الراصد القديم

2016/05/01

ثمنٌ باهظ لمشكلة الخلاف حول الهُويّة!


صبحي غندور

قامت قناة “بي بي سي” العربية مشكورة بتخصيص أسبوعٍ في بعض برامجها للتعامل مع مسألة “الهُويّة”، وما يدور الآن بشأنها في البلاد العربية من صراعاتٍ بين المفاهيم. ولعلّ أهمية هذه المسألة تتأتّى ممّا يحدث على الأرض العربية من محاولاتٍ لتأجيج الخلافات بين العرب على أسسٍ طائفية ومذهبية وإثنية.

فللإنسان، الفرد أو الجماعة، هويّاتٌ متعدّدة، لكن الهويّات ليست كأشكال الخطوط المستقيمة التي تتوازى مع بعضها البعض فلا تتفاعل أو تتلاقى، أو التي تفرض الاختيار فيما بينها، بل هذه الهويّات المتعدّدة هي كرسوم الدوائر التي يُحيط أكبرها بأصغرها، والتي فيها (أي الدوائر) “نقطة مركزية” هي الإنسان الفرد أو الجماعة البشرية. هكذا هو كلّ إنسان، حيث مجموعةٌ من الدوائر تُحيط به من لحظة الولادة، فيبدأ باكتشافها والتفاعل معها خلال مراحل نموّه وتطوّره: من خصوصية الأم إلى عمومية الإنسانية جمعاء.

مشكلتنا نحن العرب أنّنا نعاني، لحوالي قرنٍ من الزمن، من صراعاتٍ بين هُويّاتٍ مختلفة، ومن عدم وضوح أو فهم للعلاقة بين هذه الهويّات المتعدّدة أصلاً. فقد تميّز النصف الثاني من القرن العشرين بطروحاتٍ فكرية، وبحركات سياسية ساهم بعضها أحياناً بتعزيز المفاهيم الخاطئة عن ثلاثية (الوطنية والعروبة والدين)، أو ربّما كانت المشكلة في الفكر الآحادي الجانب الذي لا يجد أيَّ متّسعٍ للهويّات الأخرى التي تقوم عليها الأمَّة العربية. فهويّة شعوب البلدان العربية هي مزيجٌ مركّب من هويّة (قانونية وطنية) نتجت عن ولادة الأوطان العربية في مطلع القرن العشرين، وهويّة (ثقافية عربية) عمرها من عمر اللغة العربية، وهويّة (حضارية دينية) مرجعها ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم، وأيضاً بحكم أنّ الأرض العربية هي مهبط كلّ الرسل والرسالات السماوية. وهذا واقع حال ملزِم لكل شعوب البلدان العربية، بغضّ النظر عن أصولهم أو معتقداتهم، وحتّى لو رفضوا فكرياً الانتماء لكلّ هذه الهويّات أو بعضها.

الآن نجد على امتداد الأرض العربية محاولاتٍ مختلفة الأوجه، ومتعدّدة المصادر والأساليب، لتشويه معنى الهويّة العربية ولجعلها حالة متناقضة مع التنوّع الإثني والديني الذي تقوم عليه الأرض العربية منذ قرونٍ عديدة.
وأصبح الحديث عن مشكلة “الأقلّيات” مرتبطاً بالفهم الخاطئ للهويّتين الوطنية والعربية، حيث المحصّلة هي القناعة بأنّ حلاً لهذه المشكلة يقتضي “حلولاً” انفصالية كالتي حدثت في جنوب السودان وفي شمال العراق، وكالتي يتمّ الآن الحديث عنها لمستقبل عدّة بلدانٍ عربية، بينما أساس مشكلة غياب “حقوق بعض المواطنين” هو غياب الفهم الصحيح والممارسة السليمة لمفهوم “المواطنة”، وليس قضية “الهويّة”.

وعجباً، كيف تُمارس الإدارات الأميركية نهجاً متناقضاً في المنطقة العربية مع ما هي عليه من تاريخٍ وثقافة، وكيف تُشجّع على تقسيم الشعوب والأوطان وعلى إضعاف الهويّة العربية عموماً!!. ففي الولايات المتحدة نجد اعتزازاً كبيراً لدى عموم الأميركيين بهويّتهم الوطنية الأميركية (وهي هُويّة حديثة تاريخياً)، رغم التباين الحاصل في المجتمع الأميركي بين فئاته المتعدّدة القائمة على أصول عرقية وإثنية ودينية وثقافية مختلفة. فمشكلة الأقلّيات الإثنية والعرقية والدينية موجودة في أميركا لكنّها تُعالج بأطر دستورية وبتطويرٍ للدستور الأميركي، كما حدث أكثر من مرّة في مسائل تخصّ مشاكل الأقلّيات، ولم يكن “الحل الأميركي” لمشاكل أميركا بالتخلّي عن الهويّة الأميركية المشتركة، ولا أيضاً بقبول النزعات الانفصالية أو بتفتيت “الولايات المتحدة”.

كما يثير التساؤل أيضاً خروج بعض الأصوات العربية المقيمة في أميركا والغرب، والتي تُساهم في هذه الحملة المقصودة ضدّ الهويّة العربية، أو تؤيّد الآن حركات الانفصال والتقسيم لأوطان عربية، وهي تُدرك ما أشرت إليه عن خلاصات التجربة الدستورية الأميركية، إضافةً إلى تجارب دستورية أوروبية مشابهة تسعى للاتّحاد والتكامل بين “أمم أوروربية” قائمة على ثقافات ولغات وأديان وأصول عرقية مختلفة.

أيضاً، نجد في داخل بعض الأوطان العربية أنّ ضعف الولاء الوطني لدى بعض الناس يجعلهم يبحثون عن أطر فئوية (قبلية وعشائرية وطائفية) بديلة عن مفهوم المواطنة الواحدة المشتركة، وربّما يمارسون استخدام العنف ضدّ “الآخر” في الوطن نفسه من أجل تحصيل “الحقوق”، كما نجد من يراهنون على أنّ إضعاف الهويّة الثقافية العربية أو الانتماء للعروبة بشكلٍ عام سيؤدّي إلى تعزيز الولاء الوطني، أو نجد من يريدون إضعاف التيّارات السياسية الدينية من خلال الابتعاد عن الدين نفسه.

إنّ الفهم الصحيح والممارسة السليمة لكلٍّ من “ثلاثيات الهويّة” في المنطقة العربية (الوطنية والعروبة والدين) هو الحلُّ الغائب الآن في أرجاء الأمَّة العربية. وهذا “الحل” يتطلّب أولاً نبذاً لأسلوب العنف بين أبناء المجتمع الواحد مهما كانت الظروف والأسباب، وما يستدعيه ذلك من توفّر أجواء سليمة للحوار الوطني الداخلي، وللتنسيق والتضامن المنشود مستقبلاً بين الدول العربية.

إنّ الدين يدعو إلى التوحّد وإلى نبذ الفرقة. إنّ العروبة تعني التكامل ورفض الانقسام. إنّ الوطنية هي تجسيد لمعنى المواطنة والوحدة الوطنية. فأين العرب من ذلك كلّه؟.

إنّ ضّعف الولاء الوطني يُصحَّح دستورياً وعملياً من خلال المساواة بين المواطنين في الحقوق السّياسية والاجتماعيّة، وبالمساواة أمام القانون في المجتمع الواحد، وبوجود دستور يحترم الخصوصيات المكوّنة للمجتمع.

كذلك هو الأمر بالنّسبة للهويّة العربية، حيث من الضروري التمييز بينها وبين ممارسات سياسية سيّئة جرت من قِبَل حكومات أو منظّمات أساءت للعروبة أولاً، وإن كانت تحمل شعاراتها. فالعروبة هي هويّة ثقافية جامعة لا تقوم على فكر عَقَدي محدّد، ولا على أسس عنصرية وإثنية ودينية، ولا تتحمّل نتائج ممارسات نظام أو حزب سياسي، وهي تستوجب تنسيقاً وتضامناً وتكاملاً بين العرب يوحّد طاقاتهم ويصون أوطانهم ومجتمعاتهم.

ما حدث ويحدث في العقود الأربعة الماضية (منذ منتصف عقد سبعينات القرن الماضي) يؤكّد الهدف الأجنبي بنزع الهويَّة العربية، عبر استبدالها بهويّة “شرق أوسطية”، بل حتّى نزع الهويّة الوطنية المحلّية والاستعاضة عنها بهويّات إثنية ومذهبية وطائفية، من أجل تسهيل السيطرة على الأوطان العربية وثرواتها.

المؤلم في واقع الحال العربي أنّ الأمَّة الواحدة تتنازع الآن فيها “هويّات” مختلفة على حساب الهويّة العربية المشتركة. بعض هذه الهويات “إقليمي” أو “طائفي”، وبعضها الآخر “أممي ديني أو عولمي”، كأنَّ المقصود هو أن تنزع هذه الأمَّة هُويّتها الحقيقية ولا يهمّ ما ترتدي من بعدها، من مقاييس أصغر أو أكبر في “الهُويّات”، فالمهمُّ هو نزع الهويّة العربية !

إنّ دائرة «الهُويّة العربية الحضارية» تعني الثقافة العربية ذات المضمون الحضاري الذي أخرج الثقافة العربية من الدائرتين العرقية والجغرافية، إلى الأفق الحضاري الواسع الذي اشترك في صيانته ونشره مسيحيون عرب ومسلمون من غير العرب، وهي دائرة تتّسع في تعريفها لـ”العربي”، لتشمل كل من يندمج في الثقافة العربية بغضّ النظر عن أصوله العرقية أو الدينية أو الإثنية.

وفي ظلّ هذا التعريف، ينضوي معظم من هم عربٌ الآن ولم يأتوا من أصولٍ عربية من حيث الدم أو العرق. فقد تفاعلت الأقليات الإثنية (الإسلامية والمسيحية) طيلة أكثر من 14 قرناً مع الثقافة العربية باعتبارها ثقافة حاضنة لتعدّدية الأديان والأعراق، ولا تتناقض مع أصول هذه الأقليات الإثنية، كما هو الأمر أيضاً على صعيد الطوائف الدينية المتنوّعة في المنطقة العربية والتي اعتبرت نفسها كجزءٍ من الحضارة الإسلامية رغم الاختلاف في الدين.

وصحيحٌ أنّ هناك خصوصياتٍ يتّصف بها كلُّ بلدٍ عربي، لكن هناك أيضاً أزماتٌ يشترك فيها كلّ العرب أو تنعكس آثارها على الكل، وأنّ “الرؤية العربية المشتركة” لأزمات الأمّة تتطلّب أولاً التسليم بوجود “هُويّة عربية” مشتركة، وبحسم المفاهيم الخاصّة بها وبعلاقتها مع كلٍّ من “الهُويّتين” الدينية والوطنية.

إنّ ضعف الهويّة الوطنية المشتركة هو تعبيرٌ عن فهمٍ خاطئ للانتماءات الأخرى. فالاعتقاد بمذاهب دينية مختلفة، أو الاعتزاز بأصول إثنية أو قبلية، هو ظاهرة طبيعية وصحّية في مجتمعاتٍ تقوم على التنوع وعلى الاختلاف القائم في البشر والطبيعة. لكن تحوّل هذا الاختلاف إلى خلافٍ عنفي وصراعاتٍ سياسية دموية يعني تناقضاً وتصادماً مع الحكمة في الاختلاف والتعدّد، فيكون المعيار هو محاسبة الآخرين على ما وُلدوا به وعليه، وليس على أعمالهم وأفكارهم. وهذا بحدِّ ذاته مخالفٌ للشرائع الدينية والدنيوية كلّها.

التهرب الضريبي ليس جريمة في لبنان


 عزة الحاج حسن

أحدثت "أوراق بنما" التي كشفت تورط مسؤولين سياسيين ومشاهير حول العالم في عمليات تهرب ضريبي، عاصفة من المواقف والإجراءات في عدد من الدول، وتم التعامل مع الأوراق على أنها فضائح "جرمية"، استُتبعت بسلسلة إستقالات من مناصب رفيعة.

بالنسبة إلى لبنان ورغم تسرب معلومات عن ورود أسماء 462 شخصاً وشركة "متورطين" في التهرب الضريبي، غير أن مفهوم التهرب الضريبي لا يمكن مقاربته لبنانياً بالطريقة نفسها التي تتم فيها مقاربة الفضيحة في كل من الولايات المتحدة الأميركية أو فرنسا على سبيل المثال.

من حيث المبدأ يُعد التهرب الضريبي- تحديداً في أميركا وأوروبا- جريمة، وقد استحدثت الولايات المتحدة الأميركية قانون الإمتثال الضريبي "فاتكا" ويهدف إلى منع دافعي الضرائب الأميركيين من التهرب الضريبي، من خلال استخدام المؤسسات المالية غير الأميركية وأدوات الاستثمار في الخارج، وتسعى أوروبا إلى تطبيق قانون "غاتكا" المشابه لقانون "فاتكا" على المستوى الأوروبي.

ولكن في لبنان التهرب الضريبي لا يعد جريمة، وفق المدير التنفيذي في "شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية" زياد عبد الصمد. فعدم تصريح المكلّف عن أمواله داخل لبنان وتخلّفه عن دفع الضرائب يعد جريمة، أما في حال استثمار المكلّف في أفريقيا أو أي منطقة أخرى من العالم، فإن ذلك لا يعد جريمة رغم اعتباره تهرباً ضريبياً. كذلك الأمر في حال عدم تصريح المكلّف عن أمواله الموجودة خارج لبنان في بنما مثلاً أو جنيف أو أي ملاذ ضريبي آخر فلا يحق للدوله التدخل ولا يُعد تهرباً ضريبياً أو مخالفة قانونية. ويرد عبد الصمد السبب، في حديثه إلى "المدن"، إلى وجود ثغرات في القانون وليس في الأشخاص ولاسيما غياب قانون ينظم مسألة التهرب الضريبي على غرار الولايات المتحدة.

يكمن الخلل الضريبي في لبنان في النظام الضريبي الذي يكرّس اللاعدالة الاجتماعية من جهة ويدفع رؤوس الأموال إلى ملاذات ضريبية منتشرة في العالم من جهة أخرى. ولا بد من إعادة توزيع الثروات عبر استحداث نظام ضريبي عادل في بلد لا يتجاوز حجم إقتصاده 50 مليار دولار أميركي ودين عام يفوق 70 مليار دولار في مقابل إرتفاع في موجودات المصارف إلى مستوى 180 مليار دولار. والحل وفق عبد الصمد، يكون في نظام ضريبي يضمن إعادة توزيع الثروات، "ومع الأسف، ما زلنا في لبنان ننظر إلى النظام الضريبي على أنه مورد مالي أساسي للدولة بينما يجب أن يكون مدخلاً لإعادة توزيع المداخيل بموازاة تعزيز مداخيل الدولة والطريقة هي توسيع قاعدة المكلفين بنسب متفاوتة".

وليس عدم إعتبار التهرب الضريبي بـ"المفهوم اللبناني" جريمة، يعني تشريعه وتشجيعه، بل على العكس، يسلّط الضوء على كيفية تفاديه وتوفير الكم الكبير من المداخيل الضريبية لحساب الخزينة العامة. فالتهرب الضريبي يحرم الدولة جزءاً من إيراداتها، وبالتالي تتقلّص خدمات الدولة، وتقع في خطأ التقصير تجاه المواطن. وبالنتيجة، يؤدي ذلك إلى زعزعة الثقة بين الدولة والمواطن، ما يدفعه إلى تجنب القيام بواجباته المالية تجاه الدولة، فيدخل النظام في حلقة مفرغة من عدم الثقة وعدم الاستقرار الضريبي.

انقلابات بغداد بين واشنطن وطهران



فارس الخطاب

انتشرت قوات النخبة الخاصة بمكافحة الإرهاب، إضافة إلى القوات الأمنية، معززة بالدبابات والمدرعات حول المنطقة الخضراء، وفي محيط مجلس النواب العراقي وسط بغداد، قبيل انعقاد جلسته يوم الثلاثاء الماضي، برئاسة سليم الجبوري وحضور رئيس الوزراء حيدر العبادي، من أجل إجراء التغيير الوزاري الذي تسبب، شهوراً، في إثارة فوضى وارتباك وسط العملية السياسية العراقية، وبين فئات متعددة من الشعب العراقي، كل بحسب انتماءاته وولاءاته.

وبمراجعة مجريات الأمور في بغداد عموماً، وفي المنطقة الخضراء تحديداً، خلال الأشهر القليلة الماضية، نجد أن حساباتٍ تكتيكية سياسية للدولتين الرئيسيتين المتحكمتين بشكل جوهري في العملية السياسية في العراق، الولايات المتحدة وإيران، بدت واضحةً من خلال تحرك الساسة العراقيين المتعاونين، أو المؤتمرين بأمر هذه الدولة أو تلك، وعلى خلفية التظاهرات التي خرجت في عدة مدن عراقية، وبلوغ الشعب مرحلة الإعياء من فقدان أسس الحياة الكريمة بحدودها الدنيا، تحسبت كل من طهران وواشنطن من لحظةٍ تاريخيةٍ فارقةٍ قد تقلب الأوضاع في هذا البلد، بالشكل الذي يفقدهما مساحات النفوذ الاستراتيجي فيه.

بدت واشنطن، وبشكل واضح، أنها تريد استعادة نفوذها في العراق، من خلال بوابة الإشراف العسكري على معارك الجيش العراقي ضد تنظيم "داعش"، بدءا من الرمادي، واستمراراً إلى الموصل، من خلال توافد آلاف من الخبراء والعسكريين الأميركيين إلى هناك، ثم عادت رحلة الشخصيات الرسمية الأميركية الكبيرة تعاود زياراتها إلى العاصمة العراقية، وإبداء اهتمامها بدعم حكومة العبادي، وتثبيتها أمام موجاتٍ قويةٍ قادمةٍ، ربما من الشرق الذي يظن أن الأخير بات أسير الإرادة الأميركية وحمايتها.
انتقل ضجيج التظاهرات والاعتصامات الشعبية، ليتحوّل إلى ضجيج صراع سياسي، شمل كل أركان العملية السياسية، وبشكل بدا وكأنه خارج عن أي حسابات، وظهر جلياً بعد تدخل مقتدى الصدر، لإستدراج المتظاهرين الغاضبين، نحو سراب سياسي ساذج، أعقبته حركة النواب الذين اعتصموا داخل قبة البرلمان، مطالبين بإقالة الرئاسات الثلاث، ثم سرعان ما تحولت إلى مطلب رئيسي واحد، خص به رئيس المجلس، سليم الجبوري؛ في إشارة واضحة لردة فعل مؤجلة حول نشاط الجبوري، ووجوده في مؤتمر الدوحة في سبتمبر/ أيلول 2015، ثم زيارته أخيراً إلى الرياض، ولقائه العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز.

تعتبر طهران أن محاولات واشنطن في تعزيز سطوتها على العملية السياسية في العراق، وتقليم الأظافر الإيرانية فيها، يهدد مشروع التشيّع السياسي الذي نجحت في ترويجه، وتدعيمه بشكل مستريح منذ عام 2003، إضافة إلى تأثيره الإستراتيجي على النفوذ الإيراني في العراق. وعلى هذا، كانت الاجتماعات الأخيرة لأقطاب هذا المشروع (التشيّع السياسي) في بيروت، وبتبنٍّ وتخويل تام من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، لزعيم حزب الله، حسن نصر الله، قد أفضت إلى أن أمن الثورة الإيرانية ومستقبلها مرهون ببقاء نفوذ "الشيعة السياسية" في العراق.

توحي حركة المسؤولين والسفراء الأميركيين والإيرانيين الخفية والمعلنة، في الأسابيع والأيام الماضية، بسعي لطرفين إلى إحداث انقلابٍ سياسي، يجعل أحدهما الأقدر على ضبط الأمور في العراق، قبل انفلاتها من عقالها، ولم تعد محاولات فؤاد معصوم وحيدر العبادي وسليم الجبوري وعمار الحكيم وأسامة النجيفي وصالح المطلك وهادي العامري وغيرهم، عبر ما سمي بـ "وثيقة الإصلاح" بديباجتها التي تؤكد على طبيعة نظام المشاركة الحالي في تقاسم السلطة في البلاد، كافية للقفز على تحرك القطبين المتصارعين، من أجل قلب الطاولة السياسية بشكل كامل ومباغت؛ فقد بدا واضحاً الموقف الأميركي الرافض إقالة سليم الجبوري، كما بدا واضحا أيضاً أسلوب الاحتواء الإيراني، من خلال تصريح أسامة النجيفي، بعد اجتماعه بسفير طهران في بغداد، حسن دنائي، عن دور إيراني في دفع الفرقاء العراقيين إلى التهدئة، وتوجّه إثره بالشكر لإيران "على مساعدتها القادة العراقيين في تجاوز أزمة البرلمان".

هناك انقلاب سياسي قادم في العراق، بعد أن تم استبعاد فكرة الانقلاب العسكري (الشكلي)، بسبب حجم (ونوع) التسلح الذي باتت عليه المليشيات الشيعية المرتبطة، أو غير المرتبطة بالحشد الشعبي، وما يمكن أن يسببه أي تغيير في نظام الحكم في العراق، من حمامات دم لا يملك أحد القدرة على إيقافها. ومن هنا، ستحاول واشنطن أن تطيل قدر المستطاع عمر الحكومة العراقية، أو العملية السياسية، حتى الانتخابات النيابية المقبلة عام 2018، ليبدو المنتخبون الجدد ممثلين للمعارضة العراقية بشكل كامل، وغير ملوثين بسجلات الدم والفساد التي ارتكبت بحق العراقيين 13عاماً، وستعمل طهران، من جهتها، على تكريس وجودها الآن وإحداث الانقلاب السياسي، قبل هذه الانتخابات، بعد أن بدأت تفقد بشكل ملموس انصياع الشباب العراقي لتوجيهات رجال الدين الشيعة، معتمدةً، في هذا، على كتل إيرانية الهوى والتنظيم، من أبرزها كتلة (بدر) النيابية، قائدها هادي العامري الذي قضى أغلب عمره في إيران، وحارب إلى جانبها ضدّ العراق، إضافة إلى أسماء وعناوين سياسية معدة سلفا في المطبخ الإيراني.

«دستة» نصائح للسيسي


عبد الحليم قنديل

ربما لا يصح لأحد أن ينكر إنجازات ملموسة للرئيس السيسي، فقد نجح في السيطرة على الوضع الأمني بتكلفة اجتماعية فادحة، وفي صياغة سياسة عربية وخارجية جديدة، وفي استعادة ركائز للاستقلال الوطني، وتقليص التبعية الموروثة للأمريكيين.

وفي رد اعتبار الجيش المصري، الذي أصبح العاشر عالميا، ومد حضوره بكامل هيئته، داهسا مناطق نزع السلاح في سيناء، وصولا إلى الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، واستئناف المشروع النووي المصري بعد توقف وتعطيل لأربعة عقود، وإنشاء ورش عمل هائلة بإشراف وإدارة هيئات الجيش، يعمل فيها قرابة المليوني مهندس وفني وعامل مدني، وشق فيها قناة سويس جديدة في وقت قياسي، وعجل بتطوير بنية أساسية لمنطقة قناة السويس الاقتصادية الصناعية، ومد شبكة طرق واسعة هي الأفضل من نوعها في تاريخ مصر، وأضاف محطات طاقة ومدن جديدة غاية في التطور، وأعطى دفعة كبرى لمشروعات تنمية غير مسبوقة في سيناء، ولمشروع استصلاح زراعي طموح يصل إلى مليون ونصف المليون فدان، وجلب استثمارات متنوعة، وعقد اتفاقا مع السعودية لبناء «الجسر البري»، وهو أعظم انقلاب استراتيجي في تاريخ المنطقة منذ نشأة كيان الاغتصاب الإسرائيلي عام 1948.

ولسنا من الذين ينكرون، ولا من الذين يهللون، فنحن لا ننكر إنجازا ملموسا مرئيا بالعين وباليد، وقد اكتفينا بذكر العناوين، وإن كانت إنجازات الأصول بطبعها من الاستثمارات الميتة، التي لا تظهر آثارها المنتجة إلا بعد سنوات، وهو ما يفسر جانبا من الأزمة النفسية والعصبية البادية على الرئيس، فأعصابه مشدودة دائما، ويكاد لا يتوقف عن العمل، ولا يخلد إلى نوم، لكنه لا يجد اعترافا مكافئا مناسبا بما يفعله، ولا يفتأ يعبر عن ضيقه من إنكار إنجازه، ومن التعتيم عليه، وقد يكون للرئيس بعض الحق والعذر في شعوره، لكنه لا يلتفت بما فيه الكفاية إلى خلل جوهري في حكمه حتى الآن، فهو رجل إنجاز بلا مراء، لكن إنجاز الرئيس يبدو بلا انحياز للفقراء والطبقات الوسطى، والأخيرون هم أغلبية الشعب المصري، ويشكلون ما يصل إلى تسعين بالمئة من المصريين، ولا تبدو إنجازات السيسي بطبعها طويل الأمد، ذات أثر إيجابي فوري مباشر في حياتهم، وأحوالهم المعيشية تزداد سوءا، والرئيس يبدو بعيدا عن همومهم، بل منحازا ضدهم كثيرا بإجراءاته الاقتصادية والاجتماعية القاسية، وهو ما يهبط بشعبية السيسي، ويعزله عن القطاع الأوسع من المصريين، وهذه حالة لا يبدو الرئيس مستعدا للاعتراف بها، بل يحمل المسؤولية للإعلام، الذي ينشر الإحباط واليأس في رأيه، ولا جدال في فوضى الإعلام المصري وبؤسه، لكنه يدار غالبا من أجهزة أمن ومليارديرات لا يعاديهم الرئيس، وقد سيطروا على البرلمان بعد الإعلام، وعلى الجهاز الحكومي والإداري في غالبه، وزادوا في مأزق الرئيس وحيرته، بل زحف بعضهم إلى خانة مستشاريه ومقربيه، وهو ما فاقم من أزمته، المهتم بإنجازات تجرى على طريقة المقاولات، وبدون صوغ سياسة ظاهرة مقنعة بدعوى الخوف من «أهل الشر»، والأخير تعبير أخلاقي غامض، يلجأ إليه الرئيس في العادة، ويترك تفسيره للأهواء، مع أن الإرهاب ينحسر إلى نقطة لا تكاد ترى على خريطة مصر في أقصى شمال شرق سيناء، ومع أن الإرهاب ليس الخطر الأهم على بنية الدولة المصرية، بل الفساد أخطر من الإرهاب، والأخطر هو التخبط التائه في السياسة، أو ـ بالأحرى ـ غياب السياسة، وهو الغياب الذي تتراكم بسببه المشكلات فوق المحن، وتكاد تغلق الطريق على نهوض تستحقه مصر، وعلى نجاح ممكن جدا للسيسي. وحتى لا تتوه القضية في انطباعات عمومية، فقد نقترح على الرئيس دستة إجراءات عاجلة، أو ربما دستة نصائح في خمسة اتجاهات، إن كان لا يجد حرجا في قبول النصيحة على النحو التالى بيانه: فقد نقترح على الرئيس ـ أولا ـ أن يراجع الموازين المختلة في معادلة الأمن والحريات، فلا جدال في أهمية ضمان الأمن، ولكن بدون مبالغات وفظاظات تحطم حيوية البلد، فليس بوسع الإرهاب أن ينتصر أبدا في مصر، وما من مبرر لتخويف المصريين بمصائر العراق وليبيا وسوريا واليمن والصومال وغيرها، فمصر نسيج مختلف عظيم التجانس، ولها شعبها وجيشها الحافظ الحارس بعناية الله، لكن تغول قمع أجهزة الأمن الداخلية يدهس المصريين، ونقص حرفيتها وكفاءتها يصنع المآسي والفضائح، وأجهزة الأمن تحتاج إلى إصلاح جوهري، يتجاوز مجرد تغيير وجوه قادتها كما فعل الرئيس مرارا، ويركز على إعادة هيكلتها بصورة شاملة، وعلى نحو يكفل تطهيرها من العاجزين والفاسدين، ويحل العلم والتكنولوجيا والتدريب الراقي والحساب الدقيق محل الممارسات العشوائية البائسة، خاصة أن عددا لا بأس به من الأجهزة يتصرف بطريقة ثأرية وانتقامية، ويسعى لنشر مظلة التخويف العام، على نحو ما كان قبل الثورة الشعبية، وهو ما خلق حالة خطرة من الاحتقان السياسي والاجتماعي لا لزوم لها، وذهب بعشرات الألوف من المصريين إلى السجون السياسية، وراكم مظالم مفزعة للضمير الإنساني، اعترف بها الرئيس نفسه مرارا، ووعد بإخلاء سبيل المظلومين، ولم يفعل سوى مرات قليلة عابرة، لا تفي بالمطلوب الآن وليس غدا، فالمطلوب ببساطة، وبغير لف ولا دوران، هو وضع خط أحمر فاصل بين الإرهاب والسياسة، وتعديل قانون التظاهر المطعون عليه أمام المحكمة الدستورية العليا، والمبادرة بقرار رئاسي إلى إخلاء سبيل شامل لعشرات الآلاف من المحتجزين في غير تهم العنف والإرهاب المباشر، واتخاذ إجراءات «جبر ضرر» شامل لأسر ضحايا الصراع السياسي في سنوات ما بعد الثورة إلى الآن، وبغير تمييز ولا استثناء سياسي، فدم المصريين السلميين كله حرام، مع التعجيل بإصدار قانون الإعلام الموحد، ومنع الحبس في قضايا النشر، ووقف تدخل أجهزة الأمن و»المصادرات المكتومة» للصحف.

وقد نقترح على الرئيس ـ ثانيا ـ إجراء عملية تطهير شامل لجهاز الدولة، وكنس الفساد بالجملة، وليس الوعد بمحاربته بالقطعة، فالفساد في مصر ليس مجرد ظاهرة عامة، ولا هو انحرافات متفرقة، بل نظام حكم متسلط، جوهره التحالف بين البيروقراطية الفاسدة ومليارديرات المال الحرام، وقد اقترحنا على الرئيس ـ أول حكمه ـ أن يجري ما سميناه «مذبحة مماليك»، وعلى طريقة ما فعل محمد علي في نهوض مصر الحديثة الأول، وما فعل جمال عبد الناصر في أزمة مارس 1954، ولم يفعل الرئيس، وواصل تردده إلى الآن، وهو ما فاقم من خطورة الوضع، وجعل النظام متآمرا على الرئيس نفسه، وأدى لسيطرة المماليك من أجهزة الأمن وجماعة البيزنس على المشهد في غالبه، وبصورة جعلت الرئيس في وضع الأسير لمصالح مسيطرة، أعجزته عن اتخاذ إجراءات ملموسة لتصفية الفساد، والمبادرة إلى التصحيح، ورد الأموال المنهوبة، بل جعلته قفازا تحتمي به، وتتقدم لاحتواء الأجهزة الرقابية، وتحطيمها بعد تدجينها، وعلى طريقة ما جرى ويجري في الجهاز المركزي للمحاسبات، وفي العبث بقوانين الكسب غير المشروع، وإجراء «مشالحات» يسمونها مصالحات، وشل مبدأ المحاسبة، والتلهي بتكوين لجان ينتهي عملها دائما إلى نتيجة صفرية، فلم تسترد الدولة شيئا من قيمة الأراضي المنهوبة، التي وصلت بحساب الدفاتر الرسمية إلى تريليون جنيه مصري في المجتمعات العمرانية وعلى الطرق الصحراوية، وبحساب النهب الشامل و»المصمصة» إلى تريليونات فوق طاقة الحصر والعد.

وقد نقترح على الرئيس ـ ثالثا ـ أن يلتفت إلى قيمة العدالة، فالعدل أساس الملك الصالح، وقد ضاعت قيمة العدالة بالكامل في سنتي حكم الرئيس إلى الآن، وزاد الفقراء فقرا، وضاعف الأغنياء من تكدس ثرواتهم، في بلد يملك واحد بالمئة من سكانه نصف إجمالي الثروة الوطنية، فيما لا تملك أغلبية التسعين بالمئة من المصريين سوى فتات ربع الثروة، وقد نتفهم حالة الاقتصاد المعتل، والعجز المخيف في الموازنة العامة، وعجز الدولة عن توسيع الإنفاق الحكومي، وكل ذلك مفهوم ومقدر، لكنه لا يبرر أبدا غياب العدالة الاجتماعية بالمطلق، ولا غياب العدالة في تحمل وتوزيع الأعباء، وتحميل الفقراء والطبقات الوسطى تكلفة عجز الدولة الناهبة المنهوبة، واستسهال خفض دعم الطاقة وفاء لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، وجعل حياة غالبية المصريين جحيما فوق الجحيم الذي يعيشونه، بينما يلجأ الرئيس إلى تدليل مليارديرات المال الحرام، الذين خذلوه في تجربة صندوق «تحيا مصر»، ويحرقون الأرض من تحت أقدامه، ويشعلون جنون الدولار، ويهربون المليارات إلى الخارج، ولا يدفعون القليل المستحق عليهم من ضرائب، بل يخضع لهم الرئيس في قراراته، ويلغي قرارات الضريبة الاجتماعية وضريبة أرباح البورصة، ويخفض الحد الأقصى لشرائح ضريبة الدخل إلى 22.5 ٪ لا غير، بينما يصل الحد نفسه في الدنيا الرأسمالية كلها إلى الضعف على الأقل، فوق أنه بوسع الرئيس اتخاذ إجراءات عدالة لا تكلف الدولة مليما، من نوع تعيين الشباب المتفوقين المستحقين في وظائف القضاء التي حجبت عنهم ظلما، وإنصاف ضحايا مذبحة القضاة الأخيرة.

وقد نقترح على الرئيس ـ رابعا ـ أن «يصبح على مصر بمصنع»، وليس بملاعب غولف ولا بمارينا يخوت ومنتجعات وفنادق على طريقة مدينة «جبل الجلالة» التي يتفاخر بها، فالتصنيع هو الحل في مصر، واقتصاد الانتاج وفرص العمل والتكنولوجيا هو المطلوب، وتعبئة الموارد للتصنيع هي الأولوية المطلقة في أي نهوض، ونقطة البدء في نسج روابط «العروة الوثقى» بين الصناعات العسكرية والمدنية، وبناء مجمع صناعي جديد، يربط مصانع الإنتاج الحربي و»الهيئة العربية للتصنيع» بمصانع القطاع العام المتوقفة، وتوجيه طاقة ورش عمل الجيش والاكتتاب الشعبي العام إلى هذه الغاية قبل وفوق سواها. وقد نقترح على الرئيس ـ خامسا ـ أن يطور سعيه لاكتساب الاستقلال الوطني، وأن يطلب تعديل معاهدة العار المعروفة باسم معاهدة السلام مع «إسرائيل»، وتفكيكها تدريجيا، وهذه قصة طويلة قد نعود إليها في مقام آخر.

بصمت، إسرائيل تنفذ مشروع E1: لا دولتين ولا عاصمة


عبد الرؤوف أرناؤوط

استحق مشروع E1 (إي وان) الاستيطاني لقب وصفه بالأخطر منذ الاحتلال الإسرائيليّ للقدس في العام 1967، لأنه يمتدّ على أرضٍ مساحتها 12443 دونماً من أراضي قرى الطور، عناتا، العيزرية، وأبو ديس في شرق القدس، ويهدف إلى إقامة 4000 وحدة استيطانية و10 فنادق ومنطقة صناعية. فهو يربط الكتلة الاستيطانية "معاليه ادوميم" الواقعة في شرق القدس الشرقية بالقدس الغربية، جغرافياً.

وقد حدّد خليل التفكجي، وهو مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" لـ "السفير" أربعة أسبابٍ جعلت هذا المخطط الاستيطاني، رغم قصر اسمه، الأخطر على الإطلاق: "أولاً، يغلق المنطقة الشرقية من القدس بشكلٍ كامل ويطوّق المناطق (عناتا، الطور، حزما) بحيث تُحرم من أيّ إمكانية توسّع مستقبلية باتجاه الشرق. ثانياً، يمنع إقامة القدس الشرقية (كعاصمة لفلسطين) ويعيق إمكانية تطورها باتجاه الشرق. ثالثاً، يربط جميع المستعمرات الواقعة في المنطقة الشرقية وخارج حدود بلدية القدس مع المستعمرات داخل حدود بلدية القدس، وبالتالي يحوّل القرى العربية إلى معازل محاصرة بالمستعمرات. ورابعاً، فإن من شأنه أن يقيم القدس الكبرى بالمفهوم الإسرائيلي، بحيث تعادل مساحتها نسبة 10 في المئة من مساحة الضفّة الغربيّة، ما يحدث تغييراً جذرياً في قضية الديموغرافيا الفلسطينية للصالح إسرائيل".

تقطيع القدس وتفخيخها بالأسمنت
يشرح وزير شؤون القدس ومحافظ مدينة القدس المهندس عدنان الحسيني لـ "السفير" أن "الهدف من هذا المشروع الاستيطاني هو توسيع مستوطنة معاليه أدوميم باتجاه القدس الغربية على حساب مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، بحيث تصبح القدس الشرقية، التي من المفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية، بلا متنفّس ومعزولة عن باقي أنحاء الضفة الغربية". ويضيف الحسيني: "هو سورٌ استيطاني جديد. فقد أقامت الحكومات الإسرائيلية مستوطنات على أراضي المدينة، وهي تعمل الآن على ربطها ببعضها لعزل القدس شرقاً وشمالاً وجنوباً بالإضافة إلى الاستيطان في داخل المدينة. فتصبح مشوهة بهذه الكتل الإسمنتية الاستيطانية، وهي استراتيجية وضعتها إسرائيل منذ فترة طويلة".

أما جمعية "عير عاميم" ("مدينة لشعبين" بالعبرية) الإسرائيلية فقد وصفت المشروع بأنه "المسمار الأخير في نعش حلّ الدولتين"، وقالت أن "من شأنه أن يدق إسفيناً بين القدس الشرقية والضفة الغربية، ويكسر التواصل الجغرافي المطلوب بين الأراضي لإقامة الدولة الفلسطينية، ويقسم الضفة الغربية إلى كانتونين شمالي وجنوبي".
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين قد طالب إعداد هذا المخطط الاستيطاني في العام 1994، وصودق على المشروع للمرة الأولى في العام 1997 من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إسحق مردخاي. ولكنه جوبه برفضٍ فلسطينيّ ودوليّ واسع تجاوبت إسرائيل معه بأن أعلنت عن تجميده في العام 1999.
ولكن دائرة شؤون المفاوضات في "منظمة التحرير الفلسطينية" عادت وكشفت أن الإدارة المدنية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية صادقت في العام 2002 على الخطة الهيكلية العامة لتنفيذ مشروع المنطقة (إي وان)/ ومن ثم تعهّد وزير الجيش الإسرائيلي آنذاك بنيامين بن اليعزر للإدارة الأميركية بعدم تنفيذ هذه الخطة.
وأكّدت دائرة المفاوضات في تقرير حصلت "السفير" على نسخةٍ منه أن إسرائيل قدّمت هذه التأكيدات إلى الإدارة الأميركية في ربيع العام 2005 وفي صيف 2009، غير أنها استدركت: "على الرغم من ذلك، فقد باشرت وزارة الإسكان والبناء الإسرائيلية في شهر تموز 2004 بعلميات البناء الأولى في منطقة "إي وان" تحضيراً لشقّ طرقٍ جديدة ولتجهيز الموقع لمركزٍ جديدٍ للشرطة. وقد أكملت إسرائيل منذ ذلك الوقت بناء مركزين للشرطة، يقع أولهما في المنطقة الواقعة بين قرية الزعيم وبلدة عناتا، بينما يقع الثاني في الطرف الشرقي من منطقة "إي وان" على الطريق رقم 1، المحاذي لمستوطنة معاليه أدوميم".

الغرب: قلقٌ ومراقبة
أكّد ديبلوماسيون أوروبيون وأميركيون لـ "السفير"، في أحاديث منفصلة، أنهم يتابعون عن كثب سير الأمور على الأرض في هذه المنطقة تحسّباً لمفاجآت إسرائيلية. وعلمت "السفير" أن البعثات الديبلوماسية الأوروبية في القدس ورام الله أوردت في تقريرٍ سريّ أنه "لا يزال هناك قلق حول المناطق التي تم تصميمها لمزيد من التوسّع الاستيطاني، مثل منطقة (إي وان) الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم. على هذا المستوى، حضرت منذ فترة طويلة خطةٌ لبناء مستوطنةٍ جديدة تضم حوالي 3500 وحدة إستيطانية جديدة تضمّ حوالي 14500 مستوطن /ة. وتتضمن الخطة تشييد منطقة صناعية، مركز للشرطة، بنية تحتية نطاقها واسع، ومرافق للتنمية التجارية والترفيهية".

وأضافت البعثات في تقريرها: "في العام 2008، انتقل مقر الشرطة الإسرائيلية الخاص بمنطقة الضفة الغربية إلى "إي وان". إن تنفيذ المشروع لن يقسّم فقط الضفة الغربية إلى شمالٍ وجنوبٍ، ولكنه أيضاً، عبر تأمين الإتصال ما بين المستوطنات والقدس، يشكّل الخطوة النهائية لعزل القدس الشرقية جغرافياً عن باقي الضفة الغربية".

كان مركز الشرطة الإسرائيلية لمنطقة الضفة الغربية يقع في حيّ رأس العامود المطلّ على المسجد الأقصى، قبل التوصّل إلى صفقة مع عرّاب الاستيطان في القدس الشرقية الثري اليهودي الأميركي إيرفينغ موسكوفتش، والتي بموجبها تم منح المقرّ له بهدف تحويله إلى مستوطنة، مقابل تمويل إقامة مركز الشرطة الإسرائيلية".

وبالنسبة إلى الكثيرين، فإن مركز الشرطة الإسرائيلية الواقع على رأس تلّة في منطقةٍ ما بين مستوطنة "معاليه ادوميم" والقدس الشرقية، هو شاهدٌ رئيس على أن المشروع الاستيطاني الأوسع قد ينفذ في أيّة لحظة. وإن كان نقل مقرّ الشرطة الإسرائيلية غير كافٍ لتأكيد ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية استثمرت ما يعادل 52 مليون دولار أميركيّ لتجهيز البنية التحتية داخل المنطقة (إي وان)".

نظاما مواصلات مفصولان:
إسرائيل تنفّذ
تتابع جمعية "عير عاميم" الخطوات التمهيديّة للمشروع بدقّة. بناء على مراقبتها، تلفت إلى أنه "في العام 2003، تم افتتاح نفق جبل المشارف ليشق طريقاً جديداً من القدس إلى معاليه ادوميم. طريق الحزام الشرقي سيخدم المستوطنات شرق القدس وخارج جدار الفصل ليسهّل الربط مع المدينة. وقد تمت المصادقة على معظم مقاطع طريق الحزام الشرقي، ويتوقع أن تتم المصادقة على المقطع الأخير في المستقبل القريب".

وشرحت: "أن افتتاح المقطع الشمالي من طريق الطوق الشرقي سيمكّن من دفع مخططات بناء "إي وان" من خلال إقامة نظامي مواصلات منفصلين للفلسطينيين والإسرائيليين في شرق القدس، وإغلاق منطقة "إي وان" أمام المركبات الفلسطينية".
وفي هذا الصدد، قالت دائرة شؤون المفاوضات في "منظمة التحرير الفلسطينية" إن هذه الدلائل وغيرها، مثل اللافتات التي وضعت على طول الطريق رقم (1) والتي كتب عليها "أهلا بكم في مافيسريت أدوميم" (وهو اسم المستوطنة السكنية الجديدة المقرر إقامتها في منطقة "إي وان")، تشي بأن بناء الوحدات السكنية الاستيطانية داخل هذه المنطقة بات وشيكاً".

وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر أمراً عسكرياً في أيلول /سبتمبر 2007 يقضي بمصادرة 1128 دونماً من الأراضي الفلسطينية الواقعة بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه ادوميم، تعود ملكيتها لمواطنين من قرى أبو ديس، السواحرة، النبي موسى، والخان الأحمر، بهدف شقّ "طريقٍ بديل" للفلسطينيين يربط المناطق الجنوبية في الضفّة الغربية بالمناطق الشرقية والشمالية منها، ما يحول دون دخول الفلسطينيين إلى القدس الشرقية ويؤمّن التواصل الجغرافيّ ما بين معاليه ادوميم والقدس الغربية.
يعلّق الحسيني: "هم يعدّون العدّة للبناء بدءاً من البنى التحتية ونقل مقر قيادة الشرطة الإسرائيلية. يعملون على شقّ الطرق خاصة بالمستوطنين وعزل الفلسطينيين عن أراضيهم عبر طرقٍ بديلة، وستكون إقامة 3500 وحدة استيطانية في المنطقة المرحلة الأولى من المشروع".

ولكن الأمر لا يتوقف على البنى التحتية، إذ كشفت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية والمختصة بمتابعة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية، أن الحكومة الإسرائيلية تعدّ العدّة للبناء. ففي شهر تشرين أول /أكتوبر 2013، أصدرت وزارة البناء والإسكان مناقصات لبناء عشرات آلاف الوحدات الإستيطانية في الضفّة الغربيّة، بما فيها آلاف الوحدات الاستيطانية في المنطقة "إي وان". على إثر ذلك، وجّهت الدول الغربيّة انتقاداتٍ حادّة لهذا المشروع، ما أقنع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بالإعلان عن إلغاء هذه المناقصات. وتزامن ذلك مع تلويح الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية في حال شروع إسرائيل بالبناء في "إي وان"، معتبراً ذلك نهاية مشروع حلّ الدولتين.

ولكن، أظهرت معلومات حصلت عليها حركة "السلام الآن" أن وزارة البناء والإسكان، بعد عامٍ واحد فقط من إلغاء مناقصات 2013، أيّ في تشرين الثاني /نوفمبر 2014، قد عيّنت من دون اللجوء إلى الإعلان أو المناقصات، مهندسين للعمل على العديد من الخطط التي حُكي عن إلغائها، بما فيها "إي وان". ولفتت إلى أن "منطقة معاليه أدوميم و"إي وان" هي واحدة من أكثر المناطق حساسية في ما يتعلق بفرص حل الدولتين"، وقالت إن "الاستيطان الإسرائيلي في "إي وان" سيقسم الضفّة الغربية إلى نصفين، ويمنع التواصل الجغرافيّ للدولة الفلسطينية المستقبلية. ولهذا، فكلما أعلن مسؤول إسرائيلي عن دفع مخططات البناء في "إي وان"، يدينها المجتمع الدولي بشدّة".

مئة ألف مستوطن /ة
كشفت اوراق حركة "السلام الآن" أن وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية تعمل بصمتٍ على خطط لبناء 8372 وحدة استيطانية في منطقة "إي وان" بما يشمل "مواصلة العمل على خطط تمت المصادقة عليها للمراجعة من قبل الجمهور في كانون الأول /ديسمبر 2012 لبناء 1262 وحدة استيطانية في "إي وان" جنوب، و2340 وحدة استيطانية في "إي وان" شرق، وإعداد مخطّطٍ جديد لبناء 1000 وحدة استيطانية في "إي وان" شمال، والتحضير لخطة بناء 270 وحدة استيطانية جديدة في "إي وان" غرب".

وإلى ذلك، أضافت معلومات "السلام الآن": "في العام 2011، وظفت وزارة البناء والإسكان مخططين لإعداد خطة لبناء 1000 وحدة لقبيلة البدو "الجهالين" بهدف إخلائهم من منطقة معاليه أدوميم و"إي وان" ونقلهم إلى قرية مخططة".

ويشير مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" خليل التفكجي إلى أن "مستوطنة معاليه أدوميم تعتبر أكبر المستوطنات في الضفة الغربية وأول بلدية استيطانية أعلنتها السلطات الإسرائيلية، فتبلغ مساحة مخططها 35 كيلومتراً مربعاً ويعدّ سكانها 32 ألف مستوطن /ة". وقال: "إذا ما تم ضم كتلة معاليه أدوميم المكونة من ثماني مستوطنات (كيدار، معاليه أدوميم، إي وان، ألون، كفار أدوميم، علمون، نفي برات، والمنطقة الصناعية مشور أدوميم) تصبح مساحة الأرض المضمومة 191 كيلومتراً مربعاً، جاهزة لإستيعاب ما يزيد عن 100 ألف مستوطن".

ويرى التفكجي أن ثمّة صلة ما بين هذا المخطط وبين مخطط 2020 الذي رسمته الحكومة الإسرائيلية بعدما بلغت نسبة العرب في القدس، بشطريها الشرقي والغربي، 35 في المئة من السكان، وسط تقديرات بارتفاع هذه النسبة إلى 55 في المئة من المجموع العام للسكان في العام 2040.

وقال التفكجي: "المخطط 2020 بكلّ أبعاده السياسية والتخطيطية، يطرح هدفاً واحداً وهو تقليص الوجود الفلسطيني في المدينة، خاصة خلال هذه المرحلة المصيرية التي تمرّ بها قضية القدس. إذ يخصص فائض الوحدات السكنية ومساحات التطوير للجانب اليهودي بهدف جذب سكان جدد ومنع الهجرة وتقليص عدد السكان الفلسطينيين".

ويختم الحسيني حديثه لـ "السفير" بالقول: "هو احتلالٌ بلطجيّ لا يسمع للعالم ولا يأبه لما يقوله العالم، وفي الوقت ذاته، فإن العالم يكتفي بالإدانة والاستنكار والشجب فيما الاحتلال يعمل على الأرض. لا بد أن يستخدم العالم لغة العقاب ضد هذا الاحتلال إذا أراد فعلا السلام والاستقرار في هذه المنطقة من العالم".

الحريري للسنيورة: أنا الزعيم!


 

ليس الحديث عن "صراع أجنحة" داخل "تيار المستقبل" جديدًا، خصوصًا في ضوء تجارب السنوات القليلة الماضية التي أظهرت "قطبَي التيار"، سعد الحريري وفؤاد السنيورة، في موقعي "النقيض"، وأوحت وكأنّهما لا يلتقيان، لا في السراء ولا في الضراء.
وإذا كان المعنيّون يهربون في معظم الأحيان من هذا الواقع عبر اللجوء إلى نظرية "توزيع الأدوار" المبتكَرة، رغم أنّ الصراع كان يشتدّ تارةً ويخفّ تارةً أخرى، فإنّ الأكيد أنّ مثل هذه النظرية لم تعد مجدية اليوم، بعدما أصبح "تمايز" الحريري والسنيورة على كلّ شفة ولسان...

أراد أن يكحلها فعماها؟!
لا شكّ أنّ المدير العام لهيئة "أوجيرو" عبد المنعم يوسف لا زال يثير الجدل، حتى بعد "رفع الغطاء" عنه كما توحي كلّ المؤشرات. فالرجل، المحسوب على رئيس كتلة "المستقبل" فؤاد السنيورة، استطاع أن "يفجّر" الخلاف داخل التيار "الأزرق"، و"يفضح" عمليًا صحّة كلّ ما كان يُحكى عن "أجنحة" وما شابه.
في جلسة لجنة الإعلام والاتصالات الأخيرة، سمع يوسف ما لم يتوقع يومًا أن يسمعه أمام مرأى ومسمع الجميع، وهو الذي كان يعتقد أنّه "محصَّنٌ حتى العظم"، ولا يمكن أن تحوم حوله لا عشرات ولا مئات علامات الاستفهام والريبة كما قال الوزير وائل أبو فاعور. لكنّ اتهامات وزير الصحّة لم تصدم يوسف، فـ"الصدام" بينه وبين "الحزب التقدمي الاشتراكي" ليس جديداً، ولكنّ "المفاجأة" كانت بـ"الصمت المطبق" الذي لاذ به نواب "المستقبل"، أولئك الذين لطالما صنّفوه "خطاً أحمر"، وزاد "ذهوله" لدى سماعه تصريحاً لأحد هؤلاء يصنّفه على أنّه "متهمٌ حتى تثبت براءته"، لا العكس.
وإذا كان السنيورة حرص على تضمين بيان "الكتلة الزرقاء" دفاعاً عن يوسف بوصفه أحد "الشرفاء" والقول أنّه "حصل على أكثر من 120 براءة قضائية"، فإنّه يكاد ينطبق عليه مثل "أراد أنْ يكحلها فعماها"، لأنّه بهذا البيان، وبعد أداء نواب "المستقبل" داخل لجنة الإعلام بالتحديد، أثبت نظرية "صراع الأجنحة"، سواء قصد ذلك أم لم يقصد، خصوصًا أنّ كلّ المعطيات تؤكد بما لا يقبل الشكّ أنّ رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري أبلغ المعنيّين أنّه "نفض يده" من يوسف، وأنّه لا يمانع "التضحية به"، خصوصًا بعدما أصبح أقرب إلى "العبء" بالنسبة إليه في ضوء كلّ المشاكل التي افتعلها مع كلّ الأطراف دون استثناء، حتى أنّ بعض المعلومات تتحدّث عن أنّ هذه المشاكل وصلت إلى الحريري شخصياً، ولم تعد تقتصر على الأحزاب الحليفة والصديقة.

من يحاصر السنيورة؟!
عمومًا، إذا كانت قضية عبد المنعم يوسف بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير" بين الحريري والسنيورة، فإنّ ما لا شكّ فيه هو أنّها لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكماتٍ كثيرة، بدأ يشعر معها رئيس "كتلة المستقبل" أنّ هناك من يريد "محاصرته" بشتّى الأساليب والطرق.
وإذا صحّ ما يُحكى عن "تخلي" التيار "الأزرق" عن عبد المنعم يوسف، فإنّ الأخير لن يكون "رجل السنيورة الوحيد" الذي يُرفَع الغطاء عنه في فترةٍ وجيزة. ويذكر اللبنانيون جيّداً في هذا السياق تجربة النائب خالد الضاهر، الذي أخرِج من عباءة "كتلة المستقبل"، بعد سلسلة "الاستفزازات" التي قام بها، وحفلات "التحريض" التي كان "بطلها"، بتوجيهٍ من السنيورة نفسه وتنسيقٍ كاملٍ معه، كما أقرّ الضاهر نفسه في إحدى المرّات.
ويُعتبَر وزير العدل المستقيل أشرف ريفي هو الآخر من "رجال السنيورة" الذين خرجوا أو أخرِجوا من "تيار المستقبل" بالطريقة نفسها، أي نفض "الشيخ سعد" ليده منهم، بعد تحوّلهم لـ"عبء" بالنسبة إليه، ولعلّ "المزايدات المتبادلة" بينه وبين ريفي خير دليلٍ على ذلك، "مزايداتٌ" كان لافتاً أنّ السنيورة "نأى بنفسه" بالكامل عنها، وفي "نأيه" أكثر من رسالة لا تميل بطبيعة الحال لاتجاه الحريري، لا من قريب ولا من بعيد.

هل يلحق برجاله؟
لم تعد القصة بين الحريري والسنيورة مجرّد قصة "تمايز صحّي"، ولا يمكن اختزالها بـ"توزيع أدوار" بلا مقوّمات ولا مبرّرات. فهناك "حصار" حقيقي يتعرّض له السنيورة من الدائرة الضيّقة المحيطة بالحريري، يربطه الكثيرون بـ"طموحات" السنيورة التي يريد الحريري أن يضربها بمهدها، موجّهاً له رسالة بعنوانٍ واضحٍ لا يحتمل اللبس، ألا وهو "أنا الزعيم".
ويبقى السؤال، هل يرضخ السنيورة ويرطّب الأجواء كما درجت العادة، أم أنّ الأمر سيختلف بعد انكفاء معظم رجاله، ليصبح اللحاق بهم ضرورة لا نقاش بشأنها؟!

قيادات في حزب الله هربت أبنائها إلى أوروبا لمنع إرسالهم إلى سوريا



برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة "هروب" الشبان اللبنانيين الشيعة إلى أوروبا، وذلك رفضاً لإجبارهم على الانضمام لمليشيات حزب الله، التي تقاتل إلى جانب قوات الأسد في سوريا.

وأكد الصحفي "محمد الحمادي" المقيم في فرنسا أن حالة الهروب من لبنان، خصوصاً من أبناء الطائفة الشيعية، "بدأت تظهر في بداية العام الماضي، بعد أن أيقن المقربون من حزب الله بأن الحرب لا تتعدى الدفاع عن بشار الأسد، وهي محرقة حقيقية لأبنائهم".

ولفت "الحمادي" وفق موقع "عربي21" إلى الأنباء الواردة تباعاً عن قيام قيادات عليا في الحزب بتهريب أبنائها إلى أوروبا؛ حفاظاً على حياتهم، بعدما اعتبر زعيم الميليشيا "حسن نصر الله" هذه الحرب مسألة وجود، وأنه ماض فيها حتى النهاية، وهو ما كلف الطائفة مئات القتلى والجرحى.

من جانبه، قال الشاب اللبناني "محمد عباس" المقيم في بلجيكا حالياً: "كنت أقطن مع عائلتي في احدى بلدات سهل البقاع اللبناني، وبعد قرار حزب الله تجميع كافة شبان القرى الشيعية، وإخضاعهم لدورات تأهيلية للانضمام للمعارك المشتعلة في سوريا، اتفقت مع مجموعة من الأصدقاء بموافقة عائلاتنا الهروب إلى أوروبا، وتقديم اللجوء في إحدى دول الاتحاد الأوروبي".

وتابع عباس: "قامت عائلاتنا بتأمين مبالغ مالية لنا لنتمكن من السفر؛ إذ يحتاج الفرد منا لسبعة آلاف دولار كحد أدنى للوصول إلى أوروبا، عبر بعض المهربين المختصين بعمليات التزوير، وبالفعل انطلقت رحلتنا من مطار بيروت، وصولا إلى بيلاروسيا، وهناك أقمنا بضعة أيام، وكان الاتفاق بعدها على حجز تذكرة العودة إلى لبنان بطريقة الترانزيت، لنستطيع الوصول إلى مطار شارلي ديغول في باريس".

ويلفت الموقع إلى أن الشاب اللبناني ومجموعة من أصدقائه الذين لا يتجاوزون سن الـ22 عاما، قاموا بتقديم طلبات اللجوء داخل الأراضي الفرنسية، ما استدعى إبقاءهم في منطقة الانتظار داخل مطار باريس، المعروفة باسم “زابي3″، لمدة 20 يوماً، خضعوا خلالها لتحقيقات مكثفة عن أسباب هروبهم من حزب الله، وبعد نهاية التحقيقات، سمح لهم بدخول الأراضي الفرنسية، وتقديم اللجوء في الدولة الأوروبية التي يرغبون.

وعن أسباب الهروب من حزب الله واللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي، أجاب عباس أن "الكثير من الشبان الشيعة هربوا من لبنان خلال سنوات الحرب في سوريا، منهم من غادر إلى إفريقيا، ومنهم من توجه إلى أمريكا الجنوبية، ومنهم من قرر اللجوء في أوروبا؛ بسبب رفض سياسات الحزب بالتدخل في الشأن السوري من جهة، وخوف الكثير من العائلات من مقتل أبنائهم أمام قوة الثوار والجهاديين السوريين، فضلا عن تحويلنا لوقود يشعل النار الطائفية بين الشيعة والسنة خدمة لمشروع إيران، بإعادة أمجاد الدولة الفارسية".

يشار أن معهد واشنطن للدراسات في وقت سابق إحصائية تناولت خسائر ميليشيا "حزب الله" في سوريا، واعتمدت الدراسة في مصادرها على وثائق إيرانية، وقامت بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية، وذلك بسبب انعدام المصادر اللبنانية.

وتؤكد الدراسة المنشورة بتاريخ 22 شباط الماضي، الى أنه في الفترة ما بين 30 أيلوم 2012 وحتى 16 شباط 2016، كان عدد قتلى حزب الله في سوريا بلغ 865 قتيلاً، ويعتمد توثيق هذا الرقم على المستندات والأخبار الموثّـقة المنقولة عن الإعلام الإيراني.

من جهتها نشرت صحيفة السفير اللبنانية، أن حزب الله خسر خلال حربه في سوريا قرابة ألف مقاتل بالإضافة إلى مئات الجرحى، وجاءت هذه التسريبات في الوقت الذي يحاول فيه "حزب الله" إخفاء الأعداد الحقيقية لقتلاه في سوريا، خوفاً من حالة التمرد التي قد تصيب اتباعه في لبنان.

والجدير بالذكر أن تقارير إعلامية أشارت في الأشهر القليلة الماضية إلى تنامي التململ داخل بيئة "حزب الله"، بسبب الكلفة الباهظة في عدد القتلى الذين سقطوا في سوريا.

رقصة أردوغان الأخيرة!


أحمد رفعت
طبقًا لنصائح ميكافيلي في كتابه الأشهر "الأمي"، يبحث أردوغان الآن عن مشكله خارجية يلتف الأتراك حولها، بدلًا من الاضطراب الداخلي، وينشغلون في متابعتها وفي تفاصيلها، والأهم هو دفع الجيش التركي وقادته بعيدًا عن البحث عن حلول للتصدي لتغيير شكل الجمهورية التركية المستقر منذ حكم كمال أتاتورك، وظل الجيش التركي حريصًا أمينًا محافظًا عليه طول عدة عقود متصلة!

أردوغان يجد ضالته في سوريا، خصوصًا أن رجاله من الإرهابيين يخوضون معركتهم الأخيرة في حلب، في ظل محاذير روسية على حركة الجيش التركي في الشمال السوري بعد إسقاط تركيا لطائرة روسية، وبالتالي بدت وقائع الفصل الأخير للصراع في سوريا على الانتهاء، بعد أن لاحت فرص تحرير كامل التراب السوري عسكريًا وللمرة الأولى بعد أن كان الأمر شبه مستحيل؛ لتلقى قطر مع تركيا -وخلفهم أمريكا وإسرائيل- هزيمة نكراء ستلقي بظلالها ـ قطعًا ـ على الداخل في كل منهما!
أردوغان يلقى دعمًا من آلة الإعلام الغربية، ويلقى دعمًا كبيرًا من الإعلام "الإخوانجي"، وسيقدم له البعض دعمًا في الجامعة العربية، ومنها إلى منظمات دولية، والحل الآن يكمن ببساطة في عكس ذلك كله.. أي هزيمة أردوغان، وفرض الجيش السوري انتصاره في حلب، وسحق الإرهابيين، ومن ثم فرارهم المنتظر إلى تركيا وبعدها ـ بعد الهزيمة يعني ـ ستتفجر سلاسل الفضائح من داخل معسكر "الإرهاب ـ أردوغان" وعندها ستتكشف فضائح كثيرة ستضيف أعباء على كاهل أردوغان المثقل أصلًا، وعندها ستكون فرص تدخل الجيش التركي ممكنة!

هذا السيناريو السابق، يجب أن يكون في ذهن السياسي المصري، الذي يجب أن يسعى كي "يلاعب" أردوغان وهزيمته؛ لينتهي الدعم الموصول منه إلى جماعة الإخوان الإرهابية في مصر، حتى لو كان مجرد دعم إعلامي!

هزيمة أردوغان وكسره وكسر إرادته يجب أن تكون هدفًا مهمًا، وهدفًا في ذاته، حتى لو أقسمنا عشرات المرات أننا لا نتدخل في شئون أحد، مع مراعاة محاذير إقليمية أخرى، إلا أن الدبلوماسية المصرية قادرة على صنع المستحيل!.

معنى هزيمة القاعدة في اليمن


بشير البكر

تطرح هزيمة القاعدة في جنوب اليمن عدة أسئلة، تدور كلها حول الأسباب التي أدت إلى الانهيار السريع الذي حصل للتنظيم خلال 48 ساعة أمام هجوم الجيش اليمني، مدعوماً بقوات سعودية وإماراتية. واللافت، هنا، ثلاثة مواقف تستدعي التوقف عندها، الأول حصول عملية "دومينو" بدأت بالهجوم ضد القاعدة من زنجبار عاصمة محافظة أبين، وامتدت إلى حضرموت. والثاني الخسارة البشرية الكبيرة خلال يومين، والتي قدّرها بيان رسمي بمقتل 800 من القاعدة في العملية. والثالث أن تنظيم القاعدة أربك الوضع في الجنوب لمدة عام تقريباً، واستطاع أن يسيطر على حضرموت بسهولة، كما أنه هز أمن مدينة عدن طيلة الأشهر التي تلت تحريرها من الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح.

لا يمكن تفسير أمر انهيار القاعدة بناء على عامل المفاجأة فقط، وإنما هو يعود إلى جملة من العوامل المتداخلة، في طليعتها الجهد الاستخباراتي المتميز الذي يتمثل في الاختراق السعودي للتنظيم منذ زمن طويل، عبر برامج وضعها الأمير محمد بن نايف منذ تشكيل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عام 2009. والثاني هو التصميم على حسم المعركة العسكرية في اليمن لصالح الشرعية، وهذا يعبر عن نفسه بزج قطعات جديدة من القوات غير التي شاركت في تحرير عدن من الحوثيين، وهناك ألوية جديدة تم إنزالها إلى المعركة للمرة الأولى، وهي مشكّلة من أبناء حضرموت الذين تم تدريبهم خلال الأشهر الأخيرة في السعودية.

لا يقف الإنجاز عند القضاء على القاعدة، فهناك عدة رسائل سياسية تم توجيهها محلياً وإقليمياً ودوليا. أولا، يشكل توقيت الحرب على القاعدة رسالة للحوثيين وإيران أن التحالف قادر على مواصلة الحرب، وأن لديه مخزوناً عسكرياً لم ينضب يمكنه أن يدفع به إلى جبهات أخرى، بعد أن يفرغ من ترتيب الأوضاع في الجنوب.

ثانيا/ قرار شن الحرب على القاعدة في هذا الوقت إعلان أن التحالف لم يعد بحاجة لها ورقة تهديد ضد الحوثيين وإيران. ولا يخفى على أحد أن هناك من كتبوا وتحدثوا في بداية الحرب عن أن من الضروري استخدام ورقة القاعدة. وتحت هذا المبرّر، جرى السماح للتنظيم بالمشاركة علنا في القتال لتحرير عدن، وحين تم تحرير المدينة، بدأ التخلي عنه. وهذا ما يفسر ردود فعله العنيفة خلال الأشهر الأخيرة، فهو لم يوفر وسيلةً من أجل تقويض أمن المدينة، وارتكب عدة عمليات إجرامية، كان أبرزها اغتيال محافظ عدن، جعفر محمد سعد، وحاول عدة مرات قتل خلفه عيدروس الزبيدي الذي دخل في حرب مفتوحة ضد القاعدة في ضاحية المنصورة في عدن، أدت إلى إضعاف التنظيم، ومهدت لشن الحرب ضده بدءا من زنجبار.

ثالثا/ تعد العملية الخاطفة رسالة موجهة للولايات المتحدة من طرف السعودية للقول إن الحرب على الإرهاب ليست صعبة ومعقدة، كما تصورها واشنطن في سورية والعراق، فإذا توافر القرار السياسي فإن القوة العسكرية كفيلة بإنهاء التنظيمات الإرهابية خلال زمن وجيز.

رابعا/ أن تنظيم القاعدة بلا حاضنة شعبية مهما أقام بين الناس، وهو حاول أن يوحي من خلال سيطرته على حضرموت بأنه تعايش مع الأهالي، ولا مشكلة في إقامة قوانينه وفرض سلطته، ولكن تبين من ردود الفعل على انهياره أن حضرموت عاشت فرحة عارمة، احتفالا بهزيمة التكفيريين الذين حاولوا أن يفرضوا عليها شخصية متطرفة عابسة على غير ما تتصف به من لطف وتسامح.
هزيمة القاعدة في اليمن ليست حدثا عابرا، بل هو يوازي في أهميته هزيمة المشروع الإيراني الذي حمل لواءه الحوثيون، وستشكل هذه الهزيمة مدخلا لاجتثاث التنظيم في مسقط رأسه، جزيرة العرب.

دخلوا تونس الهادئة، وأرواحهم عالقة في بيروت


أحمد نظيف


لم يكن خروج قوات المقاومة الفلسطينيّة من بيروت صيف العام 1982، نهاية الكفاح الفلسطينيّ ضد الاحتلال. لكنه كان بداية النهاية للثورة الفلسطينية التي انطلقت في أعقاب هزيمة العام 1967. كانت لهذا الخروج تبعاته السياسيّة الخطيرة على القضية الفلسطينية، بعد ان جنحت قيادة الثورة إلى السلم على جرعات، من لحظة الخروج وصولاً إلى إتفاق أوسلو. وكانت له تبعاته النفسية والإجتماعية على ألاف الشباب والشابات الذين غادروا لبنان إلى جهات الأرض الأربع. تركوا أرواحهم /ن هناك، الذكريات الحميمة. تركوا فلسطين صغيرة داخل المخيمات، لتلقي بهم التفاهمات الدولية بعيداً. لا شك، فإن النتائج السياسية التي أعقبت الخروج من لبنان وما آلت إليه القضية الفلسطينية اليوم قد غطّت على الندوب النفسية والإجتماعية التي خلفها شتات المقاومة بعد الحصار، لكنها تجلت، أي الندوب، في المُنجز الإبداعي والثقافي الفلسطيني لاحقاً، وإبداعات أغلب المثقفين الذين عايشوا تلك المرحلة، فلسطينيين كانوا أو عرباً.

إلى تونس، نفرت القيادة الفلسطينية ومعها آلاف الفدائيين والمثقفين والصحافيين. وجد هؤلاء أنفسهم في كوكب ثانٍ. لا رصاص ولا متاريس. لا مطابع ولا صحافة حرّة. بلادٌ هادئة جداً، لا تصلح للمقاتلين ولا تحدّها إسرائيل من أيّ جانب. ماذا يفعل الفدائي الفلسطيني في تونس بعيداً عن حدود الوطن المحتل؟ ماذا يفعل المثقف الفلسطيني العضوي بعيداً عن المعركة؟ أنهى الخروج القسري مجتمع الثورة الذي تشكل في بيروت منذ بداية السبعينيات، وأسس لشتاتٍ جديد في تونس. كانت مرحلة التشظي الاجتماعي الفلسطيني.

بيروت، التي اشتهاها الفدائيون والشعراء
"وجدنا أنفسنا مقاتلين بلا معركة، نرتدي ملابس نظيفة بدلاً من بدلة الكاكي، ولا نحمل كلاشنيكوف، كانت غربةً مرّةً، لم أتوقع يوماً أن أعيش بعيداً عن الطخّ، بعيداً عن فلسطين". هكذا يصف أحمد الحيج (بن بلة) حاله بعد الوصول إلى تونس، خريف العام 1982. كان لبنان آخر ساحات الإحتكاك بين المقاومة والاحتلال، وكان الخروج إلى تونس يعني نهاية الكفاح المسلح، مهما حاولت القيادة الفلسطينية، يومذاك، إعطاء مبررات لابتعادها عن دول الطوق، فقد كشفت السنوات اللاحقة أن اختيار المحطة التونسية لم يكن عبثاً. لم يكن الأمر يحتاج كثيراً من الذكاء والثقافة، فالمقاتل البسيط كان يدرك ذلك.
في هذا السياق تماماً، يضيف بن بلة، وهو مرافق أبو إياد والعضو بـ "منظمة أيلول الأسود": "عندما صعدت السفينة مغادراً بيروت بصحبة أبو إياد، وكانت وجهتنا يومذاك ميناء اللاذقية السوري، طلبت منا القوات الغربية، التي كانت تؤمن عملية الخروج، وضع بنادقنا في مخازن السفينة. رميت بندقيتي، وأدركت عندها أن الثورة انتهت فعلياً. مرّ أمامي شريط الأحداث الطويل، منذ تركت صفوف كلية فيصل العسكرية في الأردن وانخرطت في الثورة، أًمنّي النفس، يومها، بالعودة إلى بلدتي صوريف المحتلة في الخليل. في تلك اللحظة، شعرت للمرة الأولى بأن الطريق إلى فلسطين بعيد جداً. في هذا الشريط الطويل والدامي، كانت بيروت أحلى المراحل وأجملها. بيروت المدينة التي احتضنتنا يوم تخلى عنا الجميع. بيروت التي التفت حولنا كالأم الحنون يوم طلب منا أخوة العروبة بأن ننتحر داخل أسوارها، ثم وصفونا بالخراف".
كذلك كانت الحال بالنسبة إلى مثقفي الثورة وشعرائها، إذ كانت الساحة البيروتية منبعاً للإبداع ومتنفساً. كانت ساحة جذب للمتمردين العرب، يأتونها هرباً من أعين الرقيب ورجال المخابرات ودعماً للفدائي الفلسطيني. الشاعر السوري، هادي دانيال كان من بين هؤلاء الذين زحفوا إلى بيروت بعد وصول "منظمة التحرير الفلسطينية" مطلع سبعينيات القرن الماضي. قدم إليها مندهشاً وخرج منها غريباً: "عندما توجّهت بمحض إرادتي من سوريا إلى لبنان ولكن في الوقت نفسه متَفَلّتاً مِن ظلال كثيفة لسلطة مركّبة أحِسّ بثَقَلها ولا أعيها كشاعر في سنِّ المراهقَة يشعر أن المكان (على الرّغمِ من احتفائه بموهبته الواعدة) يزداد ضيقاً ويكاد يكسر أجنحة طُموحاته الجامحة، كانَ شعوراً حاداً بالغربة يتملَّكني. وفي بيروت التي دخلتها من بوّابة الفاكهاني مُجَمَّع مكاتب فصائل الثورة الفلسطينيّة – قبلَ عامين مِن بدءِ "الحرب الأهليّة" – لم أفرد جناحيّ اللذين نبتا في دمشق فقط بل نبتت لي أجنحة إضافيّة. قبل الحرب، عشت عامين مِن الدّهشة المُتواصلة، دهشة المغامرة الشاملة". ويضيف دانيال: "في مجتمع صاخب بنداءات الحريّة والتّحرّر، مجتمع استجاب تلقائيّاً لنزوعاتي الفرديّة بل حرّرني لاحقاً ممّا علق تحت جلدي من لواجم مجتمعي الأصليّ. لا أستطيع أن أسمّي هذا المجتمع الجديد باللبناني أو الفلسطيني لأنّه كان فقط "مجتمع الثورة بكيميائها الخاصّة التي مزجت جميع روافدها المحليّة والإقليميّة والدوليّة" وحتى في إبّان الحرب الأهلية اللبنانيّة كنّا نشعر أننا في صلب الحياة وقلب العالم وأنّ العالم يأتي إلينا بما ينتجه ويهجس به فكريا وإبداعيا إلى جانب أنواع التبوغ والخمور والأزياء إلخ.. على الرغم من أشكال الموت والحصار، ولقد كان لبيروت رائحة مسكرة تحفّز الخيال والحبر. هناك، تلمّست بحواسّي كلّها الحريّةَ ككائن فرد محتف بذاته ويهبها بشغف لقضيّة الجّماعة، وَكمبدع شاب لا لاجم لطموحه الشعريّ غير أوهامه السياسيّة الأيديولوجيّة آنذاك".

التعامل مع الواقع: مثلان
عندما خرجت "منظمة التحرير" من الأردن إلى لبنان في أعقاب أحداث "أيلول الأسود"، لم يكن التحوّل الإجتماعيّ جذرياً، لجهة أن الانتقال حدث من بيئة مشرقية شامية إلى بيئة مشابهة تماماً مع اختلافات طفيفة تتعلق بطبيعة النظام السياسي. لم يواجه الفلسطينيون في لبنان مشكلات على مستوى اللغة والعادات، ولا حتى في أنواع الطعام. في لبنان، كانت المخيمات الفلسطينية وسكانها وطناً صغيراً، لا يشعر فيه الفدائي بالغربة. في تونس، وجد الفلسطينيون أنفسهم غرباء في مجتمع مختلفٍ جذرياً، على الرغم من الحب الذي وجدوه. يقول أحمد الحيج (بن بلة): "ولأن الانسان الفلسطيني لم يتعود على الاحترام والتقدير من أجهزة القمع العربية، فكانوا ولا زالوا يتندرون ويتحدثون وكأنهم في حلم. كيف يبتسم لهم رجال الأمن التونسيون ويحترمونهم ويقدرونهم ويرحبون بهم رغم أنهم في بعض الاحيان مخطئون أو متجاوزون للإشارات الضوئية او دخلوا في صراع مع اولاد توانسة. إلا ان الشرطة تقول للتونسيين إنهم أحبابنا وضيوفنا وإخواننا الفلسطينيون سامحوهم ورحبوا بهم". لكن هذا الحب لم يمنع مشاعر الغربة والوحشة التي ألمّت بكلّ من تمّ انتزاعه من بيروت غصباً. ما دفع بالكثيرين إلى البحث عن حضنٍ جديد ينتشلهم من الضياع النفسيّ والفراغ الذي تركته في أنفسهم وأرواحهم بيروت وشوارعها ومتاريسها.

أحمد بن بيلا، المقاتل المشاغب، شارك في صولات "منظمة أيلول الأسود" وواجه الاجتياح الإسرائيلي مقاتلاً ومراسلاً حربيا في "صوت فلسطين". وجد نفسه وحيداً في تونس، ينهشه الفراغ فهو لا يحسن سوى إطلاق الرصاص على العدو. يقول بن بيلا: "كنت قد عقدت العزم على العودة باي وسيلة الى لبنان واستمرار التواصل النضالي مع أقرب النقاط من حدود الوطن. وفي جلسات متواصلة ليلاً مع الاخ أبو إياد في بيروت، كنا قد تدارسنا إعداد خطة تنظيمية لإعادة إحياء النضال الفلسطيني كما تصورناها، وتم الاتفاق على أن نتخذ مراكزاً للتدريب والاعداد. وما إن أصبحنا على متن الباخرة المتوجهة من ميناء بيروت الى ميناء اللاذقية، حتى همس لي أبو إياد قائلاً: "يا بن بيلا انسى كل ما قلناه في بيروت، قدرنا مواصلة النضال السياسي من الخارج". فأدركت أن مرحلتي قد انتهت وانني كبقية رفاق السلاح أصبحنا لا شيء. كنت قبل ذلك لا أفكر في الاستقرار والزواج وتكوين عائلة، إذ لم أكن أملك حياتين، وحياتي نذرتها للثورة. توقّف الكفاح المسلح دفعني للتفكير مجدداً في الزواج. كنت أبحث عن وطن صغير أستقر فيه ريثما أعود إلى فلسطين".

ويروي بن بيلا قصة زواجه العجيبة قائلاً: "يعود أصل الحكاية الى الفترة التي كنت فيها قائداً لعملية ابو داود في الأردن وحُكمنا بالإعدام ثم المؤبد، وكانت غايتنا يومذاك قلب النظام في العام 1973. وانا في الزنزانة رقم 7 في مبنى المخابرات الأردنية في العبدلي، جاءني ليلاً صوت هاتف في الرؤيا قال لي يا أحمد هذه نجوى زوجتك. ورأيت فتاة ذات شعر طويل يغطي وجهها وكامل صدرها. وما إن رفعت رأسها حتى ارتسمت في ذاكرتي صورة وجهها. لاحقاً، خرجت من السجن وغادرت الأردن هروباً إلى الجولان ومنها إلى جنوب لبنان متخفياً. جرت مياه كثيرة تحت الجسور، وكنت خلالها باحثاً عن نجوى التي شاهدتها في الرؤيا، مسلماً بأنها قدري وزوجتي التي لا مهرب منها. بعد وصولي إلى تونس، التقيت بالفتاة! كانت تعمل في الاذاعة والتلفزيون التونسي، جاءت باحثةً عن تسجيلات وأغاني وطنية فلسطينية، فارشدوها الى بن بيلا لأنني كنت احمل معي من بيروت الاناشيد الوطنية للإذاعة حيث عملت مراسلاً عسكرياً. وبعد دقائق معدودة من اللقاء والتأكد من سنها وطول شعرها ووجهها الذي كان منطبقاً تماماً مع الرؤيا التي شاهدتها في زنزانتي عام 1973، لم أتأخر لحظة ففاجأتها بالقول: "شو رأيك نتزوج؟" "كانت قدري وما زالت".

بالنسبة إلى هادي دانيال، كان الاندماج قسرياً، تماماً كما كان الخروج من بيروت والتوجه إلى تونس. كان، في لحظة وصوله كما وصف نفسه، كقصبة جَوفاء في مهبّ رياح غربة عاتية. يقول دانيال: "أردت أن ألتصق بالمجتمع الجديد "بالقوة"، فدخلت في حوار مع المشهد الثقافي التونسيّ كانت من أولى نتائجه زواجي من شاعرة تونسية بعد أشهر من التعرّف عليها. واستمرّت حياتي في تونس بعدما انفصلت عن زوجتي. استمرّت ليس لأنني تمكنت من الاندماج اجتماعيا وثقافيا، فأنا ما زلت وسأبقى يتيم مجتمع الثورة ذاك (في الفاكهاني) لأنّني حتى عندما عدت إلى سوريا سنة 2004 بعد 30 سنة من الغياب، شعرت باختلال في توازني وبغربة اجتماعية مُرّة بين أهلي تماما كالشعور الذي انتابني في تونس سنة 1982. ولكن قدرتي على الاستمرار في تونس يُغذّيها أن الدولة والمجتمع التونسيين يتيحان لك إمكانية أن تعيش وحدك لا شأن لأحد بك ما دمت تؤمّن مصاريف حياتك اليوميّة من خارج الحدود التونسيّة ولا تتدخّل في شؤونهم. فأنا في تونس أعيش كسائح منذ 34 عاماً، أحترم قوانين البلاد وفي منأى عن أوساطها الثقافية والسياسيّة، وفي كل عام أجدّد إقامتي عند السلطات التونسيّة".

2016/04/02

الاشتراكية الاسلاميه ومذاهبها

صبري محمد خليل

تعريف: الاشتراكية الاسلاميه هي مذهب في الفكر الاقتصادي والاجتماعي الاسلامى الحديث والمعاصر، يدعو إلى الالتزام بنظام اقتصادي اشتراكي، يتسق – أو لا يتعارض- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الاسلامى الكلية ، فهو يقوم ضمنيا على أساس انه لا يوجد تعارض " مطلق" بين الإسلام كدين ، والاشتراكية كنظام اقتصادي.

تعدد دلالات مصطلح الاشتراكية: لكل مصطلح دلالات (معاني) متعددة : فهناك دلالته العامة اى المصطلح كمفهوم مجرد ، وهناك دلالته الخاصة اى ما يكتسبه المصطلح من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا، وهناك دلالته المشتركة اى المعنى الذي تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج ( بصرف النظر عن أوجه الاختلاف بينها) ، وهناك دلالته المنفردة اى المعنى الذي تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معينين وبالتالي تتعدد بتعدد هذه الفلسفات والمناهج.فإذا تناولنا مصطلح الاشتراكية نجد أن له دلاله عامه- مشتركه تتمثل في الاشتراكية كمفهوم مجرد ، تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج، ومضمونها التحرر من القهر الاقتصادي وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج، والتخطيط الاقتصادي والملكية العامة لوسائل الإنتاج الاساسيه....كما أن له دلاله خاصة - منفردة تتمثل في تطبيق مفهوم الاشتراكية في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا، وطبقا لمعنى تفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين من مصطلح اشتراكيه.

المواقف المتعددة من الاشتراكية: استنادا إلى ما سبق ذكره، من تعدد في دلالات مصطلح الاشتراكية، فان هناك ثلاثة مواقف أساسيه من الاشتراكية، تقوم على موقف معين من هذه الدلالات المتعددة .

أولا: القبول المطلق (التغريب): هو موقف يقوم على القبول المطلق للاشتراكية ، اى قبول كافه دلالات مصطلح الاشتراكية، دون تمييز بين دلالاتها المتعددة،سواء كانت ايجابية أو سلبيه . وهو موقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية ، وبالتالي فهو موقف يستند إلى التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد التي جاء بها الإسلام بمفاهيم وقيم وقواعد أخرى.

ثانيا:الرفض المطلق (التقليد): وهو موقف يقوم على الرفض المطلق للاشتراكية، اى رفض كافه دلالات مصطلح الاشتراكية، دون تمييز بين دلالاتها الايجابية والسلبية . وهو موقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يكون بالعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه، فهو لا يميز بين أصول الدين النصية الثابتة وفروعه الاجتهادية المتغيرة ...وهنا نلاحظ أن الموقف الثاني " الرفض المطلق " كان أساسا رد فعل على الموقف الثاني" القبول المطلق"، .إلا أن الموقفين- رغم تناقضهما في المقدمات إلا إنهما ينتهيان إلى نفس النتيجة ، وهى أن هناك تناقض "مطلق" الإسلام والاشتراكية ،ولا يمكن إلغاء هذا التناقض إلا بإلغاء الأول " كما في الموقف الأول" ، أو إلغاء الثانية "كما في الموقف الثاني".

ثالثا: الموقف النقدي (التجديد): وهو الموقف الذي يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق إلى موقف نقدي من الاشتراكية، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح الاشتراكية ، فيرى أن الإسلام كدين - لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الاشتراكية، اى التحرر من القهر الاقتصادي وسيطره الشعب على وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي والملكية ألعامه لوسائل الإنتاج الاساسيه، لأن الإسلام كدين قائم – على مستوى أصوله النصية الثابتة – على أن الله تعالى هو المالك الحقيقي للمال ( وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )(المائدة: 17)، وأن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع به، أما الفرد فوكيل عنها في الانتفاع به على وجه لا يتناقض مع مصلحتها (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)(الحديد: 7) ، أما الدلالة الخاصة المنفردة لمصطلح الاشتراكية، فيرى هذا الموقف أن الموقف الصحيح منها هو على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما. هذا الموقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام ،التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة سواء كانت من إبداع المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.وهذا الموقف هو الموقف الذي تستند إليه الاشتراكية الاسلاميه بمذاهبها المتعددة ، لأنها- كما سبق ذكره - مذهب في الفكر الاقتصادي والاجتماعي الاسلامى الحديث والمعاصر ، يقوم ضمنيا على انه ليس ثمة تناقض "مطلق" بين الإسلام والاشتراكية،اى تناقض بين الإسلام وكل دلالات مصطلح الاشتراكية، وان كان من الممكن وجود تناقض "محدود" بينهما ، اى تناقض بين الإسلام وبعض دلالات مصطلح الاشتراكية ، وهو ما يمكن إلغائه بأخذ الدلالات إلى تتناقص مع الإسلام، ورد الدلالات التي تتناقض معه.
الاشتراكية الاسلاميه بين الوحدة والتعدد: و الاشتراكية الاسلاميه مذهب يتصف بالوحدة ، من جهة دعوته إلى الالتزام بنظام اقتصادي اشتراكي، يتسق – أو لا يتعارض- مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الاسلامى الكلية ، فانه يتصف بالتعدد من جهة تحديد خصائص هذا النظام الاقتصادي الاشتراكي، وبيان كيفيه اتساقه - أو عدم تعارضه- مع الإسلام كدين، فهي هنا تتضمن العديد من المذاهب ،وفيما يلي نعرض لأهم هذه المذاهب:

مذهب الإمام جمال الدين الافغانى: يعبر الإمام جمال الدين الافغانى عن موقفه الايجابي من الدلالة العامة المشتركة لمصطلح الاشتراكية، من خلال تقريره في خاطراته أن الاشتراكية هي التي ستؤدي حقاً مهضوماً لأكثرية من الشعب العامل. واتساقا مع هذا الموقف الايجابي يقرر أن هذه الدلالة لا تتعارض مع الإسلام كدين من خلال تقريره أن الاشتراكية منبعها الإسلام كثقافة ودين، حيث يشير إلى الإخاء الذي عقده رسول الله بين المهاجرين والأنصار، و أن الدولة العربية الإسلامية الأولى في عهد النبي وخليفتيه أبو بكر وعمر كانت بمثابة تجربة اشتراكية (أول من عمل بالاشتراكية بعد التدين بالإسلام، هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضا (الأعمال الكاملة للأفغاني، ج,1 ص.107)، كما يشير إلى أن البداوة أحد أصول الاشتراكية في الإسلام ( الاشتراكية في الإسلام.. ملتصقة في خلق أهله عندما كانوا أهل بداوة)(الخاطرات ص 234) .كما يعبر عن موقفه النقدي من الدلالة الخاصة – المنفردة لمصطلح الاشتراكية ، من خلال رفضه لكل من موقفي القبول المطلق و الرفض المطلقين ، من خلال تحفظه على الاشتراكية الغربية ، مع اتخاذه موقفاً رافضا للذين يكفرون مناصري الاشتراكية ويخرجونهم من الملة، حيث يجيب على سؤال لأحد مجالسيه عن تكفير مشايخ الإسلام للاشتراكية، بأن الاشتراكية وإن قل ناصروها اليوم فإنها ستسود العالم عندما يعم العلم الصحيح ويشعر البشر بأنهم إخوة، وأن التفاضل بالأنفع للمجموع وليس بالسلطان السياسي أو المالي أوالعسكر وإنما يحتاج الأمر إلى الشجاعة والبسالة والجهر بالحق ...) (جمال الدين الأفغاني – حسن حنفي ص.113).

مذهب الإمام حسن البنا: أشار الإمام حسن ألبنا إلى وجوب التزام المسلمين بالعدل الاجتماعي في الكثير من النصوص ،حيث يقول ( لم يقف أمر النظام الاقتصادي الإسلامي عند هذا الحد، ولكنه رسم الخطط الأساسية للتقريب بين الطبقات، فانتقص من مال الغنى بما يزكيه ويطهره وينقيه ويكسبه القلوب والمحامد، وزهّده في الترف والخيلاء، ورغّبه في الصدقة والإحسان، وأجزل له في ذلك المثوبة والعطاء، وقرر للفقير حقًّا معلومًا، وجعله في كفالة الدولة أولاً، وفى كفالة الأقارب ثانيًا، وفى كفالة المجتمع بعد ذلك. ثم قرر بعد هذا صور التعامل النافع للفرد الحافظ للجماعة تقريرًا عجيبًا في دقته وشموله وآثاره ونتائجه، وأقام الضمير الإنساني مهيمنًا عليها من وراء هذه الصور الظاهرية. كل هذا بعض ما وضع الإسلام من قواعد ينظم بها شأن الحياة الاقتصادية للمؤمنين، وقد فصلت الحياة التقليدية الممسوخة التي يحياها الناس في هذه الأعصار بين الاقتصاد والإسلام، فقمتم أنتم ومن أهدافكم وأغراضكم الإصلاح الاقتصادي بتنمية الثروة القومية وحمايتها، والعمل على رفع مستوى المعيشة، والتقريب بين الطبقات، وتوفير العدالة الاجتماعية، والتأمين الكامل للمواطنين جميعًا، وإقرار الأوضاع التي جاء بها الإسلام في ذلك كله) ( مؤتمر رؤساء المناطق والشعب عام 1945 ). كما يقرر اسبقيه الإسلام للنظريات الاشتراكية الغربية في الدعوة إلى العدالة الاجتماعية (... وإذا كانت الثورة الروسية قاربت بين الطبقات، وأعلنت العدالة الاجتماعية في الناس؛ فإن الثورة الإسلامية الكبرى قد أقرت ذلك كله من قبل ألف وسبعمائة سنة، ولكنها سبقت سبقًا لن تلحق فيه في أنها جملت ذلك وزينته بالصدق والعمل؛ فلم تقف عند حدود النظريات الفلسفية، ولكن أشاعت هذه المبادئ في الحياة اليومية العملية، وأضافت إليه بعد ذلك السمو بالإنسان واستكمال فضائله ونزعاته الروحية والنفسانية؛ لينعم في الحياتين، ويظفر بالسعادتين، وأقامت على ذلك كله حراسًا أشداء أقوياء من يقظة الضمير، ومعرفة الله وصرامة الجزاء وعدالة القانون)، اتساقا مع ما سبق يرى الإمام حسن ألبنا أن روح الإسلام توجب علينا القيام بعدد من الإجراءات، التي لا تخرج عن إطار الدلالة العامة المشتركة للاشتراكية، كاعاده النظر في الملكيات وتنظيم الضرائب الاجتماعية... حيث يقول في ص 349 من رسالة مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي ( توجب علينا روح الإسلام الحنيف وقواعده الأساسية في الاقتصاد القومي أن نعيد النظر في نظام الملكيات في مصر ، فنختصر الملكيات الكبيرة ونعوض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع)، ويقول( وتوجب علينا روح الإسلام في تشريعه الاقتصادي أن نبادر بتنظيم الضرائب الاجتماعية وأولها الزكاة (. بالاضافه الى ما سبق فقد استخدمت وثائق جماعه الإخوان المسلمين في عهد الإمام المؤسس مصطلح" الاشتراكية الاسلاميه" ،ورد فى الاجتماع السنوي العاشر جمعية الإخوان العمومية عام1946 يعلن المجتمعون أن الإخوان المسلمين ليسوا حزبًا غايته الوصول إلى الحكم، ولكنهم هيئة تعمل لتحقيق رسالة إصلاحية شاملة ترتكز على تعاليم الإسلام الحنيف، تتناول كل نواحي الإصلاح الديني والسياسي والاجتماعي، وتسلك إلى كل ناحية سبيلها القانونية شكلاً وموضوعًا. يقرر المجتمعون أن الوضع الاجتماعي في مصر أمام التطورات العالمية والضرورات الاقتصادية وضع فاسد لا يحتمل ولا يطاق، وأن على المركز العامل للإخوان المسلمين أن يعلن برنامجه المفصل لإصلاح هذا الوضع، ولرفع مستوى الشعب أدبيًّا بالتربية والثقافة، وروحيًّا بالتدين والفضيلة، وماديًّا برفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تفرضها الاشتراكية الإسلامية، والتي يحيا في ظلها العامل والفلاح والزارع والتاجر وكل مواطن حياة مريحة كريمة، ويعمل على تنفيذه في حزم وإسراع ) ( الإخوان والعدالة الاجتماعية/ السعيد رمضان /موقع الموسوعة الإخوانية “أخوان وبكى )

مذهب الشيخ محمد الغزالي : يقرر الشيخ محمد الغزالي عدم تناقض الدلالة ألعامه المشتركة لمصطلح الاشتراكية مع الإسلام كدين من خلال تقريره (إن الإسلام أخوة في الدين واشتراكية في الدنيا ((الإسلام والاشتراكية ، ص 183)،وكذلك تقريره ( أن أبا ذرٍّ كان اشتراكيا وأنه استقى نزعته الاشتراكية من النبي صلى الله عليه و سلم )( الإسلام المفترى عليه ، ص 103) . كما يتخذ موقفا نقديا من الدلالة الخاصة المنفردة من الاشتراكية، يتمثل في قبول ما وافق أصول الدين، وواقع المجتمعات المسلمة ورفض ما خالفهما ، حيث يقوله (وأرى أن بلوغ هذه الأهداف يستلزم أن نقتبس من التفاصيل التي وضعتها الاشتراكية الحديثة مثلما اقتبسنا صورا لا تزال مقتضبة - من الديمقراطية الحديثة - ما دام ذلك في نطاق ما يعرف من عقائد وقواعد، وفي مقدمة ما نرى الإسراع بتطبيقه في هذه الميادين تقييد الملكيات الكبرى وتأميم المرافق العامة)( الإسلام المفترى عليه، ص 66 (..مذهب الشيخ محمد السباعي: أما الشيخ مصطفى السباعي فيقرر عدم تناقض الدلالة العامة – المشتركة لمصطلح الاشتراكية من الإسلام كدين من خلال استخدامه لمصطلح" اشتراكيه الإسلام " حيث يقول( لقد سميت القوانين والأحكام التي جاءت في الإسلام لتنظيم التملك وتحقيق التكافل الاجتماعي باشتراكية الإسلام) (مصطفى السباعي ، اشتراكيه الإسلام)، وكذلك من خلال تحديده خصائص اشتراكية الإسلام حيث يقول (...ان اشتراكية الإسلام ليست اشتراكية الدراويش والزهاد، كبعض الصوفية وفقراء الهنود، الذين ينفرون من المال والتملك، جبنًا منهم عن تحمل أعباء الحياة ومسؤولياتها، وإنما هي اشتراكية حضارية إيجابية بناءة، تقيم أكمل مجتمع حضاري متمدن. وان اشتراكية الإسلام تحارب الفقر والجهل والمرض والخوف والمهانة. وان مستوى المعيشة في اشتراكية الإسلام مستوى مرتفع. وان اشتراكية الإسلام تشرك الشعب مع الدولة في تحقيق التكافل الاجتماعي، كما في نظام نفقات الأقارب. وان اشتراكية الإسلام تحارب الترف والبذخ واللهو الماجن في السلم والحرب. وان اشتراكية الإسلام تُخضع الحكومة لإرادة الشعب، لا العكس. وان اشتراكية الإسلام توسّع دائرة التكافل الاجتماعي، ومن ثم فهي أكثر ضمانًا لكرامة الإنسان وسعادته. وان اشتراكية الإسلام ليست نظرية ولا عاطفية، بل هي عملية. كما يحدد الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الرأسمالية فى انهما يتفقان في إعطاء الفرد حق التملك، والتنافس في الإنتاج. ويختلفان في أن حق التملك في اشتراكية الإسلام يخضع لمصلحة الجماعة، وفي الرأسمالية تخضع الجماعة لمصلحة رأس المال. كما يختلفان في أن التنافس في الاشتراكية الإسلامية يشيع الحب والتعاون في المجتمع، وفي الرأسمالية يشيع العداء والخلاف والاضطراب. وان الرأسمالية ملطخة بدماء الشعوب، والاستعمار، والاستعباد، واللصوصية، والاستغلال، ولاشيء من هذا في اشتراكية الإسلام).. أما موقفه النقدي من الدلالة الخاصة المنفردة للاشتراكية فيتمثل في تحديده الفرق بين اشتراكية الإسلام وبين الشيوعية والتي حددها في النقاط التالية: ان اشتراكية الإسلام تنسجم مع الفطرة الإنسانية في إباحة الملكية الشخصية. وان اشتراكية الإسلام تبيح التنافس، أما الشيوعية فترى أنه يجرّ البلاء على المجتمع. وان اشتراكية الإسلام تقوم على التعاون، والشيوعية تقوم على الصراع وحرب الطبقات، مما يؤدي إلى الحقد. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الأخلاق،بخلاف الماركسية. وان اشتراكية الإسلام تقوم على الشورى، والشيوعية تقوم على الاستبداد والدكتاتورية والإرهاب.

مذهب سيد قطب: أما سيد قطب فيرفض موقفي الرفض المطلق و القبول المطلق للاشتراكية ،ويتبنى موقفا نقديا منها ، قائم على اخذ ما وافق الإسلام ورد ما تعارض معه ، حيث يقول(فإذا انتهينا من وسيلة التوجيه الفكري ، بقيت أمامنا وسيلة التشريع القانوني لتحقيق حياة إسلامية صحيحة تكفل فيها العدالة الاجتماعية للجميع . وفي هذا المجال لا يجوز أن نقف عند مجرد ما تم في الحياة الإسلامية الأولى، بل يجب الانتفاع بكافة الممكنات التي تتيحها مبادئ الإسلام العامة وقواعده المجملة. فكل ما أتمته البشرية من تشريعات ونظم اجتماعية ولا تخالف أصوله أصول الإسلام ، ولا تصطدم بفكرته عن الحياة والناس ، يجب أن لا نحجم عن الانتفاع به عند وضع تشريعاتنا، ما دام يحقق مصلحة شرعية للمجتمع أو يدفع مضرة متوقعة . ولنا في مبدأ المصالح المرسلة ومبدأ سد الذرائع ، وهما مبدآن إسلاميان صريحان ما يمنح ولي الأمر سلطة واسعة لتحقيق المصالح العامة في كل زمان ومكان) (العدالة الاجتماعية، ص 261 ، الطبعة الخامسة) .وقوله في كتابه( معركة الإسلام والرأسمالية ، ص44 ) ( بل في يد الدولة أن تنزع الملكيات والثروات جميعـًا، وتعيد توزيعها على أساس جديد، ولو كانت هذه الملكيّات قد قامت على الأسس التي يغترف بها الإسلام ونمت بالوسائل التي يبررها لأن دفع الضرر عن المجتمع كله أو اتقاء الأضرار المتوقعة لهذا المجتمع أولى بالرعاية من حقوق الأفراد). وقوله فى نفس الكتاب (ص 61 ) ( ولابدَّ للإسلام أن يحكم لأنه العقيدة الوحيدة الإيجابية الإنشائية التي تصوغ من المسيحية والشيوعية معاً مزيجاً كاملاً يتضمن أهدافهما جميعاً ويزيد عليهما التوازن والتناسق والاعتدال).

مذهب عبد المنعم محمد خلاف : أما عبد المنعم محمد خلاف فيقرر أن الاشتراكية كلمه إسلاميه لفظا ومضمونا ، وأنها اشتقت من لفظ عربي استعمله نبي الإسلام والمسلمون من بعده ، في المعنى الذي يريده من نفس التسمية الغربيون والشرقيون ، وهو الملكية المشتركة للمصادر الاساسيه للأموال، وذلك في قول الرسول(صلى الله عليه وسلم)(الناس شركاء في ثلاثة الماء والكلاء والنار)، وفى قول أبى عبيد صاحب كتاب الأموال( أن عمر رأى أن كل المسلمين في هذا المال شركاء)(عبد المنعم محمد خلاف ، المادية الاسلاميه وأبعادها، دار المعارف، طبعه ثانيه، ص130).

الاشتراكية الإسلامية عند المفكر الاسلامى السوداني الأستاذ / بابكر كرار:

استمداد النزعة الاشتراكية من الإسلام: يرى الأستاذ / بابكر كرار( أن التيارات التقدمية والثورية في بلادنا تستمد نزعتها الاشتراكية من الإسلام ومن ثورتنا الكبرى ومن الثورة الاشتراكية العالمية، فالإسلام يقوم في أصوله الأولى على الإيمان بالله والحرية الفردية ووحده البشرية و احترام العمل و مساواة المراه و رعاية اليتامى والفقراء وتحريم الاستغلال والاحتكار والسرقة..)(ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا).

التمييز بين الاستخلاف والملكية : وعند إشارة الأستاذ / بابكر كرار إلى الفكر الاسلامى وموقفه من المال يميز بين نظريه الاستخلاف"الاسلاميه" وانطوائياتها الفكرية والروحية والاخلاقيه والتشريعية، ونظريه الملكية "الراسماليه" وانطوائياتها الفكرية والروحية والاخلاقيه والتشريعية ( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا، ص 185).ولعله بهذا التمييز يعتبر ان نظريه الاستخلاف تشكل الأساس الفكري للاشتراكية الاسلاميه .دلالتا مصطلح الاشتراكية العلمية: وقد استخدم الأستاذ بابكر كرار مصطلح الاشتراكية العلمية في العديد من كتاباته ، فعلى سبيل المثال لا الحصر يتحدث في كتاب (ميثاقنا ونهوض الثوري ببلادنا) عن اللقاء التاريخي بين الاشتراكية العلمية والشريعة الاسلاميه ( ميثاقنا ،ط2، 1986، الخرطوم ، ص178)، وهذا الاستخدام لهذا المصطلح أدى إلى اتهامه من قبل البعض بأنه يتبنى الشيوعية "الماركسية " ،وهو غير صحيح ، حيث أن للمصطلح دلالتين:الدلالة الأولى: تعنى الماركسية مقابل الاشتراكيات الطوباوية السابقة عليها لأنها كانت خياليه وغير واقعيه ، وهى دلاله تاريخية، الدلالة الثانية تعنى انتهاج البحث العلمي سبيلا إلى الاشتراكية فكرا وتطبيقا)(د.عصمت سيف الدوله ، النظرية، ج2، ص254)، وهى الدلالة التي كان بقصدها الأستاذ بابكر كرار عند استخدامه لهذا المصطلح.

الموقف النقدي من الماركسية: فقد تجاوز الأستاذ/ بابكر كرار موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق للماركسية - باعتبارها إحدى الدلالات الخاصة لمصطلح الاشتراكية – واتخذ منها موقف نقدي ، يأخذ ايجابياتها ويرفض سلبياتها، ويعبر عن ذلك بقوله :ان فضائل الماركسية موجبات في الإسلام (ندوة بنادى العروبة بطرابلس عام 1975م).

مواقع النقص فى التيار الاشتراكي: كما يرى الاستاذ / بابكر كرار ان مواقع النقض في التيار الاشتراكي هي :عدم تشبع التيار الاشتراكي بالوعي الاسلامى ، وضعف وعى هذا التيار بضرورة توطيد الديموقراطيه وحكم القانون، عجزه عن رؤية القضايا الاساسيه في الثورة السودانية رؤية موضوعيه تقدمه ذات أفاق قوميه)( ميثاقنا والنهوض الثوري ببلادنا ،الخرطوم 1986، طبعه ثانيه، ص 14 -34).

أوجه الاختلاف بين الاتجاهات الاشتراكية والشيوعية"الماركسية" :كما يشير الأستاذ/ بابكر كرار إلى أوجه الاختلاف بين الاتجاهات الاشتراكية المتعددة – ومنها الاتجاه الاشتراكي الديني / الاسلامى - والشيوعية"الماركسية" ويحددها في الاتى:أولا: الشيوعيين يستندون عقائديا إلى المادية الفلسفية، والتي يستخرج الشيوعيين منها بالضرورة نتائج الحادية، تجعلهم تلقائيا في موقف عدائي للأديان كلها ، بينما الاشتراكيون يرفضون المادية الفلسفية، ومن ثم لا يجعلون الإلحاد ومعاداة الأديان شرطين جوهرين لإيمانهم بالاشتراكية . ثانيا: الشيوعيين يؤمنون بالتغيير المادي وحده للتاريخ ،والاشتراكيون لا يرفضون المؤثرات الماديه، وإنما يفسرون التاريخ فى ضوء الأسباب المادية والنفسية معا . ثالثا:الأحزاب الشيوعية تؤمن بالدور الطليعي الحتمي للحزب الشيوعي في قياده الطبقة العاملة...أما الاشتراكيون فيرفضون حتمية الدور الطليعي للحزب الشيوعي ودكتاتوريه البروليتاريا...ويرون أن الطرق المؤدية للاشتراكية متعددة. رابعا :الشيوعيين يؤمنون بان الطريق الاساسى للاشتراكية هو الثورة ألمسلحه والعنف. أما الاشتراكيون فإنهم يرفضون طريق الثورة المسلحة، ويؤمنون أن الطريق الاساسى للاشتراكية هو الطريق السلمي –الديموقراطى (الاختلافات الاساسيه بين الاشتراكية الديموقراطيه والشيوعية/ الخرطوم / مطبعه مصر "سودان" /1966 ).

الموقف الايجابي من الحركة العمالية ومنظماتها النقابية: انطلاقا من موقفه الاشتراكي الإسلامي اتخذ الأستاذ بابكر كرار موقف ايجابي من الحركة العمالية ومنظماتها الديموقراطيه "النقابية " ، حيث يرى أن الوعي الجديد بالإسلام، في مواقفه من القضايا الاجتماعية الاساسيه: قضايا الفكر والعمل والقيم الاخلاقيه والعدالة والتشريع ، عندما ينتقل هذا الوعي الجديد من المعاهد والمحاكم ، إلى القاعدة الجماهيرية العريضة ومنظماتها الجماهيرية والديموقراطيه ،يتحول هذا الوعي إلى قوه سياسيه جديدة، تحبط كل الأساليب التي درجت الدوائر الاستعمارية والرجعية على استخدامها لتضليل الجماهير ، وتصدع وحدتها ، ويسلح هذا الوعي الجديد الجماهير بطاقات جبارة، وبوعي عميق بضرورة القيم الروحية والاخلاقيه ، التي يجب أن يرتفع إليها التخطيط الاقتصادي والاجتماعي والتشريع والقوانين وأحكام القضاء (ميثاقنا ، ص 188).

دروس عسكرية روسية لـ «حزب الله» في سوريا

 
  العميد موني كاتس و نداف بولاك


للمرة الأولى في التاريخ، يخوض «حزب الله» حرب المناورات الهجومية كجزء من عملياته في سوريا. ويساهم التدخل الروسي في تعزيز هذه التجربة، فيعطي بذلك للحزب على الأرجح دروساً هامة للنزاعات المقبلة.

وحتى الآن، لطالما اتبع «حزب الله» استراتيجية دفاع واستنزاف في أعمال القتال ضد عدوه الأساسي إسرائيل، وهي مقاربة اعتبرها عدة ضباط رفيعي المستوى في «جيش الدفاع الإسرائيلي» "غير خاسرة". وعلى ضوء العناصر القتالية والميزات التكنولوجية المتوفرة لدى إسرائيل، ركزت هذه الاستراتيجية على تمديد فترة القتال إلى أقصى حد، مبقيةً على الاستنزاف في الساحة الداخلية عبر إطلاق صواريخ على المراكز السكنية الإسرائيلية وزيادة تكاليف المناورات البرية التي يقوم بها «جيش الدفاع الإسرائيلي» في جنوب لبنان. وقد أظهر «حزب الله» هذه المقاربة الدفاعية خلال حرب عام 2006 عندما أخفى صواريخ ومقاتلين في شبكات معقدة من التحصينات السرية تحت الأرض ومناطق ذات كثافة نباتية أطلق عليها ضباط إسرائيليون تسمية "المحميات الطبيعية". واعتقد الحزب أنه طالما لم ينهار، يمكنه أن يدعي أنه قد صمد في حرب ضد «جيش الدفاع الإسرائيلي» المدجج بالسلاح، الأمر الذي اعتبره الحزب انتصاراً بالفعل. إلا أن الحرب السورية غيرت هذا النموذج الدفاعي.

تجربة جديدة، استراتيجية جديدة
في سوريا، اضطر «حزب الله» إلى تغيير أهدافه الأساسية لتصبح الاستيلاء على الأراضي وإبقاء السيطرة عليها، وفي الوقت نفسه محاربة القوات شبه التقليدية التي تستخدم تكتيكات [حرب] العصابات. وفي وجه «جيش الدفاع الإسرائيلي»، كان الحزب معتاداً على القتال ضمن وحدات صغيرة على أراضٍ معهودة، بيد أنه ينشر اليوم مئات المقاتلين في عمليات هجومية معقدة على أراضٍ غير معهودة. وبالنسبة إلى قادة «حزب الله» ومقاتليه، يمكن أن تغير هذه التجربة آراءهم حول الطريقة الأكثر فعالية للفوز في معركة، ويفترض انخراط روسيا بالحرب في سوريا أن «حزب الله» يتعلم هذه الدروس من أحد أفضل الجيوش في العالم.
منذ البداية، اعتمدت روسيا على القوات السورية والإيرانية و «حزب الله» وقوات شيعية أخرى لإنجاز المهمة على الأرض. ونظراً للطابع المعقد للحملة ولرغبة موسكو بتجنب تصورات الفشل، تحافظ القوات الروسية على الأرجح على تعاون وثيق جداً مع شركائها للتأكد من أنهم يقومون بتنفيذ مهامهم. وتشير التقارير إلى أنه تم إنشاء غرف عمليات مشتركة بين «حزب الله» وروسيا في اللاذقية ودمشق، بينما ساعد «حزب الله» وعناصر إيرانية على ما يبدو على استرجاع طيار روسي كانت قد سقطت طائرته في تشرين الثاني/نوفمبر. وما تزال موسكو مترددة كما يبدو حول زيادة عدد القوات البرية المشاركة في القتال بشكل ملحوظ، وبالتالي يجب عليها أن تعزز هذا التنسيق أكثر فأكثر.

تخطيط حملة عسكرية وتنفيذها
على المستوى الكلي، سيطّلع «حزب الله» على الفكر العسكري الروسي، الذي يتضمن مفاهيم تشغيلية متطورة ومهارات متقدمة من ناحية التخطيط العسكري. فالجيش الروسي يملك خبرة واسعة في ما يتعلق بإنجاز أنواع مختلفة من العمليات، بما فيها حملات مكافحة التمرد وحملات تقليدية. لنفترض مثلاً هذا السيناريو: يجتمع قائد روسي بقادة من «حزب الله» وقادة إيرانيين وسوريين ويعرض الاستراتيجية العسكرية للحملة السورية. كما يتكلم عن الأهداف والإطار الزمني المناسب لبلوغ هذه الأهداف وعن أولويات القتال. ومن ثم يشدد على الأدوات التي يمكن أن تكون مفيدة في المعركة، وربما يقدم دروساً هامة مستخلصة من عمليات سابقة مثل حملة مكافحة التمرد في الشيشان. وبالنسبة لـ «حزب الله»، ستكون هذه المرة الأولى التي بإمكانه أن يراقب ويتتبع كيف يقوم جيش من الصف الأول بالتخطيط لحملة قتال.

وتحصل عمليات التعلم المماثلة في كافة الأوقات. على سبيل المثال، إن تجربة سوريا كجزء من الائتلاف الأمريكي خلال "عملية عاصفة الصحراء" عام 1991 قلبت استراتيجية الحرب الخاصة بها رأساً على عقب. فبعد أن شهد الجيش السوري مباشرةً آثار المعركة البرية-الجوية الأمريكية وفعالية الذخائر "الموجهة بدقة"، استخلص الجيش السوري بشكل صحيح بأن إسرائيل يمكن أن تستخدم جزءاً من الذخائر والتكتيكات ذاتها. وبناءً على ذلك، حوّل النظام تركيزه من التفكير بكيفية الاستيلاء على هضبة الجولان إلى استراتيجية أكثر دفاعية تضمنت إعادة هيكلة بعض الوحدات واكتساب/تطوير قدرات متعددة فيما يتعلق بالأسلحة المضادة للدبابات والقوة النارية والعبوات الناسفة اليدوية الصنع.

بالإضافة إلى ذلك، عندما يخطط اللاعبون لحملة عسكرية مشتركة تتضمن هجمات جوية وبرية متزامنة، يتشاركون عادةً المعلومات الاستخباراتية مع بعضهم البعض، ولا تُستثنى الحرب الحالية من ذلك. فالروس تشاركوا على الأرجح معلومات استخباراتية حول أرض المعركة مع «حزب الله» في سوريا وعرّفوا الحزب على أدواتهم الاستخباراتية. وليست هذه المرة الأولى التي يقومون فيها بذلك. فخلال حرب لبنان عام 2006، قام مركز استخباراتي سوري-روسي مشترك في الأراضي السورية بتزويد «حزب الله» بتقارير استخباراتية.

وعلى نطاق أوسع، يطّلع الحزب على الأرجح عن كثب على كيفية قيام المحللين الروس بجمع استخبارات الإشارات واستخبارات بصرية واستخبارات المصادر المفتوحة لتقديم صورة أوضح عن العدو وأرض المعركة. ويتضمن ذلك على الأرجح استخدام الصور الملتقطة بالأقمار الصناعية وتصوير جوي من الطائرات بدون طيار من طراز "Orlan-10" وقدرات متطورة متعلقة باستخبارات الإشارات وعناصر الحرب الإلكترونية. وتعتبر هذه الملاحظات ذات قيمة خاصة بالنسبة إلى «حزب الله» كونه لا يملك خبرة كبيرة في جمع أقصى قدر من الاستخبارات البصرية انطلاقاً من الطائرات بدون طيار وفي إدراجها ضمن استخبارات أخرى.

كما أن العمل مع الروس سيساعد الحزب أيضاً على تعلم كيفية تنفيذ عمليات هجومية معقدة في البيئات الحضرية. ففي النزاعات السابقة، كانت تكتيكات «حزب الله» تركز على حرب العصابات وكانت الوحدات الصغيرة مكلفة بالدفاع عن قراها أو إعاقة تحركات «جيش الدفاع الإسرائيلي». ولا تنطبق هذه المقاربة على عدة معارك في سوريا، حيث اضطر «حزب الله» في معظم الأحيان إلى نشر وحدات أكبر بكثير في العمليات الهجومية بالتزامن مع المدفعية وعناصر الطاقة الجوية. وتملك القوات الروسية خبرة واسعة في حرب المدن، وبالتالي يمكنها على الأرجح أن تزود الحزب بعدة معلومات مفيدة، بما فيها كيفية تنظيم بنية فعالة للقيادة والتحكم، وكيفية اختيار أسلحة مختلفة لسيناريوهات مختلفة، وكيفية خلق أهداف إضافية بعد الدخول إلى أرض المعركة، وكيفية المحافظة على الطرق اللوجستية.

وفي الشيشان مثلاً، شكّل الروس وحدات عسكرية مكنّاة "العاصفة" مؤلفة من قناصين، وجنود مزودين بأسلحة أوتوماتيكية، ومراقبين أماميين، وعناصر استطلاع، وهي مقاربة تهدف إلى إتاحة أقصى درجات التحرك والمرونة. كما استخدموا عدداً من قاذفات الصواريخ (مثل قاذفة الصواريخ المتعددة المتحركة التي تحتوي على الباريوم الحراري من طراز "TOS-1" وقاذفة الصواريخ المحمولة "RPO-A Shmel") بينما كانوا يقومون بمناورات داخل غروزني، عاصمة الشيشان، مما يُظهر تنسيقاً جيداً بين العناصر المختلفة. ومن خلال مناقشة هذه التكتيكات مع قادة روس مخضرمين، يمكن أن يطّلع «حزب الله» بوضوح على كيفية تنظيم قواته وفقاً للمهام على النحو الملائم، والتنسيق بين عناصر متفرقة على أرض المعركة بشكل فعال، وقضايا أخرى، مما يعود بفائدة كبرى على الحزب بالرغم من قلة تدريبه وتجهيزه بالمقارنة مع القوات الروسية.

تحضير للصراعات المستقبلية
عندما يخوض القادة العسكريون حملة طويلة وصعبة، تتجه أفكارهم لا محالة نحو النزاعات المستقبلية المحتملة. وغالباً ما يعني ذلك ترجمة العبر المستخلصة إلى استراتيجيات وتكتيكات جديدة، بالإضافة إلى مقاربات جديدة فيما يتعلق بالمشتريات والتدريبات العسكرية. وليس هناك شك بأن قادة «حزب الله» في سوريا يفكرون بالفعل في مثل هذه القضايا، ويمكن أن يؤثر القتال إلى جانب الروس إلى حد كبير على العبر التي يستخلصونها.

وعلى المستوى الاستراتيجي، يبدو أن الحزب قد تخلى عن مقاربة "عدم الخسارة" وأخذ يركز عوضاً عن ذلك على طرق تحقيق الانتصارات المرتقبة في مراحل مبكرة من نزاع معين. على سبيل المثال، أفاد الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصر الله عام 2011 أن قواته تخطط لاختراق الحدود الشمالية لإسرائيل خلال الحرب المقبلة بهدف الاستيلاء على مستوطنات في الجليل، ومنذ ذلك الحين، أعرب مراراً عن هذه المشاعر. ويشكل ذلك ابتعاداً واضحاً عن النموذج الدفاعي التقليدي للحزب، كما أن المحادثات مع القادة الروس يمكن أن تدعم هذا التحوّل وتساعد «حزب الله» على مواصلة تطوير استراتيجياته الهجومية.

وعلى المستوى التكتيكي، يشغل «حزب الله» حالياً مقعداً في الصفوف الأمامية يتيح له مراقبة مختلف نظم الأسلحة والمعدات التي يستخدمها الروس في سوريا، والتي لم يسبق للحزب أن رأى بعضها من قبل. وبالتالي، يمكن أن يتعلم «حزب الله» كيفية استخدام أسلحته الحالية (بعضها روسية الصنع) على نحو أكثر فعالية ويدرس النظم التي قد يرغب بشرائها في المستقبل. على سبيل المثال، أشارت تقارير مؤخراً إلى أن «حزب الله» قد حصل على صواريخ أرض-جو من طراز "SA-22". وقد جلبت روسيا النظام ذاته إلى سوريا. فإذا ما استُخدمت هذه الأسلحة تحت إشراف غرف العمليات المشتركة، يمكن لعناصر «حزب الله» أن يكوّنوا فكرة أوضح عن كيفية تشغيل رادار النظام والتعامل مع أهداف متعددة في الوقت نفسه. وكذلك، سيرون كيف تستخدم القوات البرية الروسية نظم الصواريخ على غرار "TOS-1" و "RPO-A Shmel"، التي سبق أن شوهدت في سوريا وقد تبدو مفيدة للحزب في حرب مستقبلية مع إسرائيل. حتى أن الخبرة المكتسبة من استخدام نسخ روسية متفوقة من المعدات الأساسية، بما فيها نظارات الرؤية الليلية والبزات التكتيكية والمستلزمات الطبية، قد تكون حاسمة.

انعكاسات إقليمية
مضى حوالي ثلاثة أشهر على بدء موسكو حملتها في سوريا، الأمر الذي يشير إلى التزامها القوي بالإبقاء على نظام الأسد. وبما أن روسيا و «حزب الله» لن ينسحبا في القريب العاجل، سيستمر الحزب في استخلاص الدروس. فضلاً عن ذلك، تُفيد بعض التقارير أن روسيا في صدد تكثيف وجودها العسكري، (انظر المرصد السياسي 2531، "تكلفة الحملة العسكرية الجوّية التي تشنها روسيا")، وبالتالي قد يتسنى لـ «حزب الله» تعلم دروس إضافية.

وقد أظهر التاريخ الحديث أيضاً أنه مهما كانت الدروس المستخلصة من قبل «حزب الله»، فإن شركائه في الجريمة سرعان ما سيحذون حذوه. فقد درست عدة تنظيمات إرهابية تكتيكات الحزب العسكرية ونفذتها، وفي بعض الحالات، قام «حزب الله» حتى بإرسال مدربين لمساعدة بعض وكلائه على تطوير قدراتهم. مثلاً، نفذت ميليشيات شيعية مدربة من قبل «حزب الله» تكتيكات مماثلة ضد الجنود الأمريكيين في العراق قبل الانسحاب الأمريكي (انظر المرصد السياسي 2277، "«حزب الله» اللبناني في العراق: القليل من المساعدة قد تنفع كثيراً"). ووفقاً لبعض التقارير، أقدم قادة مخضرمون رفيعو المستوى من «حزب الله» على تدريب القوات الحوثية في اليمن، التي تُظهر اليوم قدرات هائلة في معركتها ضد التحالف العربي. وفي غزة، تنفذ تنظيمات إرهابية على غرار «حماس» و «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» منذ وقت طويل استراتيجيات «حزب الله» في المجالين السياسي والعسكري.
وعلاوةً على ذلك، بما أن «حزب الله» يستخلص دروساً من الروس، سيتفوق بقدراته على "القوات المسلحة اللبنانية"، التي هي بالأساس أضعف منه من ناحية الخبرة القتالية والأسلحة. ويشكل قلب ميزان القوى لصالح «حزب الله» على نحو أكبر احتمالاً خطراً نظراً لانعدام الاستقرار والتوتر الحزبي السائدين في لبنان.

وفيما يتعلق بإسرائيل، تجدر الإشارة إلى أنه في حين يكتسب «حزب الله» خبرة قيّمة في سوريا، فإن الأعداء الذين يواجههم هناك أضعف بكثير من «جيش الدفاع الإسرائيلي». صحيح أن «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة الإسلامية» وفصائل ثوار متعددة تملك كلها نقاط قوة خاصة بها، إلا أنها لا تفرض التحديات ذاتها التي تفرضها حرب ضد مؤسسة عسكرية مدربة جيداً وتملك قوات جوية وبحرية وجيشاً ذات قدرات عالية، وجميعهاعلى معرفة وثيقة بـ «حزب الله». وسيستخلص «حزب الله» دروساً هامة ولكنه سيجد صعوبة بالغة في تطبيقها، لا سيما عندما يكون خصمه «جيش الدفاع الإسرائيلي».

ومع دخول روسيا ساحة المعركة في سوريا في أيلول/سبتمبر، أعلن نصر الله لتلفزيون "المنار" أن موسكو "تلعب دوراً إيجابياً سيأتي بنتائج إيجابية بإذن الله". فالدروس العسكرية الروسية التي سيتلقاها «حزب الله» في الأشهر المقبلة ستساهم في تعزيز شعور التفاؤل لدى الحزب من جهة وقدراته من جهة أخرى.

موني كاتس هو عميد في «جيش الدفاع الإسرائيلي» وزميل عسكري زائر في معهد واشنطن لعام  2015-2016. نداف بولاك هو زميل "ديان وجيلفورد جليزر فاونديشن" في المعهد.

هل أستخدم الملك فيصل سلاح ’’النفط ’’ في حرب أكتوبر 73 ؟؟



ناصر 56
·
 
لقطتان في يوم واحد لابتسامة القلب النظيف و نقيضها الذي يُضمر الحقد الدفين ، تُنبئان عن " طويّة" الثَرى و الثُريا : الريّس و فيصل السعودي ، فى القاهرة يوم 16 يناير / كانون الثاني 1958 ، يوم احتفال " مجلس الامة" بـ" عيد الدستور" .

لمن يُريد أن " يعرف فيصل" :
بالوثائق : فيصل لم يقطع النفط عن أميركا في أكتوبر 1973 ، بل فعل العكس :

ليس أسوأ من غمط الناس حقهم من حمدهم بما لم يفعلوا ، و في تاريخنا كثير من الوقائع التي جرى فيها إسناد صَنيع مُلفّق لغير أصحابه . و أشهرها الملك السعودي " فيصل بن عبد العزيز" ، الذي لم يعُد سراً الآن أنه هو ؛و ليس غيره؛ مَن حَرّض على " تركيع عبد الناصر" بضربة 1967 ، بنصوص رسائل " فيصل" إلى الرئيس الأميركي "ليندون جونسون" على " لجم" عبد الناصر ، الذي كان يعني بالنسبة لجونسون " إذلال" عبد الناصر ، من خلال تعريضه لهزيمة ساحقة تكسر شوكته و تقصم ظهره فلا تقوم له من بعدها قائمة !

و لأنه كثيرا ما تُختَزل سير الحُكّام في الذاكرة الشعبية بأحداث معدودة تُستَنبط منها صفاتهم وطموحاتهم. تُضَخم تلك الأحداث وتُسطح ويُعاد تفسيرها حسب الحاجة. و بالتالي صار يصعُب استحضار شخصية " فيصل بن عبد العزيز" دون الرواية الأسطورية لقطع النفط عن الولايات المتحدة التي انطلقت شرارتها ، يوم 16 اكتوبر ؛ بعد عشرة أيام كاملة من بدء حرب أكتوبر 1973. حيث تُخفي الرواية المنتشرة أكثر مما تُظهر وتنقل معها سردًا مشوّهاً للتاريخ.

و بعدما أتاح مشروع "ويكيليكس" مؤخرا أكثر من مليون وسبع مئة ألف برقية توثّق مراسلات السفارات الأميركية ولقاءاتها واستراتيجيتها وتحليلاتها في حقبة السبعينيات. و تُعد تلك البرقيات مرجعا ثرياً وسرداً دقيقاً يساعد على فهم كواليس السياسة المُعاصرة، و أهمها فيما يخصنا حروبنا و في قلبها حرب أكتوبر. و بعد مراجعة مئات من تلك البرقيات ، سنسرد هنا " حقيقة" ما قيل أنه " دور سعودي في الحرب" عبر ما أسماه أصحابه من المؤلفة جيوبهم " سلاح النفط" !!

طالما كان سلاح النفط موضعا للسجالات الإعلامية والتهديدات الصورية ففي أغسطس 1973 التقى الملك فيصل بالمُمثّل الأمريكي لشركة أرامكو (حيث كانت ملكية الشركة تشترك فيها أميركا و السعودية ) فأخبره أن السعودية "قد" تستخدم سلاح النفط للدفاع عن القضية الفلسطينية. التقى المُمثّل الأميركي بعد ذلك بوزير الداخلية "الأمير فهد" الذي أكّد على قوة علاقته بأميركا وإيمانه بأن "مصلحة السعودية تكمن في تلك العلاقة" وأنه بصفته "رئيس المجلس الأعلى لشؤون البترول والمعادن" سيحرص أن تبقى السياسة النفطية "تحت السيطرة" .1 في الشهر التالي ( سبتمبر 1973 ) زار الملك فيصل السفارة الألمانية ليؤكد عمق العلاقة بين السعودية وأميركا، وعلى ضرورة أن تسعى ألمانيا والسعودية للتقرب من أمريكا وحفظ العلاقات معها فعدتّها السفارة تراجعا عن التهديد.2

عندما اندلع القتال ظهيرة 6 أكتوبر1973 كانت السعودية أمام اختبار حقيقي لـ" كلام" فيصل.وتؤكد البرقيات السرية أن السعودية لم تكن تعلم عن الهجوم شيئاً، بعكس الروايات التي تحاول إبراز دورها زاعمة أن استخدام النفط كان قد رُتّب له مسبقا لإنجاح المعركة. فالواقع أن فيصل بدا مستاءً من الهجوم لأنه سيضعه في موقف حرج مع الولايات المتحدة ولأنه سيبدو متخلفاً عن الركب ولأن الاتحاد السوڤيتي قد يجدها فرصة للنيل منه.3 في 8 أكتوبر التقى "محمود ملحس" مساعد "الأمير فهد" بالسفير الأميركي وأكد له أنه "منزعج" مما أقدمت عليه سوريا ومصر وأنه يعده "عبثيا" لكن السعودية "ستضطر لمساعدتهما مراعاة للضغوط الداخلية" .4 ظهر سريعا التفوق العسكري العربي لدرجة أذهلت الدبلوماسيين الأميركيين الذين علموا أن أميركا ستزود إسرائيل بالسلاح فطلبوا من واشنطن أن يكون تدّخُلها هادئاً.5 كان المسؤولون السعوديون على علم بتسليح أميركا لإسرائيل لكنها برّرت لهم ذلك بأن "الاتحاد السوڤيتي يزود العرب بالسلاح وأن ذلك يجعل الكفتين غير متساويتين" .6 عتّمت الصحافة السعودية على أي ذكر لتسليح أميركا لإسرائيل بل ذهبت أبعد من ذلك فحذفت أجزاءً من خطبة للسادات يشير فيها إلى معونة أميركا لإسرائيل؛7 وأخبرت وزارة الإعلام السفارة الأميركية ؛ أنها أقدمت على ذلك تفاديا لتهييج المشاعر ضد أميركا.8

في هذه الأثناء التقى السفير البريطاني بعدد من المسؤولين السعوديين وجميعهم بلا استثناء كان قلقاً من أن السعودية قد "تضطر" للمشاركة الفعلية لأنها إن لم تفعل فسيحملها العرب المسؤولية حال الخسارة وسيلومونها حال الفوز وانتقد بعضهم بشدة السادات وبدأه للمعركة.9 في 9 أكتوبر كان وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عمر السقاف" في الأمم المتحدة وهدد بقطع النفط، لكن يبدو أنه كان تصريحاً ارتجالياً إذ إن السفارة البريطانية سألت "سعود الفيصل" عن ذلك فأخبرهم أنه "لم يكن على علم مُسبق" .10 ثم صرّح "الأمير سلطان" أيضا أن السعودية "ستقلل من إمدادات النفط" لكن الخارجية السعودية أخبرت السفارة الأميركية أن ء"حديث الأمير سلطان عام ولا علاقة له بالظروف الراهنة" . في ذات الأثناء أخبر مسؤولون سعوديون السفارة الأميريكة أنهم "يستبعدون أن تخوض السعودية الحرب" ،11 لكنها لا تستطيع أن تمكث هكذا ولذا فإن اضطرت للمشاركة فستكون مشاركتها "رمزية".12 في 10 أكتوبر أخبرت السعودية الأردن أنها سترسل كتيبة إلى سوريا فخاف رئيس الوزراء الأردني زيد الرفاعي من ذلك فاتصل بالسفارة الأميركية في عمّان ليطلب منها أن تتواصل مع الملك فيصل لأن الأردن لن تستطيع أن ترفض.13في هذه الأثناء كانت الصحافة السعودية تهوّل من دور السعودية وتشيد بمشاركتها في الجبهة السورية ولتتأكد أمريكا أن السعودية لن تُقدِم على شيء ولتُحكِم قبضتها راسلت وزارة الخارجية الأميركية شركات الدفاع الأميركية طالبة منها ألا تشترك في أي نشاط خارج الحدود السعودية.14 في 11 أكتوبر التقى "الأمير نواف بن عبد العزيز" السفير الأميركي ليؤكد له حرص السعودية على علاقتها بأميركا وعلى ضرورة وقف إطلاق النار وأكد له أن العرب لا يريدون تدمير إسرائيل بل تنفيذ قرار مجلس الأمن 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967 15

في 10 أكتوبر دعت الكويت الدول المُصدّرة للنفط لاجتماع عاجل لبحث استخدام سلاح النفط وجاءت الدعوة بعد تنامي ضغط البرلمان الكويتي والاحتجاجات الشعبية.16 اعتبرت السعودية المبادرة الكويتية ( تحت الضغط الشعبي ) "مُحرجة" لأنها لا تريد "المغامرة" .17 في ذات الوقت أكد ولي العهد الكويتي "جابر الأحمد" الصباح للسفير البريطاني أن الكويت “لا تريد أن تضر أصدقاءها فهي تحتاجهم”. في 17 أكتوبر عُقد الاجتماع وسرعان ما وشى وزير النفط السعودي المدعو "أحمد زكي يماني" بمجرياته التفصيلية للسفارة الأميركية : كانت العراق وليبيا تقفان في الجانب “الراديكالي” فطالبا بقطع النفط تماماً وقطع العلاقات مع أميركا وسحب أرصدة الدولار لينهار، لكن السعودية واجهت بشدة كل تلك المقترحات، فدعت العراق الدول للانسحاب من الاجتماع لكن أحدًا لم يلحق بها. انتهى الاجتماع بعد التسوية إلى خفض نسبة الإنتاج 5% على الأقل شهريا وبأثر رجعي حتى حل القضية.18

في 19 أكتوبر طلب الرئيس الأميركي" ريتشارد نيكسون" من الكونجرس اعتماد معونة عسكرية عاجلة لدعم إسرائيل بمبلغ 2.2 مليار دولار. كان التطور صارخاً ولا يمكن كتمانه كما كُتِمت المعونات السابقة، فاضطرت السعودية لإعلان قطع النفط عن أميركا بعد أن قامت ليبيا بذلك.

حاول العراق استثمار الفرصة لرفع سقف الطموحات فطالب" بتأميم شركات النفط وسحب جميع الأرصدة العربية من الدولار وقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع أميركا" ثم هاجم إعلام العراق السعودية واتهمها" بالخيانة والوقوف على المصالح الأميركية" . وصرّح وزير النفط السوري أنه "كان ينتظر إجراءات أقوى على الجبهة النفطية" .19

قُسّمت الدول المستهلكة للنفط لثلاثة أقسام: دول مُقاطَعة وهي الدول التي تُسلّح إسرائيل ولا تنال من نفط السعودية شيئا (أميركا وهولندا والبرتغال)، ودول مُحبّذة وهي الدول التي أدانت إسرائيل وتنال حصتها كاملة كما كانت قبل الحرب دون نقصان (بريطانيا وفرنسا وإسبانيا)، ودول غير مُحبّذة وهي الدول التي لم تنحز للعرب وتتأثر بالنقصان الشهري المتصاعد لإمدادات النفط (بقية دول العالم).20

لم يكن قرار قطع النفط مؤثرا على بقية العلاقات العسكرية والتجارية والدبلوماسية والشخصية بين السعودية وأميركا. فعلى الصعيد العسكري التقى نائب وزير الدفاع السعودي"الأمير تركي بن عبد العزيز " برئيس البعثة الأميركية للتدريب العسكري في 21 أكتوبر (بعد الحظر بيومين) ليؤكد له أن السعودية " اضطرت لاتخاذ هذه القرارات السياسية” وأنها يجب ألا تؤثر في التعاون العسكري،21 وبعد أسبوع زار نائب رئيس شركة ريثيون الأميركية للسلاح وزير الدفاع الأمير سلطان ليطمئن على استمرار صفقة شراء معدات دفاعية،22ثم زار وفد سعودي ولاية جورجيا الأميركية ليستلم طائرات حربية من شركة لوكهيد،23 وتواصل رئيس الحرس الوطني "الأمير عبد الله بن عبد العزيز" مع السفارة الأميركية طالبا صفقات للحرس الوطني.24

أما على الصعيد الاقتصادي فأكّد رئيس مؤسسة النقد السعودي "أنور علي" للسفارة الأميركية أن السعودية لا تنوي سحب أرصدتها من الدولار،21 وراسلت السفارة الأميركية وزارة الخارجية الأميركية لتبلغها أن بإمكان رجال الأعمال الأميركيين القدوم وإتمام صفقاتهم كما كانوا25 وأُجريت مشاورات عن استثمار شركة "جنرال موتورز" في السعودية.26

أما على الصعيد الدبلوماسي فاستمرت الاتصالات الدبلوماسية بين المسؤولين السعوديين والسفارة الأميركية بل أُبلِغت أن السعودية لن تقطع علاقتها بأميركا حتى لو قطعتها كل الدول العربية. وأكد وزير النفط السعودي "أحمد زكي يماني" أن علاقة السعودية بأميركا "ستكون أقوى مما كانت بعد انتهاء الأزمة" .27 وأكد الملك فيصل لوزير الخارجية الأميركي هنري كسنجر أن "المقاطعة لن تنتهي فحسب بل سيزداد الإنتاج النفطي عما كان عليه قبل الحرب".28 أما وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عمر السقاف" فزار عددا من العواصم العربية (منها القاهرة ودمشق) ثم عاد ليُبدي للسفارة الأميركية استياءه من التوجه العربي “العدواني” لأنه وجد أنهم يعتقدون أن بإمكانهم الإثخان في إسرائيل ولم يكونوا حريصيين على إيقاف إطلاق النار وطلب من أميركا أن تصدر تصريحا يعزّز من موقف “المعتدلين” (السعودية والمغرب وتونس).29

وفوق ذلك كله كانت العلاقات الشخصية بين المسؤولين السعوديين والأميركيين متينة إذ كان السعوديون يسمون الأمريكيين “الأصدقاء”، وفي عيد الفطر لعام 1973 (في ظل توتر حاد على الجبهة المصرية الإسرائيلية) دعا وزير النفط أحمد زكي يماني السفير الأميركي لقضاء إجازة العيد معه !.30

كانت السعودية في وضع ممتاز: قدّمت أقل ما يمكن أن تقدمه، وحافظت على علاقات متينة بأميركا، وحقّق فيصل منزلة لم يسبق له أن نالها31(ولا تزال تذكر له إلى اليوم ! ). وعلاوة على ذلك كله زاد دخل السعودية نتيجة لزيادة لارتفاع الطلب على النفط وانخفاض العرض؛ حيث قدرت السفارة الأميركية الزيادة بأنها من 4 إلى 8 مليارات دولار سنويًا.32

في 26 نوفمبر 1973 عُقِدت قمة عربية في الجزائر وحضرها فيصل وقررت القمة أن تترك المجال لكل دولة لتخفض من إنتاجها النفطي كما شاءت. أبدى السفير السعودي في بريطانيا "عبدالرحمن الحليسي" سعادته للسفير الاميركي لأن هذا القرار "سيخفف الضغط على السعودية" .33

في 22 ديسمبر عقدت أوبك اجتماعًا في طهران ومثّل السعودية وزير النفط "أحمد زكي "يماني وأصر فيه الشاه على رفع أسعار النفط من 3.05 دولار إلى 7 دولار. رفضت السعودية الارتفاع مطلقاً لكن الشاه أكد أنه تشاور مع أميركا وبريطانيا وكلاهما وافقا على الرفع. اتصل يماني بالسعودية فأمره الأمير فهد "ألا يواجه الشاه وأن يقبل" . عاد يماني من الاجتماع ليشي مجدداً بمجرياته للسفير الأميركي ويخبره أنه حاول جاهداً أن يقنعهم بتخفيض الأسعار، فأخبره السفير أن الولايات المتحدة ( بعكس دعوى الشاه ) لم توافق على الرفع ، فأجابه يماني أن السعودية ستدعو لاجتماع آخر عاجل لأعضاء أوبك للتراجع عن القرار.34 وهذا ما جرى، ففي 8 يناير 1974 اجتمعت دول أوبك في جنيف وهددت السعودية بأن "تخفض الأسعار بشكل مُنفرد" .35

في أواخر ديسمبر 1973 تلقى الملك فيصل رسالة من "معمر القذافي" يتناول فيها السادات الذي بدأ مفاوضات تسوية مع إسرائيل ويتهمه فيها بالخيانة، فسارع "عمر السقاف" ( وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية ) في اليوم التالي إلى السفارة الأميركية ليعرضها عليهم ويعرض عليهم مسودة رد الملك التي خطّأ فيها القذافي وحدثه عن " ضرورة القبول بالحلول الواقعية”.36

في 18 يناير 1974 وقّعت مصر وإسرائيل " اتفاق فض الاشتباك الاول " تنسحب بموجبه إسرائيل عن غرب قناة السويس (التي احتلتها بعد بدء الحرب) وتحافظ على سيطرتها على معظم سيناء، وبقيت الجبهة السورية دون تسوية. في أواخر يناير تصدّرت السعودية مساعي إلغاء المقاطعة عن أميركا، و سعّت لإقناع بقية الدول بذلك . ثم التقى عمر السقاف بالسفير الأميركي ليبلغه بالردود التي تلقاها (لم يمانع إلا ليبيا ! )، واعترف السقاف للسفير أنه رغم سعادته بانتهاء الحرب إلا أن ما تم لا يمكن أن يُعد إنجازاً لهدف المقاطعة.37 في أوائل فبراير التقى السفير الأميركي بنواف بن عبد العزيز (مستشار الملك فيصل) ومساعد بن عبد الرحمن (وزير الاقتصاد) وكلاهما أبلغاه أنه " لو كان الأمر بيد الملك فيصل لألغى المقاطعة فورا لكنه يخشى من أن يناله نقد بقية الدول العربية وأن يُتّهم بشق الصف العربي ولذا فلن يتخذ قرارا قبل قمّة طرابلس" التي عقدت أخيرا في 13 مارس.38 لم ينتج عن تلك القمة اتفاق لأن ليبيا أصرت على تأجيل إلغاء المقاطعة لحين تسوية الجبهة السورية، فأُجل إعلان الرفع إلى قمة أوبك في ڤيينا لأن الحضور رأوا أنه من غير الملائم أن يتم ذلك من الأراضي الليبية رغم معارضتها.39 في 18 مارس أعلن أحمد زكي يماني في مؤتمر صحفي لأوبك أن السعودية ومصر ( التي ليست طرفاً في تصدير النفط أصلاً ! ) والكويت وقطر والإمارات والبحرين قرروا إلغاء المقاطعة عن أميركا مع امتناع ليبيا وسوريا عن ذلك.40 تعهد يماني أن تعوّض السعودية أميركا عن النقص الذي سيلحقها بسبب مقاطعة ليبيا وأنها سترفع إنتاجها 300،000 برميل،41 بل ذهب أبعد من ذلك وأخبر السفارة سرًا أن السعودية ستزيد الإنتاج أكثر ، إذا ما احتاجت أميركا ذلك.42

في الأيام التالية شنت الصحافة اليسارية هجوما على موقف السعودية وعدَّته بعضها خيانة للقضية وتعاميا عن أن أميركا لم تقدم شيئا بل أثبتت الحرب تماهيها التام مع الموقف الإسرائيلي.أحست السفارة الأميركية بمقدار الهجوم فأرسلت إلى واشنطن طالبة أن يشكر الرئيس الأميركي الملك فيصل وأن يهنئه وأشادت بـ" حكمة” السعودية ودورها “القيادي” !

وهكذا انتهت 150 يومًا من قطع النفط عن الولايات المتحدة: لم يكن الدور السعودي بطولياً فدائياً ولا ريادياً ( كما يوهمنا حتى اليوم الشماشرجية و أذيالهم ) ، بل كان دور الحريص على تخفيف المقاطعة وتأجيلها قدر المستطاع ثم دور الواشي بالاجتماعات والمراسلات ثم دور الساعي لرفع المقاطعة سريعاً بأقل المكاسب. كانت معركة إعلامية ومساومة سياسية ما تزال أساطيرها سائدة بيننا حتى اليوم .و منها النكتة الرائجة حول اجتماع كسينجر و فيصل و تجهم فيصل الى آخر تلك الأوهام التي يروّجها الغائبين عن الوعي بالتاريخ ممن لا يُحسنون شيئاً سوى الترحم على الذين لو أنصفوا لأحرقوا عظامهم في قبورهم ، أو على الأقل يقرؤون ( لو كانوا يعرفون القراءة ) ما نشرته الصحافة السعودية نفسها عن محضر اجتماع كسينجر و فيصل في 09.11.1973 . المنشور على حلقتين في صحيفة " الشرق الأوسط" السعودية يومي 8 و 9 يناير 2008 !

ورابطيهما هنا :

http://archive.aawsat.com/details.asp?article=453095&issueno=10633#.Vkbo2BKeqrU

و

http://archive.aawsat.com/details.asp?issueno=10626&article=453238#.VkbrOJqeqrU

أزمة حماس فى اخوانيتها!!


((عندما تغلب حماس الانتماء لفلسطين على الانتماء للتنظيم الدولى للاخوان ساعتها سيحترمها التاريخ وستعود علاقاتها مع مصر الى قوتها واحترامها القديمين ))

رفعت سيداحمد

عندما كانت حماس فى الانتفاضة الاولى /1987 والثانية2000/ تنطلق من الهم الفلسطينى وتقدم الشهداء والاسرى بالالاف ....ساعتها كانت حماس تمثل اضافة كبرى للقضية الفلسطينية اما عندما تحولت الى حركة اخوانية ذات اجندة اخوانية تبحث عن الحكم والتنظيم الدولى، اكثر منها اجندةفلسطينيةتحررية .. حتى فى ذروة لحظات الصدام الدامى مع العدو الصهيونى ،عندئذ خسرت حماس وخسرت فلسطين الكثير جدا.اما بالنسبة لخسارة القضية من الانقسام الفلسطينى فهى خسائر عديدة ابرزها زيادة معاناة الشعب الفلسطينى على مستوى النضال الوطنى وعلى مستوى الحياة المعاشة وحرية التنقل والحركة وفى المقابل كسبت اسرائيل الكثير فهى قويت على المستوى العسكرى وزادت من الاستيطان حيث اقترب الان عدد من زرعتهم من المستوطنين فى الضفة فقط فى سنوات اوسلو وسنوات الانقسام الفلسطينى الى ما يقرب من ال700 الف مستوطن ..ان الانقسام الذى يفتت الجسد الفلسطينى اسقط تماما خيار المقاومة وأعلى-للاسف- من قيم التنافس الباْئس على السلطة بين الفرقاء الفلسلطينين وخاصة بين فتح وحماس.

ان حماس مثلها مثل الاخوان واى جماعة تحمل فكرا متطرفا هى جماعة اولا منغلقة على نفسها وتعتبر نفسها افضل من الاخرين وان رايها هو الاصوب بغض النظر عن مدى صحته او عدم صحتة بل ان هذا النوع من الفكر المتطرف لاينظر لافكاره على انها خطأ ، بل انه ينظر الى الاخرين نظره فيها قدر من الدنيوية والاحتقار وعدم الثقة طالما انهم لايتفقون معهم فى الرأى وفى ضوء هذه الخصائص نجد ان هذه الجماعات المتطرفة تسعى لتحقيق مصالحها بأى شكل كان حتى وان كان على تقسيم الوطن نفسه وهذا ماحدث مع حركة حماس والاخوان المسلمين ، فحماس فضلت - مع قيادات السلطة الفلسطينية التى اتت بعد اتفاق اوسلو البائس- الانقسام الفلسطينى بل انها تصر عليه لانها تحاول افشال المفاوضات الفلسطينية الفلسطينية لتحقيق نوع من الوئام الوطنى بنفس الطريقة التى سعى بها الاخوان المسلمين الى تقسم مصر الى فرق متنحارة وتفكيك اجهزة الدولة ( كالقضاء والاعلام والشرطة والجيش اخيرا كان مستهدفا).

بعد ما سمى زيفا بثورات الربيع العربى ،ارتضت حماس بأن تكون مجرد ورقة فى يد جماعة الاخوان المسلمين فى اطار سعيها لضمان الدعم االامريكى لحكمها فى مصر و لم يكن غريبا استقبال الاخوان عندما كانوا فى الحكم لعشرات من رجال السياسة والمخابرات الامريكية وتعهدهم بالاعتراف بكامب ديفيد وبكبح جماح المقاومين فى فلسطين وحفاظهم على امن اسرائيل بل وارسال محمد مرسى برسالته الشهيرة للرئيس الاسرائيلى للتهنة وتجديد تعهده بالسلام مع الصهاينة الذين كان يلعنهم بالامس القريب عندما كان خارج السلطة .ان علاقة حماس بالاخوان زادت ترابطا بعد ثورة يناير وبالمقابل زاد الحديث عن هدنة طويلة بين الكيان الصيونى وحماس عبر وساطة اخوانية وقطرية ولكن مجىئ ثورة 30 يونيو افشل المخطط الذى كان يعده الاتراك وقطر وواشنطن مع تل ابيب والاخوان وكانت غزة وتضحيات شعبها العظيم هى الضحية الاولى .

ويوماً إثر يوم " ينكشف لنا أسرار جديدة " عن خالد مشعل ، وبعض القادة السياسيين لحماس من العاملين فى الخارج بشكل أساسى ، ينكشف لنا كيف أنهم كانوا (إخواناً) أكثر مما كانوا (فلسطينيين) ، فقبل أيام نشرت الصحافة الإسرائيلية معلومات مخابراتية مهمة نشرها بعض الصحفيين أمثال (جاكى حوجى) وحملت عنوان " خالد مشعل منع عملية نوعية خطيرة ضد إسرائيل فى أثناء العدوان على غزة التى سميت وقتها بالجرف الصامد " لمنع هذة العملية التى كانت ستؤدى الى اسر وقتل عشرات الجنود الصهاينه أكدت فيها أن خالد مشعل تدخل شخصياً وفى هذا السياق تقول الصحافة الإسرائيلية : [ التوتر الذي طرأ في الـ 2014 بين القيادة السياسية في الخارج وبين الجناح العسكري ما زالت ترسم الى يومنا هذا معالم موازين القوى في صفوف حركة حماس، لم ينتهِ الأمر مع انتهاء الحرب؛ بل ما زالت مستمرة الى اليوم، الذراع العسكري، وعلى رأسه الرجل ذو السبعة أرواح محمد الضيف، يتهمون القيادة السياسية بأنها قيدت أيديهم ومنعتهم من تحقيق انجاز تاريخي، انجاز كان من شأنه ان ينهي معاناة أصحابهم من الأسرى المعتقلين في إسرائيل ومحو الشعور بالذل الذي يرافق الجناح العسكري منذ سنوات طويلة إثر سلسلة من الهزائم العسكرية أمام إسرائيل ] .لقد انقذ مشعل اسرائيل لماذا لانه ساعة فكر فى تأجيل هذة العملية الفدائية كان اخوانيا ولم يكن فلسطينيا !!

أن حماس حركة تعيش الأزمة من الداخل والخارج، في الداخل تتمنى تأييد الشارع ومساعدة السلطة الفلسطينية التي تدير لها ظهرها وتتمنى زوالها، وفي الخارج تبحث حماس عن حل، منذ اندلاع المؤامرة المسلحة على الدولة السورية-مارس2011_، والتي اسماها ولايزال بعض اعلامنا للأسف /ثورة/ .. طُلب من حماس ان تبدي تأييدها تجاه أحد الأطراف المتخاصمة، فاختارت ان تدير ظهرها لدمشق التي قدمت لها الغطاء لسنوات طويلة ودعمتها بالسلاح والمال والسياسة بل وباقامة كافة قياداتها المؤثرة فوق الأرض السورية وبحماية كاملة وقوية من نظامها الوطنى الحاكم ،نظام الأسد .. وولت وجهها وباوامر من التنظيم الدولى للاخوان شطر خصومها، وعلى رأسهم إمارة قطر، وتركيا وواشنطن ، لقد اكدت بعض قيادات حماس في الخارج على طبيعتهم الاخوانية بسلوكهم الانتهازى هذا وبعدم الوفاء ورد الجميل للدولة السورية التي احتضنتها لاكثر من ثلاثين عاما.

خلاصة الامر كما نفهم الان وبعد طول متابعة لفكر ونشاط حرة حماس انها قد انقسمت إلى (حماسين) وأن هذا الانقسام سيزداد خلال المرحلة المقبلة ، أولهما حماس الخارج بقيادة خالد مشعل والتى أعطت ولاتزال الأولوية لانتمائها الإخوانى على حساب انتماءها لفلسطين ، و(حماس الداخل) التى بحكم مرارة الواقع وقسوته أعطت لفلسطين الأولوية قبل (الأخونة) !! بالتأكيد هذه لم ولن تكن قسمة نهائية وفاصلة حيث نجد بها تداخل ، فبعض قيادات وأفراد (الداخل) يعلون من انتماءهم الإخوانى على حساب فلسطين ، وبعض عناصر (الخارج) يقدمون فلسطين على الإخوان ومشروعهم الذى انهار وسقط !! إن هذا الانقسام هو الذى أودى بحماس ووضعها فى حالة تفكك وصراع داخلى شديد، وأدى بها إلى هذه الحالة الصعبة فى طريقة تعاطيها مع الواقع السياسى العربى والفلسطينى ؛ وطالما هو مستمر فإن الكثير من المشكلات ستواجهها إلى أن يحسم الأمر وتتحول نهائياً إلى حركة مقاومة فلسطينية فقط ويسقط وبوضوح كامل وقاطع ، مشروعها الإخوانى الخارجى خاصة شقه القائم على نهم الوصول إلى السلطة فى مصر مجدداً وبأى ثمن حتى لو كان التعاون مع مخابرات تركيا وقطر ومن ثم إسرائيل !! وهو مسار ثبت فشله وأثر سلباً عليها وسيظل – للأسف الشديد – مؤثراً !! .

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر