الراصد القديم

2015/03/04

مصالح إيران والإخوان تلغي الاختلافات المذهبية بينهما



(طهران تحتضن ندوة فكرية تبحث آثار سيد قطب الذي يعتبر مرجعية الإخوان، يتأكد من خلالها على أن الجهتين يفرقهما المذهب وتوحدهما المصلحة السياسية).

عبدالجليل معالي

انعقدت في طهران منذ أسبوع ندوة تبحث “آثار وأفكار سيد قطب”. موضوع الندوة والمكان والتوقيت، عناصر تفرضُ مجتمعة طرح سيل من الأسئلة عن الصلات التي تجمع الثورة الإسلامية في إيران بالتراث الإخواني عموما، والقطبي بشكل خاص.
وأشارت المصادر أيضا إلى أن “حجة الإسلام هادي خسرا وشاهي، عضو المجلس الاستشاري الأعلى في هيئة “دار التقارب” بين المذاهب الإسلامية، وعضو جماعة الدعوة والإصلاح “خالد محمدي”، وعددا من الأكاديميين، ألقوا كلمات خلال الندوة التي أقيمت تحت عنوان “آثار وأفكار سيد قطب”، وقد أثارت اهتمام الطلاب المشاركين فيها.
وناقش المشاركون في الندوة الآثار التي تركتها كتب وأفكار سيد قطب في العالم الإسلامي، حيث ركزوا على موضوع التيارات التكفيرية المتأثرة بقطب في يومنا هذا.
قد يبدو عاديا ومألوفا أن تنظم جهة أكاديمية أو بحثية عربية أو إسلامية لقاء بحثيا يسلط الضوء (نقدا أو تثمينا) على تراث كاتب أو مدونة فكرية أو فقهية، لكن المكان والتوقيت والشخصية موضوع البحث، تفرض ضرورة الانتباه إلى خلفيات الحدث وتخومه.

وجدير بالتذكير أن سيد قطب يمثل ركنا رئيسيا في بنية الإسلام السياسي، بعد ابن تيمية وأبي الأعلى المودودي وحسن البنا. وإن كان لكل اسم من هؤلاء مساهمته المخصوصة، فإن لسيد قطب دوره الطليعي في نقل تيارات الإسلام السياسي إلى فضاءات أكثر تكفيرية ورفضا للآخر، وقد مثّل بذلك منطلقا نظريا لكل التيارات الجهادية التي سادت ولا تزال تسود إلى يومنا هذا.
ولكن ما هو المجتمع الجاهلي؟ وما هو منهج الإسلام في مواجهته؟ إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم. وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحدهمتمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي، وفي الشعائر التعبّدية، وفي الشرائع القانونية… وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار ‘المجتمع الجاهليجميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلا”. (من كتاب معالم في الطريق لسيد قطب).
وفّر سيد قطب بهذه السردية التكفيرية المغالية المتعالية، منطلقا فكريا لمزيد نزوع جماعة الإخوان نحو العنف والتكفير، وتجلى ذلك عمليا في إنشاء “التنظيم الخاص”. لكنه كان أيضا “قدوة” فكرية لكل التيارات الإسلامية، بلا استثناء، حيث تستلهم منه وإلى اليوم التيارات الجهادية وغيرها، منطلقاتها الفكرية والتنظيمية. ولم تكن الثورة الإسلامية في إيران مستثناة من موجة الاقتداء والاستلهام.
بحثُ الصلات التي تربط الثورة الإيرانية بجماعة الإخوان يقود إلى مسارب عدة، تبدأ من فترات سابقة للثورة الإسلامية في إيران. وتشير العديد من المصادر الإيرانية إلى أن جماعة الإخوان لعبت دورا كبيرا في إعادة بعث الروح الإسلامية في طهران قبل قيام الثورة الإسلامية، وإلى وجود تعاون بين عتاة جماعة الإخوان وأقطابها في مصر ورموز الشيعة الأصوليين في طهران.
وفي هذا السياق يحضر اسم “مجتبى نواب صفوي” كأحد أهمحلقات الوصل بين الجماعة الإخوانية الأم والقيادات الإسلامية الشيعية. ولبّى نواب صفوي دعوة سيد قطب لزيارة مصر عام 1954، حيث تأثر بمقولات الجماعة وطروحاتها.

وقبل الثورة الإيرانية ترجم المرشد الأعلى الحالي للثورة الإسلامية علي خامنئي كتابين لسيد قطب (‘مستقبل هذا الدين’ و’الإسلام ومشكلات الحضارة’).واحتفت إيران الرسمية بقطب بأن وضعت صوره على طوابع بريدية كانت تحمل في كل إصدار “لذكرى الشهيد سيد قطب”.

ولم يكن الحب الإيراني للإخوان ولسيد قطب من طرف واحد، بل كان حبا متبادلا رغم الاختلاف المذهبي، حيث عبّر العديد من قادة الإخوان عن ترحيبهم ودعمهم للثورة الإسلامية الإيرانية، منذ الأيام الأولى لاعتلاء الخميني سدة الحكم، واحتفت مجلة الدعوة الإخوانية بـ”انتصار” الثورة الإسلامية بأن وضعت صورة الخميني في العدد الصادر في آذار 1979.

كما تشكل وفد من قيادات الإخوان في مختلف الأقطار العربية الإسلامية لزيارة طهران للتهنئة بنجاح الثورة (وفد تشكل من عبدالرحمن خليفة مراقب الإخوان المسلمين في الأردن، وجابر رزق ممثلا عن الإخوان المسلمين في مصر، وسعيد حوى ممثلا عن الإخوان في سوريا، وعبدالله سليمان العقيل ممثلا عن الإخوان في السعودية وغيرهم).

وتتالت مواقف الترحيب، ويذكر أن عمر التلمساني (المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين) قال في يناير 1982 أي سنوات قليلة بعد الثورة “نحن ندعم الخميني سياسيّا، لأن شعبا مظلوما قد تمكن من التخلص من استبداد الحاكم واستعادة حريته، ولكن من وجهة النظر الفقهية، السنة شيء والشيعة شيء آخر.

وكتب عمر التلمساني أيضا عام 1985 في مجلة “الدعوة” أن “الاتصالات بين الإخوان ورجال الدين الإيرانيين ليس الهدف منها دفع الشيعة إلى اعتناق المذهب السني، ولكن الهدف الأساسي من ورائها الامتثال لمهمة الإسلام لتلاقي المذاهب الإسلامية إلى أقصى حد ممكن.

وقال مهدي عاكف، المرشد السابع للإخوان في حوار مع “وكالة الأنباء الإيرانية مهر”، “إن جماعة الإخوان تؤيد مفاهيم وأفكار مؤسس الجمهورية الإسلامية.

لا يكفي الحيّز المحدود لاستعراض كل مظاهر الود التاريخي الطويل بين الإخوان وإيران، لكن الثابت أن الجهتين يفرقهما المذهب وتوحدهما المصلحة السياسية والانتماء إلى الإسلام السياسي بمعناه العام.
بالعودة إلى الندوة التي انطلقنا منها، نشير إلى أن توقيتها (تنامي الفعل الجهادي الذي يستقي تعاليمه من أدبيات سيد قطب واستشراء التعبيرات الطائفية) ومكانها (طهران معقل الإسلام السياسي الشيعي)، فضلا عن الجهات الرسمية التي دعت إلى تنظيم اللقاء، وأخيرا الشخصية التي أخضعت للبحث، هي عوامل تشير كلها إلى تأكيد الصلات التي لم تتوقف بين الجهتين، وتعبّر ثانيا على أن إيران الرسمية ما زالت تعتبر سيد قطب أحد أكبر أرضياتها الفكرية.
رغم التباين المذهبي بين إيران الشيعية وجماعة الإخوان المسلمين السنية، ورغم ارتفاع منسوب الشد الطائفي في العالم العربي الإسلامي، إلا المصالح التي تجمع الطرفين تجعلهما يتجاوزان معا، ولو مؤقتا، الاختلافات المذهبية بحثا عن مصالح مشتركة، ولا شك أن طهران تجد في سيد قطب ما تبحث عنه من سند فكري تكفيري، وتجد الجماعة لدى الدولة التي لا تخفي سعيها إلى تصدير ثورتها دعما تفتقده مؤخرا.

براغماتية الإخوان وبحثها الدائم عن حليف بعد أن انسدت أمامها السبل، وبحث إيران عن مزيد من التمدد في العالم العربي الإسلامي عبر كل الأدوات والأساليب، تجعل الطرفين معا يستدعيان سيد قطب إلى طهران ويسحبان سردياته من التنظيمات الجهادية التي تتكئ عليه.

الناصريون … القوميون …والتيار العروبي / مبدأ المجال الحيوي.

جمال بدرالدولة


- 1 -
استطاع المسار التقدمي لثورة يوليو التحررية الوحدوية الاشتراكية ان يتحول الى مصدر الهام ونشاط لقطاع عريض من الشعب العربي بمختلف أطيافه الاجتماعية والطبقية والسياسية على مدى سنوات حكم جمال عبد الناصر وقيادته المباشرة والغير مباشرة لجزء كبير من الجماهير العربية. مما جعل الانتساب لمضامين هذا المسار ينتشر في أغلب مواقعه الشعبية والتنظيمية والسياسية عموما بدون ضرورة الالتزام بعنوان سياسي او ايديولوجي مفرز. فهي مضامين مشتركة يلتقي عليها كل من يتعاطف أو ينتسب أو يستلهم مساره من مسار ثورة يوليو حتى مع الاختلاف في بعض او عديد الجوانب اما مع قيادة المسار المستقرة أساسا في القاهرة أو مع بقية الكتل المتعاطفة أو المنتسبة لمسار ثورة يوليو.
فلم تكن هناك حاجة للتميز بعنوان يدل على هذا الانتساب او التعاطف خاصة وأن الزعيم جمال عبد الناصر نفسه لم يتميز بعنوان يميزه عدى عنوان القومية العربية الذي يؤكد عبد الناصر نفسه أنه عنوان سبقه وسيبقى من بعده فهو لم يخلق القومية العربية بل هي التي خلقته (والخلق هنا بمعنى الوعي بالوجود القومي الواحد والمصير القومي الواحد بكل ما يترتب عليه …).
ولكن الانقلاب الساداتي على مسار يوليو مضافا اليه غياب التنظيم القومي الشعبي القادر على صيانة وتنمية التماسك بين هذا الطيف الواسع من المتعاطفين والمناضلين في الوطن العربي .وضع كل الذين انتسبوا او تعاطفوا مع مسار ثورة يوليو في موقع الخيار بين فك الارتباط المرجعي بهذا المسار أو الدفاع عنه بكل مضامينه وملامحه.
ان هذا التصدي للانقلاب على مسار ثورة يوليو فرض على مناضليه التميز عن بقية الاطياف في المشهد السياسي العربي. تميزا يشير على الاقل الى ان ميراث ثورة يوليو يمثل بالاساس – ان لم يكن حصريا في بعض الاحيان – مرجعيتهم  الفكرية والنضالية. ولعل عنوان “الناصرية” هو العنوان الانسب والاكثر دلالة على هذا التمييز الحصري رغم الغموض والتعميم الذي يحيط به بما أنه لم يكن يمثل دلالة على منهج ونظرية ثورية مكتملة الملامح ….
لابد أن نشير الى أن القطاع  الذي فك الارتباط بمسار ثورة يوليو (بمعنى التخلي عن اعتبارها المرجعية الرئيسية) قد اختار قسم كبير منه الارتباط (او العودة الى الارتباط) بأنظمة أومراكز مرجعية أو تجارب أخرى تتسق مع ثورة يوليو في بعض أو كثير من الجوانب مثل الارتباط بالنظام العراقي بقيادة صدام حسين أو النظام البعثي السوري. ونريد أن نذكر هنا بأننا ندرج كلمة الارتباط بمعنى العلاقة المرجعية. وهو من الدوافع المهمة لاختيار “الناصريين” التميز بعنوان “الناصرية” من أجل فرزهم عن هذا القطاع من الناشطين الذين اختاروا تغيير الارتباط المرجعي حتى وان لم يغير ذلك من تمسكهم بالخيار التحرري الوحدوي الاشتراكي بل وحتى من استمرار اعتبارهم مسار يوليو مرجعية يقيسون عليها او يستندون اليها في الارتباط بالمرجعية الجديدة.
ان ما تقدم من تحليل لا ينكر نشأة عنوان “الناصرية” قبل وفاة جمال عبد الناصر ولكننا جميعا ندرك أن هذه التسمية لم تكن اختيارا من طرف الذين انتسبوا او تعاطفوا او استلهموا المضامين من مسار ثورة يوليو وانما كان عنوان فرز اختاره أعداء المسار أثناء فترة عبد الناصر وخاصة على اثر جريمة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة….
فاذا عرفنا ان اسم الناصرية أطلق قبل حتى صدور “الميثاق” في 1962 فهذا يعني أن الاسم لم يكن له اية دلالة ولو فكرية بما أن الميثاق يمثل أهم مرحلة فكرية متقدمة بدأت تشكل ارضية الفكر “الناصري”. هذا بدون ان نذكر بيان 30 مارس 1968 الذي يعتبره “الناصريون” من المراجع الاساسية التي تميزهم كناصريين….
- 2 -
لقد كان لابد من هذا المدخل حتى ننتهي الى القول بأن عنوان “الناصرية” هو خيار تاريخي استوجبته معركة التصدي ضد الارتداد عن المسار التقدمي لثورة يوليو من أجل الدفاع عن مضامين المسار ومنجزاته التقدمية من ناحية ومن أجل التميز عن الذين تخلوا عن الارتباط بمرجعية ثورة يوليو من اجل الارتباط بمرجعيات أخرى تتقاطع مع مسار ثورة يوليو في بعض أو كثير من المضامين من ناحية أخرى.
ونتقدم أكثر لننتبه فننبه أن هذه التغييرات التي فرضها الواقع الجديد بعد غياب جمال عبد الناصر هي بمثابة اعادة ترتيب داخل جزء من تيار كبير نشأ قبل ثورة يوليو ثم اقترب وجدانيا ومرجعيا من عبد الناصر الى حدود الالتحام المرجعي احيانا ليستمر بعده بعناوين وتجليات ومرجعيات مختلفة داخل المشهد السياسي العربي.
هذا التيار هو ما نسميه بــــ “التيار العروبي”.
ننبه لذلك لأننا سندرك أن من أسباب نجاح وتقدم مسار ثورة يوليو “الناصرية” هو هذا التقارب الى حدود الالتحام بينها وبين هذا التيار العريق. الذي تحول أثناء فترة عبد الناصر الى شرايين تنقل مضامين وحيوية القلب النابض في القاهرة الى مختلف أرجاء الوطن العربي. وهي ملاحظة لو اعتمدها الناصريون فاستخلصوا منها الدروس لاعادة ترتيب أسلوب العمل فانني على يقين بأنهم سيحققون نقلة نوعية وكمية في نضالهم…
ومن أجل تحديد أكثر دقة للتيار العروبي. فاننا نعرفه كجزء متجدد من الشعب العربي يشترك المنتسبون اليه في الايمان :
أ- بأننا أمة مكتملة التكوين تمتد جغرافيا على الارض المعروفة باسم الوطن العربي. وهو ما يستثني الذين يعتبرون الانتماء العربي انتماءا عرقيا او قبليا او شعوبيا من دائرة العروبيين.
ب-  بضرورة العمل على التحرر الوطني واستقلال القرار الوطني.
ت- بالدفاع عن الهوية الحضارية للامة العربية وتجديد مضامينها. مع اعتبار الخصوصيات الثقافية المحلية وغيرها جزء الحضارة العربية.
ث- بالعدالة الاجتماعية بكل ابعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها كنظام يعكس اشتراك أبناء الامة الواحدة في الانتماء لنفس الاطار الاجتماعي.
ان هذه الثوابت هي المضامين الاساسية التي استقر عليها التيار العروبي بعد عقود من التجربة والممارسة لتشكل ملامحه التي تميزه عن بقية التيارات السياسية الاخرى.
 ان المحطات الرئيسية في التاريخ العربي الحديث بداية من التطلع الى التخلص من الاستعمار العثماني مرورا بثورة يوليو ومراحل الصراع العربي الصهيوني بكل تجلياته. قد شكلت الثوابت الرئيسية التي ذكرناها والتي تطبع خطاب وممارسة الكتل النشيطة في التيار العروبي حتى مع اختلافها الى حد التناقض احيانا حول اشكاليات مهمة في المشهد العربي. ولكنها تظل المشترك الجامع بدليل انه عند الاختلاف داخل التيار العروبي يقع الاحتجاج باحدى او كل هذه الثوابت للاستدلال على سلامة الموقف.
نضيف الى ذلك ملاحظة في غاية الاهمية لا ينتبه اليها العديد من الناصريين في الوطن العربي.
ان التيار العروبي لا يشمل فقط الذين يعلنون أنهم عروبيون. فهناك العديد من القوى السياسية تلتزم بهذه الثوابت مع أنها تستند – ولو شكليا – الى مرجعيات مثل الماركسية او “الاسلامية” او غيرها.
ونحن نعتقد أنها قوى حبيسة لحضة انتقال مزمنة من الخلفية الايديولوجية القديمة الى مرحلة العقيدة القومية العربية. والدليل على ذلك هو ما نلاحظه من تناقض واضح بين مضامينها الجديدة وخطابها الذي استقرت عليها من ناحية وبين بديهيات واستتباعات الخلفية الايديولوجية المعلنة من جهة أخرى .وهو أمر لابد أن ننتبه اليه من أجل التعاطي السليم مع هذه القوى لتخليصها نهائيا من هذا الوضع لتتحول الى قوى قومية عربية خالصة و فاعلة.
- 3 -
هل أن التيار العروبي هو التيار القومي العربي؟
لقد تعمدنا استعمال اسم التيار العروبي لان هناك فرق لابد أن نذكره بين العروبي والقومي. ونحن نعتقد أن الغاية من ضرورة التمييز بينهما ليست استعلاءا من القوميين او حتى امتيازا نضاليا. وانما ضرورة من اجل معرفة مساحة البداية المشتركة وتحديد موضوعي لسقف التوقعات والتطلعات أُثناء العمل المشترك بين العروبيين وبين القوميين.
فالقومي العربي يشترك مع العروبي في كل الثوابت العروبية التي ذكرناها سابقا أثناء التعريف بالتيار العروبي. ولكنه يضيف اليها البعد القومي العربي لتكتمل هدفا استراتيجيا واحد يتلخص في دولة العرب الواحدة العادلة التي تمتد سيادتها على كل شبر من الوطن العربي.
أهم من ذلك – فرزا وتميزا – أن القومي العربي يدرك أن المشاكل القومية لا يمكن حلها كما يجب أن يكون الا بأدوات قومية فلا يدخر جهدا في سبيل بناء التنظيم القومي لأنه الاداة المناسبة لتغيير الواقع العربي باتجاه دولة العرب الواحدة.
مثال على ذلك أن العروبي يكتفي بالنضال من أجل عدالة توزيع الثروة في الدولة الاقليمية ومن أجل تكامل اقتصادي عربي بين الانظمة الاقليمية من أجل استفادة الشعب العربي من الثروات المتاحة في الوطن المجزأ في اطار الممكن الذي يسمح به النظام الاقليمي العربي.
فيكتفي بالعمل على تكامل جهود الانظمة والتنظيمات الاقليمية من اجل تحقيق هذه الغايات.
بينما يعتبر القومي العربي ان ذلك وان تحقق فهو لا يحقق العدالة الاجتماعية في الوطن العربي فهو في أقصى تقدير حلول مرحلية بالممكن الاقليمي لا يستنكرها من باب تخفيف وطأة الاقليمية على المواطن العربي ولكنه لا يعتبرها بديلا عن تحقيق العدالة بتصفية الاقليمية. فيضيف الى نشاطه الداعم لمعركة العدالة الاجتماعية  – بالممكن – نشاطا آخر تستدعيه قوميته فكرا وأسلوبا وهو العمل على بناء التنظيم القومي باستثمار خبرة النضال بالممكن التي يكتسبها من الادوات الاقليمية والعروبية الممكنة (وهي مهمة جدا على هذا المستوى).
من خلال هذا التمييز لن نجد صعوبة في الاقرار بأن التيار القومي العربي هو جزء من التيار العروبي أكثر تقدما ونضجا بما اكتسبه من قناعات وثوابت مضافة كتجليات للبعد القومي فكرا وأسلوبا.
فاذا أردنا أن نحدد الثوابت الجامعة للتيار القومي العربي فيمكننا تلخيصها كالتالي :
أ- في المنطلقات
نحن أمة عربية واحدة.  تعاني  مشكلة التخلف بمعنى عجز الشعب العربي عن توظيف امكانياته القومية المتاحة كما يجب ان يكون بسبب التجزئة والاستغلال والاستعمار.
ب-  في الغايات
ان الحل العلمي لمشكلات الامة العربية هو بناء دولة الوحدة والعدالة الاجتماعية.
ت-  في الاسلوب
الاسلوب العلمي لبناء دولة الوحدة  والعدالة الاجتماعية هو الثورة العربية التي تعني تصفية الاستعمار والاقليمية والاستغلال.
الاداة التنظيمية الجماهيرية لانجاز الثورة العربية هي  التنظيم القومي العربي الذي يؤسسه المناضلون القوميون العرب.
ث-  من الممكن الى ما يجب أن يكون
 في غياب التنظيم القومي يتصدى القوميون العرب لمشكلات الشعب العربي بما هو متاح من امكانيات وأدوات تنظيمية ومؤسساتية يستثمرونها كمواقع نضالية للتصدي للمشكلات التي لا يتوقف تأثيرها السلبي على حياة الشعب العربي وكمواقع لتدريب وانتاج الكادر القومي الطليعي ليكون مؤهلا لتأسيس التنظيم القومي والنضال في صفوفه.
ان هذا التعريف هو تحديد للأرضية المشتركة التي يقف عليها القوميون العرب في مواجهة مشكلات الأمة العربية. ونعتبر النقطة الرابعة (من الممكن الى ما يجب أن يكون) هي رابطة الانتساب الرئيسية التي تجعل التيار القومي العربي جزءا من التيار العروبي مؤهلا لتخطي حدود تطلعات العروبيين التي تتوقف غالبا على حدود معارك الممكن لا تتجاوزها الى ما يجب ان يكون بداية من تأسيس التنظيم القومي العربي.
ان هذا التعريف المحدد للتيار القومي لا يعني الاتفاق التام بين مكوناته ومنتسبيه على نظرية قومية عربية مكتملة المعالم. على الأقل الى حدود الساعة. ولكنه يشير الى مستوى أكثر تقدما من الاتفاق والاشتراك في المنطلقات والغايات والاسلوب مع الاحتفاظ بالاختلاف في المنهج و في التفاصيل.
- 4 -
ماهو موقع الناصريين من التيار العروبي عموما ومن التيار القومي العربي خصوصا؟
اذا كان مقياس الناصرية هو اعلان الشخص أنه ناصري بصرف النظر عن مفهومه للناصرية فاننا لاشك سنتعقب وجود الناصريين في مختلف مستويات التيار العروبي سواءا القومي العربي أو غير ذلك بل انه بامكاننا تعقبهم حتى خارج هذا التيار حتى أننا نجد “ناصريين” اقليميين” وآخرين مطبعين مع العدو الصهيوني وآخرين “ساداتيين”….
ولكننا سنعتمد على مقياس نعتقد انه يمثل الحد الادنى الذي يمكن ان يتفق معنا عليه كل من يعتقد أنه ناصري.
فنعرف الناصرية كمجموع الثوابت العامة التي انتهى اليها مسار ثورة يوليو. وهو ما سيجعلنا نبحث في آخر ما انتهى اليه المسار من مواقف فيما يتعلق بالمشروع القومي العربي.
 وعندما نتحدث عن المشروع القومي العربي فاننا نعني منطلقات وغايات واسلوب المشروع.
ولا شك أن خلاصة ما انتهى اليه مسار ثورة يوليو على هذا المستوى هو :
أ- أننا أمة عربية واحدة تعاني من الاستعمار والتجزئة والاستغلال.
ب- أنه من حق الأمة العربية بناء دولتها الواحدة الاشتراكية الديمقراطية.
ت- أن الثورة العربية هي الطريق الوحيد لتحقيق هذه الغاية.
ث- أن “الحركة العربية الواحدة” أصبحت ضرورة تاريخية لا بديل عنها من أجل الثورة العربية.
ج – أن الايمان بضرورة التنظيم الطليعي لم تثني عبد الناصر عن استعمال ودعم كل الامكانيات المتاحة اقليميا وعربيا من أجل التصدي لمشاكل الامة بما هو متاح.
ان هذه الثوابت هي خلاصة الخلاصة لما انتهى اليها مسار ثورة يوليو الى حدود رحيل جمال عبد الناصر. ولا يمكن لأحد ينسب نفسه مرجعيا لثورة يوليو أن ينكر واحدا أو أكثر من هذه الثوابت ثم يدعي أنه ناصري.
وعلى أساس ما تقدم لا يمكن أن يتموقع الناصري الا داخل التيار القومي العربي. لأننا نلاحظ بما لا يسمح بأي مجال للشك أن المشترك بين الناصريين حسب المقياس المذكور يمثل مساحة أكثر خصوصية داخل التيار القومي العربي وليس خارجه.
- 5 -
كان لابد من هذه المحاولة لتفكيك مكونات التيار العروبي. ثم تحديد موقع الناصريين منه. حتى نستطيع اعادة تصور ثم صياغة ما يجب أن تكون عليه العلاقة الايجابية بين الناصريين وبقية مستويات التيار العروبي بالاتجاه الذي يدفع الى نقلة نوعية ليس في مسار النضال الناصري فقط بل وأيضا في مسار النضال العروبي عموما.
ان حالة التمترس وراء حواجز العناوين التاريخية أو الخصوصية المرجعية لم يعد لها أي مبرر في اللحضة التاريخية الراهنة لعدة أسباب لعل من أهمها :
1- أن الصراع ضد القوى المعادية تراجع بنا من الخاص الى العام. ونضرب لذلك مثلا أننا في الوقت الحالي أصبحنا نقاوم تفتيت المفتت ونعمل على حماية الدولة الاقليمية بعدما كنا نتطلع الى تصفية الانظمة الاقليمية من اجل دولة العرب الواحدة.
ونضرب مثلا آخر لنقول أننا أصبحنا نقاوم تغول المنوال الرأسمالي ونطالب بالحد من اجحافه في حق المواطن العربي بعدما كنا في مرحلة تاريخية سابقة نستثمر انتشار الوعي الاشتراكي لنناضل بكل تفاؤل من أجل اقامة نظام اشتراكي.
اننا نلاحظ بكل وضوح أن أسلوب رد الفعل الذي تفرضه علينا المعارك العربية مضاف اليها غياب قدرتنا على التحكم في مجرى الاحداث ولو جزئيا كان ولا يزال السبب في تقهقر تطلعاتنا الحالية ونحن نحاول التصدي لتردي الواقع العربي. وهو بالضبط المعنى الحقيقي للتراجع بنا من الخاص الى العام.
2- ان هذا التراجع يضعنا بالضبط في مستوى التطلعات العامة المشتركة بين مناضلي التيار العروبي فيفرض علينا انتاج علاقة سوية ايجابية مع هذا التيار قادرة أن تمنحنا قدرات جماعية اضافية للنجاح في الاشتباك.
3- أن التيار العروبي هو الأكثر تأهيلا للتفاعل التراكمي مع القوميين والناصريين من أجل انتاج مشروع للثورة العربية أكثر حداثة واستفادة من خبرات العقود الماضية.
ونحن لابد أن نقر بحاجة المشروع القومي عموما الى صهر كل روافده الفكرية لانتاج مشروع جديد قادر على استقطاب وجمع وتحشيد كل الطاقات العروبية في الوطن العربي لاستعادة القدرة على تغيير الواقع بما ينسجم مع الاهداف الاستراتيجية.
فيعفينا هذا التفاعل عناء الانطلاق من مستوى قريب من العدم. بما أن الكم العددي للتيار العروبي لا يمكن الاستهانة به.
4- ان العناوين المتقدمة في الخصوصية مثل “الناصرية” لم يعد لديها نفس قوة الاستقطاب والجاذبية مثلما كان في مراحل سابقة. بينما يحافظ العنوان “العروبي ” على نسبة أكبر من الاستقرار في أغلب الساحات العربية. وهو ما يؤهله ليكون المجال الحيوي الحاضن للناصريين والقوميين ليمدهما بامكانيات التواجد والتفاعل مع الجماهير العربية من ناحية ومع مكونات التيار العروبي من ناحية أخرى.
ان الدعوة الى تجاوز حالة التمترس وراء خصوصية العناوين لا يعني بأي حال من الاحوال الدعوة الى الغاء العناوين نفسها. بل انه يعني الانفتاح الايجابي والتفاعلي مع باقي العناوين داخل التيار العروبي. ليس فقط على المستوى النضالي حتى لا تتحول العلاقة الى علاقة نفعية (براغماتية) وانما ايضا وبنفس المستوى من الاهمية الانفتاح الفكري لتحقيق حالة حوار تصاعدي مستمر ينطلق من مساحة الالتقاء المشترك ليغذيها فينميها تدريجيا باتجاه المنهج والنظرية المشتركة في مناخ نضالي مشترك يخفض من منسوب التباعد والتمترس دون اللجوء الى التعسف في الغاء العناوين الخاصة.
ان الناصريين والقوميين عموما لابد أن يعيدوا ترتيب علاقتهم مع بقية مكونات التيار العروبي على اساس اعتبار هذا التيار هو المجال الحيوي لاستمرار وجودهم ولامكانية نموهم الفكري والنضالي. وأن عدم الانتباه لهذه القاعدة سيسمح بمزيد اغتراب القوميين عموما والناصريين خاصة عن الحاضنة الجماهيرية.
لاشك أن هذه الصياغة الجديدة للعلاقة بين الناصريين وبقية مكونات التيار العروبي ستحتاج الى فترة من التدريب المشترك على المناخ الجديد في مختلف مستوياته. ولعلها بدأت منذ فترة بخطوات بطيئة وموسمية فرضتها محطات مهمة ومزعزعة من التاريخ القريب مثل العدوان على العراق ولبنان وسوريا وخاصة محطات العدوان على شعبنا العربي في فلسطين.
لكننا بحاجة الى نشاط تفاعلي بين مكونات التيار العروبي – بما فيهم الناصريين – أكثر ديمومة في الزمن والاهم من ذلك أن يكون أكثر تراكمية حتى يستطيع التبشير بالولادة الجديدة.
لا يمكننا أن نتخيل ما يمكن أن يتيحه هذا الترتيب الجديد من رحاب الحركة والاستقطاب والفعل في الواقع لأننا ببساطة سننفتح على روافد لا يمكن حصرها من الامكانيات الفكرية والنضالية القادرة على اعادة ضخ الامل والعزيمة والنشاط في مختلف مفاصل الجسم الناصري والقومي العربي.

لِنبحثْ عن المشترَك.. لا عن القاسم!

 صبحي غندور

يرى صاحب كل فكر الصواب في فكره، والخطأ في فكر غيره، لكنْ قليلٌ من المفكّرين من يرى احتمال الخطأ في فكره أو احتمال الإصابة في فكر الآخر. وهذا منطلق مهم لإمكان نجاح أي حوار بين أفكار وآراء مختلفة، ومع انعدام هذا المنطلق المشترك الذي يحتمل الصواب والخطأ في كل رأي، سيسير أي حوار بين رأيين أو موقفين مختلفين في طريق مسدود.
عوامل كثيرة تدفع بعض الناس إلى الانحباس في خنادق فكرية فيعتقدون أنّهم بذلك يصونون أنفسهم من مخاطر جحافل "الفكر الآخر"، بينما هم  في الواقع يسجنون ما لديهم من فكر ورؤى، فلا "الآخر" يصل إليها أو يتفاعل معها، ولا هم يتطوّرون أو يكسبون فكراً جديداً بل يبقون على ما هم عليه جامدين متحجّرين.


هكذا هي أحياناً مشكلة بعض الحركات السياسية، الإسلامية أو القومية، أنّها لم تحسن إدراك المفهوم الصحيح للمفاهيم المتداولة أو للانتماءات الدينية والقومية، وقام هذا البعض بخلط المفهوم الفكري والثقافي مع المضامين والمواقف السياسية، فأصبحت أخطار الممارسة مقرونة بمفهوم الانتماء أو الهُويّة نفسها. من أجل ذلك خرجت مدارس فكرية وسياسية تدين هذا الاتجاه الديني أو ذاك القومي بحالٍ من التعميم لكلّ ما هو "إسلامي" أو "قومي"، بينما لا تجد الحالة الفكرية السليمة تناقضاً ما بين الهويّة الثقافية القومية وبين المضمون الحضاري الإسلامي لها.
هي أيضاً مشكلة مصطلح "العلمانية" الذي يخضع للكثير من الذمِّ والمدح دون اتفاقٍ أولاً على مفهوم المصطلح نفسه، وعلى التمييز المطلوب بين التجارب العلمانية في العالم. فالمسلمون في أميركا – كما غيرهم من أتباع الديانات الأخرى- يمارسون كامل حقوقهم الدينية في ظلِّ مجتمع قائم على النظام السياسي العلماني. لكن علمانية الدستور الأميركي اختلفت مثلاً عن علمانية التجربة الفرنسية من حيث النشأة، كما من حيث التطبيق أيضاً. ففرنسا اختارت العلمانية تاريخياً من أجل وضع حدٍّ لتدخّل الكنيسة في شؤون الدولة، بينما الآباء الدستوريون في أميركا، وفي مقدّمتهم توماس جيفرسون، اختاروا النظام العلماني لضمان حرّية تعدّد الطوائف الدينية ولعدم طغيان طائفة على أخرى. فأميركا لم تشهد تاريخياً الصراع الذي جرى في أوروبا بين رجال الكنيسة وبين رجال وأمراء الدول، ولذلك اختلف المفهوم واختلف التطبيق رغم وحدة التسميات. وهذا ينطبق أيضاً على الفارق بين التجارب العلمانية الشيوعية وغيرها من الأنظمة العلمانية الديمقراطية، حيث سعت العلمانية الشيوعية لفصل الدين عن المجتمع كلّه، لا لفصل الدين عن الدولة فقط كمفهوم عام لمصطلح العلمانية.

إنَّ "العلمانية الأميركية" لا تفصل الدين عن الدولة كلّياً كما هو الحال مثلاً في فرنسا وتجارب أوروبية أخرى، ولا يجد أي رئيس أميركي حرجاً في الذهاب أسبوعياً للكنيسة من أجل الصلاة، والحرص أحياناً على التغطية الإعلامية لهذا الأمر، كما هو الحال أيضاً في جلسات الكونغرس التي يتمّ افتتاحها بقراءات من كتب مقدّسة، بينما لا يُتصوّر قبول ذلك في تجارب علمانية أوروبية. فالعلمانية الأميركية تشجّع على الإيمان الديني ولا تحاربه، وتقوم المؤسسات الحكومية بدعم المراكز والمؤسسات الدينية (وبعضها إسلامي)، وتتمّ الصلاة في مؤسسات حكومية وتشريعية بشكلٍ مشابه تماماً لما يحصل في كثير من البلدان العربية والإسلامية. وحقوق الناس في ممارسة شعائرهم الدينية (بما في ذلك مسائل الشكل واللباس) هي مصونة بحكم القانون. وهذا أمرٌ لا توفّره مثلاً التجربة العلمانية الفرنسية أو حتّى التركية إلى وقتٍ قريب.
إذن، رفض العلمانية بالمطلق، أو الدفاع عنها بالمطلق، هو إجحاف بحقِّ المفهوم والتجارب التنفيذية له. فالعلمانية، في التجربة الأميركية، هي لضمان حقوق كل الطوائف والأديان ولمنع هيمنة إحداها على الأخرى، بينما يتمّ استخدام العلمانية في تجارب عالمية أخرى للحدِّ من دور الدين في المجتمع.
فالتوافق على فهمٍ مشترَك لمعنى ومضمون أي مصطلح فكري هو المدخل الأهم لأي جهد فكري متعدّد الآراء. هذا الأمر ينطبق حتّى على ما يندرج تحت خصوصيات قائمة داخل الأمَّة الواحدة. فالحلُّ لا يكون برفض المصطلح لمجرّد اختزان مفاهيم عن تجارب محدّدة سلبية تحمل تسمية المصطلح نفسه، إذ المشكلة هنا أنّ المصطلحات كلّها تعرّضت إلى تجارب تطبيقية سلبية ومسيئة: في الفكر الإسلامي والفكر القومي والفكر العلماني، كما على صعيد شعارات الحرّية والديمقراطية والوطنية.
ومن غرابة الأمور، أنّ التشويه حدث ولا يزال يحدث في البلاد العربية لمصطلحات فكرية ولمفاهيم كانت هي الأساس في تغيير إيجابي بكثير من أرجاء الأمَّة العربية، وفي مراحل زمنية مختلفة، بينما تنتعش مفاهيم ومصطلحات أخرى تحمل أبعاداً سلبية في الحاضر والمستقبل إذا ما جرى الركون إليها أو التسليم بها. فمصطلح "الشرق الأوسط" أصبح أكثر تداولاً الآن من تعبير "الأمَّة العربية". ومصطلح "المصالح الطائفية والمذهبية" أضحى أكثر انتشاراً من الحديث عن "المصلحة الوطنية". والاحتلال الأجنبي تحوّل إلى "تحرير من نظام ديكتاتوري"! و"الخصخصة" أصبحت بديلاً لواجبات الدولة في التخطيط الاقتصادي الشامل وفي ضمان "العدل الاجتماعي"، أمّا "الديمقراطية" فجرى اختصارها في آليات انتخابية ودمغ الأصابع بالحبر!.
إنَّ العقود الثلاث الماضية شهدت ضغوطاً أميركيّة كثيرة من أجل التطبيع العربي مع إسرائيل، كمدخل مطلوب لمشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وهو المشروع الذي جرى الحديث عنه علناً في مطلع التسعينات بعد مؤتمر مدريد للسلام، وبما كتبه شيمون بيريز آنذاك من دعوة (لتكامل التكنولوجيّة الإسرائيليّة والعمالة المصريّة مع المال الخليجي العربي) في إطار "شرق أوسطي جديد" يُنهي عمليّاً "الهويّة العربية" ويؤسّس لوضع إقليمي جديد تكون إسرائيل فيه بموقع القيادة الفاعلة عملياً.
أيضاً، نجد المنطقة العربية تعيش الآن مخاطر التهديد للوحدة الوطنية كمحصّلة لمفاهيم أو ممارسات خاطئة لكلٍّ من الوطنية والعروبة والدين. وقد عانى العديد من الأوطان العربية، وما يزال، من أزمات تمييز بين المواطنين، أو نتيجة ضعف بناء الدولة الوطنية ممّا أضعف الولاء الوطني لدى الناس وجعلهم يبحثون عن أطر فئوية بديلة لمفهوم المواطنة الواحدة المشتركة.
هي الآن مرحلة حاسمة ليس فقط في "تاريخ" العرب، بل أيضاً في"جغرافية" أوطانهم وفي "هويّتهم" وفي مستقبل أجيالهم.
شّعوب كثيرة في "شرق" الأرض و"غربها"، وفي "شمالها" و"جنوبها"، خلُصت إلى قناعة بضرورة نبذ العنف بين بلدانها وداخل مجتمعاتها الخاصّة، وباعتماد النّهج الديمقراطي في الحكم والعلاقات بين المواطنين والأوطان، بينما للأسف تزداد ظواهر الانقسام والعنف الدّاخلي في أرجاء المنطقة العربية، ويستمرّ تهميش القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، ويتواصل استنزاف الجيوش العربية الكبرى في معارك أمنية داخلية، وتتعمّق المفاهيم و"الهويّات" الإنشطارية في كل أرجاء الأمَّة على حساب "الهُويّة الوطنية" الواحدة و"الهويّة العربية" المشتركة!. 
إنّ الحروب الأهليّة هي طاحونة الأوطان في كلّ زمانٍ ومكان. وهاهي المجتمعات العربيّة أمام تحدٍّ خطير يستهدف كلَّ من وما فيها. هو امتحان جدّي لفعل المواطنة في كل بلدٍ عربي إذ لا يمكن أن يقوم وطنٌ واحد على تعدّدية مفاهيم "المواطنة" و"الهويّة". وحينما يسقط المواطن في الامتحان يسقط الوطن بأسره.    
إنّه لواقع حال لا يعبّر فقط عن أزمة فهم المصطلحات، إذ لو كان الأمر كذلك لأضحى الحل في طباعة قاموس جديد!. حقيقة المشكلة هي أنّ وراء كل مصطلح مشوَّه، تجارب محلية سيئة أو أهداف خارجية مشبوهة، وبعض هذه التجارب السيئة مستمرٌّ في الحكم، والبعض الآخر في المعارضة! من هنا يمكن البدء في تصحيح المفاهيم والاتفاق على المصطلحات، ثمّ العمل المشترك لتصحيح الواقع.
وللحديث صلة عن مفاهيم (الحوار) و(الجدل) و(التفاوض) وما نحتاجه عربياً.   

نيلسون مانديلا والقضية الفلسطينية

 
 سامية بن عكوش
 
يمثل نيلسـون مانديلا الملهم الأهمّ للمناضل والمفـكر الفلسـطينيّ إدوارد سعيد؛ لسببين: أوّلا لأنّ نيلسون مانـديلا نجح في إنهـاء حكم الأبارتيد في جنوب إفريقيا وأسهم في تأسيس دولة، يتعايش فيها السود مع البيض. وثانيا وهو الأهمّ أنّ نيلسون مانديلا كسب التعاطف الإنساني الكبير للغرب قبل الأفارقة، لأنّه نجح في انتزاع اعتراف هؤلاء بمأساة السود في جنوب إفريقيا، عبر مخاطبة هذا الضمير الإنسانيّ وإحراجه. لم يخف إدوارد سعيد إعجابه بحنكة وإنسانية نيلسون مانديلا، بل واعتبر نموذج حلّ جنوب إفريقيا هو الأمثل للصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، بأن يتعايش اليهود والفلسطينيون في وطن فلسطينيّ واحد، يراعي حقوق الجميع.
ويتأسّس تصوّر إدوارد سعيد للحلّ على تعريف خاص للثقافة والهوّية، وعلى معطيات جغرافية وديموغرافية تقف دون تحقيق حلم البعض في دولتين منفصلتين داخل فلسطين.
فأما عن التعريف الخاص للثقافة وللهوّية؛ فإدوارد ينفي ادّعاء الهوّية النّقية الصفّية، ويقرّ بما يسمّيه بهجنة الهوّيات والثقافات. فالثقافة اليهودية حسبه متجذّرة في الثقافة المشرقية القديمة، رغم محاولة بعض المنظّرين من أمثال فرويد توطينها في الثقافة الأوروبية إذ أنّ موسى مصريّ وديانة اليهود استمدّت مفهوم التوحيد من إخناتون المصريّ. فلا وجود لثقافة خالصة، ولا لهوّية جوهرانية حسب إدوارد. وكلّ هوّية نهر متدفّق، يحطّم الثبات والسّكون، وينفتح باستمرار على السّيولة والحركة.
وأما عن الأسباب الدّيموغرافية والجغــرافية التي تحول دون تحقيق حلّ الدولتين حسب إدوارد سعيد فلكون فلسطين صغيرة المساحة، ويحصل فيها اندغام ديمغرافيّ بين السّكان من الضفتين حيث يقول: «ولكن هناك حقيقة لا تقلّ أهمّية وهي أنّ المكان يبدو صغيرا جدا بحيث لا يمكنك فيه أن تتجنّب الطرف الآخر كلّية». والمفارقة حسب إدوارد سعيد أنّ الفلسطينيين يشتغلون في مشاريع الاستيطان التي يقوم بها الإسرائيليون، كما يشتغلون في تل أبيب والقدس الغربية وحيفا. كما أنّ حلّ الدولتين مستحيل التطبيق حسبه، مادامت بلدات فلسطينية كبيت حنينا، أصبحت جزءا من حدود بلدية القدس. فرغم شعور العداء والكراهية المتبادل بين الطرفين، لكنّهم يتواجدون فيزيائيا معا في المكان نفسه»، وهو الوضع الذي يجعل حلّ الدولتين حسب إدوارد سعيد حلم، يستحيل تجسيده، وإنّ وضعا كهذا صنعته إسرائيل باقتحامها للأراضي الفلسطينية، وأصبح واقعا مؤكّدا ديموغرافيا وجغرافيا.
يرى إدوارد أنّ تسوية سياسية تضمن تعايشا سلميا بين الطرفين، على أساس النّدية والمساواة هو الحلّ الواقعيّ والأمثل في ظلّ المعطيات السّابقة. ولا يكفي حسبه سحب السّكان إلى خارج حدود أحدّ الأطراف لتأسيس دولتين مختلفتين مما يجعل اتّفاقات أوسلو مجرد يوتوبيا.
لم يكتف إدوارد سعيد في نضاله حول القضية الفلسطينية، بالكتابة عن حلّ الدولة الواحدة من خلال مقالاته الصحافّية، بل صاغ تصوّره في خطّة عملّية، قدّمها إلى ياسر عرفات، في بيروت 1978، ثمّ أعاد اقتراحه سنة 1979. لكنّه قوبل بالرّفض. وتوجّه بعدها إلى تأسيس تيار علمانيّ، يضمّ مجموعة من كوادر فلسطين: الدكتور حيدر عبد الشّافي، مصطفى برغوث، إبراهيم الدّقاق، أحمـد حرب، والشّاعر محــمود درويش. وأصدروا منشـورا سياسيا، يسعى إلى تعـزيز المقاومة لتحقيق التحرّر، وكذا تنظيف البيت الفلسـطينيّ من تأثيرات حاشية ياسر عرفات.
تعـود الحرب الإسرائيلية على غزّة كلّ مرة، ومعها الأسئلة ذاتها: ما الحلّ الأنجع للقضية الفلسطينية؟ أهو حلّ الدولتين أم حلّ الدولة الواحدة كما ناضل لأجلها إدوارد سعيد.
أيّا كان الاختلـاف بين آراء دعاة حلّ الدولة الواحدة، ودعاة حـلّ دولتيـن منفصـلتين فإنّ كلا الطرفين لن يختلفا حـول وزن الـرّأي العـام الغربيّ في حلّ القضية الفلسـطينية، وإنّ أيّ استراتيجية نضال فلسطينيّ ناجح، تستوجب تسطير خطوات عملّية لكسب التعاطف الدوليّ. وربما هذا ما أعجب إدوارد سعيد في نضال نيلسون مانديلا حيث استطاع مانديلا تحريك الضمير الإنسانيّ العالميّ، وإحراجه عبر إيصال مأساة الإنسان الأسود في جنوب إفريقيا. وعلى عكس استراتيجية نيلسون مانديلا، اعتمد الفلسطينيون على تعاطف الضمير القوميّ العربيّ أو الإسلاميّ. وقد أثبت التاريخ، وعلى مدار ستين عاما من الاحتلال، عدم تمكن الفلسطينيين من تحرير فلسطين، بانضوائهم تحت العباءتين، القومية والدّينية فقط. وأثبتت الحرب الأخيرة على غزّة، أنّ الرّأي العام الغربيّ تحرّك لمساندة الإنسان الغزويّ من خلال المظاهرات التي خرجت في أكثر من عاصمة غربية، في حين ساد الصمت في الشّارع العربيّ. فحريّ بالفلسطينيين تجديد نضالهم، بإيصال معاناة الإنسان الفلسطينيّ، إلى قلب كلّ حر في العالم، عبر الجمعيات الفلسطينية النّاشطة في الغرب، أو عبر الجمعيات الغربية، أو المحاضرات والنّدوات كما كان يفعل إدوارد سعيد. فالبرقع الهوويّ «القومية العربية والإيديولوجيا الإسلامية « أثبتا عدم كفايتهما في تحقيق النّصر. فلم يواصل الفلسطينيون في طلب النّجاح لقضيتهم، وهم يستعملون هذه الوسائل المحدودة نفسها؟

هل يهدم معول الجهل حضارة بلاد الرافدين؟

 منى مقراني
 
نقلت جل وسائل الإعلام العالمية مشاهد في غاية الإنحطاط والتخلف وفي منتهى الألم بالنسبة لمن إستطاع متابعة لقطات البؤس والتصحر الأخلاقي تلك.
والتي تمثلت في تحطيم كنوز ونفائس الحضارة الآشورية(1392_612)ق.م؛ الموجودة في متحف الموصل، ويبدو أن تنظيم الدولة الإسلامية مصر علی جذب إنتباه وتركيز العالم عبر الوسائل الإعلامية المختلفة وتحريف البوصلة بأي ثمن كان، بإحتراف التخريب والهدم لشد انتباهنا عن المعضلة الإنسانية الحقيقية في العراق وسوريا .
فقد بات التنظيم (يتفنن) في إيذائنا وجذبنا بشتى الطرق والوسائل بدءا من إدعائها رفع راية الإسلام وتطبيقها القاصر المعوج لتعاليمه مرورا بقتل الناس وتقطيع رؤوس الأسری وحرقهم (وإن كانوا سنة) وصولا إلى محاولتهم محو الذاكرة العراقية والإنسانية عموما .
ويكفيهم جهلا قطع رأس أحد التماثيل بعد إسقاطه وكأنه كبيرهم الذي علمهم السحر. ويبدو أن المشاهد المقيتة تلك تخفي وراءها حقيقة هذا الكيان وسبب وجوده وكأنها مرآة عاكسة له، فهو لم يوجد إلا ليهدم ويتم ما بدأه الإحتلال الأمريكي في2003 فتطبيق مشروع بتر العراق بدأ مذ ذاك التاريخ.
ومن حق العراقيين خصوصا والعرب عموما أن يتساءلوا: لماذا لايلتفت الی هدم الإنسان العراقي وتقطيعه مذهبيا وطائفيا؟ وهل التنظيم وحده من يقوم بهذا الفعل الشنيع؟ لماذا لا يسلط الضوء على الكيانات الإرهابية الطائفية المختلفة الأخری؟ أم أن العالم صم أذانه عن سماع أخبار قتل العراقيين وتهجيرهم! لماذا الانتقائية في نقل صور الدمار ؟ ليس أمرا هينا بتاتا تكسير تراث إنساني يمتد لآلاف السنين قبل الميلاد ناهيك عن بعدها؛ وليس من العقل الإستهانة بهكذا ممارسات بائسة، لكن أين الإنسان العراقي من كل هذا الحراك الإعلامي الموجه بعناية ودقة فائقة؟
المتابع للتغطية الإعلامية العالمية لتحركات وممارسات هذا الكيان المتطرف يجعلك تتساءل حقيقة عن معيار الحياة والقيم الذي تتبناه هذه الإمبراطوريات الإعلامية العالمية.
اين هم من كل ما حدث ويحدث في العراق وسوريا؟ هل حرق الكساسبة جريمة لا تغتفر وحرق شعب بالبراميل المتفجرة مسألة فيها نظر!
كيف يتم التفريق بين ممارسات المالكي سابقا والميليشيات الطائفية الإيرانية في العراق وجرائم الإبادة والقتل بالكيميائي التي قام بها بشار الأسد وبين ما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية ! لايمكننا أن نساوي بين الفعلين فالفرق واضح بين القوتين.
تنظيم الدولة الإسلامية بفعله الأخير هذا ضرب عصفورين بحجر كما يقول المثل؛ قام بسياسة توجيه الأنظار بواسطة الإعلام كما هي عادته منذ زمن وأضاف منبعا يدر عليه أموالا طائلة إضافة إلى منابعه الأخری كبيع البترول والفدية والضرائب …الخ؛ فهو بذلك يسعى إلى بيع آثار المتحف في السوق السوداء؛ ولن أتفاجأ اذا سمعنا أو شاهدنا منحوتات أو كنز من كنوز حضارة ما بين النهرين تباع او تهرب في الظلام كما حدث سابقا وعلى مر السنين.
الحضارة يبنيها الإنسان؛ ولا يوجد ماهو أهم ولا أعظم منه فهو الذي يصنع تاريخه ويبني حاضره ومستقبله، ولا توجد إرادة أقوی وأقدر من رغبة الإنسان في الحياة والإستمرار ، ولن يعجز العراقيون عن إيجاد أو إبتكار حلول تعيد لهم وطنهم فهم بناة حضارة منذ الأزل، بدءا من السومريين (3500) ق.م مرورا بالبابليين، إلى الآشوريين.
إن شعبا عظيما كتب في(5000)ق.م، شعبا سن قادته القوانين كقانون حمورابي الذي بقي شاهدا على رقي بابل أقوی مدينة في القرن الثامن عشر ق.م، شعبا ظل حضنا عربيا لكل من قصده؛ أنجب للأمة خيرة علمائها وأطبائها ومثقفيها وأدبائها، لن يعجزه معول الخشب المهترئ ؛ فهو صلب حجر الصوان ، وسينتفض ويغسل عن وجهه كل آثار الحزن والألم، ويعود شامخا أبيا كما عهدناه دوما.

حلف عسكرى عربى

  عبد الحليم قنديل

مع إنشاء هيئة عربية كبرى لتصنيع السلاح المتطور.. ومشروع نووى سلمى.. ووكالة فضاء لإطلاق الأقمار الصناعية
 
حانت اللحظة المناسبة للدعوة إلى مبادرة جديدة، مضمونها باختصار: إنشاء حلف عسكرى عربى .
ونعرف بالطبع أن ثمة معاهدة دفاع عربى مشترك، جرى عقدها أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، ثم انتهت إلى الحفظ فى الثلاجة، وكاد الناس ينسون وجودها أصلا، تماما كمصائر اتفاقات جامعة الدول العربية فى المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والتى صارت فولكلورا ميتا، فالجامعة تحولت إلى قبر من رخام، وبالذات فى الأربعين سنة الأخيرة، مع تفكيك التعبئة والتنمية بنهاية حرب أكتوبر 1973، وتوارى الدور القيادى الحاسم لمصر فى أمتها العربية، وتراجع المشروع القومى العربى، وإحلال مشاريع هيمنة أمريكية وإسرائيلية وتركية وإيرانية، وتحكمها فى مصائر المنطقة، والتحطيم المتصل للكيانات العربية القطرية، التى صاغت حدودها اتفاقية « سايكس بيكو» قبل مئة سنة تقريبا، والتى قسمت الأمة جغرافيا إلى أقطار، ثم تتعرض هذه الأقطار الآن لنوبات تمزيق نهائى، وتجرى تجزئة المجزأ، وتقسيم الأقطار إلى أمم صغرى طائفية وإثنية، بل إلى فوضى عبث دموى بربرى على طريقة خلافة داعش وأخواتها .
وفى وقت نهوض مصر الناصرية، كان العمل العسكرى العربى ينطلق من قاعدته فى القاهرة، وكان الدعم العسكرى المصرى كثيفا ومؤثرا ومباشرا لحركات التحرير مشرقا ومغربا، ثم كانت النجدة العسكرية المصرية لثورة اليمن، وصياغة إطار ميدانى لقيادة عربية مشتركة، حاولت التنسيق بين جيوش دول الطوق المحيطة بكيان الاغتصاب الإسرائيلى، كانت القيادة المشتركة صورية تماما، وجرى استيعاب الدرس بعد هزيمة 1967، وتبلور إطار عمل اقتصادى عسكرى جديد، تقاسمت الأدوار فيه دول الجبهة ودول الدعم المالى، وكان الجيشان المصرى والسورى تحت قيادة واحدة عمليا فى حرب 1973، وبما أسهم فى تحقيق عنصر المبادأة والمباغتة، وقاد إلى نصر السلاح الذى خذلته السياسة بعد الحرب .
كان وضوح الهدف، والإجماع على موارد الخطر، وقيادة مصر للعرب، كانت تلك هى الخلطة السحرية الضرورية للنجاح، وقد ضاعت الخلطة فى عقود الانهيار التى تلت الحرب، والتى سكتت فيها المدافع على جبهة الصدام مع إسرائيل، وقيل إن حرب أكتوبر هى آخر الحروب، لكن عشرات الحروب اندلعت بعدها، من الحرب الأهلية اللبنانية إلى حرب غزو الكويت، وإلى حرب غزو العراق وتحطيم ليبيا التى تكاد تلحقها سوريا الآن، ولم تسلم مصر، فقد جرى اقتيادها إلى المشاركة تحت قيادة الأمريكيين فى حروب الخليج، وفقدت دورها فى المنطقة كوتد للخيمة العربية، وجرى تفكيك اقتصادها وركائزها الإنتاجية فى الصناعة والسلاح، وتحطيم استقلالها الوطنى، وإنهاكها بحروب النهب العام فى الداخل، وإلى أن وقعت «من قعر القفة»، وانتهت إلى سيرة انحطاط وتخلف مرعب عن سباق العصر، لم تنقذها منه سوى ثورة خلع مبارك فخلع حكم الإخوان .
ومصر تستعيد أسماءها الحسنى اليوم، وتستعيد يقظتها إلى دور غابت عنه طويلا، وهو ليس دورا استعراضيا، ولا عملا تكميليا تملك مصر أن تستغنى عنه، فالدور المصرى عربيا هو صلب وجود مصر فى ذاتها، ومصرية مصر هى ذاتها عروبة مصر، وهذا هو قانون مصر فى دورات صعودها، ومن «مجدو» تحتمس إلى «قادش» رمسيس، ومن «عين جالوت» قطز إلى «حطين» صلاح الدين، ومن معارك محمد على إلى حروب جمال عبد الناصر، وإلى ضربات المعلم عبدالفتاح السيسى، والذى يستعيد الدور المصرى بدأب وثقة وذكاء، وبإدراك عميق لتغير الظروف، ويربط نهوض مصر فى الداخل بدورها فى المنطقة من حولها، ويدهس مناطق نزع السلاح فى سيناء، ويتخلص تدريجيا من روابط التبعية المذلة للأمريكيين، ويمد جسور الصلات العسكرية والصناعية والاقتصادية مع روسيا الجديدة، ويقيم علاقة تكامل وثيق بين فوائض القوة العسكرية المصرية وفوائض القوة المالية الخليجية .
نعم، استعادة دور مصر هى الشرط الجوهرى لبناء حلف عسكرى عربى، تتزايد دواعى الحاجة إليه باستمرار المخاطر القديمة، وبتجدد مخاطر أعظم، تفكك دول المنطقة بداء الإيدز الإرهابى، وتقيم حول مصر دائرة من نار، فقد تحطمت إلى الآن ست دول عربية، أو هى بسبيلها إلى الزوال، وهى العراق وسوريا واليمن والصومال والسودان وليبيا، فوق أن وجود إسرائيل فى ذاته خطر على الوجود المصرى فى ذاته، بالحرب أو دونها، ولم يعد ممكنا مواجهة المخاطر كلها بالأساليب التقليدية الركيكة، ومن نوع قرارات الجامعة العربية الكاريكاتورية، أو انتظار موقف مجلس الأمن الدولى، أو مسايرة تعليمات واشنطن التى تدعم إسرائيل، وتتلاعب بأوراق الإخوان وجماعات الإرهاب الخائنة للإسلام، وتدعونا للاحتراق مجددا فى أتون حروب حلف الأطلنطى، بينما المصيبة مصيبتنا، والتفكيك يجتاح دولنا، وهو ما يدعونا للإلحاح على إنشاء حلف عسكرى عربى، تبادر مصر إليه، وتنهض بعبء قيادته .
نقطة البدء ظاهرة كما نتصور فى إنشاء الحلف الجديد، فثمة مناورات عسكرية مصرية سعودية تجرى منذ سنوات، ثم أضاف إليها السيسى مناورات مشتركة مع دولة الإمارات، وأعقبها بمناورات مشتركة مع مملكة البحرين، ثم كانت الجزائر بجيشها القوى أول دولة عربية يزورها السيسى بعد تنصيبه رئيسا، ونتصور أن هذه كلها إشارات مضيئة لما يمكن عمله، والبدء بنواة الدول العربية المكونة للحلف، وتوحيد نظمها العسكرية، وعقائدها القتالية، وأنماط تسليحها، وتوثيق الخبرات المشتركة، وتبادل التسهيلات ونقاط الارتكاز ومخازن السلاح، وتطوير وسائل نقل القوات إلى مسارح الخطر، وعلى أن يكون الحلف مفتوحا للدول العربية الراغبة فى الانضمام إليه، ودون إخلال أو تعارض مع التزامات الأطراف المعنية فى جامعة الدول العربية، ومع إنشاء هيئة عربية كبرى لتصنيع السلاح المتطور، ومشروع نووى سلمى، ووكالة فضاء لإطلاق الأقمار الصناعية .
تبدو القصة كلها حلما، لكنه ممكن التحقيق، والآن وليس غدا .

علم السياسه ... وواقع السياسه الآن

محمود كامل الكومى
 
أن النظره الواقعيه المثاليه وقِيَمِها , والتأصيل العلمى للظواهر , تقتضى بالضروره عقليه جديره بالنظر الى العلم على أنه لابديل عنه لتقدم البشريه ,وصياغه العلاقات الأجتماعيه وتبعا الدوليه من أجل أن يسود السلام والوئام في العالم , وتضحي البشريه في مَسِيرها نحو الأنسانيه تتهادى الى عالم يتكامل بين شعوبه وتذوب بين جوانحه الحروب وتتلاشى , حتى يقضى على العنصريه والقيم الاستعماريه , وهو مالايتأتى اِلا بالقضاء على سياسه الأستقطاب التى تسود العالم الآن وفرض الهيمنه الأمريكيه . 
وعلى ذلك فاِن السياسه "كعلم " هى تحليل الواقع استشرافاً للمستقبل الذى تبغيه البشريه نحو سلام يمضى ويسير مع الأستعانه بالسِيَر التاريخيه ,لنأخذ منها العِبر في طريقنا نحو تحقيق السلام .
والسياسه كعلم تفتضى الرجوع الى القانون  ولغته التى تطلق على كل قاعده  أو قواعد مطرده يحمل أطرادها معنى الأستمرار والأستقرار والنظام , غير أن اللغه القانونيه أستحوذت على هذا الأصطلاح ورصدته أساسا للدلاله بوجه عام على مجموع قواعد السلوك الملزمه للأفراد في المجتمع , وبذلك يشمل أصطلاح القانون في هذا المدلول العام , كل ما  يوجد في الجماعه من قواعد تحكم سلوك الأفراد حكما ملزما , بقصد اقامه نظام هذه الجماعه , وفى الجماعه الدوليه فأن انتظامها بحكم انتظام أنظمتها ودولها , يصير المجتمع الدولى منتظما متناغما , حتى دون الحاجه الى أعمال  قواعد القانون الدولى , والتى أراها تحصيل حاصل من قواعد القانون بصفته العامه المجرده في مدلوله العام الواسع بعيداً عن أى قانون وضعى لأى دوله ما .
ويتصل " القانون" بعلم السياسه , حين يضع قواعد النظام السياسى في المجتمع فيحدد شكل الحكم وتوزيع السلطات وتعاونها , وعلى المستوى الدولى هو الذى يحكم العلاقات الدوليه بين الدول من أجل أن يسود السلم والأمن الدوليين , ويحدد آليات التعاون والتكامل بين دول العالم , وبذلك يقضى على الهيمنه الأستعماريه والحروب التى تدمر البشريه .
اِن النظره الواقعيه الى عالم السياسه الآن , تؤكد  أن المجتمع الدولى قد حاد عن السياسه بمفهومها العلمى , وضرب بها عرض الحائط , وهو ما أدى الى تدمير الكثير  من البلدان وقتل الكثر من بنى البشر وأنتشار السياسات التى تؤدى الى الفوضى الخلاقه في عالم اليوم , وجعلها بديلا لما ترمى اليه السياسه في مفهومها العلمى نحو عالم تسوده المحبه والنضال من اجل حقوق الأنسان واولها حق الحياه .
وصار مفهوم السياسه في وقعنا الحالى هو " اللعب على الأحبال " وتصوير العالم على أنه سيرك , يُبهر المتفرج بألعابه البهلوانيه , وقوه "الشَجِيع " التى لاتقاوم , وقدره"المهرج"على أن يستحوذ على كيان المشاهد , " والساحر" على الأبهار الذى يصل الى حد اِيمان المتفرج بقوته السحريه الخارقه التى قد تتعدى خياله الى السيطره على كيانه .
وفى عالم السياسه اليوم نَصبت الأمبرياليه الأمريكيه وحلف الناتو والصهيونيه العالميه "السيرك"  وغدى العالم متفرجاً – خاصه عالمنا العربى- وهو يرى الأتحاد السوفيتى يسقط وقد كان حليفا للعرب , ولأن الأنبهار بألعاب السيرك البهلوانيه  وقوه شَجيعه قد سرت في اللاوعى العربى , ودمرت بعض من خلاياه , فقد هللت نظم عربيه , وصارت تروج للسيرك الأمريكى الصهيوني , بكل الميديا الأعلاميه وخاصه قنواتها الفضائيه ,حتى غدت مصارعه المحترفين الأمريكيه تغرس الساديه بين أوساط جماهيرنا العربية .
ولذلك تفردت أمريكا بحكم العالم بعد أن حولت السياسه الى واقع أكروباتى وأفرغت القانون(الدولى اذا جاز)من الأخلاق  ومن هدفه في أن يسود الأمن والسلام الدوليين .
فالنظام والأستقرار هو مايستهدفه القانون وهو ما يقضى بتحقيق المساواه بين الأفراد أو الدول وهو مايحتم أن يؤخذ التكليف المتوجه الى الأفراد والدول بمعيار موضوعى ,أى يلجأ فيه الى "تجريد "تكون العبره فيه بمفهوم " الصفه" لا بتخصيص " الذات".
ضربت أمريكا بكل ذلك عرض الحائط ونَحت المعيار الموضوعى جانباً فصار التكليف الى دول بذاتها وصارت قوه الألزام المقرره في القانون والتى تؤكد سلطان القانون وقد فرضتها فرضا ولم تثبت لها نتيجه سلطه عامه بمفهومها العلمى والمجرد في الجماعه الدوليه .
وبالتطبيق على ما سلف بيانه , وفى عالمنا العربى الآن .
فقد أنتهت مرحله السياسه الأوكروباتيه ومضت البهلوانيه وكذاسياسه الساحر والمغناطيس بعد أن حققت مرادها , وأنقلب "شجيع السيرك" الى "شيطان" , وبدت السياسه الأمريكيه الصهيونيه هى "الشيطان الأكبر"الذى يفرض مفهومه السياسى "الشيطان يعظ" – وبدى حلفه يتشكل في منطقتنا العربية من 1- دول الخليج , حيث صار البترودولار السعودى القطرى – خاصه- يشيطن الأرض العربية 2- تركيا عضو الناتو الأسلامى الذى يتحين الفرصه من خلال شيطنه التراب العربى لفرض سطوته العثمانيه 3- وتلك الأسره الهاشميه التى قضمت فلسطين وتماهت مع اسرائيل وتتأمر الآن هى الأخرى على سوريا .
وهنا يثور التساؤل الآن : هل يجوز اللعب مع الشيطان ومريديه ؟!!
ثار في محيلتى هذا التساؤل ومازال يؤرقنى , منذ ثوره 3062013 في مصر والتى قضت على حكم جماعه الأخوان الأرهابيه , وفى حينها وقفت المملكه العربية السعوديه الى جانب مصر, وبدت قطر في الجانب المعادى وأنضمت تركيا اليها في حلف يريد أن يحاصر مصر شرقا وغربا بالتنظيمات الأرهابيه ليقوض دعائم البلاد , على الرغم من أن السعوديه على النقيض ,شاركت قطر وتركيا تدمير بنيه سوريا التحتيه , وكذلك ومعهم الامارات قاموا تحت لواء الناتو بتدمير ليبيا , والكل يعلم أن أمن مصر القومى هناك في سوريا وعلى طول الحدود الليبيه .
ندرك جيد أن هذا ماهو اِلا توزيعاً للأدوار من الشيطان الأمريكى لتابعيه , لكن ورغم الأدراك فاِن القياده المصريه وقد أستجابت في وقت سابق لدعوى الملك السعودى الراحل للصلح مع الأمير القطرى ونظامه ,والآن تبدو زياره الرئيس"السيسى" للمملكه العربية السعوديه عشيه زياره "اردوجان"للمملكه ايضا , بما يؤكد ماتناقلته وكالات الأنباء عن وساطه سعوديه بين مصر وتركيا .
وعلى الجانب الآخر.. فأن الجمهوريه الأسلاميه الأيرانيه وقد رمت بكل ثقلها السياسى واللوجستى    بجانب الدوله السوريه في حربها ضد الأرهاب والمؤامره الكونيه التى تمولها وتشارك فيها بأوامر أمريكيه , السعوديه وقطر وتركيا , ومع ذلك وعلى الرغم من العداء السعودى لأيران ,اِلا أن هناك علاقات مميزه لأيران مع قطر وبينها اتصالات على أعلى المستويات , ومع السعوديه تثير تصريحات المسؤلين الأمريكين مايبدى الرغبه في التعامل وكذا زياره سابقه لوزير الخارجيه الأيرانى للمملكه   , وكذلك زياره رئيس الوزراء الايرانى لتركيا وعقد الأتفاقات معها.
ناهيك عن التواصل بين مصر وأمريكا , وكذلك بين أيران وأمريكا في أمور تخص الشأن المصرى والأيرانى !!!
بما يجعل التساؤل أكثر الحاحا , هل يجوز اللعب مع الشيطان وخدامه ؟!!
لابد أن نضع نصب أعيننا ,أن من يلعب مع الشيطان أو أى من أذنابه , لابد أن يمس بمارج  يحرق كيانه وقد يقضى على حياته , ولن يكتفى بحرق اصابعه أو تجريد أسنانه – لكن يبدو أن عالم الواقع لايفهم ذلك الان , ولايعترف بالعصيان , فثمه من يرى في الشيطان أو أى من أذنابه  شريك في عالم فريد ومفروض عليك سواء رضيت أم أبيت .
علنا نفترض ذلك , وهو ليس تسليما , لكننا نرى أنه لابد لمن يريد أن يلاعب الشيطان او أى من أذنابه :
1-    أن يدرك بكل يقينه وحواسه ومشاعره حقيقه "أنهم شياطين" وأنه من الاِيمان أن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .
2- أن يشحذ فكره ويُكَوِن عقيدته على أن السياسه هى تحليل الواقع أستشرافاً للمستقبل الذى تبغيه البشريه نحو السلام , والشيطان لايريد اِلا الحرب والدمار .
3- واخيراً أن يدرك أن الشيطان وأذنابه لايمارسون اِلا سياسه اللعب على الأحبال , وقد تخطوا مرحله السيرك الى سياسه " الشيطان يعظ" . 
ويبقى الصراع النفسى محتدما : هل نقبل مواعظ الشيطان , فيمسنا بمارج من نار , أم نقضى على الشيطان وأذنابه بالعلم والفعل والعمل والأيمان من أجل مستقبل يسود فيه السلم والأمن الدوليين , وهما مبتغى السياسه الدوليه , كما تعرفها الشعوب المناضله من اجل حقوق  الأنسان , والانسانيه جمعاء ؟

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر