الراصد القديم

2018/06/02

رمضان... شهر تحتاج الأمة لمعانيه ودروسه




لقد هل علينا ​شهر رمضان ​ المبارك، شهر الصيام والقيام والقرآن، هذا الشهر الكريم الذي جعل الله تعالى صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، مَن تقرّب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.

فهنيئا لكل صائم أدى حق الله تعالى فيه، فحفظ لسانه وسمعه وبصره، وعمل فيه من الصالحات، فأخرج زكاة ماله وأطعم الفقراء والمساكين وواسى الأرامل والأيتام، ونشر المحبة والسلام.

قال رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "أتاكم رمضان، شهر البركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم الملائكة، فأروا من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله عز وجل".

على المسلم الصائم أن يراعي أثناء صيامه ما يكفل له قبول الصيام وعدم ردّه أو ما يحبط الأجر والثواب، وذلك من خلال مراعاة الآداب الحسنة والأخلاق الطيبة، فقد قال حبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "​الصوم​ أمانة، فليحفظ أحدكم أمانته".

والمقصود بأمانة الصيام، هو معرفة الحلال والحرام، وحفظ اللسان والسمع والبصر.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

إن الصائم يعيش نهار رمضان متحملا الجوع والعطش ليحقق بذلك الهدف والغاية من الصوم، وهي التقوى.

قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، والتقوى هي حالة وجدانية وأخلاقية وتعبدية راقية تدفعك لأن تشعر مع الجياع والمحتاجين، وتشعر بمعاناة الفقراء والمساكين.

فمن لم يحقق الصيام فيه هذه المعاني أو لم يتحلَّ بالصبر وحسن الخلق، فقد يعرّض صيامه لضياع الأجر والثواب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "ربّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش".

وقال أيضا عليه ​الصلاة​ والسلام: "إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، وإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم".

فكم هي الأمة الإسلامية محتاجة للمعاني الحقيقية للصيام في شهر رمضان المبارك، وأن تجسدها في سلوكها وتصرفاتها كي تبني علاقات اجتماعية راقية، وتكافل وتعاضد بين أبناء المجتمع الواحد.

أعاننا الله تعالى جميعا على الصيام والقيام وتلاوة القرآن، وجعله شهر خير وسلام ومحبة يعم خيره ونوره علينا، ليؤلف بين فلوبنا ويجمع كلمتنا ويوحد صفوفنا، وتنتشر فيه راية السلام والأمن في كل أوطاننا وبلادنا... وكل عام وأنتم بخير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
*المدير العام السابق للأوقاف الإسلامية في لبنان

الضربة التي يمكن أن تتلقاها إيران من الأسد وروسيا.. "هآرتس": تفاصيل عن مباحثات موسكو وتل أبيب حول جنوب سوريا



قالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، الخميس 31 مايو/أيار 2018، إن إسرائيل وروسيا تناقشان مسألة إبعاد إيران عن حدود سوريا الجنوبية مع الأراضي التي تحتلها إسرائيل.

وأشارت الصحيفة إلى أنه لا يزال هدف إسرائيل في تحجيم النفوذ الإيراني والحد من تواجد طهران العسكري في سوريا يتصدر قائمة الأولويات، على الرغم من وجود ساحة أخرى هي غزة.

وأوضحت الصحيفة أنه في مساء الأربعاء الماضي، وبعد بدء تنفيذ وقف إطلاق النار في غزة، ذهب وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان في زيارة قصيرة إلى موسكو، وفي اجتماع مساء الخميس مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويجو، ناقش قضية الحد من التواجد الإيراني في سوريا.

"عودة مشروطة للأسد"

وأشارت الصحيفة إلى أن ليبرمان كان متفائلاً هذا الأسبوع بشأن فرص إبعاد الإيرانيين والميليشيات الشيعية التي يمولونها بعيداً عن الحدود مع إسرائيل بمرتفعات الجولان.

وتشير التفاصيل المبدئية الصادرة عن اجتماع ليبرمان مع شويجو، والمكالمة الهاتفية التي أجراها نتنياهو مساء أمس الخميس مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى إمكانية أن تمنح إسرائيل موافقة صامتة على عودة الأسد إلى الحدود بالفعل، وفقاً للصحيفة.

وتمت مناقشة إمكانية انسحاب الإيرانيين والميليشيات الشيعية إلى شرق طريق دمشق السويداء، الذي يبعد 70 كيلومتراً عن الحدود الإسرائيلية، خلال المحادثات.

وترتبط هذه التوقعات بالتغيرات الحاصلة في جنوب سوريا، بما يتماشى مع الاتفاق السابق من أجل الحد من الاحتكاك بالمنطقة، والذي وقعت عليه كل من الولايات المتحدة وروسيا والأردن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وقالت القناة الإسرائيلية العاشرة (غير حكومية)، مساء الإثنين الفائت، أن لقاءات دبلوماسية بين إسرائيل وروسيا أسفرت عن اتفاق بين الجانبين، يقضي بالسماح لجيش النظام السوري باستعادة السيطرة على حدوده الجنوبية مع إسرائيل.

وتابعت القناة أن الاتفاق يقضي أيضاً بعدم انتشار أية قوات من إيران ولا من "حزب الله" اللبنانية (حليفتي النظام السوري) أو أية عناصر أجنبية على الحدود. وأضافت القناة أن "إسرائيل ستحافظ على حرية تصرفها داخل سوريا".

وأفادت القناة بأن "النظام السوري وافق على هذا الاتفاق الذي توصلت إليه إسرائيل وروسيا"، وفق قولها.

ويصر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على زيادة حد المطالب، وقال يوم الأربعاء الماضي خلال الذكرى السنوية لضحايا سفينة ألتالينا الحربية عام 1948، إن إسرائيل سوف تواصل التصدي للتعديات الإيرانية "ليس على مرتفعات الجولان فقط، بل على كل أنحاء سوريا".

ومن بين الأسباب التي تدفع إسرائيل أيضاً إلى التفاؤل بإبعاد الإيرانيين من جنوب سوريا، هو موقف الروس الذي قالت صحيفة The Telegraph البريطانية إنه أقرب لتل أبيب منه إلى طهران.

ونقلت الصحيفة الإثنين الفائت عن أحد كبار مسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية، قوله إن تفاؤل إسرائيل يتزايد بقدرتها على طرد إيران من سوريا، بينما تجد روسيا أن وجود إيران قد يهدد مصالحها.

وقال شجاي تسوريل، مدير عام وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، إنه يعتقد أن روسيا قد أدركت أن القتال بين إيران وإسرائيل قد يقوّض المكاسب التي حققتها موسكو خلال الحرب الأهلية السورية.

وأضاف تسوريل: "أرى أن الروس يهتمون بترسيخ إنجازاتهم في سوريا. وأعتقد أنهم يتفهّمون أنه في حالة استمرار المسار الحالي للإيرانيين، فإن ذلك سيؤدي إلى التصعيد ويفسد خططهم نهائياً".

وضع معقد في الجنوب

ومنذ أربع سنوات دفعت المعارضة القوات الموالية للأسد بعيداً عن منطقة الحدود بالكامل، باستثناء منطقة واحدة صغيرة على منحدرات جبل حرمون على الجانب السوري.

ولا تزال القوات المحلية الموالية لتنظيم "داعش" على المنطقة الواقعة جنوبي مرتفعات الجولان بالقرب من الحدود الثلاثية مع الأردن. وخلال العام الماضي، أثارت الاستخبارات الإسرائيلية إمكانية تجديد الاعتداء على تلك القوات من قبل النظام ومؤيديه في محاولة للسيطرة على منطقة الجولان السورية بالكامل.

ولم يتحقق هذا السيناريو حتى وقتنا هذا؛ ويرجع ذلك بصفة جزئية للمعارضة الإسرائيلية ولأن الأسد منشغلٌ بمهام أكثر إلحاحاً ينبغي أن يتعامل معها، مثل قتال المعارضة في إدلب شمالي سوريا.

وبمرور الوقت، عززت إسرائيل علاقاتها ببعض السوريين بالقرب من الحدود، حيث قدمت مساعدات إنسانية (تضمنت مواد غذائية وأدوية، بالإضافة إلى العلاج الطبي في إسرائيل) إلى القاطنين بالمنطقة.

ومع ذلك، تتفهم الأطراف المتعددة أن هذا التحالف مؤقت، وسوف يتأثر استقراره باعتبارات أوسع نطاقاً، وأن إسرائيل لن ترسل جندياً واحداً لإنقاذ هذه القرى من عودة النظام.

نذر حرب

وترى إسرائيل الآن فرصة سانحة لها في الشمال لإقصاء الإيرانيين دون تردي الوضع إلى خوض حرب ضدهم وضد حزب الله.

ولا يشعر كافة جيران إسرائيل بالتفاؤل على قدم المساواة، وقد خصصت قبرص بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي منذ وقت ليس طويلاً مركزاً جديداً لإدارة الأزمات.

وانعقد أول تدريب على نطاق واسع بالمركز خلال الشهر الماضي، بمشاركة وفودٍ من 18 دولة (كانت إسرائيل تحظى بدور المراقب).

وقد تصور سيناريو التدريب إجراء عملية إخلاء جماعي للمواطنين الغربيين من لبنان عبر قبرص خلال الحرب. واستند هؤلاء الذين نظموا التدريب على تجربة حدثت بالفعل: وهو ما حدث بالضبط عام 2006، خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.

بعض رجال السياسة والفكر الفرنسيّين يطالبون بحذف آيات من القرآن الكريم




نشرت صحيفة ” لو باريسيان ” الفرنسية الصادرة بتاريخ 22- 4- 2015 نشرت رسالة مفتوحة تفوح منها رائحة العنصرية والكراهية بعد ان وقعتها ما يقرب من 300 شخصية فرنسية قالوا فيها أن عددا من آيات القرآن الكريم تدعوا صراحة إلى” قتل ومعاقبة اليهود والمسيحيين الكفّار “، ودعوا إلى حذفها لأنّها كما يعتقد الموقّعون على الرسالة، أصبحت ” غير مناسبة للوقت الحالي “، وتسبّب المزيد من الحقد والكراهية بين أتباع الديانات السماويّة الثلاث!

للأسف الشديد كان من بين الموقّعين على الرسالة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء السابق مانويل فانس، إضافة إلى العديد من الشخصيّات العامّة والمفكّرين المؤيّدين لإسرائيل والمعادين للإسلام والمسلمين. وذكر الموقعون أن ” التطرّف الإسلامي ” هو المسؤول عمّا وصفوه ” بعمليّة التطهير العرقي الصامتة” في منطقة باريس بعد أن أجبرت عائلات يهودية على الانتقال من المدينة بسبب الاساءات التي يتعرّضون لها من المسلمين، وقالوا إن ثلث جرائم الكراهية المسجّلة في فرنسا تستهدف اليهود رغم أنهم لا يشكّلون سوى 0.07% من عدد السكان، وحمّلوا الإسلام المسؤولية عن تلك الجرائم!

من المذهل أن هذه الشخصيات لا تتصدى للعنصريين الفرنسيين الحاقدين الذين يؤيدون حزب ” الجبهة الوطنية “، الذي تتزعّمه مارلين لوبن، والمعروف بعدائه للمهاجرين العرب والمسلمين وغيرهم، وبممارساته اللاساميّة ضد اليهود الفرنسيين الذين يصل تعدادهم إلى ما يقارب 600000 يهودي وتعمل إسرائيل جاهدة على تهجيرهم إلى فلسطين المحتلة.

الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة الأخيرة أجريت عام 2017 وتنافس فيها على الرئاسة في الجولة الثانية والأخيرة إيمانويل ماكرون ومارلين لوبن، وفاز فيها ماكرون الرئيس الفرنسي الحالي بنسبة 65 % من الأصوات، وخسرتها لوبن بحصولها على ما نسبته 35 % من الأصوات؛ لقد حصل ماكرون على 21 مليون صوتا، ولوبن حصلت على 11 مليون صوتا وهو رقم لم يسبق أن حصل عليه هذا الحزب العنصري في تاريخه.

هذه النتائج تثبت أن الناخبين الفرنسيين الذين صوّتوا لحزب الجبهة الوطنية في تلك الانتخابات وعددهم 11 مليون هم من العنصريين والمعادين للسامية والمهاجرين. فلماذا لا يتحرك الذين أرادوا ” حذف آيات من القرآن ” ويتصدّوا للعنصرية التي تمارس علنا ضدّ اليهود والمهاجرين المسلمين وغيرهم في بلدهم فرنسا وبعض الدول الأوروبية؟ ولماذا لا يطالبون بوقف الممارسات العنصريّة والجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطيني؟ ولماذا لا يطالبون بحذف آيات من التوراة المليئة بالعنصريّة والتحريض على قتل كل من لا ينتمي للديانة اليهودية؟

القتل يرفضه الضمير والوجدان والأخلاق الإنسانيّة، لكنه شائع في التوراة التي تقول ” العدل أن يقتل اليهودي بيده كافرا؛ لأن من يسفك دم الكافر يقدّم قربانا لله.” وتقول أيضا ” إذا أغواك سرا أخوك ابن أمّك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلا: نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من أقصاء الأرض إلى أقصائها فلا ترض منه ولا تسمع له ولا تشفق عينك عليه ولا ترقّ له ولا تستره بل قتلا تقتله. يدك تكون عليه أولا لقتله ثم أيدي جميع الشعب أخيرا ترجمه بالحجارة حتى يموت لأنّه التمس أن يطوّحك عن الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبوديّة.”

كذلك فإن حاخامات إسرائيل يستندون إلى نصوص توراتية تبرّر وتدعم وتبيح لليهود قتل الفلسطينيين وسرقة وطنهم وطردهم منه؛ فلماذا لا يعترض الفرنسيون الذين يريدون ” حّذف آيات من القرآن” على هذا الظلم ويتجاهلون النصوص التوراتية؟

العنصريون في فرنسا وغيرها من دول الغرب يستخفون بالمسلمين ويطالبون علنا بحذف آيات من قرآنهم! لكنهم بالمقابل لا يجرؤون على انتقاد التوراة، ويدعمون دولة الاحتلال الصهيونية العنصرية، ويتغاضون عن ظلمها للشعب الفلسطيني، ويتجاهلون ممارساتها التي تتعارض مع القانون الدولي والقيم الأخلاقية، وتتناقض مع الحق والعدل والديموقراطية التي تتغنى بها فرنسا ودول الغرب!

الإسلام والخلافة

 
عبد الحليم قنديل

الخلافة قضية دنيوية بحتة، ليس لها أصل شرعd في الإسلام، لا في الكتاب ولا في السنة، اللهم إلا أحاديث متواترة عن النبي، عليه أفضل الصلاة والسلام، تخبر بما يجري بعد موته، لكنها لا تضع قاعدة دينية من أي نوع لنظام حكم المسلمين، فلا سلطة دينية مطلقا في الإسلام، إلا في بعض تفسيرات جانبية لفرق من الشيعة، تتحدث عن الإمامة المحصورة في نسل سيدنا علي من السيدة فاطمة، وتعطي عصمة النبوة للأئمة الوارثين.

وليس في القرآن الكريم، ولا في آياته المحكمات قطعية الدلالة، أي إشارة لنظام الخلافة، ولم ترد في الكتاب كلمة خلافة ومشتقاتها، إلا على سبيل التمكين للتجربة الإنسانية في الدنيا، ومنح الفرص المتكافئة للاختيار، وعلى نحو ما جاء في سورة البقرة «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة»، وفي سورة النور «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض»، أو في التذكير بتجارب سبقت الدعوة المحمدية لأخذ العظة والعبرة، وعلى طريقة ذكره تعالى في سورة ص « يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض»، وحين صعدت روح النبي الكريم إلى البارئ العظيم، فلم يترك النبي وصية استخلاف من أي نوع، وتوالت من بعده حلقات عهد «الخلافة الراشدة» كما درج عليه وصف التابعين، وكان لسيدنا أبوبكر الصديق صفة «خليفة رسول الله»، ثم تغيرت الصفة من بعده إلى لقب «أمير المؤمنين»، وقد اختاره سيدنا عمر بن الخطاب، حتى لا يشق على الناس في النطق، وحتى لا يقولوا عن عمر «خليفة خليفة رسول الله»، ثم تطول العبارة الوصفية أكثر من بعده، ولم تستغرق عهود الخلفاء الراشدين في جملتها سوى ثلاثين سنة، اثنتين لأبي بكر، وعشر سنين لعمر، واثنتي عشرة سنة لسيدنا عثمان بن عفان، وخمس سنوات بالكاد لسيدنا علي ابن أبي طالب.

وفي حديث للنبي (ص)، خبر حكم الثلاثين سنة من بعده، ووصف هذه الفترة بأنها «خلافة على منهاج النبوة»، لا يعود مثلها إلا في آخر الزمان، وتوافر أشراط الساعة، وظهور «المهدي» أو بالقرب منه. وفي حديث آخر للنبي (ص) يأتي ذكر ظهور إثنا عشر خليفة أو إماما بعد وفاة الرسول، وتأكيد على عبارة «وكلهم من قريش»، وقد اختلفت فيه التفسيرات، وإن مالت إلى إجماع على وضع الخلفاء الراشدين الأربعة في قائمة الاثني عشر، ومع ميل متواتر إلى وضع الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز في القائمة الذهبية، ولم تجاوز فترة حكمه السنتين، مع إجراء تبديلات وتوفيقات اختيارية للمفسرين، مال جلها إلى اختيار خلفاء القائمة حصرا من زمن القرن الأول الهجري، ربما استهداء بقول النبي «خير القرون قرني»، وما من وصف حاسم عند المفسرين الكبار لما يأتي بعد القرن الأول الهجري، مع التسليم طبعا بفظائع ومآس طبعت القرن الأول نفسه، اللهم سوى الاستطراد في ذكر وصف النبي لتعاقب الأزمان، وقدوم «الحكم العضوض» بعد الخلافة الشورية الأولى، ثم توالي أزمنة «الحكم الجبري» إلى نهاية الدنيا، وقدوم «المهدي» ليملأ الأرض عدلا بعد الظلم المعمم. والفكرة «المهدوية» ـ بالمناسبة ـ موجودة في كل أديان السماء، وطبيعي أن ترد في تفكير المنتمين للإسلام بصفته الدين الخاتم الجامع.

وبعيدا عن التفسيرات والنبوءات، وصدقها مؤكد في حدود ما ورد قطعيا في دلالته على لسان النبي، بعيدا عن هذا كله، فقد كانت تجربة الخلافة الإسلامية محض عمل تاريخي، حالفه الصواب أحيانا، وخالطه الخطأ في أحيان زمنية أطول.

وباستثناء تجربة دولة المدينة، وهي حالة حكم وقضاء قادها نبي يوحى إليه، ولا يصح سحب حالة النبي المعصوم على حكم أخلافه، فلم يكن للخلفاء الراشدين وضع العصمة النبوية، ولا كانت الجنة قائمة على سطح الأرض. صحيح أن الخلفاء الأربعة من العشرة المبشرين بالجنة في الآخرة، لكن زمانهم خالطته شوائب الدنيا، خاصة مع اندفاع الفتوحات الإسلامية إلى أقصى مداها، وجلبها لعوائد أسطورية. وكان عهد عمر بن الخطاب هو الأزهى بامتياز، وإن راح الخليفة الأعدل نفسه ضحية القتل غيلة، تماما كما جرى اغتيال عثمان وعلي، في ما نجا سيدنا أبوبكر وحده من قدر الاغتيال، وأوصى بالخلافة لعمر من بعده، وبطريقة مختلفة عن تولية الخليفة الأول، فقد ولى أبوبكر بمشاورات «السقيفة»، وبكونه الصديق الذي رافق النبي في رحلة الهجرة من مكة إلى يثرب، وبكونه من سادة العصبة القرشية، وحين كان عمر ينتظر الموت من بعد طعنة المجوسي، اختار ستة من صحابة النبي، وعهد إليهم باختيار خلفه، واستقر الرأي على عثمان، وولى سيدنا علي من بعده.

وفي غمرة اضطراب وفتنة سادت بعد قتل الخليفة عثمان في بيته، ورفع معاوية بن أبى سفيان والي الشام لقميص عثمان، ومعاندته لخلافة الإمام علي، وبما اضطر الأخير لنقل عاصمة الدولة من المدينة المنورة إلى الكوفة، وتوالي حروب الأحقية في الخلافة، وصولا إلى تحكيم المصاحف في معركة «صفين»، وتمرد الخوارج على سيدنا علي، وإلى حد قتل الإمام، الذي كان النبي نفسه يضعه في أرفع مقام، ويقول عنه «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، ولم يكن سيدنا علي يضع الخلاف على الحكم في مقام الخلاف الديني، وكان ـ كرم الله وجهه ـ يقول في غمرة الحروب «لقد التقينا، وربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا إلى الإسلام واحدة»، ثم كان ما كان من انتقال إلى وضع «الحكم العضوض»، وغلبة سيوف أنصار معاوية، وتنازل الحسن بن علي لمعاوية حقنا للدماء.

لكن الصراع تجدد مع حكم يزيد بن معاوية، وجرت مقتلة الإمام الحسين في كربلاء، ومجيء الشاب معاوية الثاني خلفا لأبيه يزيد، وصحوة ضميره إلى إعادة الشيء لأصله الشورى، ومقتله السريع بالسم على يد بني عمومته في «البيت المرواني»، وكان قد قتل الصحابي عبد الله بن الزبير الذي أعلن الخلافة من مكة، ثم جرت الدماء من بعد ذلك أنهارا، وصار الحكم لمن غلب في بقية عصور الدولة الأموية، ثم الدولة العباسية، وصولا إلى رحلة الدولة العثمانية الطويلة، وإلى أن انتهت قبل نحو قرن من الزمان، ولم يكن لسلاطين بني عثمان أن يسموا أنفسهم بالخلفاء، وكان يقال للواحد منهم «صاحب مقام الخليفة»، فهم بالبداهة ليسوا من أصول قرشية ولا عربية، وهي الصفة التي برر بها متناحرون أحقيتهم في خلافة مزعومة، إلى حد ظهور ثلاثة كيانات تدعي الخلافة في وقت واحد، كما جرى مثلا في تواقت وجود الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في مصر، والخلافة الأموية في الأندلس، وحين اجتاح العالم الإسلامي المغول والصليبيون، كان الخلفاء المزعومون في زمرة الضحايا والسبايا، وكانت المواجهة من نصيب مصر التي لم تكن أبدا دارا لخلافة جامعة.

والخلاصة لا تخفي، فقد اختلفت طرق تولية الخلفاء والسلاطين، ولم يكن من نظام محدد ولا شبه محدد للولاية، وإن كان في الأمر شورى على عهود الراشدين، وقد كانت جزئية على أى حال، لم ينتظم فيها معنى محددا لصياغة مفهوم «أهل الحل والعقد»، وكان الإجماع مجازيا، فالقاعدة أنه لا إجماع في غيبة النص الشرعي، وقد زالت الشورى الجزئية بعدها، وصار الحكم لمن غلب، وإن لم تتوقف فتاوى «الأحكام السلطانية»، وامتاز بعضها برشد نسبي، نقل الأمر كله إلى أولويات الدنيا، وعلى طريقة قول المعتزلة في تفضيل الحكم للأسوس لا للأفقه.

ولم يعد من معنى للجدال الديني في القصة كلها، فقد كنا بصدد حكم دنيوي لا حكما دينيا، تتسع أراضيه الإمبراطورية بحق الفتح وحق السيف، ويقيم حضارة زاهرة في بعض العهود العباسية بالذات، أو ينتهى إلى بوار عقلي وحضاري على طريقة نهايات الدولة العثمانية، ولم يكن المسلمون بدعا في ما جرى لهم وبهم، فقد أقاموا امبراطورية كغيرها من امبراطوريات العصور الوسطى، وجرى عليها ما جرى على غيرها، من مراحل توحد وازدهار، ثم تمزق وانكسار، كالامبراطورية الرومانية التى اعتنقت المسيحية، ثم انشقت في العرش والمذهب إلى امبراطورتين غربية وشرقية، وتوالي حروب القسطنطينية في مقابل روما، ثم غزو المسلمين على مراحل لأغلب نواحي الامبراطورية الشرقية، وبعد أن أخذوا أراضي الإمبراطورية الفارسية قبلها، ولم تكن مراحل ازدهار المسلمين وقفا على حكم ديني، بل كان الصعود مع الغنى البشري واتساع الموارد وانفتاح العقل والعلم والترجمات والإبداعات والابتكارات، وهكذا تكون الحضارات بزوغا وأفولا، وبدون أن يعني زوال دولة أو دول الخلافة، ضعفا أو تراجعا في دين الإسلام بالضرورة، ولا قصورا في الدعوة إلى الدين، فقد انتشر الإسلام إلى أربع جهات الأرض، وصار الدين الأكثر حيوية وأتباعا في عصرنا، وبدون أن يعني ذلك ازدهارا في حال المسلمين، اللهم إلا باستثناءات دول أخذت بأسباب النهوض الدنيوي، فيما ظل الجمود والتخلف مسيطرا منذ زمن خلافة عثمانية، كانت لا تملك في آخر أيامها اي قوة.

وليس معنى عدم وجود أي أساس ديني لدعوى دولة الخلافة، ولا دليل على أن طلب استعادتها واجب ديني، ليس معنى ذلك، أن نغض الطرف العقلي عن طبيعة الروابط الحضارية بين دول العالم الإسلامي في عصرنا، ولا أن نتوقف عن طلب التضامن الإسلامي، بشرط التفرقة بين المعنى القومي لأمة عربية يجب توحيدها، والمعنى الحضاري لأمة إسلامية يجب التضامن بين أممها القومية المتعددة، وقد سألوا حسن البنا مؤسس الإخوان مرة عن معنى الخلافة الإسلامية التى يطلبها، وكان جوابه ـ للمفارقة ـ أنها شيء كعصبة الأمم، التي كانت قائمة قبل منظمة الأمم المتحدة، بينما كان جواب المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي قريب الشبه، فقد كان يطالب بمنظمة «كومنولث إسلامي» يشبه الكومنولث البريطاني، بينما طالب جمال عبد الناصر ـ خصم الإخوان ـ ببرلمان جامع للعالم الإسلامي «يجتمع دوريا في موسم الحج» كما ذكر في كتاب «فلسفة الثورة»، وكل ذلك شيء مختلف بالطبع عن الخلافة المزعومة دينيا في خطاب جماعات الإسلام السياسي، وعن خلافة الخرافة على طريقة «داعش» وأخواتها، وعن ألقاب الخلافة وإمارة المؤمنين التي تطلق نفاقا على ملوك ورؤساء تعرفونهم بالاسم والرسم.


شلالات دم فلسطيني بمجرزة الإحتلال تزامناً مع افتتاح البؤرة الاستيطانية الأميركية




يتسابق ال​فلسطين​يون في تقديم الدماء فداءً لفلسطين، الأرض والمقدّسات، في قوافل متواصلة منذ 70 عاماً، ولم تهن عزيمتهم وإرادتهم قيد أنملة عن تحقيق حلم التحرير والعودة.

خرجوا شيباً وشباباً، نساءً وأطفالاً في مسيرات العودة، شجباً وإدانة لنقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، الخطوة الاستفزازية التي تزامنت مع الذكرى الـ70 لنكبة فلسطين، وتتنافى مع القرارات والأعراف الدولية كافة.

فقد ارتكبت قوّات الإحتلال الإسرائيلي أمس (الإثنين) مجزرة كبيرة بحق الفلسطينيين على الشريط الحدودي شرق قطاع غزّة، ما أسفر عن سقوط 55 شهيداً وأكثر من 2500 جريح برصاص قنّاصة الإحتلال المباشر، الذي أُطلِق على المتظاهرين السلميين، بما في ذلك الفرق الطبية والطواقم الإعلامية.

وأظهرت التقارير الطبية أنّ 90% من الإصابات كانت بالرصاص الحي ومنه المتفجّر، وفي الرأس والرقبة والأطراف العلوية، وشمل الأطفال والنساء، هذا فضلاً عن إصابات عدّة جرّاء استنشاق الغاز الذي أطلقه جنود الإحتلال.

سقط عدد من الشهداء والجرحى بين الفِرق الطبية والطواقم الإعلامية.

وقد قوبل العدوان الإسرائيلي بإدانة عربية ودولية، حيث يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة له اليوم (الثلاثاء) حول فلسطين، بناءً لطلب الترويكا العربية.

فيما أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن تنكيس الإعلام والحداد العام لمدّة 3 أيام اعتباراً من اليوم (الثلاثاء) والاضراب العام.

وقرّرت القيادة الفلسطينية، إثر اجتماع عقدته برئاسة الرئيس عباس، أمس في رام الله، القيام بسلسلة من الخطوات، وبينها تشكيل لجنة لتحديد العلاقة مع إسرائيل والتوجّه إلى المزيد من الوكالات الدولية.

فمنذ ساعات صباح أمس، توافد عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى الشريط الحدودي مع قطاع غزّة المحاصر، تلبية لفعاليات مسيرة العودة، تزامناً مع الذكرى الـ70 لنكبة فلسطين.

وواجهت قوّات الإحتلال، التي كانت قد وُضِعَتْ في حالة تأهّب قصوى التجمّعات الفلسطينية بقصف مدفعي واستخدام كثيف للرصاص الحي والمغلّف بالمطاط والقنابل الحارقة.

كما أغارت على 5 مواقع زعمت أنّها تابعة للمقاومة الفلسطينية في غزّة.

وأقدم الإحتلال على إطلاق طائرات مسيّرة لاسلكياً، محمّلة بقنابل دخانية جرى إلقاؤها على المتظاهرين ما أدّى إلى إصابات عدّة بالاختناق.

ونجح الشباب الفلسطينيون في إسقاط طائرة بعدما أمطروها بوابل من الحجارة.

وعلى وقع سُحُب الدخان من الإطارات المطاطية، التي أشعلها الشبان الفلسطينيون، قذفوا جنود الإحتلال بالحجارة، وأطلقوا طائرات ورقية حارقة، أدّى سقوطها في مناطق الإحتلال إلى إشعال عدّة حرائق في الحقول.

واستطاع عدد من الشبان إزالة الشريط الشائك في نقاط تماس عدّة، والتي ارتفعت إلى 15، فتعرضوا لنيران قناصة قوّات الإحتلال.

ونجح الشبان باقتحام موقع النصب التذكاري التابع لقوّات الإحتلال شرق بلدة بيت حانون - شمال قطاع غزّة.

ونُقِلَتْ جثامين الشهداء والجرحى إلى المستشفيات في قطاع غزّة، فيما جرت معالجة حالات الاختناق في مراكز طبية أُقيمت بالقرب من منطقة الاشتباكات.

نقل السفارة

في غضون ذلك، كانت تتم في مدينة القدس، مراسم حفل افتتاح البؤرة الاستيطانية الأميركية، احتفاءً بنقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

وأُقيم الحفل عصراً، حيث طغت عليه المراسم التوراتية، مع تلاوة صلوات من التوراة من قِبل قس أميركي.

حضر الحفل وفد أميركي رفيع، تقدّمه وزير الخزانة الأميركية ستيف منوشين، نائب وزير الخارجية جون ساليفان، وكريمة الرئيس ترامب؛ إيفانكا وزوجها جاريد كوشنير مستشار البيت الأبيض، والمبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، والسفير الأميركي في الكيان الإسرائيلي ديفيد فريدمان.

فيما غاب أعضاء الحزب الديمقراطي الأميركي في "الكونغرس" بما في ذلك أعضاؤه اليهود.

وحضر عن الجانب الإسرائيلي: رئيس الكيان الغاصب رؤوفين ريفلين، ورئيس وزراء حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو، ورئيس أركان جيش الإحتلال غادي ايزنكوت، وقادة اليمين المتطرّف والاستيطاني.

وفي كلمة مسجّلة، هنّأ الرئيس ترامب "إسرائيل بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة"، زاعماً أنّ "القدس هي عاصمة الشعب اليهودي منذ القدم"، وآملاً "تحقيق السلام، وأن أميركا شريكة للسلام وتقف إلى جانب إسرائيل".

وألقى كلمة الافتتاح السفير فريدمان فقال: "إنّ الولايات المتحدة وفت بوعدها، ونحن نعطي إسرائيل نفس الحق الذي نعطيه لكل دولة في تحديد المدينة التي ستكون عاصمتها".

فيما كرّر ساليفان، خلال الحفل، زعم أنّ "نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة يحسّن فرص السلام".

بينما قال كوشنير: "إنّني فخور جداً بأنْ أكون هنا اليوم في القدس، القلب الأبدي للشعب اليهودي، وفيما تراجع رؤساء (أميركيون) سابقون عن نقل السفارة، فعل ذلك الرئيس

ترامب، لأنّه يعد وينفّذ، وإسرائيل هي أمة ذات سيادة، ولديها الحق في تحديد عاصمتها، وهو حق أي دولة أخرى في العالم".

من جهته، عبّر ريفلين عن شكره لترامب على نقل السفارة، وقال: "نأمل، ونتوقّع أنّه على أعقابك ستسير دول أخرى في طريقك".

بينما اعتبر نتنياهو أنّه "ليست لدينا صديقة أفضل في العالم، أنتم تقفون إلى جانب إسرائيل والقدس، تذكّروا هذه اللحظة، إنّها تاريخية، وباعتراف التاريخ صنع الرئيس ترامب تاريخاً".

واتخذت قوّات الإحتلال الإسرائيلي إجراءات أمنية مشدّدة في محيط السفارة وأرجاء مدينة القدس، حيث أغلقت بعد الظهر الشوارع المحيطة بالسفارة.

وتزامناً نفّذ متظاهرون فلسطينيون ومتضامنون اعتصاماً بالقرب من مقر السفارة الأميركية، احتجاجاً على نقلها إلى مدينة القدس، بمشاركة أعضاء عرب في الكنيست الإسرائيلي.

وأقدم عناصر حرس الحدود والشرطة الإسرائيلية بالاعتداء بالضرب على عشرات المتظاهرين بينهم أعضاء عرب في الكنيست، ما أدّى إلى إصابة العديد منهم بالإغماء.

الرئيس عباس

إلى ذلك، ترأس الرئيس الفلسطيني محمود عباس اجتماعاً طارئاً للقيادة الفلسطينية مساء أمس (الإثنين) في مقر الرئاسة في رام الله.

وأعلن "تنكيس الأعلام لمدّة 3 أيام (اعتباراً من اليوم، الثلاثاء) حداداً على أرواح الشهداء، والإضراب غداً (اليوم) لمناسبة ذكرى النكبة".

واعتبر الرئيس عباس أنّ "ما جرى في القدس، هو افتتاح بؤرة استيطانية أميركية وليست سفارة".

وشدّد على أنّ "إزاحة القدس واللاجئين عن المفاوضات، يعني أنّ هناك صفعة أميركية،

وأميركا لم تعد وسيطاً في الشرق الأوسط، ولن نقبل إلا وساطة دولية متعدّدة تأتي من خلال مؤتمر دولي".

وفي ختام الاجتماع، أعلن أمين سر اللجنة التنفيذية لـ"منظّمة التحرير الفلسطينية" الدكتور صائب عريقات عن أنّ "القيادة قرّرت التوقيع على انضمام فلسطين لعدد من الوكالات الدولية المتخصّصة".

وأضاف: "كما قرّرت القيادة أيضاً التوقيع على إحالة ملف الاستيطان إلى "محكمة الجنايات الدولية"، ودعوة مجلس الأمن وبتكليف من الرئيس محمود عباس للاجتماع بشكل طارئ، وطلب توفير الحماية الدولية لشعبنا".

وأوضح الدكتور عريقات أنّ "القيادة قرّرت تشكيل لجنة من التنفيذية والمركزية والحكومة، لتحديد العلاقات مع إسرائيل، ولوضع قرار المجلس الوطني للتنفيذ، كما قال الرئيس محمود عباس بأنّ القرارات للتنفيذ".

وقرّرت مصر استمرار فتح معبر رفح البري وتزود القطاع بالأدوية الطبية.

وأعلن المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، السفير رياض منصور عن أنّ "رئيسة مجلس الأمن "بولندا" لهذا الشهر أبلغت الترويكا العربية، بأن جلسة مجلس الأمن حول فلسطين ستعقد صباح غد (اليوم)".

وأضاف منصور: "جاء ذلك خلال الاجتماع الذي عقدته الترويكا العربية المكونة من السعودية "رئيس المجموعة العربية لهذا الشهر" والكويت "العضو العربي في مجلس الأمن"، وجامعة الدول العربية وفلسطين مع رئيسة مجلس الأمن "بولندا"، حيث تم رسمياً طلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن بأسرع وقت ممكن".

هذا، وتتواصل مسيرات الغضب اليوم (الثلاثاء) إحياءً للذكرى الـ70 لنكبة فلسطين.

وندّدت العديد من دول العالم أمس، بما ارتكبته قوّات الإحتلال الإسرائيلي من مجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزّة.

نُذر حرب وشيكة في سوريا الجنوبية...


زياد هواش

إسرائيل تستهدف حزب الله في سوريا وأمريكا تستهدف إيران وروسيا تستهدف تركيا، والبقية مجرد أدوات محلية تتفاوت أهميتها مرحليا وتتساوى في كونهم ضحايا دائمين.

قد يملك العراقيون بعض الوقت لتشكيل الحكومة العتيدة وخصوصا أن "القناع المدني" للبلد الممزق قوميا وطائفيا ومذهبيا ينزاح عن وجه السياسيين لتظهر تحته الوجوه الحقيقة للمؤسسات الطائفية_المذهبية الثابتة وتمدد كصحراء الانبار القاسية، والمتدفقة وتجف كالنهرين العظيمين شرهما أكبر من خيرهما.

ولكن اللبنانيون الراسخون كجبال بلادهم في الطائفية والمذهبية والمناطقية والعائلية، قد لا يملكون الوقت اللازم والكافي لتشكيل حكومة قديمة بقناع جديد، لأن الفصل بين حاضر سوريا ولبنان صار مستحيلا الآن، ولأن الحرب في جنوب سوريا ستمتد الى جنوب لبنان وإذا وصلت الى دمشق فستصل الى بيروت.

مناطق خفض التوتر في دمشق وحمص وحماه وحلب صارت تحت سيطرة النظام وداخل جغرافية سوريا المفيدة لروسيا او سوريا الوسطى، ومناطق خفض التوتر في سوريا الشمالية صارت تحت سيطرة الاتراك، ومناطق خفض التوتر في سوريا الجنوبية "درعا والقنيطرة" تحت سيطرة حلفاء امريكا وإسرائيل وحماية قاعدة التنف.

تتوالى الضربات الصاروخية الإسرائيلية على قواعد إيران وحزب الله في سوريا، بدون أي رد فعل روسي، أو إيراني فعال على الغارات، او من حزب الله داخل الجولان السوري المحتل وفق قواعد الاشتباك التي أعلن عنها سابقا، بالتزامن مع تحذير امريكي للنظام في التمدد نحو مناطق خفض التوتر في الجنوب.

قد تكون أهداف حزب الله في سوريا تنحصر في تحرير مزارع شبعا انطلاقا من الأراضي السورية، ولكن هذا الربط بين الجنوب السوري واللبناني "سلاح ذو حدين" يمكن استخدامه في مواجهة الإسرائيلي المُحتل ويمكن ان يستخدمه العدو الإسرائيلي للتوسع في احتلاله خارج الجولان صوب دمشق وبيروت.

المأساة اليمنية انتهت والحوثي الذي قَتل الرئيس صالح قُتل معه، انها لعنة "عدن" والتي تقابلها لعنة "دمشق" نموذجا عن لعنة "بيروت" التي اصابت الفلسطينيين يوم دخلوها ثم الإسرائيليين، هذه المدن العتيقة لا تسقط بقوة السلاح، بل تتجدد بقوة التاريخ، تلك قوانين لا يعرفها الغرباء ولا الغزاة.

بدأت كوريا الشمالية رحلة "قرطاجة" صوب الهلاك، يقولون في واشنطن أن هناك صراعا بين بولتون وبين بومبيو على طريقة قتل الفريسة السهلة "كيم جونغ_أون" الذي بدأ بتدمير ملفه النووي قبل ان يقبض الثمن مكررا ليس فقط مأساة القذافي بل ومأساة السادات من قبله، العسكريون انتحاريون والمدنيون جبناء.

يوميا يضيف الامريكان عبر الاعلام هدفا جديدا على لائحة الأهداف الإيرانية، والحقيقة أنهم يعرفون كل شيء وكل تفصيل حتى داخل سوريا ولبنان، والحقيقة الصعبة أن هناك أعداء لـ (محور المقاومة الافتراضي) داخل المجتمع الإيراني والسوري واللبناني يرون في أمريكا وإسرائيل حليفا حقيقيا وأمل خلاص.

الجديد في المشهد الأمريكي_الاسرائيلي ظاهرة فصل الملفات المتصلة بإيران، الملف اليمني بيد الخليج فعلا والملف العراقي بيد السعودية والملف السوري بيد إسرائيل والملف اللبناني في غرفة الانتظار والملف الإيراني بيد أمريكا، والتي تشرف بالفعل على كل شيء ولكنها تترك للحلفاء هامش حرية حقيقي.

الامريكان والايرانيون والأتراك تعلموا متأخرين حتمية احترام الخصوصيات المناطقية التي تتغلب على التشابه الطائفي_المذهبي او القومي_العرقي حتى داخل الكيان الواحد، ومع ذلك يرخي انهيار الحوثي بظلال ثقيلة على حزب الله والنظام وإيران في سوريا عسكريا وفي لبنان سياسيا والجميع يعيد حساباته.

في الساعات القليلة القادمة ستوسع إسرائيل دائرة وقوة ضرباتها الجوية_الصاروخية داخل سوريا وسيتدخل الامريكان بذريعة حماية مناطق خفض التوتر في "درعا والقنيطرة" ليوجهوا ضربات صاروخية دقيقة من "قاعدة التنف" لمحيط العاصمة دمشق وداخلها، انهم يريدون اشعال الحرب في الأيام القليلة القادمة.

طلب نتنياهو من ترامب توقيع اعتراف رئاسي امريكي بالجولان السوري المحتل أرضا يهودية، هذا ليس مطلبا إعلاميا بل تعبير عن مشروع إسرائيلي توسعي يجعل من جنوب سوريا ودمشق مناطق تفاوض ومن الجولان (القرم الإسرائيلي) التي عادت الى حضن الكيان الأم، لقد منح الروس إسرائيل سابقة قانونية خطيرة.

سيسلك الاجتياح الإسرائيلي مسارات حرب العام 1973 ولكن هذه المرة بغياب الدفاعات الأرضية السورية والوية المدرعات والمضادات الجوية وحتى بغياب سلاح الجو، الأرض خربة خالية من السكان وفيها "مسلحون محليون" تم تدريبهم إسرائيليا لهذا اليوم ليكونوا ادلاء وفي مقدمة الاجتياح وجيش لحد السوري.

الإسرائيليون يخططون لتطوير الهجوم في المرحلة الثانية (من دمشق الى بيروت) بعكس السيناريو التقليدي، لأن الهدف هو تطويق حزب الله في الجنوب وليس الاجتياح من شمال إسرائيل، وفصل قواته عن عمقها اللوجستي في البقاع وبعلبك وهي الطريق التي يُتوقع أن يتم استهدافها بقوة والتي تحصن فيها حزب الله.

الكثير مما قيل عن التغيير الديمغرافي في الطريق الدولي من دمشق الى بيروت لم يكن صحيحا بمعناه المذهبي بل باعتباره طريقا عسكريا استراتيجيا ستسلكه إسرائيل يوما وحتما إذا ما ارادت ان تقضي نهائيا على حزب الله في الجنوب اللبناني، وهذا ما يفسر بالتأكيد ضراوة معارك عين الفيجة وسهل الزبداني...

ويبقى السؤال المنطقي: لماذا تخلت إسرائيل عن المعارضة المسلحة غرب دمشق وتركتها فريسة سهلة لحزب الله...!

لأن إسرائيل لا تضمن ولاء أو فعالية تلك الميليشيات الفوضوية، التي راهنت عليها لجر حزب الله الى دائرة انتشار جغرافي واسعة في سوريا وفي بيئة معادية، لاستنزافه بشريا واختراقه امنيا.

ما جرى ويجري حول العاصمة دمشق لم يكن يوما قتالا سوريا محليا بل كانت حربا متعددة المستويات، لروسيا فيها أهداف متوسطة الأجل ولأمريكا فيها أهداف قريبة ولإسرائيل فيها الأهداف الاستراتيجية الأخطر والأطول مدى، المشهد السوري بدون الأهداف الإسرائيلية مشهد مشوه للغاية ولا ابجدية منطقية له.

باريس 2 …الابقاء على الوضع الراهن



ميلاد عمر المزوغي

منذ حوالي السنة من الان كان مؤتمر باريس الأول حيث جمع ماكرون قطبي الصراع في ليبيا وصدر عن الاجتماع بيان فضفاض اعتبره البعض هدنة الامر الواقع,فأي من الطرفين ليس له القدرة على الغاء الاخر,يبدو ان السيد ماكرون شعر بتردي الاوضاع في البلد مع الصيحات المتكررة من قبل الاخوان المسلمين الذين يتلقون الضربات المميتة في شرق الوطن,فآخر معاقلهم (درنة)على وشك السقوط ويقطع دابرهم ويكون بذلك شرقنا الحبيب قد نفض عن نفسه غبار الشراذم التي لا تقيم وزنا للآخرين الذين يختلفون معهم سياسيا.ارتأى الزعيم الشاب تهدئة الامور فقرر الاجتماع بالأقطاب الاربعة اثنان من كل جانب!,لإيهام الليبيين بان الاوضاع وخاصة المعيشية قد تأخذ في التحسن.

يدرك جميع الافرقاء بمن فيهم الداعمون لهم اقليميا,باستحالة التفاهم بينهم وان اي منهم غير مستعد للتنازل عما حققه من مكتسبات خلال الفترة الماضية,كما تدرك القوى المحلية بأنه ليس من مصلحتها التخلف عن الاجتماع لتخرج نفسها من دائرة الشك والقول بأنها تعرقل مسار الحل في البلاد.

لا باس من الظهور على وسائل الاعلام المختلفة فهي فرصة قد لا تعوض وخاصة اولئك المغتصبون للسلطة بقوة السلاح بالمنطقة الغربية ونعني بهم مجلس الدولة المتكون من تيار سياسي وفكري واحد,الاخوان ومن يدور فلكهم بدلا من ان يجمع المجلس كافة شرائح المجتمع المحلي بمختلف توجهاتهم وفق انتخبات2012,وكذا مجلس الوصاية وحكومته الرشيدة.

ثماني نقاط نجزم بان المجتمعين يعتبرونها نقاط خلافية,فالبنك المركزي لا يمكن توحيده,فهو يعد الداعم الاساس والمورد الوحيد لحكومة الوصاية ولأنها لا تتبع جهة رقابية عليا(لا يعترف بها مجلس النواب) فإنها اتبعت سياسة إهدار المال العام بالإنفاق على الجماعات المسلحة لكسب ودّها واتقاء شرها,اضافة الى مليارات الدولارات بشان توريد بعض السلع الضرورية للمواطن,بينما اثبتت الوقائع ان ماتم استيراده يمثل جزءا يسيرا فقد كانت غالبية الحاويات اما انها فارغة او محملة بمواد غير ذات جدوى,وما تقرير ديوان المحاسبة عنا ببعيد.

اما عن توحيد المؤسسة العسكرية فان العسكر بغرب البلاد وان قبل بعضهم الذهاب الى القاهرة لأجل تبادل الاراء من اجل توحيد المؤسسة إلا انهم في حقيقة الامر هم قادة وأمراء حرب يرأسون تشكيلات مسلحة جهوية وفكرية يرتزقون من خلالها,ويشغلون آلاف العاطلين عن العمل من الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب الرواتب المغرية وبالتالي فهم يعتبرون وقود المعارك التي اتت على الاخضر واليابس,وبخصوص العسكر في المنطقة الغربية الذين يدعون تبعيتهم للقيادة العامة للجيش بشرق الوطن,فإنهم رابضون بمواقعهم لا يحركون ساكنا تحسبهم ايقاظا وهم رقود,المؤكد انهم عقدوا هدنة مع ابناء عمومتهم (الطرف الاخر) فلا ضرر ولا ضرار.

بشان الانتخابات فانه والحالة هذه ومع سيطرة الميليشيات على زمام الامور في المنطقة الغربية والجنوبية فإنها لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تكون شفافة ونزيهة,الاخوان يسعون بكل ما اوتوا خبث ودهاء على ألا تقام انتخابات في القريب العاجل,لأنهم يدركون جيدا بأنهم اصبحوا منبوذين من قبل كافة شرائح المجتمع,وبالتالي البقاء في السلطة اطول مدة ممكنه لجمع اكبر قدر من اموال الشعب في ظل الفوضى الممنهجة, فالإخوان لا يؤمنون بالجيش القوى الذي ولاؤه للوطن,بل تكوين اجسام مسلحة تكون تحت امرتهم .

الذين تحدثوا عن عدم اقدام القادة على التوقيع,اقول انه مجرد بيان,والحاضرون(مدعوون ورعاة)متأكدون تمام التأكد باستحالة تحقيق بنوده وبالتالي لا داعي للتوقيع,فتكفي الايماءة بالرؤوس او رفع الايدي……

وبعد,مؤتمر باريس الثاني لن يختلف عن سابقه,بل هو مجرد حقن مهدئة للشعب الذي فقد كل امل في الطبقة السياسية(الاخوان المسلمون)الجاثمة على صدره,وليثبت لنا الغرب بأنه لن يتنازل بسهولة عن عملائه(الاخوان وحكومة الوصاية التي يسيرون عليها) وانه سيظل الداعم لهم ما استطاع الى ذك سبيلا,انه الابقاء على الوضع الراهن لسنة اخرى على الاقل,وليستمر هدر المال العام والطوابير المتعددة التي اصبحت ابرز معالم الحياة في البلاد.

"شارع العرب" في برلين أسَّسه اللبنانيون وسيطر عليه اللاجئون.. كيف أصبح "بيروت الصغيرة" ساحة صِدام بين المهاجرين القدماء والجدد؟


تقرير لرويترز

خلال الحرب الباردة لم يكن شارع سونينالي لافتاً للنظر باستثناء وجود نقطة تفتيش تجذب الانتباه في عيد القيامة وحسب، حين كان سكان برلين الغربية يزورون أقاربهم في شطرها الشرقي. واشتهر الشارع، الذي أطلِق عليه اسم "بيروت الصغيرة"، بمتاجره اللبنانية ومقاهيه التي ينبعث منها الدخان ويتسلل منها صوت الأغنيات العربية القديمة.

ثم في 2015 دبَّت بالشارع الحياة من جديد. فقد حوَّل تدفُّق أعداد كبيرة من اللاجئين، معظمهم من سوريا، شارع سونينالي إلى أحد أكثر الشوارع ازدحاماً في العاصمة. واليوم تمر حشود المتسوقين من أمام الأكشاك التي تبيع الخضر والفاكهة. يعلن متجران للحلويات عن الوجود السوري، هما "إدلب الخضراء" في الطرف الشمالي الغربي و"دمشق" إلى الجنوب الشرقي. بات شارع "بيروت الصغيرة" يُعرف باسم "شارع العرب".

العرب القدامى في برلين من المغاربة

وتعيش في برلين جالية عربية منذ 1960 حين دعت ألمانيا الغربية آلاف المغاربة ليكونوا "عمالاً ضيوفاً"؛ للمساعدة في إعادة بناء اقتصاد البلاد بعد الحرب. وفي الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وصل عشرات الآلاف من المهاجرين اللبنانيين واللبنانيين من أصول فلسطينية بعد فرارهم من الحرب الأهلية بلبنان. يعيش هؤلاء في مجتمعات موازية، وقلما اندمج هؤلاء المهاجرون العرب مع جيرانهم الألمان. وتشير بيانات حكومية إلى أن معدلات البطالة مرتفعة بين الرجال بينما يعيش ثلث النساء على الإعانات الاجتماعية.

ودفع قرار المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، عام 2015، استيعاب أكثر من مليون مهاجر التحديات المتعلقة بالاندماج إلى الصدارة، وقلَب الساحة السياسية الألمانية رأساً على عقب. ونتيجة للمشاعر المناهضة للمهاجرين، صعد حزب "البديل من أجل ألمانيا" إلى المركز الثالث في الانتخابات عام 2017. تقول رشا الخضراء، وهي مدوِّنة سورية على موقع يوتيوب تبلغ من العمر 42 عاماً، إن الأجيال الأسبق من المهاجرين العرب، في أماكن مثل سونينالي، هم عادة الأكثر استياء من الوافدين الجدد "أكثر من الألمان".

ومن بين نحو 695 ألف مهاجر تقدموا بطلبات لجوء في ألمانيا عام 2016، حصل أكثر من 62 في المائة على وضع "لاجئ" أو على حماية إنسانية، وهو ما مكَّنهم من العمل والحصول على إعانات الرعاية الاجتماعية، وفقاً لما ذكره المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين. وكانت النسبة الأعلى بين مقدمي الطلبات من سوريا؛ إذ بلغت نحو 97 في المائة.

على النقيض وقبل 10 سنوات، كان أقل من 7% من مقدمي طلبات اللجوء في ألمانيا يحصلون على وضع "لاجئ". ووجدت دراسة أجرتها جامعة بيلفيلد عام 2016، أن أكثر من نصف المهاجرين المستقرين منذ فترة طويلة في ألمانيا يعتقدون أن الوافدين الجدد يحصلون على الكثير.

هدي زيدان، (46 عاماً)، سورية من أصل فلسطيني، تعيش في برلين منذ 25 عاماً، وتعمل ممرضة متخصصة برعاية المسنين: "الحكومة فتحت آفاقاً جديدة للاجئين.. آفاقاً لم نرها".

تقول هدى إنها جاءت إلى ألمانيا مرافِقة لزوجها. وأضافت أنه لم يكن مسموحاً لها بالعمل 3 سنوات، كما لم يكن يحق لها الحصول على إعانات الرعاية الاجتماعية، وفي اختلاف عن الوافدين في يومنا هذا كان عليها أن تسدد رسوم دروس تعلُّم اللغة الألمانية. قالت هدى: "حين رأيت ما حصلوا عليه تمنيت لو كنت لاجئة".

عندما يصبح العربي عدواً لابن عمه

من بين الوافدين إلى سونينالي عمار قاسم (34 عاماً)، الذي كان يكسب قوته في دمشق من بيع الدواجن للمتاجر والمطاعم. غادر سوريا في سبتمبر/أيلول 2015، ووصل إلى ألمانيا بعد ذلك بشهر، بعدما سافر عبر تركيا واليونان وشرق أوروبا.

في صيف 2016، فتح قاسم مطعماً للشاورما وغيرها من الأطعمة الشامية. واليوم أصبح مطعم الدمشقي الذي يملكه قاسم أحد أكثر معالم شارع سونينالي شعبيةً. يتنقل الندل السوريون جيئةً وذهاباً بين أسياخ اللحم المشوي والطاولات الممتلئة عن آخرها. ويقف الزبائن في طابور ليأخذوا طلباتهم إلى المنزل.

لكن العمل لم يكن بهذا المستوى طوال الوقت. يتذكر قاسم أنه حين قدمت فرقة سورية للموسيقى الشعبية عرضاً احتفالاً بافتتاح المطعم، اشتكى الجيران للشرطة من الضوضاء. وقال إن عصابات من العرب طلبت منه إتاوات لحمايته، لكنه رفض الدفع. ثم في أكتوبر/تشرين الأول 2016، هدد ملثمون العاملين بمطعمه.

وأكد عدة سكان صحة روايته. وقال أحدهم إن من المستحيل أن يفتح الوافدون الجدد أي نشاط تجاري في سونينالي دون "الموافقة غير الرسمية للمهاجرين الأكبر سناً المستقرين منذ فترة طويلة". وقالت شرطة برلين إنه ليس لديها سجل بوقوع حوادث عند الدمشقي، لكنها أضافت أنه لا يتم الإبلاغ عن كل المشاكل.

وقال قاسم: "أدركت أنني بحاجة لمن يدعمني ويحميني". ساعدته أسرة لبنانية من المهاجرين السابقين في العثور على مكان جديد لمطعمه وشاركته في مشروعه الناجح الآن.

وعمل أحمد رزو، (32 عاماً)، صرافاً في مطعم الدمشقي أكثر من عام. يقول إنه يستطيع تمييز المهاجرين القدامى من الجدد من الطريقة التي يطلبون بها الطعام. ويكون السوريون أكثر وُداً عادةً. يقول رزو: "ربما كانت الحياة هنا شديدة القسوة عليهم (المهاجرين القدامى)؛ ولهذا أصبحوا بهذه الصورة". كان رزو يدرس في دمشق ليصبح مهندساً زراعياً قبل فراره من البلاد عام 2015.

الحاج عزام.. مهمته الصلح بين عرب سونينالي

في سونينالي، أصبح منصور عزام، المنتمي إلى الجيل الأقدم من المهاجرين، أشبه بوسيط للسلام. يناديه السكان المحليون بلقب "الحاج". كان عزام هو من ساعد قاسم مالك المطعم حين كان يبحث عن مكان جديد.

وُلد عزام قبل 50 عاماً في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين بلبنان قرب مدينة صيدا الساحلية. يقول إنه حين كان في الـ12 من العمر أصبح مقاتلاً من أجل القضية الفلسطينية. وصل إلى ألمانيا في 1996 وطلب الحصول على وضع "لاجئ سياسي".

ويعيش حالياً بشقة في سونينالي تعلو متجر بقالة ومطعماً شرق أوسطياً يمتلكهما. ويبيع متجر عزام كل شيء من الجبن اللبناني إلى المخللات السورية. ويقبل الألمان والعرب على المطعم.

وفي غرفة المعيشة بشقته، قدَّم عزام القهوة والحلوى السورية وفاكهة على مائدة دمشقية. وعلى التلفزيون كانت قناة تلفزيونية عربية تبث أخباراً من الحرب السورية.

وقال: "عندما أتينا إلى هنا، لم يكن معنا أي شيء. افتتحت أعمالاً كانت مطلوبة. بدأت بمخبز للخبز العربي. لم أعمل بالتجارة من قبلُ قط. كنت قضيت كل حياتي كمقاتل أحمل بندقيتي وأجلس في المعسكر".

يقول عزام إنه حين بدأت طليعة اللاجئين السوريين الوصول إلى برلين كان هناك "ارتباك وصراع". كان أصحاب المتاجر القدامى والسوريون الذين أقاموا مشاريع جديدة يتشاجرون. وقال عزام إنه أنشأ لجنة من أصحاب المتاجر لحل المشاكل. يجتمعون مرة شهرياً ويتواصلون من خلال مجموعة على تطبيق واتساب.

والآن يسعى لتشكيل لجنة للمطاعم العربية بعد أن فتح أكثر من 12 مطعماً سوريّاً في العامين الأخيرين. وأضاف: "أخبرتهم بأننا إذا لم نعمل معاً فإننا سنخسر جميعاً".

واتسع نطاق نشاط عزام مع مجيء اللاجئين الذين أصبحوا يمثلون جزءاً كبيراً من موظفيه وزبائنه أيضاً. وأكثر من نصف العاملين لديه، البالغ عددهم 235، من سوريا.

البحث عن نساء "باب الحارة" بين اللاجئات

يشتكي المهاجرون العرب والمسلمون الأقدم من أن الوافدين الجديد "متحررون أكثر من اللازم". في 2009، اعتبر أكثر من 80 في المائة من المهاجرين المسلمين من الشرق الأوسط أنفسهم "متدينين جداً" أو "مؤمنين حقاً"، وذلك وفق بيانات حكومية .

وقال رائد صالح، وهو سياسي ألماني من أصل فلسطيني وعضو بالحزب الديمقراطي الاشتراكي في برلين، إن نظرة المهاجرين العرب الجدد للوطن تختلف عن القدامي. وأضاف: "من يعشون في ألمانيا منذ 40 عاماً ولا يزورون بلدهم الأصلي إلا كل عامين لمدة 15 يوماً، لديهم فكرة مختلفة تماماً عمن غادروا لتوِّهم".

وعبّر محمد الطويل، وهو مهاجر لبناني عاش في برلين 40 عاماً ويملك داراً للنشر بمنطقة نويكولن، عن دهشته من اختلاف النساء السوريات الشديد عمن يظهرن في مسلسل "باب الحارة"، وهو مسلسل سوري شهير تدور أحداثه في أوائل القرن العشرين.

في المسلسل، تغطي النساء وجوههن ويلزمن منازلهن. قال الطويل: "هناك الكثير من المثليين من الرجال والنساء بين الوافدين الجدد. لم يكن هذا موجوداً في مجتمعنا من قبل، لم نكن حتى نسمع بذلك!". جاء "الطويل" إلى ألمانيا الغربية في 1975 هرباً من الحرب الأهلية اللبنانية ودرس الصحافة. حكى كيف بدأ من الصفر كطالب ثم صاحب عمل.

يقول: "لقي السوريون معاملة مختلفة عنا حين جئنا. يُسمح للسوريين بالدراسة هنا على حساب الحكومة للمدة التي يريدونها… حصلوا على تصاريح إقامة. حين جئنا إلى هنا لم يعطونا تصاريح إقامة. أتدري كم عانيت إلى أن حصلت على هذا التصريح؟".

اللاجئون السوريون أفضل حالاً

احتست هدى زيدان الممرضة قهوتها في مقهى تركي بمنطقة كرويتسبرج حيث تعيش في برلين. وبعد قضاء أكثر من 20 عاماً في المدينة، تتحدث الألمانيةَ بطلاقة، لكنها تقول إنها برغم ذلك لا يمكن أن تقول ذلك بثقة كاملة. وتقول: "أتحدث الألمانية جيداً".

تقول: "أدفع أكثر من ثلث دخلي حتى يعيشوا. الكثير من الألمان يحسدون اللاجئين على وضعهم". وأضافت: "حين جاء اللبنانيون إلى هنا لم يحصلوا على الحقوق التي يحصل عليها اللاجئون اليوم".

قال أندرياس جيرمرسهاوزن، مفوض الاندماج والهجرة بمجلس الشيوخ في برلين، إن ألمانيا تعلمت من أخطاء الماضي، وإن السياسات تركز الآن أكثر على الاندماج. وسعى قانون بدأ سريانه في 2005 إلى تشجيع هذا من خلال تنظيم دورات لتعليم الأجانب لغة ألمانيا وتاريخها وثقافتها.

وقال جيرمرسهاوزن: "برلين تعلمت من الماضي". وأضاف أن الاستياء ليس من العرب وحسب، وإنما من جماعات أخرى مثل الروس الذين جاءوا إلى ألمانيا في التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومضى قائلاً: "يقولون لي أمرين: الظروف بالنسبة للوافدين الجدد أسهل منا كثيراً، وبالنسبة لنا هذا جاء متأخراً جداً".

لكنّ جيرمرسهاوزن قال إن عدم توفير أوضاع مريحة نسبياً للوافدين الجدد ليس حلاً. وأضاف: "إذا صعّبنا على المهاجرين الحاليين دخول سوق العمل، فإننا نصنع ديناميتاً، وسيعني هذا أننا لم نتعلم من أخطائنا".

تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلى: الغد العربى ينتظر من يصنعه!


طلال سلمان

تفرد لبنان، يوم الجمعة الماضى، الواقع فى 25 مايو بالاحتفال بعيد التحرير.

فيوم 25 مايو2000، ومع انبلاج الفجر، كانت قوات الاحتلال الإسرائيلى التى اقتحمت لبنان مرة أولى فى العام 1972، ثم احتلت معظم أنحائه بما فيها العاصمة بيروت، مرورا بالقصر الجمهورى فى بعبدا، فى 4 يونية 1982، تنسحب متعثرة بأذيالها، على وقع ضربات المقاومة الوطنية ــ الإسلامية، التى قاتلت قتالا مجيدا مصبوغا بدماء الشهداء، حتى تمكنت من طرد العدو الإسرائيلى محررة كامل أرض الوطن الصغير والجميل: لبنان.
كانت تلك أول وأخطر هزيمة تلحق بالعدو الإسرائيلى، وتضطره إلى الانسحاب، مع صياح الديك، بينما صواريخ المقاومة وبنادق مقاتليها تطارده إلى ما بعد الحدود مع فلسطين المحتلة.

وهكذا سجلت المقاومة فى لبنان، الصغير بحجمه، القوى بإجماع اللبنانيين على إرادة المقاومة مهما بلغت التضحيات، نصرا باهرا على العدو الإسرائيلى، فبات للبنان (والعرب) عيد نصر حقيقيا تمثل بطرد «العدو الذى لا يُقهر» من أرض احتلها بالقوة، مستغلا ظروفا ملتبسة نجمت عن العجز عن مواجهة موجبات الصراع العربى ــ الإسرائيلى والانشغال عن القضية المقدسة، فلسطين، والتسليم بالتفوق الإسرائيلى وكأنه قدر لا يرد.


لم يقصر الأشقاء العرب فى إزجاء التهانى لشعب لبنان ودولته، وإن كان بعض دبلوماسيى بلاد النفط والغاز قد غمزوا، مع المجاملة، من قناة إيران افتراضا منهم أن السلاح أعظم تأثيرا من دماء الشهداء الذين استبسلوا فى مواجهة العدو الإسرائيلى حتى أجبروه على الجلاء مدحورا.

سقى الله أيام زمان: كان لكل دولة عربية يوم فرح بجلاء المستعمر أو المحتل الأجنبى عن أرضها عيد تعتبره، وكانت أناشيد العزة والفخر بالانتماء إلى أمة عريقة تغمر الشوارع بالفرح والنفوس تمتلئ بشعور القدرة على الإنجاز.
***
اليوم، يتبدى الوطن العربى وكأنه بلا أعياد وطنية ــ قومية، بغض النظر عن الاحتفالات الفولكلورية التى تُظهر النقص الفاضح فى إرادة الاستقلال وفى موجباته والتى تتبدى جلية فى ثياب العسكر كما فى أسلحتهم البرية والجوية والبحرية، بينما يجلس «الخبراء» الذين أوفدتهم «الدول الصديقة» للإشراف على «حسن سير الأمور» وإبلاغ الخصوم المحتملين أن «أمن هذه البلاد هو...مسئولية دولية»!

وها هى المجازر التى ارتكبها ويرتكبها العدو الإسرائيلى ضد شعب فلسطين فى غزة، تمر وتتكرر دوريا دون حساب أو عقاب.. ولم تعد معظم الدول العربية لتهتم ولو بإصدار بيانات الاستنكار والشجب والإدانة.. إلخ. تاركة للسلطة الفلسطينية التى لا سلطة أن تتصرف، فلا تجد أمامها إلا المؤسسات الدولية والعربية المفرغة من المضمون ومن القدرة على اتخاذ أى قرار، فتكتفى ببيانات الشجب والاستنكار، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

تنفجر أو تتفجر سوريا بحرب فيها وعليها، سرعان ما يتبدى واضحا أن لبعض الدول العربية الأكثر غنى بالنفط والغاز دورا أساسيا فيها، بذريعة مواجهة «التمدد الفارسى»، فى حين يكتسب التدخل العسكرى الروسى أبعادا استراتيجية، ويتحول إلى ذريعة لتدخل عسكرى تركى فى الشمال السورى، ثم لتدخل عسكرى أمريكى فى الشرق السورى، مع جيوب لتدخل عسكرى فرنسى تحت حماية أمريكية ــ تركية، بينما قوات مسلحة تابعة للحرس الثورى الإيرانى، معززة بقوات تابعة لـ«حزب الله» اللبنانى تقاتل إلى جانب الجيش السورى فى جبهات عدة.

وها أن الحرب فى سوريا وعليها تدخل عامها الثامن من دون أن يتبلور مشروع حل يحفظ كرامة هذا الشعب الذى كان طليعة للنضال العربى من أجل التحرر وتحقيق حلم الوحدة العربية.

أما العراق الذى يحاول جاهدا أن يتخفف من آثار حكم الطغيان. وأخطرها، قبل الاحتلال الأمريكى (الدولي) ومعه، الانقسام الخطير الذى ضرب وحدة الشعب ودمر الدولة ومؤسساتها العسكرية والإدارية، وخرب الاقتصاد، وأغرى به جيرانه من دول النفط والغاز فحاولوا أن يقاسموا الأجنبى بعض خيرات أرض الرافدين.

وها هو الآن يحاول النهوض من تحت الركام، مطاردا ما تبقى من فلول عصابات «داعش» التى احتلت، ذات يوم، أكثر من نصف مساحته، وكادت تدمر وحدته الوطنية مغذية العصبيات الطائفية والعرقية (سنى ــ شيعى ــ عربى – كردى، أشورى ــ كلدانى، أيزيدية وصابئة... إلخ).. وقد كان لتلك العصابات سند من بعض دول النفط والغاز، بهدف الهيمنة على أرض الرافدين التى تنافس دولتها مصر وسوريا فى عراقتها وأمجادها التاريخية.

أما اليمن فجريمة عربية موصوفة، يعرف العرب فى الجزيرة العربية وخارجها تفاصيلها الكاملة: بدأ الأمر بانقسام يمنى ــ يمنى بين الحكم والمعارضة، ثم الوصول إلى صيغة تفاهم داخلى.. ثم تحول الخلاف الداخلى إلى حرب أهلية مفتوحة.
اليمن اليوم يعيش كارثة حقيقية يلتهم أطفالها الكوليرا ويعانى شعبها عموما الجوع.

بالمقابل فإن الأزمة مجهولة الأسباب حتى إشعار آخر، بين السعودية وسائر دول الخليج (ماعدا الكويت التى تبرعت بدور الوسيط) وقطر من الجهة الأخرى تبدو حتى الساعة مستعصية على الحل.. والنتيجة المباشرة لهذه الأزمة أن الولايات المتحدة قد أقامت بل هى وسعت قاعدة العيديد فى قطر، فى حين أن تركيا التى انحازت ــ بالنكاية ــ لقطر، قد أقامت، هى الأخرى، قاعدة عسكرية فى الدوحة.

يمكن القول الآن إن القواعد العسكرية الأمريكية تملأ أرض الجزيرة والخليج وفضاءهما... تساندها بعض قوات التحالف الدولى (كما فى العراق) الذى يضم إليها بريطانيا وفرنسا وقوات رمزية من دول أخرى.

وإذا ما تحولنا إلى المغرب العربى نجد أن ليبيا قد غدت مزقا متناثرة، أما تونس فتعيش قلقا على مصير الثورة التى عجزت عن تجاوز النظام البورقيبى وإن كان كانت تحكم بالشخصيات التى صمدت بعمرها وظلت شاهدة على أنه بقى أقوى من الثورة الناقصة.

فى ذكرى تحرير لبنان من ربقة الاحتلال الإسرائيلى، فى مثل هذه الأيام من العام 2000، أردنا من هذا التوصيف الجارح للأوضاع العربية الراهنة، أن نقول إن التحرير ليس مهمة مستحيلة، ولكنه ممكن وقابل لأن يتحقق متى توافرت الإرادة.
والغد العربى ينتظر المؤهلين على صنعه بما يحفظ كرامتهم وحقهم فى مستقبل أفضل، ولو بدمائهم!

وها هو شعب فلسطين يواجه، وحيدا، أعداء حقه فى أرضه، وأعداء الغد العربى الأفضل على مدى اتساع هذا الوطن العربى الكبير!

بيد أن الأمور تنطوى على تعقيدات أكثر، هذه التعقيدات تأخذ مدى أمنيا وعسكريا فى ليبيا التى تعتبر مسرحا مفتوحا للصراع بين أطراف الأزمة الخليجية، وهو ما يرصده المراقبون من خلال مظاهر الانقسام بين الحكومة المؤقتة (مقرها البيضاء فى شرق البلاد) المدعومة من الجنرال المتقاعد خليفة حفتر والتى أعلنت تأييدها لقرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وحكومة الوفاق الوطنى المعترف بها دوليا، التى يرأسها فايز السراج وتدعمها المليشيات المسيطرة على طرابلس والغرب، وهذه الأخيرة أقرب إلى قطر وتركيا. أما موريتانيا فهى تعتبر بمثابة الحلقة الأضعف فى المنطقة المغاربية، وقد أعلنت مقاطعتها لقطر.

وحدك أيها الفلسطيني





عبد الحليم قنديل
 
تعاليت وحدك أيها الفلسطيني الشهيد، وارتقيت في سماء الله، ولم تجفل لأنهم باعوك، وخذلوك، وخانوك، وتركوك وحدك طعاما للنيران، فالحق يدفئ قلبك، والنور الذي حملته من وطنك إلى وطنك عبر السياج، لن تنطفئ ناره أبدا، فدمك يحيينا من موات طال واستطال، وفي كل قطرة سالت من دمك، سوف تنبت شجرة الحلم من جديد، وسوف توقد شعلة، يحملها فتية الوعد جيلا فجيل.

وليست هذه أول مرة يتركون فيها الشعب الفلسطيني وحيدا، بل لعلها أكثر مرة والأقصى والأقسى، فقد أدار الكل ظهورهم لفلسطين ولحقوقها وعدالتها ونبلها، وأشواقها وأوجاعها، وخرائطها الممزقة بالسكاكين، فلا فاعلية منظورة لمجتمع دولي، ولا لمجتمع إسلامي ولا مسيحي، ولا لمجتمع عربي، حيث تبدو العروبة غريبة مهجورة لقيطة، لايريد أحد نسبها، فهي عبء على ترديهم في بئر الخطايا، وحيث لا وجدان ولا تضامن، ولا مصائر ولا مصالح ولا نخوة، بل بيع الذليل إلى المذل، وطلب رضوان ترامب لا رضا الله، وتقديم الهدايا بمئات مليارات الدولارات تحت قدميه، وسؤاله أن يعفو ويغفر ويرعى ويحمي، فالأمة التي ماتت مشاعرها في الغيبوبة، تعجز أن ترفع عن وجهها ذبابة، وتخرس عن النطق بالحقيقة، ويصنع أقدارها طغاتها، وهم أسود علينا، وفي الحروب أسراب من الفئران.

يسرقوننا فنسكت، ويلقموننا أحذيتهم فنبتلع الطين، ولا يبالون لا بمقدسات ولا بمحرمات، فهم الهمج التبع لهمج إسرائيل، يريدون لإسرائيل أن تنتصر لهم، وأن تمحو اسم فلسطين من الخرائط، ويحاصرون الشعب الفلسطيني كأنهم كفار قريش، يمنعون عنه الماء والغذاء والكهرباء والدواء، وكأنهم في غيهم، لا يقرأون حرفا من عبرة التاريخ ولا سنن الزمن، فإن سعيهم مهما طال واستبد وراوغ، سوف يخيب بالحتم، فشعب الأنبياء لا يهزم أبدا، ولا يفنيه قتلة الأنبياء، وهو يولد ويتناسل، ويقوم دائما من رماده، لا تغادره قداسة الروح ولا كلمة الخلق، ففي البدء كانت الكلمة، وفي البدء كان الدم، ودم الفلسطينيين يصنع المعجزات، ويهزم السيف والظلم لا محالة.

نعم، اتركوا الفلسطينيين وحدهم كما تشاءون، وبيعوا وخونوا واخذلوا، وتراجعوا واصمتوا وانفروا خفافا وثقالا لطاعة ربكم الأمريكي وسيدكم الإسرائيلي، واجعلوا الأمة كلها تصلي صلاة مودع، فلن يبلغكم ما تفعلون من قصدكم شيئا، ولن يغنيكم حكام البراميل، ولن تنفعكم صلاتكم لأمريكا وإسرائيل، ولن تطمس ذنوبكم، ولن تعفيكم من مصير الفضيحة في العالمين، فالذين حاصرتم وتركتم، وتصورتم أنهم سيهزمون من جوع ومن فقر ومن مرض ومن عوز للسلاح، ويقفون على أعتابكم طلبا لصفح التسويات والصفقات، هؤلاء لهم وجهة أخرى وقبلة أخرى، لا يخشون الموت ويطلبون الشهادة، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، والذين لا يهابون الموت تكتب لهم الحياة، وقد كانت تلك سيرة الفلسطينيين منذ زمن النكبة الأولى، يطردون ويشردون، ويلجأون ويحاصرون، لكنهم لا يفنون أبدا، وفي لحظة الفصل، لا يتراجعون ويثبتون فوق أرضهم المقدسة، يعيشون ويكبرون ويتذكرون، ويزرعون البرتقال والزعتر وشجر الزيتون، وتهبهم أرحام أمهاتهم للوعد الذي لا يكذب أبدا، فهم الجند والشهداء والخيل والأغاني، وهم أطفال المهد الذين يعشقون تراب اللحد، واثقون من نصر الله الذي لا يخلف آياته، فسوف يعودون إلى الأرض التي أخرجوا منها، ويدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، ويتبروا تتبيرا.

لا نسبح في خيال، ولا نعد بالمحال، بل نتحدث عن واقع لا يخطئ مغزاه، فقد وصلت إسرائيل إلى ذروة ما يمكن أن تصل إليه، قوة عسكرية ونووية وتكنولوجية هائلة، واندماج استراتيجي مع أمريكا أكبر قوة في الكون الراهن، ودعم ظاهر وعلني ومفضوح من أنظمة عربية نافذة بمالها، وعهر في الهرولة إلى التطبيع مع تل أبيب، والتسبيح بحمد ومزايا الاصطفاف الخليجي وراء إسرائيل، وقرار باعتبار القدس عاصمة أبدية موحدة لكيان الاغتصاب، واستسلام عربي وإسلامي شامل، لا ينتقص من عاره استنكار، ولا بيانات تصدر، ولا مقالات تكتب، ولا مظاهرات تمضى على استحياء، وكل ذلك قبض ريح، وهوان بلا آخر، لكنه لا يعني أبدا نزول الستار، ولا نهاية القصة، بل قل إنها ابتدأت أو تكاد، ففي لحظة الزهو الخياني، تسقط الأساطير التي يصنعون، وتبدأ رحلة الدم من جديد، وتنجح «غزة» وحدها، وهي أصغر قطعة من فلسطين، في تحدي امبراطوريات الشر، وبغير سلاح ولا عون ولا مدد، ورغم الحصار الكافر، تنجح غزة في تحدي الطغيان بالصدور العارية، وبالأمل الذي لا يموت في القلوب، وباحتشاد الأجيال على عتبة السياج المزنر بالنار، وبدخان إطارات الكاوتشوك، وطائرات الورق المشتعلة، و»مقلاع» في أصابع، يرمى من حجارة الأرض، وجسارة شباب يحمل مفاتيح العودة الموروثة عن الأجداد، ولا يهاب الرصاص الحي، ولا اختناقات قنابل الغاز الهابطة من طائرات العدو في السماء، وبغير جزع من تتابع جنازات الشهداء بالمئات، وطوابير الجرحى والمعاقين بالآلاف، ومع الهول كله، تصمد غزة وتنتصر للحق، وتواصل انتفاضتها الفريدة على مدى أسابيع وشهور، وتنادي غزة الصغيرة كل قطعة أرض، وكل تجمع بشر، بطول وعرض فلسطين، وتحفزهم على الالتحاق بانتفاضة الروح، من القدس إلى الجليل إلى بيت لحم ونابلس والخليل وأريحا ورام الله، فقد زالت الحدود والفواصل التي أرادوها، واجتمعت الروح الفلسطينية على الهدف الذي طمسوه، فلم تعد القصة في دويلة الضفة وغزة، ولا في أوهام حكم ذاتي تحت حراب الاحتلال، بل عادت قضية فلسطين إلى سيرتها الأولى، بلدا بكامله محتلا من النهر إلى البحر، وصحوة روح لتحرير شامل تتعدد مراحله، تتحدى قوة إسرائيل بصلاة الروح وصلاة الدم، وتهزم السيف بدم الشهداء، وباستعداد للتضحية بلا نهاية، يعجز الطغاة والبغاة والغزاة عن فهم سره، وفك ألغازه، فها هو شعب بكامله يقرر أن ينتصر لحقه، حتى لو ظنوه وحيدا، فلم يعد شعبا من اللاجئين، بل شعبا من الحاضرين بكثافة فوق أرض الصراع وميدانه الأصلي، وباتساع فلسطين التاريخية، وبأعداد تفوق الآن عدد اليهود المستجلبين لمشروع الاستيطان الاستعماري، وهو تطور متزايد الأثر، يدفع شعب الأغلبية فوق الأرض المقدسة للثقة في النصر.

وبتحرك سلمي طويل النفس، يستنهض في النفس الإنسانية أنبل وأزكى ما فيها، ويحطم القيود، ويندفع في معركة وجود، لا يجزع الشعب الفلسطيني إن تواصلت عقودا، بينما تجزع إسرائيل التي تتصور أنها أفلتت بالغنيمة، وتقيم احتفالات نصر موهوم محكوم عليه بالهزيمة في النهاية.


وقد كانت «غزة» دائما هي قدس المقاومة، ومركز القداسة الإنسانية الفلسطينية، تماما كما هي «القدس» المدينة مركز البركة الإلهية، و»غزة» هي فلسطين مصغرة، وهي حاضنة الولادة الأولى لحركات المقاومة، ورغم حصارها الطويل الأبشع في تاريخ الحروب، ظلت غزة رمزا للعزة، وأعجزت إسرائيل عن تحقيق أي نصر في ثلاث حروب، هى الأطول قصفا وعصفا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كله، وقد كان إسحق رابين يتمنى أن يصحو من النوم، ويرى غزة «غرقت في البحر»، لكن غزة تغرق الآن في قلب فلسطين، وتمد نبضه بحياة جديدة، وتوقظ الأمل الغافي، فقد أردوا لقضية فلسطين أن تنتهى إلى غياهب النسيان، وأن تتحول إلى مجرد صفحة في تاريخ زائل، وبدعوى أنه لم يعد من وقت لفلسطين، خصوصا مع تلاحق حروب مدمرة في المشرق العربي بالذات، حطمت أو كادت تحطم وجود سوريا والعراق، وعلى طريقة قطع شرايين الحس والاهتمام بفلسطين، التي كانت قضية العرب الأولى، وظنوا بما فعلوا، أنهم دفنوا قضية فلسطين، واستعدوا لقبول إسرائيل في جامعتهم «العبرية»، لكن الله أراد أن يخيب مكرهم السيئ، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، فمكر التاريخ يوالى جولاته، وما أرادوه موتا لفلسطين، تحول إلى حياة وحيوية متدفقة لقضية فلسطين، وبفضل الشعب الفلسطيني وحده، وببركة «غزة» بالذات، التي اجتمعت عليها كل صنوف القهر، لكنها تصحو الآن، وترعب وتفزع إسرائيل، وتقلب الموائد، فقد أرادوها النقطة الأضعف، لكنها راحت تكشف عن قوتها الكامنة، وتقدم إبداعا جديدا في صورة «مسيرات العودة»، وتزف الشهداء إلى فلسطين الأم، وتقوم من الردم والأنقاض، وتعلي صوت الشهيد على أنين العبيد، تعاليت وحدك أيها الشهيد الفلسطيني .

غرائب وعجائب انقلاب مايو 1971...#47_سنة_على_تأسيس_الجمهورية_الثانية_فى_مصر


عمرو صابح

غداً ذكرى مرور 47 سنة على انقلاب السادات على الجمهورية الأولى ، وتأسيسه للجمهورية الثانية فى مصر التى مازالت تحكم منذ 1971 حتى الأن .

تغير رؤساء مصر خلال تلك السنوات ، ولكن ظلت السياسات التى وضعها الرئيس السادات والتى تبلورت بعد نهاية حرب أكتوبر 1973 ، هى السياسات المعتمدة لدى خلفاء السادات من مبارك وصولاً للسيسي ، ومن هنا تأتى أهمية هذا اليوم فى تاريخ مصر المعاصر.

الانقلاب تم يوم 13 مايو 1971 ، ولكن الرئيس السادات لسبب ما لم يتضح إلا بعد سلامه مع إسرائيل ، اختار يوم 15 مايو عيداً للاحتفال بالانقلاب ، 15 مايو هو العيد القومى للكيان الصهيونى الذى اغتصب فلسطين فى 15 مايو 1948.
ولكن بعيداً عن التواريخ يبدو تصرف مجموعة رجال مايو حتى الأن أميل للكوميديا السوداء أكثر من أى وصف أخر ، بسبب الخفة والرعونة التى تخلوا بها عن السلطة.

مسئولون يتحكمون فى الجيش والمخابرات والحرس الجمهورى ووزارة الداخلية والاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى ، ولديهم أجهزة تجسس على السفارة الأمريكية ويراقبون تليفونات الرئيس السادات نفسه.
مسئولون يعلمون خطط السادات المغايرة لسياسات عبد الناصر ، بل انهم سمعوا بأذانهم خطة السادات للقبض عليهم ورميهم فى السجون ، ولم يتحركوا !!

هؤلاء المسئولون عملوا بجوار الرئيس جمال عبد الناصر لمدة 18 سنة ولم يتعلموا منه شئ ، وتصرفاتهم فى أزمة مايو 1971 تؤكد ان كل دورهم فى عهد عبد الناصر ، كان ان الرئيس يقول : ولا الضالين .
وهم يرددوا : أميييييييين..

فى شهادة السيد “شعراوى جمعه” يقول:
– كل قادة الاتحاد الاشتراكى كانوا ضد خلافة السادات لعبد الناصر.
– السادات لم يكن عضواً بالتنظيم الطليعي.
– شباب التنظيم الطليعى ومنظمة الشباب كانوا ضد ترشيح السادات جملة وتفصيلاً لدرجة انه فى مؤتمر جماهيري حاشد نظمه الاتحاد الاشتراكى للترويج للسادات قبل انتخابه رسمياً ، هتف عشرات الألوف من شباب التنظيم الطليعى ومنظمة الشباب ” ساب لك إيه يا صبية عبد الناصر لما مات .. ساب لك عجل من المنوفية أسمه أنور السادات” ، مما تسبب فى فشل المؤتمر وفضه رغم كل محاولات شعراوى جمعة وقادة الاتحاد الاشتراكى لوقف الهتاف.

وفى شهادة السيد ” أحمد كامل ” رئيس جهاز المخابرات العامة يقول:
– كبار قادة القوات المسلحة ذهبوا للفريق محمد فوزى وزير الحربية وقالوا له لا نقبل على كرامتنا أن يكون السادات هو رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة ونطلب منك إما أن يأتى زكريا محيي الدين رئيساً أو تتدخل شخصياً وتتولى رئاسة الجمهورية والجيش كله معك ، وبالفعل أجرت المخابرات العسكرية استقصاء للرأى فى الجيش ووجدت ان الأغلبية ضد رئاسة السادات ومؤيدة لزكريا أو فوزى بدلاً منه ، ولكن رجال مجموعة مايو أجهضوا هذا الطرح وضغطوا على الفريق فوزى لتمرير رئاسة السادات للجمهورية.

– حسن التهامى رسول السادات للقاء موشى ديان فى المغرب ثم رفيقه فى رحلته للقدس المحتلة ، كان هو قائد مجموعة المقدمة فى المغرب عام 1969 ، وهو الذى أرسل للرئيس عبد الناصر برقية عاجلة عن مؤامرة يعدها الجنرال محمد أوفقير لاغتياله ، مما دعا الرئيس عبد الناصر لتعيين السادات نائبا له ، وقد ثبت فيما بعد انه لا صحة لمؤامرة أوفقير.
جمال عبد الناصر سنة 1954 واجه شرعية محمد نجيب كرئيس وأحزاب العهد الملكى وجماعة الإخوان وجيش منقسم جزء معه وجزء ضده ، وخرج منتصر عليهم أجمعين.
أحداث مايو 1971 لا تدين مجموعة مايو فقط ، ولكنها للأسف تدين الرئيس جمال عبد الناصر أيضاً ، الذى كانت دائرة حكمه مكونة من انتهازيين متلونين مثل السادات وحسن التهامى ، وباحثين عن مصالحهم الشخصية مثل محمد حسنين هيكل ، وموظفين مثل مجموعة رجال مايو.

البريئان الوحيدان فى المجموعة هما المرحوم على صبرى الذى حذرهم منذ البداية قائلاً:
السادات هيضربكم بالجزم وهيهد كل اللى بناه عبد الناصر.
والمرحوم سعد زايد الذى طلب منهم عربة مصفحة وعدة جنود لاعتقال السادات ، واعلان انه استقال فى الإذاعة والتليفزيون ، ولكنهم رفضوا طلبه.

ويبقى المرحوم الليثى ناصف هو ضحية تلك الأحداث ، الليثى ناصف كان ناصريا ، الرئيس جمال عبد الناصر هو الذى اختاره لقيادة الحرس الجمهورى وكان يثق فيه ثقة عمياء ، وعندما احتدم الصراع على السلطة فى مايو 1971 ، الليثى ناصف ذهب للسيد سامى شرف وزير شئون رئاسة الجمهورية والمسئول عن الحرس الجمهورى وسأله : اتحرك لصالح مين؟
كان رد السيد سامى شرف عليه : نفذ أوامر رئيس الجمهورية.
وبالفعل نفذ المرحوم الليثى ناصف كلام سامى شرف ، فتحرك للقبض عليه وعلى باقى المجموعة فور صدور أوامر السادات له بذلك.
ولأن السلطان أى سلطان يكره من رأوه صغيراً ، أو من كان لهم فضل عليه ، بعد الانقلاب منح السادات الليثى ناصف رتبة فريق وأعفاه من منصبه ، وأرسله إلى لندن حيث سيتم القاءه من البناية التى يسكن بها ، والترويج انه انتحر بسبب حالة نفسية انتابته.
أكبر مستفيد من انقلاب مايو 1971 بعد الرئيس السادات ، هو الأستاذ محمد حسنين هيكل مهندس الانقلاب وشريك السادات فى تنفيذه ، وصاحب أفكار تحييد أمريكا والحرب المحدودة ، والذى مشى الشوط كله مع السادات منذ نهايات عهد عبد الناصر حتى لقاء السادات بكيسنجر فى 7 نوفمبر 1973 ، بعدها وجد السادات ان لما كيسنجر يفكر له أحسن من هيكل لما يفكر له ، فأطاح بهيكل من عرشه فى الأهرام ، وجلب على أمين من لندن لكى يكون مكانه ، وأفرج صحياً عن مصطفى أمين المدان بالتجسس وأعاده لأخبار اليوم.

ولأن الأستاذ هيكل كان عبقرية فذة ، استطاع بمهارة غسل يديه من عار مشاركته فى الانقلاب عبر معارضته لنظام (السادات-مبارك) بكتبه ومقالاته وأحاديثه التليفزيونية التى تنتقد النظام الذى ساهم فى صنعه بأفكاره ، وكان المدهش ان الأستاذ هيكل ينتقد نظام مبارك بشدة ويعارض التوريث لجمال مبارك ، بينما أبناءه من كبار المساهمين فى المشاريع الاقتصادية لنظام مبارك.
وهكذا خرج الأستاذ هيكل مستفيداً من كل مواقفه.

النظام الناصرى هُزم فى 5 يونيو 1967 ، وفقد قوته الدافعة فى 28 سبتمبر 1970 ، وتم الاستعداد لدفنه فى 13 مايو 1971 ، وبدأت مراسم تشييع جنازته فى 7 نوفمبر 1973 ، ثم حدثت له صحوة الموت فى مظاهرات 18 و 19 يناير 1977 ، حتى أهيل عليه التراب رسمياً بزيارة السادات للقدس فى 19 نوفمبر 1977 ، وما تبعها من اتفاقيات للصلح مع الصهاينة.

خواطر فكرية في شهر القرآن الكريم


صبحي غندور

النموذج “الإبراهيمي” الغائب في حال المسلمين
.. والمقصود هنا بالنموذج “الإبراهيمي” هو الإشارة إلى النبي إبراهيم (ص) الذي يعتبره أتباع كل الرسالات السماوية بأنه “جد” الرسل موسى وعيسى ومحمد، عليهم السلام آجمعين، ولا يختلفون عليه أو ينكرون ما توارد في الكتب المقدسة عن سيرة إيمانه وحياته، فهو عملياً الجامع المشترك بينهم، وجميعهم يقرّ بالخصوصية التي منحها الله تعالى لهذا النبيّ الكريم.
ولقد جرى في أمكنة وأزمنة عديدة “توظيف” الحديث عن النبي إبراهيم لصالح “أجندات” مختلفة بعضها حسن النية
 والمقاصد بهدف التقارب بين كلّ المؤمنين بالله، وبعضها الآخر سعى لإضفاء “الشرعية الدينية” على اتفاقات ومعاهدات سياسية جرت بين أطراف عربية وإسرائيل برعاية أميركية، كالتي حصلت مع مصر ثمّ مع “منظمة التحرير الفلسطينية”، حيث كثرت آنذاك الإستشهادات بالنبي إبراهيم والأحاديث عن أهمية “السلام” بين جهاتٍ تنتمي دينياً إلى اليهودية والمسيحية والإسلام.
لكن “النموذج الإبراهيمي” الذي أريد التأكيد عليه هنا لا يتّصل أبداً فيما سبق ذكره من “توظيف” قام ويقوم به (عن حسن نية) من يريد الوئام والتآلف والتقارب بين الأديان السماوية، أو من يسعى (عن سوء نية) لاستغلال الدين في أمور سياسية، ولتبرير معاهدات تتعامل أصلاً مع قضايا إنسانية ترتبط بعدم شرعية الاحتلال وبحقوق الشعوب المظلومة.
“النموذج الإبراهيمي” هو مطلوبٌ في كيفية عدم جعل الاختلاف بين الطوائف والمذاهب والإجتهادات، سبباً للتباعد بين المؤمنين بالله أو للأساءة لبعضهم البعض. فنحن لا نعرف كيف ومتى كان النبي إيراهيم (ص) يصلّي ويصوم، وهو الذي جاء قبل ظهور التوارة والإنجيل والقرآن، وقبل تعصّب المسلمين لمذاهب واجتهادات فقهية حصلت بعد بدء الدعوة الإسلامية. فالنبي إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا سنّياً ولا شيعياً، بل كان مسلماً حنيفاً بالمعنى الشمولي لكلمة “الإسلام” التي تشمل كل من آمن بالله الخالق عزّ وجلّ:
[ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّـهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴿١٢٥﴾ سورة النساء].
[يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٥﴾ سورة آل عمران]
[ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾ سورة آل عمران].
عسى أيضاً أن يكون “النموذج الإبراهيمي” حاضراً في سلوك المسلمين حينما يفقهون معنى الحجّ إلى مقام النبي إبراهيم في مكّة المكرمة. ففي الحجّ يلتقي، من بقاع الأرض قاطبةً، ملايينٌ من البشر. ويتساوى على أرض مكّة وفي مناسك الحج: الغنيّ والفقير، الأبيض والأسود والأسمر، الرجال والنساء، والحاكم والمحكوم. وفي الحجّ أيضاً تظهر وحدة الجنس البشري ووحدة الدين الإسلامي، فلا تمييز في الحجّ ومناسكه بين عربيٍّ وأعجميّ، ولا بين مسلمٍ من هذا المذهب أو ذاك.
أيضاً، هناك حاجة قصوى الآن لهذا “النموذج الإبراهيمي” فيما حضّ عليه القرآن الكريم من استخدام العقل في فهم الأمور وفي عدم الارتكان فقط إلى ما كان عليه الآباء والأولون. ألم يختلف النبي إيراهيم مع أبيه حول عدم جواز عبادة الأصنام بعدما آمن النبي نفسه حصيلة منهج عقلاني بدأ في رفض عبادة أصنامٍ صنعها أهل عشيرته، ثمّ في تساؤله المنطقي عن الشمس والقمر والكواكب التي أدرك النبي إبراهيم أنّها أيضاً رغم عظمتها لا يجوز عبادتها:
[وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴿٧٦﴾ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴿٧٧﴾ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي هَـٰذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿٧٨﴾ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧٩﴾ سورة الأنعام].
“النموذج الإبراهيمي” هو مطلوب في استخدام الحجة المنطقية لتأكيد صوابية ما نؤمن به، وليس من خلال أسلوب التكفير والعنف. فقد دعا النبي إبراهيم (ص) أهله وأبناء عشيرته الكفّار إلى التخلّي عن عبادة الأصنام من خلال أسلوب الحجّة المنطقية حينما حطّم ليلاً كلَّ أصنامهم ماعدا كبيرهم لكي يؤكّد لهم بطلان ما يعبدون:
[قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴿٦٢﴾ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴿٦٣﴾ سورة الأنبياء].
[أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّـهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٢٥٨﴾ سورة البقرة].

سورة “فاطر” في شهر الصيام:
في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن الكريم، هذه خواطر عمّا هو في سورة “فاطر” من مفاهيم وقيم مهمة نسترشد بها في أمورنا الشخصية والعملية.
نقرأ في الآية العاشرة من هذه السورة:
بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرۡفَعُهُۚ ۥ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٌ۬ شَدِيدٌ۬ۖ وَمَكۡرُ أُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)
فقد استوقفني في هذه الآية الكريمة هذا الربط الجميل المطلوب بين “القول والعمل”، بين “الفكر والتطبيق”، بين “الإيمان والعمل الصالح” من خلال تأكيد الخالق عزّ وجلّ من ناحية على أهمية “ٱلكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ” الذي يصعد اليه لكن، من ناحية أخرى، على أنّ هذا الصعود يحتاج إلى عمل صالح يُرفق بهذا “الكلِم الطيب” لكي يرفعه. فكم من هوّة سحيقة نجدها بين فكر البعض وسلوكهم، وفي كثير من المسائل العامة أو الشخصية. حتماً لا يقصد معظم الناس هذا الانشقاق بين “القول” و”العمل”، لكن ذلك مدعاة للتمييز المهم المطلوب بين حالاتٍ ثلاث: فحالة الكلمة الطيبة حتى لو لم تقترن بعمل صالح هي خير وأفضل من حالة الكلمة الخبيثة. لكن الحالة المثلى طبعاً هي في الجمع بين طيبة الكلام وصلاح العمل.

أيضاً، أجد في الآية 12 من السورة نفسها ما هو حكمة بليغة ودرس هام لمن لا يقبلون بالرأي الآخر ولا يجدون الحقيقة والمنفعة إلاّ فيما هم عليه من معتقد وينكرون ذلك على المخالفين لهم. تقول الآية الكريمة:
وَمَا يَسۡتَوِى ٱلۡبَحۡرَانِ هَـٰذَا عَذۡبٌ۬ فُرَاتٌ۬ سَآٮِٕغٌ۬ شَرَابُهُ ۥ وَهَـٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٌ۬ وَمِن كُلٍّ۬ تَأۡڪُلُونَ لَحۡمً۬ا طَرِيًّ۬ا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةً۬ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡڪُرُونَ (١٢).
فسبحان الله الذي خلق هذا التنوع والاختلاف في كلِّ خلقه بما في ذلك الماء الذي جعل منه كلَّ شيءٍ حي، فإذا بالآية تؤكّد على أنّه بالرغم من عدم سواسية “البحرين”، أحدهما عذب والآخر ملح أجاج، فإنّ بينهما فوائد وقواسم مشتركة يستفيد منها الناس: أكل اللحم الطري، استخراج الحلي وتسيير السفن فيهما…
هكذا يجب أن تكون حكمة وأمثولة هذه الآية في كلّ أمور الناس وأفكارهم وأعمالهم وأشكالهم. فالاختلاف لا يعني عدم وجود قواسم ومنافع مشتركة يمكن البناء عليها بين “المختلفين”.
ولعلّ ما ورد في الآيتين 27 و28 فيه تأكيد على هذه الخلاصة:
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً۬ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٲتٍ۬ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٲنُہَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٌ۬ وَحُمۡرٌ۬ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٲنُہَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ۬ (٢٧) وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٲنُهُ كَذَٲلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَـٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨).
في سورة فاطر، نجد أيضاً ما ورد في الآية 18 من دعوة لعدم التعميم في الأحكام:
“وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ۬ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ – ” من الآية 18.
وهو أمر كانت عليه القبائل العربية قبل الإسلام من حيث أسلوب العقاب الجماعي لعائلة أو عشيرة أو قبيلة إذا أخطأ أحد أفرادها، وهي مفاهيم ما زالت قائمة للأسف في العديد من المجتمعات حيث يقترن مفهوم “الثأر” بعقاب جماعة المخطئ لا المخطئ نفسه فقط.
وفي ختام سورة “فاطر” نجد هذه الآية التي تُعلّم الناس أهمية التمهّل في محاسبة الآخرين وعدم التسرّع بإطلاق الأحكام عليهم، والتعامل مع الناس بمجمل ما هم عليه من سلبيات وإيجابيات وليس التوقف عند حالة سلبية واحدة فقط. تقول الآية الكريمة:
وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا ڪَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٍ۬ وَلَـٰڪِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٍ۬ مُّسَمًّ۬ىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا (٤٥)
وليست سورة “فاطر” فقط هي التي تدعو الناس والمؤمنين بالله عزّ وجلّ إلى حسن السلوك مع الآخر وإلى تفهّم حكمة الخالق تعالى بخلق الناس مختلفين، فالقرآن الكريم كلّه دعوة واضحة إلى الإيمان والعمل الصالح معاً.
لكن مشكلة العالم الإسلامي الآن أنه لا يتوازن مع تراثه الحضاري الإسلامي الذي يقوم على الحوار مع الرأي الآخر وعلى رفض الإكراه في الدين:
– “ادعُ إلى سبيلِ ربِّك بالحِكْمةِ والمَوْعظةِ الحَسَنَةِ وَجادِلْهُم بالتي هيَ أحسنُ” – سورة النحل – الآية 125.
– “أفَأنْتِ تُكْرِهُ النَّاسَ حتى يكونوا مؤمنين” / سورة يونس – الآية 99.
– “وجعلناكم شعوباً وقبائل لِتَعارفوا” / سورة الحجرات – الآية 13.
– “مَنْ قتلَ نفساً بغيرِ نفْسٍ أو فَسَادٍ في الأرضِ فكأنَّما قتَلَ النَّاسَ جميعاً ومَنْ أحياها فكأنِّما أحيا النَّاسَ جميعاً” /سورة المائدة – الآية 32.
– “وَعِبادُ الرَّحمنِ الذين يَمشونَ على الأرضِ هَوْناً وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلونَ قالوا سَلاماً” / سورة الفرقان – الآية 63.
– “وكذلك جعلناكم أمَّةً وسَطاً لتكونوا شُهداءَ على النَّاسِ” / سورة البقرة – الآية 143.
– “وَمَا أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً للعالمين” / سورة الأنبياء – الآية 107.
هذه نماذج قليلة من كثيرٍ ورد في القرآن الكريم الذي يكرّر المسلمون قراءته (بل حفظه أحياناً) في شهر رمضان المبارك من كلّ عام. لكن الهوّة سحيقة أيضاً بين من يقرأون وبين من يفقهون ما يقرأون.. ثم بين من يسلكون في أعمالهم ما يفقهونه في فكرهم!.
وكلُّ شهر رمضان وأنتم بخير.

عن "شالوم" والتطبيع في تونس


عبدالله جنوف
 
ليس التطبيع مع إسرائيل أمرا غريبا في تونس، ولا في غيرها من الدول العربيّة، فثمّة مواقفُ معلنة لسياسيّين وفنّانين وأكاديميّين تعترف بإسرائيل، وتدافع عن حقّها في الوجود، وتدعو إلى معاملتها باعتبارها واقعا قائما وجارا قويّا، بل دولةً مسالمةً ليس بينها وبين العرب عداوة. وثمّة مع هذه المواقف، أخبارٌ لا تنقطع عن علاقات سريّة أمنيّةٍ وتجاريّة وسياسيّة بين إسرائيل والأنظمة العربيّة، وتسمّى هذه الأخبار "تسريباتٍ" لرفع الحرج عن المطبّعين إلى أن تألف الشعوب تطبيعهم. وقد جرى جدل طويل في مجلس النوّاب التونسيّ، لسنّ قانون يجرّم التطبيع، ولم تتّفق عليه الكتل النيابيّة، فلم ير القانونُ النور. وظلّ الجدل يتجدّد كلّما حدث في البلاد، ما يعتبره الناس تطبيعا مع الكيان الإسرائيليّ بموقف سياسيّ أو برنامج تلفزيّ أو زيارة فنّيّة أو مشاركة أكاديميّة أو غير ذلك. وآخر ما أثار الاختلاف وأحيا الجدلَ برنامجُ الكاميرا الخفيّة "شالوم".

وقد أصبح بمنزلة اليقين عند التونسيين بعد الثورة أنّ كلّ من أيّدها، ودافع عنها، معارضٌ للتطبيع، ثابتٌ على دعم الشعب الفلسطينيّ، وأمّا من عارض الثورة وعاداها وانقلب عليها فربّما كان مدافعا عن التطبيع، أو معترفا بالكيان الصهيونيّ نوعا من الاعتراف. وعمل برنامج الكاميرا الخفيّة على خلخلة هذا الاعتقاد بتقديم ضدّه، فصوّرَ أحدَ أشرسِ المعارضين للاستبداد، البارزين في الثورة، المدافعين عن القضيّة الفلسطينيّة، مستعدّا للتعامل مع الإسرائيليّين، متنكّرا لمواقفه القديمة ولواحدةٍ من عقائد الثورة التونسيّة، وأظهره للمُشاهد ضعيفَ الموقفـ فاترَ التصميم على رفض التطبيع، وجعله دون شخصيّاتٍ من النظام القديم، وشخصيّاتٍ لا تاريخ لها في مقاومة الاستبداد.

ومارس البرنامج، في جميع حلقاته، سياسة الإشهار في التسلّل إلى النفوس. وبدا أنّه يستدرجُ المُشاهد إلى أن يصبح ذكر إسرائيل عنده أمرا عاديّا، يجري على لسانه، من غير أن يثير قلقا نفسيّا أو موقفا سياسيّا أو تاريخا من إلاحتلال والقتل، ويُقِرُّ في وعي الناس اعتبارَها دولة أجنبيّة عاديّة، ويمحو من الذاكرة والوجدان معارضتها ومقاومتها، ورفْضَ الاعتراف بها. ومن أبرز العلامات على هذه الغاية نجمةُ داود وحروفٌ عبريّة وعلَمُ إسرائيل مرفرفا في بداية كلّ حلقة. ونتيجة هذه الخطّة أن تشترك الصورةُ والخطابُ ومواقفُ بعض الضيوف في تحقيق تطبيع الحواسّ، وإعادة تمثّل الناس لإسرائيل، فتساهم في تربية المشاهد على التطبيع، وإن هو رفضه بلسانه، واستنكر بثّ البرنامج. وينقل التكرارُ اليوميُّ المُشاهدَ من تطبيع الحواسّ إلى تحقيق الألفة بينه وبين دولة الاحتلال، فلا يبقى في وعيه من تاريخها الصهيونيّ وسياستها الاستيطانيّة وممارستها القتل شيء، وتغدو دولةً عاديّةً، قد تصل علاقة العربيّ بها إلى العمالة. ويثبّتُ في الوعي أنّ تونس (رمزَ الثورات العربيّة) دولةٌ عاديّة أيضا، فيها العملاء والأشخاص المستعدّون للعمالة وخدمة الكيان الإسرائيليّ.

وقد أثار هذا البرنامج الجدل والخصام بين الآراء المتباينة في تقييمه، فمن الناس من استغرب أن يُبَثّ في شهر تحتفل فيه إسرائيل بذكرى تأسيسها، وتقتلُ عشرات الفلسطينيّين في مسيرات العودة. ومن الناس من اعتبره تطبيعا صريحا، ودعوة معلنة إلى الاعتراف بالكيان الإسرائيليّ. وجدّد هؤلاء المطالبة بسنّ قانون تجريم التطبيع ليردعَ المطبّعين، ويمكّنَ من محاكمة من يخالفه منهم. وأكثر ما ملأ الصحفَ ومواقعَ التواصل في هذا الشأن جُفَاءٌ من زَبَد الخصومات السياسيّة والمعارك الإيديولوجيّة، وليس له تأثيرٌ في تغيير سلوك الناس، ولا ضغْطٌ على المطبّعين، فهؤلاء لم يزدادوا، بعد بثّ البرنامج، إلّا جرأة على الجهر بآرائهم، ولم ينقطع جمهور الكاميرا الخفيّة عن المشاهدة، وإن هو لعن التطبيع وأهله. وأمّا الدعوة إلى سنّ قانون تجريم التطبيع لتسهل محاكمة المطبّعين، فليست سياسة دقيقة لمواجهة التطبيع، وإنّما هي اشتغالٌ بالكلام والخصومة الإيديولوجيّة في مقامٍ يجب فيه العمل المنظَّم، وراسبٌ من رواسب ثقافة الاستبداد. وهذا لا يعني الامتناع عن محاصرة التطبيع ومقاومته، بل ينبّه إلى منهج عملٍ يجتمع عليه الناس من غير تفكير في الخصومة والمناكفة، فالمطلوب تجديدُ وعي الشعوب بالقضيّة الفلسطينيّة، وتوسيعُ سياسة المقاطعة، فتجديد الوعي جهد نظريّ وعمل ميدانيّ، حتّى لا تحجب المشاغل اليوميّة واستراتيجيّاتُ التطبيع القضيّةَ الفلسطينيّة؛ والمقاطعةُ ممارسةٌ يوميّة مستمرّة متطوّرة، لإبطال كلّ ما فيه نفعٌ في بلداننا للكيان الصهيونيّ. فلا يشتري الناسُ الغلال التي تباع في أسواقنا، ويقال إنّها مستوردة من دولة الاحتلال، ويقاطع المشاهدُ القنوات التي تبثّ برامج تطبيعيّة، ويقاطع الجمهور الفنّيّ، فنّاني التطبيع، ويقاطع المتعلّم والمثقّف، الأكاديميّين المطبّعين، ويضغط المجتمعُ المدنيّ والشعبُ الحيّ لعزل المسؤولين المطبّعين. وتعْقد هذه الحركة الواعية الهادئة علاقات بمثيلاتها في دول العالم. ففي أميركا وأوروبا اليوم محاولاتٌ قويّةٌ لمقاطعة المنتوجات الإسرائيليّة، ولا سيّما المصدّرة من المستوطنات، ومحاولات للمقاطعة الأكاديميّة والفنّيّة. وأمّا سنّ قانون لتجريم التطبيع فسيمكّن فريقا من الناس من مصادرة الحرّيّات وممارسة القهر، وربّما فتَحَ على البلد باب المحاكمات الإيديولوجيّة. ولا يُستغرب، حينئذٍ، أن يَنْجُم من يطالب بمعاقبة المتشيّعين المتأيرنين والحداثيّين المتفرنسين وكلِّ من جهر بدفاعه عن سياسة دولة أجنبيّة. ولكلّ هؤلاء أصوات عالية، تدافع عن سياسة الدولِ التي يوالونها، والاتّجاهاتِ التي يعتنقونها، والمذاهبِ التي يدينون بها، وتكون آراؤهم ومواقفهم معارضةً أحيانا سياسة الدولة ووجدان الناس.

الإيرانيون ضد الأميركيين، والأتراك ضد الأكراد، والمعارضة ضد الإيرانيين والروس.. في هذا الكيلومتر المربع بمنبج ستبدأ نهاية العالم



نيورك تايمز

على بعد 10 كيلومترات تقريباً شمال مدينة منبج السورية، توجد قرية قريبة من الحدود التركية تُدعى "دادات"، حكمها العديد من الفصائل والجماعات المختلفة منذ عام 2012. يتمركز فوق أحد تلالها مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية داخل المخابئ وخلف الجدران الترابية.

يراقب المقاتلون عبر المناظير الجيش التركي وفصائل المعارضة المدعومة من تركيا، الذين بنوا قواعدهم ومخابئهم على بُعد حوالي ميل (1.6 كيلومتر تقريباً).

يزور جنود العمليات الخاصة الأميركية في كثير من الأحيان الأكراد للاطلاع على تطورات الوضع واحتساء فنجان شاي، حيث يعيش الأميركيون بينهم بالقرب من الخط الأمامي، ويعملون مع قوات سوريا الديمقراطية لمنع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من العودة مرة أخرى.

خلال رحلة قامت بها صحيفة The New York Times الأميركية إلى المنطقة في أواخر مارس/آذار، قاد بهم قائدٌ في قوات سوريا الديمقراطية يُدعى شيار في شاحنته الصغيرة على بُعد مسافة قصيرة من الخط الأمامي إلى منزلٍ صغير يتميز بوضوح بعلمٍ أميركي يرفرف على سطحه، وكانت العربات المدرعة متوقفة في الخارج.

قال شيار: "أتريان، هذه هي قاعدتهم. أردنا أن نُعطي البيت مجاناً للأميركيين، لكنَّهم أصروا على دفع إيجار مقابل ذلك".

على سقيفة المنزل، بدا أنَّ الجنود الأميركيين الذين يحملون الأخشاب يُحصِّنون موقعهم. ورفضوا التعليق.

عانى شمال سوريا من العنف على مدى أكثر من سبع سنوات. وشهد صعود وسقوط جماعات مسلحة مختلفة، وتقلص وتوسع الجيش السوري، ودعم اللاعبون الإقليميون أصحاب المصلحة – تركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، إلى جانب العديد من دول الخليج العربي – جميعهم قضاياهم أو جماعاتهم المسلحة المفضلة أو أدخلوا مقاتليهم في الصراع.

كانت النتيجة مجموعة من القوى المُتنازعة على الأرض، بما في ذلك حلفاء تقليديون وجدوا أنفسهم الآن في جانبين متعارضين، أو متحالفين في موضعٍ ومتعارضين في موضعٍ آخر.

على الرغم من أنَّ سوريا رسمياً لا تزال دولة موحدة، فإنَّ الدول الخارجية المُتدخِّلة على الأرض قسَّمتها في الواقع إلى ثلاثة قطاعات: روسيا (في الغرب، والشمال، والوسط)، تركيا (في الشمال الغربي)، وأميركا (في الشمال والشرق).

ينشأ الكثير من الصراع في سوريا في أماكن يحدّ فيها قطاعان أو أكثر من هذه القطاعات بعضها البعض. وهذا هو السبب الذي يجعل منبج والمنطقة المحيطة بها نقطة ساخنة.

إذ تحازي هذه المدينة التي تضم 300 ألف نسمة وتقع على الحافة الغربية للقطاع الأميركي أيضاً القطاعين التركي والروسي.

قال شيار: "لقد حاربتُ داعش، وتركيا، والآن أنا في منبج، حيث تلتقي كل الأطراف"، وأضاف: "إنَّها مدينة صغيرة. مَن كان يظن أنَّ مكاناً كهذا سيجذب اهتماماً دولياً كبيراً للغاية؟". في بلدة أريما، إلى الغرب مباشرةً من مدينة منبج، يتكدَّس كلٌ من قوات سوريا الديمقراطية والأميركيون والأتراك والمعارضة والجيش السوري والروس والإيرانيون في كيلومتر مربع واحد. ولا يُسمح للصحفيين في الوقت الحاضر بدخول هذه المنطقة.
 
قال علي، وهو مقاتل كردي التقينا به في بلدة عين عيسى إلى الشرق من منبج: "كنا أطفالاً أشقياء قليلاً في المدرسة. كان يصرخ فينا معلمنا في كثيرٍ من الأحيان قائلاً: ‘إذا واصلتم أن تكونوا مثيري شغب كهذا، فإنَّ نهاية العالم سوف تبدأ هنا في منبج". وأضاف: "إذا نظرتُ الآن إلى الوضع الذي توجد فيه منبج، أفكر كثيراً في كلمات معلمي".

وتقع منبج بالقرب من مدينة دابق التي تحظى بموقع استراتيجي، فضلاً عن وجود بعد ديني لها عند المسلمين، وتأتي هذه المكانة للمدينة لكونها وردت في حديث صحيح عن النبي محمد يتحدث فيه عن أن الساعة لا تقوم حَتَّى ينزلَ الرُّومُ بالأعماق أَوْ بدابق، وأن جيشاً من المدينة يخرج إليهم، ليتجابهوا فينهزم ثلث منهم، ويُقتل ثلث آخر "هم أفضل الشهداء عند الله"، وثلث يفتح القسطنطينية.

وبفضل هذا الحديث تحمل دابق رمزية كبيرة، وقد حاول تنظيم "داعش" استغلال رمزية القرية لتسويق برنامجه الفكري والسياسي، واتخاذها وسيلة للاستقطاب بناء على أنه يجب مساعدة قائد المسلمين في "معركة دابق الكبرى"، فسارع إلى السيطرة عليها في وقت مبكر، وقبل أن يخسرها التنظيم قال زعيمه أبو بكر البغدادي، "ليست هذه معركة دابق الكبرى التي ننتظرها"، في إشارة إلى الحديث الذي ذكر معركة ستقع في آخر الزمان على أرضها.

ويُعَد الأميركيون والأتراك رسمياً حليفين بحلف شمال الأطلسي "الناتو"، لكن ليس الوضع كذلك في قرية دادات، حيث وُجِّهت قذائف الهاون في حديقة المجمع الأميركي باتجاه الجيش التركي.
هذه الجبهة ليست نشطة، ونادراً ما تتبادل القوات إطلاق النار. لكن يعمل الجنود الأميركيون مع القوات الكردية المنتشرة في مناطق أخرى في سوريا ليس فقط ضد حليف بالناتو، بل أيضاً ضد معارضين سوريين جرى لسنواتٍ تسليحهم وتمويلهم من الولايات المتحدة. ويعمل هؤلاء المسلحون الآن مع تركيا.

بالنسبة للمدنيين، الوضع داخل المدينة هو بنفس القدر من التعقيد. فمنذ بداية الصراع، حُكِم سكان منبج من جانب جميع الأطراف تقريباً. وكانت القوات السورية التابعة للرئيس بشار الأسد موجودة في المدينة حتى منتصف عام 2012، عندما قام مقاتلو الجيش السوري الحر بالحلول محلهم حتى أوائل عام 2014. ثُمَّ سيطر داعش على المدينة وحكمها حتى منتصف عام 2016، عندما استعادت قوات سوريا الديمقراطية المدينة من داعش.

غالبية سكان منبج هم من العرب السُنّة، ولا يروق للكثير منهم احتلال قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية للمدينة. وتُعَد قوات سوريا الديمقراطية هي علمانية تميل إلى اليسار وداعمة لحقوق المرأة. وتضم صفوفها مقاتلات لا يرتدين الحجاب ويصافحن الرجال. ويتولى بعض هؤلاء النساء قيادة جنود رجال.

يتسم السكان العرب في منبج بأنَّهم محافظون للغاية. فيخرج معظم النساء من المنزل وهن يرتدين النقاب. لذلك سيُفضِّل بعض السكان العرب في منبج سيطرة الجيش التركي والمعارضة السورية المتحالفة معه على المدينة. ويرى آخرون مخاطر في التحالف مع تركيا، معربين عن رغبتهم في أن تستعيد الحكومة السورية منبج.

قال أحد سكان المدينة، الذي طلب عدم ذكر اسمه: "إذا حلَّت تركيا محل الأكراد، فلا سبيل لمعرفة ما إذا كانوا سيغادرون مرةً أخرى. لذا من الأفضل عودة بشار الأسد. فالأسد عربي، لكن الأكراد والأتراك ليسوا كذلك".

لكنَّ مجموعات عربية أخرى في منبج كانت براغماتية وتعمل مع السلطات الحالية –قوات سوريا الديمقراطية- للإبقاء على السلام، لأنَّ هناك عاملاً آخر مزعزعاً للاستقرار يتربص في منبج حتى الآن هو داعش.

فقد حكم التنظيم الإرهابي المدينة لأكثر من عامين. وعلى الرغم من أنَّه اُزيح من السلطة المحلية، يقول السكان والمقاتلون المحليون إنَّه لا تزال هناك خلايا نائمة لداعش في المنطقة. ولا يزال الإمام الصوفي في المسجد المُدمَّر لا يجرؤ على التحدث إلى الصحفيين الأجانب. وقال، دون ذكر اسمه: "نحن خائفون. لا يزال تنظيم داعش موجوداً للأسف".
 
وفي 29 مارس/آذار، قُتِل جنديان من التحالف في منبج وأُصيب خمسة آخرون عندما هاجم مجهولون سيارة بالقرب من مقبرة صوفية. وعلى الرغم من أنًّ داعش لم يزعم مسؤوليته عن الهجوم، يُعتَقد بشكل عام أنَّ التنظيم أو عناصر متطرفة أخرى وراء التفجير، إذ تتناسب الشكوك حول الهجوم مع نفس نمط عملهم. وقليلون هم مَن يعرفون بمَن يجب أن يثقوا، ولا أحد يعرف ما هو متوقع. ولا يوجد هناك إلا عدد قليل من المدنيين في منبج على استعداد للتحدث علناً.

قال صاحب متجر بالقرب من أحد الشوارع الرئيسية: "ما الذي يمكن أن نفعله؟". وأضاف: "إذا قلنا أنَّنا نحب الأكراد، سيغضب الأتراك. وإذا قلنا أننا نحب الأتراك، سيغضب الأكراد والسوريون. الشيء الوحيد الذي يمكن أن نقوله هو أنَّنا نأمل في ثلاثة أمور: الاستقرار، الاستقرار، والاستقرار".
لا تستطيع قوات سوريا الديمقراطية في منبج أن تغفل دقيقة بسبب الخوف الدائم من ضربة تركية مفاجئة ومدمرة. بالنسبة للقائد الكردي محمد أبو عادل، القائد العام للمجلس العسكري في منبج، فإنَّ هذا الخوف لا تعود أصوله فقط إلى الموت والدمار الذي يمكن أن يزرعه مثل هذا الهجوم، لكن أيضاً إلى حالة عدم اليقين بشأن ما إذا كان الدعم الأميركي لقواته الكردية سينتهي.
وقال أبو عادل إنَّه تلقى تأكيدات بشأن بقاء القوات الأميركية. وبينما هو واقف بالقرب من مقره في ضواحي منبج، تصفَّح القائد الكردي محمد أبو عادل هاتفه الذكي وأظهر رسائل صوتية تلقاها مؤخراً عبر تطبيق Whats App من قادة وحدة أميركية في المدينة.

نقل مترجمٌ يعمل مع قوات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في إحدى الرسائل تأكيدات الضابط الأميركي قائلاً باللغة العربية: "القائد يرسل لك تحياته ويقول إنَّنا ندعمكم".

وعبَّرت رسالة Whats App أخرى عن دعمٍ أميركي للمقاتلين الأكراد، على الأقل في الوقت الراهن. قالت الرسالة: "هل هناك أي إصابات في الخطوط الأمامية؟. تأكد من أنَّ الجميع بأمان".

القائد الأميركي في رسالة أخرى: "هل لا تزال سياراتك بخير؟ هل أنت بحاجة إلى أي قطع غيار للسيارات؟ فقط أخبرنا. لقد كنا في دورية وعدنا للتو إلى القاعدة".

وفي إشارةٍ إلى التقارير المنتشرة حالياً حول انسحاب القوات الأميركية من سوريا، قال القائد الأميركي في رسالته للقائد الكردي محمد أبو عادل: "لا تدع الأخبار تزعجك. كل هذه شائعات".

هكذا اطاحت السعودية بنادر الحريري...


باسكال أبو نادر

هزّت إقالة عدد من مسؤولي تيّار "المستقبل" الوسط السياسي وأولها إستقالة مدير مكتب رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ ​نادر الحريري ​ ليأتي بعدها كلام سعد الحريري مختصراً المشهد برمته "إنه زمن المحاسبة وشكراً من القلب لنادر الحريري". فما الذي يحصل فعلياً وهل هي نتائج الإنتخابات وماذا يريد الحريري من المرحلة المقبلة حتى قام بهذه "النفضة" في البيت الداخلي؟!.

لا يخفى على أحد أن علاقة سعد الحريري بمدير مكتبه نادر الحريري أكثر من وثيقة، فالاخير هو ظلّ الشيخ سعد ويده اليمنى والرجل الاكثر فعالية في دائرة القرار في "المستقبل"، وصلة الوصل بين رئيس الحكومة والعديد من السياسيين، ومن لا يتذكّر مرحلة إحتجاز رئيس الحكومة في السعوديّة والدور الذي لعبه نادر الحريري لعودة سعد الحريري؟!... فلماذا استقال نادر الحريري؟.

في هذا السياق يشير الكاتب والمحلل السياسي ​جوني منير ​ أن "خلافاً لم يقع بين نادر الحريري وسعد الحريري، ومن يعرف الاثنين يدرك أن نادر الحريري سيبقى على علاقة جيدة بسعد الحريري وهناك تفاهم على الموضوع الداخلي في هذا الشأن". هذا ما يؤكده أيضاً الكاتب والمحلل السياسي ​ سيمون أبو فاضل​، مشيراً الى أن "نادر الحريري استقال وبعد مدّة زمنية سنراه من جديد الى جانب سعد الحريري".

"منذ مدّة كان القائم بالأعمال السعودي ​وليد البخاري​ والسفير الاماراتي ​حمد الشامسي​ يجولان في ​لبنان ​ قبل الانتخابات، ويؤكدان أن نادر الحريري لن يبقى الى جانب سعد أو في دائرة القرار السعودي". هذا ما يؤكده منيّر، لافتاً الى أن "السعودية تمنّت على سعد ابعاد نادر وربما جاء هذا القرار في الوقت الراهن ليحمل شكل اجراء "نفضة" بعد الانتخابات، وفي نفس الوقت يأتي استجابة لتمني السعودية"، معرباً عن اعتقاده أن "نادر الحريري قد يعود بعد فترة وبحلّة جديدة". أما أبو فاضل فلا يعتبر أنه "يمكن أن يكون للسعودية أو أي عامل خارجي مساهمة في استقالة نادر الحريري من مركزه"، مشدداً على أن "الغياب عن دائرة القرار في "المستقبل" هدفه تنظيم العلاقة أولاً مع "التيار الوطني الحر".

يرى أبو فاضل أنه "وفي الآونة الاخيرة طغت العلاقة الشخصية بين نادر الحريري ورئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، فيما يسعى سعد الحريري لاعادة تنظيمها عبر ابقاء العلاقة الجيدة مع رئيس الجمهورية ميشال عون وابعاد العلاقة الشخصية بين نادر وباسيل عن علاقة "المستقبل" و"الوطني الحر" بجعل رئيس التيار الوطني الحر يتعاطى مع "المستقبل" كقوة سياسية". بدوره منيّر يلفت الى أن "ابعاد نادر عن دائرة القرار سيؤثر طبعاً على علاقة "التيار" بـ"المستقبل خصوصا وان الكيمياء بين الرجلين كبيرة"، مشيرا الى أن "علاقة الشيخ سعد بباسيل أقل دفئاً من علاقة الثاني بنادر".

يذهب منيّر أبعد من ذلك ليشير الى أن "اقالة بعض المسؤولين بتيار "المستقبل" تحمل دلالات للمرحلة المقبلة كماهر أبو الخدود"، لافتاً الى أن "الرجل مقرّب من وزير الداخلية نهاد المشنوق، واقالته من مركزه تعني ربما أن المشنوق لن يكون في الصورة المقبلة أي في حكومة العهد الاولى". أما أبو فاضل فيرى أن "اقالة أبو الخدود لها علاقة بالتنظيم الداخلي لتيار "المستقبل"، لافتاً الى أن "هناك مآخذ عديدة كانت عليه في فترة الانتخابات لا أكثر ولا أقل".

في المحصّلة أراد رئيس الحكومة من موجة الإقالات التي قام بها ومن استقالة نادر الحريري أن يظهر أن التعاطي في المرحلة المقبلة سيكون مختلفا عن السابق، وتبقى العين حالياً على شدّ الحبال لتشكيل الحكومة ومن غير المعروف كم سيستغرق تشكيلها وقتاً!.



2018/05/01

عندما تنقلب التحالفات في سورية



سامح راشد

قبل سبع سنوات، كانت خريطة التحالفات في سورية واضحة في البداية، وحادّة، على الرغم من اختلاف أهداف أطرافها، وبالتالي أدوات واقترابات كل منها لتحقيقها. تمحور التحالف والصراع على مساندة ثورة الشعب السوري، أو دعم نظام بشار في قمعها. فاصطف مع بشار كل من روسيا وإيران بالأساس، وبعض الدول العربية التي اعتبرت ثورة الشعب السوري، مثل بقية ثورات الربيع العربي، ليست سوى مؤامرات تحاك ضد الدول العربية. 

في المقابل، كان المعسكر الداعم للثورة السورية أكثر اتساعاً وتنوعاً، فشمل من دول المنطقة معظم دول مجلس التعاون وتركيا. ومن خارجها معظم الدول الغربية والقوى الكبرى في العالم، ربما باستثناء روسيا والصين. 

داخل المعسكرين، تباينت الأهداف الجزئية أو لنقل الحقيقية، فالقضية لدى إيران لم تكن رفض الثورات من حيث المبدأ، وإنما المشكلة في أن الثورة السورية ستطيح نظام بشار المتحالف مع طهران، بينما أولوية روسيا ليست عقيدة النظام أو رأسه، وإنما ضمان استمرار التحالف مع موسكو، وتأمين مصالحها مستقبلاً. وعلى الجانب الآخر، لم تكن واشنطن تؤمن، من البداية، بحتمية إزاحة بشار. وكانت إدارة الرئيس باراك أوباما تتمنّى لو تنجح الثورة السورية من دون دماء. وبعد أن نجح بشار في عسكرة الثورة، وفرض المواجهة المسلحة على المعارضة، لم يستجب سلوك واشنطن لذلك التطور، فأحجمت عن تقديم دعم عسكري حقيقي للمعارضة. 

وانكشف أنه لا دعم الثورة السورية حتى النهاية، ولا إطاحة بشار، ضمن أولويات واشنطن. وأن عداءها بشار والمطالبات المتكرّرة بخروجه من المشهد ليست سوى نفاق إعلامي. أو في حدّها الأقصى تمنياتٍ بأن يخرج في إطار عملية سياسية سلسة، تضمن انتقال السلطة إلى يد "مؤتمنة"، وليس إلى الإسلاميين الجهاديين. لذا كان تحصيل حاصل أن تفصح واشنطن أخيراً عن حقيقة موقفها بإقرارها علانية ببقاء بشار، وأن إزاحته "لم تعد أولوية". وبسبب الخذلان الأميركي، بالتوازي مع التدخل الروسي الذي غير موازين القوة على الأرض جذريا، اضطرّت دول عربية إلى التعامل بواقعية مع فكرة استمرار بشار. بعد أن كانت تعتبر إطاحته خطاً أحمر لا تراجع عنه. وهو أيضاً الاتجاه الذي سارت فيه تركيا للأسباب نفسها. 

وهكذا زال محور الخلاف الأصلي الذي كانت تنقسم حوله التحالفات في سورية. وفرضت المستجدات على الأرض محاور جديدة للتحالف والتصارع. أولها رسوخ دور الجماعات المسلحة، بعد أن أصبحت تسيطر على مناطق النفوذ وتقاسمه فيها، بل وأصبح لها تحالفات وحسابات خاصة بها، فصارت جزءاً أصيلاً من المعادلة السورية، بعد أن كانت مجرّد أدوات وأذرع للدول الداعمة لها. 

محور التحالف والتصارع الثاني هو حدود التفاهم والتنافس على سورية الجديدة. بعبارة مباشرة، صفقات ومواجهات اقتسام النفوذ والسيطرة على الأراضي السورية حالياً التي ستمهد بدورها إلى رسم حدود النفوذ ومداه، وبالتالي المكاسب المتوقعة في المستقبل. 

طوعاً أو قسراً، لم تعد القضية بالنسبة لأي طرف تلبية استغاثة السوريين وإنقاذهم من القتل والتشريد، ولا الحفاظ على وحدة الدولة السورية. وبينما الهدف الظاهري المعلن من كل الدول، وفي المحافل كافة، هو التوصل إلى تسويةٍ سياسية، يشهد الواقع على أن التدخل العسكري المباشر هو الأداة الرئيسة، والمدخل لتأمين مصالح ومواقع كل طرف. وليس أدل على ذلك من الاجتماعات الثلاثية المتتالية بين روسيا وتركيا وإيران، والتي كشفت أن تحالفاً جديداً نشأ، أو على الأقل تنسيقاً بين البلدان الثلاثة. في مقابل التحركات الأميركية والإسرائيلية والعمليات العسكرية الجراحية التي تقومان بها، قبل دخول فرنسا على الخط بقرار إرسال قوات إلى الأراضي السورية. وفي السياق نفسه، تأتي الدعوة الأميركية إلى إرسال قوات عربية، وربما أيضاً من دول إسلامية، إلى سورية. لتنقطع صلة الملف السوري تماماً بفكرة الثورة أو المطالب الشعبية، وليصبح محور التحالف والصراع هو التنافس على مكاسب وغنائم ما بعد الحرب.

«نبشُ قبور» بين بَهيَّة وأَسْوَد و«القوّات»!




كشَف الجميع أوراقهم المستورة في صيدا - جزين. وكمّياتُ السمّ التي يطلقها بعضُ المعنيين سرّاً وفي المجالس الخاصة، يتجنّبون إظهارَها أمام الإعلام. بالنسبة إلى هؤلاء، هي معركة حياة أو موت. لذلك، لا بأس باستخدام الأسلحة المحظورة في هذه الأسابيع الحسّاسة. ولكن السؤال: ألا تفضح الانتخابات كلّ الوجوه على حقيقتها؟ وهل إنّ مظاهر الغرام الساذج، قبل الانتخابات، لم تكن سوى خداعٍ بخداع؟

الأكثر هدوءاً على جبهة صيدا - جزين هو الفريق الشيعي. منذ اللحظة الأولى، الرئيس نبيه بري و»حزب الله» حسَما الخيار: نريد ابراهيم سمير عازار في جزين وأسامة سعد في صيدا. ومنذ تلك اللحظة، يعمل الطرفان بجدّية وصمت لتوفير الظروف التي تسمح بتحقيق هذا الهدف.

ولكن، على الجبهة السنّية - المسيحية، كلام من العيار الثقيل يقوله الحلفاء (ليس معروفاً مَن هو الحليف الحقيقي لِمَن حتى داخل كل فريق) بحقّ الخصوم (ليس معروفاً مَن هو الخصم الحقيقي لِمَن حتى داخل كل فريق): «المستقبل»، «التيار الوطني الحرّ»، «القوات اللبنانية» وسواها.

ويشبّه البعض هذا الكلام بـ»ويكيليكس» الذي يكشف أنّ هناك الكثير ممّا جرى ويجري وسيجري تحت الطاولة. والأرجح أنّ لهذا اللعب تحت الطاولة أثراً حاسماً على نتائج الانتخابات.

في جزين، يتمّ التداول يشريط فيديو للنائبة بَهية الحريري، وفيه تتحدّث أمام المناصرين، وتقول فيه: «خلال زياراتي ولقاءاتي، وجدتُ أنّ الناس في صيدا يضعون عليّ شرطين:

- الأوّل هو ألّا يَكون تحالفنا مع «التيار الوطني الحر» عبر زياد أسوَد. وقالوا لي «غيِّروه».

- الثاني هو ألّا نتحالف مع «القوات اللبنانية»، لأنّ الأمر نبشٌ للقبور، علماً أنّنا أقفلنا تلك الصفحة وبدأنا صفحةً جديدة لأنها كانت نتيجة الحرب الأهلية. ولكنّ، نبْشَ القبور ما زال عالقاً في وجدان الناس. وأنا لا أستطيع أن أغيِّر الأمرَ وأن أردَّ على هواجس الناس أو آرائهم أو عواطفهم إزاء الماضي. علماً أنّ عجاج (حداد) ووالده «أصحابنا»، وأتواصل معهما كل يوم هاتفياً. ولكنني ما أردتُ أن أخدشَ مشاعر أهل مدينتي بالماضي».

أضافت الحريري: «عندما رفضَ الدكتور عبد الرحمن (البزري) التحالف معنا، جاؤوا إلينا من «التيار الوطني الحر» وسألوني: هل نستطيع أن نحاول (إقناعه)؟ قلت لهم: تفضّلوا وحاولوا. فجماعة «التيار» هم أكبر قوّة في المنطقة و»مِش بَطّال» الحاصل الانتخابي الذي يَضمنون تأمينَه.

لكنّهم تفاوضوا مع الدكتور عبد الرحمن وعَقدوا معه اتفاقاً تحت الطاولة، وأضافوا إليهم «الجماعة الإسلامية»، من دون أن يعودوا إليّ ويبلغوني بما حصل.

وقبل 4 أيام من انتهاء مهلة تشكيل اللوائح، وكان يوم خميس، هاتفَني ابني نادر وقال: «أمّي، لقد فرَطت مساعي التحالف مع «التيار الوطني». وعلينا الذهاب إلى المستقلين». وعندئذٍ، قرَّرنا التلاقي مع أمين إدمون رزق وصلاح جبران (عن المقعدين المارونيَين) وروبير خوري عن المقعد الكاثوليكي».

في فيديو آخر، تتحدّث النائبة الحريري عن ضغوط مارسَها رئيس الجمهورية الرئيس ميشال عون على صلاح جبران ما أدّى إلى انسحابه قبل إعلان اللائحة. وتقول: ضغط «التيار الوطني»، أي رئيس الجمهورية وجبران باسيل، على صلاح جبران. «ما قِدِر هَدّا». فاتصَل بي وقال: «ما رَح كَمِّل معكُن، ما عَم إتحمّل الضغط».

تضيف: «وهكذا، بقيَ معنا المرشّحان الآخران، واتفقنا مع السيّدة أنجال (الخوند) من بلدة صيدون». وتستدرك ممازحةً: «ما في غيرهن. وأيّ واحد بيفرط منهُن راحت اللايحة». وقد حاوَلوا سحبَ أمين رزق ولكنّه لم يرضَ. وكذلك حاوَلوا ثنْيَ روبير خوري عن إكمال ترشيحِه.

نحن أمام تحدٍّ كبير جداً. ولا نستطيع أن نربَحه إلّا بالمشاركة. وحماية صيدا تأتي من المشاركة. ويجب أن يكون عندنا أكثر من صوت (في المجلس النيابي) لنستطيعَ أن نحميَ مشاريع المدينة وقرارَ المنطقة. ونحن وجزّين منطقة ممتدّة، وليس جديداً أن يكون اتجاهنا صوبَها.

والرئيس (رفيق) الحريري اختار إنشاءَ مشروعه في كفرفالوس، التي هي نقطة وسطى بين كلّ المناطق. ونأمل إعادتها منطقة العيش المشترك وتتيح فرص العمل». وأكّدت أنّ صيدا «تستحق أن نعمل لها، وأن تكون أجملَ وأكبر».

إذاً، في «ويكيليكس» النائبة الحريري: زياد أسوَد مرفوض و»القوات» (حلفاء «المستقبل» المفترضون) مرفوضون كذلك… ولكن ذريعتها هي أنّ الناس في صيدا يرفضونهم.

وهنا تسأل الأوساط «القواتية» في جزين: إذاً، كيف يكون التحالف ناجحاً بين «المستقبل» و»القوات»، في الشوف مثلاً، ولا شكوى منه، فيما إقليم الخرّوب السنّي هو امتداد جغرافيّ وديموغرافي لصيدا - جزين، وكلّ أحداث الحرب التي شهدتها جزين - صيدا شَملت هذا الإقليم في الوقت عينه؟

رسمياً، تلتزم «القوات»، عبر مرشّحِها عجاج حداد، عدمَ الدخول في مساجلات في هذه الفترة. ولكن، يقال في الأوساط «القواتية» في جزين: «العداء لـ«القوات» ليس رمّانة بل قلوب مليانة». وأساساً ليس مفهوماً لماذا اختار «المستقبل» عقد تحالفاته الانتخابية في هذه الدائرة بعيداً عن الخيارات السياسية التي نلتقي عليها في 14 آذار.

وتضيف: في معزل عن الشعبوية الانتخابية، إنّ مسيرة «القوات» في جزين وصيدا لطالما كان عنوانها الدفاع عن الكرامة. وبعد الحرب، كانت «القوات» الأكثر اندفاعاً إلى طيّ الصفحة، فيما سواها ينبش القبور. ومحاولات البعض أن يُلصِق ترسّبات الحرب بـ»القوات» فيه الكثير من تحميل الضمير. وهو يَعرف ذلك. فهذه الترسّبات لا تعني «القوات»، بل تعني آخرين. وهؤلاء معروفون ممَّن يفكِّر ويتذكَّر... منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب في 1975.

ولكن، في «ويكيليكس» أوساط «التيار الوطني الحرّ» في جزين كلام أكثر عنفاً: يظهر بالصوت والصورة كيف أنّ السيّدة بَهية الحريري تتعاطى مع ملفّ الانتخابات بفوقية. فهي تريد أن تُحدِّد لأهل جزين مَن يمثّلهم ولـ»التيار الوطني الحرّ» مَن يمثّله في جزين. فهل يحقّ لها أن تمارسَ «الفيتوات» على القوى السياسية عندنا، وعلى الأشخاص داخل كلّ منها؟

ومنذ اللحظة الأولى، أرادت تعويضَ مقعد الرئيس فؤاد السنيورة في صيدا، الذي سيفوز به أسامة سعد، بأخذِ المقعدِ الكاثوليكي في جزين. فبأيّ حقّ تطالب بذلك، خصوصاً أنّ «التيار الوطني الحر» يخوض أيضاً معركةً ضدّ لائحة سعد نفسِها، على أحد المقعدين المارونيَين في جزين؟

ويكشف بعض المتابعين، القريبين من «التيار» في جزين، أنّ النائبة الحريري رَفضت فكرة تشكيلِ لائحة تضمّ «المستقبل» و«التيار الوطني الحرّ» و«القوات»، ويمكن أن تحظى بدعمِ قوى أخرى. وتكون هذه اللائحة قادرةً على الفوز بـ4 مقاعد من أصل 5 في الدائرة. وأبلغَت الجميع منذ البداية أنّها لا تريد التحالف بأيّ شكل مع «القوات».

هؤلاء يستدركون: لا نَعرف ما الذي تقصده الحريري بكلامها على كونِ جزين امتداداً لصيدا. فإذا كان المقصود هو طِيبُ العلاقة التاريخية بين أهل صيدا وأهل جزين، فهذا أمر مرحَّب به دائماً عندنا. ونحن معروفون بمحبتِها الأخوية الصادقة لأهلنا في صيدا. وأمّا إذا كان المقصود هو هيمنةُ فريق سياسي على قرار جزين، تزامُناً مع قضمِ أراضي جزين، فهذا يَضرب صدقية العيش التاريخي المتفاعل، ويثير هواجسَ الهيمنة المرفوضة.

عند هذه النقطة، تلتقي القوى المختلفة في جزين. كلّها تخشى الهيمنة على قرار المنطقة من خارجها. ولكن، المصيبة لا تجمع هؤلاء. وهم لم يتمكّنوا من التحالف في لائحة واحدة تجمع شتات الأصوات الجزينية المنثور على اللوائح الأربع. وهذا التشرذم طبيعي، بل قَدَريّ، بين الزعامات المسيحية التي لا تعمل، غالباً، إلّا للمصالح الضيّقة.

آل كاسترو.. نهاية حقبة

 
صادق ناشر

سيكون من الصعب على الكوبيين التصديق أن هناك رئيساً جديداً قد دشن عهده في بلادهم بعيداً عن فيدل وراؤول كاسترو، إذ إن الأخوين، حكما هذه القلعة السياسية والاقتصادية، الواقعة في منطقة الكاريبي، بين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، لما يقرب من ستة عقود، تحولا معها إلى رمزين من رموز كوبا، خاصة فيدل، الذي أحكم قبضته على الدولة الكوبية منذ عام 1959 وحتى عام 2008، وخلالها مرت كوبا بأكثر مراحلها إثارة للجدل وأكثرها صعوبة، حيث كانت مركزاً من مراكز التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في فترة الحرب الباردة، وكادت تتسبب في حرب كونية عام 1962 فيما عرف ب«أزمة الصواريخ الكوبية».

لعبت جزيرة كوبا دوراً مهماً في تاريخ الاشتراكية الدولية، وعلى الرغم من اختفاء الاتحاد السوفييتي من الخريطة الدولية، وعودة مجد القياصرة الروس، في تسعينات القرن الماضي، إلا أن كوبا ظلت شوكة في حلق الولايات المتحدة، وظل كاسترو اللاعب الأول، بل الأوحد في حكم كوبا، واصطف خلفه الكوبيون على مختلف انتماءاتهم واتجاهاتهم السياسية، وشهدت عملية استقطاب سياسي كبيرة خلال العقود الأخيرة، لكنها بدأت تعاني أزمات داخلية اقتصادية بدرجة رئيسية، بعد خروجها من الجلباب السوفييتي، بعدما تخلت روسيا عن كثير من حلفاء الدولة السابقة، ما دفع بكوبا إلى مراجعة خطابها المتشدد حيال العالم الذي تختلف معه، وهو العالم الغربي، وبدأت تتخلى تدريجياً عن الشعارات الاشتراكية، وتوج ذلك بعودة العلاقات مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس باراك أوباما، وافتتحت لأول مرة سفارة كوبية في واشنطن، وسفارة أمريكية في هافانا، وكان ذلك عنواناً لتحول جديد في تاريخ كوبا.
كان عهد راؤول كاسترو بمثابة تغيير في الرؤية الكوبية للعالم، فقد أطلق مجموعة من الإصلاحات التي لم يكن ممكناً تصورها من قبل، مثل انفتاح الاقتصاد على المؤسسات الصغيرة الخاصة، متخلصاً من نمط الاقتصاد الاشتراكي، الذي كان يحرم الملكية الخاصة ويحصر النشاطات الاقتصادية كافة بالدولة.

خلال الأيام الثلاثة الماضية بدا وكأن كوبا تعيش تغييراً تاريخياً بانتخاب ميغيل دياز كانيل رئيساً للبلاد، خلفاً للرئيس المنتهية ولايته راؤول كاسترو، والذي يعني بذلك نهاية حقبة آل كاسترو، الممتدة لستة عقود. وقد أعلنت رئيسة اللجنة الوطنية الانتخابية في المجلس النيابي أن دياز كانيل، صار الرئيس الثالث في تاريخها منذ الثورة الكوبية عام 1959.

من جديد أكد الكوبيون أن الحزب الشيوعي الكوبي ما يزال هو صاحب القرار في الدولة، فدياز لن يكون صاحب القرار، كما هي حال الرؤساء في بقية أنحاء العالم، بل راؤول كاسترو، الذي لا يزال محتفظاً بمنصب الأمين العام للحزب، وفي عرف الأحزاب الشيوعية فإن الأمين العام للحزب هو الذي يحكم وليس الرئيس، الذي يبدو صورياً في مثل هذه الدول، فالرئيس الراحل فيدل كاسترو أحكم مع شقيقه قبضتهما على الدولة مستخدمين اليد العليا للحزب الشيوعي ونجحا معاً في البقاء طويلاً في السلطة لستة عقود.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر