الراصد القديم

2017/02/01

ترامب وداعش: دولة مهاجرين ضد دولة مهاجرين

  
وليد بركسية
 
"الحظر المبارك" هي الجملة التي يستخدمها مناصرو "داعش" عبر تطبيق "تيليغرام" تعليقاً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنع دخول اللاجئين والمسافرين من 7 دول شرق أوسطية ذات غالبية إسلامية إلى الولايات المتحدة، بما فيهم حملة البطاقة الخضراء. وفيما لم يصدر أي "رد رسمي" من "داعش" حول القرار الأميركي بعد، إلا أن أنصار التنظيم التكفيري يطالبون زعيمهم أبو بكر البغدادي بالظهور والتعليق على ترامب "من رئيس دولة إلى رئيس دولة".

القرار الأميركي هو خطأ استراتيجي كبير كما يصفه روبرت رايتشر، الرئيس السابق لقسم الشرق الأدنى في وكالة المخابرات المركزية الأميركية "CIA"، في تصريحات نقلتها صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، الاثنين، ليس بسبب عنصريته وخرقه للقوانين الدستورية الأميركية فقط، بل لأنه يشكل خدمة حقيقية لـ"داعش" إعلامياً، مع تنبؤات بأن تستفيد بروباغندا التنظيم من القرار لحث المسلمين على التوجه إلى "دولة الخلافة" بدلاً من "الغرب الكافر" الذي ينبذ المسلمين.

ومن اللافت هنا أن دعاية "داعش" مهما بالغت في إظهار قوتها وتبجحت بعظمة الدين وغيرها من المصطلحات، إلا أنها تبقى دعاية ديماغوجية مبنية على الخوف من الآخر أي "الغرب الكافر" وتدعو لرفع الظلم عن فئة من الناس، أي الأفراد السنة ضد السلطات الشيعية - العلوية، تماماً كما كانت حملة ترامب ديماغوجية إلى أبعد حد في اجتذاب الناخبين الأميركيين بناء على مخاوفهم الاقتصادية لرفع الظلم المزعوم الذي أفرزته سياسات باراك أوباما ضد الناخبين البيض.

ولن يكون مفاجئاً أبداً أن يبث "داعش" إصداراً مرئياً في الفترة المقبلة للعب على وتر العداء الغربي للمسلمين من أجل محاولة استقطاب مزيد من المهاجرين إليه، خاصة أن إصداراته السابقة في الأشهر الستة الماضية ضمت مقاطع عامة عن موت المسلمين على شواطئ الغرب بدلاً من توجههم إلى أرض الإسلام، إضافة للقول أن الدول الغربية تميز بين مواطنيها وتتضطهد المسلمين منهم، وتلاحظ الخاصية الأخيرة بشكل اكبر في مجلة "دابق" التي يصدرها التنظيم باللغة الانجليزية، والتي تحدثت عن ذلك وهجرة المسلمين للغرب منذ العدد الأول لها، قبل أن تتعاظم تلك الخاصية الدعائية منذ شهر أيلول/سبتمبر 2015 حينما حاولت الاستفادة من صورة الطفل السوري إيلان الكردي لمهاجمة الهجرة إلى الغرب.

ومن المثير للاهتمام أن كلاً من الولايات المتحدة و"داعش" يتقاسمان هوية واحدة كدولة مهاجرين مهما كانت الخلافات الثقافية - الحضارية كبيرة بينهما، فإن بنى المهاجرون حضارة أميركا كدولة عظيمة ديموقراطية، ليس بمفهوم الإنتاج والتقدم العلمي فقط، بل عبر دفع البلاد حضارياً من الناحية الفكرية لتعزيز الحريات والمساواة بين الأميركيين على مختلف أصولهم وتعدد ثقافاتهم بما في ذلك المسلمون والسود والنساء وغيرها، لدرجة أفرزت تلك السنوات الطويلة رموزاً في هذا المجال مثل مارتن لوثر كينغ في الستينيات وليندا صرصور التي اشتهرت مؤخراً.

أما "داعش" فأحدث خرقاً حقيقياً في طريقة تعامل كافة التنظيمات الجهادية السابقة مع المهاجرين إليه، ربما لأنه خرج من كونه مجرد تنظيم متشدد يقاتل من أجل إقامة دولة إسلامية، إلى إقامة تلك الدولة فعلاً، فلم يقم بتوظيف المهاجرين إليه كمشاريع مقاتلين وانتحاريين فقط، بل استخدمهم في بناء دولته، بحيث كان المهاجرون هم القادة الفعليين كما تشير التقارير الاستخباراتية الغربية وإصدارات "داعش" نفسها، وقد يكون الإعلام هو أبرز مجال تم توظيف المهاجرين فيه، حيث يشرف عبد الرحمن الأميركي على صناعة البروباغندا الداعشية على سبيل المثال، إلى جانب رجلين فرنسيين مجهولي الهوية يشرفان على مكتب التنظيم الإعلامي في مدينة الرقة السورية.

والحال أن ترامب بقراره الأخير حول منع اللاجئين والمسافرين المسلمين من دخول الولايات المتحدة، ينسف كل التنوع الحضاري الأميركي، ويقترب فكرياً من فكر تنظيم "داعش" العنصري، حيث تبدو "أميركا ترامب" منزوعة من سياقها التاريخي وبعيدة عن تنوع الثقافات التي بنيت عليه أصلاً، وهنا يمثل ترامب صوت "الرعاع البيض"، وهم من المهاجرين أصلاً، كما يصف الإعلام الأميركي، وهي خطابات عنصرية تستمد سياقها من الفكر النازي القديم حول تفوق الرجل الأبيض الذي يمثله ترامب اليوم كرئيس لأكبر ديموقراطية في العالم. ويتشابه ذلك مع الإلغائية الداعشية الكلاسيكية، والتي تقوم على نبذ غير المسلمين من بنية الدولة نفسها، الفرق الوحيد أن "داعش" بدأ دولته من هذه الخاصية بالذات بينما يحاول ترامب الوصول إليها.

وإن كان "داعش" يمثل أقصى اليمين في الإسلام السياسي، فإن ترامب يمثل أقصى اليمين في السياسة التقليدية الديموقراطية في الدول الغربية، وفيما يبني "داعش" دولته على أسس دينية بحتة، تبدو عنصرية ترامب أكثر تنوعاً بين العنصرية الدينية المسيحية والعنصرية العرقية أيضاً، وتتقاطع العنصريتان الداعشية والترامبية معاً في نقاط كثيرة، مثل العداء لمواطني الدولة أنفسهم البعيدين عن النمط النموذجي، مثل المثليين والنساء، إضافة لوجود عقدة الرجل الذكر المتفوق في الخطابين العنصريين، ليصبح الصراع هنا محصوراً بين الرجل الأبيض الترامبي والرجل المسلم الداعشي.

يقول ترامب في معرض دفاعه عن قراره التنفيذي الأخير، بأنه لن يسمح لأحد بأن يأخذ حضارة أميركا من الأميركيين، وبنفس الأسلوب يكرر "داعش" منذ ظهوره في المنطقة العام 2013 أنه لن يسمح لأحد بأن يمحي الإسلام من الوجود، وكما يقول ترامب في شعاره الشهير أنه سوف يجعل أميركا عظيمة من جديد، يقول "داعش" أنه سوف يرفع راية الإسلام عالية من جديد، وتحديداً فوق العاصمة الإيطالية روما التي يعطيها التنظيم أهمية خاصة كعاصمة للمسيحية الغربية.

وتقوم داعش على أنها دولة للحضارة الإسلامية مقابل الحضارات الدينية الأخرى، في تكريس شبه حرفي لفلسفة صراع الحضارات التي تحدث عنها الفيلسوف الأميركي صامويل هنتنغتون العام 1991، ظهور هذه القوة ثقافياً، ولو بصورة إرهابية عنفية، يستلزم حدوث رد فعل في الطرف الآخر من العالم، والشرخ القائم اليوم بين مركزي الحضارة الغربية، أميركا وأوروبا طبيعي وفق هذه الرؤية قد يكون أعمق مما هو عليه، خاصة أن تيارات اليمين المتطرف ناشطة في أوروبا أيضاً وإن لم تصل إلى السلطة إلا في بريطانيا، أما العلاقات الإنسانية على المستوى الفردي، في أوروبا وأميركا تجاه اللاجئين والأجانب والمرحبة بالآخر، في المطارات الأميركية ومحطات القطار الألمانية، فلا تعبر بالضرورة عن شخصية الدولة نفسها ككيان مستقل نظرياً.

إلى ذلك، يعتبر "داعش" أكثر تنظيم متطرف استخداماً للسوشيال ميديا لنشر خطابه المتطرف وتحديداً "تيليغرام" منذ حرب شركات التكنولوجيا لمكافحة المحتوى المتطرف، أما ترامب فيفضل حسابه الخاص في "تويتر" للحديث مع مناصريه وتوجيه النقد اللاذع لأعدائه، ملغياً أي دور حقيقي لوسائل الإعلام في البلاد، ليتشابه مع "داعش" في عداء وسائل الإعلام التي توصف في الخطابين على أنها وسائل كاذبة ومدمرة وشريرة.

وهنا يبرز الفرق بين "داعش" وترامب، فبينما يعتمد الأول على طرق همجية دموية لتنفيذ فلسفته يبدو الثاني أكثر نظافة وحضارة في تحويل حملته الدعائية إلى تصرفات فعلية، فلقمع الإعلام مثلاً يقوم "داعش" بإصدار القوانين والفتاوى وتدمير ومصادرة أجهزة التلفزيون وإعدام الصحافيين، بينما لا يحتاج ترامب لتنفيذ فلسفته لأكثر من توقيع أمر تنفيذي ثم تبريره عبر "تويتر".

الفرق الجوهري الآخر أن أميركا ليست ترامب، كما يصرخ الأميركيون في وسائل التواصل الاجتماعي منذ أيام، بل هي دولة مؤسسات عريقة وشخصيات حضارية، رفض بعضها تنفيذ قرار ترامب الأخير. وهي أيضاً تاريخ طويل من الكفاح المدني من أجل حقوق المرأة والمثليين والسود والأقليات العرقية، والذي تترجم إلى قوانين وحقوق دستورية، وهو تاريخ ليس من السهل تجاوزه أو إلغاؤه، وعليه يجب القول أنه مهما كان ترامب الشعبوي بعنصريته يقارب "داعش" الدموي في كل شيء، فإن "داعش" لا تقارب أميركا في أي شيء، ولو حاول ترامب تحويلها إلى نموذج مظلم لا يمت لتطورها الحضاري بصلة.

هل يواجه بهاء الحريري شقيقه في الانتخابات؟


ليا القزي

«خبريات» عدّة تنتشر عن نية بهاء رفيق الحريري العودة إلى لبنان والتحرك سياسياً في وجه شقيقه سعد الحريري. التنسيق لهذه الغاية يجري مع الوزير المتمرد على تيار المستقبل أشرف ريفي، وفق ما تروّجه مصادر الأخير. في حين أنّ المطلعين على موقف بهاء يضعون حركته في إطار «زكزكة» رئيس الحكومة .

بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في شباط ٢٠٠٥، احتشدت جماهير تيار المستقبل أمام منزل العائلة تصرخ: «بهاء… بهاء… بهاء». أراد هؤلاء إلقاء عباءة الوراثة على كتفَي بهاء الدين رفيق الحريري. وصوّرت كاميرات التلفزيون الابن البكر يومها يخرج لملاقاة الناس. إلا أنّ هتافات «الحريريين» لم تصل إلى مسامع العائلة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، التي قررت أن تؤول السلطة إلى شقيق بهاء، سعد الدين الحريري الذي سيتحول بعد سنوات قليلة إلى رئيس للوزراء.

أما بهاء، فسينكفئ إلى الاهتمام بأعماله الخاصة، من دون أن يهضم سحب بساط السلطة من تحت رجليه. ملاحظاته على شقيقه، سياسياً وإدارياً، كثيرة. صحيح أنّ أي تصريح لم يصدر عنه شخصياً، لكنه لم ينفِ، وخاصة في الأشهر الثمانية الأخيرة، الأخبار المتداولة عنه، ما أدى إلى تعزيزها. الأمثلة كثيرة، آخرها العلاقة بينه وبين اللواء المتقاعد أشرف ريفي التي برزت مع الانتخابات البلدية. لم يُكذب بهاء المعلومات التي شاعت عن تمويله لائحة ريفي. وعوض أن يردّ على «شائعات» التنسيق مع وزير العدل السابق بصورة مع شقيقه تدحض ما يُقال، انتشرت بعد الانتخابات البلدية صورة تجمعه وريفي ومسؤول فريق حماية الأخير الرائد محمد الرفاعي. حتى وزير العدل المتمرّد على الرئيس سعد الحريري لم يتبرّع لنفي ما شاع، وبات يجري التعامل معه كحقيقة. الأخبار لم تتوقف عند هذا الحدّ، خاصة بعد البلبلة التي أثارها قرار مجلس الأمن المركزي خفض العناصر المكلفين حماية ريفي.

شخصيات إماراتية تُساعد بهاء الحريري على التوسع سياسياً

الجديد في القصة هو الشائعات التي تحدثت عن أن بهاء اشترى لريفي 7 سيارات مصفّحة، ردّاً على القرار الذي صدر بطلب من رئيس الحكومة. وأضيف إلى ذلك كلام عن نية بهاء العودة إلى لبنان وبدء العمل السياسي. مطلعون على أجواء الأخير يقولون إنّ «مشكلته هي في سياسة شقيقه سعد، والقشة التي قصمت ظهر البعير بينهما كانت ترشيح جمال عيتاني إلى الانتخابات البلدية في بيروت، واعتبار بهاء ذلك طعنة من شقيقه له، بسبب خلافاته مع عيتاني». طبيعة عمله حالياً «لا توحي بأنه يريد العودة والترشح إلى الانتخابات النيابية. فهو لا يهتم بتفاصيل السياسة اللبنانية، وهمّه «التنقير» على شقيقه». لكن هذه المعلومات تتناقض مع ما يُروّجه عدد من السياسيين الشماليين ومناصرو ريفي في طرابلس.

يتحدث أحد أعضاء فريق عمل اللواء المتقاعد عن بهاء الحريري الذي «تأثر سلباً باختيار السعوديين لشقيقه سعد ليُكمل المسيرة عوضاً عنه». سيطرت عليه حالة «القرف» حين رأى السياسة التي ينتهجها شقيقه «من إبعاد المقربين من رفيق الحريري إلى زيارة سوريا ولقاء (الرئيس السوري) بشار الأسد والحوار مع حزب الله». كذلك سجّل ملاحظات عدّة «على غياب رئيس الحكومة ٤ سنوات عن لبنان، وتحميله مسؤولية تردي الوضع التنظيمي والشعبي لتيار المستقبل». لم يكن الحريري يحسب أبعاد خطواته «لأنه كان لديه الغطاء السعودي»، وبهاء لم يحسم قرار المواجهة. إلى أن قرّر «سعد الحريري عدم إقامة اعتبار لشقيقه وترشيح جمال عيتاني الذي يُحمّله بهاء مسؤولية فشل مشروع سوليدير الأردن». مقابل هذه العلاقة المتردية بين الشقيقين، «الوزير (ريفي) لم يقطع تواصله مع بهاء ومع السيدة نازك الحريري التي يزورها في باريس». يعي بهاء أنه لا يحظى بغطاء دولي أو إقليمي»، لكنه قرر «أن يواجه انطلاقاً من أنّ هذا تيار أبيه، وحقه إعادة وصل ما قطعه شقيقه مع الناس»، بحسب العضو في فريق عمل ريفي. والعلاقة الجيدة مع وزير العدل سببها «إدراك بهاء أننا نحن مع يحمل قضية والده».

ينفي المصدر أن يكون بهاء قد موّل حملة «البلدية» في طرابلس، أو قدّم سبع سيارات مصفحة، «التواصل حصل بعد البلدية خلال لقاء في الأردن، أبلغ خلاله بهاء الوزير ريفي بأنه يريد التعاون معه في السياسة». يؤكد المصدر أنّ «التواصل بين بهاء وريفي شبه يومي، ويلتقيان من حين لآخر. ما نعرفه أنّ بهاء قرر العودة، ولكن لا نحسم نيته للترشح إلى الانتخابات النيابية. هذا الأمر يُقرره هو». ولكن، هل يجرؤ أن يعمل ضدّ شقيقه ومن دون غطاء إقليمي؟ «مش فرقانة معو حدا. الدعم الإقليمي يلحقنا كما حصل بعد البلدية»، يجيب المصدر.

مسلسل الشائعات لم يتوقّف. في أزقة طرابلس، انتشرت «خبرية» تقول إنّ ولي العهد السعودي محمد بن نايف قدّم سيارتين مصفحتين إلى ريفي. وتُستخدم هذه «الخبرية» للقول إن وزير العدل السابق بات رجل الرياض في لبنان، بدلاً من رئيس تيار المستقبل. عضو فريق عمل ريفي ينفي «الخبرية»، قائلاً إنّ «لدى الوزير السابق 4 سيارات مصفحة، إحداها قدّمها صاحب معرض سيارات في طرابلس، رافضاً الإفصاح عن هوية من قدّم السيارات الثلاث الأخرى». وهذه العبارة يكررها ريفي رداً على سؤال، لافتاً إلى أنه تلقّى، كتقدمة، ثلاث سيارات مصفحة أخرى، «تبيّن أنني لستُ بحاجة إليها، وسأعيدها إلى من قدّمها إليّ ونشكره».

مقابل هذا الجو، يستبعد أحد المطلعين على أجواء بيت الوسط أن تكون المعلومات عن نية بهاء لخوض غمار السياسة صحيحة، «لأنه لا يحظى دعم السعودية». يشرح أنه «قبل أشهر، وفي ذروة الخلافات بين المملكة وسعد، استُقبل بهاء، قبل أن يتبين للسعوديين أنه لا يصلح أن يكون بديلاً لشقيقه». إلا أنه «مع آل الحريري كل الأمور مُمكنة». لم تعد العلاقات بين السعودية وسعد الحريري إلى سابق عهدها، لكنها في الوقت نفسه لم تسحب ورقة تكليفه بعد. لا يعني ذلك أنّ الأفق الخليجي مسدود أمام بهاء. اعتراضه على أداء شقيقه صبّ في الاتجاه نفسه مع شخصيات إماراتية تُساعده على التوسع سياسياً، كمؤسس ورئيس مجلس إدارة إحدى أهم الشركات الهندسية في الإمارات.

متى يتوقّف العرب عن الانقياد لغيرهم؟!


صبحي غندور

يبدو أنّ التفاهمات الدولية - الإقليمية هي الأمل الوحيد المتاح حالياً لمعالجة أزمات المنطقة، ولوقف انحدار أوطانها نحو هاوية التقسيم والحروب الأهلية المدمّرة. وهي حتماً مراهناتٌ عربية جديدة على "الخارج" لحلّ أزمات مشكلتها الأساس هي في ضعف "الداخل" وتشرذمه. لكن هذه المرحلة هي الأخطر، لأنّ كلّ طرف معني بصراعات المنطقة سيحاول تحسين وضعه التفاوضي على "الأرض" قبل وضع الصيغ النهائية للتسويات، خاصّةً في ظلّ عدم وضوح مسار السياسة الخارجية الأميركية في بداية عهد ترامب.

تحدث كل هذه التطورات الهامّة والعرب منشغلون في أوضاعهم الداخلية، أو منقسمون ومتصارعون حول قضايا جوارهم العربي والإقليمي. فليس هناك توافق عربي على أي أزمة عربية، ولا مرجعية عربية واحدة فاعلة، ولا رؤية عربية مشتركة لمستقبل المنطقة في ضوء المتغيّرات الحاصلة. ولعلّ ما يزيد من حجم المرارة في وصف الحاضر العربي أنّ الشعوب، وليس الحكومات فقط، غارقة أيضاً في الانقسامات والتحريض ضدّ "الآخر" في الوطن نفسه أو في الأمَّة عموماً.

هو انحطاط، وهو انحدارٌ حاصلٌ الآن، بعدما استباحت قوى عديدة استخدامَ السلاح الطائفي والمذهبي والإثني في حروبها، وفي صراعاتها المتعدّدة الأمكنة والأزمنة خلال العقود الأربعة الماضية. وقد ساهم في ترسيخ هذا الواقع الانقسامي على المستوى الشعبي العربي، هيمنةُ الحركات السياسية ذات الشعارات الدينية، وضعفُ الحركات السياسية ذات الطابع الوطني أو العربي التوحيدي.

ومهما حدثت من تطوّرات على الصعيد الدولي أو على صعيد التفاهمات مع اطراف إقليمية، فإنّ السؤال يبقى: كيف يمكن إنهاء الانقسامات الطائفية والمذهبية، وتحرير العقول العربية من قيود التخلّف والفهم الخاطئ للدين وللهُويّة!؟.

لقد مرّ أكثر من عقدٍ من الزمن على إشعال الحروب الأهلية العربية المستحدثة في هذا القرن الجديد، والتي كانت شرارتها من خلال الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية والإثنية فيه، ثمّ من خلال اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في العام 2005، ثمّ بالمراهنة على تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006، ثمّ بتقسيم السودان في مطلع العام 2011 وفصل جنوبه المختلف دينياً وإثنياً عن شماله، ثمّ بتحريف مسارات الحراك الشعبي العربي الذي بدأ بتونس ومصر متحرّراً من أي تأثير خارجي، وسلمياً في حركته، فانعكس على دولٍ عربية أخرى، لكنّه انحرف عن طبيعته السلمية المستقلّة بسبب التأثيرات والأجندات الإقليمية والدولية المختلفة، حيث أراد بعضها تغيير خرائط أوطان، وليس حكومات وأنظمة فحسب.

وقد رافق هذه الأجندات الإقليمية والدولية المتصارعة على الأرض العربية نموّ متصاعد لجماعات التطرّف المسلّحة التي استفادت من حالات الفوضى والعنف لكي تمتدّ وتنتشر، كما استغلّت إسرائيل طبعاً هذه الصراعات العربية البينية، فواصلت عمليات التهويد والإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، مراهنةً أيضاً على تحوّل الصراع الأساس في المنطقة من صراعٍ عربي/إسرائيلي إلى صراعاتٍ عربية/عربية، وإسلامية/إسلامية، وعلى تقسيمات طائفية ومذهبية تبرّر أيضاً الاعتراف بإسرائيل كدولةٍ يهودية.

هي حقبةٌ جديدة في المنطقة الآن، فيها تفاهم روسي- تركي- إيراني مدعوم دولياً لوضع الأزمة الدموية السورية على سكّة الحلول السياسية، وفيها أيضاً إدارة اميركية جديدة تتحدّث عن علاقات إيجابية أفضل مع روسيا ممّا قد ينعكس على تسهيل جهود التسوية السياسية في سوريا، لكن ما هي آثار المواقف الأخرى للإدارة الأميركية الجديدة على أزمات المنطقة عموماً، وكيف ستكون تأثيرات التشدّد الأميركي مع إيران والتساهل الشديد مع إسرائيل على مصير هذه الأزمات العربية وعلى مصير الملف الفلسطيني؟!، ثمّ ما هي تبعات تصريحات ترامب عن منابع النفط العراقي؟!... تساؤلات تفرض الآن مراجعةً عربية شاملة لما حدث ويحدث على الأرض العربية.

وإذا كان من المتعذّر الآن وقف الصراعات بين الحكومات العربية، فما الذي يمنع المؤسسات المدنية العربية من التحرّك الجاد لإعادة وحدة المجتمعات والشعوب المهدّدة بمزيدٍ من الانقسام مع ما هو قادم من تطوّرات؟!.

والحديث عن دور المؤسسات المدنية وعن ضرورة إصلاح الفكر السائد لا يعني فقط النخب المثقفة في المجتمع، بل هو شامل لما يسود الأمَّة من ممارسات سياسية واجتماعية، ومن تراث فكري ديني، ومعتقدات وعادات وتقاليد ومفاهيم لأمور الدين والدنيا، شكّلت بمجملها الواقع العربي الراهن.

فالفكر السائد الآن في المنطقة العربية تغلب عليه الانتقائية في التاريخ وفي الجغرافيا، بحيث يعود البعض في تحليله لغياب الديمقراطية في الأمَّة إلى حقبة الخمسينات من القرن الماضي وما رافقها من انقلابات عسكرية، وكأنّ تاريخ هذه الأمَّة كان قبل ذلك واحةً للديمقراطية السليمة، عِلماً أنّ معظم بلدان العرب كانت في النصف الأول من القرن العشرين تحت الهيمنة العسكرية والسياسية الأوروبية!.

الحال نفسه ينطبق على ما تعيشه الأمَّة العربية الآن من ظواهر انقسامية مرَضيّة بأسماء طائفية أو مذهبية أو إثنية، حيث ينظر البعض إليها من أطر جغرافية ضيّقة وبمعزل عن الدور الخارجي وعن الفهم الخاطئ أصلاً للدين أو للهويّة القومية اللذين يقوم كلاهما على التعدّدية والتنوع ورفض التعصّب والانغلاق الفئوي. أيضاً، تظهر المشكلة الفكرية بشكل حادٍّ في كيفيّة قبول بعض العرب والمسلمين عموماً لمبدأ استخدام العنف الدموي المسلّح ضدَّ مدنيين أبرياء أينما كان، دون وجود ضوابط فكرية حازمة في رفض هذا الأمر.

لكن في إطار التساؤل عن كيفيّة الخروج من هذه المحنة التي تعيشها الآن الأمّة العربية، هل دور الفكر هو هامشيٌّ في العلاج المطلوب للمرض العربي المزدوج؟ لو كان الأمر كذلك، كيف نُفسِّر تحوّل مسارات أمَم بفعل أفكار سبقت نهوض تلك الأمم؟!.

حدث ذلك مع العرب أولاً حينما ظهرت الدعوة الإسلامية، ولاحقاً عندما استوعبت الخبرة العربية والإسلامية أفكار حضاراتٍ أخرى. كما حدث ذلك أيضاً مع الأوروبيين في القرون الوسطى من خلال تأثّرهم آنذاك بأفكار الفيلسوف ابن رشد، فكانت "المدرسة الرشدية" هي وراء الدعوة لاستخدام العقل بعد عصور الظلام الأوروبي وتحريك سياقات الإصلاح والتنوير. كذلك كانت لأفكار الثورة الفرنسية تأثيرات كبيرة على شعوب عديدة في العالم، وهكذا كان الأمر مع الأفكار والنظريات التي غيّرت في القرن الماضي مجرى تاريخ روسيا والصين وبلدان أخرى.

لكن هذه الحقيقة البَدَهيّة لا تأخذ الآن موقعها الصحيح في سياق التفاعلات التي تشهدها حالياً عموم البلاد العربية. فالنقطة المركزية الآن، التي يتمحور حولها الاهتمام السياسي والإعلامي العربي، هي مسألة الديمقراطية كعملية إجرائية ترتبط بآليات انتخابية أو بمؤسسات دستورية، دون الانتباه إلى أنّ أساس العطب في الجسم العربي هو في الفكر أولاً، وقبل أن يكون في طبائع نظم الحكم أو كيفيّة المشاركة الشعبية في الحياة العامّة.

البلاد العربية تعاني من أمراض مشتركة لا يكفي لإنقاذها مسكّنات فكرية بين فترة وأخرى، ولا يحتمل جسدها مزيداً من تجارب المتخرّجين الفكريين الجدد، أو أولئك الذين وضعوا رؤوسهم في الرمال وفكرهم في قوالب التكلّس ويكتفون بالحديث عن العدوّ الخارجي وهم يسبحون في بحرٍ من الأمراض!.

إنّ إصلاح الفكر العربي بشموليته التاريخية والجغرافية لا يضع فقط الأهداف السليمة للمستقبل، بل أيضاً يحدّد ضوابط الأساليب ووسائل العمل التي تكفل النجاح والتغيير والتقدّم.

إنّ إصلاح الفكر العربي هو المدخل لإصلاح الأعطاب الداخلية بكلّ أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أنّه الأساس أيضاً لإصلاح العلاقات العربية/العربية وبناء تكامل عربي فاعل على مختلف الأصعدة.

ورحِم الله المفكّر الجزائري مالك بن نبي الذي أحسن الكتابة عن "القابلية للاستعمار"، فحينما تنتج هذه الأمَّة أفكاراً سليمة سوف يتوقّف العرب عندها عن الانقياد لما يفكّر ويخطط لهم الغرباء!!.

الأنظمة العربية تغتال الوطن وأهله


طلال سلمان
 
أرضنا مشاع، سماؤنا مشاع، وبحارنا مشاع.. يمكن لأى «قادر» أن يأخذها، وإسرائيل أولا وأساسا، وإن كانت عمليا، تهيمن على معظم قرارها.

من شاطئ البحر الأحمر فى شبه الجزيرة العربية إلى تونس، مرورا بليبيا ومصر (وفلسطين كلها).. وصولا إلى سوريا فالعراق، ثمّ إمارات الخليج العربى من دون أن نستثنى السعودية وسلطنة عُمان، وانتهاء باليمن السعيد شمالا وجنوبا وبين بين.

ليس بين«المحيط الهادر والخليج الثائر»، كما كان الهتاف بين منتصف الخمسينيات وأوائل السبعينيات، بلد عربى واحد يمكن اعتباره حرا، مستقلا، سيدا، يعيش بموارده ومصادر الخير فى أرضه، يمارس حقه فى كل قرار يتصل بمصالحه الوطنية وتحقيق إرادة شعبه.. فالكل مرتهن قراره للخارج، مباشرة بالاحتــــلال أو القواعد العســكرية والاحتيــاج إلـى المــساعدات (مالية، مباشرة، أو عبر المؤسســـات الدولية الخاضعة للقرار الأمـريكى خصوصا والغربى عامة).

جامعة الدول العربية «تكية» للترويح عن نفوس السلاطين بالثرثرة عن الأهداف القومية، التى تدرجت نزولا من الطموح إلى الوحدة أو الاتحاد إلى الرضا بالتعاون والتنسيق فى أضيق الحدود، وبما لا يغضب الغرب بالقيادة الأمريكية، وبما لا«يستفز» إسرائيل ــ وهى بكل وجودها كاحتلال أجنبى ودولة معادية فى نهجها العنصرى الذى باشرته مع أقامتها بالقوة، على ارض فلسطين.

أكوام من الاتفاقات والمعاهدات والمواثيق التى كانت تجمع هذه الدول، أو معظمها، وتلك التى عقدت بين «دولتين» أو أكثر، لم تنفع حتى فى مجالات الضرائب والرسوم على التبادل التجارى، ولا هى عززت «العلاقات الأخوية بين الأقطار الشقيقة».. فعند أول خلاف بين أى «زعيمين» عربيين تلغى الاتفاقات والمبادلات وتحشد القوات العسكرية على حدود «الدولة الشقيقة»، بينما العدو الإسرائيلى والمخابرات الأجنبية، الأمريكية خصوصا، تنفخ فى نار الخلافات لعلها تتفجر حروبا.. ثمّ فى اللحظة المناسبة تتقدم للعب دور «الوسيط».

تشن إسرائيل حروبها الدورية على العرب، بعنوان مصر أو سوريا أو كلتيهما، أو على لبنان الذى قدم شعبه نموذجا فذا فى المقاومة حتى التحرير، فيدير حكام العرب وجوههم إلى الناحية الأخرى.. ويطير بعض وزرائهم إلى واشنطن لاستئذانها بخطب نارية فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن فى نيويورك، ثمّ يجلسون فى الكواليس يفاوضون على المفاوضات بين المعتدى والضحية، ويخطبون ولا يتعبون مع الأخذ بقاعدة «لكل مقام مقال»، وما يقال فى الخطب الجماهيرية يسحب من التداول، لكلام دبلوماسى ناعم لا يُغضب «المرجعية» ولا يستفز المعتدى.

ثمّ.. كان أن تدهورت العلاقات بين الدول الأغنى والدول الأفقر، عندما رفضت الدول ذات التاريخ أن تسترهنها الدنانير والريالات «والشرهات» فتُؤخذ إلى حروب «الإخوة الأغنياء» ضد «الإخوة الفقراء»، كما فى اليمن، حتى إذا غضب الإخــوة المذهبون أوقفوا المساعدات، بل وعادوا يحركون المواجع مطالبين بأراض ليست لهم (كما فى اليمن) أو بجزر تخلوا عنها ودفع المصريون سيولا من الدماء دفاعا عنها (كما فى تيران والصنافير..).

بل إن بعض هذه الدول العربية المذهبة لم تتردد فى تجنيد المرتزقة وتسليحها وتدريبها لكى تقاتل بالنيابة عنها، ضد سوريا، وضد العراق كما ضد اليمن.. وهكذا غذّت وأدامت حروبا بالوكالة عن إسرائيل فى سوريا وفى العراق وفى اليمن وفى ليبيا وحتى فى تونس، مع محاولات ترهيب بالعمليات الانتحارية فى لبنان.. إلخ.

كذلك فإنها لم تتورع عن التحالف مع تركيا، علنًا، ومع إسرائيل سرا يماثل العلن، فى التآمر على العراق وسوريا ولبنان ومصر وتونس، مرة تحت عباءة الإخوان المسلمين، ومرة باسم «المعارضة» ودفاعا عن «ديمقراطية» لا تعرفها ولا هى تعترف بها.. ودائما فى التخلى عن فلسطين والحق المقدس لشعبها فيها.

أن العرب، الآن، يقاتلون العرب، ويصالحون عدوهم جميعا، وشعب فلسطين المتروك للريح يقاتل فتيته وفتياته باللحم الحى وبعض السكاكين والحجارة ضد عدو عاتٍ يقتل ويدمر وينسف البيوت والمساجد ويصادر الكنائس ويطرد أهل القدس ــ بناتها – ليتخذ منها عاصمة لملكه الذى لم يكن له وجود فى التاريخ.

أن فى الحرب على اليمن متآمرين ملكيين عربا يرسلون طائراتهم المقاتلة التى لم تخض أى حرب من قبل لتدمر معالم الحضارة الأولى فى التاريخ الإنسانى.

كذلك الأمر فى الحرب على سوريا وعلى العراق، بذريعة مقاومة «المد الفارسى»، كأنما إيران دولة معادية.. فأنواع السلاح التى تُزود بها دول الخليج العربى بالقيادة السعودية أشتات المعارضات فى سوريا (وفيها أفغان وألبان وباكستانيون وأتراك، كثير من الأتراك، وعرب استقدموا من مختلف جهات الوطن العربى، بامتداد المسافة بين تونس وبين اليمن) تكفى لتسليح جيش بل جيوش، ومهمتها الآن تدمير معالم الحضارة فى كل من اليمن والعراق وسوريا، مدنا عريقة يتجاوز بنيانها سبعة آلاف سنة (كما فى حلب) وتدمر، وبعض أنحاء العراق فى الموصل وشمالها، (سنجار وجوارها.. إلخ ).

إن الوطن العربى الذى تفتت، بأفضال أنظمته، إلى إخوة ــ أعداء ــ يصطرعون فيدمرون بعضهم بعضا، وتستنجد دوله العريقة بالأجنبى فيأتى إلى العراق جيوش من حوالى عشر دول عربية، للنجدة من الجو!! بالطائرات التى تقاتل أشباحا، ويأتى إلى أرض سوريا وجوها آلاف مؤلفة من المرتزقة الذين يشاركون المتعصبين ولا دين (داعش، جبهة النصرة أو القاعدة، فضلا عن المنظمات ذات الهوية التركية شعارا أو مقاتلين).. وبالمقابل تأتى إيران ومعها «حزب الله» فى لبنان، قبل أن تتدخل روسيا بالطيران ثم عبر المشاركة الميدانية الفعالة، عسكريا وسياسيا (مؤتمر كازاخستان، مثلا).

إن هذا الوطن العربى قد فقد أو يكاد يفقد، مع « دوله» هويته القومية.. وبات كثير من زعامات الطوائف التى صار لها عسكرها الذى يتولى الأشقاء المذهبون تسليحه بسخاء، وكأنها جيوش، وهو مكرس لقتال أية أفكار وطنية أو تقدمية أو وحدوية ولو عبر شعاراتها القومية، يقاتلون ضد دولهم، بل أوطانهم، وهم يعرفون قطعا أن المستفيد الأول والأخطر هو الامبريالية أو الاستعمار الجديد بالشراكة مع إسرائيل.

إن «الطوائف» هى بديل من الأحزاب السياسية فى الوطن العربى عموما بدءا من مشرقه.. من دون أن يعنى أن ذلك أن الأنظمة براء من هذا الداء، فالوهابية حزب سياسى وان كانت شعاراتها إسلامية – أصولية بمعنى العودة إلى السلف الصالح (مع اختيار النموذج الأكثر انغلاقا ومجافاة لروح العصر) وكل أقطار الخليج تحكم باسم الإسلام كبديل عن الهوية القومية.

وإذا كان الإسلام السياسى ممثلا بحركة النهضة (إخوان تونس) قد فشلت فى الهيمنة على السلطة فى تونس فإنها لا تزال «تناضل» للعودة مجددا إلى هذا الهدف، فضلا عن الوجود المتنامى للإسلاميين فى الجزائر (ولو وراء أبواب مغلقة) فى حين أن الحكومة فى المغرب الآن يهيمن عليها الإسلاميون.

و«الإسلام السياسى» هو الشعار المهذب للدعوة إلى القضاء على العروبة كهوية جامعة لأبناء هذه الأمة وطموحاتهم وتطلعهم إلى غدهم الأفضل بعيدا عن الهيمنة الأجنبية ومفاعيل الاحتلال الإسرائيلى لأرض فلسطين وإرادة العديد من الدول العربية.

كيف لا يكون الغد العربى مهددا، والحال هذه.

لهذا، وكثير من التفاصيل المؤذية، فإن أرضنا مشاع، سماؤنا مشاع، وبحارنا مشاع.. وكل قادر (ودائما من خارج أهلها، غريب عن أحلامهم وأمانيهم وآمالهم) هو الذى يسعى إلى الهيمنة على مصائرهم فى مختلف معظم دول المنطقة وهى ساقطة قوميا، وساقطة عسكريا واقتصاديا وتعليميا وثقافة، وبلا مقاومة تذكر، مع الأسف الشديد؛ لأن الأنظمة ــ قبل إسرائيل ومعها وبعدها ــ تتواطأ على روح الأمة كما على مصيرها.

من يتقرّب من الآخر «القوات اللبنانية» أم «حزب الله»؟




لم تمرّ الصورة التي جمعت وزير الإعلام ملحم رياشي، ونائبي «حزب الله» محمد رعد في حفل تكريم رئيس تحرير “السفير” طلال سمان مرور الكرام. إذ لاقى هذا الاجتماع جدلا واسعا أعاد إلى الواجهة من جديد موضوع التقارب بين حزب الله والقوات سيما أن هذه الدعوة تمت بحضور السفير السوري. وهو التقارب الذي نفى رياشي حصوله مرارا، بالقول إنّ ما بين الحزب والقوات «تواصلاً لا تفاوض».

وفيما لم تهدأ الأقلام بتحليل اللقاء، حتى سارع امس رياشي إلى عقد لقاء مع النائب سليمان فرنجية في بنشعي وصرّح في نهاية الزيارة أن “لا حاجة لوساطة بين فرنجية والرئيس عون”.

هذا العرض إضافة إلى موقف رئيس حزب القوات سمير جعجع الذي كان أكثر دعما للنائب وليد جنبلاط بعد صرخة الأخير حيال ملف القانون الانتخابي، وضع علامات استفهام حيال سياسة الإنفتاح الجديدة التي تعتمدها القوات على سائر الأطراف اللبنانية. وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كان هذا الإنفتاح سيؤدي إلى تعاونانتخابي في مناطق معينة مع خصوم الأمس؟

وقد رأى الصحافي والسياسي اللبناني نوفل ضوّ  انه “من الواضح أن الجوّ العام في لبنان يميل إلى التخلي عن المواضيع السياسية الخلافية، وخاصة تلك التي لها علاقة بالسلاح الغير الشرعي على الأقل خلال هذه الفترة”. وتابع “في مثل هذه الأجواء يصبح الانفتاح والحوار أمرا متوقعا”. وتابع “على الاغلب أن هذه الاتصالات تتم في إطار النيابة هدفها تسيير أمور البلاد لخلق جوّ من الطراوة وتنفيس الاحتقان”.

وانطلاقا من الاتفاق المعلن بين القوات والتيار الوطني القاضي بالتحالف في الانتخابات النيابية، أشار ضوّ إلى “المناطق التي فيها تتداخل مسيحي – شيعي، ومن الممكن أن يكون هدف الإنفتاح على حزب الله هو قول الأخير بأنه معني بمرشحين التيار فقط دون مرشحي القوات في هذه المناطق، لذا من الممكن أن يكون هدف القوات اقناع الحزب بعدم الفصل بين المرشحين في اللوائح”.

ورأى الكاتب والمحلل السياسي كمال ريشا،  أن “سياسة الانفتاح هذه ليست جديدة على القوات اللبنانية، إنما المشكلة مع الأطراف الأخرى التي رفضت سابقا الانفتاح والحوار مع القوات وفي مقدّمهم حزب الله“. وتابع “أن اللقاء الذي جمع أمس الوزير ملحم رياشي بالنائب سليمان فرنجية في بنشعي مفهوم، وواضح أنه أعدّ على أساس الخلاف الواقع بين الطرفين”. إلا أن الغير مفهوم “انفتاح الحزب على القوات بعد القطيعة، مع العلم أنه لم تحدث أيّة مواجهة بين الطرفين أثناء الحرب اللبنانية، إلا أن الحزب دائما يتهم القوات بالعمالة لاسرائيل لتبرير قطيعته لها”.

وبرأي ريشا أنه “يبدو أن حزب الله قرر الانفتاح على القوات لاسبابٍ تتعلق بالوضع السوري ومشروع الحلّ السياسي، سيما أن عودة الحزب إلى لبنان لن تتم على قاعدة الانتصار المزعوم إنما على أساس تسوية سياسية سيتبعها إنفراج سياسي في الداخل اللبناني”. لافتا إلى أن “الحزب والقوات الطرفان الوحيدان اللذان لا حوار بينهما”. وإنطلاقا من كون الحزب يمهّد لتغيير سياسته الداخلية، قال ريشا “يلعب التيار الوطني الحرّ دورا بفتح قنوات تواصل بين الطرفين سيما أنه على علاقة جيدة معهما. فحزب الله يثق بالعونيين، كذلك القوات تبني جسر ثقة معه”.

إلى ذلك لم يستبعد في النهاية أن “يتبع هذا التقارب حوار يجمع بين القوات والحزب”. و خلص ريشا بالقول “لا شيئ مستحيل في مثل هذا الوضع”.

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة


زياد حافظ

يسود القلق في الأوساط العروبية إلى ما يمكن أن تؤول إليه الحالة في منطقة الجزيرة العربية خاصة فيما يتعلّق بعروبة وتماسك المجتمع ووحدة الجزيرة. المخاوف في رأينا ليست فقط على عاتق النخب الحاكمة من زاوية مصالحها الخاصة بل أيضا على التيّار العروبي الذي لا ولن يمكن أن يقبل بتمزيق الجزيرة واحتلالها المحتمل وتدمير عروبتها. هذا كان منطق تقديرنا في المؤتمر القومي العربي في ورقة قدمناها في الاجتماع الدوري السادس والعشرين في حزيران 2016 في حمامات في تونس حيث أنذرنا بإمكانية ضرورة لجوء التيّار العروبي إلى الدفاع عن النخب الحاكمة في دول الجزيرة العربية بشكل عام وفي بلاد الحرمين بشكل خاص. لكنها قد تكون فرصة لمساعدة تلك النخب على مراجعة سياساتها والتصالح مع جماهير الأمة وشعوب الدول المنكوبة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها في الآونة الأخيرة. وهذا ما يسعى إليه التيّار العروبي الذي ننتمي إليه. 

الوضع الميداني في ساحات عربية ملتهبة أدّت إلى تحوّلات في موازين القوة العربية والإقليمية والدولية. فالصراع في الساحة العربية بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص هو صراع بين محورين يقود إحداهما مجموعة الكتلة الاوراسية، ومحور المقاومة جزء أساسي منها، والثانية الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن. والتحوّل في موازين القوة يميل بشكل واضح وحاسم لمصلحة الكتلة الاوراسية ومحور المقاومة. هذه التحوّلات تستدعي بحدّ ذاتها مراجعة لسياسات اتبعتها دول عربية وإقليمية منخرطة في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة. فهل ستُقبل على ذلك وتتجاوز حالة الانكار التي تسودها؟ 

وإضافة إلى تلك التحوّلات الميدانية هناك تحوّلات في مراكز القرار الغربي يعود قسم كبير منها إلى التطوّرات الميدانية في المشرق العربي. فمع اندلاع الحرب الكونية الغربية/العربية على سورية بدأت موجات من الهجرة من النازحين من سورية وغير سورية تجاه أوروبا سبّبت توتّرات شديدة وتلازمت مع عمليات إرهابية داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فتسارع أحداث العنف على يد أفراد ينتسبون أو يزعمون أنهم منتسبون لجماعات التعصّب والتوحّش خلقت مزاجا معاديا للمسلمين وللعرب تجلّى في خطاب سياسي تحريضي ضد المسلمين للمرشح آنذاك للرئيس المنتخب دونالد ترامب وتلازم مع إجراءات في الكونغرس الأميركي تجاه حكومات عربية متهمة بتمويل جماعات التعصّب والتوحّش بشكل عام ومسؤولة عن أحداث أيلول/سبتمبر 2001. 

الرئيس المنتخب الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المرتقب لفرنسا فرنسوا فييون، وربما قيادات أخرى في أوروبا أعلنوا بصراحة ضرورة انتهاج سياسة جديدة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش. هل هذا يعني مراجعة العلاقات مع سورية وروسيا نحو المزيد من التفاهم والتنسيق بدلا من النهج العدواني السائد لدى حكومات الغرب؟ الأرجح أن هذا ما قد يحصل رغم الاعتراض لمراكز قوة داخل أوروبا والولايات المتحدة على تغيير السياسة الحالية. وإضافة إلى النهج الجديد المرتقب فقد أعلنت تلك القيادات عزمها على ملاحقة من موّل الجماعات المعنية! أما الاعلام الغربي والأميركي بشكل خاص فأصبح معاديا بشكل واضح لنهج وفكر دول الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين. أي النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي معبّئون لتمرير سياسات وقرارات قاسية بحق هذه الدول. 

هذه بعض المؤشرات التي تدلّ على تغيير جذري في النظرة لدول الجزيرة العربية، التي كانت دائما في صلب التحالفات الغربية. فماذا يعني كل ذلك لمستقبل تلك الدول؟ 

الخيارات المطروحة أمام هذه الدول خيارات صعبة وأحلاها مرّ. وليس هناك من مبالغة في تقدير أن الأزمة التي ستواجه بعض هذه الدول أزمة وجودية. طبعا، في مقدمة هذه الدول بلاد الحرمين. فالمملكة تواجه تراكما من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطلّب مراجعة جذرية في نهجها وأسلوب الحكم وإدارة شؤون البلاد. كما أن على صعيد المنطقة عليها أن تتخذ نهجا تصالحيا ليس فقط مع حكاّم دول المنطقة العربية بل خاصة مع شعوب هذه الدول. 

فالإخفاقات المتعدّدة على الصعيد السياسة الخارجية والداخلية وضعت المملكة في موقف حرج جدّا. فلا العدوان على اليمن أتى بالنتائج المرجوة بل العكس، (اللهم إذا كان الهدف إضعاف وتدمير اليمن وتقسيمه ففي تلك الحال “نجحت” السياسة ولكن بأي كلفة؟)، ولا تمويل الجماعات المسلحّة في كل من سورية والعراق أدّت إلى قلب المعادلات بل العكس، ولا سياسة محاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في منع الوصول إلى التفاهم الدولي مع الجمهورية بل العكس، ولا سياسة ابتزاز الدول العربية وفي مقدمتها مصر أدّت إلى تطويعها بل العكس، ولا سياسة إغراق سوق النفط التي سبّبت انهيارا في أسعار برميل النفط أدّت إلى انهيار كل من روسيا والجمهورية الإسلامية بل العكس، ولا سياسة كسر التفاهم التاريخي وركيزة المملكة بين الأسرة الحاكمة وطبقة التجار حيث أصبحت الأسرة الحاكمة البديل عن تلك الطبقة في تلك الشراكة في إدارة المقدّرات الاقتصادية والمالية للمملكة أدّت إلى تعزيز موقع الأسرة الحاكمة بل العكس. وهنا لا بد من التذكير أن أحد أسباب سقوط نظام الشاه في إيران هو كسر العلاقة مع طبقة التجّار أو البازار الإيراني ما أدّى إلى تأييد الأخيرة للثورة. فهل هناك من النخب في بلاد الحرمين من يعتبر؟ 

أما على الصعيد الداخلي فالبطالة المتفشّية عند الشباب وتزايد عدد السكّان الذين يعيشون تحت حد الفقر فهذا يعني فشل سياسات اقتصادية واجتماعية في استيعاب الشباب المتدفقّين على أسواق العمل. والأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها بلاد الحرمين هي نتيجة تراكمات وسياسات أوصلت الأمور إلى الوضع المتأزم. كما أن الطبيعة الريعية للاقتصاد لا تشجّع على المبادرة والمجهود المبدع، ولا حتى على المجهود بأبسط أشكاله طالما مصادر الريع مؤمّنة. لكن على ما يبدو هناك وعي متزايد بين النخب حول الإخفاقات على الصعيد الاقتصادي ما يجعلها تفكّر جدّيا بتنويع القاعدة الإنتاجية والتخفيف من الاتكال على النفط. وتنويع تلك القاعدة يتطلّب وقتا طويلا قبل أن يأتي بثماره فهل تستطيع الأمور انتظار ذلك؟ كما أن السياسة الداخلية على الصعيد الاقتصادي تتطلّب استقرارا على الصعيد الخارجي لتحصين الوضع الداخلي وهذا ما يدفع إلى مراجعة تلك السياسات. 

من جهة أخرى فإن سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني واستبدال العداء للجمهورية الإيرانية بالعداء له وتجاهل محنة الشعب الفلسطيني ضربت عرض الحائط موروثا سياسيا وثقافيا ليس فقط عند جماهير الأمة بل حتى عند سكان الجزيرة. وهذه السياسة التي تخاطب الود الصهيوني لن تحميها بل العكس. فمن يحمي المملكة؟ 

السيناريوهات المتداولة عديدة. السيناريو الأول يعود إلى تأزّم الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وتفاقم الصراعات بين مختلف أجنحة الأسرة الحاكمة. ليس هناك من آلية داخلية مؤسسية لفض الصراعات خاصة في غياب الشخصية المرجعية للأسرة الحاكمة. فالتعديلات التي أدخلها خادم الحرمين الراحل عبد الله بن عبد العزيز حول آلية نقل السلطة تعارضت مع عرف مستقر منذ نشأة المملكة. كما أن العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز ضرب عرض الحائط الترتيبات التي أقدم عليها سلفه وأيضا على حساب التراتبية المعهودة منذ نشأة المملكة. هذا يعني أن عدم الاستقرار في البنية الحاكمة قد يكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة خاصة بوجود نقمة غير بسيطة بسبب هذه التعديلات داخل الأسرة الحاكمة والتي قد تضع مصير الأسرة قاب قوسين أو أدنى. 

السيناريو الثاني هو التقديم المزيد من التنازلات للولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن حماية الولايات المتحدة لن تكون مجّانية بالنسبة للمستفيدين من تلك الحماية. فالقواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الجزيرة ودول الخليج ستُموّل بشكل كامل وسخي من قبل المملكة ودول مجلس التعاون إذا ما أرادت بقاء هذه القواعد لحمايتها. فهل تستطيع المملكة وسائر دول مجلس التعاون دفع ما هو مطلوب على حساب رفاهية سكّان دول مجلس التعاون وذلك في زمن الضيق الاقتصادي وعدم الاستقرار؟ كما أن للرئيس المنتخب تصريحات مفادها أن ملكية النفط لن تعود للمملكة أو لدول مجلس التعاون بل للولايات المتحدة مباشرة، فهل تستطيع تلك الدول تحمّل ذلك؟ أضف إلى ذلك الشكوك المشروعة حول مصداقية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها إذا ما تغيّرت المعادلات الإقليمية لتجعل مسؤولية حماية دول الجزيرة العربية أمرا غير ذي جدوى. فالسوابق عديدة حيث تخلّت الولايات المتحدة في لحظة ما عن دعم حلفائها الدائمين والطيّعين، بدءا من شاه إيران، إلى فردينان ماركوس، إلى أغوسطو بينوشي، إلى مانويل نوريغا، إلى زين العابدين بن علي، إلى حسني مبارك، إلى الجماعات المسلّحة في سورية! 

هناك من بين النخب الحاكمة في بلاد الحرمين وسائر دول الجزيرة العربية من نشأ وترعرع في الولايات المتحدة ويعتبر نفسه عالما في المزاج الأميركي ونيّاته. ومن هذه النخب من يراهن على أن التغييرات المرتقبة نتيجة انتخاب دونالد ترامب قد تكون ظرفية وأن حزب الحرب في الولايات المتحدة الذي يضم المجمّع العسكري الصناعي والأمني، والمجمّع المالي والنفطي، والإعلام المهيمن الذي تملكه خمس شركات فقط، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة والتحالفات التي تلازمها. فالتمرّد على النخب الحاكمة في الولايات المتحدة التي حقّقته قاعدة برني سندرز في الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب في الحزب الجمهوري قد لا يصمد أمام الهجوم المضاد الذي سيشنّه حزب الحرب، وقد بدأ فعلا الهجوم المعاكس لنتائج الانتخابات. هذا رهان في غاية الخطورة لأنه لو تحقّق فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة التفكّك السريع والفوضى مما يغيّب الحماية المطلوبة أميركيا. أما إذا فشل الهجوم المضاد فإن الحماية الأميركية تصبح مكلفة جدّا لمن يريد الاستفادة منها. 

السيناريو الثالث هو المضي في التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة أن التحالف معه سيحميها وسيجبر الولايات المتحدة ودول الغرب إلى حماية دول الجزيرة. هذا المنطق لا يخلو من التسطيح والتبسيط وسوء تقدير لموازين القوة حول مستقبل الكيان. فالأخير أصبح بحاجة لمن يحميه. فإذا لم يستطع دخول غزّة، ولم يقدر على تحجيم المقاومة في لبنان، ولم يستطع حماية فصائل مسلّحة في سورية، فكيف يمكنه حماية دولة كبلاد الحرمين التي تسبح عكس التيّار الشعبي! 

الحماية السياسية المطلوبة من الكيان الصهيوني محدودة حتى في الولايات المتحدة. فتراجع اللوبي الصهيوني إثر الهزيمتين المتتاليتين له في الانتخابات الأميركية حيث دعم المرشّح الخاسر (رومني عام 2012 وكلنتون عام 2016) يعني أن نفوذه لا يتعدّى النخب الحاكمة ومجمع الكونغرس، وأن المزاج الشعبي الأميركي ليس مؤيّدا له كما يوحي الاعلام المهيمن والمملوك من قوى قريبة من اللوبي الصهيوني. وإذا كان الكيان الصهيوني قادرا على التأثير في الكونغرس كما يعتقد الكثيرون من المراقبين والمحلّلين العرب والدوليين فلماذا لم يمنع قانون “جاستا”؟ فإما الكيان الصهيوني متواطئ مع الكونغرس الأميركي وبالتالي “حمايته لبلاد الحرمين” مشكوك بها وإما نفوذه أقلّ مما يتصوّره البعض! فما جدوى تلك “الحماية” في كلا الحالتين؟ 

وإذا التطبيع مع الكيان الصهيوني هو لضرب الجمهورية الإسلامية في إيران فإن الكيان يحسب ألف حساب ولن يجرؤ على ذلك إن لم يضمن دخول الولايات المتحدة إلى جانبه. والمزاج الأميركي الحالي لا يوحي بأن مغامرة عسكرية جديدة قد يقبلها الشعب الأميركي رغم التصريحات المتشدّدة لبعض رموز الإدارة المرتقبة لدونالد ترامب. فواقع موازين القوة قد يفرض نفسه ويردع أي مغامرة. أما الرهان على الحماقة فهذا يخرج عن سياق التحليل العقلاني للأمور وإن لن يّستبعد. لكن ماذا ستكون الكلفة على بلاد الحرمين؟. 

كما أن التطبيع يناهض المزاج العربي والإسلامي مهما كانت التشكيلات السياسية التي تدور في فلك دول الجزيرة. فالقاعدة الشعبية للدول العربية بما فيها دول الجزيرة العربية لن تقبل بهذا التحوّل رغم التلويح بالخطر الإيراني. فورقة الجمهورية الإسلامية التي دخلت من خلالها عقول وقلوب العرب والمسلمين هي ورقة الالتزام بأحقّية القضية الفلسطينية ودعم مقاومة الكيان الصهيوني. هذا لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية مقبولة دون أي ملاحظة وخاصة في العراق واليمن. بالمقابل فإن التطبيع الذي تسعى إليه نخب دول الجزيرة وفي مقدمتها بلاد الحرمين لن يستقيم مع المزاج الشعبي رغم الضغط الإعلامي والتسويق المفرط له. رهاننا هو دائما على الشعب وليس على النخب. فلا المال ولا القوة العسكرية كافية لكسر إرادة الجماهير إذا ما حزمت أمرها ومضت في طريق مخالف لتوجّهات النخب. هذه انتفاضة البحرين مستمرة رغم عدم تكافؤ القوة بين النظام وبلاد الحرمين من جهة والمطالبين بالإصلاح. وكذلك الأمر في اليمن، وكذلك الأمر في سورية والعراق! 

إذا من يحمي دول الجزيرة العربية؟ في رأينا لن يحمي الدول الجزيرة العربية إلاّ التيّار العروبي الذي يحرص دائما على وحدة الأرض والشعب ووحدة الأمة وعروبتها ومكوّناتها مهما كانت الظروف ومهما كانت سياسات النخب الحاكمة سلبية تجاه التيّار وتجاه الجماهير التي يمثّلها التيّار. هذا هو السيناريو الرابع. 

نذكّر هنا أن عندما حصلت الكويت على استقلالها كانت سياسة الزعيم العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم لا تخفي طموحات العراق في الكويت. من حمى استقلال الكويت هو التيّار العروبي الذي كان يقوده الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر. أما السياسات المعاصرة لدول الخليج التي سمحت احتلال العراق ومن بعد ذلك تدميره وبعد ذلك تدمير ليبيا وسورية واليمن، فإن تلك السياسات خلقت مزاجا سلبيا عند الجماهير العربية تجاه تلك الدول. التطوّرات الميدانية في بلاد الشام وبلاد الحرمين وربما في ليبيا وفي سيناء غيّرت موازين القوّة لمصلحة العراق وسورية وليبيا ومصر على حساب نفوذ وسياسات دول الجزيرة العربية وفي مقدمتها بلاد الحرمين. 

والسؤال هل ستقوم محاسبة ومساءلة لدول الجزيرة العربية من قبل الدول التي تجاوزت محنتها أو قيد تجاوزها؟ هناك منطقان نقيضان يتصارعان. المنطق الأول هو منطق رد الكيل تجاه الدول التي ساهمت في تأجيج الأزمات. أما المنطق الثاني فيدعو تلك الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين إلى مراجعة نهجها وسياساتها وذلك من باب الحرص على وحدة وتماسك الجزيرة. 

المنطق الأول سيؤدّي إلى المزيد من التأزيم في المشهد العربي وهذا ربما ما يراهن عليه أعداء الأمة. أما المنطق الثاني فالمضي به رهن تجاوز الحاجز النفسي الذي أوجدته تلك السياسات في نفوس جماهير الدول المنكوبة. هذا المنطق يعزّزه التقدير أن انهيار النظام القائم في الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين سيؤدّي إلى فراغ سياسي يصعب ملئه عربيا في المدى القريب. البديل الوحيد الجاهز هو مجمع جماعات التعصّب والغلو التي ستنتقل من بلاد الشام وبلاد الرافدين إلى بيئة حاضنة وجاهزة في الجزيرة العربية.
أما على الصعيد الخارجي فهناك دول في الإقليم القريب والمتوسط لها حضور شعبي في الجزيرة العربية كيد عاملة قد تستدعي حالة التفكّك المحتملة وعدم الاستقرار الذي قد ينجم عنها تدخلّها العسكري المباشر لحماية رعاياها. فالهند والباكستان دولتان نوويتان وجزء من منظومة شانغهاي الأمنية والاقتصادية. كما أنه يوجد في بلاد الهند والسند كتلة إسلامية أكبر من الوجود الإسلامي في الجزيرة! فكيف يمكن ردعهما خاصة وأن النظام العربي غير جاهز حاليا لملء الفراغ؟ من ناحية أخرى، إن سقوط النظام في هذه الدول سيعطي الذريعة المفقودة حتى الآن عند الولايات المتحدة للتدخل واحتلال أجزاء من الجزيرة وخاصة آبار النفط. فمن يردعها؟ ويمكن التساؤل أليست هناك مشاريع أميركية للقضاء على النظام وتقسيم الجزيرة بغية احتلالها؟ فعلى ماذا تراهن إذن النخب الحاكمة في دول الجزيرة؟. 

في الخلاصة لا مفرّ من العودة إلى البيت العربي عبر تثبيت العداء للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني بكل الإمكانيات، وعبر إنهاء الدعم لجماعات التعصّب والتوحّش التي ستنقلب على الجهات التي تدعمها للإحلال مكانها، وعبر المصالحة مع الجماهير العربية. هذا ما سحمي تلك الدول فهل من يعتبر؟

التطرف «السني» يخدم إيران


عبد الحليم قنديل

لا جدال في حقيقة كسب إيران لمناطق نفوذ متسعة على حساب العرب، وغلبة أثر طهران على عواصم العراق وسوريا ولبنان واليمن، وامتداد حدود إيران استراتيجيا من شواطئ الخليج إلى سواحل البحرين الأبيض والأحمر.

والمفارقة الظاهرة، أن إيران لم تكسب كل هذا النفوذ بمجهودها الذاتي فقط، بل كسبته أساسا بعمل آخرين، خاصة الذين ينطلقون في العداوة لإيران من منظور ديني طائفي، يدعي الدفاع عن أهل السنة والجماعة، ويكره الشيعة ويكفرهم، ولا مانع عنده من استحلال دمائهم ومساجدهم وحسينياتهم وحياتهم، باعتبارهم كفارا، خرجوا عن الملة، وهو ما يصل إلى ذروته في جماعات التطرف الأعمى المنسوبة للسنة، التي تسمي نفسها بالسلفية الجهادية، وعلى طريقة «القاعدة» و»داعش» وأخواتهما، وهؤلاء يقدمون أفضل خدمة مجانية متصلة لإيران، فهم يسيئون للإسلام السني، وهو الغالب في المنطقة العربية بامتياز، كما في الدنيا كلها، وبمذاهب فقهية تاريخية متفتحة، كالشافعية والمالكية والحنفية، بل يسيئون أيضا لأتباع المذهب الحنبلي، قبل أن تظهر طبعاته السلفية الأحدث، الموغلة في التشدد البدائي وخلع العقل وعبادة النقل، التي كونت تنظيمات الخوارج المعاصرين، وتستحل دماء المخالفين في الدين والمختلفين في المذهب، بل المختلفين في الفهم من السنة أنفسهم، وتقدم نفسها كأنها تحمل راية التدين الحرفي، وتسعى لاستعادة خلافة لم يرد بها نص ديني ملزم، بل كانت مجرد ممارسة دنيوية مرتبطة بظروف زمانها، وهو ما يؤدي سياسيا وحياتيا إلى وضع خطير، يوضع فيه «الشيعة العرب» بالجملة في سلة إيران، ويصبحون وقودا جاهزا لحروبها، وتحت عباءات مفتعلة القداسة، تدعي الثأر لمقتل الإمام الحسين وسبي السيدة زينب.

والأخطر، أن جماعات التطرف باسم السنة، حصلت على دعم بعشرات المليارات من الدولارات، وجرى استخدامها بمعية أجهزة مخابرات إقليمية ودولية، بينها مخابرات إيران، وقتلت من السنة أضعاف أضعاف ما قتلت من غيرهم، وصارت عنوانا لدمار ذاتي شامل، يحارب العروبة، ويصورها كنوع من الكفر البواح، وهو ما دعم موضوعيا خطط إيران، التي تستند أساسا إلى دعوى الدفاع عن المذهب الشيعي، وتعتمد سياسيا على إشاعة الخوف في أوساط الشيعة العرب، ودفعهم إلى أحضان طهران، وجعلهم جنودا وجيوشا إضافية، يكون ولاؤها الخالص للولي الفقيه في طهران، خاصة أن المذهب الشيعي هو القاعدة الصلبة للحكم في إيران، التي يتكون نسيجها من قوميات متعددة، ولا يشكل الفرس فيها سوى 35% من السكان، بينما الشيعة في كل قوميات إيران هم الغالبية الساحقة، وهو ما يجعل «التشيع» ضمانا للحد اللازم من التجانس في الخليط الإيراني، وقومية إيرانية خاصة جدا، يضيف إليها التطرف المتنكر لأولوية القومية العربية والإسلام الجامع مددا جديدا، ويهدي إيران ولاء مضافا من ملايين الشيعة العرب، تعود إيران لتستخدمهم في تفكيك المجتمعات العربية المجاورة، وتشكل منها فيالق وميليشيات تخوض الحروب عنها، وإلى آخر قطرة دم عربي.

نعم، تخدم الحروب الطائفية قوى الاستعمار الأجنبي، وتخدم كيان الاغتصاب الإسرائيلي طبعا، تكفل له الأمن، ومتعة «الفرجة» على قتل العرب للعرب، لكن الحروب الطائفية تخدم إيران مع وقبل كل هؤلاء، وقد ظهر ذلك جليا في العقود الأخيرة، وبالذات بعد غزو أمريكا للعراق، الذي شاركت عواصم عربية كثيرة في دعمه، وبما أخلى العراق، وحطم مكانة الدولة فيه، وانتهى إلى فراغ مجاور لإيران، ملأته طهران بضم الشيعة العراقيين العرب إلى حوزتها، وتجنيدهم في حروب النفوذ، والاستفادة من انتشار جماعات التطرف المنسوب للسنة، وخوض معارك غير متكافئة معها، أدت إلى تفريغ جنوب العراق ووسطه حتى بغداد من السنة، وتفكيك الترابط الاجتماعي في النسيج العراقي، وهى القصة ذاتها التي سبقت إليها طهران في لبنان، ثم في سوريا واليمن من سنوات، فالنزوع الطائفي لا يخدم أحدا أكثر من إيران، والعروبة الجامعة وحدها هي التي تردع إيران، وتقيم معها جوارا متكافئا، وتسترد الشيعة العرب لأوطانهم، مع القضاء على داء التكفير العبثي المهلك، واستعادة «العروة الوثقى» بين القومية العربية وصحيح الإسلام، والتركيز على كسب حقوق المواطنة المتساوية للجميع، وبغير تمييز على أساس الدين أو المذهب أو العرق.
وقد لا يصح لأحد أن يبرئ إيران من جرائمها، لكن جرائمنا في حق أنفسنا أفظع، وحروب جماعات التطرف الطائفي ـ سنية وشيعية ـ تصب موضوعيا في خدمة إيران.

تجديد وتبديد:
أخشى أن تتحول قضية تجديد الخطاب الديني في مصر إلى تجارة بكل معنى الكلمة، وعلى طريقة ندوات ومؤتمرات تدعو لها وزارة الأوقاف، أو تبادر إليها مشيخة الأزهر، يشارك فيها المشايخ المحظوظون، وتحجز لها الفنادق والقاعات الفاخرة، وتفتح لها الخزائن، وتمد موائد الطعام والشراب، وتقدم فيها أوراق الاجترار «لزوم الصنعة»، تظهر بعدها في كتب مطبوعة لا تجد من يشتريها، ثم ينتهى كل شيء إلى لا شيء، تماما كما مؤتمرات «التنمية البشرية» و»الإصلاح الإداري» إن كنتم تذكرونها، ودورات تأهيل الموظفين والمعلمين، التي أنفقت عليها المليارات من منح أجنبية غالبا، وبدت كأنها «قصعة الفتة»، تكالب عليها المحترفون في نهم وتلذذ، ثم ضاع الأثر في الحوافز والبدلات والبطون، ولم يجر إصلاح ولا تأهيل ولا يحزنون، وظل الفساد والخراب يحكم ويعظ.
ولا قيمة لمناقشات تدور في فراغ اجتماعي، أو دون احتياج وأولويات تفرض نفسها، ولا فرق هنا بين مناقشات إدارية واقتصادية ومناقشات دينية، فليس المطلوب خلق أجواء من الضجيج الفارغ، أو الإيحاء بأداء واجبات وهمية، وفي مصر الرسمية الآن، ثمة إلحاح رئاسي على تجديد الخطاب الديني، ثم دورات لوم من الرئيس للمشايخ، واستجابات لا تتعدى المزيد من الإنفاق السفهي والكلام الميت، والسباق اللاهث بين الأوقاف والأزهر على كعكة نيل الرضا، وهذه طريقة لن تنتهي إلى شيء يذكر، بل إلى تبديد لا تجديد، لا يتعظ بدروس ما جرى عبر أربعين سنة مضت من الانحطاط التاريخي، فكما جرى النكوص عن النهوض والتصنيع واقتصاد الإنتاج، وتجريف نظام العدالة الاجتماعية، وفتح الأبواب للنهب والتهليب وشفط الثروة العامة، وتحصين الفساد وتدهور القيم، فقد جرى مثله بالضبط في ساحة الخطاب الديني، وليس المقصود ـ بالطبع ـ الدين في ذاته، فهو محفوظ بعناية الله، لكن المقصود هو الفقه والتفسيرات الدينية الرائجة، وقد ساد الانحطاط فيها، كما الانحطاط في السياسة والاقتصاد والثقافة، وبدت التفسيرات مظهرية قشرية تجارية، تنزع عن الدين جوهر العدالة فيه، وتتواطأ مع الفساد المسيطر، وعلى طريقة فتوى جواز «الإكرامية» التي صدرت عن مفت سابق، أو فتوى جواز طرد الفلاحين المستأجرين التي صدرت عن شيخ الأزهر نفسه، وفتاوى الجلباب واللحى والنقاب وكراهة الأقباط وتكفير الشيعة، التي جعلها السلفيون معيارا للتدين الحق، مع ترك السياسة بمظالمها، تفقر أغلب الناس، وتشل مقدرتهم المتداعية على مواصلة بطولة البقاء على قيد الحياة، وترك فرص الحياة الرغدة للظالمين والنهابين، والاكتفاء بأحاديث عذاب القبر، وآخرة «الحور العين».

نعم، لا فرصة لتجديد مؤثر في خطاب الدين بدون تجديد مواز في الدنيا، ولا ثورة في فقه الدين منفصلة عن الثورة في الدنيا، فالعقيدة والعبادات والشريعة أوامر إلهية، وليست موضعا لنقاش ولا لجدال، لكن الفقه والتفسيرات أمور دنيوية، تختلف بتنوع الامكنة والأزمنة والظروف، ولا نهوض ولا تجديد جامع فيها خارج دورات نهوض الأمم، ففي مصر، ظهرت تجديدات الإمام محمد عبده في سياق ثوري، وقد كان الإمام طرفا مباشرا في ثورة أحمد عرابي، وحين فشلت الثورة، ذهب الإمام إلى المنفى، وعاد أقل وهجا مع فتوى الكفر بفعل «ساس» و»يسوس»، وفي دورة نهوض أعظم مع ثورة جمال عبد الناصر، ظهر الإمام المجدد محمود شلتوت، وهو أعظم مشايخ الأزهر بإطلاق عصوره، وكانت تجديداته الفقهية في علاقة جوار وحوار مع نهوض مصري هائل، يجدد الحياة، وينشر التقدم والتعليم والتصنيع، وينتصر لقيم العدالة والعمل، ويؤكد على التعبئة الوطنية ونبذ الطائفية، وهو ما جعل فتاوى الإمام شلتوت في موضعها وزمانها تماما، فقد كانت الأمة تغادر أكفانها، وتصحو إلى دور على خرائط الدنيا الناهضة، وتزيح ركام الغبار عن قيم الإسلام المطموسة.

وبالطبع، ثمة عقول قادرة على التجديد الآن، لكن المشكلة تظل في السياق الذي تجري فيه محاولات التجديد، وهو سياق ملغوم وغاية في الاضطراب، يكاد لا يعرف هدفا للتجديد الذي يدعو إليه، فلسنا بصدد ثورة اجتماعية، وحتى نطلب تجديدا دينيا يواكبها، وينشر قيمها الجديدة بين الناس، بل ثمة ركود وقمع وتواطؤ ضد ثورة الناس، وعودة إلى اختيارات الهوان في السياسة والاقتصاد، وتكريس الظلم الاجتماعي، ونشر البؤس والبطالة والإفقار، وجعل الدنيا حكرا للنهابين وحدهم، وهو ما يجعل خطاب التجديد الديني يتوه، ويلقى مصير الأذان في مالطا.

الناصرية .. من الحنين الى التجسيد !!


إسماعيل ابو البندوره

عندما سافرت ابنتي الى القاهرة قبل أيام ، سألتني ان كنت احتاج الى شيء من هناك ، فأوصيتها على بعض الكتب عن ثورة مصر الجديدة ، وطلبت منها أن تسلّم لي على عبد الناصر عندما تطأ ارض القاهرة ، وسألت نفسي بعد أن غادرت ، لماذا أردت منها أن تسلم لي على عبد الناصر ؟ ولماذا اطلب كتبا عن الثورة الجديدة .

ووجدتني وبعيدا عن النوستالجيا ( الحنين ) الى عبد الناصر ، استعيد تجربته النهضوية ومفرداتها في خيالي ، واستحضر العصر العربي الناهض ( ارفع رأسك أخي العربي ! ) الذي أنشأه عبد الناصر على أرض الواقع ، وعلى صعيد الأمة العربية ، وأعيد اختزاليا التفكير ببعض القضايا والعناصر التي ربط بينها عبد الناصر بعقله المنفتح على التغيير، والتحديث والمعرفة ، والمقاومة ، والحقل الذي افتتحه في الحياة العربية ، لكي تمضي الامة على طريق النهضة والحرية والاستقلال .

وأود الاشارة اولا الى أن معظم القوميين وعلى اختلاف مشاربهم السياسية كانوا ولايزالون أبناء لمشروع ناصر القومي النهضوي بمعنى من المعاني ، كما أنهم خير من قرأوا المعاني الكامنة في هذا المشروع ، وحاولوا تجسيدها في ممارساتهم السياسية ، حتى وان كانوا قد فكروا بالنهضة عن طريق منهج أو استدلال آخر ، أو اتخذوا طريقا آخر مختلفا عن الناصرية في رؤية سبل وآفاق النهضة القومية ، وسبل تحقيق اهداف الأمة على المدى البعيد ، وحيثما كان هناك حوار في طبيعة الفهم للمسألة القومية أو التلاقي والاختلاف ، والبحث عن الأفضل داخل أطر التيار القومي ، وكلما نشأ مايوجب السجال والاختلاف بين الرؤى “وهو ما أصر البعض على تسميته خلافا وتنابذا وصراعا” ، كان هذا الصراع ينطوي ويفضي الى وحدة في التفكير ضمن جدلية صراع – وحدة ، وتغيا مصلحة الامة ، وامتلأ حبا لعبد الناصر وطريقه ومشروعه الكبير ، وكلما كان هناك خلاف مع عبد الناصر ، كان هناك احترام واعتراف بدوره ومكانته ، وكنت دائما لو شققت قلب أي قومي في انحاء الوطن العربي لوجدت عبد الناصر داخل هذه لقلوب ، وقد كان ذلك في أوج زعامته وكارزميته ، وبقي في الصدور حتى اللحظة ، حيث نستحضره ونحن نفكر بدور مصر وعبقرية مكانها وزمانها ، وأهمية هذا الدور في تغيير الواقع العربي.

ولذلك علينا أن نقول الآن أننا عندما نتحدث عن الناصرية فاننا لانهرب من واقع عربي لانستوعبه ، ولاطاقة لنا على مواجهته ، فنكون مثل دروايش يبحثون في لحظة وجد وغياب عن الغائب والمغيب ، ولانلوذ بناصر نرجسيا من واقع مفروض لانقدر على تشخيصه والانتصار فيه ، ولكننا نذهب اليه بوعي واحتياج معرفي لكي نستحضر ونقرأ درسه وتجربته ، ولكي نستولد النموذج ، والمنهج الناصري في حياتنا العربية ، وتلك هي كما أرى مأثرة ناصر والناصرية المسترسلة ، بأن ابدعت الرؤية والمنهج ، ودليل العمل القومي الثوري في عملية بناء الأمة ومواجهة التحديات ، وهي ما شكل الأساس الذي قامت عليه الثورة الناصرية ، ذلك أنها كانت ثورة مكتملة المعاني ، استراتيجية الاهداف ، قومية الأفق ، ونجحت في اقتحام الدوائر المغلقة ، وافتتحت الدوائر الجديدة الاسلامية والافريقية والدولية ، واستنبتت فيها نموذجا ارشاديا ناصريا لايزال يستعاد ويستحضر بجوهره وأبعاده في كل لحظات التحول والتغيير وعلى نطاق كوني .

وكأننا نريد أن نقول بدون عصبوية أو التباس ، ومن خلال فهمنا لجوهر الناصرية وعمومية اهدافها ، أننا ناصريون وهذا هو منهجنا الذي لاعوج فيه ، ولا انتحال ، ولا مراوغة ، ولا تدليس ، وفيه عناصر مشروع النهضة العربية الاساسية ، التي لانزال نحاول تجسيدها حتى اللحظة ، وهو المشروع العمومي الجاذب الذي جعل أبناء مصر يستعيدون دورهم في ثورة 25 يناير ، ويواصلون ثورة يوليو في ثورة مستمرة ودائمة ، ويعيدون بناء ماانهدم في الوقت السياسي الكئيب المستقطع من تارخ مصر بعد وفاة ناصر وحتى اللحظة ، ذلك أنهم يعودون الى المنهج والنموذج والروح الناصرية الوثابة ” حتى ولو لم يصرحوا بذلك جهارا ” في البحث عن الحرية ، والديموقراطية ، والاستقلال ، والعدالة الاجتماعية ، والتجدد الحضاري .

وهكذا يمكن أن نكون ناصريين في المرحلة الراهنة ، من خلال استحضار المشروع النهضوي الناصري وعناصره ، بأفق وعقل نقدي ، وقراءة مستنيرة وتنويرية ، وتوطين المنهج والنموذج مجددا في العقل والحياة العربية ، وتقديم اطروحات جديدة حول سبل تغيير الحياة العربية ، وجعل الناصرية مفردات وطنية وقومية عريضة منفتحة على كل الرؤى والقوى القومية والنهضوية في الوطن العربي ، من اجل صياغة عصر ناصري المعنى ، قومي الدلالات ، تاريخي الآفاق ، استراتيجي الاهداف .

الناصرية كما نفهم معناها في المرحلة العربية الراهنة ، وكما فهم معناها مفكر مصر الاستراتيجي الكبير “جمال حمدان” ذات لحظة ، ليست حوزة استذكارية أو حلقة دروشة سياسية ، وحنين ، ووجد ، وذكريات ، أو نظام سياسي مضى وانقضى عهده ، وانما هي فكرة نهضوية ، ومنهج ثوري ، ودليل عمل ، وخطة طريق قومية ، لابد من تجديد الحديث عنها “وخصوصا في أيامنا هذه” ، لكي تملأ وتدير فراغ مصر الراهن ، وتطال الفراغ العربي الكارثي القائم ، الذي نشأ في حياة العرب ووضعهم أمام انسداد وكآبة !!

ترامب يعلن الحرب على الأسلام ..


محمد فخري جلبي

التأمت أركان القمة العربية تحت مسمى (كفى أمريكا ) وذلك على أعقاب ضغوط شعبية ومظاهرات عارمة أجتاحت الوطن العربي من المحيط إلى الخليج ضاربين عرض الحائط سياسات الخنوع المتبعة من قبل الرؤساء العرب عابرون بنعالهم الممزقة قرارات واشنطن وأساليبها الشيطانية في أخضاع الدول العربية ، ويجدر الأشارة هنا بأنصهار الجيوش العربية والعناصر الأمنية مع حشود الجماهير العربية الغاضبة مما أدى في نهاية المطاف وتحت زخم تلك الموجة الشعويية الثائرة إلى عقد قمة عربية عاجلة على مستوى رؤساء الدول العربية (بعد أن عادت الأمور إلى نصابها وأودع الظلاميون منهم في غياهب السجون ) ، كما وجهت القمة العربية رسالة توبيخ شديدة اللهجة إلى البيت الأبيض ومجلس الأمن ، حيث طالب المجتمعون بمحاسبة دونالد ترامب لما خلفه ذلك النازي المتعجرف من أشكالات مجتمعية وأخلاقية كشفت القناع عن الحرب الصليبية ضد المسلمين ، و أظهرت مدى الأستخفاف الدولي الممنهج بالمجتمع العربي بشكل عام !! وذلك من خلال الأمر التنفيذي الذي منع بموجبه ترامب رعايا سبع دول أسلامية (سوريا ، اليمن ، الصومال ، العراق ، الصومال ، إيران ، أفغنستان) من السفر إلى الولايات المتحدة طيلة فترة تسعين يوما ، ماعدا سوريا فأبنائها مشمولون بالقرار إلى فترة غير محدودة الزمن .

بالطبع فأن القرار ليس بفحواه التنفيذي فمدة تسعين يوم أو أكثر ليست أم المصائب ولكن القرار بمعناه الأخلاقي ، فتلك الدول السبع المشمولة بالقرار أسلامية الصبغة ، وبمعنى أدق فأن هذا القرار يعني بصورته الأشمل بأن الشعوب الأسلامية فئات أرهابية تشع بالمخاطر أو عناصر موبؤئة بالأمراض المعدية كالطاعون ويجب حجرها صحيا في أماكن تواجدها ، فالقصة ليست مجرد منع سفر لفترة معينة ولكن القصة أكبر من ذلك بكثير !! فدونالد ترامب القائل "سنعزز التحالفات القديمة ونشكل تحالفات جديدة ونوحد العالم المتحضر ضد الأرهاب الإسلامي المتطرف الذي سنزيله تماما من على وجه الأرض" ، ولقد ذكرت في حينها بأن عبارة الأرهاب الأسلامي وكما يريدها ترامب فلقد جاءت هنا فضفاضة جدا بحيث ممكن أن تشمل دول بكاملها ولقد تحققت الرؤية وقام ترامب بحظر شعوب سبع دول متأبطا تلك الذريعة المخادعة .

عزيزي القارىء العربي المسلم المهمش ، الخائف ، والذي تشعر بضيق بالأنفاس وأرتباك من المستقبل وذلك لعدة أسباب

1. أعلان شرطي العالم (أمريكا ) بدأ الحملة النازية ضد المسلمين .

2. المضايقات والأنتهاكات المتكررة بحق المواطنين المسلمين المتواجدين في الدول الغربية وأخرها وليس ختامها تفجير أدى إلى قتل 6 أشخاص على الأقل وأصيب 8 آخرون في إطلاق نار على مسجد في مقاطعة كيبيك الكندية مساء الأحد .

3. وأعتقد بأن هذه النقطة هي الحلقة المفقودة في مسلسل القضاء على التوجه العنصري الغربي لبعض الدول بحق الشعوب المسلمة!! وهي تقاعس الرؤساء العرب عن الدفاع عن أنفسهم وعن الشعوب العربية المسلمة ، بالأضافة إلى عمالة أولئك الرؤساء مع التشكيلة النازية المتنفذة بتطبيق سياسة تلك الطائفة الدموية بحق المسلمين ، وذلك بواسطة تضييق الخناق على الشعوب العربية وكبح جماح غضبهم ضد الدول الممارسة لتلك الأنتهاكات العنصرية والتي دقت أكبر أسفين في أسفل القانون الدولي المختص بالمجال الأنساني .
أما وعن القمة العربية وأجتماع الرؤساء العرب حول طاولة الفرسان السبع وأعلانهم القسم بأعادة كرامة المسلمين مهما كلف الأمر من غالي ورخيص فهي مجرد أضغاث أحلام راودتني على حين أرتفاع مؤشرات الكرامة والعنفوان وبالأخص بتواجدي الأبدي في بلاد المنفى .

ولنذكر عزيزي القارىء بعض ردود الأفعال الأمريكية ضد ذلك القرار لكي يزداد حقدنا ويشتعل غضبنا حد الأنفجار تجاه رؤسائنا العرب ،

1. تصريح النائب العام لولاية واشنطن بوب فيرغسون اليوم الأثنين إن الولاية ستلجأ إلى المحكمة الأتحادية للطعن على الأمر التنفيذي الذي وقعه دونالد ترمب بمنع الهجرة من بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة .

2. أعلان المتحدث بالإنابة بأسم وزارة الخارجية مارك تونر: "لقد علمنا برسالة أحتجاج أنشقاقية تتعلق بالأمر التنفيذي" حيث قال مسؤولون أميركيون الأثنين إن عددا من الدبلوماسيين أحتجوا على الأمر الذي أصدره الرئيس دونالد ترمب بوقف وصول اللاجئين وحظر منح التأشيرات لمواطني سبع دول غالبية سكانها من المسلمين .

وإلى ذلك فقد أنطلقت عدة مظاهرات ضمت ألاف الأمريكان غصت بها شوارع عدة ولايات أمريكية مثل واشنطن ونيويورك حاملين شعار ( لا للحظر لا للجدار ) مع أرتفاع وتيرة بعض الأصوات المطالبة بتنحية ترامب عن مركزه ، وبالأضافة إلى موجة الغضب الأمريكي فقد قفزت ردود الأفعال الغاضبة لتغادر الولايات المتحدة وتصل إلى بريطانيا حيث قام مايقارب مليون شخص بالتوقيع من أجل أيقاف دونالد ترامب من زيارة الملكة إليزابيث ، كما وعلى الصعيد الأسلامي فلقد أنتفضت أركان القمة الأفريقية ضد قرار ترامب النازي منددة بمثل تلك التصرفات العير أخلاقية ، أما وعلى الصعيد العربي ( الرسمي والشعبي ) حدث ولاحرج فالصمت حالة مرضية تصيب الشارع العربي بالشلل مع أستحالة الشفاء من تلك الحالة المرضية المزمنة !! بالطبع يجب عدم ألقاء اللوم بشكل عبثي على عاتق الشعوب العربية المتهكة ، ولكن أضعف الإيمان هو التوجه إلى السفارات الأمريكية والأوربية على حد سواء المتواجدة ضمن الأراضي العربية حاملين الورود والشموع (فنحن شعوب متحضرة ولسنا من رواد العصر الحجري ولسنا دمويين وكما يروج لنا البعض ) من أجل تذكير تلك الدول بأننا مازلنا على قيد الحياة ونملك حقوق مواطنة على سطح هذا الكوكب وضمن النسيج البشري الكلي .

وفي ذات السياق فأن التواجد الأسلامي في العالم يمر بأصعب مراحله وأعقدها ، وأن واظب النازيون الجدد بالقيام بتلك الممارسات فسوف نصبح جميعا عناصر أرهابية ملاحقة من قبل تلك الجماعات المتنفذة .

مما لاشك به بأن الجامعة العربية ليست صاحبة شأن في مثل هذه القضايا الحساسة !! فهي غارقة بالنوم العميق ، وأعضاؤها هم معاقون نفسيا وأخلاقيا فلايمكن التعويل عليهم على أية حل ، والأمر الأخر المستغرب بأننا كشعوب عربية لانملك حق الدفاع عن أنفسنا والصراخ عندما نتألم ، فمن أوصلنا إلى تلك المرحلة البائسة ؟؟

والشيء بالشيء يذكر ففي فبراير 2016 كتبت قصيدة (أنتقاما للشهيدة) كردة فعل عفوية من مواطن عربي مزقه حد الموت مشهد قنص فتاة برئية تمضي إلى جامعتها على يد عناصر الأحتلال الإسرائيلي لتقوم الدنيا وتقعد في أوسلو ويتم زجي في السجن وتحاك ضدي قضية مفبركة بتهديد السفارة الإسرائيلية في أوسلو ومازالت القضية قائمة إلى الأن . فمتى نخرج من قعر زجاجة الذل ونطالب بحصتنا الشرعية من الكرامة والأوكسجين لكي نستطيع الحياة ؟؟؟

ذلك هو السؤال الذي يسقط أمام نفسه مصابا بالحيرة والذهول .

جامعة ... من قال أنها عربية
تعنى بشؤون الراقصات والحرامية
تدق طبول الثأر غضبا
أن خرج من حظيرة الأغنام
أصوات تطالب بالحرية
لا للجدار ... لا للعنصرية
لا لجامعة الجرذان العربية .

توجهات الحكم الجديد في لبنان


خالد غزال

افتتح العهد الجديد أعماله في إقرار مراسيم النفط وسط لغط حول ما شابها من محاصصة بين الشركات المالية التي تعاقد معها أطراف في السلطة، وتصريحات لخبراء في النفط أكدوا أن ما سينال الخزينة العامة من النفط ليس سوى فتات، فيما ستعود العائدات إلى قوى المال وأركان الطوائف. وكما أشير في أكثر من مكان، إلى أن صفقة النفط كانت جزءاً من الصفقة التي أتت بميشال عون وسعد الحريري إلى السلطة. كانت هذه البداية تؤشر في الوقت نفسه إلى طبيعة السلطة القادمة بما هي حلف بين الشركات المالية والعقارية والمصارف من جهة، وبين المحاصصة الطائفية المعمول بها منذ اتفاق الطائف. تستّر الجميع على الصفقة وعلى ما شابها من فساد ادعى كثيرون أنهم أتوا لمحاربته.

لكن الحلف الطائفي – الطبقي هذا كشف عن وجهه بشراسة في النقاش الذي جرى مجدداً في المجلس النيابي حول قانون الإيجارات الجديد. من المعروف أن المجلس سبق له أن أقر قانون الإيجارات قبل عامين ونصف، تقوم ركيزته على زيادات فاحشة جداً في الإيجارات، وعلى تحرير العقود بعد تسع سنوات من دون أي تعويضات. يومها جرى إقرار القانون بمادة وحيدة، ولم يقرأه من النواب سوى واضعيه. أثير لغط عن السرعة التي شرّع بها المجلس من دون قراءة ما يتضمنه القانون، وهل أُعطي النواب «مستحقات» للإقرار على غرار ما جرى مع شركة سوليدير مطلع تسعينات القرن الماضي. نجحت حملة لجان الدفاع عن المستأجرين في إعاقة تنفيذ القانون من خلال الطعون التي قدمت ضده، ومنها قرار من المجلس الدستوري الذي أفتى بعدم صلاحيته. سعى المالكون إلى التطبيق واستصدروا أحكاماً من بعض القضاة باعتبار القانون نافذاً. مؤخراً، أعاد المجلس النيابي إقرار القانون بعد إدخال تعديلات شكلية وهزيلة عليه، من دون أن تمس مسألة تحرير العقود أو الزيادات السنوية الباهظة.

يكشف قانون الإيجارات وإقراره عن الطبيعة الحقيقية للسلطة، بما هي تحالف الرأسمالية المتوحشة والشركات العقارية والمصارف وحيتان المال مع القوى الطائفية التي تمسك بالبلد وتتقاسمه على حساب أبنائه. من المعروف أن كتلة نقدية ضخمة مكدسة في المصارف اللبنانية تحتاج إلى توظيفات واستثمارات. لا يقع في ذهن أصحاب المال توجيه التوظيفات نحو قطاعات إنتاجية في الصناعة أو الزراعة أو غيرها، بل ترى أن الاستثمار المفضل والمربح بسرعة هو في قطاع العقارات. وبالنظر لأن هذا القطاع باتت مساحاته محدودة، فإن الشركات العقارية والمصارف ترى في تحرير العقود واستعادة الأملاك القديمة وهدمها لبناء مجمعات سكنية، هي الوسيلة الأفضل لها. يضاف إلى ذلك أن الكثير من أقطاب الطوائف وأبنائهم عمدوا إلى شراء أبنية قديمة بأعداد كبيرة، تحتاج إلى طرد المستأجرين منها لتحويلها إلى أبنية وأبراج جديدة.

قد لا يدرك التحالف الطبقي الطائفي الممسك بالسلطة أخطار إقرار القانون الجديد للإيجارات. فهذا القانون سيمس حوالى مليون مواطن ويهجرهم بعد سنوات عدة، في وقت ضاقت فيه أماكن السكن في السنوات الأخيرة. هذا القانون هو القنبلة الاجتماعية الأكبر القادمة على البلد، وقد بدأت طلائعها في ردود الفعل الشعبية عليه. بعد إقراره، بات كل مستأجر مدركاً لمصيره الأسود. في التظاهرات التي بدأت تنتشر في المناطق، يراقب المرء طبيعة المتظاهرين، فخلافاً لتظاهرات نعهدها، لا يشكل عنصر الشباب عماد التظاهرة، بل إن الغالبية الساحقة هم من النساء والرجال الذين تفوق أعمارهم الستين سنة، على وجوههم مظاهر الغضب وإطلاق الشتائم إلى أهل السلطة، نواباً ووزراء. بل بدأت الأصوات ترتفع داخل المستأجرين داعية إلى التسلح للدفاع عن حق السكن. لا يقع رد الفعل هذا في سياق التهويل، بل هو حقيقي لأناس سيجدون أنفسهم في الشارع بعد أن وصلوا إلى السبعينات أو الثمانينات من العمر.

ليس متوقعاً أن يعي أهل السلطة والتحالف الطبقي - الطائفي الحاكم أخطار الأزمة الاجتماعية المقبلة على البلد، انطلاقاً من قانون الإيجارات ومطالب سائر الفئات الاجتماعية. فالحرب الأهلية التي قامت منتصف السبعينات، كانت أحد أسبابها الأزمة الاجتماعية وانسداد أهل النظام على أي تسوية تؤمن تحسين مستوى المعيشة للطبقات الشعبية. لن تنفجر الأزمة الآن، لكن عواملها بدأت تتراكم، وسيكون من الصعب حرفها طائفياً ومذهبياً، لأن المستأجرين هم من جميع الطوائف. ولن يكون الوقت بعيداً على دخول البلاد في حلقة من الصراعات الاجتماعية، ستشكل مدخلاً إلى حرب أهلية متجددة إذا لم يتدارك أهل الحكم هذا الموضوع.

2017/01/02

بعد 42 عاما.. وداعا "السفير" اللبنانية

أماني محمد 
 
لفظت السبت صحيفة “السفير” اللبنانية أنفاسها الأخيرة، لتعلن مع آخر أيام عام 2016 انتهاء مسيرة امتدت على مدار 42 عاما، ويبدأ العام الجديد بلا “السفير” التي رفعت شعار “صوت الذين لا صوت لهم”، نتيجة أزمات مالية ووضع حرج أفضى بالقائمين عليها اتخاذ القرار بالتوقف عن الصدور والاكتفاء بالموقع الالكتروني لها.

الوطن بلا “السفير”
تحت هذا العنوان جاءت افتتاحية العدد الأخير من الصحيفة، لتربط بين تدهور الصحافة والسياسة ليس في لبنان، ولكن في العالم العربي كله وبين الأوضاع العالمية من وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتولي هولاند ومن قبل نيكولا ساركوزي الحكم في فرنسا، وتراجع الثورات العربية والقضية الفلسطينية وكل ما يعانيه الوطن من تلقبات وصراعات وطائفية.

سوريا، ليبيا، اليمن، العراق، وأخيرا مصر دولا كانت لها محلا من الافتتاحية، فقالت “سوريا ما تزال تنزف بعد مرور نحو ست سنوات على الحرب. ليبيا لم تستطع لملمة جسدها الممزق. الجرح اليمني ما يزال ينزف.

العراق صار يلهث خلف هويته، فيما «أم الدنيا» لم تعد قادرة على إطعام عيالها، كيف يعيش الإعلام وسط هذه النيران ومما يتغذّى؟”.

”لبنان ليس جزيرة معزولة” تربط الصحيفة بين الوضع داخله وبين العالم العربي حوله، قائلة: “لم يكن أحد ليصدق في بداية الأزمة السورية أن الحريق لن يطال لبنان الهشّ. لامسته النار مراراً، لكن أبناءه، الذين خبروا ويلات الحرب، رفضوا الانصياع للغة الرصاص وصانوا سلمهم الأهلي بالحد الأدنى من الخسارات.”

تضيف “وبرغم كل خلافاتهم، تمكّن اللبنانيون من عزل أنفسهم عن ألسنة النيران. لكن هذا لا يعني أن لبنان بخير. سوريا هي الرئة التي يتنفس منها، والفضاء العربي هو الذي يمدهّ بالهواء، فكان أن تفرّق العرب وتحاربوا، وانعكس ذلك أول ما انعكس على الاقتصاد اللبناني، شريان الصحافة.”

الحل في رأي الجريدة كان ثورة، قائلة “المطلوب ثورة في الجسم الإعلامي حتى يُعيد الحد الأدنى من الاعتبار لنفسه، قبل أن ينطلق لمطالبة الآخرين بواجباتهم. هل الفرصة متاحة؟ نعم، وأكثر من أي وقت مضى، وهذه أمنية «السفير» وهي تطوي أيامها الأخيرة، لعل الصحف والمجلات الزميلة تحمل الراية وتكون بقدر التحديات التي تواجه لبنان والمنطقة بأسرها.”

البداية
بداية مشوار “السفير” كانت في العام 1974 على يد مؤسسها ورئيس تحرير الكاتب الكبير طلال سلمان، فصدر العدد الأول من الصحيفة في 26 من مارس قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت الجريدة ترفع شعار “جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان”، آخذة اتجاه القومية العربية بوصلة لها على مدار عملها وتعرف في الفترة الأخيرة بقربها من حزب الله والحكومة السورية.

لتواجه منذ بداية عملها هجمات ضدها، كانت أولها بعد صدور العدد الثاني برفع أول دعوة قضائية ضدها، توالت بعدها الدعاوى حتى بلغت 16 دعوى في عامها الأول، ولم تتم إدانتها في أي منها، وفي العام 1980 نسفت مطابعها، وتعرض مؤسسها ورئيس تحريرها الكاتب طلال سلمان أيضا لمحاولة نسف منزله واغتياله عام 1984.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية استهدف مبناها بالصواريخ والعبوات الناسفة، لكنها استمرت ولم تتوقف حتى خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واحتلال الجنوب وما شهده لبنان من حصار، لكنها تعرضت للتوقف عن الصدور لثلاث مرات بأمر الحكومة اللبنانية آخرها كان عام 1993 بعد نشرها وثيقة عن المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية.

وكانت “السفير” منفذا لكبار الكتاب في العالم العربي، ومعرضا لرسومات فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، ومن أبرز كتابها ياسين الحافظ، عصمت سيف الدولة، سعد الله ونوس، جورج قرم، مصطفى الحسيني، إبراهيم عامر، بلال الحسن، حازم صاغية، حسين العودات، طارق البشري، سليم الحص، فهمي هويدي، صلاح الدين حافظ، كلوفيس مقصود، هاني فحص، جميل مطر، وغيرهم.

وفي مارس الماضي أعلنت الصحيفة توقفها عن الإصدار مع انتهاء الشهر إثر الأزمة المالية التي تتعرض لها، وكانت على وشك الإغلاق إلا أنها تراجعت وقررت خفض عدد صفحاتها من 18 إلى 12، حتى جاء الإعلان الأخير عن التوقف نهائيا نتيجة تفاقم الأوضاع داخلها وانهيار الإعلام اللبناني بشكل عام.

وأعلنت الصحيفة على صدر صفحتها الأولى في العاشر من ديسمبر الماضي إن الرحلة قد انتهت، فتحت عنون “كلمة من السفير” قالت إنه “وكان لا بد أن تنتهي الرحلة في قلب الصعب، فالأزمة الخطيرة التي تهدد الصحافة في العالم أجمع، وفي الوطن العربي عمومًا، تعصف بالصحف المحلية، محدودة الموارد وضيقة السوق، وهي أزمة تمتد من أرقام التوزيع إلى الدخل الإعلاني (وهو الأساس) إلى إقفال الأسواق العربية عمومًا في وجه الصحافة اللبنانية”.

عبد الناصر و الإخوان و مذكرات البغدادى.

عمرو صابح

رغم فشل جماعة الإخوان المدوى سياسياً ، إلا أن الجماعة تمتلك منابر إعلامية قوية قادرة على تزييف التاريخ وترويج الأكاذيب ، من
أشهر تلك الأكاذيب الإخوانية ان محاولة التنظيم الخاص للإخوان اغتيال الرئيس عبد الناصر عام 1954 هى تمثيلية من إعداد وإخراج عبد الناصر و أجهزته ، ومن أكثر الخرافات الإخوانية إثارة للضحك حتى البكاء ، إدعاء الإخوان ان جماعتهم دعوية معادية للعنف والإرهاب وسفك الدماء!!.

وقد اشتدت نبرة إنكار الإخوان لتاريخهم الإرهابى المجلل بالعنف عقب ثورة 30 يونيو 2013 ، والتى اطاحت برئيسهم وجماعتهم من قمة السلطة فى مصر ، ورغم تهديداتهم العلنية المسجلة صوت وصورة والتى توعدوا فيها الشعب المصرى بالانتقام ما لم يعد محمد مرسي للرئاسة إلا ان منابر الجماعة الاعلامية تسارع فور حدوث أى جريمة إرهابية لإنكار صلة الجماعة بتلك العمليات ولاتهام أجهزة الأمن بتدبير تلك الجرائم لإلهاء الشعب عن مشاكله الحقيقية وتخويفه بفزاعة الإخوان!! 
 
ترجع حجة جماعة الإخوان الرئيسية فى اتهام الحكومة بتدبير الانفجارات وتوجيه أصابع الاتهام للإخوان لمذكرات أحد ضباط ثورة يوليو ، وهو الراحل "عبد اللطيف البغدادى" حيث ذكر فى الجزء الأول منها ، انه خلال أزمة مارس 1954 حدثت 6 انفجارات بالقاهرة ، لم ينتج عنها خسائر مادية ولا بشرية، ولم يُعرف من الفاعل؟! ولكن عند زيارة البغدادى وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم لمنزل الرئيس عبد الناصر لعيادته خلال مرض ألم به ، صارحهم "عبد الناصر" أنه هو مدبر تلك الانفجارات ليشعر الناس بالخوف من الفوضى ولكى يلتفوا حول قيادة الثورة!! لم يذكر أحد تلك القصة سوى البغدادى ثم عاد خالد محيى الدين ونقلها فى مذكراته "الأن أتكلم" عن البغدادى. المضحك ان كمال الدين حسين وحسن إبراهيم رغم خلافاتهما مع عبد الناصر وانتقادهما لسياساته لم يذكرا تلك الواقعة مطلقاً رغم استشهاد البغدادى بهما. كتب "البغدادى" مذكراته عام 1977 ، ويقال ان الذى صاغها له هو الكاتب الصحفى "مصطفى أمين" المدان بتهمة الجاسوسية والعمالة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، والذى أخرجه الرئيس السادات بعفو صحى من السجن عام 1974.
 
 يروى المؤرخ الكبير الراحل الدكتور "رؤوف عباس" فى مذكراته "مشيناها خطى" ، تلك الواقعة التى كان أحد حضورها خلال اجتماع للرئيس السادات مع مجموعة من أساتذة الجامعات المصرية يهدف لنقل رؤية الرئيس لهم بسبل رفع وعى الشباب المصرى. كان من ضمن ما قاله الرئيس السادات للحضور خلال اللقاء : ( أنا متأكد إن مصطفى أمين وسخ وعميل بس أنا خرجته من السجن ورجعته يشتغل فى الصحافة علشان يقف قصاد العيال الأوساخ اللى لابسين قميص عبد الناصر ومسميين نفسهم "الناصريين" ، وعبد الناصر برئ منهم ، فهم ينسبون لعبد الناصر أفكار عمرها ما خطرت على باله . أنا أكتر واحد عارف عبد الناصر وفاهم دماغه هيزايدوا عليا شوية عيال رافعين قميصه!! 
 
ورغم الجميل اللى عملته فى العميل الوسخ يكتب لى مقال بعنوان "أهلاً بالوفد" ما شفتوش وساخة أكتر من كده؟!!". ، فضجت القاعة بالتصفيق). بشهادة غالبية الضباط الأحرار كان البغدادى منذ ما قبل 23 يوليو 1952 رافضاً للانضمام لتنظيم عبد الناصر ، ويرى نفسه أفضل منه وأجدر منه بالقيادة ، ولم ينضم للتنظيم فعليا إلا فى بدايات عام 1952 ، وقد ترك البغدادى السلطة عام 1964 إعتراضاً على التطبيق الإشتراكى ، ورفضاً لأسلوب عبد الناصر فى الحكم بعد الانفصال. وفى عام 1970 قبيل رحيل عبد الناصر بأشهر قليلة عادت علاقته بعبد الناصر مرة أخرى، وقد أكد السفير والوزير المصرى الأسبق "مراد غالب" فى مذكراته ان عبد الناصر كان يعد البغدادى لتولى منصب نائب الرئيس بدلاً من السادات ، وان عبد الناصر طلب من غالب أن يعد لقاء للبغدادى مع كبار قادة الاتحاد السوفيتى ، ولكن وفاة عبد الناصر المفاجئة جاءت بالسادات. 
 
بالنسبة لخالد محيي الدين وهو الوحيد الذى كرر نفس قصة البغدادى ، فشهادته مجروحة ولا يعتد بها لسببين:
 1 - انه لم يشهد الواقعة التى رواها البغدادى لأنه لم يكن حاضرا اللقاء مع عبد الناصر. 
2 - لأن كان شريكا لمحمد نجيب فى مؤامرته عام 1954 لتصفية الثورة وإجراء انتخابات بأحزاب النظام الملكى ، وقد خسر الفريق الذى تزعمه خالد محيى الدين وخرج من السلطة. أمر أخير بالنسبة للواقعة نفسها إذا أفترضنا صحتها وهو مالم يقل به أحد سوى البغدادي ، فحسبما جاء فى نص كلماته ان الانفجارات لم ينتج عنها خسائر بشرية أو مادية!! 
 
وهذا منافى تماماً لما يقوم به الإخوان وذيولهم منذ الاطاحة بمحمد مرسي وحتى الآن. و حتى لا ننسى فهذا غيض من فيض جرائم تاريخهم الدموى: - رئيس وزراء مصر أحمد ماهر باشا تم اغتياله عام 1945 بيد رجلٍ يُدعي محمود العيسوي من جماعة الإخوان المسلمين. - القاضى أحمد الخازندارتم اغتياله عام 1948 بيد حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم من جماعة الإخوان المسلمين. - رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي تم اغتياله عام 1948 بيد عبد المجيد حسن من جماعة الإخوان المسلمين. - حكمدار القاهرة اللواء سليم ذكى تم اغتياله سنة 1948 على يد تنظيم من طلبة الجامعة ينتمى للإخوان المسلمين. - محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر قام بها محمود عبد اللطيف من جماعة الإخوان المسلمين. - الشيخ حسين الذهبي تم خطفه واغتياله بيد شكري أحمد مصطفي وأحمد طارق عبد العليم أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين سنة 1965 واللذان أسسا فى السبعينيات تنظيم "التكفير و الهجرة".. - الرئيس السادات نفذ عملية اغتياله خالد الإسلامبولي،ومحمد عبد السلام فرج، عبود الزمر، وعبد الحميد عبد السلام،وعطا طايل، حسين عباس وجميعهم كانوا أعضاء فى جماعة الإخوان المسلمين ثم خرجوا منها وانضموا للجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد. - محاولة اغتيال مكرم محمد أحمد و وزيري الداخلية السابقين (حسن أبوباشا والنبوي إسماعيل) نفذتها مجموعة مجدي زينهم الصفتي من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشقوا عنها وانضموا للجماعة الإسلامية. - رفعت المحجوب تم اغتياله بيد محمد النجار من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشق عنها وانضم للجماعة الإسلامية. - فرج فودة تم اغتياله بيد عبد الشافي أحمد محمد رمضان من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشق عنها وانضم للجماعة الإسلامية. - محاولة اغتيال نجيب محفوظ نفذها عمرو محمد إبراهيم ، وحسين علي بكر من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشقا عنها وانضموا للجماعة الإسلامية. - محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق (محمد إبراهيم) وليد بدر من جماعة الإخوان المسلمين. - حرق عشرات الكنائس فى مختلف أنحاء مصر فى يوم 14 أغسطس 2014 عقب فض اعتصام رابعة الإرهابى قام به أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين. - المستشار هشام بركات تم اغتياله بيد الإخوانى الهارب يحيى موسى من جماعة الإخوان المسلمين. ستظل تلك الجرائم فى ذاكرة الشعب المصرى شاهدة على دموية وعنف وإرهاب جماعة الإخوان المسلمين سعياً وراء السلطة.
 

تأسس الإستيطان في العهد العثماني بتواطؤ من السلطنة

محمود فنون

تآمر العثمانيون على فلسطين تحت عنوان حمايتها.
درج مريدو احزاب الدين السياسي على القول بأن بريطانيا تآمرت على العثمانيين من أجل تسهيل الإستيطان في فلسطين .
ربما يكون هذا جزء من أهدافها .
ويقولون بأن العثمانيين منعوا بيع الأراضي لليهود ومنعوا اليهود من الإقامة في فلسطين .
ربما سنوا بعض القوانين
وأن السلطان عبد الحميد رفض اعطاء فلسطين لهرتزل
وهذا صحيح بالأقوال وكذب بالأفعال.

اذكر القراء أن الأمريكيين احتجوا للباب العالي على متصرف القدس كان يعطل بيع الأراضي لليهود، فقام السلطان عبد الحميد بعزله وتوظيف غيره للمساعدة في تسريب الأراضي وهذا بحث آخر .
أما عن بناء المستوطنات فقال مؤلف كتاب تاريخ فلسطين بالصور ما مفاده أن السلطنة منعت إقامة المستوطنات مع أن اليهود تمكنوا من بناء بعض المستوطنات بالسر .

أي دون علم الدولة الحاكمة في ذلك الوقت وهو بالطبع يكذب دفاعا عن السلطان عبد الحميد ولا يهمه ما حل بفلسطين ويهمه نقاء أمير المؤمنين الذي سبق ومنح هرتزل وسام الفارس الرفيع.
دعوا الأرقام تقرأ:
الإستيطان في فلسطين
العهد العثماني:
وقدر عدد اليهود في فلسطين
“سنة 1837م بنحو 1500 يهودي واصبح عددهم سنة 1840م نحو عشرة الاف يهودي وزداد العدد في سنة 1860م الى نحو 15 الف يهودي كما ازداد سنة 1881م الى نحو 22 الف يهودي وكانت تتركز غالبيتهم في متصرفية القدس حيث يرجع تاريخ اول محاولة استيطانية لهم سنة 1859م عندما اقيم أول حي يهودي خارج سور القدس وسمي انذاك باسم “يمين موشي “نسبة الى مونتفيوري الذي حصل على فرمان عثماني سنة 1855م بشراء الارض واقامة مستشفى عليها وحولها سنة 1859م الى مساكن شعبية لليهود اصبحت نواة الحي اليهودي في القدس خارج سور البلدة القديمة” .

ما بين العامين 1882 و1903 أي في عهد السلطان عبد الحميد سيء الذكر عرفت فلسطين ما سمي بالموجة الأولى للمهاجرين اليهود ، وقدر عدد من وصلوا البلاد ما بين 25 و30 ألفا

وشهدت هذه الفترة بداية الاستيطان اليهودي . ففي العام 1878 أقاموا مدينة بيتاح تكفا – ملبس سابقا
وفي العام 1882 أنشأوا مدينة ريشيون لتسيون ، ومستوطنات زخرون يعقوب وروش بينا
وفي العام 1890 أقاموا روحوبوت والخضيرة
وحتى العام 1914 وصل عدد المستوطنات المقامة إلى 47 مستوطنة ، بمعدل ثلاث مستوطنات جديدة في العام ما بين العامين 1870 و1918.
تعليق مختصر : ما كان بإمكانهم بناء 47 مستوطنة بالسر .
ولنكمل لمشاهدة عدد المستوطنين رغم المنع الزائف الذي تحدثوا عنه:

موجة الهجرة الثانية سارت كالتالي:
ما بين العامين 1905 و1918
وما زلنا في العهد العثماني – قدم إلى فلسطين40 ألف قادم جديد
“وقد ارتبط بهذه الهجرة شعار العمل العبري,ونشات معها المستعمرات الجماعية (الكيبوتس)والتعاونية (الموشافاه),ففي أعقاب تعثر المحاولات الاستيطانية الأولى التي قامت على أساس الملكية الخاصة والعمل المأجور ,وجدت الحركة الصهيونية ومن يقفون وراءها أن تحقيق المشروع الصهيوني يقتضي إيجاد نوع من الإشراف المركزي الصارم على حركة الاستيطان ,وتقييد حرية المهاجرين ,وعدم إتاحة الفرصة لهم لامتلاك وسائل الإنتاج والمساكن او امتلاك ما يمكنهم من ترك فلسطين والعودة الى بلادهم الأصلية .

وعلى هذا الأساس ظهرت فكرة المزارع الجماعية والعمل العبري لتكون القيد المطلوب لإحكام قبضة الصهيونية على المهاجرين.”
لقد أقام اليهود المجتمع الإستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل قيام بريطانيا باحتلالها ، بل أنهم بالإضافة إلى تجميع السكان أقاموا المؤسسات الإجتماعية والإقتصادية والخدمية والأحزاب والنقابات والصحف وكل ما من شأنه أن يحول المستعمرين الجدد إلى مجتمع حقيقي ومن وجهة نظري أنها نواة مجتمع منظم قادر على استقبال القادمين الجدد.حيث بلغ اجمالي المستوطنين المقيمين حوالي 85 الف مستوطن في العهد العثماني.
لنقرأ أرقام الإستيطان في العهد البريطاني أي بعد وعد بلفور وفي ظل أنتداب بريطانيا لفلسطين .
العهد البريطاني:
من 1919 إلى 1923 وصل 62 الف مستوطن”
من 1923 إلى 1938 وصل 174 ألف مستوطن
من 1938 وحتى النكبة وصل 370 ألف مستوطن
وليصل المجموع الكلي في العام 48 إلى 650 ألفا”

الآليات الأربع لإقصاء السكان: بيروت «تطرد» أهلها

 ربيع نصر 
" سُوّقَتْ بيروت، ما بعد الحرب الأهلية، كمدينة عريقة للمستقبل. والمستقبل المرجو هنا كان موقعاً محورياً للمدينة ضمن شبكة المراكز الحيوية للاقتصاد المعولم المتصاعد في حينه. في عام 2016، تقف بيروت على ناصية الكابوس وتنازع غارقة في سلسلة من أزمات النفايات والكهرباء والمياه والشاطئ الى قانون الانتخابات والمحاصصة السياسية وطبيعة النظام. لربما يعزى هذ الفشل إلى أسباب مختلفة ومتعددة، منها الاقتصادي الاجتماعي ولكن منها أيضاً البنيوي والجيوسياسي بشكل كبير. إلا أن الثابت الوحيد هو أن بيروت تعيش اليوم مساكنة بين مركز، أقلوي، يستحوذ على القسم الأكبر من الثروة والحظوة والنفوذ، مقابل جموع من العمال والموظفين والأسر تُدفع وبشكل عنيف نحو مزيد من الحرمان وانعدام العدالة على مختلف المستويات".

ما الذي حصل في العقدين الماضيين؟ وهل يمكن تفسيره من دون الوقوع في فخ المفاضلة بين مختلف المجموعات الحاكمة تحت مُسمى "الدولة" والمتحاكمة في ما بينها؟!
لفهم ما حصل، نستعين بمفهوم "الطرد - توحش وتعقيدات الاقتصاد العالمي" للباحثة ساسكيا ساسن، الصادر في عام 2014، والذي يشرح ميكانيزمات إقصاء الناس عن المركز السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وتُعرَف ساسن بنتاجها المعرفي المتخصص بآليات عمل الاقتصاد المعولم وتضخم اقتصاد الخدمات والريوع، في حين يقتصر دور أجهزة الحوكمة المحليّة (الحكومات الوطنية) أو ما فوق الوطنية (المؤسسات الدولية كالبنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية...الخ) على إضفاء المشروعية وتسهيل آليات عمل هذه المراكز/ الشركات. في هذا السياق، يأتي مفهوم "الطرد المتوحش" كمحاولة لفهم التحولات التي دفعت نحو مزيد من اللاعدالة على المستويات العالمية والمحلية؛ وهو يرتكز على أربعة ميكانيزمات تنفيذية يجري عبرها استبعاد الناس وطردها بشكل عنيف متوحش الى خارج المركز.

المقاولات

يطرح الميكانيزم الأول تقلص مساحة الاقتصاد النظامي الحقيقي في طليعة القوة الطاردة هذه، في حين يحل تضخّم دور الأدوات المالية في مرتبة ثانية، حيث تسيطر الخدمات على العملية الإنتاجية وتُدفع المدن المركزية نحو إعادة تشكيل بنيتها الإنتاجية بما يتماشى مع وظيفتها في الاقتصاد العالمي.

طبع هذا الخطاب السياسات الاقتصادية لبيروت ما بعد الطائف، والتي قامت بشكل مركزي على ضخ كميات هائلة من النقد في قطاعين خدماتيين أساسيين؛ الأول هو قطاع المقاولات الذي اختزل إعادة الاعمار بمجموعة هائلة من العقارات ذات الطبيعة الخدماتية الاستثمارية، والتي شكلت بنية فوقية لما نظّر لها بأنها بيروت كالمقر العام الإقليمي لمجموعة من كبريات الشركات العالمية. كانت الاستراتيجية الرهان أن تستقر هذه الشركات في بيروت فيعتاش أبناء المدينة عبر الخدمات التي يقدمونها لها بما يسهل من عملها ويحفز إنتاجيتها. ترافق هذا الأمر مع تنفيذ بعض مشاريع البنى التحتية التي تخدم هذا الرهان، كالمطار وشبكة الطرقات التي أبرز ما يعبر عنها هو ذاك "الكوريدور" الكبير الممتد من مطار بيروت الدولي الى وسط العاصمة، أو ما يسمى عرفاً بالسوليدير، والمفرّغ من أي شكل من أشكال الحياة الاجتماعية، قافزاً فوق عشرات الأحياء الفقيرة التي تتوزع على جانبيه أو تحت جسوره.

المصارف

أما القطاع الثاني فاختصر بثلة من البنوك، التي تتشارك ملكيتها أوليغارشية ما قبل الحرب وسياسيّو ما بعد الطائف، جرى منحها امتياز إقراض "الدولة" طوال الثلاثين سنة الماضية، فاستثمرت ودائع الناس في نظام استخراج أرباح مالية مهولة قامت "الدولة"، نفسها، بدور فاعل في عملية تضخيمها وإيصالها الى ما هي عليه اليوم. فطُرد الناس من دائرة الإنتاج، وطُرد أبناؤهم مهاجرين لا يعودون إلا عبر تحويلاتهم المالية، وطُرد الاقتصاد الحقيقي بشكل كلي ليستبدل بعقيدة اقتصادية خدماتية مطلقة.

الاستحواذ والمضاربات

في السياق نفسه، يأتي ميكانيزم الطرد الثالث الذي تتحدث عنه "ساسن"، والذي يقوم على الاستحواذ على الأراضي بشكل واسع وتحويلها الى أدوات استثمارية لاستخراج الأرباح، بغض النظر عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه العملية. وهذا ما حصل حرفياً في التسعينيات حين استحوذت شركة سوليدير الخاصة على قلب المدينة النابض عبر تواطؤ معلوم من "الدولة"، في عملية يشوبها الكثير من الملاحظات القانونية والدستورية، فحوّلت ملكيات فردية خاصة الى أدوات مالية دولية في سابقة لم تشهدها حتى أحلك لحظات الحرب الأهلية، حيث بقيت الملكية الفردية قدس أقداس النظام الليبرالي اللبناني. استتبع هذا الأمر بالتوسع في الاستحواذ على الأراضي الزراعية لأغراض المضاربات العقارية والتوسع العمراني لاستيعاب المطرودين من مركز العاصمة. وها هو اليوم يُستكمل بإقرار قانون إيجارات يسهم في طرد عشرات آلاف الأسر من مساكنهم ويحرر مساحات شاسعة من العقارات لتدخل في سوق المضاربات المالية. هذا ما توصفّه "ساسن" بأنه عملية طرد عنيفة للسكان الأصليين، بعيداً عن موئلهم بما يخدم توسيع أرباح من يسيطر على المركز الحَضَري ويعيد وجهة استخدام الأراضي لأهداف استثمارية بحتة.

خصخصة الحيّز البيئي

أما ميكانيزم الطرد الرابع والأخير فهو يشرح كيفية احتلال الحيّز البيئي، عبر الخصخصة، واستغلاله بطريقة عدمية، أي بما يوسّع استخراج الأرباح على حساب الاستدامة البيئية، فيطرد عناصر الحياة منه ويحوله الى أمكنة ميتة بما للكلمة من معنى. هنا يمكن وبسهولة ملاحظة أداء المجموعات الحاكمة في إدارة الشاطئ اللبناني وتحويله عبر كل هذه السنوات الى بيئة غير صالحة للحياة في الكثير من النقاط بين نهر أبو علي شمالاً والناقورة جنوباً من جهة، وبين مطمر النفايات في الناعمة وقبله النورماندي وبرج حمود وحالياً مع الكوستابرافا. بين هذين المثلين تبقى الكسارات والمرامل وشفط الرمول الشاطئية شواهد، واستغلالها في عملية التطوير العقاري شواهد إضافية على طرد المجموعات الحاكمة لكل مؤشرات الحياة والبيئة الصحية في سبيل توسيع أرباحها. وما زلنا نشهد أحدث فصوله في منطقتي الرملة البيضاء والدالية.


سلم العلاقات الخدمية في النصف الثاني من التسعينيات، اكتشفت المجموعات الحاكمة أن الموقع الجيواستراتيجي لبيروت أصبح معوّقاً أساسياً لوظيفتها الإقليمية والعالمية بعد فشل محادثات السلام. ولم تأتِ الشركات، وبالتالي لم تنتزع بيروت مكانها الوظيفي في الاقتصاد العالمي، فكان لا بد من الارتداد الداخلي وإعادة تشكيل الميزة التفاضلية للمدينة التي اختزلت البلد. تضخمت الخدمات المتدنية المردودية (المطاعم، خدمات التوصيل، الخدمات الشخصية اليومية، المجمعات التجارية... إلخ) وتحول الباحثون عن عمل الى باحثين عن خدمات يمكنهم تقديمها لتحقيق رفاهية ما لمن هم أعلى منهم في السُلّم الاجتماعي. هكذا أصبح شاب التوصيل "الدليفري" يقدم خدمة توصيل الأكل لموظف البنك الذي، بدوره، يقدم خدمة لمديره الذي يقدم خدمة لعميل ما عبر إدارة حساباته المالية ومساعدته لانتزاع مزيد من الأرباح من خلال استغلال نظام الخدمات الذي يقوم على تشغيل هشّ لفئات الفقراء والمهمشين أمثال شاب "الدليفري"، وهكذا دواليك وبشكل تصاعدي في سلم العلاقات الخدمية التي تطبع المدينة اليوم وعبرها بلداً بأكمله.

يكفي أن نمرّ أمام تقاطع الحمرا أو ساحة الشهداء بين الساعة الخامسة والسادسة مساءً لنرى قوافل المطرودين يعودون الى أماكن سكنهم بالفانات بعد أن انتهت خدماتهم لهذا اليوم واستعداداً ليوم جديد. في السياق نفسه طُرد الناس من ممتلكاتهم أو من أحيائهم وجرى تأديبهم وتدجينهم عبر دين عام يثقل ماليتهم العامة ويستنزف معظم ضرائبهم المقتطعة، وطردت الحياة من شواطئ بيروت وجبالها، ولم يبقَ منها إلا بعض الجزر التي تقدم خدمات ترفيهية للنخب الحاكمة ومن يلتحق بها عبر العلاقات الخدمية السالفة الذكر.
هنا يمكننا فهم كيف تصبح المحافظة على البلاط الخارجي لجدار أحد فنادق وسط المدينة حاجة وجودية للمجموعات الحاكمة، وتأتي مهمة المحافظة عليها كأولوية على المحافظة على الناس، لكونها، ببساطة، هي آخر ما تبقى من الوظيفة الاقتصادية لبيروت ما بعد الطائف. وتصبح الإنارة المسائية الضخمة، لمناسبة الأعياد، لأحد الشوارع الخالية من أي مبنى سكني، والذي يبعد أقل من خمس دقائق بالسيارة عن مناطق مكتظة سكانياً وتعيش ظلاماً دامساً، دليلاً مباشراً على لاعدالة النظام تجاه المطرودين من نمو الكيلومتر المربع الواحد.

هل هناك حقد طبقي؟ بالتأكيد هناك، فماذا سيخلق نظام الطرد المتوحش، السالف الذكر، عند الناس غير ذلك؟!

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة


 زياد حافظ

يسود القلق في الأوساط العروبية إلى ما يمكن أن تؤول إليه الحالة في منطقة الجزيرة العربية خاصة فيما يتعلّق بعروبة وتماسك المجتمع ووحدة الجزيرة. المخاوف في رأينا ليست فقط على عاتق النخب الحاكمة من زاوية مصالحها الخاصة بل أيضا على التيّار العروبي الذي لا ولن يمكن أن يقبل بتمزيق الجزيرة واحتلالها المحتمل وتدمير عروبتها. هذا كان منطق تقديرنا في المؤتمر القومي العربي في ورقة قدمناها في الاجتماع الدوري السادس والعشرين في حزيران 2016 في حمامات في تونس حيث أنذرنا بإمكانية ضرورة لجوء التيّار العروبي إلى الدفاع عن النخب الحاكمة في دول الجزيرة العربية بشكل عام وفي بلاد الحرمين بشكل خاص. لكنها قد تكون فرصة لمساعدة تلك النخب على مراجعة سياساتها والتصالح مع جماهير الأمة وشعوب الدول المنكوبة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها في الآونة الأخيرة. وهذا ما يسعى إليه التيّار العروبي الذي ننتمي إليه.

الوضع الميداني في ساحات عربية ملتهبة أدّت إلى تحوّلات في موازين القوة العربية والإقليمية والدولية. فالصراع في الساحة العربية بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص هو صراع بين محورين يقود إحداهما مجموعة الكتلة الاوراسية، ومحور المقاومة جزء أساسي منها، والثانية الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن. والتحوّل في موازين القوة يميل بشكل واضح وحاسم لمصلحة الكتلة الاوراسية ومحور المقاومة. هذه التحوّلات تستدعي بحدّ ذاتها مراجعة لسياسات اتبعتها دول عربية وإقليمية منخرطة في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة. فهل ستُقبل على ذلك وتتجاوز حالة الانكار التي تسودها؟

وإضافة إلى تلك التحوّلات الميدانية هناك تحوّلات في مراكز القرار الغربي يعود قسم كبير منها إلى التطوّرات الميدانية في المشرق العربي. فمع اندلاع الحرب الكونية الغربية/العربية على سورية بدأت موجات من الهجرة من النازحين من سورية وغير سورية تجاه أوروبا سبّبت توتّرات شديدة وتلازمت مع عمليات إرهابية داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فتسارع أحداث العنف على يد أفراد ينتسبون أو يزعمون أنهم منتسبون لجماعات التعصّب والتوحّش خلقت مزاجا معاديا للمسلمين وللعرب تجلّى في خطاب سياسي تحريضي ضد المسلمين للمرشح آنذاك للرئيس المنتخب دونالد ترامب وتلازم مع إجراءات في الكونغرس الأميركي تجاه حكومات عربية متهمة بتمويل جماعات التعصّب والتوحّش بشكل عام ومسؤولة عن أحداث أيلول/سبتمبر 2001.

الرئيس المنتخب الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المرتقب لفرنسا فرنسوا فييون، وربما قيادات أخرى في أوروبا أعلنوا بصراحة ضرورة انتهاج سياسة جديدة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش. هل هذا يعني مراجعة العلاقات مع سورية وروسيا نحو المزيد من التفاهم والتنسيق بدلا من النهج العدواني السائد لدى حكومات الغرب؟ الأرجح أن هذا ما قد يحصل رغم الاعتراض لمراكز قوة داخل أوروبا والولايات المتحدة على تغيير السياسة الحالية. وإضافة إلى النهج الجديد المرتقب فقد أعلنت تلك القيادات عزمها على ملاحقة من موّل الجماعات المعنية! أما الاعلام الغربي والأميركي بشكل خاص فأصبح معاديا بشكل واضح لنهج وفكر دول الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين. أي النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي معبّئون لتمرير سياسات وقرارات قاسية بحق هذه الدول.

هذه بعض المؤشرات التي تدلّ على تغيير جذري في النظرة لدول الجزيرة العربية، التي كانت دائما في صلب التحالفات الغربية. فماذا يعني كل ذلك لمستقبل تلك الدول؟

الخيارات المطروحة أمام هذه الدول خيارات صعبة وأحلاها مرّ. وليس هناك من مبالغة في تقدير أن الأزمة التي ستواجه بعض هذه الدول أزمة وجودية. طبعا، في مقدمة هذه الدول بلاد الحرمين. فالمملكة تواجه تراكما من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطلّب مراجعة جذرية في نهجها وأسلوب الحكم وإدارة شؤون البلاد. كما أن على صعيد المنطقة عليها أن تتخذ نهجا تصالحيا ليس فقط مع حكاّم دول المنطقة العربية بل خاصة مع شعوب هذه الدول.

فالإخفاقات المتعدّدة على الصعيد السياسة الخارجية والداخلية وضعت المملكة في موقف حرج جدّا. فلا العدوان على اليمن أتى بالنتائج المرجوة بل العكس، (اللهم إذا كان الهدف إضعاف وتدمير اليمن وتقسيمه ففي تلك الحال “نجحت” السياسة ولكن بأي كلفة؟)، ولا تمويل الجماعات المسلحّة في كل من سورية والعراق أدّت إلى قلب المعادلات بل العكس، ولا سياسة محاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في منع الوصول إلى التفاهم الدولي مع الجمهورية بل العكس، ولا سياسة ابتزاز الدول العربية وفي مقدمتها مصر أدّت إلى تطويعها بل العكس، ولا سياسة إغراق سوق النفط التي سبّبت انهيارا في أسعار برميل النفط أدّت إلى انهيار كل من روسيا والجمهورية الإسلامية بل العكس، ولا سياسة كسر التفاهم التاريخي وركيزة المملكة بين الأسرة الحاكمة وطبقة التجار حيث أصبحت الأسرة الحاكمة البديل عن تلك الطبقة في تلك الشراكة في إدارة المقدّرات الاقتصادية والمالية للمملكة أدّت إلى تعزيز موقع الأسرة الحاكمة بل العكس. وهنا لا بد من التذكير أن أحد أسباب سقوط نظام الشاه في إيران هو كسر العلاقة مع طبقة التجّار أو البازار الإيراني ما أدّى إلى تأييد الأخيرة للثورة. فهل هناك من النخب في بلاد الحرمين من يعتبر؟

أما على الصعيد الداخلي فالبطالة المتفشّية عند الشباب وتزايد عدد السكّان الذين يعيشون تحت حد الفقر فهذا يعني فشل سياسات اقتصادية واجتماعية في استيعاب الشباب المتدفقّين على أسواق العمل. والأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها بلاد الحرمين هي نتيجة تراكمات وسياسات أوصلت الأمور إلى الوضع المتأزم. كما أن الطبيعة الريعية للاقتصاد لا تشجّع على المبادرة والمجهود المبدع، ولا حتى على المجهود بأبسط أشكاله طالما مصادر الريع مؤمّنة. لكن على ما يبدو هناك وعي متزايد بين النخب حول الإخفاقات على الصعيد الاقتصادي ما يجعلها تفكّر جدّيا بتنويع القاعدة الإنتاجية والتخفيف من الاتكال على النفط. وتنويع تلك القاعدة يتطلّب وقتا طويلا قبل أن يأتي بثماره فهل تستطيع الأمور انتظار ذلك؟ كما أن السياسة الداخلية على الصعيد الاقتصادي تتطلّب استقرارا على الصعيد الخارجي لتحصين الوضع الداخلي وهذا ما يدفع إلى مراجعة تلك السياسات.

من جهة أخرى فإن سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني واستبدال العداء للجمهورية الإيرانية بالعداء له وتجاهل محنة الشعب الفلسطيني ضربت عرض الحائط موروثا سياسيا وثقافيا ليس فقط عند جماهير الأمة بل حتى عند سكان الجزيرة. وهذه السياسة التي تخاطب الود الصهيوني لن تحميها بل العكس. فمن يحمي المملكة؟

السيناريوهات المتداولة عديدة. السيناريو الأول يعود إلى تأزّم الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وتفاقم الصراعات بين مختلف أجنحة الأسرة الحاكمة. ليس هناك من آلية داخلية مؤسسية لفض الصراعات خاصة في غياب الشخصية المرجعية للأسرة الحاكمة. فالتعديلات التي أدخلها خادم الحرمين الراحل عبد الله بن عبد العزيز حول آلية نقل السلطة تعارضت مع عرف مستقر منذ نشأة المملكة. كما أن العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز ضرب عرض الحائط الترتيبات التي أقدم عليها سلفه وأيضا على حساب التراتبية المعهودة منذ نشأة المملكة. هذا يعني أن عدم الاستقرار في البنية الحاكمة قد يكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة خاصة بوجود نقمة غير بسيطة بسبب هذه التعديلات داخل الأسرة الحاكمة والتي قد تضع مصير الأسرة قاب قوسين أو أدنى.

السيناريو الثاني هو التقديم المزيد من التنازلات للولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن حماية الولايات المتحدة لن تكون مجّانية بالنسبة للمستفيدين من تلك الحماية. فالقواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الجزيرة ودول الخليج ستُموّل بشكل كامل وسخي من قبل المملكة ودول مجلس التعاون إذا ما أرادت بقاء هذه القواعد لحمايتها. فهل تستطيع المملكة وسائر دول مجلس التعاون دفع ما هو مطلوب على حساب رفاهية سكّان دول مجلس التعاون وذلك في زمن الضيق الاقتصادي وعدم الاستقرار؟ كما أن للرئيس المنتخب تصريحات مفادها أن ملكية النفط لن تعود للمملكة أو لدول مجلس التعاون بل للولايات المتحدة مباشرة، فهل تستطيع تلك الدول تحمّل ذلك؟ أضف إلى ذلك الشكوك المشروعة حول مصداقية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها إذا ما تغيّرت المعادلات الإقليمية لتجعل مسؤولية حماية دول الجزيرة العربية أمرا غير ذي جدوى. فالسوابق عديدة حيث تخلّت الولايات المتحدة في لحظة ما عن دعم حلفائها الدائمين والطيّعين، بدءا من شاه إيران، إلى فردينان ماركوس، إلى أغوسطو بينوشي، إلى مانويل نوريغا، إلى زين العابدين بن علي، إلى حسني مبارك، إلى الجماعات المسلّحة في سورية!

هناك من بين النخب الحاكمة في بلاد الحرمين وسائر دول الجزيرة العربية من نشأ وترعرع في الولايات المتحدة ويعتبر نفسه عالما في المزاج الأميركي ونيّاته. ومن هذه النخب من يراهن على أن التغييرات المرتقبة نتيجة انتخاب دونالد ترامب قد تكون ظرفية وأن حزب الحرب في الولايات المتحدة الذي يضم المجمّع العسكري الصناعي والأمني، والمجمّع المالي والنفطي، والإعلام المهيمن الذي تملكه خمس شركات فقط، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة والتحالفات التي تلازمها.

فالتمرّد على النخب الحاكمة في الولايات المتحدة التي حقّقته قاعدة برني سندرز في الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب في الحزب الجمهوري قد لا يصمد أمام الهجوم المضاد الذي سيشنّه حزب الحرب، وقد بدأ فعلا الهجوم المعاكس لنتائج الانتخابات. هذا رهان في غاية الخطورة لأنه لو تحقّق فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة التفكّك السريع والفوضى مما يغيّب الحماية المطلوبة أميركيا. أما إذا فشل الهجوم المضاد فإن الحماية الأميركية تصبح مكلفة جدّا لمن يريد الاستفادة منها.

السيناريو الثالث هو المضي في التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة أن التحالف معه سيحميها وسيجبر الولايات المتحدة ودول الغرب إلى حماية دول الجزيرة. هذا المنطق لا يخلو من التسطيح والتبسيط وسوء تقدير لموازين القوة حول مستقبل الكيان. فالأخير أصبح بحاجة لمن يحميه. فإذا لم يستطع دخول غزّة، ولم يقدر على تحجيم المقاومة في لبنان، ولم يستطع حماية فصائل مسلّحة في سورية، فكيف يمكنه حماية دولة كبلاد الحرمين التي تسبح عكس التيّار الشعبي!

الحماية السياسية المطلوبة من الكيان الصهيوني محدودة حتى في الولايات المتحدة. فتراجع اللوبي الصهيوني إثر الهزيمتين المتتاليتين له في الانتخابات الأميركية حيث دعم المرشّح الخاسر (رومني عام 2012 وكلنتون عام 2016) يعني أن نفوذه لا يتعدّى النخب الحاكمة ومجمع الكونغرس، وأن المزاج الشعبي الأميركي ليس مؤيّدا له كما يوحي الاعلام المهيمن والمملوك من قوى قريبة من اللوبي الصهيوني. وإذا كان الكيان الصهيوني قادرا على التأثير في الكونغرس كما يعتقد الكثيرون من المراقبين والمحلّلين العرب والدوليين فلماذا لم يمنع قانون “جاستا”؟ فإما الكيان الصهيوني متواطئ مع الكونغرس الأميركي وبالتالي “حمايته لبلاد الحرمين” مشكوك بها وإما نفوذه أقلّ مما يتصوّره البعض! فما جدوى تلك “الحماية” في كلا الحالتين؟

وإذا التطبيع مع الكيان الصهيوني هو لضرب الجمهورية الإسلامية في إيران فإن الكيان يحسب ألف حساب ولن يجرؤ على ذلك إن لم يضمن دخول الولايات المتحدة إلى جانبه. والمزاج الأميركي الحالي لا يوحي بأن مغامرة عسكرية جديدة قد يقبلها الشعب الأميركي رغم التصريحات المتشدّدة لبعض رموز الإدارة المرتقبة لدونالد ترامب. فواقع موازين القوة قد يفرض نفسه ويردع أي مغامرة. أما الرهان على الحماقة فهذا يخرج عن سياق التحليل العقلاني للأمور وإن لن يّستبعد. لكن ماذا ستكون الكلفة على بلاد الحرمين؟.

كما أن التطبيع يناهض المزاج العربي والإسلامي مهما كانت التشكيلات السياسية التي تدور في فلك دول الجزيرة. فالقاعدة الشعبية للدول العربية بما فيها دول الجزيرة العربية لن تقبل بهذا التحوّل رغم التلويح بالخطر الإيراني. فورقة الجمهورية الإسلامية التي دخلت من خلالها عقول وقلوب العرب والمسلمين هي ورقة الالتزام بأحقّية القضية الفلسطينية ودعم مقاومة الكيان الصهيوني. هذا لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية مقبولة دون أي ملاحظة وخاصة في العراق واليمن. بالمقابل فإن التطبيع الذي تسعى إليه نخب دول الجزيرة وفي مقدمتها بلاد الحرمين لن يستقيم مع المزاج الشعبي رغم الضغط الإعلامي والتسويق المفرط له. رهاننا هو دائما على الشعب وليس على النخب. فلا المال ولا القوة العسكرية كافية لكسر إرادة الجماهير إذا ما حزمت أمرها ومضت في طريق مخالف لتوجّهات النخب. هذه انتفاضة البحرين مستمرة رغم عدم تكافؤ القوة بين النظام وبلاد الحرمين من جهة والمطالبين بالإصلاح. وكذلك الأمر في اليمن، وكذلك الأمر في سورية والعراق!

إذا من يحمي دول الجزيرة العربية؟ في رأينا لن يحمي الدول الجزيرة العربية إلاّ التيّار العروبي الذي يحرص دائما على وحدة الأرض والشعب ووحدة الأمة وعروبتها ومكوّناتها مهما كانت الظروف ومهما كانت سياسات النخب الحاكمة سلبية تجاه التيّار وتجاه الجماهير التي يمثّلها التيّار. هذا هو السيناريو الرابع.

نذكّر هنا أن عندما حصلت الكويت على استقلالها كانت سياسة الزعيم العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم لا تخفي طموحات العراق في الكويت. من حمى استقلال الكويت هو التيّار العروبي الذي كان يقوده الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر. أما السياسات المعاصرة لدول الخليج التي سمحت احتلال العراق ومن بعد ذلك تدميره وبعد ذلك تدمير ليبيا وسورية واليمن، فإن تلك السياسات خلقت مزاجا سلبيا عند الجماهير العربية تجاه تلك الدول. التطوّرات الميدانية في بلاد الشام وبلاد الحرمين وربما في ليبيا وفي سيناء غيّرت موازين القوّة لمصلحة العراق وسورية وليبيا ومصر على حساب نفوذ وسياسات دول الجزيرة العربية وفي مقدمتها بلاد الحرمين.

والسؤال هل ستقوم محاسبة ومساءلة لدول الجزيرة العربية من قبل الدول التي تجاوزت محنتها أو قيد تجاوزها؟ هناك منطقان نقيضان يتصارعان. المنطق الأول هو منطق رد الكيل تجاه الدول التي ساهمت في تأجيج الأزمات. أما المنطق الثاني فيدعو تلك الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين إلى مراجعة نهجها وسياساتها وذلك من باب الحرص على وحدة وتماسك الجزيرة.

المنطق الأول سيؤدّي إلى المزيد من التأزيم في المشهد العربي وهذا ربما ما يراهن عليه أعداء الأمة. أما المنطق الثاني فالمضي به رهن تجاوز الحاجز النفسي الذي أوجدته تلك السياسات في نفوس جماهير الدول المنكوبة. هذا المنطق يعزّزه التقدير أن انهيار النظام القائم في الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين سيؤدّي إلى فراغ سياسي يصعب ملئه عربيا في المدى القريب. البديل الوحيد الجاهز هو مجمع جماعات التعصّب والغلو التي ستنتقل من بلاد الشام وبلاد الرافدين إلى بيئة حاضنة وجاهزة في الجزيرة العربية.
أما على الصعيد الخارجي فهناك دول في الإقليم القريب والمتوسط لها حضور شعبي في الجزيرة العربية كيد عاملة قد تستدعي حالة التفكّك المحتملة وعدم الاستقرار الذي قد ينجم عنها تدخلّها العسكري المباشر لحماية رعاياها. فالهند والباكستان دولتان نوويتان وجزء من منظومة شانغهاي الأمنية والاقتصادية. كما أنه يوجد في بلاد الهند والسند كتلة إسلامية أكبر من الوجود الإسلامي في الجزيرة! فكيف يمكن ردعهما خاصة وأن النظام العربي غير جاهز حاليا لملء الفراغ؟ من ناحية أخرى، إن سقوط النظام في هذه الدول سيعطي الذريعة المفقودة حتى الآن عند الولايات المتحدة للتدخل واحتلال أجزاء من الجزيرة وخاصة آبار النفط. فمن يردعها؟ ويمكن التساؤل أليست هناك مشاريع أميركية للقضاء على النظام وتقسيم الجزيرة بغية احتلالها؟ فعلى ماذا تراهن إذن النخب الحاكمة في دول الجزيرة؟.

في الخلاصة لا مفرّ من العودة إلى البيت العربي عبر تثبيت العداء للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني بكل الإمكانيات، وعبر إنهاء الدعم لجماعات التعصّب والتوحّش التي ستنقلب على الجهات التي تدعمها للإحلال مكانها، وعبر المصالحة مع الجماهير العربية. هذا ما سحمي تلك الدول فهل من يعتبر؟

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر