الراصد القديم

2015/05/01

كلمة القائد المعلم جمال عبد الناصر فى وفد اتحاد العمال العرب بالقصر الجمهورى بالقبة ٢٩/ ١٩٥٩/٤



يمر العالم العربى فى هذه المرحلة من تاريخه بأحداث كبرى؛ وذلك لأسباب متعددة، ولكن يجب يجب علينا أن نذكر أن هذه المرحلة إنما هى مرحلة انتقالية من المجتمع الذى كان يسيطر عليه الاستغلال حتى نخلق المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية. ولا يمكن بأى حال من الأحوال أن نغير المجتمع فى مرحلة قصيرة أو بعمل قليل، ولكنا نستطيع أن نغير هذا المجتمع بالعمل المستمر والإنتاج الوافر، وفى نفس الوقت على مراحل، وهذا يحتاج إلى وقت ليس بالقصير. ونحن أبناء الأمة العربية، نتيجة للاستعمار والسيطرة الأجنبية، ونتيجة لاستغلال أعوان الاستعمار لثرواتنا وخدماتهم للاحتكارات الأجنبية، لم نستطع أن نسير مع العالم المتحضر فى التطور العلمى أو فى التطور الصناعى مما أثر على مستوانا الاقتصادى، ومما أثر على مستوى المعيشة فى بلادنا.
واليوم بعد أن استطعنا أن نحصل على حريتنا واستقلالنا، وفى نفس الوقت بعد أن أصبحت مشيئتنا وإرادتنا ملك لنا، بدأنا نعوض ما فات، ولكنا فى هذا بدأنا متأخرين عن أوروبا مثلاً أكثر من قرن ونصف من الزمان، فعلينا حتى نحقق المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية أن نضع هذا فى حسابنا، وعلينا أيضاً أن نشعر ونؤمن أننا أو أنكم أنتم العمال، الجنود الذين وقع عليهم واجب هذا البناء؛ بناء المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية.
وإن الشعب العربى يشعر بهذه الرسالة، ويشعر بهذا العمل الذى يقوم به العمال، فلا يمكن لأى بلد أن يتطور من مرحلة الإقطاع والاستغلال والسيطرة الأجنبية والتأخر إلى مرحلة خلق مجتمع ترفرف عليه الرفاهية إلا بالجهد الكبير، وإلا بالعمل الدائب المستمر، وهذه هى رسالتكم، وهذا هو ما تقومون به من أجل الأمة العربية جمعاء.
ولكنا فى هذا السبيل قد نقابل بعض التناقضات بيننا، وقد يحاول أعدائنا من الذين استعمرونا أو استغلونا أو الذين يريدون أن يسيطروا علينا، محاولة استغلال هذه التناقضات التى قد تظهر طفيفة، والتى قد يكون حلها الأمر السهل؛ وذلك لإثارة الفرقة وإثارة الأحقاد والضغينة حتى لا تجتمع كلمة العمال، وحتى لا يكونوا قوة تسند الأمة العربية فى كفاحها من أجل حريتها السياسية وحريتها الاجتماعية وحريتها الاقتصادية، وبهذا يتمكن أعداؤنا من استغلالنا، وبهذا يتأخر تحقيق أملنا فى بناء مجتمع ترفرف عليه الرفاهية. ولهذا، فإننا ونحن نعمل من أجل بناء هذا المجتمع يجب أن نتنبه إلى أن لنا من الأعداء الكثير؛ هؤلاء الذين لا يريدون لنا أن نطور بلدنا من النواحى الزراعية والصناعية والعلمية، حتى نبقى دائماً تحت سيطرة التأخر، الأمر الذى يحقق المصالح الكثيرة للمحتكرين وللمستغلين.
ونحن فى كفاحنا من أجل تدعيم استقلالنا - فى نفس الوقت الذى نكافح فيه من أجل بناء هذا المجتمع - نقابل عقبات وصعاب لا حد لها؛ نقابل الأعداء الذين حاولوا ويحاولون أن يضعونا داخل مناطق النفوذ، وهؤلاء قد يحاولوا بكل وسيلة من الوسائل أن يستغلوا التناقضات التى تظهر بين المجتمع فى هذه الفترة من فترات الانتقال حتى يخضعونا جميعاً لنفوذهم وسيطرتهم، ولكن يجب أن نتسلح بالوعى ونفهم أن علينا الواجب الكبير وعلينا واجب رئيسى فى سبيل البناء الاجتماعى، وفى نفس الوقت فى سبيل الحماية السياسية؛ وقد عبر مؤتمركم تعبيراً واقعياً واضحاً عن هذا الكلام الذى أقوله من أجل البناء الاجتماعى، ومن أجل حماية المكاسب السياسية التى حصلنا عليها.
ونحن اليوم نمر فى تاريخنا كأمة عربية فى مرحلة حاسمة قد يكون لها أثر كبير على مستقبلنا. وهذه المرحلة تختلف عن المراحل السابقة، فنحن منذ نشأنا على وجه هذه الأرض ونحن نكافح الاستعمار ونكافح السيطرة الأجنبية؛ لأننا خلقنا وكان الاستعمار يحتل بلادنا أو يحتل أى بلد عربى آخر. وفى كفاحنا للاستعمار كنا نتبع الأساليب التى تمكننا من التخلص من الاستعمار وأعوانه، ولكن الاستعمار دائماً كان يحور هذه الأساليب، ولكنه لم يستطع أو لم يحاول بأى وسيلة من الوسائل منذ قامت دعوة القومية العربية أن يطعن هذه الدعوة أو يعمل على هدمها.
واليوم نرى المحاولات الكثيرة؛ سواء من الاستعمار الذى هزم أمام إجماع الشعب العربى الذى رفع راية القومية العربية، أو من الشيوعيين العملاء الذين وجدوا فى القومية العربية عقيدة اجتماعية وسياسية تقدمية. ولهذا فإننا نرى اليوم التحالف المقدس بين من يريدون أن يخضعوا العرب، ويضعوهم ضمن مناطق النفوذ فى سبيل تحطيم هذه الدعوة أو القضاء عليها؛ حتى ينفسح المجال لأعوان الاستعمار للعمل لإخضاعنا للاستعمار الغربى، أو للشيوعيين العملاء للعمل لإخضاعنا للشيوعية.
إن القومية العربية هى رسالة قديمة تعبر عن دعوة استقلالية اجتماعية تقدمية، وهى فى نفس الوقت تعبير عن تضامن الأمة العربية فى جميع البلاد العربية، ولا تعبر بأى حال من الأحوال عن العنصرية كما يحاول أعداء العرب أو كما تحاول الصهيونية - التى هى فى أساسها عنصرية - أن تظهرها أو تشكلها. إن القومية العربية هى تعبير عن التضامن بين العرب فى كل مكان، وعن التساند.
اليوم نرى الاستعمار ينتهز الأحداث وينتهز الفرص، ثم يعيد الأساليب التى اتبعها فى الماضى للدس والخداع بين الدول العربية، ثم يستخدم الأعوان أو أعوان الأعوان. كان فى الماضى يستخدم نورى السعيد كزعيم لأعوان الاستعمار، وكان لنورى السعيد أعوان. اليوم بعد أن مات نورى السعيد وبعد أن تخلص منه شعب العراق، يستخدم الاستعمار أعوان أعوان نورى السعيد. هؤلاء الذين عملوا مع نورى السعيد ضد العراق وضد الأمة العربية، هؤلاء الذين عملوا مع نورى السعيد للقضاء على استقلال الأمة العربية، اليوم يحاولون أن يبينوا للعرب أنهم يمثلون الوطنية ويمثلون الاستقلال ويمثلون الحرية، ولا يمكن للعميل الذى تلوث مرة، ولا يمكن لأى من أعوان نورى السعيد الذين قبلوا فى الماضى أن يكونوا السوط فى يد نورى السعيد ضد الشعب، لا يمكن لهم بأى حال أن يعودوا شرفاء؛ لأنهم باعوا ذمتهم وباعوا ضميرهم منذ سنين طويلة، فاليوم يجد فيهم الاستعمار البريطانى الوسيلة التى يستخدمها ضد الأمة العربية. وكما قلت فى الماضى: لقد قامت ثورة على الثورة فى العراق، وقد قام بهذه الثورة أعوان أعوان الاستعمار؛ أعوان نورى السعيد. وإذا بحثنا اليوم عن من يتشدقون بالوطنية فإننا نجد فى تاريخهم كيف كانوا هم العون لنورى السعيد ضد الشعب العربى.
وفى نفس الوقت يحاول الشيوعيون العملاء فى الأمة العربية أن يخضعونا.. يخضعونا حتى ندخل ضمن مناطق النفوذ. وليس الأمر مسألة عقيدة أو مسألة مبدأ ولكنه مسألة مناطق نفوذ وإخضاع، فهناك يوجوسلافيا، وهى دولة شيوعية.. شيوعية كاملة، ولكنها حينما أبت أن تدخل ضمن مناطق النفوذ وتخضع لسيطرة الدول الكبرى أو تخضع لسيطرة الاتحاد السوفيتى، قامت الحملات تلو الحملات.
ليست المسألة مسألة عقيدة ولكنها مسألة سيطرة؛ إن اليوم الأحزاب الشيوعية التى تعمل كطابور خامس فى بلدنا إنما هى عبارة عن قواعد ضدنا؛ حتى تدفعنا، بعد أن تخدرنا ورغماً عن إرادتنا أو بعد أن تستطيع أن تغرر بنا، ضمن مناطق النفوذ. وهذا ما أبيناه منذ صممنا على هذه السياسة أو منذ قامت الثورة هنا فى مصر، (تصفيق)، ومنذ تبنى الأحرار فى كل بلد عربى الدفاع من أجل استقلال بلدهم والتخلص من السيطرة الأجنبية.
دعوتنا.. دعوة القومية العربية مبنية على الاستقلال الكامل، وعلى سياسة عدم الانحياز والحياد؛ ونعنى بهذا أن لا ندخل ضمن مناطق النفوذ الشرقية أو ضمن مناطق النفوذ الغربية. ولهذا فإننا نكافح اليوم.. نكافح ضد من يحاولون إدخالنا ضمن هذه المناطق؛ سواء من الاستعمار الغربى أو من المعسكر الشرقى.
ولكنا ونحن نسير فى هذا الطريق الذى آمنا به، نعتمد على الله وعلى الشعب العربى كما كنا نعتمد دائما؛ لنعمل ولندعم القومية العربية التى انتصرت فى الماضى، وستنتصر - بإذن الله - فى المستقبل، (تصفيق وهتاف)، ولندعم الأعمال التى قمنا بها، ثم لنوفر الفرص لتحقيق المجتمع الذى ترفرف عليه الرفاهية والذى تتقارب فيه الفوارق بين الطبقات، بدون أن نمكن أى دولة أجنبية من أن تضعنا داخل مناطق النفوذ.
والعمل شرف كبير لنا جميعاً، ثم هو أيضاً له أثر فى تحقيق الأهداف التى نسعى إليها؛ فلا يمكن أن نحقق مجتمعاً ترفرف عليه الرفاهية إذا لم نعمل، والعمل - كما قلت - شرف يجب أن يشعر به جميع أبناء هذا الوطن، وهذا هو سبيلنا لتحقيق مجتمع ترفرف عليه الرفاهية. وأرجو لكم التوفيق.

عائلات القدس في صف الانتظار الرهيب

عبد الرؤوف أرناؤوط 

أقامت عائلة صبّ لبن في منزلٍ لها في عقبة الخالدية في البلدة القديمة من مدينة القدس الشرقية منذ العام 1953، غير أنها تخشى أن تضطر قريباً للبحث عن منزلٍ آخر بعدما حكمت محكمة إسرائيلية بتحويل ملكية المنزل لمصلحة جمعية استيطانية يهودية.
وليست عائلة صب لبن هي الوحيدة التي يتهددها الطرد من منزلها، فالعديد من العائلات الأخرى في القدس اضطرت في السنوات الأخيرة الماضية لترك منازلها، والمزيد من العائلات الفلسطينية تقف في صف الانتظار الرهيب.

تلاصق عقبة الخالدية المسجد الأقصى من جهة باب القطانين، وتعتبر من المناطق المستهدفة من قبل جماعات المستوطنين الإسرائيليين. فالعديد من المنازل الفلسطينية استولى عليها مستوطنون، وحوّلوا بعضها إلى مدارس دينية أبرزها مدرسة "شوفو بانيم" أي "عودوا أيّها الأبناء"، والمقصود بالعودة هم محكومون جنائيون تقول إدارة المدرسة إنها "تعيدهم إلى التعاليم اليهودية".
وليس بعيداً عن عقبة الخالدية في الحي الإسلامي يقع مقر جمعية "عطيرات كوهانيم" التي تنشط في الاستيلاء على المنازل الفلسطينية في مدينة القدس القديمة، وخاصة تلك القريبة أو المطلّة على المسجد الأقصى.
وبالإجمال، فقد تمكن مستوطنون إسرائيليون على مدى السنوات الماضية من الاستيلاء على 70 منزلاً في البلدة القديمة، بعضها عن طريق الشراء عبر السماسرة، والبعض الآخر من خلال تواطؤ جمعيات حكومية إسرائيلية مع المستوطنين، تماماً كما هي الحال مع عائلة صب لبن.

يشرح احمد صب لبن ما جرى مع عائلته: "استأجر جدي من طرف والدتي البيت في العام 1953 من الحكومة الأردنية. وبعد وفاة جدي وجدتي، انتقلت والدتي للعيش في المنزل مع أبي. ومع احتلال إسرائيل للمدينة في العام 1967، انتقل المنزل إلى مسؤولية دائرة الأملاك العامة، وهي دائرة إسرائيلية مهمتها إدارة الأملاك التي يقول اليهود إنهم امتلكوها قبل العام 1948".
يكمل: "حاولت الحكومة الإسرائيلية إخلاءنا من المنزل مراراً منذ بداية الاحتلال، ولكننا كنا ندفع إيجاره بالبريد المسجل إلى دائرة الأملاك العامة الإسرائيلية لمنع أيّ إجراء ضدنا. اشتدت الحملة علينا في سنوات السبعينيات، تارة بادعاء تغيّر معالم المنزل وتارة بادعاء إصلاحه. وفي الفترة الممتدة ما بين 1976 وحتى 2001، تمّ رفع 10 قضايا إخلاء ضدنا، وقد كسبناها جميعاً".
لم تيأس الجمعية الاستيطانية. وفي العام 1986، تمكّنت من تسجيل نقطة لمصلحتها في صراعها مع عائلة صب لبن، إذ تمكنت آنذاك من الاستيلاء على منزل يتشارك مع عائلة صب لبن في ممر الدخول. فقررت منع العائلة من استخدام هذا الممر، ما اضطر العائلة لاستئجار منزل في بلدة بيت حنينا، شمالي القدس، حتى العام 2001.
فقط في العام 2001، اضطر أحد قضاة المحكمة المركزية الإسرائيلية للانتقال إلى المنزل كي يرى بنفسه أن الجمعية الاستيطانية جعلت وصول عائلة صب لبن إلى منزلها مستحيلاً. فأمرها بتمكين العائلة من المرور. وهكذا كان، فعادت العائلة إلى المنزل الذي تتواجد فيه حتى الآن.
لاحقاً، اتفقت سلطة الممتلكات العامة مع المستوطنين، فقررت في منتصف العام 2010 نقل ملكية المنزل إلى جمعية استيطانية يهودية لتتصدر بذلك الصراع ضد عائلة صب لبن.
يقول أحمد صب لبن، وهو باحث ميداني ينشط في الدفاع عن أملاك الفلسطينيين في القدس والكشف عن المخططات الاستيطانية الإسرائيلية في المدينة: "لقد قامت سلطة الأملاك العاملة الإسرائيلية بهذه الخطوة خلافاً للقانون. وفي الوقت الذي تمنع فيه الفلسطينيين من استرجاع أملاكهم في القدس الغربية، فإنها تسمح للمستوطنين بالمطالبة باستعادة أملاك يدّعون أنهم امتلكوها قبل العام 1948".
ويقدّر فلسطينيون أن الغالبية من الأملاك في القدس الغربية تعود لفلسطينيين غير أن العديد من المحاولات التي جرت عبر المحاكم لاستعادة هذه الأملاك قد باءت بالفشل، رغم وجود مستندات الملكية.

عبر ادعاءات ملكية تسبق العام 1948، حكمت محاكم إسرائيلية بحق استملاك جمعيات استيطانية إسرائيلية لعشرات الممتلكات الفلسطينية في القدس القديمة ورأس العامود وسلوان والشيخ جراح ووادي الجوز وغيرها من الأحياء في مدينة القدس.
ويؤكد مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" خليل التفكجي لـ "السفير"، أن "هناك تواطؤاً واضحاً بين المؤسسات الحكومية الإسرائيلية والجمعيات الاستيطانية والمحاكم الإسرائيلية في قضية الأملاك في مدينة القدس". ويوضح: "ثمة العديد من الحالات التي صدرت فيها أحكام في محاكم إسرائيلية لمصلحة جماعات المستوطنين على الرغم من وجود أوراق تثبت الملكية الفلسطينية لهذه المنازل".
ويرى التفكجي أنه "بعد استكمال السوار الاستيطاني الإسرائيلي في محيط الأحياء الفلسطينية في مدينة القدس عبر سلسلة من المستوطنات التي يقيم فيها ما يزيد عن 200 ألف مستوطن، فقد بات من الواضح أن هناك حراكاً باتجاه الأحياء نفسها".
وتحيط بالقدس مستوطنات عديدة أبرزها: التلة الفرنسية، والنبي يعقوب، ومعاليه أدوميم، وراموت، وغيلو، وتلبيوت، ورامات شلومو، وبسغات زئيف، وهار حوماه. والواقع يحكي عن نفسه، إذ لا يخلو أيّ حيّ من تلك المحيطة بالبلدة القديمة من مستوطنة أو بؤرة استيطانية أو منازل يقيم فيها مستوطنون، ويرفعون عليها الأعلام الإسرائيلية لتمييزها.
ويضع أحمد صب لبن ذلك في سياق الاقتراح الذي قدمه الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون لحلّ قضية القدس في العام 1999، معتبراً أنه قد أعطى الضوء الأخضر لإطلاق حملة واسعة في داخل الأحياء الفلسطينية في المدينة": "كلينتون آنذاك اقترح أن ما للفلسطينيين يبقى للفلسطينيين، وما لليهود يبقى لإسرائيل. فوجدت الجمعيات الاستيطانية الإسرائيلية في هذا الاقتراح ضالتها، وبدأت تنشط في وضع اليد على الممتلكات الفلسطينية لمنع أي إمكانية لإقامة عاصمة للدولة الفلسطينية في مدينة القدس".

في العام 1999، كان التواجد الإسرائيلي يقتصر على الحي اليهودي الذي أقيم على أنقاض حارة الشرف في البلدة القديمة وبعض المنازل المتناثرة في البلدة القديمة وسلوان. أما الآن فقد تحولت البؤر الاستيطانية إلى نقاط جلية في الأحياء الفلسطينية التي تضمّ ما يزيد عن 370 ألف فلسطيني.
إذ بالإضافة إلى 70 منزلاً تم الاستيلاء عليها في البلدة القديمة، ثمة 86 منزلاً استولى عليها مستوطنون في بلدة سلوان، جنوبي البلدة القديمة، من بينها 33 منزلاً تم الاستيلاء عليها في الأشهر القليلة الماضية، بحسب صب لبن والتفكجي.
وليس بعيداً عنها، وفي قلب حي رأس العامود، تمت إقامة مستوطنة "معاليه هزيتيم" التي تضم الآن 110 وحدات استيطانية، وبجانبها مركز للشرطة الإسرائيلية تحوّل إلى مستوطنة يطلق عليها اسم "معاليه دافيد" تضم 17 وحدة استيطانية، ويراد توسيعها لتضم 104 وحدات استيطانية.
واستولى مستوطنون على عمارتين سكنيتين في حي الطور رفعوا عليهما علماً إسرائيلياً كبيراً تمكن رؤيته من العديد من الأماكن في المدينة، وأطلقوا على تلك البؤرة اسم "حوشين".
وسبق ذلك استيلاء مدرسة "أوروط" الاستيطانية على منزل فلسطيني كبير في الطور، وقد توسّعت مؤخراً باتجاه حيّ الصوانة من خلال مستوطنة تضم 24 وحدة استيطانية تم استكمال بنائها مؤخراً وسيجري توزيعها على المستوطنين خلال أيام.
وليس ببعيد عنها في حي وادي الجوز، حوّلت الحكومة الإسرائيلية مدرسة كان من المقرر أن تُقام للبنات إلى مقر لوزارة الداخلية الإسرائيلية.
وتفصل أرض كرم المفتي هذا المقرّ عن منزل مفتي القدس الأكبر الحاج أمين الحسيني الذي تمّ هدم فندق "شبرد" الملاصق له لإقامة مستوطنة جديدة يجري حالياً وضع اللمسات الأخيرة على 24 وحدة استيطانية فيها. وقال صب لبن: "ثمّة مخطط لتوسيع هذه المستوطنة باتجاه كرم المفتي لتضم 650 وحدة استيطانية".
على بعد أمتار، يقع حي الشيخ جراح الذي تمكّن مستوطنون إسرائيليون من الاستيلاء على العديد من المنازل الفلسطينية فيه بادعاء ملكيتها قبل العام 1948. وقد استولت هذه الجماعات الاستيطانية في السنوات الأخيرة الماضية على 3 منازل مملوكة لعائلات الكرد والغاوي وحنون وتهدّد بالاستيلاء على 20 منزلاً آخر بادعاء إقامتها على ارض كانت مملوكة لليهود قبل العام 1948. ويؤكد مستشار شؤون القدس في ديوان الرئاسة المحامي أحمد الرويضي لـ "السفير" أن الجماعات الاستيطانية تخطط لإقامة 200 وحدة استيطانية على أنقاض هذه المنازل.
ومؤخراً، حكمت محكمة إسرائيلية لمصلحة إخلاء عائلة شماسنة من منزلها في كوبانية أم هارون الملاصقة في الشيخ جراح، توطئةً لإقامة مستوطنة على أنقاض المنزل ومنازل أخرى مجاورة يتهدد العائلات المقيمة فيها الطرد.
وعلى الطريق سيراً من هناك باتجاه البلدة القديمة، أعلنت جمعيات استيطانية قرارها إقامة 3 بنايات تضم 33 وحدة استيطانية في منطقة باب الساهرة في داخل البلدة القديمة.

بالإجمال، تقول معطيات مكتب "تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة – اوتشا" إن "أكثر من 2000 مستوطن إسرائيلي يعيشون في بيوت تم الاستيلاء عليها بوسائل مختلفة، بما في ذلك تطبيق قانون أملاك الغائبين وقيام المحاكم الإسرائيلية بالنظر في ادعاءات مزعومة بشأن عقارات مملوكة لليهود قبل العام 1948 ضمن وسائل أخرى".
وتضيف: "إن إقامة مستوطنات في قلب الأحياء الفلسطينية يتطلب عادة إخلاء فلسطينيين بالقوة وتهجيرهم. وبالإضافة لحرمان العائلات من بيوتها، فقد أدّى ذلك في كثير من الأحيان إلى عراقيل في معيشتهم ووصولهم إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والمياه اللازمة للنظافة الصحية".
وتؤكد: "هذا النشاط الاستيطاني أدى إلى توترات متزايدة، وتقليص للمساحات العامة والتوسع الإسكاني وحرية الحركة، والانتشار المتواصل للحراس الأمنيين الخصوصيين وقوات الشرطة لحماية المستوطنات".
وتشدد تقارير "اوتشا" على أن "إسرائيل، كقوة محتلة، عليها التزام بحماية السكان المدنيين الفلسطينيين، ويحظر القانون الدولي التهجير القسري للمدنيين ونقل المستوطنين إلى الأرض المحتلة، وكذلك مصادرة الممتلكات الخاصة أو تدميرها".
أما التفكجي فيشرح أن "هذه الجماعات لا تخفي هدفها، وهو منع إقامة عاصمة للدولة الفلسطينية في القدس الشرقية، وهي بذلك تكرر النموذج القائم في مدينة الخليل".
في جميع الحالات، لجأ الفلسطينيون إلى القضاء الإسرائيلي ولكن التجربة بينت أن خوض المعارك القانونية عبر هذا القضاء لا يعدو كونه شراء للوقت.
يرى مسؤول ملف القدس في حركة "فتح" حاتم عبد القادر في حديثه مع "السفير" أن "حالنا مع القضاء الإسرائيلي هو تماماً كالمثل القائل: إذا كان غريمك القاضي، فلمن تشكو همك؟". يكمل: "هي فقط محاولة لشراء الوقت، ونحن لا نثق إطلاقاً بالقضاء الإسرائيلي".
وينطبق هذا المثل على عائلة صب لبن، فيقول أحمد إنه بعدما حوّلت "دائرة الأملاك العامة" ملكية منزل عائلته إلى جمعية استيطانية، حكمت محكمة إسرائيلية لمصلحة المستوطنين في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2014. وتم استئناف هذا الحكم بانتظار حكم نهائي في الخامس من أيار/مايو من هذا العام.
ومنذ ذلك الحين، "جرت محاولات من قبل المستوطنين، مدعومين من الشرطة، لإخلائنا من المنزل 3 مرات، في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2014 وشباط/ فبراير وآذار/ مارس من هذا العام. ولكن لم تنجح جميع هذه المحاولات التي كان أشدّها في شهر آذار، حيث توجهنا إلى المحكمة العليا الإسرائيلي، وهي أعلى هيئة قضائية في إسرائيل، وحصلنا على قرار تجميد غير نهائي لإخلاء المنزل بانتظار قرار المحكمة المركزية".
ويتابع صب لبن: "شبح الطرد من المنزل يلاحقنا في كل ساعة وكل دقيقة، فنتواجد في المنزل بشكل دائم خشية قرار مفاجئ بالإخلاء. وفي حال صدور قرار من المحكمة المركزية في شهر أيار/مايو بإخلائنا من المنزل، فإننا سنتوجه إلى المحكمة العليا لتكون بذلك الملاذ الأخير".

2015/04/30

بعوض الملاريا يتكيّف مع مبيده

اكتشف الخبراء أن البعوض يبدي مقاومة متزايدة وسريعة للمبيدات الحشرية التي يعتمد عليها الملايين للوقاية من الإصابة بمرض «الملاريا».
ويتسابق العلماء إلى استنباط مبيدات حشرية جديدة، محذرين من أن عشرات الآلاف من أبناء القارة الافريقية قد يموتون في كل عام، إذا اكتسب البعوض مناعة كاملة قبل ايجاد وسائل بديلة لمكافحته.
وستشكل هذه المعضلة الشغل الشاغل للعلماء في مجال الصحة، خلال اجتماعهم في جنيف الشهر المقبل، من أجل بحث مقترحات للقضاء على الملاريا في 35 دولة بجدول زمني يصل حتى العام 2030.
وقالت مجموعة «رول باك ملاريا»، وهي شراكة بين منظمة الصحة العالمية ومنظمة الامم المتحدة للطفولة والبنك الدولي، إنه تم تفادي نحو 4.3 ملايين حالة وفاة منذ العام 2000 بعد عمليات توزيع بالجملة لناموسيات مقاومة للبعوض في القارة الافريقية.
والمواد الكيميائية المستخدمة حاليا في مقاومة البعوض آمنة بالنسبة إلى البشر، ويتم امتصاصها من خلال أرجل الحشرات لتقتلها في دقائق معدودة، أي أنها لا تمر على جهازها الهضمي كما أنها تظل في الناموسيات والشباك بضع سنوات وهي في متناول يد الجميع.
وتنصبّ الدراسات على ثلاث مواد كيميائية جديدة سيجري انتاجها العام الحالي، ولكن حتى في حالة نجاحها، فإن الأمر يتطلب ما يقارب الثمانية أعوام حتى تصبح متداولة في الأسواق.
ويقول العلماء إنه حتى الناموسيات غير المعالجة بمبيدات حشرية يمكنها أن تقوم بدور مهم في الوقاية من الملاريا، التي تقتل أكثر من 580 ألف شخص سنويا.
وقال المدير المشارك في مجموعة «رول باك ملاريا» جو لاينز، وهو خبير في مكافحة الملاريا بكلية الصحة وطب المناطق الحارة في جامعة لندن، إن من بين الوسائل الاخرى لمكافحة الملاريا إطلاق بعوض مهندس وراثيا أو عقيم للحد من قدرة الحشرة على التكاثر، وقد يسهم ذلك في حل جزئي للمشكلة إلا انه لا يمثل حلا طويل الامد.

هل تذكرون الثامن والعشرين من نيسان 2004..؟

عبد الناصر فروانة

هل تذكرون الثامن والعشرين من نيسان ؟ هو ذاك اليوم الذي فجّرت فيه شبكة تلفزيون CBS الأمريكية عام ،2004 فضيحة ” سجن أبو غريب”، بنشرها صورا قبيحة ومذلة  لسجناء عراقيين وهم عراة وفي أوضاع مشينة. وقالت آنذاك بأنها تمتلك العشرات من الصور التي امتُهنت فيها كرامة الإنسان العراقي وآدميته وشَرفه العربي وفاقت كل تصور من حيث انحرافها النفسي والأخلاقي.
صور لجنود الاحتلال الأمريكي وهم يتلذذون بتعذيب أسرى عراقيين عراة، ويصعقونهم بالكهرباء ويستمتعون بآلامهم، ويبتسمون ويضحكون لالتقاط الصور التذكارية بجانبهم، ويلوحون بعلامة النصر وكأنهم يمارسون عملاً بطولياً .
تلك الصور التي أحدثت آنذاك صدمة في العالم أجمع، أجبرت  جميع المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية على التحرك لإدانتها، مما دفع الجيش الأمريكي لاتخاذ بعض الإجراءات الإدارية والقضائية لتهدئة المجتمع الدولي وامتصاص ردة الفعل، وكان منها إغلاق السجن المذكور  بشكل نهائي في حزيران 2006، دون الإفراج عن المعتقلين الذين كانوا فيه، بل تم نقلهم إلى سجون أخرى داخل العراق، ليُعاد افتتاحه من جديد في شباط عام 2009 وتحت اسم  سجن “بغداد المركزي”.
وعلى الرغم من أن الصور قد أظهرت أنماطاً مختلفة من الانتهاكات والتجاوزات بحق الأسرى العراقيين، وبالرغم مما صاحبها من حملات شجب واستنكار وإدانة، إلا أن التعذيب الجسدي والنفسي في السجون العراقية لم يتوقف، و لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا دون رادع.
ولحسن حظ أشقائنا بالعراق أن صورهم تسربت آنذاك خارج السجن ونشرت ووزعت، واقشعرت الأبدان لها، ووجدوا من يدين ويستنكر ، فيما السجون الإسرائيلية مغلقة وأبوابها موصدة في وجه وسائل الإعلام المختلفة وأمام الوفود واللجان الدولية. بل ويمنع الاقتراب منها أو تصويرها عن بُعد. وقد اكدت الكثير من الشهادات لأسرى فلسطينيين أن صورا مشينة كانت قد التقطت لبعضهم وهم في أوضاع مهينة، بعضها نشر، فيما الأخطر لم يُنشر وبقيت طي الكتمان وفي أدراج السرية لدى الأجهزة الأمنية.
علاوة على ذلك وأن التعذيب بصنوفه وأشكاله المتعددة، النفسية والجسدية، لا يزال مستمرا في السجون الإسرائيلية، بل ويحظى بغطاء قانوني وحصانة قضائية ومباركة الجهات السياسية الإسرائيلية. وأن اجبار المعتقلين الفلسطينيين على التفتيش العاري قائم ويصاحبه اجبارهم على القيام بحركات مشينة، وأن التحرش الجنسي يُمارس أحيانا، وهناك شهادات عديدة لأسرى من مختلف الأعمار تؤكد تكرار تلك الانتهاكات الفاضحة.
أحداث مؤلمة ومشاهد قاسية تبرز التعامل الإسرائيلي مع الأسرى وكأنهم ليسوا بشراً، وتصويرهم كغنائم صيد، وأداة للتعذيب والتسلية والاستمتاع، وكلنا يذكر تلك الصور التي نشرت في أكثر من مناسبة على المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام والفيس بوك لجنود ومجندات وهم يستمتعون ويرقصون إلى جانب أسرى وأسيرات وأطفال فلسطينيين في أوضاع قاسية ومكبلي الأيدي ومعصوبي العيون .
وكذلك شريط الفيديو الذي عرضته القناة العاشرة في تشرين اول عام 2010 ويظهر فيه جندي إسرائيلي بلباسه العسكري وهو يرقص أمام أسيرة فلسطينية مكبلة الأيدي ومعصوبة الأعين تقف بجانب حائط بطريقة مهينة ومذلة.
وفي الذكرى الحادية عشر لفضيحة “سجن أبو غريب” عليكم أن تقرأوا وتستمعوا لمزيد من شهادات الأسرى الفلسطينيين ومن مختلف الفئات العمرية بمن فيهم الأطفال والاعتداء عليهم، واستخدام الكلاب المتوحشة والصعقات الكهربائية وإجبارهم على التعري والقرفصة، وتهديدهم بالاعتداء الجنسي وغيرها من الأساليب التي تدل على مدى الانحدار الخلقي والمهني والثقافي لدى المؤسسة الحاكمة في دولة الاحتلال الإسرائيلي.
شهادات كثيرة تتناقلها الأطفال والنساء والرجال الذين تعرضوا لحوادث مشابهة من تفتيش عاري وتحرش جنسي والتقاط صور للضغط والمساومة تكشف عن الوجه الحقيقي لجنود الاحتلال الإسرائيلي وسجانيه !!
ويبقى “أبو غريب” أو ما سميّ حديثاً “بغداد المركزي” هو ذاك المبنى بحجارته الساكنة، شاهد على عصر الجرائم الأمريكية المنظمة بحق الأسرى العراقيين في العراق الشقيق. وكم كنت أتمنى أن يُسمح لنا بزيارته حينما قدر لي زيارة العراق في كانون اول عام 2012.
وبالرغم من مرور احد عشر عاما  على الفضيحة، إلا أن الصور باقية في الأذهان، راسخة في الوجدان لفظاعتها وبشاعتها، وتتكرر هنا و هناك بدرجات متفاوتة. كما لا يزال التعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي قائما ومستمراً و مشرَّعاً، ويبقى الاحتلال واحد أينما كان، بسلوكه المشين وانحطاطه الأخلاقي والإنساني وفظاعة جرائمه ويشاعتها.

استراتيجية إسرائيل تجاه مصر.. التاريخ واستشراف المستقبل



د. هدى عبد الناصر

وقعت فى يدى وثيقة أمريكية خطيرة صدرت فى 1965، هزتنى بأثر رجعي! إنها مذكرة من دين راسك ـ وزير الخارجية الأمريكية ـالى الرئيس الأمريكى ليندون جونسون تتعلق بسياسة الولايات المتحدة فى ذلك الوقت؛ بمنع انتشار الأسلحة الذرية فى منطقة الشرق الأوسط.وتطبيقا لهذه السياسة، حدث اتصال مع الرئيس جمال عبد الناصر بشأن المفاعل الذرى فى إنشاص، الذى أكد لهم أنه يستخدم فى الأغراض السلمية فقط، وأن مصر لا تنوى إنتاج أسلحة ذرية.وقد تزامن ذلك مع اتصال آخر باسرائيل لنفس الغرض، بل وقد أرسلت الولايات المتحدة بعثة غير رسمية لتتفقد مفاعل ديمونة.وبالرغم من التأكيدات التى ذكرها ليفى أشكول رئيس الوزراء الاسرائيلى عدة مرات للولايات المتحدة فى هذا الشأن، فإنه قال: «إن اسرائيل لا تستطيع أن توقف تطوير الأسلحة الذرية فى غياب ضمانات ملزمة لأمنها من جانب الولايات المتحدة».وكان الرئيس الأمريكى جون كيندى قد صمم فى 1963؛ على أن «الولايات المتحدة لا تستطيع سياسيا أن تضمن أمن اسرائيل، وأن هذا الضمان فى أى حال من الأحوال لن يعطى اسرائيل حماية أفضل من التزام الولايات المتحدة الشديد الحاضر؛ بمعارضة العدوان فى الشرق الأوسط».وبالطبع فإن تلك السياسة التى اتبعها بعد كيندى جونسون أغضبت اسرائيل، وأثارت شكوك الولايات المتحدة حول استمرارها فى تطوير الأسلحة الذرية.
وفى الوثيقة التى أشرت اليها، كتب دين راسك.. «يجب أن نتذكر أن اسرائيل قد خدعتنا بداية عن عمد بشأن طبيعة المفاعل الذرى فى ديمونة دون أن تتشاور معنا؛ ولذلك يجب أن نفترض أن اسرائيل تنوى أن تتخذ قراراتها حول انتاج الأسلحة الذرية دون أن تتحاور معنا».

وتدعيما لشكوكه ذكّر راسك الرئيس الأمريكى جونسون باستراتيجية اسرائيل تجاه مصر:
أولا: «لقد وضعت اسرائيل صواريخ أرض/ أرض موجهة لتضرب وادى النيل»، ومداها 270 ميلا بحريا، وكانت قد اشترتها من فرنسا، بعد أن بدأت مصر فى تصنيع الصواريخ مستعينة بالعلماء الألمان، وأعلنت عن تجارب إطلاقها فى 1962.
ثانيا: «إن اسرائيل مصممة على أن تملك القدرة على قذف السد العالى بالقنابل لتنساب المياه من خلفه، وهذا يتطلب رؤوسا ذرية؛ لأن القذف بالمتفجرات مهما كانت قوتها، لا يمكن الاعتماد عليه فى هذه العملية»!وكانت الولايات المتحدة مدركة أن مجهوداتها لتقليل سرعة برامج الأسلحة المتطورة والأسلحة الذرية المحتملة فى الهند وغيرها، سوف يتأثر بالمثل الذى تطبقه فى التعامل مع اسرائيل. وطالما أن مفاعل ديمونة يعمل بدون مراعاة ضمانات السلامة التى تفرضها المنظمة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، فإن مصداقية المجهودات الأمريكية فى العالم لمنع انتشار الأسلحة الذرية مشكوك فيها.
وفى الواقع فإن اسرائيل رغم أنها قد وقعت معاهدة منع التجارب النووية، كما أنها عضو فى المنظمة الدولية للطاقة الذرية، وقبلت تطبيق إجراءات الحماية بالنسبة لمفاعلها الذرى الصغير المخصص للأبحاث الذى قدمته لها الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لم ينطبق على مفاعل ديمونة!
وقد طلب راسك من جونسون إرسال خطاب الى أشكول يضغط به عليه لتوافق اسرائيل على تطبيق إجراءات الحماية الدولية بالنسبة لمفاعل ديمونة، وهو الأهم.
وقد انتهزت الولايات المتحدة فرصة قرب وصول فريق عسكرى اسرائيلى اليها لمناقشة صفقة الأسلحة الأمريكية الجديدة التى سمحت بها بعد امتناع، لتواصل ضغطها فى هذا الشأن.
وكانت الولايات المتحدة قد بررت هذه الصفقة؛ باعتزامها بيع عدد محدود من الدبابات M-40 الى الأردن بناء على طلبه، بعد أن رفضت إمداده بطائرات F-104، وذلك عقب تهديد الملك حسين بشراء أسلحة من الاتحاد السوفيتى لمواجهة المماطلة الأمريكية.

الخدعة الأمريكية الكبري:
وإن كانت الولايات المتحدة قد اشتكت من أساليب الخداع الاسرائيلية فيما يتعلق بتطوير الأسلحة الذرية، إلا أنها قد قامت بدورها بخدعة أكبر؛ لتوهم الدول العربية أنها تسير فى سياسة منع سباق التسلح فى الشرق الأوسط، وتقوم لتحقيق ذلك بالامتناع عن بيع السلاح لدوله جميعا، بما فيها اسرائيل!
ففى 1964 طلبت اسرائيل شراء 500 دبابة أمريكية متطورة وأسلحة أخري، إلا أن هذا الطلب قوبل بالرفض. وبعد مشاورات، اقترحت الولايات المتحدة على اسرائيل أن تشترى ما تحتاج اليه من دبابات من المملكة المتحدة وألمانيا، على أن تمهد الطريق لذلك مع حلفائها!
وهنا اعترض أشكول الذى كان فى زيارة لواشنطن فى يونيو 1964، قائلا: إن هناك فارقا كبيرا فى الأداء بين الدبابات الأمريكية والأخرى البريطانية والألمانية. وهنا اقترح العسكريون الأمريكيون أن تجرى الولايات المتحدة تعديلات على هذه الدبابات الأوروبية لتصل بها الى كفاءة الدبابات الأمريكية، وبعد أن وافق جونسون على ذلك، رصدت الولايات المتحدة 20 مليون دولار من أجل هذا الهدف!
ويجدر بى أن أذكر هنا؛ أن وزارة الدفاع الأمريكية قد توقعت أنه بعد تسليم هذه الصفقة، بالإضافة الى صواريخ الهوك المتعاقد عليها من قبل والتى كانت ستسلم فى 15 مايو 1965، ثم صفقة الدبابات المماثلة فى العدد كتلك التى ستورد للأردن؛ «فإن توازن التسلح فى الشرق الأوسط سيكون فى مصلحة اسرائيل الى حد كبير فى نهاية عام 1967»!
وقد تم كشف صفقة الدبابات الألمانية الى اسرائيل فى مارس 1965، وكان قد بقى فقط 60 دبابة لم تسلم.
وثارت ضجة فى العالم العربي، وقطعت مصر علاقاتها مع ألمانيا الغربية، ثم استقبلت والتر ألبريخت رئيس ألمانيا الشرقية فى القاهرة؛ ردا على العداء الألمانى الغربى للعرب.

ومن جانب آخر, أرسل جونسون مبعوثه فليبس تالبوت الى الرئيس جمال عبد الناصر لإخطاره مسبقا بصفقة بيع الدبابات الأمريكية الى اسرائيل؛ لموازنة بيع مثيلاتها الى الأردن.

وردا على ذلك بعث عبد الناصر برسالة الى جونسون يؤكد فيها على بعض النقاط فى مقابلته مع تالبوت؛ تضمنت الآتي: «أن مصر مهتمة بالمحافظة على الصداقة العربية الأمريكية... ولكن توجد عوائق تمنع من تحقيق هذا الهدف...
إن مصر لم تبدأ أو تخطط لسباق التسلح فى الشرق الأوسط ولكنها مضطرة بعد استفزازات عسكرية، أن تحقق القدرة على الدفاع الشرعى ضد الخطر العدائى التوسعي؛ المتمثل فى الصهيونية العنصرية، التى سهل لها الاستعمار السيطرة على جزء من الأرض العربية؛ لتستخدم كقاعدة لتهويد إرادة الأمة العربية فى الحرية، ولتكون حائلا ضد الآمال العربية فى الوحدة.
وشاهد على ذلك السجلات ومنها فى الأمم المتحدة أن مصر استخدمت أسلحتها فقط دفاعا عن حقوقها، بينما جاء العدوان من جانب اسرائيل، وأحداث 1956 مليئة بالأدلة والمعاني».
واستطرد عبد الناصر فى رسالته الى جونسون.. «من المؤسف أن عددا من الدول الغربية عموما سلحت العدوان الاسرائيلى سرا؛ فرنسا فى 1956، وألمانيا الآن»!
ما هى استراتيجية مصر فى مواجهة التهديد الذرى الاسرائيلي؟
كما قلت.. فإن اطلاعى على خطوط الاستراتيجية الاسرائيلية تجاه مصر فى 1965، واسرائيل لم تكن وقتها تملك السلاح الذرى بعد، قد أصابنى بالفزع، إلا أنه دق ناقوس الخطر بالنسبة للحاضر والمستقبل.
فإنه من المؤكد أن اسرائيل الآن تملك السلاح الذري، إذا كانت باكستان قد أجرت تجربة ذرية! فما هى استراتيجيتنا فى المقابل؟ وكيف نحمى أرضنا ومواطنينا من هذا التهديد المخيف؟
إن العقيدة الصهيونية كما درستها بعمق توسعية، وتحقق أهدافها على مراحل، وما اكتسبته اسرائيل من أرض بعد عدوان 1967 هو ليس آخر المطاف، وإنما شعار من النيل الى الفرات هو حقيقة وليس دعاية وقتية.
إننى لا أطالب بأن تمتلك مصر السلاح النووي؛ لأنه مكلف جدا، بالإضافة الى أن استخدامه ضد اسرائيل التى زرعت وسط البلاد العربية، من المؤكد أنه سيطول جيرانها العرب.
فإذا كنا لن نستخدم السلاح النووي، فلماذا نصنعه؟! الإجابة.. من أجل ردع اسرائيل.
ولكن ألا يمكن تحقيق هذا الهدف بدون تطويرنا للسلاح النووى فى الوقت الذى تملكه اسرائيل؟
استراتيجيا هذا ممكن، ولكن يجب هنا أن يكون الردع كافيا، ويساعد على ذلك أن مدى الطائرات الحربية قاذفة القنابل أصبح يصل الى كل شبر فى اسرائيل. المهم هنا هو تحديد الأهداف بدقة، مع إعلام العدو بقدرتنا على إصابته فى مقتل إذا نفذ استراتيجيته العدوانية. ولا ينبغى أن ننسى أن السلاح النووى تحمله صواريخ وطائرات حربية، وبالتالى فإن الدفاع المحكم بالصواريخ يمنع وصول أى منها الى هدفه.
وعموما هذا موضوع عسكرى فنى يترك للخبراء والقادة العسكريين لتقديره، كما أنه من الأمور السرية التى لا يمكن البوح بتفاصيلها.
إن ما أطالب به هو أن تستكمل مصر برنامجها النووى الذى توقف بعد عدوان اسرائيل فى 1967؛ فإن استخدام هذه التكنولوجيا الحديثة فى الأغراض السلمية أصبح ضرورة تحتمها متطلبات التنمية الشاملة فى القرن الحادى والعشرين.
وفى الواقع فإن كل ما هدفت اليه من عرض الوثيقة الأمريكية؛ أنه لا يجب استبعاد الهجوم الذرى على مصر عندما يحين وقته بالنسبة لاسرائيل، وأننا يجب أن نكون على استعداد لمواجهة هذا الخطر المحتمل باستراتيجية رادعة ودفاعية فى نفس الوقت؛ تضمن الأمان لوادى النيل وسكانه جميعا.


 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر