الراصد القديم

2015/09/01

أفارقة القدس القديمة في جيلهم الثالث:يحرسونها، بأمر الحاج أمين

 
عبد الرؤوف أرناؤوط

عندما استشعر الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس آنذاك، خطراً يتهدد المسجد الاقصى في العام 1918، أمر بأن يتولى أفارقة مسلمون مسؤولية حراسة المسجد، ومكّنهم من الإقامة على مقربة منه.
 
علي جدة هو سليل هؤلاء الأفارقة. عمره 65 عاماً، وينظر إليه الكثيرون كمؤرّخ الجالية الأفريقية في فلسطين. وهو مصدر هذه الواقعة: "العامل الأساسي في إسكان أهلينا هنا هو الحاج أمين الحسيني، الذي قال أن الافارقة متديّنون وأشدّاء، ولذلك، يجب أن نجد لهم موقعا قريبا من المسجد الأقصى".

يتحدّث جدة لـ "السفير" من منزله الملاصق للمسجد الأقصى، في ما يطلق عليه الآن اسم "مقر الجالية الأفريقية" داخل البلدة القديمة في القدس. يشرح: "لفترةٍ طويلة، كان معظم العاملين في المسجد الاقصى من الجالية الأفريقية، وكانوا متشدّدين دينياً. فإذا لم تكن مسلماً، لم تكن تتوفر لديك أيّ فرصة للدخول إلى المسجد. ويقال أنه، في يومٍ من الأيام، أراد الدون البلجيكي بارا بانت أن يزور المسجد الأقصى، فأصدر المسؤول عن إدارة المسجد آنذاك أوامره بمنح الأفارقة إجازة في ذلك اليوم، لأنه لو جاء بينما هم متواجدون لما تمكّن أبداً من الدخول".

في كتابه "موجز تاريخ القدس"، يذكر المؤرخ الفلسطيني عارف العارف هذه الحادثة بقوله أن "متصرف القدس غيّبهم عن الحراسة كي يتسنى للدون بارا بانت البلجيكي وعقيلته النمساوية الأصل زيارة الحرم بإذن السلطان".
يعتبر جدّة من الجيل الثاني من الأفارقة الذين جاء أوائلهم إلى القدس على دفعتين: الأولى لأسبابٍ دينية، والثانية لأسبابٍ جهادية. وقد قصدوها من أربع دول أفريقية هي: السودان، السنغال، نيجيريا، وتشاد.
ويروي جدة: "اباؤنا وأجدادنا جاؤوا على مجموعتين وعلى خلفيتين، مجموعة أتت لأسبابٍ دينية بحتة، إذ كانوا في مكّة المكرمة وقدموا إلى الأراضي الفلسطينية ومكثوا في فلسطين. أما المجموعة الثانية فقد جاءت إبان حرب 1948 برفقة الجيش المصري، ومنهم من استشهد، والآخرون مكثوا أيضاً في البلاد".

أما الأصول القبلية لهؤلاء الوافدين فتعود، بحسب تأريخ الجالية الأفريقية، إلى تسع قبائل أفريقية، هي: أولاً، السلامات، قبيلةٌ عربية ممتدة من آسيا إلى قلب افريقيا. وثانياً، هوسا، التي تعدّ من أهم المجموعات البشرية في غرب أفريقيا. وثالثاً، الفلاتة، وهي قبيلة سودانية من أصول نيجيرية. ورابعاً، الكانوري، وهي مجموعة عرقية تقطن ولاية بورنو، شمال شرق نيجيريا. وخامساً، البلالة التي تحيا على الساحل الشرقي لبحيرة تشاد. وسادساً، كانبمو، الآتية من شرق النيجر. وسابعاً، الفولا، وهي من أكبر القبائل في دارفور. وثامناً، البرقو، وهي من القبائل الوافدة إلى دارفور. وتاسعاً، الزغازة، من عرب الجنوب: "منهم من مكثوا في المدينة وتزوجوا من فلسطينيات. واليوم، نحن نحكي عن الجيلين الثاني والثالث. أنا، على سبيل المثال، من الجيل الثاني. أبنائي ينتمون إلى الجيل الثالث".
بحسب جدّة، فإن عدد أبناء الجالية يتراوح اليوم ما بين 280 و300 شخص.

الرباطان، المنصوري والبصيري
تعيش الجالية أوضاعاً اقتصادية صعبة، وتجد نفسها أيضاً مظلومة، وأحياناً منسية. فعندما يتمّ الحديث عن البلدة القديمة، يقال "الحيّ الإسلاميّ" و "الحيّ المسيحيّ" و "الحي الأرمنيّ" و "الحيّ اليهوديّ"، من دون ذكر لهذه الجالية.

وليس من السهل على غير أبناء البلدة القديمة في القدس معرفة مكان إقامة أفراد الجالية، التي ربما كانت من أكبر الجاليات المقيمة في المدينة. ففي الطريق المؤدي إلى باب المجلس، وهو أحد بوابات المسجد الأقصى الرئيسة، يقع مبنيان كبيران متقابلان، يفصل بينهما شارع يسمى "شارع علاء الدين البصيري"، أحدهما يسمى "رباط المنصوري" والأخر "رباط البصيري". لكلّ من الرباطين بابٌ حديديّ كبير، يؤدي إلى ساحةٍ كبيرة محاطة بالغرف السكنية المتلاصقة. وهما لا يبعدان سوى أمتار قليلة عن المسجد الاقصى، من جهته الغربية.

يقيم جدّة في الرباط المنصوري، ويقول أن السلطان قلاوون بناه في العام 1276. أما الرباط الآخر فقد بناه علاء الدين البصيري، بعد ارتفاع الرباط الأول بعشرات السنوات. يذكر هنا أن علاء الدين البصيري هو العالم الفقيه الأمير علاء الدين آيد غدي بن على بن عبد الله البصير، ناظر الحرمين الشريفين في عهد السلطان المملوكي الظاهر ركن الدين بيبرس، وقد فقد نظره فأطلق عليه لقب البصيري.

وما زال بعض المقدسيين يطلقون حتى الآن اسم باب الناظر على باب المجلس، نسبةً إلى الفقيه الناظر أو البصيري، الذي يتواجد قبره داخل الرباط. وكان الرباطان يستخدمان لسنوات طويلة في استقبال المتصوفين والمتعبدين والفقراء والحجاج المسلمين الوافدين إلى القدس. ولكن المبنيين يحملان أيضاً اسم "سجن الدم" و "سجن الرباط"، ولذلك سبب أيضاً.

يروي جدّة: "في الحقبة العثمانية، تم تحويل الموقعين إلى سجن. في أحدهما حيث أقيم (الرباط المنصوري)، كان يتم وضع المحكوم عليهم في السجن لفترات أكبر من 10 سنوات. وفي الحبس الآخر (الرباط البصيري)، كان يتم سجن المحكوم عليهم بالإعدام. وعليه، يسمى القسم الآخر بحبس الدم، بينما هذا يسمى حبس الرباط".

بقي الوضع على هذه الحال حتى العام 1918، لما أقام فيهما الأفارقة الذين أطلق عليهم آنذاك لقب "المجاورين"، أيّ المجاورين للمسجد الأقصى. وحاز الأفارقة على مفاتيح المسجد الأقصى، وعملوا حراساً أشدّاء له.
وكان الحاج أمين الحسيني هو من وطّن الأفارقة في المبنيين بأجرةٍ رمزية لإبقائهم على مقربة من المسجد الاقصى، بصفته مفتي البلاد وبالتالي المسؤول عن إدارة الأوقاف الاسلامية في القدس.

فاطمة، والمناضلون حتى اليوم
يتكلم الأفارقة الفلسطينيون اللغة العربية، وعاداتهم هي عادات سكان القدس ذاتها. رجالهم يتزوجون من الفلسطينيات، ونساؤهم يتزوجن من فلسطينيين. ويقول جدة: "نحن نتكلم عن جذور من 4 دول أفريقية، ولكن اليوم، عندما تتكلم مع أبناء الجالية، فإنهم يقولون بصريح العبارة: نحن فلسطينيون. صحيحٌ أن جذورنا أفريقية، ولكننا فلسطينيون. وأنا غالباً ما أقول في أحاديثي أننا فلسطينيون أكثر من الفلسطينيين".

وأكمل شارحاً: "حالياً، كأفارقة فلسطينيين، فإن وضعنا جيد. وعلاقاتنا طيبة مع المجموعات الأخرى من الشعب الفلسطيني، حتى أنني لا أبالغ لمّا أقول أننا الأكثر انفتاحا في المجتمع الفلسطيني. فعلاقاتنا متشعبة وممتدة على كل المجموعات، وإذا جلت في الجالية، فانك ستجد فتيات من الجالية متزوجات من فلسطينيين، وشبابا من الجالية متزوجين من فلسطينيات، وهو وضع مميز".

ولأقوال جدة ما يسندها على أرض الواقع. فأول معتقلة فلسطينية بعد الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967 كانت، بحسب جدّة، فاطمة البرناوي: "أبناء الجالية كانوا دائماً في الطليعة، وأكبر دليل على ذلك هو أن اول فتاة فلسطينية اعتقلت في العام 1967 كانت من الجالية الأفريقية، وهي فاطمة برناوي، التي حكم عليها في العام 1967 بالسجن 11 سنة، وتم ابعادها، وعادت إلى الوطن في العام 1994 برفقة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهي الآن مسؤولة الشرطة النسائية الفلسطينية".

برناوي هي ابنة أب نيجيري، زرعت قنبلة في مسرح يهوديّ في القدس الغربية في نهاية العام 1967، وحكم عليها بالسجن لمدة 30 عاماً امضت منها 10 سنوات في السجون الإسرائيلية قبل أن يتم ابعادها.

وليس علي نفسه ببعيد عن ذلك، ففي العام 1968 قام بزرع 4 قنابل يدوية في وسط القدس الغربية، ما أدى إلى إصابة 9 اسرائيليين. أمضى على إثر ذلك 17 عاماً في السجون الإسرائيلية، قبل أن يتم الإفراج عنه في صفقة تبادل الأسرى في العام 1985.
وعلي جدّة المولود لأب من تشاد، عمل بعد خروجه من السجن صحافياً، قبل أن يصبح الآن دليلاً سياحياً في القدس، يقدّم المدينة للسياح الأجانب بالرواية الفلسطينية التي تتناقض تماماَ مع الرواية الإسرائيلية.

وقد ضمّت الجالية الأفريقية العديد من الشهداء، والجرحى، والمعتقلين، والناشطين السياسيين. من بين هؤلاء ناصر قوس، الذي كان مرافقاً شخصياً للشهيد فيصل الحسيني حتى رحيله في الكويت منتصف العام 2001.

الآن، يتولى قوس الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين من سكان مدينة القدس، من خلال موقعه كمدير لـ "نادي الأسير الفلسطيني" في المدينة. ويقول أبناء الجالية انهم لا يشتكون من تمييزٍ في أوساط المجتمع الفلسطيني بسبب لون البشرة.

مساع إسرائيلية لاستمالة الجالية.. فشلت

سعت إسرائيل إلى استمالة الجالية الآفريقية إلى جانبها مراراً، غير أن محاولاتها هذه انتهت دوماً إلى فشلٍ جعل أبناء الجالية يدفعون ثمنه باهظاً.

يشرح جدة: "علاقتنا مع الجانب الإسرائيلي واضحة منذ البداية، وهي أنه محتل، وإننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، نعيش تحت الاحتلال، ونعاني من هذا الاحتلال.. هو موقفٌ أعتز وأفتخر به"، مشيرا إلى أنه "كانت هناك محاولات عديدة من جانب الإحتلال هدفها الوصول إلى الجالية، من خلال إغراءات عديدة. ولكن الناس كانوا يرفضون". وأضاف علي شارحاً: "هناك أيضاً الجانب الأيديولوجي في التعامل معنا. وكما تعلم، في المجتمع الإسرائيلي توجد عنصرية في التعامل. فعندما اقول أن الفلسطينيين مقموعون منهم، فإن قمعنا كجالية أفريقية فلسطينية سيكون مضاعفاً، أولاً لأننا فلسطينيون، وثانياً بسبب بشرتنا. وإذا ما نظرت إلى إسرائيل، ستجد أنه على صعيد التعامل مع المجموعات المختلفة في الكيان الصهيوني، أكثر المجموعات قمعا وتهميشاً هي مجموعة الأثيوبيين بسبب بشرتهم".

وتابع جدة: "كما أن المساهمة الوطنية من أبناء الجالية الأفريقية جعلت الاحتلال يتعامل معنا دائماً بقسوة. فعندما يحدث توتر سياسي، تكون أولى المجموعات التي يتم استهدافها أبناء الجالية الأفريقية، وذلك بالطرد من العمل. وعليه، فهناك عدد لا بأس به من الشبان والفتيات الذين كانوا يعملون في إسرائيل، تم طردهم من أماكن عملهم كإجراء عقابي".

لقد دفعت الجالية نتيجة مواقفها السياسية الكثير، لا سيما اقتصادياً. ما جعلها الآن من الطبقات الاشد فقراً في المجتمع الفلسطيني، ما انعكس على المستوى التعليميّ لأبناء الجالية.

في هذا الصدد، يقول علي جدة: "نعاني اقتصادياً. فالكثير من الشباب والشابات يضطرون إلى ترك المقاعد الدراسية للالتحاق بعجلة العمل، لأن أوضاعهم الإقتصادية صعبة. ولكن الجميل في الجالية هو عنصر التضامن والترابط بين أفرادها. يواجهون الصعوبات بتضامنٍ لافت. فعلى سبيل المثال، عندما تحدث حالة وفاة، تتجمّع العائلات، وتجمع المال، بحيث لا تشعر العائلة بأنها هي فقط المفجوعة، وانما تتشارك مصابها مع الجميع".

ويشير إلى أن التركيز الآن ينصب على الجيل الجديد: "تركيزنا واستثمارنا في الجيل الجديد. وهو الجيل الثالث. نريد أن نوفر لهم ما لم يتوفر لنا. فلدينا جمعية الجالية الأفريقية التي تقوم بنشاطات مختلفة تركز على الجيل الثالث. وكذلك، يتم التركيز على النساء. فهناك مثلاً دورات خياطة وغيرها التي تساعد المرأة على توفير حياة كريمة لها".

وكسواهم من الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية، فإن أبناء الجالية يواجهون إشكالية نقص المساكن وارتفاع إيجارات المساكن في المدينة: "نواجه مشكلة الحيّز نفسه، وهو ضيق، مع الارتفاع في تعداد السكان.. وعليه، فإن الشباب المتزوجين حديثاً يضطرون للخروج، لأن البناء هنا فيه مخاطرة. اذ أن أحد الاخوة قام ببناء غرفة واحدة على سطح بيت أهله ليعيش فيها مع زوجته و5 أبناء، فصدرت عليه غرامة بقيمة 30 ألف شيكل (7900 دولار)، واضطر لأن يهدم الغرفة بيده، إذ بغير ذلك، كانت السلطات ستهدم وتجبره على دفع نفقات الهدم".

وخلافاً لغيرهم من سكان القدس الشرقية، فإن الحكومة الأردنية لا تعترف بأبناء الجالية كأردنيين. في وثائق السفر التي تصدرها وزارة الداخلية الإسرائيلية لسكّان القدس الشرقية الفلسطينيين، تسجّل في خانة الجنسية "أردني/ة"، على اعتبار أن اسرائيل احتلت المدينة من الأردن. ولكن، في حين أن الأردن يصدر جوازات سفر مؤقتة لجميع سكان القدس الشرقية غير الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية، فإنها لا تصدرها للجالية الأفريقية باعتبارهم "وافدين" على مدينة القدس. وبالتالي، لا تمنحهم جوازات السفر الأردنية. 
 
وبموجب اتفاق اوسلو، فإن سكان القدس الفلسطينيين لا يجوز لهم الحصول على جوازات السفر الفلسطينية. لذلك، تستخدم غالبية أبناء الجالية وثائق السفر الإسرائيلية للتنقل في الدول غير العربية، ويعارضون، كما الغالبية من أبناء القدس الشرقية، الحصول على جنسية إسرائيلية.

لربما كان من حظّ علي جدة أن والده، الوافد من تشاد، كان حاصلاً على الجنسية الفرنسية. ولكن، تراه يصرّ على عدم الحصول على هذه الجنسية: "أبي كان يحمل جواز سفر فرنسيا، ما يعني انه يمكنني تلقائياً أن أحصل على جواز السفر. ولكن، تكمن في ذلك مخاطرة! هناك خطر أن يتم شطب إقامتي في القدس من قبل السلطات الإسرائيلية. ولهذا، لا افكر بالحصول على جواز سفر فرنسي". فيحمل علي وثيقة السفر التي تصدرها وزارة الداخلية الإسرائيلية لسكان القدس الشرقية الفلسطينيين، والمتعارف عليها باسم: "ليسيه باسيه"، أي "وثيقة سماح بالمرور" باللغة الفرنسية.

يختم علي جدة حديثه مع "السفير" بالقول: "نحن نراهن على مستقبل القضية، على أمل أن تكون لنا دولة.. أذكر أنه في إحدى المرات، سافرت إلى هامبورغ في ألمانيا للمشاركة في مؤتمرٍ للتضامن مع الشعب الفلسطيني. استغرب الشرطي على الحدود ان وثيقة السفر تفيد بأن مكان الولادة هو إسرائيل، بينما خانة الجنسية تشير إلى أنها أردنية. فكان ردّي أننا من دون دولة حتى الآن، وبالتالي، مشكلتنا مرتبطة بحلّ القضية".
 

الحركة الاحتجاجية لسكان مدن الجنوب وبغداد : لماذا والى اين

 
موسى الحسيني

في اب 2014 ، كتبت مقالة بعنوان " رجال دين ام حفنة من النصابين والشلايتية والفاشلين والاغبياء – مقالة في سيكولوجية رجال الدين الجدد "

وضحت فيها كيف ان اغلب رجال الدين الجدد ومن الطائفتين هم في الغالب من الفاشلين في الدراسة . ما يخضعهم لحالة من السلوك السيكولوجي الشاذ والمشحون بروحية العداء للمجتمع . ساتوقف هنا عند حقيقة ان اغلب ( واقول اغلب لان فيهم من استحلى لعبة الدين في الخارج فلبس العمامة رغم انه من الخريجيين ، لكنهم قلة لايتجاوزون اصابع اليد ) رجال الدين الشيعة الحاليين هم من الفاشلين في دراستهم ، ومن اعرفهم شخصيا لم يكملوا حتى الدراسة الابتدائية ، وبعد استنفاذ جميع فرصهم في المدارس الرسمية ، دفعتهم الرغبة في التهرب من اداء الخدمة العسكرية الى التسجيل في المدارس الدينية لكي يتمتعوا بالاعفاء من الخدمة العسكرية الالزامية ، خاصة الاجيال التي سجلت او انتسبت للمدارس الدينية في فترة الحرب العراقية – الايرانية خلال الثمانينات من القرن الماضي وما بعدها .

لذلك نراهم ، خاصة من امتهن الخطابة والقراءة على الحسين ، يتخبطون خبط عشواء في الروايات الغريبة التي يرددونها عن معجزات للائمة تصل الى حد الكفر والشرك بالله ، وكأن الائمة حالة خاصة من الربوبية ، لاعلاقة لها بالدين الاسلامي ، ولم تكن مكانتهم التي اتخذوها وحققوها في تاريخ الفقه الاسلامي متاتية من تمسكهم بالدين وبوحدانية رب العالمين .ما يؤشر الى ان هؤلاء الخطباء ورغم ادعائهم بالتمسك بولاية الامام علي ، لم يقرؤا حتى نهج البلاغة الذي يظهر فيه الامام علي تمجيده لقدرة الخالق ، وعظمته ووحدانيته ، ولم نجد في كل خطبه وتوصياته ما يؤشر الى انه يدعي امتلاك قدرات خارقة او انه يضع نفسه فوق مستوى البشر الا باخلاقه وتقواه والتزامه وتمسكه باساسيات الدين . وعلي هو ابو الائمة ومنه تأتت مكانة الائمة من ولده . وليس فيهم من ادعى المعجزات او امتلاك قدرات خارقة فوق طاقة البشر. فمن اين لهؤلاء الخطباء هذه الروايات ، ولماذا يسكت عنها المجتهدين والمراجع .!؟ 

سجل رجال الدين المنتسبين زورا لال البيت ، كما هي بقية الفصائل السياسية الطائفية اول خروج على الفقة الشيعي ، بتعاونهم مع محتل اجنبي ، ليس بمسلم ويريد احتلال بلد اسلامي خدمة للحركة الصهيونية العالمية التي تريد ضمان امن اسرائيل بتدمير طاقات العراق العسكرية والاقتصادية وانهاكه بفتن داخلية خطوة باتجاه تقسيمه . فمهما وصفوا نظام الحكم الوطني في العراق ، فان الهوية الدينية للدولةالاسلامية ، لاتحسب في فقه ال البيت بحسابات نظام حكمها بل بطبيعة وهوية سكانها ، كما وضح ذلك الامام الرابع علي زين العابدين من خلال الدعاء المعروف بدعاء الثغور ، الذي يدعو فيه لجند الدولة الاموية بالنصر والصبر على المحافظة على الثغور ( الحدود ) ، مع انه نفس جيش الدولة التي قتلت اباه وسبعين من اهل بيته ومناصريه . وادعية الامام زين العابدين ، التي جُمعت تحت عنوان الصحيفة السجادية ، تعتبر عند فقهاء الشيعة : " ذريعة لنشر تعاليم القران واداب الاسلام وطريقة ال البيت ،ولتلقين الناس روحية الدين والزهد وما يجب من تهذيب النفوس والاخلاق . وسميت بزبور ال محمد " ( عقائد الامامية ، الشيخ محمد رضا المظفر ، ص :95 ) . ولا يستوي التشيع او يتحقق بالغاء فقه الامام الرابع . وليس للاجتهاد هنا من دور لان الدعاء واضح جدا و لايتقبل اي تاويل ، او تفسير اخر.

كما يتفق كل مجتهدي الشيعة وعلى امتداد تاريخ الاجتهاد ، باستثناء السستاني على ان الجهاد من اركان الدين .ويقسمونه لنوعين : جهاد بدائي : وهو غزو بلاد غير اسلامية لنشر الاسلام فيها ، ولا يجوز عندهم الا تحت راية امام معصوم . ودفاعي : وهو واجب على كل مسلم ومسلمة عند غزو قوات اجنبية غير مسلمة على بلد او اراضي اسلامية . وهي القاعدة التي جعلتهم يفتون للجهاد ضد القوات الايطالية التي غزت ليبيا عام 1911 ، مع ان ليبيا كانت تابعة للدولة العثمانية ، السنية المذهب . كما هي نفس القاعدة التي استندوا عليها في دعوتهم للجهاد ضد الغزو البريطاني للعراق عام 1914 ، مع ما كان يعانيه الشيعة في العراق من اضطهاد وتمييزمن الحكومات العثمانية التي كانت تحكم العراق لاكثر من ثلاث قرون .وحده السستاني الغى هذه القاعدة الفقهية . ما يؤشر الى صحة ما كتبنا من ان الرجل لايمت للفقه الشيعي ومبدا الاجتهاد بصلة ، بل هو صنيعة تحالف غربي- صهيوني ، وخروج اولاد الحكيم والخوئي على القاعدة الفقهية الاخرى التي تقول ان اموال المرجعية لاتورث لابناء المرجع المتوفي بل تعود لمن يليه ، فهي اموال فقراء الشيعة . ذاك كان السبب الحقيقي لعداء ال الحكيم والخوئي للسيد محمد صادق الصدر الذي طالبهم باعادة اموال المرجعية التي نهبوها واستولوا عليها . فكان ان شنوا عليه حملة تشويه خبيثة للتشكيك باجتهاده واتهامه بانه صنيعة المخابرات العراقية . فكان كل من جلال الصغير في محلة السيدة زينب في سوريا ، وصدر الدين القبنجي في طهران ، مجيد الخوئي في لندن ،يدبجون المقالاتوينشرون الشائعات حملة تشويه شعواء ضد السيد الصدر، الى ان قتل . ورغم اتهام السيد الصدر بالتعاون مع المخابرات العراقية ، فان سعيد الحكيم عم باقر الحكيم لم يتردد في الشكوى عند الرئيس صدام ضد السيد الصدر لاسترداده احد المؤسسات الدينية التابعة للوقف الشيعي ، والتي استولى عليها سعيد الحكيم على اعتبار انها تركة او ورث من اخيه محسن الحكيم . يبدو ان كل شئ جائز عند ال الحكيم ، تعاونهم مع النظام كان ديناً وتعاون غيرهم يغدو تهمة .

ان التاريخ الحديث وسلوكيات هؤلاء الطائفين المتلبسين بفقه ال البيت ، تمثل حالة عدوان واعتداء على العراق والشعب العراقي ، استمرت في التعاون الكبير مع المحتل لتدمير الدولة العراقية وانهاكها واستنزافها بصراعات طائفية .
استغل هؤلاء المتخلفين من رجال الدين والمنتفعين من قادة الطائفية ، شيوع الميول الدينية والطائفية التي تمكنهم من تكفير من يتصدى لترهاتهم هذه ، او اتهامه بالعمالة او الارتداد عن المذهب ، فما على الشيعي الواعي لكذبهم ودجلهم الا الصمت ، والا فهو زنديق ، كافر ، وغير ذلك من سيل الاتهامات التي تصل الى حد الاغتيال والقتل في المحافظات الجنوبية .

تمادى رجال الدين بعد الاحتلال فيما منحهم المحتل من سلطات وامتيازات . ومع غياب حكومة رسمية تلتزم بالحكم كمسؤولية وتكليف ، تمادى الكثير منهم في الاستهتار بعقل المواطن ، الذي سحقته الحرمانات والمخاوف وما تعرض له من تهديدات يومية للقتل بالطائرات الاميركية في مرحلة ما بعد حرب الكويت وما تبعها من حصار ، فاصابتهم- رجال الدين - حالة اشبه بالهستيريا والجنون للعبث بالدين والاخلاق ، سلاحهم لقمع من يعارض العمامة التي يرتدونها ، وكأن العمة اصبحت جواز مرور لكل ما هو منحط وسافل من السلوك ، همهم كسب اكبر قدر من الامتيازات والمتع الدنيوية دون حساب لاخرة او يوم الحساب . وتمادى بعضهم ليدعي القدسية لشخصه من خلال الادعاء بزيارة الائمة او السيدة فاطمة الزهراء له في الحلم ، او التلويح بصلة له مع الامام الغائب .
اصبحت العمامة واللحية ، وكي الجبهة للتظاهر بكثرة الصلاة بعد الاحتلال وسيلة للكسب غير المشروع وكل اشكال الفساد والانحطاط الاخلاقي، ونهب ثروات البلد واتيان كل ما هو قبيح ومناقض لاساسيات الاخلاق الاسلامية . لايختلف بذلك من ادعى الاجتهاد منهم او ذاك الذي يزعم حيازة المعرفة الواسعة ليس بالدين فقط بل بكل سبل العلم والمعرفة . فتمسكوا بعمليات التجهيل وتخدير المواطن البسيط بالخرافات والمعجزات التي لم يراها احدا غيرهم في امل ان تستمر حياة الرفاهية التي يعيشون بامتيازاتها الدنيوية . وبشكل ممنهج ومنظم راحوا يحاصرون المواطن العربي العراقي لعزله عن بقية الشعب باثارة النعرات الطائفية وتخويفه من الاخر بحجة انه يريد ابادته فقط لانه من محبي ال البيت .

لذلك ارعبتهم مظاهرات الاحتجاج التي انطلقت منذ اكثر من اسبوعين في الجنوب وبغداد مطالبة بانهاء الفساد ، والسرقات التي يمارسها المساهمون بما يسمونه بالعملية السياسية ، والدعوة لوقف الاستهتار الذي يمارس باسم الدين بحقوق المواطن والخدمات المشروعة . انتفض المرتزقة واللصوص من رجال الدين وتناسوا خلافتهم البينية ، كل يصرح متهما المتظاهرين بمختلف التهم ، وبان مظاهراتهم واحتجاجاتهم : " لم تكن عفوية وشعبية ، ان هذه المظاهرات يخطط لها قوى سياسية .... ان الانتصارات الكبيرة التي نحققها امام داعش والضغوط الكبيرة التي ترد على داعش في ساحات القتال ، وصلتنا معلومات مؤكدة ان داعش يريد تخفيف الضغط على نفسه في هذه المناطق من خلال فتح جبهات في المناطق الامنة ، محاولة ارباك . نعرف ان هناك العديد من المفخخات اريد ادخالها لمحافظاتنا الجنوبية وتم مسكها من قبل اجهزة الاستخبارية في الحكومة العراقية واثبط هذا الامر ." كما يقول عمار الحكيم في مقابلة له على قناة البغدادية . يعرف عمار انه اول من سيتم سحقه باحذية ابناء الجنوب وبغداد ، فجماهير كربلاء تردد شعار " ياعمار يادودة ، ذب العمامة السودة " ويعرف ان ليس هناك من طريقة للتخلص من الديدان المضرة غير السحق بالاحذية . وكان قد ذاق قسوة الضرب بالاحذية مرتين مرة مع عمه باقر الحكيم عندما ذهب معزيا بوفاة السيد محمد صادق الصدر في طهران ، فاستقبله المعزين بالضرب بالاحذية ، ومرة عندما زار عمار مدينة الناصرية في بدايات عام 2010 ، رغم كل التحوطات التي اتخذتها حمايته من اغلاق للشوارع وفرض ما يشبه حالة منع تجول في المدينة ، الا ان الشباب اصطادوه في بهو المدينة حيث كان يريد ان ينفث سمومه وهراءاته .
هناك ملاحظة مهمة يجب ان لاتمر علينا وهي ما تتضمنه تصريحات عمار وما توعد به من تهديدات في اجراء بعض التفجيرات في مدن الجنوب وبغداد من اجل تخويف الشعب بنسبة هذه التفجيرات الى جماعات داعش ، لاحباط الحركة الاحتجاجية ، والتخلص منها . فآل الحكيم وعصاباتهم بالذات معروفين بمثل هذه اللعب الخبيثة ( كما سياتي الحديث عن ذلك ) في الجزء التالي من هذه المقالة ، ولعل التفجيرات التي حصلت في بغداد خلال اليومين الماضيين ، ليست الا بداية لما توعد به عمار ابناء بغداد والجنوب من عمليات الانتقام.

يدلي صولاغ بدلوه بتخويف الشباب المتظاهرين من ان قوى اخرى ستستثمر احتجاجاتهم وتسرق الانتفاضة منهم ، ويطرح الحالة المصرية كمثل . فهو يعرف ان مصيره كما هو مصير بقية اللصوص والمنتفعين من الطائفية وشعار مظلومية الشيعة اصبح في كف عفريت جماهير الجنوب وبغداد المشحونة غضبا وقهرا مما تعرضوا له من ذل وابتزاز باسم الدين ، انعكس في واحد من شعاراتهم ( يا مواطن يامسكين ضحكوا عليك باسم الدين ). رغم ان صولاغ كان قد تحوط على مايبدو في تهريب الاموال التي سرقها ، ونقل مشاريعه الاستثمارية الى شمال العراق . فبنى فندقه كراند ملنيوم بكلفة 260 مليون دولار ، في مدينة السليمانية وليس في مدينة النجف او كربلاء ، يبدو ان اصله الكردي تغلب على ما يدعيه من تعصب طائفي ، في ظاهرة غريبة تعني انهم يريدون حرمان اي شيعي ومنعه من ان يستفيد ولو قليلا من الاموال التي سرقوها . 

من اين لصولاغ كل هذه الملايين ، وكم من مستشفى او مدرسة يمكن بنائها لفقراء الشيعة في الجنوب بهذه الملايين . ونحن نعرف ان صولاغ عند بدايات وصوله لاجئا الى سوريا ،كان يقضي يومه يتضور جوعا بانتظار ما تجود به الحسينيات من طعام في المساء ، و يتقرب كالكلب الجائع يهز بذيله من بعض رجال الدين كي يحصل على صدقاتهم ، الى ان وصل باقر الحكيم مبعوثا من المخابرات العراقية عام 1981 ، ليهدأ من تحركات اخويه محمد مهدي وعزيز ، الا انه استحلى لعبة المعارضة على مايبدو ، وانصاع لرغبات ايران بتشكيل تنظيم جديد بديل عن حزب الدعوة الذي كان يرفض مبدا ولاية الفقيه في حينها . فوجد صولاغ ضالته ، ليصبح ممثل التنظيم الجديد في سوريا يلعب بالملايين ، ولا يقبل تقديم اي خدمة او كتاب لشيعي باسم المجلس الا مقابل 100 دولار مستغلا حاجتهم لمثل هذه الشهادات لتصريف شؤونهم في سوريا . وكما هو شائع في حينها بين العراقيين في سوريا ، توسل باقر صولاغ ، قبل ذلك راغبا في الانتماء لحزب الدعوة وقدم طلبا بذلك الا ان طلبه رُفض . سالت المالكي في حينها عن القصة وسبب الرفض ، فقال : سيدنا احنا حزب سياسي موتجمع شلايتية .

ويتهم الصغير جلال الصغير المتظاهرين قائلا : " ان من قام بالمظاهرات هم اذناب البعث والدليل توقيتها بتاريخ الحرب ضد الجمهورية الاسلامية في 8 /8 /1988 ." ولسنا في مجال المقارنة بين نظام البعث وحكم المتدينيين ، الا ان الشعب يتذكر ان صدام اعاد الخدمات ( الكهرباء ، الماء ، الطرق والجسور ) باقل من ستة شهور بعد العدوان على العراق في عام 1991 ، ولم نسمع ان واحد من وزراءه سرق او هَرب ولو مئة دينار . من تلك الدنانير التي كانت تطبع على ورق جرائد . ورغم كل تحريات الاميركان عن ارصدة لصدام او احد اعوانه في كل بنوك العالم لم يعثروا ولو على دولار واحد ، يعود له او احدا من اقرباءه او معاونيه .وكان وكانوا مع كل ما قيل عنهم احرص على اموال الدولة وانزه بدرجات كبيرة من هؤلاء اللصوص المتلبسين بالدين ممن نصبهم الاحتلال على راس السلطة في العراق . 

حتى الشيخ اليعقوبي ، المحسوب على الاعتدال والعقلانية ، انتفض هو الاخر ضد الاحتجاجات ، ويصرح : " فعاليات المتظاهرين، وان كانت مشروعة ، الا انها تصب في مصلحة الدواعش ، وانا انصح كما نصحت المرجعية بايقافها ."
ان الدين والتظاهر بالتدين اصبح عند حكام العراق والطائفيين وكانه مفتاح لاباحة كل المحرمات عندهم ، ليغدوا الشعب متهما بشتى التهم لانه يطالب بحقه في حياة حرة كريمة وسحق خونة الدين ، والاخلاق والوطن ، هؤلاء الزنادقة ، الذين شوهوا جوهر الدين وسمعة ال البيت وشيعتهم .

لذلك ، وليس من موقع الوصي على احتجاجات الجماهير ، بل المواطن الممتحن بشرور هؤلاء الزنادقة ، اقترح على الاخوة المحتجين ما يلي :

اولا : لقد تعود رجال الدين خلال ما يقارب ال 13 عاما من الاحتلال ، على الرفاهية والعيش المترف واتيان كل ما هو محرم ، وسرقة ونهب الاموال وبقية الامتيازات ، وتعرفوا على كل اساليب الانتهازية والغدر والكذب . فعلى المحتجين الانتباه ان لايسرق اهل العمائم منهم انتفاضتهم ، ومنع مشاركتهم في الاحتجاجات ، وطردهم من المظاهرات . من هو صادق منهم ومخلص لشعبه عليه ان ينزع عمامته ويشارك كمواطن ، لاميزة له على غيره من المواطنين .

ثانيا : ان لاتتوقف مطالب الاحتجاج عند حدود الخدمات بل ان تتصاعد الى حد الثورة وطرد كل جماعات الزندقة الفاسدين من كل الطوائف ، ممن شاركوا بالعملية السياسية . وتقديمهم للمحاكمة ، كلصوص ، وخونة . وان لايخدعهم ما يقال عن اصلاحات ، او تلبية بعض المطالب . فهي خطوة يراد بها بها احتواء الاحتجاجات، وتخدير الشعب كي يستمر هؤلاء الزنادقة في سرقة ونهب وتدمير البلد . فالمطلوب سحق هذه الديدان والحشرات المضرة وبالاحذية .

ثالثا : المطالبة والعمل على تغير الدستور الذي كتبه اعداء الشعب بهدف تدمير الدولة العراقية ، وزرع الخلافات البينية بين ابناء الشعب كخطوة باتجاه الغاء الدولة العراقية من الخريطة السياسية واستبدالها بدويلات متناحرة صغيرة ، لاتمتلك من مقومات الدولة ما يكفي لاستقلالها واعتمادها على قدراتها الخاصة، فتتجه لطلب الحماية والعون من تلك الدولة او هذه . والعمل على كتابة دستور ينص على علمانية الدولة وعزل الدين ورجاله عن الحكم او التدخل بالسياسة .

رابعا : لتحقيق هذه الاهداف اقترح ان تشكل لجان ممن عرف بنزاهته واستقلاله في كل مدينة ومنطقة من مدن العراق ، ولجان تنسيق على مستوى الدولة العراقية ، مع تشكيل مجموعات مسلحة من الشباب بمثابة مقاومة شعبية تتولى حفظ الامن ،وحراسة ما تبقى من ممتلكات الدولة والقاء القبض على الزنادقة والمفسدين والتحفظ عليهم الى حين تقديمهم لمحاكم عادلة تقتص منهم لخيانتهم للوطن والدين . وعدم السماح لهم بالهروب خارج العراق . 

خامسا : التحضير لتشكيل حكومة تصريف اعمال انتقالية لمدة سنة فقط ، يتم انتقائها من عناصر تكنوقراط ، مستقلة مهمتها التحضير لاجراء انتخابات حرة ونزيهة ، وكتابة دستور وطني جديد على اساس المصلحة الوطنية العراقية والامن الوطني العراقي .

عبدالناصر و«الإخوان».. لماذا هذا الحقد الأسود ؟

محمد خروب


ثمة بلدة صغيرة في الجليل الفلسطيني الاسفل، تُدعى «كفر مندا» كان لها في الأيام الأخيرة، شرف إسقاط قناع آخر عن وجه جماعة الاخوان المسلمين ومجمل تيارات الاسلام السياسي التي ما برحت تبحث عن مكان لها في فضاء هذه المنطقة العربية، التي ابتليت بالاستعمار وأنظمة الفساد والاستبداد العربي وخصوصاً في محاولة جماعة الاخوان المسلمين, الهيمنة على المشهد الداخلي في اكثر من بلد عربي متدثرة بعباءة الدين، ومُنتدبة نفسها ناطقة باسم السماء, تمنح شهادات الايمان لمن يُسبّح بحمدها ويجّل خطابها وتكفّر من لا يرى «إسلامها»، وليس الاسلام الذي دعا اليه محمد عليه الصلاة والسلام، وتجلّى في آيات القرآن الكريم، التي شكلت والسُنّة النبوية الشريفة, طريقاً للهداية والفلاح ومكارم الاخلاق، التي بُعث نبي الله الكريم ليتمّمها, ولهذا هم منخرطون في خطة تدمير هذه الامة وتفكيك نسيجها القومي ولُحمة اوطانها لصالح مشروع اسلاموي مشبوه.

في كفر مندا، مجلس بلدية متنوع التمثيل والمرجعيات، اذ ثمة شيوعيون واسلاميون, ومن الاخيرين من يؤيد احزاباً اسرائيلية متطرفة مثل شاس حيث رفعوا, اثناء الانتخابات, شعاراً يقول: «شاس لكل الناس».. اقتراح تسمية دوار يجري تشييده في القرية التي لا يزيد عدد سكانها عن سبعة عشر ألف نسمة، اسم الزعيم العربي الخالد جمال عبدالناصر، الاقتراح قدمته كتلة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في المجلس شارحة سبب اقتراحها بأن الجميع» يرى في جمال عبدالناصر الرجل الشجاع والقائد، الذي أعاد للأمة جمعاء كرامتها وعنفوانها وسعى بكل قوة لوحدتها وصانها للوقوف في وجه اطماع الامبريالية العالمية، في زمن تردت به احوال الأمة وكنا كالأيتام على موائد اللئام».

لم يكد خبر الاقتراح (مجرد اقتراح) يسري في البلدة حتى هاج ممثلو الحركة الاسلامية التي يقودها الشيخ رائد صلاح، وراحوا بصخب وانفلات عُصابي يهاجمون عبدالناصر ويرفضون التسمية، لأن القائد العروبي الفذ في نظرهم «.. ظلم الكثير من مواطني مصر وكان سبباً وراء موت رجل الدين المشهور سيد قطب، وجميع من نادي بنصرة الاسلام».

هكذا إذاً.. حكاية سيد القطب التي تُمزج بفكر تكفيري واضح تنطوي عليه عبارة «.. وجميع من نادى بنصرة الاسلام».. عبدالناصر في نظرهم ليس فقط ظالماً بل كافراً.. لهذا هم لا يتوقفون عن «الغَرْف» من صحن سيد قطب التكفيري، الذي هو المرشد الاول للجماعات الجهادية التكفيرية التي تفتك بالمجتمعات العربية وتُصدِر من الفتاوي ما «يُحلّل» ارتكاباتها والاهم من كل هذا, انها دأبت ومنذ ثورة 23 يوليو, 1952 على حرف بوصلة الامة باتجاه تمرير خطابها الذي يواصل الابتعاد عن فلسطين وخصوصاً القدس اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، تفتعل المشكلات وتُضخم الاحداث, تريد الاستيلاء على الحكم وتُدبّر محاولات الاغتيال (حادث المنشية الشهير في الاسكندرية) تدعي «أبوة» الثورة وتَكذِب بأن عبدالناصر كان عضواً فيها ثم سرق منها.. «الثورة», وغيرها من الترّهات، الى ان اكتشفت مؤامراتها لقلب الحكم وسيق سيد قطب الى حبل المشنقة التي صنعت منه شهيداً (وهذا احد اكبر اخطاء عبدالناصر عندما حوّله الى شهيد)، الى ان فرح الاخوان ومن شايعهم مثل محمد متولي شعراوي بهزيمة «عبدالناصر» في عدوان 5 حزيران 67, وكأن الذي هُزم هو عبدالناصر وحده وليس سقوط القدس وفلسطين بأكملها في يد «اليهود» الذي يدّعي الاخوان محاربتهم.

إن هي الى سنوات معدودات, حتى جاء صديقهم «المؤمن» انور السادات فاستعان بهم «هراوة» ضد الوطنيين والناصريين والماركسيين فاطمأنوا الى ان «إرث» عبدالناصر قد تم «تذريره» ولم يكن «صاحبهم» سوى دمية في يد الاميركيين والصهاينة, حتى عقد صُلحه المنفرد مع «اليهود», لكن «الاخوان» كانوا قد كُلفوا بمهمة اخرى وهي «تحرير» افغانستان من الملاحدة السوفيات, لان طريق القدس يمر من كابول وليس من غزة او القاهرة.

هو الحقد على كل ما مثّله ويمثله وما يزال يمثله جمال عبدالناصر قائدا ومشروعاً وتوجها وانحيازاً للفقراء والبسطاء وحقوق الامة وعزتها وكرامتها، لم ينجح السادات في طمس ارث عبدالناصر ولن تُصيب حركات الاسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الاخوان المسلمين نجاحاً في المس بجمال عبدالناصر ومكانته في قلوب الجمهور العربي وخصوصاً اولئك الذين لم يعرفوه وهم غالبية شباب هذه الامة.

يَضن ممثلو جماعات الاسلام السياسي على فلسطين بان يكون فيها دوار يحمل اسم جمال عبدالناصر، لكنهم لا يمانعون ان يحمل الدوار اسم اي زعيم صهيوني وربما رحبوا بان يكون اسم اردوغان او ابو بكر البغدادي وربما محمد مرسي على دوار بلدة كفر مندا, ومع ذلك يكشف هذا الموقف غير المفاجئ وغير الغريب, لاحد اذرعة جماعة الاخوان المسلمين (ضمن امور اخرى) مدى الحقد الاسود والدفين الذي ما يزال يوغر صدور «الاخوان» مما مثّله ويمثله جمال عبدالناصر وارثه القومي المجيد, ويحاولون حجب نور الشمس بغربال، لكن الله غالب على امره ولو كره الاخوان، فخطابهم قد انكشف ولعبتهم باتت قديمة ولم يعد ثمة شك في انهم الى فشل بل هزيمة, مهما حاولوا تجميل قبائحهم او التذرع بالدفاع عن الاسلام, وكأن الاسلام هو حكر عليهم وعلى الناس الخضوع لقراءاتهم وتفسيراتهم وخصوصاً مصالحهم.

…وسلام على جمال عبد الناصر.

البرلمان القادم والعدالة الإجتماعية

 
حسـام الأطيـر

عيش حريــة عدالـة اجتمـاعيـة , هذه الكلمات البسيطة التي كانت الشعارات الرئيسية التي رفعها المواطن المصري فى ميدان التحريـر وفي كافة ميادين الحرية خلال تظاهـرات 25 ينايـر و30 يونية , تحمل فى طياتها أحلام وطموحات كـل مواطن مصري


وخصوصاً المواطن البسيط الذي يعاني من شقاء وعناء الحياة , والحقيقة أنها ليست أحلاماً أو طموحات ولكنها حقوقـه المشروعة التي يجب أن يحصل عليها وأن تـوفـرهـا لـه الدولة , ويكـون مستوى الطموح والأحلام أعلى من ذلك بكثير , فالمواطن الأمريكي الآن يتطلع ويحلم بزيـارة المريخ والمواطن الأوروبي يطمح بزيارة القمـر , فى الوقت الذي لاتزال طموحات المواطن المصري هى الحصول على الحد الأدنى من حقه فى حيـاة كريمة هو وأبناؤه من بعده . 

قـد نكـون حقـاً أفضل حالاً من دول كثيـرة حولنـا والحمدلله , ونعيش حالة من الإستقرار لا تنعم بها دول مجاورة لنا , وهذا فى حد ذاته شئ يستحق الحمد والشكر لله , ونعمة كبيرة منّ بها الله علينا , أن نجـونـا من هـذه الريــاح العاتية التي عصفت بالمنطقة ودمـرت دولاً وشردت شعوبها , ولكن علينا أن نظل فى حالة يقظـة دائمـة , لأن المناخ حولنا مـازال غيـر مستقـر , والجو ملبد بالغيـوم , ومازال هناك من يتربص بأمن هذا البلد العظيم ويستغل شعبه الطيب , الذي لا يريد من الحياة سوى العيش فى أمان واطمئنان ضامنـاً قـوت يومه و مطمئنـاً على مستقبل أبنائه .

لاشك أنه برغم كل الظروف التي مرت بها مصر وخاصة فى السنوات الأخيـرة , أنه مـازال بها خيـر كثيـر , يسع كل أبنائها , ويحقق الكفاية لهذا الشعب , ولكننا بحاجة إلى توزيع عـادل ومنطقي للثروة , فالأرض والثروة ملك الشعب وليس ملك الدولة أو الحكومة!!... فهم مجرد شكل تنظيمي , يحدد العلاقة بين الأفراد وبعضهم , وينظم العلاقة بينهم وبين الأرض التي يعيشون عليها وفقـاً لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم , فلا يعقل أن نرجع أي خلل تشهده مؤسسة من مؤسسات الدولة إلى أسباب تقليدية جزئية طال وقت سماعنا لها ، كنقص في الموارد ، أو عجز فى الميزانية...الخ ، بل إن الخلل الأساسي يكمن في استفحال ظـواهـر سيئـة وثقـافـات مـدمـرة كالفسـاد الحكومي الذي استشرى فى كافة مفاصل الجهاز الإداري فى الدولة بكل أشكاله من رشـوة ومحسوبية واستغلال المناصب , والكسب الغير المشروع ....إلخ 

فإنه أصبح لزاماً على الجميع وعلى رأسهم الدولة بكل أجهزتها التنفيذية والرقابية ، الإعلان الصريح عن محاربة الفسـاد والإنحياز لمطالب الشعب وعلى رأسها العدالة الإجتماعية , وترجمة ذلك من خلال أفعال حقيقية على الأرض تستعيد جذور الثقة بين الشعب والحكومة , التي فقدت خلال العقود الماضية بسبب ممارسات الحكومات السابقة, ومواجهة أباطرة الفساد الذين يحاولون إعتلاء المشهد مرة أخرى , ويلتفون حول إرادة الشعب الذي لفظهم , بعد أن ذاق الأمريـن منهم طيلة العقود الماضية .

إن تحقيق العدالة الإجتماعية هو الضمان الحقيقي لإستقرار الدولة والمجتمع , وتفويت الفرصة على المتآمرين وعلى المتربصين بأمن مصر لاسيمـا ونحن مقبلون على انتخاب برلمان جديد , وسيكثُـر المستغلون للشعب ولظروف المواطنين البسطاء , كما أنه ينبغي على الدولة الإستفادة من الدروس السابقة , فإن كل ماعانينا منه وكل ماشهدته مصر خلال أحداث جسـام فى الأربع أعوام ونصف الماضية , كان بسبب تعنت النظام حينها وعناده وتجاهله لمطالب الشعب , وتركه لأبـاطرة الفسـاد يفسدون فى الأرض ، يحتكرون ثورة الشعب , ويتنعمون بها , فى الوقت الذي يسكن فيه الفقراء المقابر وأسفل الكباري واتشرت واستفحلت فى مصر ظواهر لم تكن موجودة من قبل كأولاد الشوارع والتسول والسرقة والعشوائيات التي ملئت كافـة ربوع الوطن .                   

قبل أن تختفي سوريا


عبد الحليم قنديل
 
ونسجت إيران حلفا ثابتا مع روسيا والصين ضد أمريكا الفرحة بعملية تدمير سوريا، والساعية لتقسيمها عمليا خدمة لصديق أمريكا الإسرائيلي

لم أنخدع أبدا بشعارات القومية العربية التي كان يدعيها نظام دمشق، وكنت أول المؤيدين لثورة الشعب السوري ضد النظام الديكتاتوري الطائفي النهاب، لكن الثورة التي بدأت سلمية واعدة، لم تستمر كذلك سوي بضعة شهور انتهت قبل نهايات 2011، بعدها لجأ نظام الأسد المذعور إلي خطة الهروب للأمام، وأشعلها حربا طائفية ملعونة لا تبقي ولا تذر، ورفع شعار «الأسد. أو نحرق البلد»، وقد احترق البلد بالفعل، وتهدم الحجر والبشر، وتحولت سوريا أجمل بلاد العرب إلي خرائب وأطلال، وظهرت جماعات أكثر إرهابية وطائفية من جماعة النظام، ودون أن يبقي الأسد قابضا سوي علي أقل من ثلث مساحة سوريا الآن.

كان الأمل أن تجد سوريا نظاما أفضل من نظام بشار الأسد، لكن ما جري عبر السنوات الأخيرة كان كابوسيا بامتياز، فقد تحطمت سوريا نفسها، وصار نصف سكانها في عداد اللاجئين والنازحين، وصار السوريون ـ أكرم الناس ـ في ضيعة الذل والبؤس والمسكنة، وبعد أن كانت بلادهم ـ برغم ديكتاتورية وطائفية الحكم ـ في «بحبوحة» وانتعاش اقتصادي، وحققت الاكتفاء الذاتي من القمح وصدرت فوائضه، وازدهرت فيها صناعات النسيج وصناعات البترول، فوق ما تعرفه الدنيا كلها عن شطارة وعبقرية «الشوام» في التجارة، وروحهم البشوش المرحبة باستضافة اللاجئين العرب، دون قيد ولا شرط ولا تأشيرة، وإكرامهم وإسكانهم في حبات العيون، وقد صار كل ذلك ـ وغيره ـ من الماضي الجميل المتصل إلي سنوات قليلة خلت، صار فيها خبز السوريين هو مهالك الدمار اليومي، وكرمهم هو الموت بمئات الآلاف، فوق الإصابات المقعدة لما يزيد عن المليونين، وإحراق أغلب حدائق سوريا ومزارعها، ونهب ثرواتها وآثارها، وهدم أغلب مساكنها، وبما يفوق فعل القنابل الذرية، وتحويل الجنة السورية إلي جهنم حمراء، تتكاثر فيها جماعات الإرهاب الوحشي كالفطريات، وتتحول إلي ملاعب شياطين يفوقون نظام الأسد نفسه في غواية القتل ومص الدماء، فجماعة «داعش» استولت علي ما يقرب من نصف مساحة سوريا، وجماعات «الأكراد» المسلحة أخذت نصيبها من حصة «داعش»، وجماعات تركيا (النصرة والسلفيون والإخوان) تعيث فسادا وتدميرا في الشمال وجنوب «درعا»، فيما لم يبق بيد النظام سوي أقل الأرض مع وفرة السكان في دمشق والساحل والوسط وشريط الحدود مع لبنان، وجري إنهاك الجيش السوري وقتل نصفه، ودفعه للاستعانة المباشرة بإيران وميلشيات طائفية شيعية، وفي معارك يسلم بشار الأسد بأنه لا يمكن كسبها جميعا، وهو ما يعني اننا بصدد تقسيم عسكري لخرائط الأرض السورية، قابل للتطور إلي تقسيم سياسي جغرافي وطائفي وعرقي، واختفاء سوريا التي كنا نعرفها، وإحلالها بدويلات متضادة متحاربة إلي اليوم غير المعلوم.

والأسوأ، أنه جري تدويل محنة سوريا العربية، والتي لا تكاد تلحظ فيها دورا لدولة عربية إلا من وراء ستار أجنبي، فدول الخليج ـ إياها ـ دفعت عشرات المليارات في مقاولة تحطيم سوريا، ليس لإيجاد موطئ قدم خليجي في سوريا، بل لتضخيم وزن ودور جماعات إرهاب تعمل في خدمة العدوان التركي، وتغذي طموح أردوغان للهيمنة علي ما تيسر من الكعكة السورية، وإيران ـ من جهتها ـ عملت بجهدها الذاتي مالا وسلاحا، وحولت ما تبقي من نظام بشار الأسد إلي مجرد جماعة إيرانية، أضافت إليها مددا من الجماعات الخادمة لإيران من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، ونسجت إيران حلفا ثابتا مع روسيا والصين ضد أمريكا الفرحة بعملية تدمير سوريا، والساعية لتقسيمها عمليا خدمة لصديق أمريكا الإسرائيلي، ولا تبدو أمريكا مهتمة بوقف الحرب في سوريا، فكل ما يجري يخدم إسرائيل، ويزيل من طريقها كل خطر محتمل يأتي من الشرق العربي، ويستنزف قوة «حزب الله» المشارك في الحرب إلي جوار نظام الأسد، بينما تريد إيران ـ ومعها روسيا ـ وقف إطلاق النار، والبحث عن تسوية تستبق الزوال النهائي للنظام، خاصة بعد توقيع الاتفاق النووي، وتسليم أمريكا بقبول دور إيراني في العراق، وفي سوريا بالذات، وهو ما يفسر مبادرة طهران أخيرا إلي اقتراح حل سياسي، يقوم علي وقف إطلاق النار وتشكيل هيئة حكم انتقالي ووضع دستور جديد وإجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة، ومع إيحاء روسي ـ إيراني بدفع بشار الأسد للتخلي عن موقعه في نهاية سيناريو الحكم الانتقالي، وقد لا تمانع واشنطن في بحث الحل الروسي ـ الإيراني المقترح، والمشاركة في الدعوة مجددا إلي صيغة «مؤتمر جنيف» بين الحكم والمعارضة، لكن المشكلة تظل أكبر من كل هذه الترتيبات بافتراض إمكان الاتفاق الدولي عليها، فالأطراف الإيرانية والروسية والصينية قد تملك فرصة إرغام جماعة الأسد علي وقف النار، لكن أحدا لا يملك دفع الآخرين للإقدام علي الخطوة ذاتها، فلا أمريكا ولا تركيا ولا ما يسمي ائتلاف المعارضة قادرة علي دفع «داعش» و»النصرة» وعصابات الإرهاب المسلح إلي التوقف عن الحرب، فلقد أفلتت اللعبة الدموية من يد صناعها، ولا تسأل ـ من فضلك ـ عن دور ذي قيمة لدول الخليج التي مولت قوافل الشر، فهذه الدول مجرد توابع صغيرة، قد يملك حكامها ترف التوقيع علي دفاتر شيكات، لكنها بلا دور يذكر في صنع السياسات.

والحل الوحيد الممكن هو «تعريب القضية السورية» إلي جوار «تدويلها» القائم، ودخول طرف عربي مؤثر إلي حلبة البحث عن حل، ولا أحد قادر علي الدور المطلوب سوي مصر، ولديها ـ أي مصر ـ علاقات تفاهم وتأثير لا بأس بها مع النظام وقطاعات من المعارضة المدنية السلمية، ثم إن مصر هي الطرف الوحيد الذي لم تتلطخ يده بدماء السوريين، وبوسع مصر أن تمد خطوط تفاهم مع روسيا وإيران والسعودية، وأن تبلور حلا يستبعد جماعات الإره
اب ويعزل الأسد في النهاية، وأن تحفظ لسوريا وحدتها بلا محاصصات طائفية وعرقية، وأن تفعل ذلك الآن قبل فوات الأوان

حركة فتح والعمل الوطني


 إبراهيم أبراش

كل ما سَنُعرِج عليه أدناه وإن كان يقارب بشكل عام استراتيجية العمل الوطني في إطار رؤية نقدية ،فإنه ينسحب على حركة فتح ،بل المقصود به حركة فتح لأنها مؤَسِسة المشروع الوطني وقائدته ،وما تم تحقيقه من انجازات أو نتج من أخطاء وتجاوزت فهي تعود أساسا لحركة فتح وقيادتها . حتى وإن كان ممارسو الأخطاء من غير حركة فتح فإن تموقع حركة فتح على رأس النظام السياسي بكل كياناته السياسية – تنظيم فتح ومنظمة التحرير والسلطة والدولة – يضعها في موقع المسؤولية . كما أن أي تفكير وتوجه نحو استنهاض الحالة الوطنية لن يكون مثمرا أو مجديا بدون حركة فتح ،سواء كحركة تحرر وطني أو كحزب سلطة ودولة ، وهو الأمر الذي يتطلب مراجعة استراتيجية لمنطلقات وطبيعة وأهداف العلاقة ما بين حركة فتح والنظام السياسي الفلسطيني كسلطة وحكومة أو منظمة التحرير  .


فبعد خمسة عقود من تأسيس حركة فتح للمشروع الوطني الفلسطيني المعاصر كانت النتيجة أرض أقل وحق أقل وانقسام يبدو أنه سيطول ، بالرغم من التضحيات الجسام للشعب ومعاناته سواء داخل فلسطين أو خارجها ،وبالرغم من الجهود التي بذلتها وما زالت القيادة في عهدي الرئيس أبو عمار ثم الرئيس أبو مازن ، فأين يكمن الخلل ؟ . لأنه من المؤكد أن الخلل ليس في الشعب الفلسطيني ، كما لا يمكن تحميل المسؤولية للحلفاء والأصدقاء من عرب وعجم ، كما لا يمكن تبرير هزال وبؤس الحصاد الوطني باختلال موازين القوى العسكرية مع الاحتلال ، فميزان القوى العسكري بين الشعب الخاضع للاحتلال ودولة الاحتلال دائما مُختل لصالح الاحتلال . حتى وإن تم تحميل مسؤولية لهذا الأطراف والأسباب ، فالمسؤولية الأكبر تقع على عاتق مّن قاد وما زال العمل الوطني الفلسطيني طوال خمسة عقود . ولأن هذه القيادة نفسها – منظمة التحرير وحركة فتح على رأسها -  تتطلع لقيادة المشروع الوطني مستقبلا ، فإن مراجعة نقدية استراتيجية تصبح ضرورة وطنية . 

في رأيي يمكن ملامسة الأخطاء أو مواطن الخلل أو أسباب عدم تثمير هذه الجهود والمعاناة والتضحيات بأمور بعضها بسبب غياب أو عدم وضوح الاستراتيجية الوطنية وخصوصا عند حركة فتح ، وأمور أخرى لها علاقة بخصوصية مكونات المشروع الوطني كما تم التعبير عنه في انطلاقته الأولى وما طرأ على هذه المكونات من متغيرات متسارعة ،ذلك أن استراتيجية القيادة الفلسطينية وقدرة الاستجابة أو التحدي لديها كانت وما زالت مرتبطة بتوازنات تحالفات خارجية هشة وغير ثابتة ، وبوضع فلسطيني غير خاضع لسيادة فلسطينية .، وهناك أسباب ذات علاقة بالإستراتيجية الفلسطينية ما بعد اختيار طريق الحل السلمي للصراع  .

ما سيرد أدناه رصد لأخطاء تم ارتكابها وبعضها ما زال في الإمكان تداركها ،وغموض لسياسات تحتاج لتوضيح وتعديل ، مع تضمين مقترحات حلول لبعض الإشكالات نتمنى الأخذ بها ، وكلها أمور قابلة للنقاش .


أولا : على مستوى غياب أو عدم وضوح الاستراتيجية الوطنية 


الاستراتيجية بما هي رؤية وتخطيط ومنهج في العمل تحيط بكل المصالح الوطنية وما يهددها من مخاطر ،تربط الحاضر بالماضي وتستشرف المستقبل ،تنطلق من رؤية علمية للواقع بكل مكوناته وتشابكاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ،محليا ودوليا ،إنها فن التوفيق بين الإمكانات الوطنية بكل مكوناتها من جانب والأهداف من جانب آخر، هذه الاستراتيجية هي الأساس الذي تقوم عليه سياسات الدول والكيانات السياسية العقلانية . الاستراتيجية تؤسس على المصلحة الوطنية العليا أو ثوابت الأمة التي هي محل توافق وطني ولا تخضع لألاعيب السياسيين ومناوراتهم  .


وضع الاستراتيجيات وتنفيذها مرتبط ارتباطا وثيقا بوجود مؤسسة قيادة جامعة وفاعلة ،وما يميز القيادة كمؤسسة عن رجال السياسة و الزعماء العابرين أو المتطفلين على الشأن السياسي ، أنه في الأولى يتم الاشتغال في إطار رؤية استراتيجية للمصالح القومية العليا ،فيما الآخرون يشتغلون ضمن رؤية ضيقة ترتبط بالمصالح الشخصية والحزبية الضيقة وهدفهم السلطة ومنافعها ،الأولون يعتبرون أن السلطة أداة لتحقيق مصالح الأمة فيما الآخرون يعتبرون السلطة هدفا بحد ذاته وقد يضحون بمصالح الأمة من أجل السلطة وما تدره عليهم من منافع .أية ممارسة سياسية بدون استراتيجية تصبح نوعا من العبث والتهريج أو مجرد إدارة يومية لشؤون الناس وللازمات السياسية دون إمكانية للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها . 


 الشعوب الخاضعة للاحتلال وحركاتها التحررية أحوج ما تكون لإستراتيجية كفاحية ونضالية لمواجهة الاحتلال ،وقد وعت كل حركات التحرر الوطني الحاجة للإستراتيجية فتم وضع النظريات حول استراتيجيات حرب العصابات وحرب الشعب والمقاومة الشعبية والعصيان المدني الخ. أهم مكونات استراتيجية حركات التحرر الوطني هي الاتفاق على الأهداف الوطنية وعلى الوسائل أو الأدوات التي تضمن تحقيقها ،ودائما يرتبط نجاح أو فشل استراتيجيات حركات التحرر ليس باختلال موازين القوى مع العدو بل بمدى وجود مؤسسة قيادة قادرة على تعبئة الشعب وحشده حول برنامجها الوطني ، وفي وجود وحدة وطنية.


في الحالة الفلسطينية الراهنة يبرز غياب الاستراتيجية من خلال غياب التوافق على الأهداف العليا أو الثوابت ،والاختلاف حول الوسائل ،والاختلاف في تحديد معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء .هذا الغياب للإستراتيجية أدى لفشل معمم على كافة الأصعدة ،وأدى لحالة تيه سياسي تتخبط فيه كل مكونات النظام السياسي وخصوصا بعد انقلاب حركة حماس على منظمة التحرير والسلطة في يونيو 2007 وفصل غزة عن الضفة , لذا فإن حالة الفشل والشلل التي تصيب القضية الفلسطينية ليست قدرا من السماء ولا تعود لإسرائيل  فقط ،فالقدر محايد في الشؤون السياسية،وإسرائيل وإن كانت عدوا قويا إلا أن حركات التحرر ما وجدت إلا لمواجهته وليس تبرير عجزها بوجوده.


 الخلل يعود لغياب استراتيجية فلسطينية واضحة ،سواء استراتيجية تجسد مرحلة التحرر الوطني وتلتزم بمقتضياتها ،أو إستراتيجية تجسد مرحلة بناء الدولة وتلتزم باستحقاقاتها ، لذا وفي ظل التباعد الزمني ما بين مرحلة التحرر الوطني التي قامت على أساسها الحركة الوطنية الفلسطينية منتصف ستينيات القرن الماضي والواقع الراهن بما دهمته من متغيرات عربية ودولية وفلسطينية وعلى رأسها الانقسام ،وفي ظل تعدد الاستراتيجيات الإقليمية والدولية المتصارعة حول المنطقة العربية وفي جوهرها القضية الفلسطينية ، فالأمر يتطلب استراتيجية وطنية متعددة المسارات لا تقطع مع مرحلة التحرر الوطني ولكن في نفس الوقت تنفتح على مسارات جديدة للعمل السياسي .


إن كان يجوز القول بأن الاختلاف على الأهداف ووسائل تحقيقها أمر محايث للحركة الوطنية الفلسطينية منذ سنواتها الأولى نظرا لخصوصية القضية الوطنية من حيث أبعادها التاريخية والدينية وتداخلها مع قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي ، حيث لم تستقر منظمة التحرير على أهدافها وإستراتيجية تحقيقها سوى سنوات قلائل ،إلا أن اختلافات تلك الحقبة كانت في بيئة عربية ودولية تسمح بشكل من الاستراتيجية الواحدة التي تسمح بالتعايش بين القوى المختلفة داخل منظمة التحرير،كما أن عدم وجود سلطة ومغانم سلطة آنذاك كان يحد من إمكانية تصعيد الخلافات إلى درجة الاقتتال الدموي. 


بعيدا عن الشعارات الكبيرة والأيديولوجيات المخادعة والوعود البراقة فإن العمل السياسي الفلسطيني ومنذ التعاطي مع عملية التسوية السياسية يشتغل بدون استراتيجية واضحة المعالم ، الأمر الذي أدى إلى حالة التيه السياسي المعممة ،من المواطن العادي حتى المسئول والقيادي ،من السلطة وفصائل منظمة التحرير إلى حركة حماس، وأصبحت البوصلة السياسية بلا اتجاه عند الجميع ولم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة ،وخصوصا بعد انقلاب حماس على السلطة ومنظمة التحرير في يونيو 2007 .


حالة التيه نلمسها عند السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح ، من خلال حالة الحيرة والتخبط ما بين العودة للمفاوضات على أساس الاتفاقات الموقعة أو تغيير مسار العملية السلمية بما يتوافق مع مستجد الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة ،ونلمسها في التضارب ما بين الحديث عن مقاومة شعبية وانتفاضة ثالثة من جانب ،وخشيتها من أن تؤدي الانتفاضة إلى فقدان سيطرتها في الضفة أو توظيف حركة حماس للانتفاضة للانقضاض على السلطة من جانب آخر،ونلمسه في التضارب ما بين رغبتها في مصالحة تعيد الاعتبار للشعب الفلسطيني وللمشروع الوطني من جهة ،وخشيتها من مصالحة قد تثير عليها إسرائيل وواشنطن من جهة أخرى. 
 

غياب الاستراتيجية المؤدي لأزمة النظام السياسي الفلسطيني ليس خللا ظرفي عابر، بل خلل بنيوي قبل أن يكون وظيفيا ،خلل صاحب المشروع الوطني منذ نشأته الأولى – وإن بدرجات متفاوتة-،الأمر الذي يستدعي مراجعة استراتيجية شمولية لمجمل الحالة السياسية الفلسطينية ولا نستثني من ذلك أحزاب اليسار ومؤسسات المجتمع المدني ، ولكن ولأن حركة فتح هي مؤسسة المشروع الوطني بداية وقائدته وعموده الفقري لاحقا فإن عليها المسؤولية والرهان في نفس الوقت .


ثانيا : خصوصية المشروع الوطني ومكوناته الأولى 


إن كان من المجحف والظلم أن نحاكِم ونقَّيم العمل الوطني وقيادته اليوم من خلال المقارنة مع الأهداف والأدبيات الأولى للمشروع الوطني فقط ، فإن الرجوع لتلك المرحلة مهم في سياق أية مراجعة للعمل الوطني ،وذلك لاستلهام التجربة واستخلاص الدروس والعبر .


كان المشروع الوطني كما وضعت حركة فتح مبادئه الاولى ثم تمت صياغته في الميثاق الوطني 1968 وفي أدبيات فصائل منظمة التحرير متأثرا ومعبرا عن طبيعة مرحلة الستينيات والسبعينيات من حيث وجود حالة وطنية صاعدة ومد قومي ثوري عربي ووجود معسكر اشتراكي ومنظومة دول عدم الانحياز ، وعليه كان المشروع الوطني الأول سواء من حيث الهدف – تحرير كل فلسطين – أو وسيلة تحقيقه – الكفاح المسلح – محصلة مشاريع في مشروع واحد : المشروع الوطني والمشروع القومي العربية والمشروع التحرري العالمي ، وكانت مراهنة الفلسطينيين على الحلفاء أكثر من مراهنتهم على أنفسهم .

خلال عقدين ونصف حدثت انهيارات زعزعت مرتكزات ومكونات المشروع الوطني من أهمها:-

  1.  تراجع المشروع القومي العربي بدأ من حرب 1967 ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد إلى حرب الخليج الثانية ،ولم تعد القضية الفلسطينية القضية الأولى للأنظمة العربية ، حتى وإن استمروا بالحديث خلاف ذلك  .
  2.   انهيار المعسكر الاشتراكي – الحليف الاستراتيجي للثورة الفلسطينية – ومعه تراجعت منظومة دول عدم الانحياز.
  3. انزلاق الثورة الفلسطينية في عدة حروب ومواجهات مع دول عربية كأحداث الأردن 1970 والحرب  الأهلية في لبنان 1975- 1982 ،وحرب الخليج الثانية .

كل ذلك أضعف من قوة الثورة الفلسطينية في مواجهة إسرائيل عسكريا ،وبقي الفلسطينيون وحيدون في الميدان ، الأمر الذي كشف الهوة الواسعة بين أهداف المشروع الوطني الأول والممكنات الفلسطينية، ليس لأن الأهداف غير شرعية بل للاختلال الكبير في موازين القوى بحيث من المستحيل تحقيق الهدف دفعة واحدة . إلا أنه كان مطلوب تدفيع الثورة الفلسطينية الثمن على سياسات وممارسات لم تكن خاطئة تماما بقدر ما كانت محصلة لتحالفات وتوازنات تلك المرحلة . حاولت القيادة الفلسطينية التكيف مع هذه الاختلالات مع الحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني من خلال نهج الواقعية السياسية وسياسة المراحل في الوصول إلى الهدف .

لا نعتقد أن القيادة الفلسطينية في تلك المرحلة ارتكبت أخطاء استراتيجية بمقتضاها يمكن القول إن عدم ارتكابها كان سيغير من مسار الاحداث ، لأن ما جرى كان نتيجة متغيرات عربية ودولية وليس نتيجة تقصير فلسطيني . إلا أن ذلك لا يمنع من القول بوجود خلل وأوجه تفصير ، مثالا على ذلك تغلغل المال السياسي مما أنتج أشكالا من الفساد ،وغياب المحاسبة للفاسدين ،وترهل بنية الفصائل وتمركز السلطة بيد شخص واحد ، بالإضافة إلى عدم حدوث مراجعات استراتيجية بعد كل أزمة مرت بها الثورة الفلسطينية . ومع ذلك كانت لتلك المرحلة حصيلة مهمة وهي استنهاض الحالة الوطنية والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني في قمة الرباط 1974 والاعتراف بها مراقبا في الأمم المتحدة .


 ثالثا : التباس وغموض الاستراتيجية الوطنية ما بعد 1988  


سادت هذه المرحلة حالة من الإرباك وعدم الوضوح نتيجة الفجوة الكبيرة ما بين (مشروع السلام الفلسطيني) وما آلت إليه المفاوضات والتسوية ، بل أن عملية التسوية مع مؤتمر مدريد ثم اتفاقية اوسلو لم تؤسس على ما ورد في مشروع السلام الفلسطيني .

 في إطار مراجعة استراتيجية نقدية وتقويمية يمكن الإشارة إلى النقاط التالية وهي تتراوح ما بين الأخطاء الاستراتيجية ،والخلل في الإدارة ، وعدم وضوح الرؤية والموقف :

  1. القبول بدخول عملية التسوية في مدريد وأوسلو على أساس قراري مجلس الأمن 224 و 338 فقط وتجاهل بقية قرارات الشرعية الدولية كقرار التقسيم 181 وقرار حق العودة 194 وعديد القرارات التي تتحدث عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه بمقاومة الاحتلال الخ . لذا فإن منطلقات التسوية في إطار اتفاق اوسلو تتعارض مع إعلان قيام الدولة في الجزائر 1988 الذي قَبِل الدخول بعملية التسوية على أساس كل قرارات الشرعية الدولية .
  2. القبول بأن تكون المفاوضات تحت رعاية الامم المتحدة وروسيا الاتحادية فقط دون إشراف دولي أو محاولة تشريع الاتفاقية بقرار دولي من مجلس الأمن ،الأمر الذي أسقط عن اتفاقية اوسلو صفة الاتفاقية الدولية .
  3. تأجيل قضايا الوضع النهائي وهي قضايا استراتيجية ، مما جعل المفاوضات تشكل غطاء للاستيطان والتهويد في الضفة والقدس .
  4. الاعتراف المتبادل كان بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير ، والصحيح أن يكون الاعتراف بإسرائيل مقابل التزام إسرائيل بدولة على حدود 1967 بعد نهاية المفاوضات .
  5. القبول بالمفاوضات واستمرارها مع استمرار الاستيطان ، وهذا خلل استراتيجي لأنه يعزز المقولة الإسرائيلية بأن أراضي الضفة وغزة أراضي متنازع عليها وليست أراضي فلسطينية محتلة ، وهذا ما أدى لأن تُشَكل المفاوضات تغطية على الاستيطان
  6. استمرار نفس الفريق المفاوض تقريبا واقتصاره على حركة فتح ، وعلى شخص واحد احيانا .
  7. عدم تحيين فكرة الدولة مباشرة بعد نهاية المرحلة الانتقالية مايو 1999 ، وهو خطأ استراتيجي تكرر مرة أخرى عندما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة في اجتماعها السابع والستين يوم 29 نوفمبر 2012  بفلسطين دولة غير عضو (القرار 67/19)  وتقاعست القيادة عن مباشرة سيادتها على الاراضي الفلسطينية أو تحويل السلطة من سلطة حكم ذاتي إلى سلطة دولة  .
  8. المراهنة كليا على الخارج سواء تعلق الأمر بالشرعية الدولية أو الأمم المتحدة أو الاعتراف بدولة فلسطينية .
  9. غياب أو عدم وضوح استراتيجية وطنية واضحة في التعامل مع الشرعية الدولية .وماذا بعد الذهاب لمحكمة الجنايات الدولية ؟ وماذا لو فشل خيار حل الدولتين ؟.
  10. إهمال القيادة للشعب بل وعدم الثقة بقدرات الشعب ولو من خلال أشكال من المقاومة السلمية . وهذا ما خلق فجوة ما بين القيادة والشعب لم تستطع الرواتب والإغراءات المالية أن تملأها .
  11. تهميش منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها سياسيا وماليا. مثلا مقررات المجلس المركزي للمنظمة الاخيرة لم يتم تنفيذها ، وكذلك قرارات سابقة سواء للمجلس المركزي او لمنظمة التحرير .
  12. إضعاف حركة فتح سواء كحركة تحرر وطني أو كحزب سلطة ودولة ،وجعل سقفها السياسي نفس السقف السياسي للسلطة . وهو ضعف وغياب يمس كل الاقاليم : في الضفة وغزة والشتات ، وكأنه مطلوب تصفية حركة فتح .
  13. عدم وضوح العلاقة ما بين حركة فتح والسلطة والحكومة . مما يجعل حركة فتح تتحمل أخطاء وأوزار الحكومة والسلطة .
  14. تفريغ حركة فتح من مضمونها الفكري والثقافي وتحويلها لمجرد حزب يعتاش على ذكرى الماضي – أبو عمار والرصاصة الأولى – وعلى ما تجود به السلطة من مال وامتيازات لقياداته . فهناك جيل كامل لا يعرف عن حركة فتح إلا الذكريات أو الراتب او المساعدات الحاصلة أو ألموعودة .
  15. انشغال قيادات فتح وخصوصا أعضاء اللجنة المركزية بوظائف ومجالات تلهيهم عن واجب ومتطلبات استنهاض الحركة والتواصل مع أبنائها ، فغالبيتهم أصبحوا بيروقراطيين منقطعي الصلة بالشعب .
  16. غياب أو ضعف مؤسسة القيادة وتمركز كل شيء بيد الرئيس ابو مازن . ومع كامل احترامنا وتقديرنا للسيد الرئيس إلا أن عدم قدرته على الإحاطة بكل الملفات والقضايا لأسباب موضوعية ومنطقية أو بسبب تقدمه في العمر ، فإنه يُحيل كثيرا من القضايا الهامة للمحيطين به الذين يتصرفون باجتهادهم الشخصي وبما يمليه عليهم واجبهم الوطني أو مصالحهم الشخصية وارتباطاتهم ، دون مراقبة او محاسبة من مؤسسات مرجعية دستورية .
  17. تمركز الرئاسات بيد واحدة – رئاسة الدولة ورئاسة منظمة التحرير ورئاسة السلطة ورئاسة حركة فتح .
  18. أصبحت التعيينات في الوظائف العليا وخصوصا في السلك الدبلوماسي تتم في الفترة الأخيرة على المحسوبية والعلاقات الشخصية والعائلية أو إدعاء الولاء لشخص الرئيس أو لقيادات نافذة من بطانته ،وليس على الكفاءة والأحقية المهنية أو الولاء للمشروع الوطني الفلسطيني .
  19.  قوة تأثير نخبة سياسية اقتصادية من خارج حركة فتح ومن خارج المدرسة الوطنية على عملية اتخاذ القرار .
  20. استمرار الفساد في بعض الوزارات والمؤسسات التابعة للسلطة وغياب الشفافية في بعضها ،وضعف الرقابة إن لم يكن غيابها من طرف الجهات المختصة بالرقابة .
  21. استمرار بعض المسئولين الكبار على رأس عملهم لسنوات طوال  بالرغم من شبهة الفساد المحيطة بهم ، بل تقديم بعضهم للتحقيق بشبهة الفساد إلا أن ارتباطاتهم المشبوهة بجهات خارجية كانت وما زالت تحميهم من المحاسبة .
  22. استمرار التنسيق الأمني مع إسرائيل بنفس الوتيرة والضوابط التي كانت في بداية التسوية  بالرغم من تنصل إسرائيل من عملية التسوية .
  23. إهمال فلسطينيي الخارج بما في ذلك تنظيم حركة فتح في الخارج ،مما سمح لتنظيمات أخرى بالانتشار بينهم .
  24. تم ارتكاب خطأ استراتيجي عندما تم توظيف الدعوات التي انطلقت منذ عام 2000 لإصلاح السلطة ومحاربة الفساد لتوقيف أو تخفيض الدعم الذي كان يقدمه الرئيس أبو عمار  لفلسطينيي مخيمات سوريا ولبنان ، وهذا ما أدى لسيطرة جماعات فلسطينية مسلحة من خارج منظمة التحرير وجماعات غير فلسطينية على المخيمات ، وما ترتب على ذلك لاحقا من مجازر في المخيمات بل ومحاولة توظيف الصراع في المخيمات لتصفية قضية اللاجئين .
  25. سوء إدارة ملف الانقسام ، سواء من حيث وضوح الرؤية والإستراتيجية ،أو من حيث عدم جدية الذين تكلفوا بالحوار مع حماس ، أو من حيث التعامل مع الانقسام وكأنه خلاف بين فتح وحماس وليس بين حركة حماس ومنظمة التحرير بكل فصائلها .
  26. إهمال قطاع غزة وتهميشه سواء من خلال ما جرى وقت الانقلاب الحمساوي او بعد ذلك من خلال تهميش وإضعاف تنظيم فتح في القطاع ، أو على مستوى تمثيل غزة في السلك الدبلوماسي وفي المنظمات الدولية وفي الوزارات .
  27. خلل في إدارة ملف الخلاف مع محمد دحلان ، حيث اختزل البعض سبب وجود مريدين لدحلان وانتشار نفوذه إلى ما ينفقه من مال فقط . اختزال إشكالية دحلان بهذا السبب يُغيب عن القيادة رؤية الاسباب الحقيقية لأزمة حركة فتح .
  28. سياسة قطع رواتب موظفين على خلفية شبهة علاقتهم بدحلان أو عدم الولاء للرئيس والسلطة أساءت كثيرا لحركة فتح وللرئيس ، بل أساءت للشعب الفلسطيني لأنها  تُظهر وكأن ولاء أبناء فتح للراتب وليس لحركة فتح وللمشروع الوطني ، كما تخفي الأسباب الحقيقية لازمة تنظيم فتح .
  29. عدم الحسم بمستقبل منظمة التحرير وحركة فتح والسلطة ،وخصوصا رئاسة هذه المؤسسات ،ما بعد الرئيس أبو مازن . فمع دعواتنا بأن يُطيل الله بعمر الرئيس إلا أن رئيسا تجاوز الثمانين عليه التفكير بمستقبل حركة فتح والقضية الفلسطينية بشكل عام ، وألا يكون لسان حاله كملك فرنسا لويس الرابع عشر الذي قال (أنا وليكن بعدي الطوفان) وخصوصا أن تنظيم حركة فتح ضعيف ومتعثر النهوض ،  وحال منظمة التحرير ليس أفضل.
  30. التسوية السياسية المؤدية لسلام عادل ، والمصالحة الوطنية الحقيقية ، وإنهاء الانقسام ، المشروع الوطني ، كلها أمور مرتبطة بل ومرتهنة بحركة فتح وقدرتها على استنهاض نفسها . إن لم يتم استنهاض حركة فتح وبدون حركة فتح لن يتم التقدم على أي من المسارات المُشار إليها . لذا فإن كل من يعمل على أو يُعيق استنهاض حركة فتح أو يعمل على إفسادها ، إنما يهدف لتدمير المشروع الوطني وإجهاض كل فرص نجاحه سواء كمشروع سلام أو مشروع مقاومة .  

لقد تطرقنا لقضايا ومشاكل داخلية نعتقد أنها أثرت وما زالت تؤثر على الخيارات والاستراتيجيات العامة للقيادة . إن نظاما سياسيا وقيادة سياسية ضعيفة داخليا وبدون استراتيجية لن تنجح في الانتصار على اعدائها خارجيا .في السياسات الدولية وعلى طاولة المفاوضات لا ينظر المفاوضون لعيون بعضهم بعضا ولا يستمعون لكلمات بعضهم بعضا فقط ، بل ينظر كل منهم إلى ما وراء ظهر الآخر ، إلى جبهته الداخلية وما يملك من قوة ومدى شرعيته وتمثيله ومصداقيته عند شعبه . 


رابعا : مقترحات للخروج من الازمة واستنهاض الحالة الوطنية

بالنسبة لمؤسسة الرئاسة وشؤون المفاوضات

  1. تأسيس مركز دراسات استراتيجي من شخصيات وطنية اكاديمية وسياسية لوضع السياسات العامة وإصدار أوراق ،أسبوعية وشهرية وسنوية ، مختصة بتقييم الموقف واستشراف المرحلة المقبلة ، ويكون المركز تابع مباشرة لمؤسسة الرئاسة أو لمنظمة التحرير ، مع استقلالية وحرية العمل واستقلالية مالية للمركز بحيث لا يعتمد في تمويله على السلطة .
  2. مع أن الأمر يدخل في المجال المحفوظ للرئيس ،إلا أننا نتمنى وضع وضبط المعايير التي بمقتضاها يتم تعيين مستشاري الرئيس مع تحديد اختصاصات كل مستشار ، وأن يتم تشكيل مجلس مستشاري الرئيس داخل مؤسسة الرئاسة يكون على تواصل بمركز الدراسات المُشار إليه .
  3. فصل الرئاسات عن بعضها البعض وخصوصا رئاسة السلطة عن رئاسة حركة فتح ومنظمة التحرير حتى يكون هامش لحركة فتح ومنظمة التحرير للتحرك خارج الاستحقاقات والالتزامات المفروضة على السلطة .
  4. إعادة تشكيل طاقم المفاوضات وإستراتيجية التفاوض مع الوضوح والشفافية بكل ما يتعلق بالمفاوضات ، وفي هذا الشأن نقترح تغيير رئيس طاقم المفاوضات وأن يضم فريق المفاوضات شخصيات وطنية مستقلة وأعضاء من فصائل منظمة التحرير تختارهم الفصائل نفسها .
  5. لأن المفاوضات ليست استراتيجية بحد ذاتها بل جزء من الاستراتيجية الوطنية ،فيجب رفدها بمقاومة سلمية شعبية ملتزمة بالحل السلمي وبالشرعية الدولية وخاضعة لتوجيه وإشراف منظمة التحرير أو إطار قيادي موحد.

بالنسبة لمنظمة التحرير والمصالحة الوطنية والدولة

  1. المصالحة الوطنية الحقيقية تحتاج لوضع استراتيجية وطنية متعددة المسارات ،يتم التوصل إليها إما من خلال مؤتمر شعبي عام أو من خلال مؤتمر تأسيسي ينبثق عن الإطار القيادي الموحد  الجديد – سنشير لذلك لاحقا -
  2. المصالحة الوطنية الحقيقية تحتاج لمصالحات تسبق المصالحة الوطنية : مصالحة فتحاوية داخلية ، مصالحة داخل منظمة التحرير الفلسطينية وبين فصائلها،فإذا كانت حركة حماس لا تريد المصالحة فإن هذا لا يمنع من استنهاض منظمة التحرير بفصائلها الحالية .
  3. في حالة تعثر المصالحة الاستراتيجية وتفعيل الإطار القيادي المؤقت ، يجب إصلاح منظمة التحرير من خلال تغيير بعض أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بالتوافق بين مكونات منظمة التحرير ،ذلك أن كثيرا من هؤلاء لم يعد وضعهم الصحي وتقدمهم بالسن أو مشاغلهم وارتباطاتهم الخارجية يسمح لهم بِتَحمُل مسؤولية القيادة في هذا الوقت العصيب .
  4. تفعيل واستنهاض مؤسسات ودوائر المنظمة في صيغتها ومكوناتها الحالية ، وخصوصا دائرة شؤون اللاجئين التي تعيش حالة من الموات ، ودائرة العلوم والثقافة ، ودائرة العلاقات القومية ،مع إلغاء أو إعادة النظر ببعض الدوائر والمؤسسات الأخرى .
  5. وضع وصياغة استراتيجية وطنية قابلة للتطبيق يحتاج لمؤسسة قيادة وطنية جامعة ، ونظرا لأن المؤسسات والكيانات السياسية القائمة طرف في الازمة ،أزمة التسوية وأزمة الانقسام ويمسها عوار الشرعية ،فالأمر يحتاج لمجلس تأسيسي لصياغة هذه الاستراتيجية .

  1.  الإطار القيادي المؤقت يصلُح كأساس للمجلس التأسيسي ،ولكن ليس الإطار القيادي الحالي المتكون من الفصائل وشخصيتين (مستقلتين) من خارجهما لا يمثلان المستقلين الفلسطينيين ، بل يجب توسيع هذا الإطار ليصبح نصفه تقريبا من الشخصيات الوطنية المستقلة من داخل الوطن وخارجه .هذا الإطار يمكن أن يعبر عن الوحدة الوطنية وبالتالي يتكفل بمعالجة جميع المشاكل في إطارها الوطني العام.
  2. الإطار القيادي المؤقت والموسع والذي يتم تشكيله بالتوافق والتراضي، يكون بمثابة مجلس تأسيسي أو مجلس وطني أو برلمان الشعب الفلسطيني ، ينتخب القيادة الفلسطينية ، ويجب عدم رهن هذا الإطار أو المجلس التأسيسي بالانتخابات لاستحالة إجراء انتخابات موحدة ومتزامنة في الضفة وغزة .
  3. حتى لا يتم توظيف الانقسام لتدمير المشروع الوطني وإجهاض الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة وغزة يمكن التفكير بدولة فلسطينية اتحادية ،والإطار القيادي الجديد يتكلف بتشكيل الحكومة المركزية من خلال انتخابات داخله أو بالتوافق والتراضي  . بجانبها يتم انتخاب حكومة محلية أو إقليمية في الضفة وأخرى في القطاع تخضعان لدستور أو قانون أساسي واحد.

بالنسبة لحركة فتح

  1. الفصل بين رئاسة حركة فتح ورئاسة السلطة الفلسطينية .
  2. عقد المؤتمر السابع في موعده والالتزام بنزاهة الانتخابات ، ولينتخب الفتحاويون من يريدون ، بدلا من نظام التعيينات أو الانتخابات الموجهة والمعروفة عند الجميع ، وليتحمل أبناء حركة فتح مسؤولية اختيارهم حتى وإن كان اختيارا سيئا ،بدلا من أن يتم تحميل الرئيس مسؤولية أزمة فتح ومسؤولية عجز وفشل اشخاص جاءوا بالتعيين من الرئيس .  
  3. ضرورة تفرغ أعضاء اللجنة المركزية المنتخبين للعمل التنظيمي وعدم تولي وظائف أخرى تستغرق جل وقتهم وتجعلهم اسرى لراتب وامتيازات الوظيفة الخارجية .ولذا يجب تخيير عضو اللجنة المركزية ما بين وظيفته والتفرغ للعمل التنظيمي .
  4. فصل ميزانية حركة فتح عن ميزانية السلطة ، وهذا يمنح الحركة هامشا من الحرية ولا يجعلها خاضعة لاستحقاقات وشروط الجهات المانحة . وفي هذا السياق لا يجوز التذرع بالأزمة المالية ،فهناك مؤسسات مجتمع مدني ميزانيتها أكبر من ميزانية حركة فتح ، من خلال تمويل ودعم  من مستثمرين ورجال أعمال فلسطينيين فتحاويين .
  5. تنشيط لجان ودوائر الحركة وخصوصا الفكرية والثقافية والتعبئة والتنظيم .

بالنسبة للعلاقات الخارجية

  1. ضرورة تشكيل معهد للدبلوماسية الفلسطينية ،ووضع استراتيجية للعمل الدبلوماسي ومعايير موضوعية لتعيين السفراء وممثلي فلسطين في المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية .
  2. تفعيل الدبلوماسية الشعبية وعدم اقتصار العمل الخارجي على الدول والمؤسسات الرسمية .
  3. استعادة العلاقات الشعبية ما بين الشعب الفلسطيني ،ممثلا بمنظمة التحرير والدولة الفلسطينية ، والشعوب العربية والإسلامية ، من خلال تفعيل جمعيات مساندة الشعب الفلسطيني والتي تشكلت في السبعينات ولعبت دورا مهما في توثيق العلاقة بين القضية الفلسطينية والشعوب العربية .
  4. إنشاء أو تنشيط المراكز الثقافية الفلسطينية في كل دول العالم ، سواء كانت هذه المراكز ملحقة بالسفارات أو منفصلة عنها .

بالنسبة للحكومة والسلطة الوطنية

  1. مباشرة الانتقال من سلطة حكم ذاتي إلى سلطة وحكومة الدولة الفلسطينية ،من خلال إجراءات متدرجة  على الأرض ، كإعادة النظر بآليات التنسيق الأمني والبروتوكول الاقتصادي ، وأن تكون الانتخابات القادمة في حالة إجرائها لبرلمان دولة وليس لمجلس حكم ذاتي ، والحكومة حكومة دولة فلسطين وليس حكومة سلطة حكم ذاتي. وهي أمور تم الموافقة عليها في الاجتماع الأخير للمجلس المركزي لمنظمة التحرير .
  2. استمرار العمل على تشكيل حكومة وحدة وطنية ، وحتى في حالة إجراء انتخابات فيجب أن يَنتج عنها حكومة وحدة وطنية بغض النظر عن الحزب الفائز .
  3. الوضع الفلسطيني ليس في حالة ترف سياسي واجتماعي حتى يتم تشكيل حكومة تكنوقراط ،لذا يجب تشكيل حكومة سياسية أو الجمع ما بين النوعين .
  4. تفعيل هيئة الرقابة العامة وهيئة مكافحة الفساد والنيابة العامة ، وتمكينهم من الوسائل والأدوات البشرية والمادية والصلاحيات ،لمحاربة الفساد المستشري في مؤسسات السلطة ، وخصوصا في مواقع المسؤولية العليا ، حيث يمَارس الفساد وتَغيب المساءلة دون حسيب او رقيب .
  5. إنشاء وزارة جديدة تختص بشؤون المغتربين – الجاليات الفلسطينية في الخارج – بما لا يتعارض مع اختصاص واستمرار عمل دائرة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية .
  6. إنشاء وزارة (التنمية السياسية والوحدة الوطنية) .

خاتمة

مع إدراكنا للحالة الصعبة التي وصل لها النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته ، إلا أن مصير الشعوب لا يرتهن بنظامها السياسي ولا باختلال موازين القوى مع الخصم ، فهذه أمور عابرة ومجرد أدوات في نضال طويل يمتد ما أستمر الشعب متمسكا بحقوقه الوطنية ورافضا التفريط فيها أو المساومة عليها . لذا فإن الخروج من المأزق وحالة الاستعصاء الراهنة أمر ممكن ، إن تم انتزاع القرار من النخبة السياسية الراهنة أو قَبِلت طوعا بالخضوع للمساءلة ومراجعة سياساتها وإشراك الشعب في مشروع استنهاض وطني شامل .

هذه الورقة تم تقديمها لجهات قيادية عليا نأمل أن توضح محل البحث والنقاش ، وإن كنت آمل أن تتم مناقشتها أيضا في مؤتمر شعبي عام أو في جلسات عصف فكري لتبني الورقة كما هي ، أو ما يرتئي الحاضرون من اقتراحات و تعديلات وإضافات .

العراق الى اين .؟؟؟؟؟ الرهان الابتزازي عربياً ودولياً

 
ياسين جبار الدليمي
 
*هل سيظهر حجاج عراقي يحمل البطاقة التموينية ؟
*بغداد العروبة لم تسقط بل سقطت الاجهزة القمعية .
*حلم العراقيين بالحرية المنشودة قد سقط . . !
*ماذا كان يكتب المعتقلون في زنازن حاكمية المخابرات ؟
*العراقيون مهيئون لشراكة سياسية وإدارية تحت راية الوطنية العراقية.
*ما هي الاطواق الخانقة بالازمة العراقية
-----------------------------------------------

السلطة باب مفتوح للمفسدة والاجرام والطغيان عندما تكون بيد من لا ضمير له . فأسوء انواع التعسف :
يكون في السلطة وشراهتها لتتحول الى منهج سلوكي مطاردة وبطشاً واعدامات ليتحول الماسك بها الى ديكتاتور وسادي .
فهذا النهج ما هو الا نتاج لخيار نهاية الصراع الحزينة وفلسفته الحاكمة له بتغييب الطرف الآخر اقصاءاً وتغيباً وابعاداً ليكون المنتصر واحداً 

…فهل سيعي العرب ان فلسفة الصراع يجب ان تكون سعيدة بين اهل الدار:
تصالحاً وتوافقاً لا خاسر ولا رابح امام بسمة الشعب ورضا الجماهير العريضة صاحبة الشأن ..؟؟؟؟؟
. فالزعامات تتوالد عبر مخاض نضالات الجماهير المناضلة والعريضة ،
وسفر العروبة والاسلام مليئاً بالشواهد. 

فهل تفهم النخب السياسية العربية مبدأ ولادة الزعماء عبر المعاناة لا معاناة البطش والاقصاء والتنكيل او حتى التغييب والتهميش والمغانم وسرقة المال العام عبر مافيات الافساد والفساد المالي والاداري ؟؟؟؟؟ .
ان حالة الامة العربية تردياً وتهديداً واحتلالاً تقع على النخب الحاكمة العربية وأوضاعنا وما آلت اليه فمسؤولية فساد الدول اعربية ما بعد الاستقلال المنقوص بكل معانيه وما عودة الاستعمار من جديد سواءاً كان بالاحتلال العسكري او تحت عباءة الاصلاح السياسي وتأهيل النخب المهيأة للسلطة فلا مكان قولاً لمقولة جلد الذات دونما تشخيص واعي ووضع النقاط فوق الحروف دونما مجماملة او مهادنة وليس التشهير او القدح او الذم او الانتقاص …

وان الحديث عن مصطلحات الخيانة والمؤامرة والتواطؤ او العملاء لا بد من تأطيرها عبر الواقع المعاش وما نحن فيه وعليه
فالخائن هو من خان آمال الجماهير ومشروعها الاستقلالي النهضوي وطموحها في تأسيس منظومة العدالة الاجتماعية
وفي رفض القطرية ولتكن الوحدة العربية الشاملة حقيقة ملموسة وليست امنية تغنى وصعبة المنال وليس أدائها بأيدي عربية .

ومن خان طموحات الجماهير وصادر نضالاتها وآمالها وتطلعاتها قد سهل ليكون الاستقلال الوطني منقوصاً بل ومزيفاً بين مستعمر اجنبي ومستعمر وطني قمعاً وتنكيلاً وتجويعاً وتغانم على السلطة والمال العام ؟؟؟؟؟

فلم نجد فرقاً بين من خرج بقواته المحتلة من الباب ليدخل تحت عباءة الوطنية من الشباك 

. فصارت الوطنية مستترة بالفكر والاسلوب الاستعماري المخادع للجماهير وسرقة احلامها وامالها بل القتل والتهجير تحت رايات متجددة بوسم الموت المشاع ..؟؟؟
عبر بيعة مزورة برسم اطاعة اولي الامر سواءاً كان بتمثيل النخب وجماعات المناصب ووعاظ السلاطين وتوظيف الثروات والمدخولات الوطنية والقومية لصالح السلطان أو الحاكم جمهوري أو ملكي لبناء الاجهزة القمعية وحتى بناء الجيوش او الاحزاب السائدة قد صارت ادوات قمع وحراسة لقواعد كرسي الحكم . فأين نحن من ذلك ؟
وهل نجد اجابة في عتمة الاجوبة لغايات الاسئلة وانين الجياع وبوح الشعارات وصهيل عتاب الشهداء على دروب النضال ودمهم المراق عند مذبح الحرية ؟ ؟ ؟

وهل نحن مع الاستعمار هروباً من جور الحكام ؟
او مع حكامنا برسم اهون الشريّن ؟
نعم نحن مع الجماهير باعتبارنا الايماني الصوفي بقدرة هذه الجماهير وفعلها ضد الاعداء سواءاً في الخارج والداخل . ان هذه الجماهير هي صاحبة الارض والمصالح والقائدة للنضال ومادته في مقارعة الظلم أيّاً كان شكله وهي الاداة في عملية البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وحتى الاداري …
ان ازاحة الجماهير عن سوح الصراع بل وتغييبها بتعمد حفاظاً على الكراسي وتحت مسميات حفظ الامن او ضبط الشارع حفاظاً على العروش واهتزازها مما جعل هذه الجماهير تقف متفرجة بل واحياناً شامتة في صراع الحكام مع الاعداء من خارج الحدود ،
ان الرائي لمشهدنا السياسي عراقياً وعربياً ستحكمه رهائن ابتزازية على قياسنا حجماً ومكاناً وتوقيتاً ومنها :-
2 النفط كمصدر اول للطافة والحياة المدنية ومرتكزاتها الاقتصادية والاجتماعية ،
وعربياً برسم المنابع / وبرسم الجماهير : لعنة العرب . ومع تشكل مملكة الغاز الواعدة برسم المنابع وامتداد انابيب نقله عبر الاراضي العربية وصولا لموانيء التصدير والتنافس غير الشريف استحواذا عليه وتوظيف ذلك اقتتالا مختلق تحت مسميات وافدة
3 الديمقراطية المغلفة بمديات الربح والخسارة لاصحاب واضعي الاستراتيجيات حسب السقوف الزمنية لتنفيذها .
4 مشروع الشرق الاوسط الكبير واستحقاقات الصراع العربي – الصهيوني .
5 الوحدة العربية ووأدها بأيدي عربية وتقديمها قرابين عند مذابح سداة الحكم تحت عباءات العقلانية وصكوك القطرية وحسن السلوك المدفوعة بشهادات حسن السلوك والتوريث بغياب بيعة عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري .
6 تكوينات الوجاهة والتكريم وشراء الذمم والتغانم
نعم شبعنا لحد التخمة بطولات وبرامج سياسية واصلاح دون ان نراها مخلصة للجماهير ورفع الحيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي عنها واشاعة الحرية والديمقراطية الصادقة .
سنيناً ننتظر الموعود المخلص ...؟
فما رفع البلاء عن العراق ارضا وشعبا
سقط حلم العراقيين بالحرية والامن والامان وتأسيس مرتكزات الديمقراطية
. وللاسف تأسس متغير غير مرئي في اللاوعي العراقي تمنياً ( لحجاج عراقي جديد ) يعرف صعود النخلة العراقية ويحمل البطاقة التموينية التي تشرفت معدته بهضم الخبز الاسود المعجون برائحة وهم الذهب الاسود المسموع بخيراته عبر الاذاعات اوالدراسات .. هذا الحجاج عسى ان يعيد الامن والأمان والاستقرار يركز اسس الديمقراطية و الحرية دونما محاصصة سياسية او ادارية على اسس قومية أو طائفية أو حزبية .
وعليه فهل الازمة العراقية فيها وعليها من الاطواق الضاغطة والمحركة لها ؟
حتماً سيكون الجواب بنعم وهي :

أولاً: بزوغ متغير في تكوين الشخصية العراقية تمثل بشبه انفصال بين الوطن والمواطن جعله يبحث عن زوايا الأمان وزوايا الهروب من الازمات وحتى الهجرة الى خارج الحدود قسرياً امام ضبابية المشهد السياسي والاداري والامني وغياب رؤية صادقة لما هو قادم بما يحمل من مفاجأةقد تكون اكثر ذهولاً.

ثانياً: اشكالية الازمة العراقية سياسياً وادراياً وسيادياً ومعالجتها لن تكون بالاقصاء والتغييب والتهميش والوصاية للقوى السياسيةبل وازاحتها حتى من الحياة عبر عمليات منظمة اغتيالات وتصفيات ممنهجة .
المعالجة بالشراكة فعلاً وقدرةً سياسياً واداراياً تحت راية الوطنية العراقية وليس بالهيمنة او الوصاية او المحاصصة تحت شعار ( من سبق ظفر ) . 

اننا بحاجة لمعالجة استثنائية برجال استثناء لما نحن به وعليه بعد انكشفت عورات شكل النظام السياسي المنتج لازمات متوالدة الامنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفشل في ادارة العراق بكل جوانب الحياة التي جعلت العراق بموزانة تقرب 120 مليار دولار على حافة الاشهار الرسمي للافلاس وليتحول العراق الى دولة فاشلة للاسف كنتاج لواقعة الاحتلال الامريكي

موطني – موطني هل اراك سالماً منعماً . . ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ومسكها لسيدي موسى بن جعفر (عليه السلام) :
(ضاقت ثم ضاقت . وإستحكمت حلقاتها . ففُرجت وكنتُ اظن انها لا تفرجُ )


2015/08/31

عقود «سوكلين»: هدر الأموال العامة بلا رمشة عين


في 17 كانون الثاني 2011 انتهت عقود مجموعة "Averda" (سوكلين وشقيقتها سوكومي) مع الدولة اللبنانية. بعد تمييع مشبوه للقضية وعدم القبول بتعديل جذري للأكلاف المفروضة، تمّ التجديد للمجموعة حتّى عام 2015. ما يُعدّ فصلاً جديداً من هدر الأموال العامّة.

إذ طيلة 17 عاماً استحصلت هذه المجموعة من السلطات اللبنانية على العقود ومدّدتها من دون أي نقاش أو مبرر. وتبين أنها خالفت موجبات العقود وكلّفت اللبنانيين أموالاً طائلة مرّت عبر قنوات لا يُمكن وصفها إلا بأنها فاسدة بامتياز.
بدأت الحكاية في عام 1994 حين وقّعت الشركة عقداً بالتراضي مع مجلس الانماء والإعمار لكنس وجمع النفايات ومعالجتها وطمرها، ضمن بیروت و225 بلدة وقریة في محافظة جبل لبنان.

ينصّ العقد على أن الشقيقتين المملوكتين بصورة أساسية من رجل واحد، ميسرة سكّر، وهما «سوكلين» و«سوكومي»، تقومان بالمهمات المذكورة، مقابل أن تؤمّن الدولة اللبنانية الآليات والحاويات اللازمة. في البدء كانت قيمة العقد تبلغ 4 ملايين دولار سنوياً، إلا أنها ارتفعت بعد سنتين على نحو مفاجئ كالبورصة لتغلق على 102 مليون دولار اعتباراً من عام 1996. كما انتقل تمويلها من مجلس الإنماء والإعمار، التابع مباشرة إلى رئاسة مجلس الوزراء، إلى الصندوق البلدي المستقل.

في عام 2010 تبيّن أن قيمة عقود الكنس وجمع النفايات ارتفعت إلى 43.5 مليون دولار. وقد بلغت قيمة عقد تشغيل وصیانة مراكز معالجة النفایات المنزلیة الصلبة نحو 42.2 مليون دولار، فيما بلغت كلفة الفرز 26.34 دولاراً للطن الواحد، وكلفة الكبس 15.73 دولاراً للطن، وكلفة التغليف 12.9دولاراً، وكلفة التسبيخ 25.05 دولاراً. أما كلفة نقل المواد العضوية من مراكز الفرز إلى مراكز التسبيخ فبلغت 5.55 دولاراً للطن. وقد بلغت قيمة عقد الطمر الصحي لعام 2009 نحو 39.3 مليون دولار.

هذه الأكلاف لم تكن مرتفعة فقط، بل كانت أعلى بكثير مما تقوم به شركات أخرى في لبنان. فالدراسة التي وضعها مجلس الوزراء في 2010 تشير إلى أن كلفة جمع النفايات في صيدا وضواحيها تبلغ 24 دولاراً، فيما تبلغ كلفة الجمع في طرابلس 22 دولاراً وكلفة الطمر 29.3 دولارات. أما في زحلة فتبلغ كلفة الجمع 18 دولاراً وكلفة الطمر 22 دولاراً.

في المقابل كانت كلفة الجمع في العقد الموقع مع «سوكلين» تبلغ 26.65 دولاراً، وكلفة الطمر في بيروت وضواحيها 38 دولاراً، وكلفة الجمع في مناطق جبل لبنان تبلغ 34.55 دولاراً وكلفة الطمر هناك تبلغ 38 دولاراً.

لكن لتمديد العقود طيلة السنوات الـ17 قصّة أخرى. فقد لُزّمت سوكلين إدارة النفايات الصلبة في بيروت الكبرى قبل أن يوسّع نطاق عملها ليشمل معظم أقضية بعبدا، عاليه، الشوف، المتن، كسروان...

وكان مقرّراً أن ينتهي العقد في نهاية عام 2000، إلا أن ما جرى لاحقاً، تمّ برعاية السلطة السياسية فمُدّد للشركة على قاعدة الملحق رقم 5 من العقد والذي يضمن استمرارية عمل الشركة إلى حين اتخاذ قرار من وزير الداخلية والبلديات بإنهائه.

هكذا استمرّت سوكلين بعملها المعتاد وفق العقد الموقّع في عام 1994، مع فرق واحد متصل بزيادة قيمة العقد من 4 ملايين إلى 102 مليون دولار... إلى أن مُدّد في نهاية عام 2007 لفترة 3 سنوات تنتهي في نهاية 2010. بعد ذلك تذرَّعت الحكومة برأي مجلس الإنماء والاعمار، القاضي بصعوبة إجراء استدراج عروض عالمي لتلزيم جمع وكنس ومعالجة وطمر النفايات خلال فترة زمنیة قصیرة. عندها بحث مجلس الوزراء الأمر وقرّر إعادة التفاوض مع سوكلين لخفض أسعارها من أجل تمديد العقد، لكن ما حصل هو أنه تم التلاعب بقرار مجلس الوزراء وتمرير تمدید العقود لمدة أربع سنوات تنتھي في 17 كانون الثاني 2015، بعد خفض الأسعار بنسبة 4%.

الأغرب أن أكلاف عقود «سوكلين» و«سوكومي» سدّدت من أموال صندوق البلديات بقرارات إدارية من دون موافقة البلديات ومن دون إطلاعها على الحسابات. وتقدّر الأموال المدفوعة من الصندوق لهذه الشركات بنحو 1.3 مليار دولار بين عامي 1997 و2009، أي بمعدّل 108 ملايين دولار سنوياً، منها 597 مليون دولار للفترة حتى 2005، و703 ملايين دولار للفترة اللاحقة.
من أبرز الدلائل على الفساد المستشري في لبنان هي الشوائب المنتشرة في مضامين بنود العقد. فقد سمح العقد لشركة سوكلين أن تقوم بتقدير وزن النفايات المرفوعة، وبالتالي كانت هي تراقب أعمالها بنفسها! وهذا يعني أنها تلقت دعوة مفتوحة للتلاعب. لا بل كانت الشركة هي من يحدّد قيمة الفواتير التي ترفع الى الجهات المعنية، فيما استفادت من بيع بعض أنواع النفايات (البلاستيك الذي يباع بـ300 دولار للطن الواحد، الحديد وغيرها) لشركات تعيد تصنيعها أو تصديرها الى الخارج...

وبالإضافة إلى النقص في المعلومات عن كميات المواد المباعة والمعاد تصنيعها والمبالغ الذي تتقاضاها الشركة بداعي قيامها بهذا العمل، احتسب العقد على أساس احتساب الكمية (طن من النفايات) بدلاً من أن تكون على النسبة المئوية. ولم يأخذ العقد بالاعتبار أن الكلفة تنخفض كلما كان حجم العمل أكبر، فهي تتجاهل أن المنطقة الأكثر كثافة هي الأكثر إنتاجاً للنفايات.

… لا تنحصر شوائب العقد بهذه الملاحظات الجوهرية، لكن الأخطر هي الكلفة البيئية التي ترتبت على لبنان جراء هذا العقد، فبحسب الإحصاءات الرسمية، يُنتج لبنان سنوياً 1.5 مليون طنّ من النفايات الصلبة، منها 10% فقط يعاد تدويرها، فيما يرمى 40% منها في المكبّات ويتم التخلّص من نصفها في المطامر. وتمثّل المواد العضويّة 50% من النفايات الصلبة، ما يُظهر الإمكانات الكبيرة الموجودة لصناعة تحويل النفايات إلى أسمدة، وهذا ما تتغاضى عنه الشركة.

ومن المخالفات التي تبيّنت، أن العقد ينصّ على أن تقوم «سوكومي» بممعالجة 850 طن نفايات يومياً للإستفادة من تسميدها، غير أن الشركة تعالج 300 طنّ فقط، وتطمر 550 طناً من المواد العضوية في مكب الناعمة من دون الإستفادة منها... لهذه الاسباب تقدّر كلفة سوء إدارة النفايات في لبنان بنحو 15 مليون دولار سنوياً.

المال العام إذاً يُهدر من دون «رمشة عين». في عقود النفايات مع Averda تتكلّف الخزينة 155 دولار للتخلص من كل طن نفايات، وهي أعلى كلفة في العالم. فعلى سبيل المثال، تراوح كلفة الطن الواحد في كندا بين 58 دولار و75 دولار، وفي إيطاليا من 16 دولار إلى 78 دولار، وفي إيرلندا تبلغ 31 دولاراً، وفي سوريا 2.5 دولار.

تحتّم مكافحة الفساد أن يعاد النظر بالعقود على نحو سريع يحفظ الأموال العامّة ويضع المسؤولين عن هدر الأموال العامّة أمام المساءلة القانونية. فمن الممكن على سبيل المثال، أن يتم تحديد الفرز بنحو 600 طن يومياً، وإلغاء عمليات التسبيخ والكبس: فالأولى تكلف بين 133 دولار 60 دولاراً للطن الواحد، ما يخفض الكلفة السنوية من 125 مليون دولار إلى 60 مليون دولار. كما يجب تحديد سعر طن المواد التي تعالج وتباع لصناعة إعادة التدوير، أو طن السماد، او الطن المعدّ للطمر واحتسابها ضمن العقود.

أطردوا الأمريكيين من سيناء

 
عبد الحليم قنديل
 
ليس بوسع أي قوة في الدنيا، ولا بوسع عصابة مسلحة كـ»داعش»، ولا جماعات إخوان الدواعش، أن يحتل، أو أن يسيطر على سنتيمتر واحد من تراب مصر، ولا أن يقيم عليه إمارة أو خلافة بائسة تزور الإسلام وتلوث قداسة مصر.

ولا أحد يتخيل أن تكون نتيجة أي صدام مسلح في سيناء مختلفة عما جرى، فقد استطاعت شريحة من الجيش المصري، لا تمثل سوى أقل من واحد بالمئة من قواته، سحق هجوم جحافل الدواعش والإخوان، وهم المدعومون بالسلاح والمليارات من قوى إقليمية ودولية معروفة، وقضت عليهم طلائع الجيش المصري في لمحة عين.

ولو افترضنا جدلا، أن الذين هاجموا كانوا ألف ضعف في العدد والعدة، وأنه جرى تزويدهم بأحدث أسلحة العصر وتقنياته، فلن تكون النهايات مختلفة أبدا، ليس فقط لأن الجيش المصري هو خير أجناد الأرض، وليس لأنهم «الجند الغربي» الممدوح والموصى به من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لأن الجيش المصري واحد من أقوى جيوش العالم، ولديه مدد لا ينفد من ملايين المصريين في سن التعبئة والتجنيد الوطني العام، وعدد ضباطه وجنوده أكثر من عدد سكان دول بكاملها في المنطقة، وشهد تسليحه قفزات نوعية هائلة، وأعيد تنظيمه بأكفأ الطرق بعد هزيمة 1967، ونجح في تعبئة مليون جندي تحت السلاح في حرب أكتوبر 1973، وجرت عليه صحوة كبرى في السنوات الأخيرة، وحدثت تطورات فارقة في موارد السلاح وفي صناعة السلاح، جعلت الجيش مستعدا لمجابهة المخاطر العظمى، فما بالك بمخاطر أقل من نوع المعارك ضد جماعات الإرهابيين، وهي معارك صغرى، رغم كونها تنتمي إلى صنف الحروب غير النظامية، التي أعد لها الجيش فرقا خاصة على مستوى رفيع، حملت اسم «قوات التدخل السريع»، فوق الدور المرموق لقوات النخبة وقوات الصاعقة المصرية، وهي القادرة على الفتك بكل خطر يهدد مصر، مع الاستعداد المعنوي الهائل للتضحية، وسلامة العقيدة القتالية الوطنية، بعراقة تقاليدها ومبادئها الأخلاقية، التي لا تورط الجيش المصري في حروب ضد أبرياء مسالمين، بل تعصف نيرانه بالخطر وحده، واعية بأن الخطر الأكبر على مصر يأتي دائما من الشرق، وأن حرب سيناء الجارية في جوهرها حرب تحرير وطنية، لا تواجه الإرهابيين كخطر منفصل، بل كطليعة للخطر الإسرائيلي الأصلي الرابض عند حدودها في فلسطين المحتلة، فوجود كيان الاغتصاب الإسرائيلي في ذاته خطر على الوجود المصري في ذاته، وأيا ما كانت تصرفات السياسة وظواهرها المعلنة.

نعم، لسنا بصدد قوة سلاح فارغة من المعنى، بل بصدد جيش هو المدرسة المتقدمة للوطنية المصرية، التي تمزج في تكوينها بسلاسة بين الوطنية الذاتية والقومية العربية والإسلام الحضاري، فهذه هي سبيكة مصر الخالصة ممثلة في جيشها، الذي لا يعتز فقط بقوته، ولا بضراوة نيرانه، ولا بالتدريب الراقي الدقيق في إصاباته القاتلة لمواضع الخطر، بل اعتزاز الجيش المصري، قبل قوته وكفاءته وبعدها، يتصل بمعنى آخر، هو صلته الوجدانية والتاريخية والتكوينية العميقة بالشعب المصري، فهو أعظم جيوش العالم شعبية بين أهله وناسه، هو جيش الشعب المصري المتجانس ثقافيا ووطنيا، وليس جيشا لأي حاكم، ولا لأي جماعة حكم، وقد أعاد القائد جمال عبد الناصر بناءه على صورته الحديثة المعاصرة بعد محنة 1967، وعلى أسس احترافية وبعقيدة وطنية صلبة، تجعل ولاء الجيش الأول لمصر وأهلها وترابها المقدس، وتجعله يعتصم بالشعب وإرادته الغلابة، وينتصر دائما لثورات الشعب، ويعصم البلد من أي انزلاق إلى صدام أهلي، فمصر ليست بلدا لحروب أهلية، ووحدة مصر التاريخية والجغرافية والسكانية عصية على التفكيك، فقد وجدت مصر وتوحدت كدولة منذ آلاف السنين، وصارت كقبضة يد لا تنفك أصابعها، وهكذا ستظل، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الجيش المصري ـ إذن ـ ليس كيانا منفصلا عن مجموع الشعب المصري، ومعاركه لا تدور في فراغ، وقد يخطئ أحد في الجيش، أو يقصر في واجبه الميداني، أو يسهو عن تطوير القدرات المطلوبة في معارك من نوع مختلف، كالحروب ضد الإرهاب، وهي حروب تحتاج أول ما تحتاج إلى المعلومات أولا، وتعتمد على دقة المعرفة وكفاءة التوقع والإنذار المبكر والإجهاض المسبق، قد يخطئ أحدهم أو يقصر، لكن الجيش المصري كيان مادي ومعنوي فائق الصلابة، وقادر دائما على استيعاب الدروس وأخذ العظات، وعلى سد الثغرات، فقد جرت عملية إعادة بناء الجيش الحديث على أساس من استيعاب خبرات وخيبات ما جرى في هزيمة 1967، ويعرف الجيش أن الخبرة أساس التفوق، وأن بناء خطط جديدة هو أساس التطور والنصر، ثم أنه ـ أي جيشنا العظيم ـ يعرف قبل ذلك وبعده، «كفاءة الدم» وشرف الشهادة، وهو ما يمكنه من تجاوز المصاعب مهما استحكمت، وتقديم بطولات تثري زاده المعنوي الهائل، ومن نوع بطولة الجندي الشهيد عبد الرحمن «صائد الإرهابيين»، الذي قتل 12 «داعشيا» بيده الجريحة، وهي بطولة تستدعى من الذاكرة بطولة الجندي عبد العاطي «صائد الدبابات» الإسرائيلية في حرب أكتوبر 1973، فبوسع الجيش المصري دائما أن يفاجئ وأن يدهش، وأن يصوغ المثال الرفيع لشرف العسكرية الوطنية وكفاءتها المذهلة، وأن يقدم لحياة المصريين المعاصرين أوثق رابطة وطنية، تجمعهم على حبل الله والوطن، فلا يتفرقون ولا يفزعون أبدا.

والجيش المصري ليس في مجرد معركة مع جماعات إرهاب وحشي بشرق سيناء، بل المعركة أوسع نطاقا وأغزر معنى، فالجيش المصري يصل ما انقطع مع حرب أكتوبر 1973، التي حقق فيها نصرا عزيزا مقتدرا، ثم خانت السياسة نصر السلاح، وانقلب الذين «هبروا» على الذين عبروا، وتدهورت أحوال مصر، ودخلت في انحطاط تاريخي طويل على مدى أربعين سنة، خرجت من نفقه المظلم بثورة 25 يناير 2011 وموجتها الأعظم في 30 يونيو 2013، نزعت مصرعنها أكفانها، وفتحت عينها على هول ما أصابها، وراحت تستعيد سيادة قرارها الوطني، وتدرك أن نزع سيادة قرار السياسة بدأ مع نزع سيادة السلاح في سيناء، فقد كانت سيناء منزوعة السلاح إلى عمق 150 كيلومترا من خط الحدود المصرية ـ الفلسطينية التاريخية، وكانت قوات الجيش المصري محجوزة إلى ما وراء 59 كيلومترا شرق قناة السويس، وفي المنطقة المسماة (أ) طبقا لملاحق ما تسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، فقد عبر ثمانون ألف جندي مصري إلى سيناء في حرب 1973، وعبرت معهم ألف دبابة، ثم جرى اختصار الرقم بعد المعاهدة المشؤومة إلى 22 ألف جندي فقط لا غير، وحجز وجودهم في المنطقة (أ)، وحرمان مصر من إنشاء مطارات وموانئ حربية في سيناء كلها، ووضع أربع كتائب حرس حدود لا غير في المنطقة (ب)، والممتدة بعرض 109 كيلومترات في وسط سيناء، وحرمان قواتنا بالكامل من الوجود في المنطقة (ج)، وتشمل شرق سيناء بعرض 33 كيلومترا، وقد صارت هذه الترتيبات المهينة كلها شيئا من الماضي، فقد دهس الجيش المصري مناطق نزع السلاح، وتقدم الجيش بقواته ودباباته وطائراته إلى ملامسة حدودنا مع فلسطين المحتلة من جديد، وفرض أمرا واقعا يحدث لأول مرة منذ ما قبل هزيمة 1967، أي أن الجيش المصري يوجد بكثافة في شرق سيناء لأول مرة منذ قرابة الخمسين سنة، وهو ما يعني استعادة حقيقية لا اسمية لسيناء، ويفسر ضراوة المعارك التي تجري هناك، فقد ظلت سيناء خارج السيادة المصرية الفعلية لعقود، وتكاثرت فيها قوى إرهاب وإجرام وتجارة أنفاق وتجارة بشر ومخدرات وعملاء لمخابرات الدنيا كلها، ولعب «جهاز المخابرات الإسرائيلية» (الموساد) دوره في تجنيد جماعات من المصريين والفلسطينيين الضالين، وتعززت قوى الشر المجتمعة بفوائض المليارات المجلوبة من أنشطة تجري خارج معنى القانون وخارج معنى الدولة، وهو ما يلقي ضوءا جديدا على ما يجري في الشرق الآن، فجماعات الإرهاب تحارب الجيش المصري بالوكالة عن إسرائيل، التي تعرضت للخديعة الاستراتيجية من صانع القرار المصري بعد 30 يونيو 2013، الذي يطالب الآن بتعديل المعاهدة بعد فرض الأمر الواقع الجديد، فلن تعود سيناء منزوعة السلاح بعد الآن، ولن تعود قواتنا الزاحفة إلى سيناء، التي تحررها بشرف الدم وقداسة الشهادة، وفي حرب تحرير وطنية، قد يصح أن ننتبه لطبيعة الأعداء فيها، ففلسطين ليست عدوة مصر، بل إسرائيل، وفلسطين قضية وطنية مصرية، والدعم اللوجستي الذي تحصل عليه جماعات الإرهاب لا يأتي فقط من بقية أنفاق لم تغلق، بل من حليف فعلي لإسرائيل موجود على أرض سيناء، وفي شرقها بالذات، ومن آثام المعاهدة المشؤومة، وهو ما يعرف شعبيا باسم القوات الدولية، ورسميا بذوي القبعات البرتقالية أو القوات والمراقبين متعددي الجنسيات MFO، وهي عناصر مراقبة مسلحة متعددة الجنسيات، تبلغ في مجموعها نحو 1680 فردا، غالبيتهم من دول حلف شمال الأطلنطي، و40٪ بينهم من الأمريكيين، وقيادتهم معقودة دائما لضابط أمريكي، ووظيفتهم كانت مراقبة مناطق نزع السلاح وحركة القوات المصرية، وقد تحولت معسكراتهم ونقاطهم في «الجورة» وغيرها، وتصل في مجموعها إلى 30 نقطة مراقبة، إلى مراكز تجسس وحماية وإيواء ورعاية لجماعات الإرهاب في قرى جنوب «الشيخ زويد» بالذات، ولا تستطيع القوات المصرية تفتيش ولا قصف هذه النقاط الأجنبية، فوجودها محمي ومحصن بنصوص المعاهدة المشؤومة، وقد انتهى دور هذه العناصر المتفق عليه بعد إلغاء مناطق نزع السلاح عمليا، وآن لمصر أن تتخلص من هذه الأورام السرطانية، وأن تطالب بطرد الأمريكيين من سيناء، فأمريكا هي أم الإرهاب، وهي «داعش» الأخطر من ألف «داعش» مما تعلمون.

الوحدة العربية… ولا غير الوحدة


علي محمد فخرو

أما وأن القوى الخارجية، وفي المقدمة الصهيونية العالمية، بتعاون وتناغم مع بعض القوى العربية الداخلية، استطاعت عبر العقود الأربعة الماضية، وليس السنوات الأربع الماضية، كما يظن البعض، إضعاف جسد الواقع العربي من خلال اختراق منظم تراكمي للكثير من أنظمة الحكم والاقتصاد والأمن والمجتمعات المدنية والمؤسسات الأقليمية، فإنها الآن تهيئ لنقلة خبيثة نوعية تصيب الجسد المعنوي العربي، فكرا وثقافة وأحلاما كبرى.

وإلى حد ما هناك نجاحات محدودة لتلك المساعي الخبيثة. في قلب تلك المساعي زرع الشكوك في واليأس من فكر ومشاعر هوية العروبة، وبالتالي إضعاف الإيمان بضرورة الوحدة العربية والعمل من أجل تحقيقها، ومن ثم إقناع شعوب الأمة العربية بأن كل من آمن ولايزال يؤمن بالفكر والنضال القومي العروبي الوحدوي، هم من الحالمين المراهقين في الحياة السياسية العربية، وبالطبع فالمراهقون تنقصهم الرزانة والحكمة والموضوعية والواقعية، لكن دعنا نتوجه إلى شعوب الأمة العربية جميعها، وبالأخص شبابها وشاباتها، لنرد على ذلك السخف الخبيث بطرح أسئلة بشأن الواقع المأساوي الذي تعيشه جميع أقطار الوطن العربي في اللحظة الراهنة. دعنا نضع جانبا الردود الفكرية النظرية والدروس المستقاه من تجارب الأمم الأخرى، مع أن فيها الكثير مما يفنُد تلك المقولات التي يطرحها أعداء الوحدة في الداخل والخارج ولنركز الأنظار على الوقائع.

السؤال الأول: لو أن الوحدة المصرية السورية، ممثلة في الجمهورية العربية المتحدة، بقيت صامدة حتى يومنا هذا ولم تتساقط أمام رشاوى بعض المال العربي المتعاون مع قوى التآمر الخارجية، وأمام أخطاء الداخل وخطاياه، فهل كان باستطاعة أحد أن يستبيح القطر السوري ويمزق أوصاله ويجعله ألعوبة مفجعة في يد الدول الكبرى كما نراه اليوم؟

السؤال الثاني: وحتى بعد فاجعة تهاوي تلك الوحدة، لو أن حزب البعث وحّد القطر السوري مع القطر العراقي في دولة واحدة، عندما حكم القطرين في الفترة نفسها حزب واحد، ولم يسمح للصراعات بين بعض قادته تعلو فوق مصالح الأمة العربية الكبرى، فهل كان سيجرؤ الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبمساعدة، مع الأسف، من بعض الجهات العربية، على أن يكتسح العراق ويمزق أوصاله ويشعل نيران الطائفية فيه ويدوس على شرف جيشه ويجعله لقمة سائغة لنفوذ إيران وتركيا ودول الغرب، وللوجود الصهيوني العلني في شماله؟ ومرة أخرى هل كان باستطاعة أحد أن يمس سوريا لو كانت جزءا من دولة وحدة عراقية – سورية؟

السؤال الثالث: لو أن مجلس التعاون الخليجي لم يسمح لنفسه بأن يقع في إشكالية فقر اليمن، ويعتبره تعارضاَ مع غنى دوله، وأن يتبنى الفكر القائل بعدم قدرة الأنظمة الملكية وأنظمة الإمارات في دوله التعايش مع النظام الجمهوري في اليمن. فهل كان بالإمكان تجنيب اليمن الشقيق الدخول في المتاهات القبلية والطائفية والصراعات المناطقية والاستباحات الأمريكية التي دخل فيها، والتي اوصلته إلى الحالة المأساوية التي يعيشها الآن؟

السؤال الرابع: لو أن دول المغرب العربي الخمس غلبت العقل ومنطق الأخوة والمستقبل الوحدوي الزاهر المشترك ونبذت الخلافات العبثية في ما بينها. من مثل موضوع النزاع المغربي – الجزائري بشأن مستقبل الصحراء المغربية. فهل كان سيجرؤ الغرب الاستعماري، وبمباركة من الجامعة العربية مع الأسف والأسى. على استباحة القطر الليبي وإدخاله في الجحيم الذي يعيشه الآن من صراعات قبلية وجهوية؟

وفي جميع أحوال تلك الأقطار العربية المنكوبة، هل كان باستطاعة شتى الاستخبارات الدولية والصهيونية والأقليمية أن تجند شراذم الجهاديين التكفيريين ليفعلوا ما يفعلونه بساكني وتراث ومستقبل هذا القطر أو ذاك؟

إذا كانت هذه الصورة المليئة بالبؤس والأخطار، التي كان أحد أسبابها تجزُؤ هذه الأمة إلى وحدات قابلة للاستباحة، وإضاعة فرص قيام وحدات أكبر وأقوى، لا تقنعنا بأهمية الرجوع إلى محاولة بناء وحدات عربية أكبر من الحاضر، تمهيدا لنوع من الوحدة العربية الشاملة في المستقبل، لدرء الأخطار المتعاظمة وإيقاف الضباع التي تنهش في جثة هذه الأمة… إذا كان كل ذلك ايضا لا ينقل الجامعة العربية من كونها نظاما إقليميا ضعيفا مكتوف اليدين إلى أن تصبح نظاما عربيا قوميا متماسكا في القريب العاجل… إذا كان كل ذلك لا يقنعنا بفشل الدولة العربية القطرية في أن تحمي نفسها من تدخلات الخارج وانفجارات الداخل، فضلا عن فشلها في التنمية والسباحة بجدارة في نهر حضارة العصر الذي نعيش .. إذا كان كل ذلك لا يقود إلى الرجوع لبناء تيار قومي عروبي يضغط نحو الخروج من الجحيم الذي نعيش ومن الهوان الذي نشاهد ومن الدخول في القبر الذي نجلس على حافته، فإننا أمة لا تستحق الحديث عن تاريخ لها كان ملء العين والسمع، ولا تستحق أن تحلم بدخول العصر من أبوابه الواسعة.

لا نبالغ إن قلنا، إما الوحدة العربية أو خروج الأمة، قطرا بعد قطر، من قلب ساحات حضارة العصر، والاكتفاء بالعيش في ذل التهميش والتبعية.

كل خطوة نحو توحيد هذه الأمة سيدق مسمارا في نعش التدخلات الاستعمارية الخارجية، في نعش التكفيريين، وفي نعش قوى المصالح الداخلية التي لا تستطيع العيش إلا في أجواء التجزئة العفنة.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر