بل ما زالت مستمرة الى اليوم، الذراع العسكري، وعلى رأسه الرجل ذو السبعة أرواح محمد الضيف، يتهمون القيادة السياسية بأنها قيدت أيديهم ومنعتهم من تحقيق انجاز تاريخي، انجاز كان من شأنه ان ينهي معاناة أصحابهم من الأسرى المعتقلين في إسرائيل ومحو الشعور بالذل الذي يرافق الجناح العسكري منذ سنوات طويلة إثر سلسلة من الهزائم العسكرية أمام إسرائيل ] .لقد انقذ مشعل اسرائيل لماذا لانه ساعة فكر فى تأجيل هذة العملية الفدائية كان اخوانيا ولم يكن فلسطينيا !!

أن حماس حركة تعيش الأزمة من الداخل والخارج، في الداخل تتمنى تأييد الشارع ومساعدة السلطة الفلسطينية التي تدير لها ظهرها وتتمنى زوالها، وفي الخارج تبحث حماس عن حل، منذ اندلاع المؤامرة المسلحة على الدولة السورية-مارس2011_، والتي اسماها ولايزال بعض اعلامنا للأسف /ثورة/ .. طُلب من حماس ان تبدي تأييدها تجاه أحد الأطراف المتخاصمة، فاختارت ان تدير ظهرها لدمشق التي قدمت لها الغطاء لسنوات طويلة ودعمتها بالسلاح والمال والسياسة بل وباقامة كافة قياداتها المؤثرة فوق الأرض السورية وبحماية كاملة وقوية من نظامها الوطنى الحاكم ،نظام الأسد .. وولت وجهها وباوامر من التنظيم الدولى للاخوان شطر خصومها، وعلى رأسهم إمارة قطر، وتركيا وواشنطن ، لقد اكدت بعض قيادات حماس في الخارج على طبيعتهم الاخوانية بسلوكهم الانتهازى هذا وبعدم الوفاء ورد الجميل للدولة السورية التي احتضنتها لاكثر من ثلاثين عاما.

خلاصة الامر كما نفهم الان وبعد طول متابعة لفكر ونشاط حرة حماس انها قد انقسمت إلى (حماسين) وأن هذا الانقسام سيزداد خلال المرحلة المقبلة ، أولهما حماس الخارج بقيادة خالد مشعل والتى أعطت ولاتزال الأولوية لانتمائها الإخوانى على حساب انتماءها لفلسطين ، و(حماس الداخل) التى بحكم مرارة الواقع وقسوته أعطت لفلسطين الأولوية قبل (الأخونة) !! بالتأكيد هذه لم ولن تكن قسمة نهائية وفاصلة حيث نجد بها تداخل ، فبعض قيادات وأفراد (الداخل) يعلون من انتماءهم الإخوانى على حساب فلسطين ، وبعض عناصر (الخارج) يقدمون فلسطين على الإخوان ومشروعهم الذى انهار وسقط !! إن هذا الانقسام هو الذى أودى بحماس ووضعها فى حالة تفكك وصراع داخلى شديد، وأدى بها إلى هذه الحالة الصعبة فى طريقة تعاطيها مع الواقع السياسى العربى والفلسطينى ؛ وطالما هو مستمر فإن الكثير من المشكلات ستواجهها إلى أن يحسم الأمر وتتحول نهائياً إلى حركة مقاومة فلسطينية فقط ويسقط وبوضوح كامل وقاطع ، مشروعها الإخوانى الخارجى خاصة شقه القائم على نهم الوصول إلى السلطة فى مصر مجدداً وبأى ثمن حتى لو كان التعاون مع مخابرات تركيا وقطر ومن ثم إسرائيل !! وهو مسار ثبت فشله وأثر سلباً عليها وسيظل – للأسف الشديد – مؤثراً !! .

إيران وروسيا: شفير الاتفاق والخلاف حول سوريا

سامي كليب

 فقدت إيران وحليفها الأول في العالم «حزب الله» كثيراً من خيرة ضباطهما ومقاتليهما في سوريا. كان سبب انخراطهما العسكري المُلكف واضحاً: منع انهيار نظام الحليف العربي الأول  بشار الأسد. كان انهياره يعني بداية انتهاء محور المقاومة وتشديد الطوق على إيران، وفقدان طهران القدرة على الاحتفاظ بدورها الذي كبر كثيراً في المحيط العربي وضد إسرائيل في السنوات التي أعقبت سقوط نظام  صدام حسين.

استفادت إيران من صمود الجيش السوري وقتال «حزب الله» الى جانبه. ربحت اتفاقاً نووياً بشروط جيدة. عادت الى ساحات العالم من بواباته الواسعة. صارت شريكاً في محاربة الإرهاب وشريكاً في البحث عن حلول سلمية لحروب عربية. رفعت عنها العقوبات وبدأ سيل الصفقات التجارية مع الغرب. المصلحة إذاً مشتركة بين دمشق وطهران. فإيران ساعدت كثيراً وربحت أيضاً كثيراً. ولا حاجة للتذكير بالوقوف التاريخي للرئيس حافظ الأسد الى جانب طهران ضد النظام البعثي الآخر في المنطقة أي نظام صدام.

مع الانخراط الروسي العسكري المباشر في سوريا، ظهر تحليلان، أولهما يؤكد أن الانخراط هو بالأصل ثمرة اقتراح إيراني مقرون بالوثائق والخرائط، وثانيها يجزم بأن دخول روسيا من الباب الواسع يعني بداية خروج إيران من الأبواب نفسها، وأن الجيش السوري قد يفضل في نهاية المطاف التعامل مع جيش روسي، وأن دمشق عاجلا أو آجلا ستعود للانفتاح على الغرب أيضا. (كلام الدكتورة بثينة شعبان عن إيجابية الاتفاق الروسي الأميركي لافت).

الآن يبدو أن العلاقة الروسية الإيرانية في سوريا تزداد تعقيداً، لماذا؟
في المعلن أولا، يمكن أن نقرأ تصريحاً لافتاً أدلى به قبل فترة الجنرال محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري الإيراني لوكالة «مهر» الإيرانية، قال فيه: «إن جارتنا الشمالية (أي روسيا) تساعد في سوريا، لكنها غير سعيدة بالمقاومة الإسلامية، وعلى أي حال فإنها تقدم المساعدات على أساس المصالح المشتركة، ولكن ليس من الواضح أن مواقف روسيا تتطابق مع إيران بشأن الرئيس الأسد».

هل هذا يعني أن إيران متمسكة بشخص الأسد أكثر من موسكو؟ ربما نعم. فروسيا قالت مراراً إنها لا تدعم شخصاً في سوريا وان قضية الرئيس هي من صلاحيات الشعب السوري. لذلك عاد جعفري يقول بحزم أكثر لوكالة «فارس»: «إيران لا ترى بديلا للأسد وتعتبره خطاً أحمر وتعتبر تجاوزه ممنوعاً». هذا ليس كلاماً عابراً، فهو للصديق والعدو على السواء. لا ننسى أن جعفري يمثل القوة العسكرية الأولى في البلاد ويمثل المرشد السيد علي خامنئي.

في المعلن ثانياً، أن الرئيس حسن روحاني الذي صار أكثر ميلاً للتفاهمات بدل الثورات والحروب وفق ما فُهم منه بعد الانتخابات الأخيرة، قال مُحذراً: «إن تناغمنا مع روسيا لا يعني أننا نوافق على أي خطوة تقوم بها في سوريا». ثم قال في معرض آخر: «لقد أبلغنا جميع الأصدقاء والجيران وروسيا صراحة، أن سيادة بلدان المنطقة على أراضيها مبدأ يحظى بتأييدنا، سواء في ما يتعلق بالعراق وسوريا أو في أي بلد في المنطقة، فالسيادة الوطنية ووحدة التراب أمر مهم بالنسبة لنا». أليس في هذا الكلام تحذير لروسيا من قبول الفدرالية أو التقسيم أو قيام دولة كردية؟ ألم يكن هذا هو سبب اللقاء بعد جفاء بين أنقرة وطهران؟ بلا تردد، نعم.

في المعلن ثالثاً: أن وزير الحرب الإسرائيلي موشيه يعلون قال جهاراً إن إسرائيل وموسكو متفقتان بشأن السماح للطيران الإسرائيلي بضرب «حزب الله» في سوريا. اختصر الموقف بجملة واضحة: «اتفقنا ألا نزعجهم ولا يزعجونا». هذا طبعا يزعج إيران جداً، فهي جاءت الى سوريا لتعزيز دور المقاومة وليس للسماح بضربها.

ماذا في غير المعلن؟
تعمل إيران على تعزيز المصالحات وشراء بعض القوى العسكرية المعارضة. هذا يوفر عليها وعلى حلفائها شهداء وتضحيات واستنزافاً. لكن هل أنها كانت فعلا متحمسة لوقف سريع لإطلاق النار بعد التقدم المتعدد الجبهات والاتجاهات الذي حققه الجيش السوري و «حزب الله» وقوات أخرى مدعومة من إيران ومن الطيران الروسي؟ حتماً لا.

في غير المعلن أولا: ان وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان، حين زار موسكو بعد أيام على القرار الدولي بوقف العداوات، أبدى الكثير من مبررات القلق والتوجس من هذه الخطوة. قال إن القرار جاء سريعاً وكان من الأفضل تأجيله. لم يسمع إلا تبريرات غير مقنعة.

في غير المعلن ثانيا: أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية لعبت دوراً مهماً في إرجاء وربما منع تسليم موسكو صواريخ حديثة الى إيران. ثمة تكتم شديد حول الأمر. سيزداد الأمر صعوبة مع فتح اللوبي اليهودي مجددا في أميركا النار على الصواريخ الباليستية الإيرانية وضرورة العودة الى العقاب الدولي. هذه نسخة مكررة عن ضغوط البرنامج النووي.
نتنياهو الذي تربطه ببوتين علاقة جيدة حاليا خلافا لعلاقته بأوباما، رحب بوقف إطلاق النار في سوريا لكنه قال في تهديد واضح آخر الشهر الماضي: «إن أي إجراء في سوريا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وقف العدوان الإيراني ضد إسرائيل من الأراضي السورية. لا نوافق على تسليم حزب الله أسلحة متطورة... لا نسمح بفتح جبهة إرهابية ثانية في مرتفعات الجولان، ان هذا كان وسيبقى خطاً أحمر».
في غير المعلن ثالثا: ان زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داوود اوغلو الى طهران، جاءت بعد وصول الصدام بين انقرة وموسكو الى حد التهديد باندلاع حرب عالمية ثالثة، وذلك في أعقاب إسقاط تركيا طائرة روسية. صحيح ان ثمة من قال ان طهران تسعى للتقريب بين الدولتين، لكن الصحيح حتما ان بوتين الذي كان قد خفض 10 في المئة من ثمن تصدير الغاز الى تركيا وعقد معها سلسلة اتفاقيات هامة، لم يكن في هذه اللحظة بالضبط راغباً ربما بتحسين العلاقات الإيرانية التركية وبإعادة تعويم دور أردوغان من طهران.

في غير المعلن رابعا: ان روسيا الدولة العلمانية القلقة من كل ما هو نشاط إسلامي، ربما تريد اليوم ان تطرح نفسها وسيطا وليس طرفا في نزاعات المنطقة، ولعلها تقول لخصوم إيران انه كلما تعزز دول الدولة السورية وجيشها، كلما ضعفت الحاجة لوجود إيراني. هذا يغري إسرائيل ودول الخليج وأميركا على الأرجح وصولا الى تركيا لاحقا. لا شك بأن شكر وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف لدور السعودية في مفاوضات جنيف أمس الأول، يشي برغبة بانفتاح أكبر قد تكلل بزيارة الملك سلمان لموسكو. لم يكن بالصدفة اتفاق بوتين وضيفه ملك المغرب في اليومين الماضيين على توسيع جبهة محاربة الإرهاب. قد نشهد قريباً ترحيباً روسياً بضم قوى عربية سنية.

هل ثمة خلاف بين روسيا وإيران؟
هناك اختلافات في بعض التوجهات وليس خلافات. فالتنسيق العسكري بين الجيش الروسي وإيران و «حزب الله» كان ولا يزال كبيرا على الأراضي السورية. علاقات البلدين شهدت نمواً هائلاً في الأعوام القليلة الماضية توّجت بزيارة بوتين لطهران وإصراره على التوجه مباشرة من المطار لمقابلة  علي خامنئي. خرق بذلك كل البروتوكولات المعهودة في دولتين عريقتين بالبروتوكول كروسيا وايران.

في العلاقات التجارية، تحتل ايران المرتبة الخامسة بين جيران روسيا. يسعى البلدان الى رفع التبادل الى 70 مليار دولار سنويا (هو حاليا أقل من 3 مليارات). فتحت روسيا خطا ائتمانيا بمبلغ 5 مليارات دولار لدعم مشاريع مشتركة. تفاهم البلدان على إيصال الاستثمار في مجال الطاقة الى 40 مليارا، وعلى مشاريع لسكك الحديد بـ5 مليارات، وتحديث محطات الكهرباء بـ6 مليارات. قدمت وزارة الطرق والإعمار الايرانية لموسكو 21 مشروعا في مجالات البنى التحتية بما يقارب 25 مليارا. يجري حاليا تذليل العقبات المصرفية وخطوط التواصل البري. وقّع البلدان مذكرة تفاهم استراتيجية في مجالات النفط والغاز والكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والقطاع المصرفي وغيرها.

ولو أضفنا الى كل ذلك التعاون الهائل في بحر قزوين وآسيا الوسطى والقوقاز ومنظمة شنغهاي وغيرها، ناهيك عن الصفقات العسكرية المعلنة والسرية، نفهم أن بين البلدين طموحات استراتيجية كبيرة للتعاون وللضغط على الغرب الأطلسي... أحدث دليل، هو رفض موسكو فرض عقوبات جديدة على طهران بذريعة الصواريخ الباليستية.

الآن ومع ركوب الحرب السورية قطار التسويات والصفقات والتفاهمات الأميركية الروسية، يجد بوتين فرصة للعب دور الوسيط. أوباما يسلمه مفاتيح الحل. إسرائيل ليست منزعجة. لا بد من جذب دول مجلس التعاون الخليجي والمعارضة؟ فهل يُقدم على خطوات تزيد التوجس الإيراني حين يحين زمن التنازلات المتبادلة؟

ربما نعم، لكن الرجل لم يخدع عبر مسيرته أياً من شركائه، فكيف اذا كان الشريك بأهمية ايران؟ لا شك بأنه سيحاول الحفاظ على أوراق قوته وربح أوراق أخرى. مصير الأسد والدولة الكردية العتيدة ومستقبل المغامرات الإسرائيلية هي الفيصل. يبدو أن المنطقة أمام أشهر خطيرة قبل الانتخابات الأميركية. عممت إيران قبل فترة على مؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية أن تستعد لكل الاحتمالات من إسرائيل الى سوريا فالعراق... لننتظر ونر.

الإسرائيليون والفلسطينيون: الوصول للحائط المسدود!نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي

 
مجدي منصور
«إن علينا أن نناقش كل ذلك بهدوء، من غير غضب، من غير انفعال، من غير حزن، من غير دموع؛ فلقد فات أوان الدموع».وليام شكسبير

لقد كنتُ أبتعد دائمًا عن تناول ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي (عامدًا متعمدًا)؛ وذلك لأن تناول هذا الملف (يُزعج) كل من له (عقلٌ يُفكر)، و(يؤلم) كل من له (قلبٌ ينبُض)، و(يحسر) كل من له (ذاكرةًلاحية لم يعلها الصدأ) أو (تغطها الأكاذيب والأباطيل).


فما نراه مُنذ فترةً طويلة، من (استكبار) إسرائيلي، و(تخاذُل) عربي، (يُدمى) القلب، و(يُحير) العقل، و(يجرح) الفؤاد، و(يُهيج) النفس بمشاعر مختلطة، ما بين “الحزن”، و”القهر”، و”العجز”، و”الاكتئاب”.


ولعل كثيرين ممن تحدثوا عن الإنتفاضة الجديدة التي أُطلق عليها (انتفاضة السكين) في الأراضي المحتلة حاولوا تفسير تلك الظاهرة، وردوها لـ”أسباب كثيرة” و”مسببات عديدة”، ولعل هؤلاء، وهم يتحدثون (بكل الفخر الواصل إلى حد المبالغة) أو (بالحزن المؤدي إلى التشاؤم) أو بأسلوب يجمع ما بين الاثنين نسوا أن كل أطراف الصراع قد وصلوا إلى الحائط المسدود، ولم يعد أمامهم طريق مفتوح يسيرون فيه، وأن لحظة الحقيقة قد أزفت.

خريطة إسرائيل إلى الحائط المسدود

«المسيحيون تركوا القدس إلى روما، والمسلمون تركوها إلى مكة، واليهود وحدهم بكوا عليها» الحاخام الأكبر في مصر حاييم ناحوم للملك فاروق

  1. كان هم الأباء المؤسسين للفكر الصهيوني هو (فتح باب الهجرة لفلسطين)، وتوافق ذلك مع بروز (محمد على) في مصر، وبداية فتوحاته والتقائه بوادي الشام مما أقلق بريطانيا في ذلك الوقت؛ لأنها كانت تجهز نفسها لوراثة رجل أُوروبا المريض (الإمبراطورية العثمانية) في ذلك الوقت، وبالفعل استطاعت بريطانيا هزيمة (محمد علي) وإخراجه من سوريا وحصره بعد ذلك داخل حدوده، ويلخص أحد آباء الفكر الصهيوني، تلك الفترة في مذكراته، وهو “ناحوم سوكولوف” بالنص (ما له دلالة اليوم أيضًا!):

(إن السلطان التركي وحده، وبغير مساعدة لا يملك القوة الكافية للاحتفاظ بسوريا.

إن مصر لها الحق في الاستقلال، إذا استطاعت أن تحصل عليه.

ولكن عودة سوريا لتكون جزء من تركيا، سوف تظل باستمرار تهديدًا لمصر.

وإذا ظلت سوريا جزء من مصر فذلك سيجعل تركيا غير آمنة.

وإذا أحست تركيا بعدم الأمان فذلك سوف يُهدد السلام في أُوروبا. ونتيجة لذلك (فمن الضروري إنشاء كيان عازل يفصل بين مصر وتركيا ويبقى كلا منهما في مكانه).

ثم يستطرد “سوكولوف” قائلا: (إن تلك كانت الفرصة الذهبية أمام الحركة اليهودية؛ لكى تملأ هذا الفراغ وتطالب “ببعث إسرائيل من جديد”).(1)
 2 –كان القرار الصهيوني قد استقر على أن تكون (فلسطين)، وليست “أوغندا” أو “الأرجنتين” هي الوطن المنتظر، وبدأ الآباء الصهيونيون يحاولون طرق كل الأبواب؛ من أجل الموافقة على هجرة كبيرة من اليهود إلى فلسطين، وقد ذهب هؤلاء الآباء إلى كل الجهات؛ ليطلبوا ذلك، ذهبوا إلى والى “مصر” وقتها (محمد علي)، وكذلك (للسلطان العثماني) في “إسطنبول”، و(لفرنسا) و(لبريطانيا).


لكن الملاحظ: “أن هؤلاء اليهود لم يفكروا مرةً واحدةً في الحديث أو للتفاوض مع أصحاب الوطن الأصليين: الفلسطنيين”. وخصوصًا بعد أن أرسل (تيودور هيرتزل) باثنين من حاخامات فيينا لمهمة استطلاع. ومن فلسطين أرسل إليه الاثنان تلغرافيًا يقولون له بالرمز: “إن العروس جميلة، لكن المشكلة أن لديها زوجًا”(يقصد الحاخامان أن الأرض عليها شعب).

ومن يومها، من رؤية (تيودورهيرتزل) حتى خطط (دافيد بن جوريون) كانت “الاستراتيجية الإسرائيلية” حتى قيام الدولة: ( تقوم بـ”استخدام السلاح” (بكافة أنواعه وأشكاله) “لقتل” الزوج أو “طرده” على الأقل لكى يحل شعب محل شعب أو زوج محل زوج). ليحققوا شعارهم الدعائي (إنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).

 
 وكان (بن جوريون) فاهمًا واعيًا ومتحسبًا؛ لكي لا (يجور السلاح) على (استراتيجية الدولة العليا)، وعارفًا أن (السلاح يجب أن يكون في خدمة السياسة، وليس العكس).

ومثلًا: (عندما استطاع “مناحم بيجن” أن يأتي بسفينة سلاح في عز حرب 1948م طلب منه “بن جوريون” وهو (رئيس الوزراء) وقتها تسليم تلك السفينة للدولة، ثم تقوم الدولة، بعد ذلك، بمهمة توزيع السلاح، إلا أن “بيجن” رفض، فما كان من “بن جوريون” إلا أن أمر بإغراق سفينة السلاح تلك).

إن نظرة على مذكرات (دافيد بن جوريون) تستطيع أن تكشف بجلاء عن أهدافه وتخوفاته التي تعكس بالطبع أهداف وتخوفات الدولة العبرية في تلك الفترة:

  • 16 يناير 1949م
  • في العاشرة مساء خابرني (ييجال يادين). عاد ديان بعد لقاء مع الملك “عبد الله” (ملك الأردن) سيحضر إلى هنا غدا. العجوز عبد الله يشكو من الإنجليز ويطلب عدم ترك المصريين لا سمح الله في غزة. من المفضل أن نسلمها إلى الشيطان أو نأخذها نحن.
  • 29 يناير 1949م
  • الهزيمة العربية كاملة، لكنى أتخوف طوال الوقت من نداءات في العالم العربي تدعو إلى إنشاء حركة شبيبة وتدريبها، وتوحد قيادة الجيوش العربية، وتقيم مصانع للسلاح، وتطبق عقوبات اقتصادية علينا، وتلغي الامتيازات، التي تمكن الإمبريالية من السيطرة على العرب، وإنشاء تنظيمات عمالية، وتعزيز الصناعة والقيم العصرية، وفتح مؤسسات للتعليم العالي، وإزالة الحدود الجمركية بين البلاد العربية، وتنظيم دعاية فعالة في العالم العربي. هذا هو الطريق الذى يحلم به العرب، “وأنا أتخوف طوال الوقت من أن يقوم زعيم عربي ذو كاريزما بقيادتهم عليه“.
  • 14 يوليو 1949م
    • جاء (أبا ايبان) . لا يرى ضرورة للركض وراء السلام، الهدنة تكفينا. فإذا ركضنا وراء السلام فإن العرب سيطلبون منا ثمنًا: حدودًا، أو عودة لاجئين، أو كليهما. لننتظر بضعة أعوام.

      (2)

«ما الذى يريده هؤلاء الجنرالات ؟ هل يريدون لإسرائيل أن تعيش بالسيف، وأن تعيش بالسيف وحده إلى ما لانهاية»
ليفي أشكول عن الجنرالات
3 –عقب قيام الدولة بقليل حدث ما كان (بن جوريون) يتخوف منه، ويقيم له ألف حساب؛ إذ ظهر ذلك الشخص الذى كان (بن جوريون) يتخوف منه: (جمال عبد الناصر) في البلد الذي كان دائم القلق والخوف منه: (مصر)، وخصوصًا أن ذلك الزعيم مضى إلى كل ما كان (بن جوريون) خائفًا ومحذرًا منه: ( المُضى على طريق التقدم)، وبالتالي تطورت وتحولت الاستراتيجية الإسرائيلية إلى:(إعاقة مصر دائمًا أو تعطيلها على أقل تقدير عن السير في طريق التقدم والاطمئنان على إبعاد وادى النيل “مصر” عن “وادى الفرات” الشام التاريخي)، ولأن ذلك أمر صعب بالسياسة، فكان على السلاح أن يتكفل بتحقيق هذا الهدف (أي الدفاع عن الوطن من خارج حدوده)، وليس الانتظار عند باب البيت.

إختلاف التعامل الإسرائيلي مع مصر وسوريا وأسبابه؟

«في الجنوب مع مصر لم يكن مأمونًا أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضروريًا أن نستعمل الهاربون» الجنرال أهارون ياريف مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية

  • إن المدقق في السياسة الإسرائيلية سيجد حتمًا اختلافًا ظاهرًا وواضحًا في أسلوب التعامل مع مصر وسوريا، فمع أن عداء إسرائيل للبلدين مُحقق ومؤكد، إلا أن التعبير الإسرائيلي عن العداء في الحالتين متباين.
  • والحاصل أنه مع (سوريا) فإن (العداء الإسرائيلي يعتمد أسلوبًا يكاد تركيز ضغطه أن يكون على الأعصاب بحيث يستثيرها ويفقدها التوازن). وإزاء محدودية القدرة على رد الفعل، فإن الضغط على الأعصاب (كذلك التقدير الإسرائيلي وفق ما هو ظاهر من الوثائق الأخيرة المفرج عنها أخيرًا) يُحول كل التفاعلات إلى احتقان يرتد أثره إلى الداخل السوري قبل أن ينفجر نارا على الحدود.
  • و أما مع (مصر) فإن (العداء الإسرائيلي يظهر منذ اللحظة الأولى تصميمًا على القتل) . فالعداء على الجبهة المصرية دائمًا وباستمرار (حرب لسفك الدم دون أي اعتبار أخلاقي أو إنسانى ولكسر الإرادة) وليس لمجرد (استثارة الأعصاب) أو الاعتماد على احتقان داخلي!

أسباب التباين في أسلوب التعامل الإسرائيلي مع كُل من مصر وسوريا

«في الشمال مع (سوريا ولبنان) كُنا نصطاد بالشبكة، تحاول الإمساك بالسمكة دون أن تجرحها، أما في الجنوب مع مصر فلم يكن مأمونًا أن نصطاد (الوحش بالشبكة)، ولذلك كان ضروريًا أن نستعمل الهاربون» أهارون ياريف
  • عداء إسرائيل لمصر يهدف الى إبعادها وإخراجها من الصراع العربي الإسرائيلي، ويعزز ذلك اعتقاد بأن عودة مصر إلى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن.
  • وأما في الحالة السورية فإن سوريا موجودة بالجغرافيا والتاريخ داخل البؤرة المباشرة للصراع العربي الإسرائيلي، حتى تكاد فلسطين أن تكون جزءً من سوريا (وإذن فإن سوريا على عكس مصر، لا يمكن إخراجها وإذا كان ذلك فهي باقية مهما حدث.
  • وعلى هذا الأساس فإن أقصى العنف ضروري مع مصر؛ لأن الهدف هو قطع اتصالها بالمشرق العربي، فهي جراحة دموية، وبدون تطهير للجرح أو تضميد.
  • وأما مع سوريا فإن الجراحة ليست ضرورية، والجرح ليس مطلوبًا، والترويض أنفع من العنف، والتطبيب أنجع من الجراحة، إلا في الحالات القُصوى، وفي أضيق الحدود(2).
ومن سنة 1952م حتى 1970م تركزت قوة السلاح الإسرائيلي أكثر ما تركزت على (مصر) بالذات. بهدف إبعاد (مصر) عن (الشام) والتقدير الإسرائيلي وقتها ـ ولا يزال ـ “أن عودة مصر وعزلها إلى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن بالإكراه، وببعض العنف”.

ولعل أفضل من عبر عن ذلك كان رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إبان حرب يونيو (1967م) الجنرال (أهارون ياريف) حينما قال: (إن السلام سوف يداوى كُل جراح الحروب السابقة بيننا وبين العرب. وصحيح أننا لجأنا إلى العنف مع المصريين أكثر من غيرهم، لكنكم تعرفون أنهم الطرف الأقوى والأخطر، ولقد كان أسلوبنا في الحرب مع العرب إذا أخذنا بفنون الصيد في البحر وتنوعها هو:

  • في الشمال مع (سوريا ولبنان) كُنا نصطاد بالشبكة، تحاول الإمساك بالسمكة دون أن تجرحها.
  • أما في الجنوب مع مصر فلم يكن مأموناً أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضروريًا أن نستعمل (الهاربون)Harpoon (الرمح أو الحربة المُثبتة على بندقية، والتي تُستعمل للصيد في الأعماق، وهي تلحق جراحًا غائرة، وأحيانًا قاتلة، بالسمك الكبير الذى يصيبه)(3).
وقد حاول السلاح الإسرائيلي في عدوان السويس (1956م) وفشل. وظل (مُتحينًا الفرصة) حتى آتت في عام(1967م)، ولكن جنرالات إسرائيل وقتها (عزرا وايزمان) و(إريك شارون) و(إسحاق رابين) و(إسرائيل تال)، ومعهم من الخارج وقتها (موشى ديان) و(شيمون بيريز)، لم يصبروا حتى تأتي الأضواء الخضراء من (واشنطن) مُعلنة الانطلاق من أجل تحطيم الأسطورة في القاهرة (جمال عبد الناصر)، وتحويل التجربة الثورية المصرية الرائدة في القاهرة (من “مثل” يُحتذى به إلى “أمثولة” يتعظ منها). (أُعد حاليًا بحثًا مفصلًا عن خفايا حرب يونيو 1967م في ضوء الوثائق الإسرائيلية والأمريكية التي خرجت مؤخرًا، والتي تحوى مفاجآت مُذهلة).

وقام الجنرالات من وقتها وحتى اليوم (باغتصاب سلطة القرار السياسي) من رئيس الوزراء المسكين المنكسر مهيض الجناح وقتها: (ليفي أشكول)، الذي رضخ لمطالبهم خوفًا من حدوث (انقلاب) يقوده العسكر في الدولة التي تصدر صورتها على أنها (الديموقراطية الوحيدة في المنطقة!). وقال بغضب مكبوت، ممزوج بأسى، مُعلقًا على تجاوزاتهم لعدد من زُملائه الوزراء، وفق ما سجله مدير مكتبه الجنرال: “إسرائيل ليور” بقوله: (ما الذى يريده هؤلاء الجنرالات؟ هل يريدون لإسرائيل أن تعيش بالسيف، وأن تعيش بالسيف وحده، وأن تعيش بالسيف وحده، وعلى السيف وحده إلى ما لانهاية!)(4).

وفى يونيو سنة (1967م) وإلى هذه اللحظة (2016م) وقع المحظور الذي كان يخشاه كثيرون من الآباء المؤسسين، الذين شاركوا في إقامة المشروع، وساعدوا على تحقيق مهامه، وبينهم ـ على سبيل المثال ـ رجل مثل “ناحوم جولد مان” الذى رأس المؤتمر اليهودي و”موشى شاريت” الذى أصبح وزيرًا للخارجية بعد قيام الدولة، ثم تولى رئاسة الوزراء لسنة واحدة فقط. ورجل مثل الدكتور “يهودا ماجنس” الذي (قام على بناء النظام التعليمي في دولة جاء سكانها من 92 دولة أخرى).

كان كل هؤلاء وغيرهم قد فهموا وتصرفوا بإدراك أن (قوة السياسة وليست قوة السلاح هي أمان اليهود طوال تاريخهم قبل الدولة وبعدها).

 
 كانوا جميعاً يدركون حاجة المشروع الصهيوني إلى استخدام السلاح، لكنهم جميعًا جاهدوا؛ حتى يلتزم السلاح حدوده، ولا يُفسد على المشروع دعاويه المعنوية وضروراته العملية!

والذي حدث أن الجنرالات في عام 1967م اعتبروا أنفسهم المسئولين الوحيدين عن أمن وبقاء الدولة العبرية، وفي سبيل ذلك اندفعوا، واندفع السلاح معهم إلى ما يمكن اعتباره نقطة تحول في التاريخ الإسرائيلي (فالجنرالات استولوا على الحرب، ومع استيلائهم على الحرب، استولوا على السياسة، وتجاوزوا واخترقوا حدودًا لم تطلبها استراتيجية إسرائيل العُليا، كما رسمها الآباء المؤسسون).

  • في حرب (يونيو1967م) تجاوز السلاح الإسرائيلي حدوده واحتل كل سيناء (في حين كان المطلوب وفق التخطيط الإسرائيلي أقل من نصفها) ( ولتلك قصة أخرى).
  • ثم تجاوز السلاح حدوده، فاحتل كل الضفة الغربية للأردن بما فيها القدس (في حين كان المطلوب سياسيًا ومعنويًا، وعند الضرورة، حائط المبكى وحده).
  • ثم تجاوز السلاح الإسرائيلي حدوده تمامًا، فصعد إلى هضبة الجولان، (ولم يكن ذلك مطلوبًا من الأصل؛ لأن الاستراتيجية العليا لإسرائيل كانت تُحاذر من جراحات دموية في الشام، فهي تُريد المنطقة سليمة بقدر الإمكان – هادئة بقدر الإمكان – بلا دم في الحاضر ولا ثأر في المستقبل!)
والنتيجة: أنه في ثلث القرن الأخير وجدت إسرائيل نفسها في الشام التاريخي دولة إمبراطورية (وفى الإمبراطوريات كبير وصغير)، لكن الإمبراطورية مهمًا كان حجمها قد تكون لها (مزايا مُغرية)، لكن لها مع مرور السنين (تكاليف مُرهقة)، خصوصًا عندما تتنازل كافة عوامل القوة وتترك مكانها للسلاح وحده.

ولقد تعلمت الإمبراطوريات (حتى الكبيرة منها) أن تكاليف الإمبراطورية حين يكون اعتمادا على السلاح وحده عبئا ثقيلا خير منه الانسحاب، وحتى بغير (شروط)، وأحيانًا بغير (كرامة) كما فعلت الإمبراطورية البريطانية في السويس (مصر)، وكما فعلت الإمبراطورية الفرنسية في (ديان بيان فو)، وحتى كما فعلت الإمبراطورية الأمريكية في (سايجون) في (فيتنام).

لكن مثل ذلك لم يكن في مقدور إسرائيل؛ لأن الإمبراطورية كانت من حول حدود الدولة نفسها، فإذا كان لابد من انسحابها فإن الشرط المطلوب توافره أن يكون انسحابها مصحوبًا باعتراف كامل (تاريخيا) و(قانونيا) و(سياسيا) و(عسكريا) لا يملك العرب أن يقدموه، وحتى إذا قدموه، فإن إسرائيل لن تصدقه!(5)

(3)

«القتال انتهى لصالحك، ولكن العرب كسبوا استراتيجيًا»
هنري كيسنجر لجولدا مائير

4 – وفى 6 أكتوبر 1973م تلقى السلاح الإسرائيلي ضربة موجعة وصادمة، على كلٍّ من الجبهتين المصرية والسورية ضربة كادت تُفقده ثقته بنفسه إلى الأبد، ورغم معاندة بعض الساسة وقتها في إسرائيل.

ويروى(هنري كيسنجر) في مذكراته: (أنه قابل رئيسة وزراء إسرائيل وقتها “جولدا مائير” في واشنطن بعد وقف إطلاق النار، وأنه لم يتردد في أن يصارحها بالحقيقة، على الأقل لتكون عارفة بها كأساس لحُسن تقدير موقفها).

ثم يمضى (كيسنجر) في شرح تجربته مع (جولدا مائير) قائلا: (لقد قابلتها صباحًا في وزارة الخارجية، وفي البيت الأبيض، وكانت عنيدة مثل: ” بقرة نامت وسط الطريق وعاقت حركة المرور فيه”.

وقابلها بعد ذلك مساءً وقال لها: ( القتال انتهى لصالحك، ولكن العرب كسبوا استراتيجيًا، وعلينا جميعًا أن نفهم ذلك؛ لكي نتحرك من “هنا” إلى ما يُلائمنا).

ويضيف (كيسنجر): ( لكنها ظلت طول اليوم تعاند، ومنطقها أنهم ( أي الجيش الإسرائيلي) “استعادوا كل الجولان وأكثر على الجبهة السورية، وأن لهم قوات يقودها الجنرال “شارون” عبرت قناة السويس إلى الشرق في (أفريقيا)”.

ويستطرد (كيسنجر): (أنه حاول لساعات مُتأخرة من الليل أن يشرح لها الفارق بين “القتال” و”الحرب”، وأنها في تلك الجولة التي انتهت ربما تكون قد “ربحت القتال، ولكنها خسرت الحرب”، لكنها ظلت تعاند).

ويُكمل (كيسنجر) :(ليلة بأكملها مع امرأة واحدة، وامرأة اسمها (جولدا)! والرجل الجالس معها (أي هو كيسنجر) يبذل جهده ليجعلها تفهم بأدب ورقة “أنها لا تملك الجمال الذى يُمكنها من تزويق الواقع”، ثم إن عليها الاعتراف بالواقع؛ حتى تعرف كيف تتعامل معه).

ولم يكن كيسنجر يفعل ذلك حُبًا في العرب ولا خوفًا على مصلحتهم فالرجل يهودي أصيل مُحب لأهله، ولكنه كان يريد إجراء حساباته على أساس سليم، حتى يستطيع أن يحصل لإسرائيل على ما تريده.

هو نفسه (كيسنجر) يروى في نفس المذكرات أنه كان في غرفة عمليات البيت الأبيض يتابع الحرب ومسارها، وكانت كل الأخبار والمعلومات تفيد باكتساح القوات المصرية والقوات السورية للجيش الإسرائيلي، وكان كل المتواجدين داخل تلك الغرفة، سواء من السياسيين مثله، أو من العسكريين، لا يصدقون ما يأتيهم من معلومات من قدرة العرب على هزيمة إسرائيل في الأيام الأولى من الحرب.

ويقول (كيسنجر): إنه اختلى في ركن بوزير الدفاع الأمريكي وقتها (جيمس شيليزنجر)، ودار بينهم الحوار التالي:

(هنري كيسنجر): ( ألا نستطيع مساعدتهم بعمل من جانبنا ؟)

(جيمس شيليزنجر): ( من الصعب فعل شيء في هذا الوقت؛ لأن كل الأعيُن مفتوحة، وكل الآذان مُتيقظة).

(هنري كيسنجر): ( ولكننا فعلناها من قبل في حرب 1967م، ولم يكتشفنا أحد!)

(4)

«هل تعرف يا سيد بيجن: بأن الإعلام العالمي بأسره يشبه زيارتي لكم بنزول أول إنسان على سطح القمر؟

سيادة الرئيس: إن الإنسان قد صعد إلى القمر، ولكنه نزل ثانيًا على الأرض!» بيجن ل أنور السادات
5 –وعندما عرض  أنور السادات على كيسنجر ما أسماه: الاتفاق الاستراتيجي، والذي بمقتضاه تبتعد مصر عن الاتحاد السوفيتي، وتقيم اتفاقًا استراتيجيًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأ حوار مصري إسرائيلي ينتهى إلى معاهدة سلام بينهم). لم تكن إسرائيل، وهى تسمع العرض (الساداتي!)على لسان “ساحر فيتنام” (هنري كيسنجر) مُصدقة ذلك، ولعل أفضل من قدم صورة التفكير الإسرائيلي من هواجس وشكوك وحيرة! في ذلك الوقت محضر مباحثات هنري كيسنجر مع القادة الإسرائيليين في تل أبيب بتاريخ 16 ديسمبر 1973م:

(جولدا مائير): (إن ما قرأته في رسالة السادات، وما سمعته منك عن نواياه، شيء طيب، ولكن ما أستغربه هو لماذا يفعل ذلك؟)

(هنري كيسنجر): (إن تفسيري لموقفه مُركب بعض الشيء .. الحقيقة أننى أنا شخصيًا مندهش من مسلكه؛ إن الرئيس المصري لا يبدو حتى الآن مستعدًا لاستعمال قوته السياسية الكاملة التي تعطيها له حقائق موقفه، كما أنه لا يأخذ الموقف الدولي الجديد في اعتبارته وهو يتفاوض).

ثم استطرد (كيسنجر) قائلًا وفق محضر الاجتماع: (إنني أعتقد أن الرئيس السادات في استطاعته أن يستخدم ما لديه؛ لتحقيق اتفاق كامل بانسحابكم على شروطه، وإلى خطوط 4 يونيو 1967م. وحتى إذا خاطر باحتمال تجدد القتال فإن العالم كله سوف ينحو باللوم على إسرائيل).

ثم تساءل(كيسنجر) في عرضه أمام (جولدا مائير) ووزرائها قائلًا: ( لماذا إذن لا يستعمل “السادات” كل عناصر موقفه ليضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل؟)

وأجاب على سؤاله قائلًا: (السبب في رأيي أن “السادات” قد وقع ضحية للضعف الإنساني human weakness. إنه في الحالة النفسية لسياسي يتشوق إلى أن يرى نفسه وبسرعة سائرًا في موكب نصر في سيارة مكشوفة عبر مدينة السويس وآلاف الناس على الجانبين يصفقون له كمنتصر)(6).

 
 وعندما قرر الرئيس المصري المؤمن! (أنور السادات) السير في مقامرته إلى النهاية، وذهب إلى القدس في سنة 1977م كانت الاستراتيجية الإسرائيلية ترى (أن ذلك يُعزز مطلبها “إبعاد وادى النيل عن الشام”).

وعندما توصلت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة إلى عقد معاهدة كامب ديفيد (1979م) مع مصر كان مقصدها الأكبر (إبقاء القوة المصرية، وفيها الجيش المصري وراء قناة السويس شرقًا).

ولتسهيل ذلك على مصر فإن إسرائيل أصبحت على استعداد للانسحاب من سيناء كُلها بما فيها (شرم الشيخ)، برغم مقولة (موشى ديان) بشأنها يومًا “أنه يفضل شرم الشيخ بدون سلام، على سلام دون شرم الشيخ”. ثم إنها كانت على استعداد أيضًا لهدم أية مستعمرة أقامتها في سيناء، بما في ذلك مستعمرة “ياميت” رغم عملية تمرد وعصيان على القرار، تزعمها في ذلك الوقت صقر الصقور في إسرائيل من يومه الأول، وحتى وفاته الجنرال (إريك شارون).

6 – ومع اطمئنان إسرائيل لتحقيق الهدف الاستراتيجى لها بعد المعاهدة مع مصر (إبعاد مصر عن الشام) قامت إسرائيل بالتصرف (كدولة إمبراطورية)، ولكنها لا تملك، إلا وسيلة السلاح تعتمد عليها. (الاعتماد على السلاح، وليس على السياسة). وتلك كانت الخطيئة التي بدأت في حرب يونيو (منذ أن اختطف الجنرالات القرار السياسي سنة 1967م).

ولأن استخدام السلاح كان قد أصبح هو (الخيار الأول)، وبمرور الوقت، ومع حالة الضعف العربي (بعد خروج مصر من المعادلة) بالإضافة إلى الاختلال على الساحة الدولية (بسقوط الاتحاد السوفيتي) أصبح استخدام السلاح هو الخيار (الأول والأخير) لدى كل قادة الدولة العبرية.

ولعل الناظر إلى الساحة الإسرائيلية سيجد أن أغلبية رؤساء الوزارات في إسرائيل الذين نجحوا، والذين فشلوا هُم من الجنرالات. الذين حاربوا (وقتلوا بأيديهم وخنقوا بأصابعهم)، والأمثلة كثيرة (بيريز ورابين وشارون وباراك)، حتى المدنيين من أمثال ( بن جوريون وبيجن وشامير) هم من قادة عصابات الهجاناة والاشيترون وهم أبطالٌ لمذابح ضد الفلسطنيين والعرب، وحتى (نتنياهو) شارك، وهو مجند في عمليات لاغتيال قادة فلسطينيين.

وبعد خروج مصر من المعادلة قررت إسرائيل أن تمارس دور الدولة الإمبراطورية في لبنان فقامت بغزو لبنان في 3 يونيو 1981م. كانت مطالب إسرائيل في تلك العملية العسكرية كبيرة وظاهرة لا تحتمل التأويل:

  1. فهي في لبنان تستطيع أن تثبت أنها قوة عظمى إقليمية regional superpower.
  2. وهى تستطيع أن تؤكد ذلك بتحطيم القوة العسكرية لمنظمة التحرير وتفقدها بذلك استقلالها السياسي.
  3. وهى تقدر على إعادة ترتيب أوضاع لبنان وتحوله إلى تابع عربي لإسرائيل.
  4. وهى بذلك تستطيع أن تمارس ضغطًا أكبر على سوريا، سواء عن طريق إثبات عجزها عن حماية لبنان، أو عن طريق إرغام (دمشق) على أن تسير على طريق التسوية.
  5. إن بلوغ ذلك كله يقدر في نفس الوقت أن يساعد على تثبيت معاهدة السلام مع مصر التي ظهر عليها بعض التردد بعد اغتيال الرئيس المؤمن!(7)
  • والغريب أن دخول إسرائيل إلى لبنان كان السبب الأساسي والرئيس في خلق الكيان الذى يؤرق إسرائيل اليوم (حزب الله)، وذلك للأسباب التالية:
    • لأن خروج الفلسطنيين من لبنان أعاد أهله طرفًا في مصائرهم.
    • إن قوى القاع اللبناني كانت كتلا إنسانية ضخمة لها جذورها التاريخية والثقافية في تاريخ لبنان (الشيعة والدروز) مثالًا.
    • إن الحرب الأهلية انتهت وقد تغيرت موازين القوة على الأرض لصالح (الشيعة) الذين كانوا دومًا عنصرًا من عناصر التركيبة اللبنانية، ولكنهم باتساع الحجم، وباتساع الدور مع المقدرة على التضحية إلى درجة الاستشهاد أكدوا أنهم ليسوا عنصرا في التركيبة فقط، وإنما هم ركن من أهم أركانها، وببروز الثورة الإيرانية تعزز دورهم أكثر.
    • إن قوة الثورة الإسلامية في إيران كان إضافة للطائفة الشيعية عكس نفسه على الواقع السياسي اللبناني(7).

      (5)

    «سوف نكسر ونسحق عظامكم» إسحاق رابينل لأطفال الانتفاضة

    7– فجأة في أوائل شهر ديسمبر 1987م اندلعت نيران الانتفاضة الأولى في قطاع غزة، ومنها انتشرت إلى بقية الأرض المحتلة كان مشهد الأطفال الفلسطينيين، وهم يرمون قوات الاحتلال بالحجارة يبعث على الفخر والاعتزاز بشجاعة وجسارة هؤلاء الأطفال، وقد عبر (إسحاق رابين) وهو وقتها وزير الدفاع إسرائيل في حكومة (شامير) عن مأزق الجيش الإسرائيلي في عبارتين شهيرتين، قال أولاهما في بداية الانتفاضة، ونطق بالثانية في حالة يأس من إخمادها في المرة الأولى، قال: “رابين” مهددًا أطفال الحجارة: (سوف نكسر ونسحق عظامكم). وفي المرة الثانية كان قوله: (إن الجيش الإسرائيلي لا يمكن تحويله إلى قوة بوليس تطارد أطفالا في شوارع مدينة فقيرة من مدن العالم الثالث).

    «إن إسرائيل اليوم خُلقت من جديد ، فمنذ إنشائها لم تكن الدولة شرعية فى المنطقة التي قامت فيها. وقد ظلت طوال الحقب الماضية قادرة على أن تغزو وتقمع وتنتصر ولكن بلا شرعية. واليوم 13 سبتمبر 1993م اكتسبت إسرائيل شرعية الاعتراف بها» يوسى ساريد عن إتفاقية أوسلوا
كانت الانتفاضة أهم الاسباب التي اضطرت عددًا من قادة إسرائيل على مراجعة أفكارهم، وكان على رأس هؤلاء (شيمون بيريز) و(إسحاق رابين)، وكانت الانتفاضة، إلى جانب الصعود القوى للإسلام السياسي، أهم الأسباب للذهاب إلى توقيع اتفاقية (أوسلو) في (13 سبتمبر 1993م) تلك الإتفاقية التي قال عنها شاعر الثورة الفلسطينية الكبير(محمود درويش): ( إننا بهذه الاتفاقية قد دخلنا إلى زمن بغير ماضٍ).

كان الفرح بتلك الاتفاقية من قبل (المؤسسة اليهودية في أمريكا) كبيرا فقد اعتبروا هذا اليوم يومًا فاصلًا؛ لأن التوقيع على اتفاق إعلان المبادئ يعني، قبل أي اعتبار آخر، أن الشعب الفلسطيني وقيادته قبلوا لأول مرة بدولة إسرائيل، وكانت الأهمية المعنوية لذلك لا تقدر، فالغزو يستطيع أن يُعطى للقوى فرصة يفرض فيها على الضعيف ما يشاء، لكن الشرعية تظل مع الضعيف طالما ظل متمسكًا بحقه، حتى وإن كان الحق مسلوبًا، وحتى إذا كانت السيادة منتهكة، لكنه حين يعترف الضحية، ويضع توقيع بالقبول ويضع توقيعه بالقبول فإن الأمر لا يصبح مسألة قوة، وإنما يصبح مسألة اتفاق، وهذا يستكمل له القيمة المعنوية للشرعية، وكان هذا ما عبر عنه يومها وزير البيئة الإسرائيلية وقتها (يوسى ساريد):(إن إسرائيل اليوم خُلقت من جديد، فمنذ إنشائها لم تكن الدولة شرعية في المنطقة التي قامت فيها. وقد ظلت طوال الحقب الماضية قادرة على أن تغزو وتقمع وتنتصر، ولكن بلا شرعية. واليوم 13 سبتمبر 1993م اكتسبت إسرائيل شرعية الاعتراف بها).

(6)

«نحن نريد عملية تدويخ قبل الدخول في الكلام الجد!» بيريز لميتران

  1. كان الهدف الإسرائيلي من توقيع اتفاقية (أُوسلو وأخواتها) فيما بعد هو:
أولا- إعطاء الشعب الفلسطيني أملا في إنهاء معاناته، بدون تضحيات لكي تخف مقاومته ويسهل ترويضه.

ثانيا – سحب البساط من تحت أقدام القيادة الفلسطينية (عرفات ورفاقه) وتحويلهم في نظر شعبهم الفلسطيني من (مناضلين ضد إسرائيل) إلى (مفاوضين مع إسرائيل) والفرق كبير بين المعنيين.

ثالثا- أنه بمرور الوقت مع المفاوضات سوف يتعود الطرف الفلسطيني على تخفيض سقف توقعاته.

ويروى الأستاذ (محمد حسنين هيكل) رحمه الله : ( أنه في نهاية عام 1993م أي بعد أسابيع من إعلان اتفاق أوسلو قابل الرئيس الفرنسي وقتها (فرانسوا ميتران) في (قصر الإليزيه) أنه سأل الرئيس (ميتران):
( إن كان يتوقع قريبا نتائج مع الآمال المعلقة على اتفاقية “أوسلو” ورد(ميتران) بما ملخصه (أن ذلك يتوقف على ما أعنيه بكلمة قريبا؟) وقلت، أي: (هيكل): ( إننى لا أتحدث عن غد أو بعد غد، ولكن عن شهور خمسة أو ستة) ورد(ميتران) بتؤدة بما مؤداه( أنه سوف يكون راضيا إذا توصل الطرفان إلى حل خلال خمس أو ست سنوات، وليس شهورا) وأضاف (ميتران) بنبرة أقرب إلى التساؤل منها إلى السؤال:(فهمت أن عرفات متفائل بنتائج سريعة؟) ويومها قلت للرئيس الفرنسي مندهشا: ( إننى لا أتصور أن عرفات بعد كل هذا الذى قدمه قادر على الانتظار خمس أو ست سنوات). ورد هو بسرعة قائلا: (وهذا بالضبط ما يريدونه).

ثم راح يروي لي طرفا من تفاصيل حوار بينه وبين “شيمون بيريز” قبل أيام، قال لي إنه بنفسه سأل (بيريز) (هل لديكم ما تقدمونه لعرفات بعد هذه المخاطرة التي أقدم عليها باتفاق أوسلو؟) – ورد عليه (بيريز): بـ(أنهم لم يفكروا بعد!)- ولم يصدق (ميتران) أن ذلك يمكن أن يكون صحيحا، فسأل (بيريز) بما معناه: )ألم يكن لكم تصور لمشروع تطرحونه على الفلسطينيين عندما دخلتم معهم في مفاوضات سرية في أوسلو؟)

 
 ورد(بيريز):(بأن كل تصورهم كان أن يتعاملوا مع قيادة منظمة التحرير نفسها، وليس مع وفد يحمل ورقة تفويض بالكلام نيابة عنها في مدريد أو واشنطن).

وأضاف بيريز إيضاحا قال فيه: (إننا شعرنا أن الفلسطينيين يتحتم عليهم تخفيض سقف توقعاتهم، وأن أي وفد يحمل تعليمات من القيادة الفلسطينية لن يستطيع القيام بهذه المهمة، وعلى فرض أن وفدا فلسطينيا فهم هذه الضرورة، وتصرف بالتجاوز مع تعليماته، فأسهل الحلول تغييره بوفد آخر، وأما إذا كانت القيادة نفسها هي المفاوض، فمعنى ذلك أن الجالس أمامنا هو الذى يملك القرار، وحينئذٍ يكون الباقي علينا).

وطبقا لرواية الرئيس (ميتران) فإنه حين طلب من (شيمون بيريز) مزيدا من الشرح، سمع من (بيريز) ما معناه ( أنهم يحتاجون وقتا طويلا يأخذون فيه الفلسطينيين إلى مائدة المفاوضات، ثم يعودون بهم من قرب المائدة، ويطرحون عليهم صيغا واسعة مفتوحة لكل الإجهادات، ثم يأخذونهم معهم إلى تمارين في الصياغة قد تكون مفيدة في تعليمهم، دون أن تكون بالضرورة مؤدية إلى اتفاق معهم، ثم إنهم سوف يعرضون عليهم وساطات ووسطاء يذهبون بأفكار ومقترحات ويجيئون بأفكار ومقترحات، ويتركونهم يذهبون إلى واشنطن ونيويورك ويعودون من واشنطن ونيويورك، ثم يكون من هذا الجهد كله أن يؤقلم الطرف الفلسطيني نفسه تدريجيا على كيفية تخفيض سقف توقعاته).


وحين لاحظ (ميتران) أننى أسمعه باستغراب، اختصر الطريق ليقول بسرعة: (اعترف لي بيريز صراحة أن علينا جميعاً أن نعطيهم فرصة لعملية (تحضير) سياسي يؤدى إلى تخفيض سقف توقعات الطرف الفلسطيني). ثم وضعها على بلاطة كما يقولون ليضيف: (كيف أقولها لك؟ هم يريدون عملية تدويخ قبل الدخول في الكلام الجد!)(8).

ولعل التدقيق في نجاح نتانياهو كرئيس للوزراء في إسرائيل أكثر من مرة يكشف عدة حقائق :

  • الحقيقة الأولى– أن إسرائيل تعرف نفسها كمجتمع حرب، ولكنها لا تعرف نفسها كمجتمع سلام.
  • الحقيقة الثانية– إن هذا المجتمع لا يريد أن يدفع مقابلا للسلام، وإنما يريد كما يقال أن (يعطى السلام مقابل السلام). وهذا معناه بالضبط للطرف العربي الاستسلام إلى أبد الآبدين.
  • الحقيقة الثالثة– إن هذا المجتمع ليس جاهزا لكى يبت في المؤجلات والمعلقات، وهي كثيرة: المستوطنات، اللاجئون ، الحدود النهائية. ثم إنه، وفوق ذلك، ليس مستعدا على الإطلاق لإعطاء شبر من الأرض في القدس، مع العلم أن أقصى ما كان يفكر فيه (بيريز)، ومن خلفوه بعد ذلك هو رفع علم عربي– أي علم عربي أو إسلامى على المسجد الأقصى، ورفع علم الفاتيكان على كنيسة القيامة. وحينما جرى الإلحاح عليه في أن الرأي العام العربي يريد القدس الشرقية كان اقتراحه جادا- إنشاء مدينة جديدة بين رام الله والقدس يطلق عليها اسم (القدس العربية) وذلك يحل المعضلة!
ومن عام 1993م وحتى اليوم عام 2016م أي ثلاثة وعشرين عاما، والسياسة الإسرائيلية على حالها وأغلب الظن أنها لن تتغير، وخصوصا بعد التطورات في المحيط العربي سقوط العراق وليبيا وسوريا واليمن والقلاقل في مصر والعلاقات الإسرائيلية الخليجية التي صارت علنية، وعلى رأسها العلاقات مع السعودية (بعد الربيع العربي). كانت تلك أبرز المحطات على الخريطة الإسرائيلية للوصول للحائط المسدود؛ لأن الإسرائيليين ليس لديهم شيء يعطونه للفلسطينيين، ولا للسوريين، أي أن (السياسة الإسرائيلية تُدير الصراع ولا تعمل من أجل إنهائه).

وأخيراً فإن إطلالة واحدة على المشهد العربي نستطيع من خلالها أن نلمح فيها الكثير والكثير، وكله بغير استثناء مزعج أو محزن أومُخز، ثم إن أغلبه في غالب الأحيان مأساوي و دموي.

حين خدمت السعودية "حزب الله"... بشهادة الولايات المتحدة!


حسين عاصي
فيما كانت المملكة العربية السعودية تجد في الداخل اللبناني من "يبرّر" لها إجراءاتها "الانتقامية" من لبنان على المواقف المناهضة لها من قبل "حزب الله"، كان للدول الغربية "الحليفة" للمملكة موقفٌ آخر، موقفٌ تخطى درجة "القلق" لحدّ "الامتعاض"، باعتبار أنّ "حزب الله" كان عمليًا "الرابح الأكبر" من كلّ "المعمعة" التي حصلت.

ولأنّ الأمور تجاوزت "الخطوط الحمراء"، كسرت هذه الدول "حاجز الصمت"، فأعربت الخارجية الأميركية عن قلقها، رافضة ترك الساحة اللبنانية لـ"حزب الله" ومن يدعمه(1)، وسرّب الفرنسيون أجواءً مشابهة بعد زيارة ولي العهد السعودي محمد بن نايف الاخيرة لباريس، ما دفع السعوديين لـ"تليين" الموقف، على لسان وزير خارجيتهم عادل الجبير(2).
الرابح الأكبر

لا يحتاج المرء للكثير من الذكاء، حتى يستخلص أنّ الخطوات السعودية "الثأرية" بحقّ لبنان لم تضرّ إلا "حلفاء المملكة"، بل أنّها خدمت "حزب الله" من حيث لا يحتسب.
منذ اليوم الأول، كان هذا لسان حال المعنيين في الحزب والحلفاء، وأتى تصنيف الحزب "إرهابياً" ليعزّز من "أسهم" هؤلاء، الذين خرج منهم من رأى في ذلك "وساماً" على "صدرهم"، غامزًا بشكلٍ خاص من زاوية "التطابق" بين الموقفين السعودي والإسرائيلي من حزبٍ مقاومٍ، وصولاً حتى "التهليل" الإسرائيلي بالموقف "العربي" غير المسبوق.

وبعيدًا عن "المعنويات"، لم يكن "حزب الله" هو المتضرّر من الخطوات السعودية التي لم تحقّق أصلاً غاياتها في تأليب البيئة الحاضنة للحزب ضدّه، ولعلّ العودة بالتاريخ إلى التجارب الإسرائيلية والتكفيرية تثبت "استحالة" هذا الأمر، لتكون "الدولة اللبنانية"، التي يتّهم السعوديون الحزب ومن خلفه إيران، بالتحكّم فيها، هي المتضرّرة.
وبين هذا وذاك، كان "حلفاء المملكة"، أو "جماعتها في لبنان"، كما يحلو للبعض توصيفها، الأكثر تضرّراً من كلّ ما حصل، حيث وُضعوا في موقفٍ "متذلّلٍ" و"متوسّلٍ" لا يمكن لأحدٍ أن يحسدهم عليهم، هم الذين تحوّلت السفارة السعودية إلى "محجّ" بالنسبة إليهم، والذين تخلّوا عن شعارات "الحرية والسيادة والاستقلال" ليجدوا أنفسهم في موقع "تأليه" السعودية ومنع المسّ بها، ومصادرة حق أيّ مواطنٍ لبناني بالتعبير الحرّ عن رأيه، المنصوص عنه في مقدّمة الدستور.
خطوط حمراء
وبعيدًا عن الحسابات الداخلية، فإنّ لـ"تجميد" مفاعيل الخطوات السعودية، معطوفاً على كسر الغرب لـ"الصمت" الكثير من المعاني والدلالات التي يجدر التوقف عندها، وأولّها أنّ الاستقرار في لبنان خط أحمر، وهو ما أبلغه الأميركيون والأوروبيون للسعوديين بشكلٍ واضحٍ لا لبس فيه، استناداً إلى المظلّة الحامية للبنان، والتي لا يجب التفريط بها في الوقت الحاضر، في ضوء الفوضى المستفحلة في المنطقة ككلّ.
أما الدلالة الثانية، والتي تكاد تتفوّق على سابقتها، فهي أنّ من يرغب فعلاً بـ"محاصرة حزب الله" عليه أن يقف إلى جانب الدولة اللبنانية، لا أن يعاقبها، وبالتالي فإنّ وقف المساعدات الدولية للبنان لن يخدم سوى زيادة نفوذ الحزب في الداخل اللبناني، باعتباره سيصبح حاجة لا غنى عنها. وفي هذا السياق، كان لافتاً أنّه، وبدل أن تكون إيران مثلاً المستفيدة من الخطوات السعودية للدخول إلى لبنان من الباب العريض، كانت أميركا هي المستفيدة، والتي بدأت منذ اليوم الأول تسرّب عبر مصادرها وأوساطها نيّتها ليس فقط استكمال مساعداتها للبنان، بل تعزيزها وتطويرها، قبل أن تجاهر بذلك من خلال الناطق باسم خارجيتها جون كيربي.
ولا يعني هذا الأمر أنّ الولايات المتحدة لا تريد من الدول العربية محاصرة "حزب الله"، بل هي تسعى إلى ذلك منذ سنوات طويلة، ولا تمانع أن تساعد في تقديم المعلومات والمعطيات المطلوبة على هذا الصعيد، لكنها تريد أن تُحصر الإجراءات به دون غيره من الأفرقاء المحليين، كي لا تأتي النتيجة عكسيّة، ما يعني أن واشنطن تعتبر أن المعركة مع الحزب تتطلب دعم خصومه، لا محاصرتهم مالياً وإقتصادياً، كي يقدموا نفسهم بديلاً قادراً على تقديم الخدمات الأساسية إلى المواطنين.
هواجس مبرّرة...

من جهة ثانية، فإنّ الهواجس الغربية، خصوصًا على خلفية قضايا النزوح التي أرخت بثقلها على العالم بأسره، لا تبدو بعيدة عن الحسابات الأميركية والأوروبية في مقاربة الملف اللبناني، فواشنطن لا تريد، ومعها الدول الأوروبية بشكل رئيسي، تكرار تجربة زحف المهاجرين غير الشرعيين نحو أراضيها، خصوصاً أن القارة العجوز هي من دفعت ثمن ذلك بالدرجة الأولى، والدليل هو رضوخها إلى مطالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي عمل طوال الفترة السابقة على إبتزازها من أجل أخذ الإجراءات التي تحدّ من الهجرة غير الشرعية. ولعلّ النقطة المركزية التي يجدر التوقف عندها في هذا الإطار تكمن في أنّ انفلات الأوضاع الأمنية في لبنان سيحوّل، كما تؤكد جميع المؤشرات، هذه الساحة إلى نقطة إنطلاق قوارب المهاجرين الأساسيّة.

بالإضافة إلى ذلك، ترى واشنطن أن لا مصلحة لها في خسارة الساحة اللبنانية، نتيجة "مغامرة" غير محسوبة النتائج من قبل حلفائها، خصوصاً أن رهانها عليهم في الساحتين العراقية والسورية لم يأت بأي نتائج إيجابية، بل على العكس من ذلك وجدت نفسها مضطرة إلى الدخول في تفاهم مع الحكومة الروسية، التي باتت الطرف الأقوى في المشرق العربي، بالتزامن مع مخاوفها من تداعيات إنفلات الأوضاع على الحدود اللبنانية الجنوبية على أمن حليفتها إسرائيل، حيث تؤكد المعلومات أن الحرب السورية لم تمنع "حزب الله" من البقاء على الجهوزية نفسها لمواجهة أي تهديد يأتي من تل أبيب، وتعتبر أن البلدان الخليجية، العالقة في الحرب اليمنية، تريد منها الحرب عنها، في حين أن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما تقوم على عدم الدخول في مواجهة مباشرة.

جرس إنذار!
دقّ الغرب إذاً جرس الإنذار، وكاد يرفع البطاقة الحمراء بوجه المملكة العربية السعودية، ليس حباً بلبنان ولا رغبة بـ"التودّد" لـ"حزب الله" بطبيعة الحال، ولكن انطلاقاً من حسابات متأنيّة ودقيقة لموازين الربح والخسارة، في مرحلةٍ دقيقة وحسّاسة، لا مجال فيها للرهانات الخاسرة.
وفي النتيجة، بدأ التراجع السعودي يُرصَد، تارة من خلال القول أنّ ما حصل كان "غيمة صيف عابرة"، وطوراً من خلال "تعهّدات" بـ"تحييد" لبنان، دولة وجيشاً وشعباً، ليبقى الأكيد أنّ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وكأنّ شيئاً لم يكن، من سابع المستحيلات وأكثر...
 
(1)  أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي أن واشنطن أعربت للرياض عن قلقها من وقف السعودية المساعدات للقوات المسلحة اللبنانية، معتبراً أن المساعدات الدولية للبنان أساسية في الحد من نفوذ "حزب الله"، وشدد على أن المساعدة الأميركية للقوات الأمنية اللبنانية ستتواصل، وقال: "لن نترك الساحة لحزب الله أو من يدعمه".
(2)  بعد لقائه وزير البيئة اللبناني محمد المشنوق، قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أنّ "الخطوات التي لجأت اليها السعودية لم تكن تستهدف الحكومة اللبنانية بل هناك تقدير لرئيس مجلس الوزراء تمام سلام وللمواقف التي يتخذها"، فيما قال المشنوق أنّ التوتر "أصبح وراءنا".
 

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر