الراصد القديم

2017/01/02

بعد 42 عاما.. وداعا "السفير" اللبنانية

أماني محمد 
 
لفظت السبت صحيفة “السفير” اللبنانية أنفاسها الأخيرة، لتعلن مع آخر أيام عام 2016 انتهاء مسيرة امتدت على مدار 42 عاما، ويبدأ العام الجديد بلا “السفير” التي رفعت شعار “صوت الذين لا صوت لهم”، نتيجة أزمات مالية ووضع حرج أفضى بالقائمين عليها اتخاذ القرار بالتوقف عن الصدور والاكتفاء بالموقع الالكتروني لها.

الوطن بلا “السفير”
تحت هذا العنوان جاءت افتتاحية العدد الأخير من الصحيفة، لتربط بين تدهور الصحافة والسياسة ليس في لبنان، ولكن في العالم العربي كله وبين الأوضاع العالمية من وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتولي هولاند ومن قبل نيكولا ساركوزي الحكم في فرنسا، وتراجع الثورات العربية والقضية الفلسطينية وكل ما يعانيه الوطن من تلقبات وصراعات وطائفية.

سوريا، ليبيا، اليمن، العراق، وأخيرا مصر دولا كانت لها محلا من الافتتاحية، فقالت “سوريا ما تزال تنزف بعد مرور نحو ست سنوات على الحرب. ليبيا لم تستطع لملمة جسدها الممزق. الجرح اليمني ما يزال ينزف.

العراق صار يلهث خلف هويته، فيما «أم الدنيا» لم تعد قادرة على إطعام عيالها، كيف يعيش الإعلام وسط هذه النيران ومما يتغذّى؟”.

”لبنان ليس جزيرة معزولة” تربط الصحيفة بين الوضع داخله وبين العالم العربي حوله، قائلة: “لم يكن أحد ليصدق في بداية الأزمة السورية أن الحريق لن يطال لبنان الهشّ. لامسته النار مراراً، لكن أبناءه، الذين خبروا ويلات الحرب، رفضوا الانصياع للغة الرصاص وصانوا سلمهم الأهلي بالحد الأدنى من الخسارات.”

تضيف “وبرغم كل خلافاتهم، تمكّن اللبنانيون من عزل أنفسهم عن ألسنة النيران. لكن هذا لا يعني أن لبنان بخير. سوريا هي الرئة التي يتنفس منها، والفضاء العربي هو الذي يمدهّ بالهواء، فكان أن تفرّق العرب وتحاربوا، وانعكس ذلك أول ما انعكس على الاقتصاد اللبناني، شريان الصحافة.”

الحل في رأي الجريدة كان ثورة، قائلة “المطلوب ثورة في الجسم الإعلامي حتى يُعيد الحد الأدنى من الاعتبار لنفسه، قبل أن ينطلق لمطالبة الآخرين بواجباتهم. هل الفرصة متاحة؟ نعم، وأكثر من أي وقت مضى، وهذه أمنية «السفير» وهي تطوي أيامها الأخيرة، لعل الصحف والمجلات الزميلة تحمل الراية وتكون بقدر التحديات التي تواجه لبنان والمنطقة بأسرها.”

البداية
بداية مشوار “السفير” كانت في العام 1974 على يد مؤسسها ورئيس تحرير الكاتب الكبير طلال سلمان، فصدر العدد الأول من الصحيفة في 26 من مارس قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت الجريدة ترفع شعار “جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان”، آخذة اتجاه القومية العربية بوصلة لها على مدار عملها وتعرف في الفترة الأخيرة بقربها من حزب الله والحكومة السورية.

لتواجه منذ بداية عملها هجمات ضدها، كانت أولها بعد صدور العدد الثاني برفع أول دعوة قضائية ضدها، توالت بعدها الدعاوى حتى بلغت 16 دعوى في عامها الأول، ولم تتم إدانتها في أي منها، وفي العام 1980 نسفت مطابعها، وتعرض مؤسسها ورئيس تحريرها الكاتب طلال سلمان أيضا لمحاولة نسف منزله واغتياله عام 1984.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية استهدف مبناها بالصواريخ والعبوات الناسفة، لكنها استمرت ولم تتوقف حتى خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واحتلال الجنوب وما شهده لبنان من حصار، لكنها تعرضت للتوقف عن الصدور لثلاث مرات بأمر الحكومة اللبنانية آخرها كان عام 1993 بعد نشرها وثيقة عن المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية.

وكانت “السفير” منفذا لكبار الكتاب في العالم العربي، ومعرضا لرسومات فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، ومن أبرز كتابها ياسين الحافظ، عصمت سيف الدولة، سعد الله ونوس، جورج قرم، مصطفى الحسيني، إبراهيم عامر، بلال الحسن، حازم صاغية، حسين العودات، طارق البشري، سليم الحص، فهمي هويدي، صلاح الدين حافظ، كلوفيس مقصود، هاني فحص، جميل مطر، وغيرهم.

وفي مارس الماضي أعلنت الصحيفة توقفها عن الإصدار مع انتهاء الشهر إثر الأزمة المالية التي تتعرض لها، وكانت على وشك الإغلاق إلا أنها تراجعت وقررت خفض عدد صفحاتها من 18 إلى 12، حتى جاء الإعلان الأخير عن التوقف نهائيا نتيجة تفاقم الأوضاع داخلها وانهيار الإعلام اللبناني بشكل عام.

وأعلنت الصحيفة على صدر صفحتها الأولى في العاشر من ديسمبر الماضي إن الرحلة قد انتهت، فتحت عنون “كلمة من السفير” قالت إنه “وكان لا بد أن تنتهي الرحلة في قلب الصعب، فالأزمة الخطيرة التي تهدد الصحافة في العالم أجمع، وفي الوطن العربي عمومًا، تعصف بالصحف المحلية، محدودة الموارد وضيقة السوق، وهي أزمة تمتد من أرقام التوزيع إلى الدخل الإعلاني (وهو الأساس) إلى إقفال الأسواق العربية عمومًا في وجه الصحافة اللبنانية”.

عبد الناصر و الإخوان و مذكرات البغدادى.

عمرو صابح

رغم فشل جماعة الإخوان المدوى سياسياً ، إلا أن الجماعة تمتلك منابر إعلامية قوية قادرة على تزييف التاريخ وترويج الأكاذيب ، من
أشهر تلك الأكاذيب الإخوانية ان محاولة التنظيم الخاص للإخوان اغتيال الرئيس عبد الناصر عام 1954 هى تمثيلية من إعداد وإخراج عبد الناصر و أجهزته ، ومن أكثر الخرافات الإخوانية إثارة للضحك حتى البكاء ، إدعاء الإخوان ان جماعتهم دعوية معادية للعنف والإرهاب وسفك الدماء!!.

وقد اشتدت نبرة إنكار الإخوان لتاريخهم الإرهابى المجلل بالعنف عقب ثورة 30 يونيو 2013 ، والتى اطاحت برئيسهم وجماعتهم من قمة السلطة فى مصر ، ورغم تهديداتهم العلنية المسجلة صوت وصورة والتى توعدوا فيها الشعب المصرى بالانتقام ما لم يعد محمد مرسي للرئاسة إلا ان منابر الجماعة الاعلامية تسارع فور حدوث أى جريمة إرهابية لإنكار صلة الجماعة بتلك العمليات ولاتهام أجهزة الأمن بتدبير تلك الجرائم لإلهاء الشعب عن مشاكله الحقيقية وتخويفه بفزاعة الإخوان!! 
 
ترجع حجة جماعة الإخوان الرئيسية فى اتهام الحكومة بتدبير الانفجارات وتوجيه أصابع الاتهام للإخوان لمذكرات أحد ضباط ثورة يوليو ، وهو الراحل "عبد اللطيف البغدادى" حيث ذكر فى الجزء الأول منها ، انه خلال أزمة مارس 1954 حدثت 6 انفجارات بالقاهرة ، لم ينتج عنها خسائر مادية ولا بشرية، ولم يُعرف من الفاعل؟! ولكن عند زيارة البغدادى وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم لمنزل الرئيس عبد الناصر لعيادته خلال مرض ألم به ، صارحهم "عبد الناصر" أنه هو مدبر تلك الانفجارات ليشعر الناس بالخوف من الفوضى ولكى يلتفوا حول قيادة الثورة!! لم يذكر أحد تلك القصة سوى البغدادى ثم عاد خالد محيى الدين ونقلها فى مذكراته "الأن أتكلم" عن البغدادى. المضحك ان كمال الدين حسين وحسن إبراهيم رغم خلافاتهما مع عبد الناصر وانتقادهما لسياساته لم يذكرا تلك الواقعة مطلقاً رغم استشهاد البغدادى بهما. كتب "البغدادى" مذكراته عام 1977 ، ويقال ان الذى صاغها له هو الكاتب الصحفى "مصطفى أمين" المدان بتهمة الجاسوسية والعمالة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، والذى أخرجه الرئيس السادات بعفو صحى من السجن عام 1974.
 
 يروى المؤرخ الكبير الراحل الدكتور "رؤوف عباس" فى مذكراته "مشيناها خطى" ، تلك الواقعة التى كان أحد حضورها خلال اجتماع للرئيس السادات مع مجموعة من أساتذة الجامعات المصرية يهدف لنقل رؤية الرئيس لهم بسبل رفع وعى الشباب المصرى. كان من ضمن ما قاله الرئيس السادات للحضور خلال اللقاء : ( أنا متأكد إن مصطفى أمين وسخ وعميل بس أنا خرجته من السجن ورجعته يشتغل فى الصحافة علشان يقف قصاد العيال الأوساخ اللى لابسين قميص عبد الناصر ومسميين نفسهم "الناصريين" ، وعبد الناصر برئ منهم ، فهم ينسبون لعبد الناصر أفكار عمرها ما خطرت على باله . أنا أكتر واحد عارف عبد الناصر وفاهم دماغه هيزايدوا عليا شوية عيال رافعين قميصه!! 
 
ورغم الجميل اللى عملته فى العميل الوسخ يكتب لى مقال بعنوان "أهلاً بالوفد" ما شفتوش وساخة أكتر من كده؟!!". ، فضجت القاعة بالتصفيق). بشهادة غالبية الضباط الأحرار كان البغدادى منذ ما قبل 23 يوليو 1952 رافضاً للانضمام لتنظيم عبد الناصر ، ويرى نفسه أفضل منه وأجدر منه بالقيادة ، ولم ينضم للتنظيم فعليا إلا فى بدايات عام 1952 ، وقد ترك البغدادى السلطة عام 1964 إعتراضاً على التطبيق الإشتراكى ، ورفضاً لأسلوب عبد الناصر فى الحكم بعد الانفصال. وفى عام 1970 قبيل رحيل عبد الناصر بأشهر قليلة عادت علاقته بعبد الناصر مرة أخرى، وقد أكد السفير والوزير المصرى الأسبق "مراد غالب" فى مذكراته ان عبد الناصر كان يعد البغدادى لتولى منصب نائب الرئيس بدلاً من السادات ، وان عبد الناصر طلب من غالب أن يعد لقاء للبغدادى مع كبار قادة الاتحاد السوفيتى ، ولكن وفاة عبد الناصر المفاجئة جاءت بالسادات. 
 
بالنسبة لخالد محيي الدين وهو الوحيد الذى كرر نفس قصة البغدادى ، فشهادته مجروحة ولا يعتد بها لسببين:
 1 - انه لم يشهد الواقعة التى رواها البغدادى لأنه لم يكن حاضرا اللقاء مع عبد الناصر. 
2 - لأن كان شريكا لمحمد نجيب فى مؤامرته عام 1954 لتصفية الثورة وإجراء انتخابات بأحزاب النظام الملكى ، وقد خسر الفريق الذى تزعمه خالد محيى الدين وخرج من السلطة. أمر أخير بالنسبة للواقعة نفسها إذا أفترضنا صحتها وهو مالم يقل به أحد سوى البغدادي ، فحسبما جاء فى نص كلماته ان الانفجارات لم ينتج عنها خسائر بشرية أو مادية!! 
 
وهذا منافى تماماً لما يقوم به الإخوان وذيولهم منذ الاطاحة بمحمد مرسي وحتى الآن. و حتى لا ننسى فهذا غيض من فيض جرائم تاريخهم الدموى: - رئيس وزراء مصر أحمد ماهر باشا تم اغتياله عام 1945 بيد رجلٍ يُدعي محمود العيسوي من جماعة الإخوان المسلمين. - القاضى أحمد الخازندارتم اغتياله عام 1948 بيد حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم من جماعة الإخوان المسلمين. - رئيس وزراء مصر محمود فهمي النقراشي تم اغتياله عام 1948 بيد عبد المجيد حسن من جماعة الإخوان المسلمين. - حكمدار القاهرة اللواء سليم ذكى تم اغتياله سنة 1948 على يد تنظيم من طلبة الجامعة ينتمى للإخوان المسلمين. - محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر قام بها محمود عبد اللطيف من جماعة الإخوان المسلمين. - الشيخ حسين الذهبي تم خطفه واغتياله بيد شكري أحمد مصطفي وأحمد طارق عبد العليم أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين سنة 1965 واللذان أسسا فى السبعينيات تنظيم "التكفير و الهجرة".. - الرئيس السادات نفذ عملية اغتياله خالد الإسلامبولي،ومحمد عبد السلام فرج، عبود الزمر، وعبد الحميد عبد السلام،وعطا طايل، حسين عباس وجميعهم كانوا أعضاء فى جماعة الإخوان المسلمين ثم خرجوا منها وانضموا للجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد. - محاولة اغتيال مكرم محمد أحمد و وزيري الداخلية السابقين (حسن أبوباشا والنبوي إسماعيل) نفذتها مجموعة مجدي زينهم الصفتي من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشقوا عنها وانضموا للجماعة الإسلامية. - رفعت المحجوب تم اغتياله بيد محمد النجار من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشق عنها وانضم للجماعة الإسلامية. - فرج فودة تم اغتياله بيد عبد الشافي أحمد محمد رمضان من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشق عنها وانضم للجماعة الإسلامية. - محاولة اغتيال نجيب محفوظ نفذها عمرو محمد إبراهيم ، وحسين علي بكر من المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين ثم انشقا عنها وانضموا للجماعة الإسلامية. - محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق (محمد إبراهيم) وليد بدر من جماعة الإخوان المسلمين. - حرق عشرات الكنائس فى مختلف أنحاء مصر فى يوم 14 أغسطس 2014 عقب فض اعتصام رابعة الإرهابى قام به أعضاء تنظيم الإخوان المسلمين. - المستشار هشام بركات تم اغتياله بيد الإخوانى الهارب يحيى موسى من جماعة الإخوان المسلمين. ستظل تلك الجرائم فى ذاكرة الشعب المصرى شاهدة على دموية وعنف وإرهاب جماعة الإخوان المسلمين سعياً وراء السلطة.
 

تأسس الإستيطان في العهد العثماني بتواطؤ من السلطنة

محمود فنون

تآمر العثمانيون على فلسطين تحت عنوان حمايتها.
درج مريدو احزاب الدين السياسي على القول بأن بريطانيا تآمرت على العثمانيين من أجل تسهيل الإستيطان في فلسطين .
ربما يكون هذا جزء من أهدافها .
ويقولون بأن العثمانيين منعوا بيع الأراضي لليهود ومنعوا اليهود من الإقامة في فلسطين .
ربما سنوا بعض القوانين
وأن السلطان عبد الحميد رفض اعطاء فلسطين لهرتزل
وهذا صحيح بالأقوال وكذب بالأفعال.

اذكر القراء أن الأمريكيين احتجوا للباب العالي على متصرف القدس كان يعطل بيع الأراضي لليهود، فقام السلطان عبد الحميد بعزله وتوظيف غيره للمساعدة في تسريب الأراضي وهذا بحث آخر .
أما عن بناء المستوطنات فقال مؤلف كتاب تاريخ فلسطين بالصور ما مفاده أن السلطنة منعت إقامة المستوطنات مع أن اليهود تمكنوا من بناء بعض المستوطنات بالسر .

أي دون علم الدولة الحاكمة في ذلك الوقت وهو بالطبع يكذب دفاعا عن السلطان عبد الحميد ولا يهمه ما حل بفلسطين ويهمه نقاء أمير المؤمنين الذي سبق ومنح هرتزل وسام الفارس الرفيع.
دعوا الأرقام تقرأ:
الإستيطان في فلسطين
العهد العثماني:
وقدر عدد اليهود في فلسطين
“سنة 1837م بنحو 1500 يهودي واصبح عددهم سنة 1840م نحو عشرة الاف يهودي وزداد العدد في سنة 1860م الى نحو 15 الف يهودي كما ازداد سنة 1881م الى نحو 22 الف يهودي وكانت تتركز غالبيتهم في متصرفية القدس حيث يرجع تاريخ اول محاولة استيطانية لهم سنة 1859م عندما اقيم أول حي يهودي خارج سور القدس وسمي انذاك باسم “يمين موشي “نسبة الى مونتفيوري الذي حصل على فرمان عثماني سنة 1855م بشراء الارض واقامة مستشفى عليها وحولها سنة 1859م الى مساكن شعبية لليهود اصبحت نواة الحي اليهودي في القدس خارج سور البلدة القديمة” .

ما بين العامين 1882 و1903 أي في عهد السلطان عبد الحميد سيء الذكر عرفت فلسطين ما سمي بالموجة الأولى للمهاجرين اليهود ، وقدر عدد من وصلوا البلاد ما بين 25 و30 ألفا

وشهدت هذه الفترة بداية الاستيطان اليهودي . ففي العام 1878 أقاموا مدينة بيتاح تكفا – ملبس سابقا
وفي العام 1882 أنشأوا مدينة ريشيون لتسيون ، ومستوطنات زخرون يعقوب وروش بينا
وفي العام 1890 أقاموا روحوبوت والخضيرة
وحتى العام 1914 وصل عدد المستوطنات المقامة إلى 47 مستوطنة ، بمعدل ثلاث مستوطنات جديدة في العام ما بين العامين 1870 و1918.
تعليق مختصر : ما كان بإمكانهم بناء 47 مستوطنة بالسر .
ولنكمل لمشاهدة عدد المستوطنين رغم المنع الزائف الذي تحدثوا عنه:

موجة الهجرة الثانية سارت كالتالي:
ما بين العامين 1905 و1918
وما زلنا في العهد العثماني – قدم إلى فلسطين40 ألف قادم جديد
“وقد ارتبط بهذه الهجرة شعار العمل العبري,ونشات معها المستعمرات الجماعية (الكيبوتس)والتعاونية (الموشافاه),ففي أعقاب تعثر المحاولات الاستيطانية الأولى التي قامت على أساس الملكية الخاصة والعمل المأجور ,وجدت الحركة الصهيونية ومن يقفون وراءها أن تحقيق المشروع الصهيوني يقتضي إيجاد نوع من الإشراف المركزي الصارم على حركة الاستيطان ,وتقييد حرية المهاجرين ,وعدم إتاحة الفرصة لهم لامتلاك وسائل الإنتاج والمساكن او امتلاك ما يمكنهم من ترك فلسطين والعودة الى بلادهم الأصلية .

وعلى هذا الأساس ظهرت فكرة المزارع الجماعية والعمل العبري لتكون القيد المطلوب لإحكام قبضة الصهيونية على المهاجرين.”
لقد أقام اليهود المجتمع الإستيطاني الصهيوني في فلسطين قبل قيام بريطانيا باحتلالها ، بل أنهم بالإضافة إلى تجميع السكان أقاموا المؤسسات الإجتماعية والإقتصادية والخدمية والأحزاب والنقابات والصحف وكل ما من شأنه أن يحول المستعمرين الجدد إلى مجتمع حقيقي ومن وجهة نظري أنها نواة مجتمع منظم قادر على استقبال القادمين الجدد.حيث بلغ اجمالي المستوطنين المقيمين حوالي 85 الف مستوطن في العهد العثماني.
لنقرأ أرقام الإستيطان في العهد البريطاني أي بعد وعد بلفور وفي ظل أنتداب بريطانيا لفلسطين .
العهد البريطاني:
من 1919 إلى 1923 وصل 62 الف مستوطن”
من 1923 إلى 1938 وصل 174 ألف مستوطن
من 1938 وحتى النكبة وصل 370 ألف مستوطن
وليصل المجموع الكلي في العام 48 إلى 650 ألفا”

الآليات الأربع لإقصاء السكان: بيروت «تطرد» أهلها

 ربيع نصر 
" سُوّقَتْ بيروت، ما بعد الحرب الأهلية، كمدينة عريقة للمستقبل. والمستقبل المرجو هنا كان موقعاً محورياً للمدينة ضمن شبكة المراكز الحيوية للاقتصاد المعولم المتصاعد في حينه. في عام 2016، تقف بيروت على ناصية الكابوس وتنازع غارقة في سلسلة من أزمات النفايات والكهرباء والمياه والشاطئ الى قانون الانتخابات والمحاصصة السياسية وطبيعة النظام. لربما يعزى هذ الفشل إلى أسباب مختلفة ومتعددة، منها الاقتصادي الاجتماعي ولكن منها أيضاً البنيوي والجيوسياسي بشكل كبير. إلا أن الثابت الوحيد هو أن بيروت تعيش اليوم مساكنة بين مركز، أقلوي، يستحوذ على القسم الأكبر من الثروة والحظوة والنفوذ، مقابل جموع من العمال والموظفين والأسر تُدفع وبشكل عنيف نحو مزيد من الحرمان وانعدام العدالة على مختلف المستويات".

ما الذي حصل في العقدين الماضيين؟ وهل يمكن تفسيره من دون الوقوع في فخ المفاضلة بين مختلف المجموعات الحاكمة تحت مُسمى "الدولة" والمتحاكمة في ما بينها؟!
لفهم ما حصل، نستعين بمفهوم "الطرد - توحش وتعقيدات الاقتصاد العالمي" للباحثة ساسكيا ساسن، الصادر في عام 2014، والذي يشرح ميكانيزمات إقصاء الناس عن المركز السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وتُعرَف ساسن بنتاجها المعرفي المتخصص بآليات عمل الاقتصاد المعولم وتضخم اقتصاد الخدمات والريوع، في حين يقتصر دور أجهزة الحوكمة المحليّة (الحكومات الوطنية) أو ما فوق الوطنية (المؤسسات الدولية كالبنك وصندوق النقد الدوليين ومنظمة التجارة العالمية...الخ) على إضفاء المشروعية وتسهيل آليات عمل هذه المراكز/ الشركات. في هذا السياق، يأتي مفهوم "الطرد المتوحش" كمحاولة لفهم التحولات التي دفعت نحو مزيد من اللاعدالة على المستويات العالمية والمحلية؛ وهو يرتكز على أربعة ميكانيزمات تنفيذية يجري عبرها استبعاد الناس وطردها بشكل عنيف متوحش الى خارج المركز.

المقاولات

يطرح الميكانيزم الأول تقلص مساحة الاقتصاد النظامي الحقيقي في طليعة القوة الطاردة هذه، في حين يحل تضخّم دور الأدوات المالية في مرتبة ثانية، حيث تسيطر الخدمات على العملية الإنتاجية وتُدفع المدن المركزية نحو إعادة تشكيل بنيتها الإنتاجية بما يتماشى مع وظيفتها في الاقتصاد العالمي.

طبع هذا الخطاب السياسات الاقتصادية لبيروت ما بعد الطائف، والتي قامت بشكل مركزي على ضخ كميات هائلة من النقد في قطاعين خدماتيين أساسيين؛ الأول هو قطاع المقاولات الذي اختزل إعادة الاعمار بمجموعة هائلة من العقارات ذات الطبيعة الخدماتية الاستثمارية، والتي شكلت بنية فوقية لما نظّر لها بأنها بيروت كالمقر العام الإقليمي لمجموعة من كبريات الشركات العالمية. كانت الاستراتيجية الرهان أن تستقر هذه الشركات في بيروت فيعتاش أبناء المدينة عبر الخدمات التي يقدمونها لها بما يسهل من عملها ويحفز إنتاجيتها. ترافق هذا الأمر مع تنفيذ بعض مشاريع البنى التحتية التي تخدم هذا الرهان، كالمطار وشبكة الطرقات التي أبرز ما يعبر عنها هو ذاك "الكوريدور" الكبير الممتد من مطار بيروت الدولي الى وسط العاصمة، أو ما يسمى عرفاً بالسوليدير، والمفرّغ من أي شكل من أشكال الحياة الاجتماعية، قافزاً فوق عشرات الأحياء الفقيرة التي تتوزع على جانبيه أو تحت جسوره.

المصارف

أما القطاع الثاني فاختصر بثلة من البنوك، التي تتشارك ملكيتها أوليغارشية ما قبل الحرب وسياسيّو ما بعد الطائف، جرى منحها امتياز إقراض "الدولة" طوال الثلاثين سنة الماضية، فاستثمرت ودائع الناس في نظام استخراج أرباح مالية مهولة قامت "الدولة"، نفسها، بدور فاعل في عملية تضخيمها وإيصالها الى ما هي عليه اليوم. فطُرد الناس من دائرة الإنتاج، وطُرد أبناؤهم مهاجرين لا يعودون إلا عبر تحويلاتهم المالية، وطُرد الاقتصاد الحقيقي بشكل كلي ليستبدل بعقيدة اقتصادية خدماتية مطلقة.

الاستحواذ والمضاربات

في السياق نفسه، يأتي ميكانيزم الطرد الثالث الذي تتحدث عنه "ساسن"، والذي يقوم على الاستحواذ على الأراضي بشكل واسع وتحويلها الى أدوات استثمارية لاستخراج الأرباح، بغض النظر عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه العملية. وهذا ما حصل حرفياً في التسعينيات حين استحوذت شركة سوليدير الخاصة على قلب المدينة النابض عبر تواطؤ معلوم من "الدولة"، في عملية يشوبها الكثير من الملاحظات القانونية والدستورية، فحوّلت ملكيات فردية خاصة الى أدوات مالية دولية في سابقة لم تشهدها حتى أحلك لحظات الحرب الأهلية، حيث بقيت الملكية الفردية قدس أقداس النظام الليبرالي اللبناني. استتبع هذا الأمر بالتوسع في الاستحواذ على الأراضي الزراعية لأغراض المضاربات العقارية والتوسع العمراني لاستيعاب المطرودين من مركز العاصمة. وها هو اليوم يُستكمل بإقرار قانون إيجارات يسهم في طرد عشرات آلاف الأسر من مساكنهم ويحرر مساحات شاسعة من العقارات لتدخل في سوق المضاربات المالية. هذا ما توصفّه "ساسن" بأنه عملية طرد عنيفة للسكان الأصليين، بعيداً عن موئلهم بما يخدم توسيع أرباح من يسيطر على المركز الحَضَري ويعيد وجهة استخدام الأراضي لأهداف استثمارية بحتة.

خصخصة الحيّز البيئي

أما ميكانيزم الطرد الرابع والأخير فهو يشرح كيفية احتلال الحيّز البيئي، عبر الخصخصة، واستغلاله بطريقة عدمية، أي بما يوسّع استخراج الأرباح على حساب الاستدامة البيئية، فيطرد عناصر الحياة منه ويحوله الى أمكنة ميتة بما للكلمة من معنى. هنا يمكن وبسهولة ملاحظة أداء المجموعات الحاكمة في إدارة الشاطئ اللبناني وتحويله عبر كل هذه السنوات الى بيئة غير صالحة للحياة في الكثير من النقاط بين نهر أبو علي شمالاً والناقورة جنوباً من جهة، وبين مطمر النفايات في الناعمة وقبله النورماندي وبرج حمود وحالياً مع الكوستابرافا. بين هذين المثلين تبقى الكسارات والمرامل وشفط الرمول الشاطئية شواهد، واستغلالها في عملية التطوير العقاري شواهد إضافية على طرد المجموعات الحاكمة لكل مؤشرات الحياة والبيئة الصحية في سبيل توسيع أرباحها. وما زلنا نشهد أحدث فصوله في منطقتي الرملة البيضاء والدالية.


سلم العلاقات الخدمية في النصف الثاني من التسعينيات، اكتشفت المجموعات الحاكمة أن الموقع الجيواستراتيجي لبيروت أصبح معوّقاً أساسياً لوظيفتها الإقليمية والعالمية بعد فشل محادثات السلام. ولم تأتِ الشركات، وبالتالي لم تنتزع بيروت مكانها الوظيفي في الاقتصاد العالمي، فكان لا بد من الارتداد الداخلي وإعادة تشكيل الميزة التفاضلية للمدينة التي اختزلت البلد. تضخمت الخدمات المتدنية المردودية (المطاعم، خدمات التوصيل، الخدمات الشخصية اليومية، المجمعات التجارية... إلخ) وتحول الباحثون عن عمل الى باحثين عن خدمات يمكنهم تقديمها لتحقيق رفاهية ما لمن هم أعلى منهم في السُلّم الاجتماعي. هكذا أصبح شاب التوصيل "الدليفري" يقدم خدمة توصيل الأكل لموظف البنك الذي، بدوره، يقدم خدمة لمديره الذي يقدم خدمة لعميل ما عبر إدارة حساباته المالية ومساعدته لانتزاع مزيد من الأرباح من خلال استغلال نظام الخدمات الذي يقوم على تشغيل هشّ لفئات الفقراء والمهمشين أمثال شاب "الدليفري"، وهكذا دواليك وبشكل تصاعدي في سلم العلاقات الخدمية التي تطبع المدينة اليوم وعبرها بلداً بأكمله.

يكفي أن نمرّ أمام تقاطع الحمرا أو ساحة الشهداء بين الساعة الخامسة والسادسة مساءً لنرى قوافل المطرودين يعودون الى أماكن سكنهم بالفانات بعد أن انتهت خدماتهم لهذا اليوم واستعداداً ليوم جديد. في السياق نفسه طُرد الناس من ممتلكاتهم أو من أحيائهم وجرى تأديبهم وتدجينهم عبر دين عام يثقل ماليتهم العامة ويستنزف معظم ضرائبهم المقتطعة، وطردت الحياة من شواطئ بيروت وجبالها، ولم يبقَ منها إلا بعض الجزر التي تقدم خدمات ترفيهية للنخب الحاكمة ومن يلتحق بها عبر العلاقات الخدمية السالفة الذكر.
هنا يمكننا فهم كيف تصبح المحافظة على البلاط الخارجي لجدار أحد فنادق وسط المدينة حاجة وجودية للمجموعات الحاكمة، وتأتي مهمة المحافظة عليها كأولوية على المحافظة على الناس، لكونها، ببساطة، هي آخر ما تبقى من الوظيفة الاقتصادية لبيروت ما بعد الطائف. وتصبح الإنارة المسائية الضخمة، لمناسبة الأعياد، لأحد الشوارع الخالية من أي مبنى سكني، والذي يبعد أقل من خمس دقائق بالسيارة عن مناطق مكتظة سكانياً وتعيش ظلاماً دامساً، دليلاً مباشراً على لاعدالة النظام تجاه المطرودين من نمو الكيلومتر المربع الواحد.

هل هناك حقد طبقي؟ بالتأكيد هناك، فماذا سيخلق نظام الطرد المتوحش، السالف الذكر، عند الناس غير ذلك؟!

الجزيرة العربية والخيارات الصعبة


 زياد حافظ

يسود القلق في الأوساط العروبية إلى ما يمكن أن تؤول إليه الحالة في منطقة الجزيرة العربية خاصة فيما يتعلّق بعروبة وتماسك المجتمع ووحدة الجزيرة. المخاوف في رأينا ليست فقط على عاتق النخب الحاكمة من زاوية مصالحها الخاصة بل أيضا على التيّار العروبي الذي لا ولن يمكن أن يقبل بتمزيق الجزيرة واحتلالها المحتمل وتدمير عروبتها. هذا كان منطق تقديرنا في المؤتمر القومي العربي في ورقة قدمناها في الاجتماع الدوري السادس والعشرين في حزيران 2016 في حمامات في تونس حيث أنذرنا بإمكانية ضرورة لجوء التيّار العروبي إلى الدفاع عن النخب الحاكمة في دول الجزيرة العربية بشكل عام وفي بلاد الحرمين بشكل خاص. لكنها قد تكون فرصة لمساعدة تلك النخب على مراجعة سياساتها والتصالح مع جماهير الأمة وشعوب الدول المنكوبة بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها في الآونة الأخيرة. وهذا ما يسعى إليه التيّار العروبي الذي ننتمي إليه.

الوضع الميداني في ساحات عربية ملتهبة أدّت إلى تحوّلات في موازين القوة العربية والإقليمية والدولية. فالصراع في الساحة العربية بشكل عام وفي المشرق العربي بشكل خاص هو صراع بين محورين يقود إحداهما مجموعة الكتلة الاوراسية، ومحور المقاومة جزء أساسي منها، والثانية الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن. والتحوّل في موازين القوة يميل بشكل واضح وحاسم لمصلحة الكتلة الاوراسية ومحور المقاومة. هذه التحوّلات تستدعي بحدّ ذاتها مراجعة لسياسات اتبعتها دول عربية وإقليمية منخرطة في المحور الذي تقوده الولايات المتحدة. فهل ستُقبل على ذلك وتتجاوز حالة الانكار التي تسودها؟

وإضافة إلى تلك التحوّلات الميدانية هناك تحوّلات في مراكز القرار الغربي يعود قسم كبير منها إلى التطوّرات الميدانية في المشرق العربي. فمع اندلاع الحرب الكونية الغربية/العربية على سورية بدأت موجات من الهجرة من النازحين من سورية وغير سورية تجاه أوروبا سبّبت توتّرات شديدة وتلازمت مع عمليات إرهابية داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الولايات المتحدة فتسارع أحداث العنف على يد أفراد ينتسبون أو يزعمون أنهم منتسبون لجماعات التعصّب والتوحّش خلقت مزاجا معاديا للمسلمين وللعرب تجلّى في خطاب سياسي تحريضي ضد المسلمين للمرشح آنذاك للرئيس المنتخب دونالد ترامب وتلازم مع إجراءات في الكونغرس الأميركي تجاه حكومات عربية متهمة بتمويل جماعات التعصّب والتوحّش بشكل عام ومسؤولة عن أحداث أيلول/سبتمبر 2001.

الرئيس المنتخب الأميركي دونالد ترامب، والرئيس المرتقب لفرنسا فرنسوا فييون، وربما قيادات أخرى في أوروبا أعلنوا بصراحة ضرورة انتهاج سياسة جديدة في مواجهة جماعات التعصّب والتوحّش. هل هذا يعني مراجعة العلاقات مع سورية وروسيا نحو المزيد من التفاهم والتنسيق بدلا من النهج العدواني السائد لدى حكومات الغرب؟ الأرجح أن هذا ما قد يحصل رغم الاعتراض لمراكز قوة داخل أوروبا والولايات المتحدة على تغيير السياسة الحالية. وإضافة إلى النهج الجديد المرتقب فقد أعلنت تلك القيادات عزمها على ملاحقة من موّل الجماعات المعنية! أما الاعلام الغربي والأميركي بشكل خاص فأصبح معاديا بشكل واضح لنهج وفكر دول الجزيرة العربية وخاصة بلاد الحرمين. أي النخب الحاكمة والرأي العام الأميركي معبّئون لتمرير سياسات وقرارات قاسية بحق هذه الدول.

هذه بعض المؤشرات التي تدلّ على تغيير جذري في النظرة لدول الجزيرة العربية، التي كانت دائما في صلب التحالفات الغربية. فماذا يعني كل ذلك لمستقبل تلك الدول؟

الخيارات المطروحة أمام هذه الدول خيارات صعبة وأحلاها مرّ. وليس هناك من مبالغة في تقدير أن الأزمة التي ستواجه بعض هذه الدول أزمة وجودية. طبعا، في مقدمة هذه الدول بلاد الحرمين. فالمملكة تواجه تراكما من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تطلّب مراجعة جذرية في نهجها وأسلوب الحكم وإدارة شؤون البلاد. كما أن على صعيد المنطقة عليها أن تتخذ نهجا تصالحيا ليس فقط مع حكاّم دول المنطقة العربية بل خاصة مع شعوب هذه الدول.

فالإخفاقات المتعدّدة على الصعيد السياسة الخارجية والداخلية وضعت المملكة في موقف حرج جدّا. فلا العدوان على اليمن أتى بالنتائج المرجوة بل العكس، (اللهم إذا كان الهدف إضعاف وتدمير اليمن وتقسيمه ففي تلك الحال “نجحت” السياسة ولكن بأي كلفة؟)، ولا تمويل الجماعات المسلحّة في كل من سورية والعراق أدّت إلى قلب المعادلات بل العكس، ولا سياسة محاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران نجحت في منع الوصول إلى التفاهم الدولي مع الجمهورية بل العكس، ولا سياسة ابتزاز الدول العربية وفي مقدمتها مصر أدّت إلى تطويعها بل العكس، ولا سياسة إغراق سوق النفط التي سبّبت انهيارا في أسعار برميل النفط أدّت إلى انهيار كل من روسيا والجمهورية الإسلامية بل العكس، ولا سياسة كسر التفاهم التاريخي وركيزة المملكة بين الأسرة الحاكمة وطبقة التجار حيث أصبحت الأسرة الحاكمة البديل عن تلك الطبقة في تلك الشراكة في إدارة المقدّرات الاقتصادية والمالية للمملكة أدّت إلى تعزيز موقع الأسرة الحاكمة بل العكس. وهنا لا بد من التذكير أن أحد أسباب سقوط نظام الشاه في إيران هو كسر العلاقة مع طبقة التجّار أو البازار الإيراني ما أدّى إلى تأييد الأخيرة للثورة. فهل هناك من النخب في بلاد الحرمين من يعتبر؟

أما على الصعيد الداخلي فالبطالة المتفشّية عند الشباب وتزايد عدد السكّان الذين يعيشون تحت حد الفقر فهذا يعني فشل سياسات اقتصادية واجتماعية في استيعاب الشباب المتدفقّين على أسواق العمل. والأزمة الاقتصادية والمالية التي تمرّ بها بلاد الحرمين هي نتيجة تراكمات وسياسات أوصلت الأمور إلى الوضع المتأزم. كما أن الطبيعة الريعية للاقتصاد لا تشجّع على المبادرة والمجهود المبدع، ولا حتى على المجهود بأبسط أشكاله طالما مصادر الريع مؤمّنة. لكن على ما يبدو هناك وعي متزايد بين النخب حول الإخفاقات على الصعيد الاقتصادي ما يجعلها تفكّر جدّيا بتنويع القاعدة الإنتاجية والتخفيف من الاتكال على النفط. وتنويع تلك القاعدة يتطلّب وقتا طويلا قبل أن يأتي بثماره فهل تستطيع الأمور انتظار ذلك؟ كما أن السياسة الداخلية على الصعيد الاقتصادي تتطلّب استقرارا على الصعيد الخارجي لتحصين الوضع الداخلي وهذا ما يدفع إلى مراجعة تلك السياسات.

من جهة أخرى فإن سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني واستبدال العداء للجمهورية الإيرانية بالعداء له وتجاهل محنة الشعب الفلسطيني ضربت عرض الحائط موروثا سياسيا وثقافيا ليس فقط عند جماهير الأمة بل حتى عند سكان الجزيرة. وهذه السياسة التي تخاطب الود الصهيوني لن تحميها بل العكس. فمن يحمي المملكة؟

السيناريوهات المتداولة عديدة. السيناريو الأول يعود إلى تأزّم الوضع الداخلي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي وتفاقم الصراعات بين مختلف أجنحة الأسرة الحاكمة. ليس هناك من آلية داخلية مؤسسية لفض الصراعات خاصة في غياب الشخصية المرجعية للأسرة الحاكمة. فالتعديلات التي أدخلها خادم الحرمين الراحل عبد الله بن عبد العزيز حول آلية نقل السلطة تعارضت مع عرف مستقر منذ نشأة المملكة. كما أن العاهل الحالي سلمان بن عبد العزيز ضرب عرض الحائط الترتيبات التي أقدم عليها سلفه وأيضا على حساب التراتبية المعهودة منذ نشأة المملكة. هذا يعني أن عدم الاستقرار في البنية الحاكمة قد يكون السمة الأساسية للمرحلة المقبلة خاصة بوجود نقمة غير بسيطة بسبب هذه التعديلات داخل الأسرة الحاكمة والتي قد تضع مصير الأسرة قاب قوسين أو أدنى.

السيناريو الثاني هو التقديم المزيد من التنازلات للولايات المتحدة. لقد أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترامب أن حماية الولايات المتحدة لن تكون مجّانية بالنسبة للمستفيدين من تلك الحماية. فالقواعد العسكرية المنتشرة في أنحاء الجزيرة ودول الخليج ستُموّل بشكل كامل وسخي من قبل المملكة ودول مجلس التعاون إذا ما أرادت بقاء هذه القواعد لحمايتها. فهل تستطيع المملكة وسائر دول مجلس التعاون دفع ما هو مطلوب على حساب رفاهية سكّان دول مجلس التعاون وذلك في زمن الضيق الاقتصادي وعدم الاستقرار؟ كما أن للرئيس المنتخب تصريحات مفادها أن ملكية النفط لن تعود للمملكة أو لدول مجلس التعاون بل للولايات المتحدة مباشرة، فهل تستطيع تلك الدول تحمّل ذلك؟ أضف إلى ذلك الشكوك المشروعة حول مصداقية الولايات المتحدة في تنفيذ التزاماتها إذا ما تغيّرت المعادلات الإقليمية لتجعل مسؤولية حماية دول الجزيرة العربية أمرا غير ذي جدوى. فالسوابق عديدة حيث تخلّت الولايات المتحدة في لحظة ما عن دعم حلفائها الدائمين والطيّعين، بدءا من شاه إيران، إلى فردينان ماركوس، إلى أغوسطو بينوشي، إلى مانويل نوريغا، إلى زين العابدين بن علي، إلى حسني مبارك، إلى الجماعات المسلّحة في سورية!

هناك من بين النخب الحاكمة في بلاد الحرمين وسائر دول الجزيرة العربية من نشأ وترعرع في الولايات المتحدة ويعتبر نفسه عالما في المزاج الأميركي ونيّاته. ومن هذه النخب من يراهن على أن التغييرات المرتقبة نتيجة انتخاب دونالد ترامب قد تكون ظرفية وأن حزب الحرب في الولايات المتحدة الذي يضم المجمّع العسكري الصناعي والأمني، والمجمّع المالي والنفطي، والإعلام المهيمن الذي تملكه خمس شركات فقط، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة والتحالفات التي تلازمها.

فالتمرّد على النخب الحاكمة في الولايات المتحدة التي حقّقته قاعدة برني سندرز في الحزب الديمقراطي ودونالد ترامب في الحزب الجمهوري قد لا يصمد أمام الهجوم المضاد الذي سيشنّه حزب الحرب، وقد بدأ فعلا الهجوم المعاكس لنتائج الانتخابات. هذا رهان في غاية الخطورة لأنه لو تحقّق فهذا يعني أن الولايات المتحدة دخلت في مرحلة التفكّك السريع والفوضى مما يغيّب الحماية المطلوبة أميركيا. أما إذا فشل الهجوم المضاد فإن الحماية الأميركية تصبح مكلفة جدّا لمن يريد الاستفادة منها.

السيناريو الثالث هو المضي في التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة أن التحالف معه سيحميها وسيجبر الولايات المتحدة ودول الغرب إلى حماية دول الجزيرة. هذا المنطق لا يخلو من التسطيح والتبسيط وسوء تقدير لموازين القوة حول مستقبل الكيان. فالأخير أصبح بحاجة لمن يحميه. فإذا لم يستطع دخول غزّة، ولم يقدر على تحجيم المقاومة في لبنان، ولم يستطع حماية فصائل مسلّحة في سورية، فكيف يمكنه حماية دولة كبلاد الحرمين التي تسبح عكس التيّار الشعبي!

الحماية السياسية المطلوبة من الكيان الصهيوني محدودة حتى في الولايات المتحدة. فتراجع اللوبي الصهيوني إثر الهزيمتين المتتاليتين له في الانتخابات الأميركية حيث دعم المرشّح الخاسر (رومني عام 2012 وكلنتون عام 2016) يعني أن نفوذه لا يتعدّى النخب الحاكمة ومجمع الكونغرس، وأن المزاج الشعبي الأميركي ليس مؤيّدا له كما يوحي الاعلام المهيمن والمملوك من قوى قريبة من اللوبي الصهيوني. وإذا كان الكيان الصهيوني قادرا على التأثير في الكونغرس كما يعتقد الكثيرون من المراقبين والمحلّلين العرب والدوليين فلماذا لم يمنع قانون “جاستا”؟ فإما الكيان الصهيوني متواطئ مع الكونغرس الأميركي وبالتالي “حمايته لبلاد الحرمين” مشكوك بها وإما نفوذه أقلّ مما يتصوّره البعض! فما جدوى تلك “الحماية” في كلا الحالتين؟

وإذا التطبيع مع الكيان الصهيوني هو لضرب الجمهورية الإسلامية في إيران فإن الكيان يحسب ألف حساب ولن يجرؤ على ذلك إن لم يضمن دخول الولايات المتحدة إلى جانبه. والمزاج الأميركي الحالي لا يوحي بأن مغامرة عسكرية جديدة قد يقبلها الشعب الأميركي رغم التصريحات المتشدّدة لبعض رموز الإدارة المرتقبة لدونالد ترامب. فواقع موازين القوة قد يفرض نفسه ويردع أي مغامرة. أما الرهان على الحماقة فهذا يخرج عن سياق التحليل العقلاني للأمور وإن لن يّستبعد. لكن ماذا ستكون الكلفة على بلاد الحرمين؟.

كما أن التطبيع يناهض المزاج العربي والإسلامي مهما كانت التشكيلات السياسية التي تدور في فلك دول الجزيرة. فالقاعدة الشعبية للدول العربية بما فيها دول الجزيرة العربية لن تقبل بهذا التحوّل رغم التلويح بالخطر الإيراني. فورقة الجمهورية الإسلامية التي دخلت من خلالها عقول وقلوب العرب والمسلمين هي ورقة الالتزام بأحقّية القضية الفلسطينية ودعم مقاومة الكيان الصهيوني. هذا لا يعني أن كل سياسات الجمهورية الإسلامية مقبولة دون أي ملاحظة وخاصة في العراق واليمن. بالمقابل فإن التطبيع الذي تسعى إليه نخب دول الجزيرة وفي مقدمتها بلاد الحرمين لن يستقيم مع المزاج الشعبي رغم الضغط الإعلامي والتسويق المفرط له. رهاننا هو دائما على الشعب وليس على النخب. فلا المال ولا القوة العسكرية كافية لكسر إرادة الجماهير إذا ما حزمت أمرها ومضت في طريق مخالف لتوجّهات النخب. هذه انتفاضة البحرين مستمرة رغم عدم تكافؤ القوة بين النظام وبلاد الحرمين من جهة والمطالبين بالإصلاح. وكذلك الأمر في اليمن، وكذلك الأمر في سورية والعراق!

إذا من يحمي دول الجزيرة العربية؟ في رأينا لن يحمي الدول الجزيرة العربية إلاّ التيّار العروبي الذي يحرص دائما على وحدة الأرض والشعب ووحدة الأمة وعروبتها ومكوّناتها مهما كانت الظروف ومهما كانت سياسات النخب الحاكمة سلبية تجاه التيّار وتجاه الجماهير التي يمثّلها التيّار. هذا هو السيناريو الرابع.

نذكّر هنا أن عندما حصلت الكويت على استقلالها كانت سياسة الزعيم العراقي آنذاك عبد الكريم قاسم لا تخفي طموحات العراق في الكويت. من حمى استقلال الكويت هو التيّار العروبي الذي كان يقوده الرئيس الخالد الذكر جمال عبد الناصر. أما السياسات المعاصرة لدول الخليج التي سمحت احتلال العراق ومن بعد ذلك تدميره وبعد ذلك تدمير ليبيا وسورية واليمن، فإن تلك السياسات خلقت مزاجا سلبيا عند الجماهير العربية تجاه تلك الدول. التطوّرات الميدانية في بلاد الشام وبلاد الحرمين وربما في ليبيا وفي سيناء غيّرت موازين القوّة لمصلحة العراق وسورية وليبيا ومصر على حساب نفوذ وسياسات دول الجزيرة العربية وفي مقدمتها بلاد الحرمين.

والسؤال هل ستقوم محاسبة ومساءلة لدول الجزيرة العربية من قبل الدول التي تجاوزت محنتها أو قيد تجاوزها؟ هناك منطقان نقيضان يتصارعان. المنطق الأول هو منطق رد الكيل تجاه الدول التي ساهمت في تأجيج الأزمات. أما المنطق الثاني فيدعو تلك الدول وفي مقدمتها بلاد الحرمين إلى مراجعة نهجها وسياساتها وذلك من باب الحرص على وحدة وتماسك الجزيرة.

المنطق الأول سيؤدّي إلى المزيد من التأزيم في المشهد العربي وهذا ربما ما يراهن عليه أعداء الأمة. أما المنطق الثاني فالمضي به رهن تجاوز الحاجز النفسي الذي أوجدته تلك السياسات في نفوس جماهير الدول المنكوبة. هذا المنطق يعزّزه التقدير أن انهيار النظام القائم في الجزيرة العربية وخاصة في بلاد الحرمين سيؤدّي إلى فراغ سياسي يصعب ملئه عربيا في المدى القريب. البديل الوحيد الجاهز هو مجمع جماعات التعصّب والغلو التي ستنتقل من بلاد الشام وبلاد الرافدين إلى بيئة حاضنة وجاهزة في الجزيرة العربية.
أما على الصعيد الخارجي فهناك دول في الإقليم القريب والمتوسط لها حضور شعبي في الجزيرة العربية كيد عاملة قد تستدعي حالة التفكّك المحتملة وعدم الاستقرار الذي قد ينجم عنها تدخلّها العسكري المباشر لحماية رعاياها. فالهند والباكستان دولتان نوويتان وجزء من منظومة شانغهاي الأمنية والاقتصادية. كما أنه يوجد في بلاد الهند والسند كتلة إسلامية أكبر من الوجود الإسلامي في الجزيرة! فكيف يمكن ردعهما خاصة وأن النظام العربي غير جاهز حاليا لملء الفراغ؟ من ناحية أخرى، إن سقوط النظام في هذه الدول سيعطي الذريعة المفقودة حتى الآن عند الولايات المتحدة للتدخل واحتلال أجزاء من الجزيرة وخاصة آبار النفط. فمن يردعها؟ ويمكن التساؤل أليست هناك مشاريع أميركية للقضاء على النظام وتقسيم الجزيرة بغية احتلالها؟ فعلى ماذا تراهن إذن النخب الحاكمة في دول الجزيرة؟.

في الخلاصة لا مفرّ من العودة إلى البيت العربي عبر تثبيت العداء للكيان الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني بكل الإمكانيات، وعبر إنهاء الدعم لجماعات التعصّب والتوحّش التي ستنقلب على الجهات التي تدعمها للإحلال مكانها، وعبر المصالحة مع الجماهير العربية. هذا ما سحمي تلك الدول فهل من يعتبر؟

من السويس حتى الآن.. العروبة هي الهدف


جلال عارف

المشهد صادم، ولكنه حقيقي. سوريا الشقيقة يتم تقرير مصيرها، بعيداً عن مشاركة أهلها، وبعيداً عن مشاركة العرب أجمعين. يجتمع الروس مع ممثلي إيران وتركيا السياسيين والعسكريين، ليقرروا مصير سوريا.

تغيب أميركا عن الاجتماع، ولكنها ليست بعيدة، والتوافق بينها وبين المجتمعين يمضي رغم أي خلافات في التفاصيل، وتغيب إسرائيل عن الاجتماع – لأسباب معروفة – ولكنها الطرف الأساسي المستفيد من تدمير سوريا بعد العراق، ومن إغراق مصر ودول أخرى، في مواجهة التهديدات الأمنية المباشرة، وترك باقي العالم العربي يواجه مصيره!


المشهد صادم إذا كنا واعين بالفعل لما يجري على الأرض العربية، ولكنه حقيقي لمن يدرك معنى الغياب العربي في تقرير مصير سوريا، بعد الغياب أثناء غزو العراق وتدميره، وبعد تحويل ليبيا إلى مزرعة لتربية كائنات الإرهاب، وبعد استهداف مصر الذي لم يتوقف حتى الآن رغم نجاح شعبها في إسقاط حكم الإخوان الفاشي.

وبعد محاولة تطويق العالم العربي بعصابات الإرهاب وسرايا الحرس الثوري الإيراني وعملائه في المنطقة، وبعد محاولات إشعال نيران الفتنة المذهبية بين شعوب كانت العروبة تجمعها، وكان صحيح الإسلام يمد جسور التوافق بينها، رغم كل محاولات أعداء العروبة والإسلام.

يترافق ذلك مع تحرك «مجنون الإرهاب» يحاول - زوراً وبهتاناً - أن يربط نفسه بالإسلام، لم يعد سراً أنه نشأ في أحضان أجهزة المخابرات الأجنبية، ولا أنه كان على الدوام سلاحاً في يد أعداء الإسلام، والمقاتلين ضد العروبة، هكذا يقول لنا التاريخ منذ نشأة «الإخوان» في أحضان المخابرات البريطانية، وحتى ظهور الدواعش بمباركة أميركية.

يترافق ذلك مع تمدد كارثة الإرهاب الإخواني الداعشي التي تنقلب – كالعادة – على من دعموها واتخذوها سلاحاً لهم. لا يضرب هذا الإرهاب في عالمنا العربي والإسلامي فقط، بل يتمدد ليضرب في أوروبا ويهدد باقي دول الغرب التي تصورت أن الإرهاب يمكن أن يكون سلاحاً لها أو صديقاً يرعى ما قدمته له، لو تعلموا من دروس الماضي لتذكروا أن من يربي الثعابين لابد أن يدرك أنه سيكون أول ضحاياها.

لو استمعوا لندائنا منذ البداية بأن الإرهابي واحد وإن استخدم رايات متعددة وأسماء مختلفة، لكان الموقف مختلفاً، لكنهم راهنوا على أن هناك ما يمكن أن يقولوا عنه إنه «إرهاب معتدل» بينما كانوا يصنعون عصابات لا تعرف ديناً ولا وطناً.

وكانوا يثبتون أنهم مثل هذه الجماعات التي تدعي الإسلام زوراً وبهتاناً.. يسيرون على الطريق نفسه، ويرتكبون الأخطاء نفسها، ويتوقعون من العرب أن يدفعوا الثمن، وألا يتعلموا من دروس التاريخ، أو يدافعوا عن وجودهم وعن مستقبلهم ضد هذا التحالف بين إرهاب منحط يجمع الإخوان والدواعش، ويضعهم في خدمة قوى إقليمية تمد نفوذها على الأرض العربية، وقوى عالمية تتصارع أو تتفق على حساب العرب.

أكتب هذه الكلمات وأنا أعايش ذكرى مرور ستين عاماً على الحدث العظيم الذي غيّر مجرى التاريخ، حين انسحب آخر جندي من جنود العدوان الثلاثي على مصر من مدينة بورسعيد الباسلة في 23 ديسمبر 1956.

لو كانت الأمة بخير، لكان الاحتفال بهذا اليوم عيداً يتم الاحتفال به في كل أرض عربية، فهو اليوم الذي كتبت فيه مصر ـ ومعها الشعب العربي بأكمله ـ صفحة خالدة في تاريخ البشرية كلها.

في مثل هذا اليوم ـ وقبل ستين عاماً ـ سطرت مصر والشعوب العربية شهادة وفاة آخر الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة وانفتحت أبواب الاستقلال أمام العرب، كما انفتحت أمام شعوب أفريقيا والعالم الثالث كله.

لم نكن أقوى من قوى الاستعمار، لكننا كنا على حق، وكنا على موعد مع التاريخ. وحين قال جمال عبد الناصر من على منبر الأزهر إن مصر ستقاتل ولن نستسلم، كان يؤكد أن الشعوب لم تعد تقبل احتلالاً لأراضيها، أو استغلالاً لثرواتها.

وكان يعلن أن العروبة هي قدر مصر، وأن مصر لن تتخلى عن عروبتها، وأنها لن تترك مصير العرب في يد علماء يرفعون ـ زوراً وبهتاناً ـ شعارات إسلامية، ولن يترك هذا المصير في يد قوى إقليمية غير عربية «إيرانية أو تركية أو إسرائيلية أو حتى إثيوبية»، تحاصر العرب وتجعلهم رهينة لدى قوى الهيمنة العالمية.

بعد ستين عاماً من حرب السويس، نجد أنفسنا في موقف مشابه، يريدون أن يقرروا مصير المنطقة في غياب العرب، ويستخدمون كل القوى المعادية للعروبة لتحقيق هدفهم، تتحالف القوى الإقليمية غير العربية مع القوى الكبرى لفرض الهيمنة على المنطقة، يستخدمون عصابات الإرهاب الذي كان قبل ستين عاماً إخوانياً فقط، أصبح الآن إخوانياً وداعشياً، وإن كان الطريق واحداً، والعمالة واحدة.

قبل ستين عاماً غيّرنا وجه التاريخ وليس أمامنا الآن إلا أن نستعيد روح المقاومة، وأن نقاتل الإرهاب الأسود، والتآمر لتغييب العرب. وليس أمامنا إلا أن ننتصر.

مشكلة نتنياهو مع أوباما أو مع أميركا؟!


صبحي غندور
تنياهو كان محقّاً في اتّهاماته لإدارة أوباما بأنّها كانت وراء إعداد وتسهيل صدور القرار 2334 عن مجلس الأمن الدولي، والذي طالب إسرائيل "بوقف فوري وكامل لجميع أنشطة الإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بما فيها القدس الشرقية"، واعتبر أنّ بناء إسرائيل للمستوطنات "لا يستند إلى أي أساس قانوني، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي، وعقبة كبرى أمام تحقيق حلّ الدولتين، وأمام سلام عادل ودائم وشامل". 

فما الذي كان نتنياهو يتوقّعه من الرئيس أوباما غير ذلك، بعد 8 سنوات من أسلوب الذلّ والمماطلة الذي مارسه نتنياهو مع إدارة أوباما بشأن الملفّ الفلسطيني ومشكلة المستوطنات؟!.

لكن هل يعني الخلاف بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو خلافاً بين أميركا ودولة إسرائيل؟ الجواب كلا طبعاً. فحجم المساعدات الأميركية لإسرائيل ازداد في السنوات الماضية، وجرى مؤخّراً إقرار مساعدات مالية لإسرائيل للعشر سنوات القادمة بقيمة 38 مليار دولار، ولم تقم إدارة أوباما بأي تجميد لما تمنحه الولايات المتحدة سنوياً لإسرائيل من مالٍ وسلاح ومساعداتٍ مختلفة، بل لم تهدّد واشنطن تل أبيب بأي عقوبات رغم أنّ إدارات أميركية سابقة فعلت ذلك، كما حصل في مطلع عقد التسعينات خلال إدارة جورج بوش الأب. 

لقد كان مفهوماً في حقبة "الحرب الباردة" الانسجام الكامل بين المصالح الأميركية والإسرائيلية. فإسرائيل كانت بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية صمّاماً للأمان الأميركي في منطقة مجاورة للاتحاد السوفييتي السابق ولأوروبا، وفيها أهم مصادر الطاقة العالمية. وكانت إسرائيل تجسّد، في تلك الحقبة من الصراع بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، دور "المخفر العسكري الأمامي" الذي يحمي المصالح الأميركية، ويقوم بالنيابة عن واشنطن بما يستلزم من أعمال عسكرية قذرة تهدف إلى ضبط المنطقة في إطار المصالح الأميركية، وإلى منع تسرّب النفوذ السوفييتي إليها. 

إلا أنّ انهيار المعسكر الشيوعي بنهاية عقد الثمانينات أوجد مبرّراتٍ عديدة لإعادة النّظر بالمفهوم الأميركي للدور الإسرائيلي. وقد عبّر عن ذلك بشكلٍ واضح وزير الخارجية الأميركي الأسبق (الجمهوري) جيمس بيكر في عهد الرئيس بوش الأب، في أكثر من لحظة خلاف مع الحكومة الإسرائيلية، كان أهمّها الخلاف على موضوع المستوطنات مع حكومة شامير وتجميد واشنطن في العام 1991 لضمانات القروض المالية. 

والاختلاف الحالي الحاصل بين واشنطن وتل أبيب، عمره 8 سنوات، منذ مجيء إدارة أوباوما وتزامنها مع وجود نتنياهو في الحكم، وحيث لم يكن الخلاف حول الموقف من الملفّ الفلسطيني فقط، بل كان خلافاً في الرؤى حول السياسة المتعلّقة بالشرق الأوسط عموماً، وتحديداً حول كيفية التعامل مع إيران، حيث سعى نتنياهو إلى توريط الولايات المتحدة في نزاع مسلّح مع إيران وحلفائها بالمنطقة، بينما سارت إدارة أوباما في نهجٍ مختلف راهن على المفاوضات والتسوية الدولية الشاملة لقضية الملفّ النووي الإيراني.
فلقد عملت إسرائيل منذ سنوات، خاصّةً منذ وصول نتنياهو للحكم في مطلع العام 2009، على جعل أولويّة الصراعات في المنطقة مع إيران وحلفائها بالمنطقة، وعلى إقامة محور عربي/إقليمي/دولي تكون إسرائيل فيه هي الرائدة لإشعال حرب عسكرية ضدّ إيران ومن معها في سوريا ولبنان وفلسطين، بحيث تتحقّق عدّة أهداف إسرائيلية مهمّة جداً لكل الإستراتيجية والمصالح الصهيونية في المنطقة والعالم. فالمراهنة الإسرائيلية، المستمرّة الآن، هي على تهميش الملفّ الفلسطيني وعلى كسب الوقت لمزيدٍ من الإستيطان في القدس والضفة الغربية، وعلى تفجير صراعات عربية داخلية بأسماء وحجج مختلفة، وعلى حروب طائفية ومذهبية وقبلية تؤدّي إلى تفتيت الكيانات العربية الراهنة، وعلى إنهاك وإنهاء حركات المقاومة ضدّها في فلسطين ولبنان، وعلى تدمير الجيوش العربية الكبرى في المنطقة، وعلى إقامة تطبيع سياسي وأمني مع كلّ الأطراف العربية (الحاكمة أو المعارضة) التي قد تحتاج في حروبها للدعم الإسرائيلي. 

حكومة نتنياهو تطمح بأن يكون لإسرائيل مستقبلاً الدور السياسي والأمني الفاعل في عموم المنطقة ومعظم دول العالم الإسلامي، ممّا سيجعل من إسرائيل قوةً إقليمية ودولية كبرى في عصرٍ بدأ يتّسم بالتعدّدية القطبية، وبحيث تكون إسرائيل قادرةً على فرض "شرق أوسطي جديد" يسمح لها، بعدما تضع الحروب الإقليمية والأهلية أوزارها، بتحقيق الهيمنة الأمنية والسياسية والاقتصادية على كلّ المنطقة. 

إسرائيل لن تخضع الآن للمطالبة الدولية بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة ذات سيادة على حدود العام 1967، عاصمتها القدس، ولا طبعاً لإزالة المستوطنات، أو القبول حتّى بوقف الاستيطان، ولا بحلٍّ عادل لقضية اللاجئين، وهذه هي القضايا التي يُفترض أن يتمّ التفاوض بشأنها بين الفلسطينيين والإسرائيليين. 

إذن، هو تباينٌ كبير حصل في كلّ السنوات الماضية بين
 إستراتيجية الحكومة الإسرائيلية وبين أجندة إدارة أوباما التي أخذت بعين الاعتبار المصالح الأميركية أولاً، رغم انّها امتنعت عن الضغط الفاعل على إسرائيل. 

نعم، هناك حضورٌ كبير للضغط الإسرائيلي المؤثّر على الحياة السياسية في داخل الولايات المتحدة، من خلال العلاقة المالية والسياسية مع أعضاء الكونغرس، ونتيجة الهيمنة على معظم وسائل الإعلام الأميركية، وحيث نجد الإدارات (الحكومات) في أميركا أسيرة ضغوط السلطة التشريعية (الكونغرس بمجليسه) وعبر "السلطة الرابعة" أي الإعلام. فهذا العصر هو عصر "المال والإعلام"، ومن يملكهما يملك قدرة التأثير على صنع القرارات السياسية. هكذا فعل "اللوبي الإسرائيلي" في الغرب عموماً، وفي أميركا خصوصاً، من حيث تركيزه على المؤسّسات المالية والإعلامية في الغرب. 

لكنّ الفرز في الحياة السياسية الأميركية، ليس بين "حزب ديمقراطي" و"حزب جمهوري" فقط، بل يتوزّع "التأثير الإسرائيلي" (كما هو أيضاً في قوى الضغط الأخرى) على الحزبين معاً، حيث وجدنا عدداً لا بأس به من "الديمقراطيين" يشاركون في ممارسة الضغط على إدارة اوباما لصالح هذا "اللوبي" أو ذاك، علماً أنّ تعثّر "البرنامج الأوبامي" في الملفّ الفلسطيني ليس سببه حصراً حجم تأثير "اللوبي الإسرائيلي"، فهناك طبعاً قوى النفوذ المهيمنة تاريخياً على صناعة القرار وعلى الحياة السياسية الأميركية، وهي قوى فاعلة في المؤسّسات المالية والصناعية الأميركية الكبرى، إضافةً إلى وجود اختلال كبير في ميزان "الضغوطات" على الإدارة الأميركية بموضوع "الملفّ الفلسطيني" لجهة حضور "الضغط الإسرائيلي" وغياب "الضغط العربي" الفاعل، ممّا يسهّل الخيارات دائماً للحاكم الأميركي بأن يتجنّب الضغط على إسرائيل ويختار الضغط على الجانب العربي، والطرف الفلسطيني تحديداً، وهو الطرف المستهدَف أولاً من قِبَل إسرائيل، كما أنّه دائماً "الحلقة الأضعف"!. 

ورغم ذلك، فشلت "الإيباك" خلال السنوات القليلة الماضية بتغيير اتجاهات "البيت الأبيض" في مسألتيْ سوريا وإيران، إذ أنّ "الإيباك"، ومن ورائها حكومة نتنياهو، ضغطت على إدارة أوباما من أجل القيام بضربات عسكرية ضدّ سوريا ولوقف التفاوض مع إيران بشأن ملفّها النووي، وفشلت "الإيباك" في المسألتين، إضافةً أيضاً للخلاف مع حكومة نتنياهو حول قضية المستوطنات ومشروع "الدولة الفلسطينية". 

إسرائيل هي اليوم عبء مالي وسياسي كبير على أميركا وعلى مصالحها في العالمين الإسلامي والعربي، فلم تعد إسرائيل وشواطئها فقط هي المتاح الأساس للتسهيلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط (كما كانت في حقبةٍ طويلة في الحرب الباردة)، ولم تعد إسرائيل مصدر أمنٍ وحماية للمصالح الأميركية، بل إنَّ تلك العلاقة الخاصَّة معها أضحت هي السبب في تهديد مصالح واشنطن في بقعةٍ جغرافيةٍ تمتدّ من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي، ويعيش عليها مئات الملايين من العرب وغير العرب، وترتبط ثروات هؤلاء أصلاً بل وسائر خيراتهم الاقتصادية ارتباطاً شديداً الآن بالشركات والمصالح الأميركية. 

ردّات الفعل الإسرائيلية الهستيرية هي الآن على قرار من "مجلس الأمن" طالب فقط بوقف الإستيطان وليس بإزالة المستوطنات فوراً، ولم ينذر القرار إسرائيل بضرورة إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، ولا هدّد القرار بالفصل السابع، وهي أمور كلّها واجبة على "مجلس الأمن" بعد نصف قرن من الاحتلال الإسرائيلي وتداعياته الخطيرة في عموم المنطقة.

السياسة الغائبة في مصر



عبد الحليم قنديل
لا يليق بمصر أن تظل على هذا الفصام النكد بين سياسات الخارج واختيارات الداخل، فالسياسة الخارجية والعربية لمصر جرى عليها تطور إيجابي ملحوظ وصارت أكثر استقلالا وندية، بينما اختيارات الداخل في فوضى شاملة، وتولد أزمات تتفاقم كل يوم، بما قد يضعف مقدرة الدولة على مواصلة سياسة خارجية جديدة.


فالقاعدة العامة، عندنا وعند غيرنا، أن السياسة الخارجية انعكاس مباشر للسياسة الداخلية، وفي مصر سياسة خارجية أفضل الآن، نقطة الضعف فيها هي سوء وتخبط اختيارات الداخل، ما قد يعود ويهدد السلامة النسبية للسياسات الخارجية. ولكل بلد ميزته النسبية، التي تختلف من لحظة إلى لحظة، وميزة مصر الحاسمة الآن هي جيشها القوي، فلا شيء ينافس عالميا في مصر الآن سوى الجيش، وهو أقوى عاشر جيش في الدنيا الآن، ثم أنه قاعدة الارتكاز الأساسية للحكم الراهن، وبالذات مع تعطيل السياسة واعتلال الاقتصاد، ورغم قسوة الظروف، نجح الحكم استنادا إلى الجيش في صناعة إنجازات لا تنكر، خاصة في المشروعات القومية الكبرى، في توسيع قناة السويس، وفي شبكة الطرق، وفي شبكة الأنفاق، وفي محطات الكهرباء العملاقة، وفي شبكة المدن الجديدة، وفي استصلاح أراض زراعية جديدة ضمن مشروع المليون والنصف مليون فدان، وفي الاقتحام غير المسبوق للصحراء، وقد أدارت هيئات من الجيش هذه المشروعات وغيرها، وكان دور الجيش إشرافيا، وبطريقة انضباطية صارمة معروفة عن تقاليد الجيش المصري، وهو ما صنع مزيج الكفاءة والسرعة والإتقان، وقيادة ورشة عمل هائلة، شاركت فيها المئات ـ ربما الآلاف ـ من شركات المقاولات المدنية الكبرى والصغرى، وعمل ويعمل فيها ما يزيد عن المليوني مهندس وفني وعامل مدني.

وربما يكون هذا التطور هو الأبرز في الداخل، وقد توافرت له موارد تريليونية من خارج موازنة الحكومة المنهكة، فقد جرى ويجري إنفاق ما قد يقارب التريليوني جنيه مصري على المشروعات الجديدة، وأغلبها أقرب إلى معنى خلق بنية أساسية متطورة، لا تظهر عوائدها إلا في المدى المتوسط والطويل، بينما لم يجر الالتفات بما يكفي، وهذه نقطة النقص الكبرى، إلى استخدام هذه الطاقة الجبارة في خلق اقتصاد إنتاجي تحتاجه مصر بشدة، وبعد أن جرى تجريف طاقتها الإنتاجية على مدى الأربعين سنة الأخيرة، وتصفية القطاع الصناعي العام، وخصخصة و»مصمصة» الأصول والمصانع، وتبوير الأراضي الزراعية مع انهيار سلطة القانون، وقد كان يمكن، ولا يزال ممكنا فيما نعتقد، أن يجري التوازن في قوة الإنجاز الجديدة، استنادا لإشراف الجيش، وأن يجري صرف نصف الجهد الممتاز لإنشاء مصانع جديدة، وتجديد المتهالك في المصانع القديمة، وخلق قطاع صناعي باستثمارات عامة، يقود اقتصادا إنتاجيا عصريا من نوع مختلف، ولم يحدث ذلك للأسف إلا قليلا إلى الآن، وعلى طريقة بناء مصنع «الإيثيلين» و»البولى إيثيلين» في مجمع بتروكيماويات العامرية، وتطوير مصنع «الكلور» في الفيوم، والبدء في إنشاء أضخم مجمع بتروكيماويات في «العين السخنة»، وكلها مشروعات متصلة بهيئات الجيش، وقد تتداخل مع قطاع الصناعات البترولية المدنية، وهو ما يبدو مفهوما، خاصة مع اكتشافات البترول والغاز الطبيعي المثيرة للأمل في مصر، لكن قطاعات الصناعة الأخرى تبدو في أزمة معقدة، وفي حالة موت سريري، كما جرى ويجري في صناعات النسيج والدواء والحديد والصلب والسيارات، مع تحسن طفيف جدا في قطاع الصناعات الغذائية العامة.

صحيح أنه جرى تطور ملموس في صناعات الإنتاج الحربي، وفي نشاط الهيئة العربية للتصنيع، ولا يبدو من حل مرئي في الأفق المصري الراهن، سوى بربط الصناعات المدنية مع الصناعات العسكرية، وبناء مجمع صناعي عسكري جديد، يكون قاعدة لاقتصاد المستقبل في مصر، مع تطوير اقتصاد المعرفة وصناعة الإلكترونيات الدقيقة، فلا حل لاقتصاد مصر المنهك، سوى بالتصنيع الشامل، وقد صارت الزراعة نفسها صناعة، فمشكلة مصر الكبرى هي في افتقاد الإنتاجية، وفي فقر المقدرة على صناعة سلع، تحل محل الواردات، وتزيد الصادرات، فلا حل في مصر سوى بمضاعفة الإنتاج ومضاعفة الصادرات مرات، وهو ما يحتاج إلى إرادة خلق مختلفة، تنهي الاعتماد المرضي على «اقتصاد الريع»، واقتصاد الخدمات، فليس بالسياحة تبنى الأمم، ولا بجعل مصر سوقا مفتوحة لسلع العالم ونفاياته، بل بالزراعة والصناعة واقتصاد المعرفة، وهذه الاختيارات هي التي تعيد بناء نظامنا التعليمي، وليس بأفكار هائمة تسبح في فراغ لانهائي، ولا بإنهاك الموارد المتاحة في بناء يخوت ومراسي ومدن سياحية، ينصرف إليها جهد عام، يحسن أن يركز على بناء اقتصاد الإنتاج، اعتمادا على الذات والاستثمارات العامة في الأساس، فتصنيع مصر مهمة لن تنجزها «رأسمالية المحاسيب» المسيطرة لا تزال على الموارد والاقتصاد والإعلام، وقد تكون «رأسمالية الجيش» هي الأقدر في ظروف مصر المحددة الآن، وبوسعها أن تتحول إلى رأسمالية دولة جديدة، تعبئ الموارد، وتمتص ملايين العاطلين في فرص عمل منتج.
نعم، التصنيع الشامل هو ما يليق بمصر الآن، وليس العودة إلى تجريب المجرب المخرب، وعلى طريقة تنفيذ روشتات «صندوق النقد الدولي» المجربة مرارا في مصر، والتي هي واحدة من علامات وشواهد انحطاط مصر على مدى أربعين سنة خلت، وقد حذرنا ونحذر مما سموه «إصلاحا اقتصاديا»، وهو في الحقيقة خراب بالجملة، فهو يوهم الناس أن المشكلة في أسعار الصرف، وفي أعباء الدعم على الموازنة العامة المنهكة، بينما أصل المشكلة في اقتصاد النهب والسرقات العامة، وفي «رأسمالية الشيبسي» والمنتجعات، وفي انتظار استثمار أجنبي يتحول إلى استعمار و»استحمار»، وفي الافتقار إلى الصناعة والزراعة والعلم والأساس الإنتاجي، وقد انتظروا استثمارات أجنبية لم تأت، وانتظروا معونات توقفت، فلا أحد يساعد أحدا لا يساعد نفسه، ولا يعتمد على تطوير قدراته الذاتية، ويلجأ إلى «اقتصاد التسول»، وعلى طريقة طلب قروض تزيد وطأة الديون، وقد قيل للناس إن «روشتة الصندوق» هي الحل، وجرى تنفيذ الشروط على نحو فجائي وصاعق، وكانت النتيجة إلى الآن كما توقعنا للأسف، فلا خفض جرى للديون، ولا خفض للعجز في الموازنة العامة، بل مضاعفة فورية في الديون وعجز الموازنة، وخفض قيمة الأصول والموجودات المصرية إلى النصف مع الاعتراف الرسمي بهلاك الجنيه مع قرار التعويم، فقد زاد السعر الرسمي للدولار عن سعره في السوق السوداء عشية التعويم، وهو ما ترتب عليه مضاعفة خدمة الديون الخارجية المقومة بالدولار، بل مضاعفة قيمة ما تبقى من دعم الدولة للغذاء والطاقة، أضف إلى ذلك عبء القروض الجديدة، التي قد تصل قريبا إلى 75 مليار دولار، أي بما يقارب ألفا وخمسمئة مليار جنيه بأسعار الصرف الرسمية الحالية، التي قد تتدهور أكثر في الشهور المقبلة، وبما أدى ويؤدي إلى كوارث كبرى، فالأسعار تزيد كل يوم بل كل ساعة، والغالبية العظمى من المصريين تنزلق إلى ما تحت خط الفقر، والفقراء والطبقات الوسطى يعجزون أكثر فأكثر عن مواصلة بطولة البقاء على قيد الحياة، وهو ما قد يهدد بانفجارات اجتماعية تلقائية، فقد نفد صبر غالب المصريين أو كاد، خصوصا مع التحيز الفادح لاختيارات السلطة الاقتصادية والاجتماعية، وضغطها المتصل على أعصاب الفقراء والطبقات الوسطى، وهم يشكلون قرابة التسعين بالمئة من المصريين، ولا يحصلون سوى على فتات ربع الثروة العامة، بينما لا ينجو سوى شعب العشرة بالمئة، وفي يدهم ثلاثة أرباع الثروة المصرية، وعلى قمتهم طبقة الواحد بالمئة، التي تحتكر نصف إجمالي الثروة، وهؤلاء لا تمسهم السلطة، ولا تجرؤ على الاقتراب من امتيازاتهم، فلا كنس يجرى لامبراطورية الفساد، ولا فرض لنظام الضرائب التصاعدية، ولا توزيع عادل لأعباء أزمة الاقتصاد، ولا أثر لمعنى العدالة الاجتماعية، وهذه كلها ظروف تكاد تخنق المجتمع المصري، وتزيد منسوب الغضب الاجتماعي تحت حافة الحناجر، خصوصا مع احتقان سياسي ملازم، وخلط بين السياسة والإرهاب، واستمرار احتجاز عشرات الألوف في السجون السياسية، وأغلبهم الساحق من غير المتهمين في قضايا عنف وإرهاب مباشر، وكل هذا مما لا يليق بمصر، ولا يضمن سلامتها الأكيدة، فكل المصريين ضد جماعات الإرهاب، وهزيمة الإرهاب في مصر محتومة، ولا تهديد حقيقيا لبدن الدولة ولا لجغرافيا مصر من جماعات الإرهاب، مهما كانت قوتها، فمصر غير قابلة للفصم ولا للقضم، بينما الخطر الحقيقي على الدولة من مصدر آخر، فالفساد أخطر من الإرهاب، والفساد ينخر كالإيدز في بدن الدولة، ويكاد يحولها إلى جثة متعفنة مرمية في الطريق العام، تزكم روائحها الأنوف، وتحجب عن المصريين نور الشمس، خاصة مع اختيارات الظلم الاجتماعي الحاكم، وما من حل يليق بمصر، سوى برد الاعتبار لاقتصاد التصنيع الشامل، وإقرار العدالة الاجتماعية، وحفظ الكرامة الإنسانية بوقف مظالم السجون وأقسام الشرطة، وإقرار قانون عفو سياسي شامل، يجبر ضرر الضحايا، ويخلي سبيل عشرات الألوف من المحتجزين وراء الأسوار، ولا يستثني سوى المتهمين والمحكومين في قضايا عنف وإرهاب، مع إطلاق سراح السياسة وحقوق الرأي والإبداع والتعبير والمعارضة السلمية، وليس بقاء الحال على صورته المأزومة، ومع سلطة تفتقر إلى الحس السياسي والاجتماعي معا، وتكاد تقوض أثر الإنجازات غير المنكورة، وهي بعيدة بطبع البنية الأساسية فيها، عن حس الناس وحياتهم الحاضرة المختنقة.

وغياب التصنيع والعدالة والسياسة يضعف المجتمع المصري، وقد ينزلق بالوضع كله إلى مهالك لا تليق بمصر، ولا تدعم ما تحقق من استقلالها الوطني، واستقلال قرارها وسياستها الخارجية والعربية، وهو ما تتربص به دوائر دولية وإقليمية معلومة للكافة، لا سبيل لمواجهتها سوى بتعبئة وطنية شعبية، لا تتحقق بغير مراجعة شاملة لسوء اختيارات الداخل في الاقتصاد والسياسة بالذات، ووقف الإنهاك والعدوان المتصل على حقوق غالبية المصريين.

الفلافل والشاورمة وخارطة الهولوكوست القادمة


عمر ظاهر

بعضهم قد يرى فكرة حصول هولوكوست بحق المسلمين في الغرب، خاصة أوروبا الغربية، ضربا من ضروب التشاؤم، وبعضهم يعرفون أنها قادمة لا محال، وأن وخارطتها قد رسمت وهي بانتظار إشارة التنفيذ، وبعضهم ينذر، ويحذّر، ويذكّر عسى أن تنفع الذكرى الناس. ونحن نكتب هذه السطور نسأل الله تعالى أن يكون ما ذهبنا إليه مجرد تعبير عن خوف كامن فينا من جراء ما مررنا بها من مصائب العنف التي تجعلنا نشم رائحة العاصفة المقبلة وهي تولد في رحم الرياح الهادئة، وأن يصح فينا القول المأثور “من لدغته الحيّة يصير يخاف من الحبل”.

أوروبا الغربية، مقصد من تظلمهم أوطانهم، ففيها الديمقراطية، وفيها الحرية، وفيها حكم القانون، وفيها أقصى حد من الالتزام بحقوق الإنسان. وكذلك كانت مقصد من لم توفر لهم بلدانهم فرص العيش الكريم. هنا كانت ذات يوم ثقافة تبهرنا، وحياة يسيل لرؤيتها لعاب الناس في آسيا وأفريقيا، بل وفي شرق أوروبا نفسها. هنا كانت للإنسان قيمة عليا. هنا كان الأمان، وكانت الطمأنينة. هنا كانت جنة على الأرض، فيها الجمال، وما تشتهي الأنفس، وفيها الحور العين.

ربما لم يكن معظم الذين فتحت أمامهم أبواب هذه الجنة، قبل ما يزيد عن الأربعين سنة، يعرفون أن تلك الجنة كانت قبل وصولهم بجيل واحد قطعة من جحيم يماثل ذاك الذي يخشون دخوله في الحياة الأخرى. لم يكونوا يعرفون أن الوجوه المستبشرة التي يرونها تخبئ وراء ابتسامتها حزنا عميقا على خمسين مليون إنسان قضوا بأبشع طريقة يمكن للخيال أن يصل إليها. وأن المدن الجميلة، والنظيفة، والمسالمة ،والآمنة والتي تبهر اليوم أبصارهم بأضوائها، وألوانها، كانت بالأمس مسرحا لفنون من القتل، منها حرقهم في أفران الغاز.

كان الناس، وما يزالون، شديدي الإيمان بالديمقراطية، ولم يكونوا يعرفون أن من كان قد أطلق ذلك الجحيم في أوروبا كان حزبا وصل إلى سدة الحكم عن طريق الديمقراطية، الحزب النازي في ألمانيا. وقليلون كانوا يعرفون أن أرض أوروبا عرفت من الحروب على مدى التاريخ أكثر مما عرفته أية أرض أخرى، فمنها حرب المئة عام، وحرب الثلاثمئة عام، والحرب العالمية الأولى، والثانية، على سبيل المثال لا الحصر، وأن ما استخدم في تلك الحروب من أسلحة القتل البشعة لم يستخدم مثلها في حروب المناطق الأخرى، اللهم إلا إذا استثنينا السلاح الأمريكي، الألماني الأصل، الذي استخدم في هيروشيما وناكازاكي.

وقليلون يعرفون أن هناك قاعدة ذهبية في مثل هذه الأماكن التي تبتلى بالحروب المتواصلة، وهي أن الحروب الكبرى فيها تصل إلى نهايتها نتيجة تعب المتقاتلين، وأن السلام الذي يعقبها هو فترة استراحة قبل استئناف الحرب.
إن عقد الآمال على الديمقراطية ورسوخ تقاليدها، وقوة مؤسساتها أمر يصح في زمن السلم، أما في وقت الأزمات والحروب فإن المغفلين وحدهم سيشعرون بالأمان في حماية الديمقراطية. الاعتماد على الديمقراطية أصلا خطأ جسيم حتى لو كنتَ ديمقراطيا، فكيف إذا كان من ينتظر حماية الديمقراطية، وهو عدو لها؟

إن الديمقراطية حالة سياسية واجتماعية يتفق الناس عليها طالما كانوا يستطيعون الاتفاق، فهي تعبير عن إرادة الناس، وإرادة الناس يمكن أن تتغير، فتتغير الأحوال. وفي الحقيقة فإن كثيرا من ملامح تلك الديمقراطية التي كانت تدخل الدفء في القلوب الخائفة من الاستبداد حتى قبل ثلاثين سنة اختفت اليوم، حتى قبل وقوع أزمات على نطاق كبير، وحل محلها ما يترتب على قوانين مكافحة الإرهاب.

ونحن الذين وصلنا إلى الدنمارك، مثلا، أسأنا وما نزال نسيء فهم التسامح الكبير الذي يبديه هذا المجتمع إزاء تخطينا حدود الضيافة، بل وحدود المواطنة. إن بعض الدنماركيين ينفرون منا علانية، ويعبرون عن رفضهم لنا جميعا، لكن أكثرهم صامتون وكأنهم غير معنيين بما يقوله بعض سياسييهم عنا بأننا غزاة نريد أسلمة بلدهم. ونحن تربينا على تفسير الصمت على أنه من الرضى! وهو مظهر خادع.

نحن نعيش اليوم بين ظهراني شعب يحترم القانون، ويهتم كل مواطن فيه بحياته الخاصة، وباقتصاده، وكأن البلد نفسه لا يعنيه. هنا تبكي المرأة على قطتها إذا ضاعت لأنها قد تبقى جائعة حتى تجدها. وهنا يأخذ المرء كلبه إلى الطبيب إذا توعك مع أن ذلك يكلفه، فمراجة طبيب الإنسان مجاني للجميع، بينما مراجعة الطبيب البيطري تتطلب الدفع. بل، وقد ترى الكلب محاطا بعناية نفسانية لأنه مكتئب! إنه شعب مسالم إلى أقصى الدرجات. لكن نحن مغفلون، بلا شك! إننا لا نعرف التاريخ، ولذلك نسيء الفهم، فهكذا كان الشعب الدنماركي أيضا في ظل الاحتلال الألماني لبلده في الحرب العالمية الثانية.

في فترة الاحتلال الألماني كان الدنماركيون صامتين، كما هم الآن. خرج من بينهم فقط بضعة آلاف ممن تطوعوا في الغستابو الألمانية، وكانوا من أبشع الجلادين في السجون الألمانية. على أن عددا من الدنماركيين عملوا في السر على مساعدة اليهود في الهرب إلى السويد والنروج حيث كانوا ليعيشوا في أمان أكبر. الدولة التي ظلت قائمة بكل مؤسساتها في ظل الاحتلال الألماني تعاونت مع المحتل، وكثير من الدنماركيين اليوم يشعرون بالخجل لأن حكومتهم وقتها لم توفر أية حماية لليهود، بل بالعكس.

في ظل الغزو الألماني لم تسقط طابوقة واحدة مما كان الدنماركيون قد بنوه من قبل – على عكس ستالين غراد، وغيرها. ثم جاء التحرير من الاحتلال في مايس 1945، وقيل يومها أنه كانت هناك في ظل الغزو مقاومة شعبية عنيفة للغزاة، وتبين من ادعاءات الناس أن أكثر من تسعين بالمئة من الدنماركيين كانوا يعملون في فرق المقاومة الشعبية للغزاة!! (وبالمناسبة فإن دراسة من جامعة جنوب الدنمارك بينت مؤخرا أن تلك المقاومة العنيفة كانت قد ألحقت بالغزاة الألمان خسائر فادحة تجسدت في تعطيل حركة القطارات العسكرية الألمانية مدة ثلاث وعشرين دقيقة في فترة الاحتلال كلها!)

على أية حال، فردة الفعل على الاحتلال جاءت يوم انتهائه في التاسع من مايس 1945، إذ أخرج مناضلو المقاومة الشعبية السرية نضالهم إلى العلن، وراحوا ينتقمون للوطن شر انتقام، فالنساء اللواتي كن قد عاشرن جنودا ألمان أثناء الاحتلال اعتقلن، وحلقت شعورهن، ووضعن عاريات في شاحنات سارت بهن في استعراض مهين في المدن الدنماركية. والأكثر بشاعة من هذا أن الأطباء الدنماركيين، وفي سلوك صادم يتناقض مع المهنية وأخلاقية الأطباء وقسَمهم، رفضوا معالجة عشرات الآلاف من الألمان المدنيين الذين لجؤوا إلى الصليب الأحمر في المدن الحدودية الدنماركية هربا من قصف الحلفاء، خاصة القصف الأمريكي. كم كان ذلك الصمت في ظل الاحتلال خادعا!

السياسي الدنماركي اليميني بيرتل هاردر، الذي تقلد عدة وزارات، عبّر ذات مرة عن حقيقة أن الناس يسيئون فهم الدنماركيين، فقال إن الشعب الدنماركي ليس شعبا مسالما في حقيقته، بل فيه ميل شديد إلى العنف. ونحن نقول إنه ربما لا يكون مسالما، وقد يطلق أي شيء شرارة العنف الموروث فيه من زمن الفايكنغ، لكنه شعب يلتزم بالقانون إلى أبعد حد. وهو شعب يتميز بروح قومية شوفينية متطرفة، ففي نظره يتميز كل شيء دنماركي عن غيره بأنه أفضل. والحق في هذا معه، فنحن أيضا نؤمن أن ما هو دنماركي من بضاعة، وصناعة، ونظام، يتميز بجودة حقيقية قل ما ينافسها.

إننا نتباهى بأننا أدخلنا الفلافل والشاورمة إلى قائمة المأكولات في البلد، بل وإلى قواميس لغته – أو يطمئننا بعضهم إلى أننا نساهم بهما في العولمة ، لكننا نعرف تماما أن أسخف طبق دنماركي معد من لحم الخنزير والبطاطا الدنماركية يبقى عند الدنماركي أشهى من كل أطباقنا، بما في ذلك البرياني، والسبزي، والبردة بلاو، والتاشينة. وفي ذلك عبرة لذوي الألباب. الشريعة التي يحلم بعضهم في إدخالها إلى هذا البلد ليس لها بحال من الأحوال مكانة أفضل من تلك التي للفلافل والشاورمة. دستوره هو الكتاب المقدس لهذا الشعب.
أما الميل إلى العنف، فهل كان أحد قبل ست سنوات يتخيل أن الشعب السوري، مثلا، الذي كان على مدى عقود من الزمن يؤوي اللاجئين من عشرات البلدان، ويوفر لهم الأمن والأمان، كان ينطوي على هذا الكم المخيف من العنف والهمجية بين أبنائه، أحدهم ضد الآخر؟

إن ما يقلقنا هو أن يكون الشعب الدنماركي يتعامل معنا اليوم مثلما تعامل مع الألمان، وهو يتلقى يوميا جرعات قوية من أحاديث السياسيين عنا بأننا غزاة محتلون، الأمر الذي لا يفوّت بعض المسلمين أية فرصة لتأكيده، وإقناع المواطن العادي بأنه صحيح. كم ينفع صراخ بعضنا بأننا لسنا غزاة، بل أناس هربنا من ظلم بني جلدتنا، وسنبقى نشعر بالامتنان للشعب الذي آوانا ومنحنا فرصة لبناء حياة آمنة؟

هذا مجرد مثال قريب من تجربتنا اليومية، وهي تجربة يعيشها الناس في كل بلدان أوروبا الغربية، بلا شك. إنها ظاهرة عامة، وهناك على الأقل خمسة عوامل تجعل من احتمال تعرض المسلمين في غرب أوروبا إلى نكبة تاريخية كبيرا إلى حد مخيف.

(العامل الأول) هناك في الأجواء رائحة حرب واسعة، ومدمرة، يسمونها الحرب العالمية الثالثة، وقد وصل الحديث عنها صراحة حد أن أكبر صحيفة دنماركية – والصحف الدنماركية تتميز بحذر شديد من نشر الادعاءات، نشرت مؤخرا موضوعا عددت فيه عشرين مؤشرا على أننا نقترب من الحرب العالمية الثالثة – ألا نسمع الصوت نفسه في الصحافة العالمية؟

في مقدمة تلك المؤشرات يأتي فوز ترامب برئاسة أمريكا، والانعزالية التي ظهرت في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، السلوك الذي يُخشى من أن بلدانا أوروبية أخرى ستتبعه، فينفرط عقد اتحاد يعتبر من دعائم النظام العالمي السائد اليوم.
هذه الحرب المفترضة والتي لا أحد يستطيع نفي احتمال وقوعها تتركز في الحقيقة حول أوروبا والمنطقة العربية، وأحد أكبر المؤشرات الأخرى عليها هو التوتر الخطير بين روسيا والغرب، والاحتكاك المتواصل بينهما في منطقة البلطيق. كذلك فإن الفوضى العارمة في الشرق الأوسط، وموجات اللاجئين، واحتمالات المواجهة بين الغرب وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تقدم هي الأخرى مؤشرا قويا آخر على احتمال وقوع تلك الحرب، أو، في الواقع، على اقتراب وقوعها.

هناك طبعا الاقتصاد، وروسيا والصين، وأمور أخرى يمكن أن تصبح مواضيع ساخنة لتصاعد هذه المؤشرات، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المرض الأكبر في قلب سياسة ترامب واليمين الأوروبي المتطرف هو الموقف مما يسمى “الغزو الإسلامي” للغرب.
إن الغرب لم يتردد منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عن التأكيد على أن الصراع الأيديولوجي في العالم قد انتهى، وحل محله صراع الحضارات. وفي هذا الصراع هناك طرفان هما الغرب والإسلام. والحرب المقبلة، وعلى ضوء هذا التحديد للصراع، ستركز أصلا على الانتصار على الإسلام كقوة حضارية مناقضة للحضارة الغربية. إن مثل هذا الانتصار سيتطلب ممارسة العنف والقتل على مستوى غير معروف في التاريخ كله!

(العامل الثاني) إن حكومات العالم كلها، وبشكل خاص الأوروبية منها، تحبس أنفاسها بانتظار يوم استلام دونالد ترامب رسميا منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان فوز ترامب نفسه يعتبر أحد المؤشرات القوية على احتمال اقتراب مثل هذه الحرب، فإن هذا الفوز يطلق علانية مؤشرا قويا آخر ربما سبق فوز ترامب، لكنه كان باهتا، واتخذ الآن زخما أقوى بهذا الفوز. ذلك هو الاكتساح المرتقب لليمين المتطرف للساحة السياسية الأوروبية خلال عام 2017. يضاف إلى هذا أن سياسة ترامب المعلنة تجاه أوروبا والتي تتحدد في نقطتين: مسألة المشاركة في تمويل حلف الناتو، والتجارة الحرة بين أمريكا والاتحاد الأوروبي، يتوقع منها أن تخلق في أوروبا تخلخلا اقتصاديا مرعبا، يعيد إلى الأذهان الركود الاقتصادي الذي عرفته أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي وكانت مقدمة للحرب العالمية الثانية.

ثم إن أي خلل على مستوى العالم على شكل صراع الغرب مع الصين أو روسيا، أو على مستوى أدنى على شكل صراع إسرائيل ضد إيران سيزعزع أمن أوروبا بشكل غير مسبوق. وفي ظل وجود قوى يمينية تعد العدة للانقضاض على مسلمي أوروبا فإن هؤلاء سيصبحون أكبر ضحايا الحرب المفترضة المقبلة.

الحرب ستلحق الدمار بالجميع، سواء في أمريكا، أو روسيا، أو الصين، أو إيران، لكن ما يميز مسلمي أوروبا عن غيرهم من المتضررين هو أنهم يشكلون أكبر تجمع بشري أعزل ليس له دولة تحميه غير الدول التي يتواجد فيها. الروس تحميهم روسيا، والإيرانيون تحميهم دولتهم إيران، والصينيون تحميهم الصين. ومن ينجو من ضربات الحرب ربما لن يموت جوعا وهو في بلده. أما في أوروبا، في الدنمارك مثلا، فإذا تلكأت الدولة عن حماية مواطنيها المسلمين، وانتقلت الأغلبية الصامتة، في ظل إلحاح اليمين المتطرف، إلى التعامل معهم كغزاة، فعلى هؤلاء السلام.

لكن هل يمكن أن تحدث مثل هذه الكارثة؟ في ضوء التطورات الحاصلة في أوروبا فإن احتمالات حصولها أكبر من احتمالات عدم حصولها. إن وجود حكومات يمينية متطرفة في ظل الحرب سيطلق ما يمكن أن يعتبر الآن خيالا. ثم إن تجربة ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، وتجربة هيروشيما، وسقوط برلين، والحرب العراقية الإيرانية، وحربي السعودية وأمريكا وإسرائيل على العراق عامي 1991 و2003، والمأساة السورية منذ عام 2011، أمثلة، هي غيض من فيض، على أن القتل عندما يبدأ، حتى ببضعة أفراد، يصدم الناس في البداية، لكنه سرعان ما يصبح أمرا مألوفا حتى لو ذهبت ضحيته الآلاف كل يوم.

في ألمانيا وصل الحزب النازي إلى الحكم عام 1933 عن طريق الانتخابات الديمقراطية، وكانت إبادة الألمان المعارضين للنازية، والهولوكوست التي يجري الحديث عنها بحق اليهود أول إنجازات النازيين. في البداية صدم الناس بمقتل بضعة شيوعيين، ولكن سرعان ما أصبح القتل، والجماعي منه أيضا، خبرا مألوفا، قل من يعترض عليه. القتل يصبح، بالنسبة إلى بعض المجانين، تسلية ممتعة. والمجانين لا يوجدون في أمة واحدة بحد ذاتها؛ إنهم موجودون في كل الأمم، وفردوسهم هو المكان الذي تسود فيه الفوضى، وتغيب الدولة التي تحمي الناس.

وفي بلدان أوروبا اليوم، سواء في فرنسا، أو ألمانيا، أو الدنمارك وغيرها فإن الأمر لا يحتاج إلى قيام الحكومات اليمينية المتطرفة بتوزيع السلاح على المجانين وإصدار أوامر بقتل المسلمين. إن كل ما يحتاجه الأمر هو قيام بعض المتطرفين بإطلاق موجة من القتل، ثم تنفتح أبواب الجحيم. إن أرحم حالة ستواجه المسلمين هي أن يرى أولو الأمر أنه لا لزوم، من أجل إنهاء غزو المسلمين لأوروبا، قتل الكثير منهم، بل يكفي إجبارهم على الرحيل. إن معظم المسلمين، وهم يشعرون بالتهديد، لن ينتظروا حتى يقتلوا، بل سيكون هناك نزوح جماعي غير منظم. إلى أين؟

(العامل الثالث) إن المسلمين في أوروبا ترسم لهم صورة باعتبارهم كتلة ثقافية دينية سياسية موحدة غريبة في الجسد الأوروبي. وهذا غير صحيح، فمثل هذه “الكتلة”، البشرية يمكن أن توجد في بلد مستقل، أو في جزء أو أقليم من بلد. أما المسلمون في أوروبا فهم مواطنون عاديون متناثرون على امتداد القارة. وباستثناء بضع غيتوات في بعض المدن الكبيرة، فإن نسبتهم ضئيلة جدا قياسا إلى السكان غير المسلمين.

إضافة إلى هذا فإن نسبة كبيرة من هؤلاء مندمجون أصلا في المجتمعات الأوروبية ولا تربطهم بالإسلام إلا اسماؤهم، أو ربما بعض الممارسات الثقافية السلمية، مثل الاحتفال بالأعياد. وعدا عن هذا فإن كثيرين منهم يجهدون لتمييز أنفسهم عن أعوان الإسلام السياسي بأن يطلقوا على أنفسهم عبارة “المسلمين المعتدلين”، أو حتى “المسلمين الديمقراطيين”. إن من يخلق المشاكل للمسلمين في أوروبا هم أطراف خارجية اسمها السعودية، وقطر، وإيران من خلال مجموعات من الجهاديين الذين أصابتهم هلوسة إقامة حكم الشريعة السعودية أو حكم الولي الفقيه في أوروبا!

على أن جهود هذه المجموعات التابعة للبلدان المذكورة تفلح في جر بعض المسلمين إلى ممارسات غير منطقية لا تقيم أي وزن لأصول الاغتراب. الحق الحق نقول إن معظم الأوروبيين العاديين يتقبلون المسلمين على علاتهم، لكن هذا النمط من المسلمين لا يتقبلون الأوروبيين، وينسون أنهم يعيشون على الأرض الأوروبية، في دول أوروبية، ومجتمعات أوروبية. ولو قسنا على سلوك هذه الفئة يمكننا القول أن أكبر عدو للمسلمين في أوروبا هم المسلمون أنفسهم.

(العامل الرابع) المسلمون في أوروبا، بصرف النظر عن فئاتهم، واختلافاتهم، يتعرضون، كمجموعة، إلى الهجوم والتحريض من جهات مختلفة. ولعل أقسى تحريض ضدهم يأتي من “إخوتهم” مسيحيي البلدان العربية هنا، بشكل خاص مسيحيي العراق، إضافة إلى مسيحيي سورية ومصر. ومع أننا نشترك مع هؤلاء “الإخوة” في أننا مثلهم هاربون من الظلم والاضطهاد، بل إننا هربنا قبلهم، إلا إنهم يصورون أنفسهم وكأنهم هم وحدهم ضحايا، وضحايا من؟ ليس الاحتلال الأمريكي الذي جلب معه الإرهاب والفوضى، بل الإسلام. حديثهم هو أن داعش هو الإسلام، وأن كل مسلم هو داعش، وأن المسلمين في المشرق يضطهدون المسيحيين.
هؤلاء طبعا لا معنى للنقاش معهم، وإلا كنا قلنا لهم لو أن الإسلام كان حقا داعش فلما كان الآن لهم أثر في المشرق العربي الإسلامي، ولكن ما نراه في الواقع هو أنهم بعد أكثر من أربعة عشر قرنا من وجود الإسلام في مشرقنا ما تزال كنائسهم وأديرتهم قائمة، وما يزالون يشكلون جزء هاما من النسيج الاجتماعي للمنطقة. كيف بقي أجدادهم هناك، إذا كان المسلمون على الدوام دواعش؟ لماذا لم يطلق أجدادهم سيقانهم للريح أمام دواعش الماضي السحيق مثلما يفعلون هم الآن بمجرد سماع اسم داعش؟

ولو كان المكان موضع نقاش لقلنا لهم أنهم هم أنفسهم أسلاف داعش، فهم الذين بمجرد ما وجدوا متنفسا لأحقادهم في صفوف الأحزاب الشيوعية أدخلوا، قبل داعش بستين سنة، ثقافة سحل البشر في الشوارع، ودق المسامير في أرحام نساء معارضيهم. إن داعش يسير على خطاهم، ويا للمفارقة، في نفس المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم الداعشية ضد المسلمين عام 1959، الموصل.
ولقلنا لهم أن اليمين الأوروبي يستخدم عبارة الإسلام في محاولات صعوده. وأنهم، رغم كونهم مسيحيين، مشمولون بالهولوكوست القادمة. يكفي أن سحناتهم شرقية.

ولقلنا لهم إنهم أكثر غفلة وضلالا من كثير من إسلاميي أوروبا فهم أيضا يريدون أن يدخلوا “شريعتهم” إلى أوروبا، ويحسبون أنه بطرد المسلمين من أوروبا ستخلو القارة لهم. حسنا، وماذا عن وجودهم في المشرق، سيطردوننا من هناك أيضا ليقيموا مملكة سرجون وأوغاريت على أنقاض الحضارة الإسلامية؟

مع شديد الأسف فإن أهم ما يجب قوله لـ “إخوتنا” المسيحيين هو أن تحريضهم يلقى أذنا صاغية، وأن اليمين النازي المتطرف سعيد بدعمهم له، وتحريضهم على طرد المسلمين من أوروبا.

(العامل الخامس) لا شك في أن العامل الجغرافي سيلعب دورا كبيرا في مأساة مسلمي أوروبا التي ستكون تكرارا لمأساة مسلمي الأندلس، مضاعفا ألف مرة. هؤلاء المسلمون منتشرون في ربوع القارة كلها. وإذا اشتعلت الحرب في أوروبا فإنها ستكون حربا عليهم قبل كل شيء. وعندها سيجدون أن الأرض بما رحبت ستضيق عليهم. إن أكبر المتضررين سيكون مسلمو الجزر البريطانية التي تحيطها البحار من كل جانب، فلا مهرب. أما في البر القاري فأقرب مكان يمكن أن يؤوي الهاربين يقع إلى الجنوب من إسبانيا، أي المغرب، وإلى الشرق من أوروبا، أي تركيا. وعلى هذا، وإذا باغتتهم الحرب والفوضى، فعلى مسلمي الدول الاسكندنافية الذين سينجوون بطريقة وأخرى من فتك عصابات اليمين المتطرف، أن يقطعوا إما مسافة ألفي ميل نحو الجنوب أوألفي ميل نحو الشرق قبل أن يصلوا إلى مكان ربما لا توجد فيه “ديمقراطية”، أو “حرية”، ولكن فيه على الأقل أمان إلى حين، ومساجد لا يصلون فيها وحسب، بل يتخذونها أيضا مكانا ينامون فيه مع عائلاتهم.

ربما يخيل لمن يلقى نظرة على خارطة أوروبا، وهي نفس خارطة الهولوكوست المقبلة، أن مسلمي فرنسا سيكونون محظوظين، فليس بينهم وبن المغرب سوى إسبانيا، والإسبان ربما لا يكونون قساة بنفس درجة الفرنسيين، خاصة أنهم يعانون من تأنيب الضمير لما فعله أجدادهم بالمسلمين قبل بضعة قرون، إلا أن الغضب الموجود في فرنسا، والحقد الذي يمور في نفوس الفرنسيين باعتبارهم أكثر من يعاني من “غزو” الإسلام، وأكبر من تضرر من “الإرهاب الإسلامي”، سيجعل من وصول المسلمين الهاربين إلى إسبانيا أمرا في غاية الصعوبة. فرنسا هي المرشحة لإطلاق شرارة الهولوكوست بحق المسلمين!

وقد يكون المسلمون في الاسكندنافيا وألمانيا ووسط أوروبا محظوظين أكثر من غيرهم لسببين هما، أولا لأن إطلاق الهولوكست يتطلب الانقلاب على تعريف هذه البلدان لنفسها بأنها ديمقراطيات إنسانية، وهذايأخذ بعض الوقت يتيسر فيه للناس الهرب، إضافة إلى تأنيب الضمير في ألمانيا تجاه ما فعله أجدادهم باليهود. وثانيا لأن هذه البلدان متاخمة لشرق أوروبا، والوصول إلى شرق أوروبا هو بحد ذاته بداية النجاة. في شرق أوروبا ليس هناك تقليد موروث، كما في ألمانيا وفرنسا، بقتل الغرباء وإقامة الهولوكوست. إن الأوروبيين الشرقيين سيكتفون على الأغلب بسلب من يمر عبر أراضيهم أموالهم إن كانت معهم منها شيء، وتركهم يواصلون الطريق إلى تركيا.

وبهذا فإن البلدين المسلمين، المغرب وتركيا، عليهما الاستعداد لاستقبال موجة من الللاجئين لم يعرف التاريخ مثل عددهم. وعلى تركيا خاصة أن تعرف أن من سيصلون إليها سيصلون حفاةً عراةً لم يغتذوا حتى فلافل أو شاورمة طوال مسيرتهم .. مسيرة الألفي ميل. إن من يسعده الطالع فيصل إليها سيرى فيها قــِـبلته الثالثة.

{وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}
{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى} صدق رب العرش العظيم.

الجزائر 2017: هل تستفيق من سباتها؟

 توفيق رباحي

عام آخر ينتهي على الجزائر وهي، ككل دول المنطقة، لا تعرف أين تقف وإلى أين تتجه. وليس في الأفق ما يؤشر إلى اتضاح الرؤية قريبا.
لنترك جانبا الغموض الاقتصادي الناجم عن تراجع أسعار النفط وغياب الرؤية الحكيمة، وما يثيره كل ذلك من مخاوف وارتباك، ناهيك عن تحوّله إلى عائق يمنع التخطيط الجيد (بدل ان يكون محفزاً لذلك).

يمكن بسهولة اعتبار 2016 سنة أخرى من الفشل والضياع، تضاف إلى رصيد السنين الطويلة الضائعة والفرص المهدورة.
ويمكن بسهولة اعتبارها سنة التردد الحكومي والارتباك الذي تجلى في القرار (السياسي والاقتصادي) ونقيضه، في اتخاذ القرار ثم التراجع عنه. تجلى ذلك في موضوع استيراد السيارات القديمة، وقرار وزيرة التعليم بتقليص مدة العطل المدرسية، وكذلك في موضوع رفع السن القانونية للتقاعد.. وغيرها من القرارات التي اتخذتها الحكومة وتراجعت عنها بعد أن يتضح أنها تُغضِب جهة ما أو تمس مصالح طرف بعينه).

ويمكن بسهولة أيضا اعتبار 2016 سنة فضائح جديدة تضاف إلى سلسلة الفضائح الكثيرة المدوّنة في سجل الجزائر حكومة وشعبا.
إذا ما حاولنا وضع جرد حساب للسنة المنتهية، سنذكر أنها انتهت بفضائح الدجل والدروشة الممزوجة بالمال الخفي. كانت العناوين هنا «طبيبا» ادّعى أنه اخترع علاجا للسكري اتضح بسرعة أنه لا دكتور طب ولا مخترع، وكذلك دجال اسمه «بلحمر» ادّعى أنه يعالج الكثير من الأمراض البدنية والروحية، حتى افتتح عيادة تعجز الدولة عن توفيرها.

وكانت الخاتمة مصيبة أخرى عنوانها المدوِّن والصحافي محمد تمالت الذي توفي في السجن.
كل هذا في الشهرين الأخيرين من السنة، أو أقل منهما حتى.
في كل الدول هناك فضائح وإخفاقات من كل نوع. لكن الفرق الذي تصنعه الجزائر يتمثل في ذلك التخدير الذي أصابها حتى أصبحت لا تستجيب للألم الذي تسببه الفضائح المتتالية (أو من المفروض أن تسببه).
تحضرني في هذا السياق مقولة صديق غير جزائري متعود على زيارة الجزائر، وعندما عاد سألته عقب إحدى الزيارات كيف وجدها، قال: بلد يعيش تحت التخدير.. لا يستجيب للوخز أيًّا كانت شدة الألم.
توفيّ الصحافي محمد تمالت وهو سجين، متأثراً بما لحق به من ضرر جسدي ونفسي، ومرّت وفاته كأنها لم تحدث. شيء يصعب استيعابه وقبوله، لكنه حدث.

انتهى كل شيء مع تشييع الرجل إلى مثواه الأخير في الأسبوع الثاني من هذا الشهر: لا تحقيق، لا مساءلة، لا محاسبة، لا إقالة، لا استقالة، لا اعتراف بالمسؤولية، لا إقرار بالذنب.. ولا أي شيء على الإطلاق، في تعبير صارخ عن تدني قيمة الإنسان في الجزائر وسيادة الإفلات من المحاسبة.

هذا من جانب الدولة، أما من جانب المجتمع فلا يختلف الواقع المؤلم مجسَّداً في الاستسلام التام والقبول بذلك الواقع الأعوج الذي تفرضه السلطة.

من جهة المجتمع أيضا انتهى كل شيء بوضع تمالت في قبره. لا برلمان سأل أو تساءل، لا أحزاب طلبت حسابا، لا جمعيات أهلية أوجعها ما حدث، لا نقابات استغربت، لا صحافيين، لا مدونين، لا حقوقيين.. لا أحد تجرأ على رفع صوته للمطالبة بالحقيقة في وفاة مواطن جزائري أولاً وصحافي ثانيا، في تلك الظروف المأساوية والمشينة.

المطالبة بالحقيقة في هذه الحالة ليست من أجل تمالت، فهو انتهى إلى ربه. بل من أجل الأحياء حتى لا يتعرضوا إلى ما تعرض له، ولا يلقون المصير البائس نفسه. فسجون الجزائر يقبع بها العشرات من معتقلي الرأي والذين أُوقفوا لأنهم لم يكتفوا بحرية التعبير كما ترسمها وتفرضها السلطة، ولا شيء يضمن أنهم بعيدون عن مصيره. التخلي عن تمالت هو خيانة لهؤلاء وتفريط فيهم.

أما قصة «مخترع» علاج السكري، ففضيحة لا تختلف في عمقها وخطورتها. هذا الرجل نجح في جرّ أطياف واسعة من المجتمع الجزائري نحو أوهامه ودجله. الخطير في الأمر، علاوة على كذب الرجل وانتحاله صفات علمية ووظيفية لا يمتلكها، انكشاف سهولة انجرار المجتمع وقابليته لشراء الأوهام التي تُعرض عليه.

المجتمع الجزائري اختار بسهولة، بلا تفكير وحتى بعد انكشاف الحقيقة المُرة، صف «العالم» توفيق زعبيط، في مواجة مَن شككوا في «اختراعه» أو تساءلوا بشأنه مثل الأطباء ونقاباتهم والصيادلة وتنظيماتهم.

كان من المفروض أن تؤدي فضيحة هذا «المخترع» إلى سقوط الحكومة، فالرجل، في نهاية المطاف «اخترع» وأنتج وسوّق «علاجا للسكري» في غفلة من هذه الحكومة. لكن لا شيء حدث.
كان من المفروض أن تقود الفضيحة إلى مساءلة وزير الصحة، لكن لا شيء من هذا حدث. كان الأحرى بوزير الصحة ذاته أن يتنحى حفاظا على ما تبقى من صورة الدولة وثقافتها، لكنه لم يفعل ولا أحد تكلم.

ماذا يجب أن يحدث أسوأ من هذا وأخطر ليُساءل وزير، أو يستقيل؟
ما هي درجة الألم المطلوبة لكي تتألم الجزائر وتخرج من حالة التخدير الي أصابتها؟
لهذا ليس أمامنا غير الصلاة ثم الصلاة.

2016/12/01

من الموصل إلى حلب.. تجديد مشروع التقسيم


 محمد السعيد إدريس

تفتح معركة تحرير مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى العراقية من الاحتلال الداعشي الأبواب على مصراعيها للبحث ليس فقط في مستقبل الموصل بعد تحريرها في ظل التعقيد الشديد الذي أحاط بترتيبات معركة التحرير والأطراف التي ستشارك فيها بل أيضاً للبحث في مستقبل العراق ومعها أيضاً مستقبل سوريا بسبب التداخل الشديد بين ما يحدث من صراع في العراق وامتداداته القوية في سوريا، وبالذات مسألتان أساسيتان؛ أولاهما، فرص خروج تنظيم «داعش» الإرهابي من عاصمته في الموصل إلى سوريا وبالتحديد إلى مدينة الرقة أهم مراكزه في الشمال السوري، حيث توجد معلومات تؤكد أن أعداداً كبيرة من ميليشيات «داعش» هربت بمعداتها إلى الداخل السوري تحت أعين الأمريكيين، وهذا بدوره يفرض سؤالاً مهماً حول ما يخطط له الأمريكيون بالنسبة للصراع في سوريا، وهذا يأخذنا إلى المسألة الثانية وتتعلق بمآلات الأزمة الخاصة بمدينة حلب السورية ذات الأهمية القصوى.

تفجرت معركة تحرير الموصل وسط صخب وضجيج كشف مدى عمق الصراع المحتدم بين أطراف عديدة داخلية وأخرى إقليمية تركية وإيرانية بالأساس، صراع له علاقة مباشرة بخرائط النفوذ وخرائط المصالح التي ستفرض نفسها بعد انتهاء معركة تحرير الموصل التي بدأت فجر الاثنين (2016/10/17) والتي قد تمتد لأسابيع وربما أكثر. لم تبرز ضمن تلك الصراعات شبهة صراع دولي في العراق الأمر الذي يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الدولية صاحبة النفوذ والتأثير الأوحد في العراق. هي التي هندست خرائطه السياسية وقواعد حكمه بعد غزوها له واحتلاله عام 2003، ولم تخرج منه إلا بعد ترتيب كل الأوضاع التي تبقيها وحدها متفردة تحكم عن طريق من اختارتهم حكاماً للعراق وفق معادلة أمريكية بحتة قائمة على المحاصصة السياسية التي قسمت العراق فعلياً إلى شيعة لهم الغلبة والسيطرة وأكراد شركاء أقوياء بحكم ما استطاعوا فرضه من حكم شبه مستقل لأنفسهم في كردستان العراق بدعم أمريكي- بريطاني منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، وسُنة ضعفاء تقرر إخضاعهم لتحالف شيعي كردي ترعاه أمريكا فعلياً وتديره إيران الشريك للأمريكيين من الباطن في حكم العراق في ظل غياب عربي كامل.

العنوان الذي حرص الأتراك على إبرازه مبرراً لإصرارهم على المشاركة في حرب تحرير الموصل هو الحيلولة دون وقوع «حرب طائفية» إذا ما شاركت ميليشيات الحشد الشعبي «الشيعية» الموالية لإيران في هذه الحرب، والدفاع عن السُنة على نحو ما أكد الرئيس التركي حرصه على «عدم السماح بأي سيادة طائفية على الموصل» وقوله إن «الموصل لأهل الموصل، وتلعفر “مدينة عراقية قرب الموصل يقطنها التركمان العراقيون” لأهل تلعفر، ولا يحق لأحد أن يأتي ويدخل هذه المناطق»، ومؤكداً أنه «يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السُنة العرب ومن السُنة التركمان ومن السُنة الأكراد، ويجب ألا يدخل الحشد الشعبي للموصل». وأمام الإصرار العراقي على رفض المشاركة التركية اضطر أردوغان أن يكشف عن نواياه الحقيقية أو بعضها، فأبرز ورقة «الحق التاريخي»، وتجديد الحديث عن تمسكه بوثيقة ما يسمى «الميثاق الوطني» التي ترسم حدود تركيا وتضم ولاية الموصل ضمن الأراضي التركية والتي تشمل مدينة الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، إضافة إلى الشمال السوري.

اللافت هنا أن الإدارة الأمريكية التي دعمت الموقف العراقي الرافض لأي مشاركة تركية في معركة تحرير الموصل عادت وبشخص وزير الدفاع الأمريكي نفسه آشتون كارتر وعقب النجاحات الملموسة التي حققتها القوات المشاركة في تحرير الموصل ليجدد دعوة العراق للقبول بمشاركة تركية في هذه المعركة. وساطة آشتون كارتر رفضها حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية، لكن المهم هو لماذا غيرت الإدارة الأمريكية من موقفها الداعم لموقف الحكومة العراقية، هل هو خوف من غلبة قد يحققها «الحشد الشعبي» (الشيعي) المشارك في معركة تحرير الموصل باعتبار أن ذلك سيكون رصيد نفوذ لإيران، أم أن الأمر له علاقة بالأزمة السورية وترتيبات النفوذ التركي في سوريا، بحيث يسمح لتركيا بنفوذ في العراق يوازن النفوذ الإيراني في سوريا.

مقولة «الأرض لمن يحررها» التي سبق أن وردت على لسان قادة البيشمركة الكردية في العراق بإصرارهم أيضاً على أن يكونوا طرفاً فاعلاً في معركة تحرير الموصل يبدو أنها هي التي ستحكم مواقف كل الأطراف: إيران عبر كل من «الحشد الشعبي» والحكومة العراقية، والولايات المتحدة عبر التحالف الدولي، والأكراد عبر البيشمركة، وتركيا، جزئياً عبر ما أخذ يُعرف ﺑ«قوات حرس نينوى» ويقودها أثيل النجيفي محافظ نينوى السابق وهي القوات التي كان يطلق عليها «الحشد الوطني» أو «الحشد السُني» لتمييزها عن «الحشد الشعبي» الشيعي الموالي لإيران.

ليس في مقدور أحد أن يتوقع المآل النهائي لمعركة تحرير الموصل، وبالذات إجابة السؤال الذي طرحه مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق عندما زار بغداد قبل أسابيع من إطلاق معركة تحرير الموصل وهو: كيف ستدار المدينة بعد تحريرها. برزاني اقترح على حيدر العبادي مشروعاً يقضي بتقسيم محافظة نينوى إلى ثلاث محافظات جديدة، وإجراء استفتاء يقرر فيه سكان هذه المحافظات الانضمام إلى إقليم كردستان أم لا. هناك مقترح آخر تدعمه تركيا لتقسيم محافظة نينوى إلى ثماني محافظات من بينها «سهل نينوى» الذي كان نواب أمريكيون قد تقدموا بمشروع لتحويله إلى محافظة تحت عنوان «حماية الأقليات» هذا المشروع كان بمنزلة ضوء أخضر أمريكي لبعث المؤتمر الآشوري العام والحركة الديمقراطية الآشورية، والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري والمطالبة بمنح المسيحيين حكماً ذاتياً في منطقة سهل نينوى. ضوء أخضر أمريكي لإطلاق مشروع التقسيم في العراق، إذا حدث سيكون حتماً عنواناً لمشروع مماثل في سوريا، أحد أهم مؤشراته، السماح بهروب «داعش» من الموصل إلى «الرقة» في سوريا، لفرض معادلة توازن قوى جديدة تتوازي مع الجهود الأمريكية الأوروبية لمنع نظام الأسد مدعوماً من روسيا وإيران من الفوز في معركة تحرير حلب التي تتحصن فيها جبهة النصرة التي بدأت تستقطب معظم الفصائل الجهادية هي وجبهة أحرار الشام، الأمر الذي من شأنه أن يفرض واقعاً عسكرياً جديداً يمكن أن يؤسس لمشروع سياسي جديد لحل الأزمة السورية عنوانه «التقسيم هو الحل».

قلق المسلمين المشروع في دول الغرب


صبحي غندور

مع فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، ثمّ تعيينه الإعلامي المتطرف والمشجّع على "الإسلاموفوبيا"، ستيف بانون، لشغل منصب كبير المخطّطين الإستراتيجيين في "البيت الأبيض"، ازدادت نسبة القلق لدى العرب والمسلمين في العديد من الولايات الأميركية، خاصّةّ التي تنشط الآن فيها القوى العنصرية الحاقدة على الأميركيين الأفارقة والمهاجرين الجدد والمسلمين خصوصاً.

وما يحدث في الولايات المتحدة لا ينفصل طبعاً عن المناخ السلبي السائد في أوروبا ضدّ المهاجرين والمسلمين، والذي تضاعف وتعزّز بعد حدوث أعمال إرهابية في فرنسا وألمانيا وبلجيكا، وهي الدول التي تقود الاتحاد الأوروبي، وبعد تدفّق عشرات الألوف من المهاجرين واللاجئين من دول عربية وإسلامية.

لكن هناك في داخل الغرب قوى ترفض العنصرية، وتريد التفاعل الإيجابي مع المسلمين وترحّب بهم في أوطانها، كما هناك في داخل الغرب قوى تُسعّر العداء معهم. وهناك في داخل الغرب قوى تتصارع مع بعضها البعض، كما هناك في داخل العالم الإسلامي أيضاً حروب داخلية على أكثر من مستوى. أي، ليس هناك الآن جبهتان متّحدتان ضدّ بعضهما البعض: غربية وإسلامية، بل هناك كتل متنوعة وقوى متصارعة في كلٍّ من الموقعين.

ولقد مرّت الصورة المشوّهة للعرب والمسلمين في الغرب عموماً بثلاث مراحل، فهناك مرحلة ما قبل سقوط "المعسكر الشيوعي"، حيث كان التركيز السلبي على الإنسان العربي تحديداً (كهويّة قومية وثقافية دون التطرّق للبُعد الديني)، من خلال توصيفه عبر الإعلام وبعض الكتب والأفلام السينمائية بالإنسان الماجن والمتخلّف، الذي يعيش في بلدان صحراوية ما زالت تركب الجِمال رغم ما تملكه من ثروةٍ نفطية. وفي هذه المرحلة جرى تجنّب الحملات السلبية على الإسلام أو المسلمين عموماً بسبب تجنيد المسألة الدينية الإسلامية في مواجهة "المعسكر الشيوعي"، كما حدث في أفغانستان ضدّ الحكم الشيوعي فيها، وكما جرى في تحريك جمهوريات إسلامية في آسيا ضدّ موسكو الشيوعية.

أمّا المرحلة الثانية، فقد بدأت بمطلع عقد التسعينات، واستمرّ فيها التشويه السلبي للهويّة القومية الثقافية العربية لكن مع بدء التركيز أيضاً على الهويّة الدينية الإسلامية، حيث تجاوز التشويه العرب ليطال عموم العالم الإسلامي باعتباره "مصدر الخطر القادم" على الغرب و"العدوّ الجديد" له بعد سقوط "المعسكر الشيوعي".

في هاتين المرحلتين، لعبت (وما تزال إلى الآن) الجماعات الصهيونية، وقوى عنصرية ودينية متعصّبة ومتصهينة، الدور الأبرز في إعداد وتسويق الصور المشوّهة عن العرب والإسلام. بدايةً، لإقناع الرأي العام الغربي بمشروعية وجود إسرائيل (مقولة شعب بلا أرض على أرض بلا شعب)، وبأنّ العرب شعب متخلّف ولا يمثّل الحضارة الغربية كما تفعل إسرائيل!. ثمّ أصبح الهدف في المرحلة الثانية (أي في مطلع التسعينات) هو تخويف الغربيين من الإسلام والمسلمين كعدوٍّ جديدٍ لهم، وفي ظلّ حملة واسعة من الكتابات والكتب والمحاضرات عن "صراع الحضارات"، وبشكلٍ متزامن أيضاً مع ظهور مقاومة للاحتلال الإسرائيلي بأسماء إسلامية.

المرحلة الثالثة ظهرت عقب الأحداث الإرهابية في 11 سبتمبر 2001، وما لحقها من أعمال إرهاب مشابهة في بلدان مختلفة جرت تحت أسماء جماعات إسلامية، وأصبح يُرمز اليها، اختصاراً لمفاهيمها وأساليبها، بجماعات "القاعدة" رغم عدم تبعيتها لقيادة واحدة، وهذه المرحلة تجدّد نفسها الآن من خلال ما قامت وتقوم به "جماعات داعش" من إرهاب ووحشية في الأساليب تحت راية "الدولة الإسلامية"!.

وخطورة هذه المرحلة الثالثة أنها حوّلت ما كان مجرد كتاباتٍ في عقد التسعينات عن "العدوّ الجديد للغرب"، إلى ممارساتٍ ووقائع على الأرض، كان المستفيد الأول منها إسرائيل والمؤسّسات الصهيونية العالمية، التي كانت تُروّج أصلاً لمقولة "الخطر القادم من الشرق"، والتي لها أيضاً التأثير الكبير على صناعة القرارات السياسية في أميركا والغرب.

لذلك، وضع من حكموا أميركا من "المحافظين الجدد" شعار "الخطر الإسلامي" منذ التسعينات ليُقبَل أولاً داخل أميركا والغرب قبل أيّ مكانٍ آخر، وليبرّر سياساتٍ وحروب لم تكن لاحقاً لصالح أميركا، ولا لدورها القيادي الأوحد المنشود، بل استفادت منها فقط شركات ومصانع ومصالح خاصة، إضافةً إلى ما جنته إسرائيل من توظيفٍ كبير لهذه السياسات والحروب الخاسرة. ولا شكّ أيضاً بأنّ أساليب الإرهاب والعنف المسلح بأسماء جماعاتٍ إسلامية، خدما بشكلٍ كبير هذه السياسات وإن تصارعا شكلاً معها في أكثر من ساحة!.

أمّا على الجهة الأخرى من العالم، فنجد وضعاً مأساوياً داخل عدّة بلدانٍ إسلامية، وهو ممزوجٌ معظم الأحيان بتدخّلٍ خارجي، تزداد فيه الانفعالات الغرائزية التي نراها تحدث بأشكال طائفية ومذهبية وإثنية يواجه فيها بعضُ الوطن بعضَه الآخر، وحيث هناك عربٌ ومسلمون يقومون بخوض "معارك إسرائيليّة" تحت راياتٍ {وطنيّة أو عربيّة أو إسلاميّة}، وهم عمليّاً يحقّقون ما كان يندرج في خانة "المشاريع الإسرائيليّة" للمنطقة العربية تحديداً، ومن سعي لتقسيم طائفي ومذهبي وإثني يهدم وحدة الكيانات الوطنيّة ويقيم حواجز دم بين أبناء الأمّة الواحدة.

ولقد أصبح العنف ظاهرة بلا ضوابط في المجتمعات العربية خصوصاً، ودول العالم الإسلامي عموماً، وهذا نراه الآن حتّى في مجتمعاتٍ سعت لتغيير الحكم فيها، بينما التغيير القائم على العنف المسلّح والقتل العشوائي للناس يؤدّي حتماً إلى تفكّك المجتمع، وإلى صراعاتٍ أهلية دموية، وإلى بيئة مناسبة لنموّ واحتضان جماعات إرهابية، وإلى مبرّراتٍ لتدخّلٍ إقليمي ودولي يُكرّس تقسيم المجتمعات والأوطان ويُدوّل قضاياها.

طبعاً تشويه الصورة العربية والإسلامية في الغرب، رافقه ويرافقه، عاهات وشوائب كثيرة قائمة في الجسمين العربي والإسلامي، ولذلك فإنّ تصحيح الذات العربية، والذات الإسلامية، يجب أن تكون له الأولوية قبل الحديث عن مسؤولية الغرب، علماً أن العرب يتحمّلون – بحكم المشيئة الإلهية – دوراً خاصاً في ريادة العالم الإسلامي، فأرضهم هي أرض الرسل والرسالات السماوية، ولغتهم هي لغة القرآن الكريم، وعليهم تقع مسؤولية إصلاح أنفسهم وريادة إصلاح الواقع الإسلامي عموماً.

إنّ المناخ السياسي والثقافي والإعلامي في الولايات المتحدة، والغرب عموماً، هو جاهزٌ لكلّ عاصفةٍ هوجاء وأعاصير ضدَّ كلّ ما هو عربي وإسلامي، لكن للأسف، فإنَّ ما صدر ويصدر عن جماعات التطرّف العنفي وما يحدث من ممارساتٍ إرهابية هنا أو هناك، أعطى ويعطي وقوداً لنار الحملة على العرب والمسلمين أينما كانوا.

لكن هل يمكن تجاهل وجود أزمة حقيقية لدى العديد من الشعوب الإسلامية، والتي يزدهر في أوساطها الفكر التكفيري القائم على طروحات حركات عُنفية تستبيح قتل كل من يختلف معها دينياً أو مذهبياً أو فقهياً؟! بينما القتل العشوائي لناسٍ أبرياء هو أمرٌ مخالف للدين الإسلامي ولكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، وهو، رغم ذلك، يتكرّر في أكثر من زمان ومكان، ولا نراه يتراجع أو ينحسر، وهذا دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية.

إنّ اتّساع دائرة العنف الدموي باسم الإسلام أصبح ظاهرةً خطرة على المسلمين أنفسهم وعلى كافّة المجتمعات التي يعيشون فيها. وهذا أمرٌ يضع علماء الدين أولاً أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، كذلك هي مسؤولية الأهل في كيفية تربية أولادهم، كما هي مسؤولية الكُتّاب والمفكريين والإعلاميين وكل المؤسسات الحكومية والمدنية في عموم العالم الإسلامي. لذلك، فإنّ الموقف المبدئي الرافض لأساليب العنف في المجتمعات أينما كان هو المطلوب الآن، لا الاكتفاء بالإدانة النسبية فقط تبعاً لاختلاف المكان والمصالح.

إن الساحة الأميركية مفتوحة الآن لجماعات "السوء" لبثِّ سمومهم وأحقادهم على الإسلام والعرب، لكن أيضاً هي ساحة مفتوحة (ولو بظروفٍ صعبة) على "دعاة الخير" من العرب والمسلمين لكي يصحّحوا الصورة المشوَّهة عنهم وعن أصولهم الوطنية والحضارية. وكما هناك العديد من الحاقدين في الغرب وأميركا على العرب والمسلمين، هناك أيضاً الكثيرون من الأميركيين والغربيين الذين يريدون معرفة الإسلام والقضايا العربية من مصادر إسلامية وعربية، بعدما لمسوا حجم التضليل الذي كانوا يعيشونه لعقود. فإذا كان الغرب تحكمه الآن حالة "الجهلوقراطية" عن الإسلام والعرب، فإنَّها فرصة مهمَّة (بل هي واجب) على العرب والمسلمين في الغرب أن يعملوا من أجل استبدال "الجهلوقراطية" الغربية بالمعرفة الفكرية السليمة عنهم وعن أصولهم الثقافية والحضارية.

الانتخابات الأميركية: قراءة أولية في النتائج والتداعيات






زياد حافظ





نتائج الانتخابات الأميركية كانت بمثابة زلزال هزّ مرتكزات العمل السياسي في الولايات المتحدة بعدما تحدّثت النخب المتحكّمة بحتمية فوز بنت المؤسسة الحاكمة هيلاري كلنتون. وانتخاب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يوازي في الأهمية التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي وما يمكن أن يرافقهما من تغيرات في موازين القوة على صعيد العلاقات الدولية. هذا إذا ما كتب للمملكة المتحدة الخروج نهائيا من الاتحاد الأوروبي دون أي عائق قانوني داخلي وإذا ما سمح للرئيس المنتخب ترامب من تحقيق كل أو بعض القضايا على أجندته السياسية. فالرئيس المنتخب يأتي بتوجّهات مختلفة عن توجّهات النخب الحاكمة ويبقى السؤال من يستسلم لمن؟


فمع انتخاب دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة طويت صفحة يعتبرها المراقبون الأميركيون من أسواء الحملات الانتخابية التي مرّت بها البلاد وإن لم تكن الأولى. فالحملة التي اتسمت بتبادل الشتائم والتهم وتجنّبت مقاربة القضايا الوطنية والخارجية تدلّ على مستوى ترهّل النظام السياسي القائم الذي لا يفرز إلاّ نوعيات رديئة في العلم والخبرة والأخلاق. لذلك سيكتشف الرئيس المنتخب صعوبة كبيرة في تنفيذ أجندته إن لم يأخذ بعين الاعتبار اهتمامات خصومه داخل الحزب الحاكم وداخل حزب الحرب المهيمن على مقدّرات البلاد وإن كانت حملته تمرّدا على كل ذلك.

في مطلق الأحوال جاءت النتائج لتؤكّد عدّة حقائق كنّا قد أشرنا إليها سابقا. أولى هذه الحقائق هي استمرار تدنّي مستوى المرشّحين وعدم اكتراثهم لهموم المواطنين مما أثار نقمة الجمهور الأميركي. فالانتخابات التمهيدية والانتخابات العامة شهدت تمرّدا للجمهور الأميركي على نخبه الحاكمة. تعدّدت الأسباب التي لا داعي سردها الآن إلاّ أنها تعبّر عن ضرورة إصلاح النظام السياسي بشكل يأتي بمسؤولين يعملون لصالح الجمهور الأميركي وليس لصالح المصالح الخاصة. فهذه الانتفاضة سمّاها المرشح سندرز ب “الثورة” بينما حملة ترامب كانت مركزة ضد رموز الحزب الجمهوري التقليدي فكانت بمثابة ثورة شخص استطاع أن يعبّر عن غضب القاعدة.

الحقيقة الثانية هي تكريس هزيمة عدد من القوى التي كانت وما زالت تتصدّر المشهد السياسي على مختلف الأصعدة. فالهزيمة طالت أولا النخب المتحكّمة بالحزبين السياسيين اللذين يتصدّران المشهد السياسي منذ بداية الدولة الفتية في أواخر القرن الثامن عشر. الانتخابات التمهيدية عند الحزب الديمقراطي شهدت ثورة قاعدة الناخبين الشباب وقاعدة العمّال والقوى الكادحة على قياداتها التقليدية إلاّ أن النخب المتحكّمة بالحزب استطاعت تزوير العملية الانتخابية وتجييرها لمصلحة بنت المؤسسة الحاكمة وممثلتها هيلاري كلنتون. إن جمهور برني سندرز لم يرق له أن يساند قائد الحملة الإصلاحية مرشّحة المؤسسة الحاكمة فكان تحوّل قسط من القاعدة للتصويت لدونالد ترامب أو عدم التصويت. لم تنل هيلاري كلنتون أكثر من 55 بالمائة من أصوات الشباب بينا نال الرئيس أوباما في الانتخابات الماضية ما يوازي 80 بالمائة من أصواتهم. أما على صعيد الحزب الجمهوري فاستطاع دونالد ترامب أن يطيح برموز الحزب الجمهوري المتحكّمة خلال الحملة التمهيدية. والجدير بالذكر أن النخب في الحزب الجمهوري تجنّبت إلى حد كبير المساندة العلنية لدونالد ترامب لما يجلب الأخير من انتقادات حول شخصه وتصريحاته المثيرة والعنصرية والمهينة بحق المرأة. ففوز ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض يشكل أيضا هزيمة لهذه النخب.

القوة الأخرى التي هُزمت هو الاعلام المهيمن الذي كان مؤيدا بشكل سافر لهيلاري كلنتون ومعاديا لدونالد ترامب. فصحف مرموقة كالواشنطن بوسط والنيويورك تايمز واللوس انجلس تايمز والمحطاّت التلفزيونية الكبرى ك سي أن أن، وأن بي سي، وأي بي سي، وسي بي أس مُنيت بهزيمة نكراء. فتغطيتها للحملة الانتخابية كانت فاقدة للحد الأدنى من الموضوعية ومركّزة على التصريحات المثيرة لترامب ومتجاهلة لإخفاقات وفضائح هيلاري كلنتون. والجدير بالذكر أن أكثر من 90 بالمائة من الاعلام الأميركي تملكه فقط ست شركات عملاقة. فارق الفوز عند دونالد ترامب ملفت للنظر ويؤكّد إما عدم معرفة الإعلام بواقع المشهد الشعبي أو أنه متواطئ مع مصالح المؤسسات المالية والمجمع العسكري الصناعي والأمني الذي يملكه أو يسيطر عليه والذي لا يكترث لواقع الشعب.

الفريق الآخر الذي مُني بالهزيمة هو سقوط مؤسسة استطلاعات الرأي العام التي كان يروّجها الاعلام المهيمن. وتأتي هذه الهزيمة في أعقاب إخفاقات كبرى في التنبؤ في العديد من الاستحقاقات المفصلية ليس فقط في الولايات المتحدة بل في مختلف أنحاء العالم، كالإخفاق في توقّع فوز حزب المحافظين في المملكة المتحدة، أو فوز نتانياهو في الكيان، أو التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي أو البقاء فيه. هذا يدّل إما على عدم مهنية أو معرفة في إجراء الاستطلاعات أو على “لغم” الاستطلاع للمجيء بنتائج تدعم الأهداف المعلنة أو غير المعلنة لصاحب الاستطلاع. ومن كان يتابع بدقة الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية منذ بدايتها وكان على تواصل على الأرض وخارج وصاية الاعلام المهيمن وجد منذ البداية أن تلك الاستطلاعات مغلوطة ومضلّلة ولا تعكس مدى التجاوب الشعبي الفعلي على الأرض مع المرشحين. فبينما كانت الحشود الانتخابية للمرشح ترامب بعشرات الالاف كانت الحشود لصالح المرشحة كلنتون لا تتجاوز بضعة المئات، أي التجاوب الشعبي كان لصالح ترامب وليس لصالح كلنتون. حاول الاعلام الإيحاء بان المعركة محسومة حتى جاهر بالتحسّر على مستقبل ترامب بعد هزيمته الحتمية! فمن شاهد المعلّقين على الشبكات الرئيسية الأميركية لدي الفرز لاحظ مدى إحباطهم وخيبة أملهم. المحطة الوحيدة التي حافظت على توازنها في التغطية كانت محطة “أر تي” روسيا اليوم!

في خانة المهزومين أيضا كان اللوبي الصهيوني الذي دعم بقوّة حملة هيلاري كلنتون. هذه هي الهزيمة الثانية المتتالية لذلك اللوبي في الانتخابات الأميركية (بعد إخفاقه في دعم ميت رومني ضد باراك أوباما) مما يعني أن نفوذ اللوبي لا يتعدّى النخب الحاكمة والمتحكّمة ولا يصل إلى القاعدة الكبرى من الجمهور الأميركي. الجالية اليهودية صوّتت لهيلاري كلنتون ولكن اللوبي الصهيوني لم يستطع أن يجنّد أكثر من ذلك. استطاع ترامب تجاوز نفوذ اللوبي عبر مخاطبته المباشرة للجمهور الأميركي ومحاكات همومهم بينما اكتفت كلينتون بترداد الشعارات التي لم تعن شيء لذلك الجمهور إضافة إلى فقدان الثقة بالمؤسسة الحاكمة. في خانة المهزومين في هذه الحملة بعض الدول العربية التي كانت تراهن أيضا على هيلاري كلنتون فدعمتها ماليا كما كشفتها تسريبات ويكيليكس والتي أكّدت على التواصل المالي مع مؤسسة كلنتون فأصبحت محور ملاحقة من مكتب التحقيق الاتحادي (اف بي أي).

الحقيقة الثالثة هي ترابط البيوت المالية والنخب الحاكمة. فالأسواق المالية أبدت استياءها عند فرز الأصوات من النتائج الوافدة التي كانت تشير منذ بدايتها إلى إمكانية فوز ترامب، فشهدت انخفاضات كبيرة في التعامل المستقبلي. فعلى ما يبدو هناك حدود لما تستطيع أن يقوم به المال المؤسّسي، أي بيوت المال، في توجيه الرأي العام والمجيء بأشخاص ينفّذون أجندتهم بدون مسائلة ومحاسبة. هذا لا يعني أن دونالد ترامب سيكون بعيدا عنها، فهو رجل أعمال أولا وأخيرا وبحاجة إلى المؤسسات المالية، لكنه ليس مدينا لهم بالوصول إلى البيت الأبيض.

الحقيقة الرابعة هي أن الشعب متفوّق على النخب الحاكمة وأو الطامحة إلى الحكم. فحس الجماهير أقوى من آلة الاقناع التي تشكّلها الدعاية والمال. فلا الاعلام ولا استطلاعات الرأي العام ولا النخب الحاكمة في الأهمية التي يعتقد العديد من المراقبين والمحلّلين. الانتخابات الأميركية الأخيرة قلبت رأسا على كعب قوانين اللعبة السياسية وخطورة الاستهتار برأي الشعب.

الحقيقة الخامسة هو انتصار وسائل التواصل الاجتماعي في تعبئة وتنظيم وتنفيذ الحملة الانتخابية على مقولة ضرورة التنظيم على الأرض. فعلى ما يبدو استفاد ترامب من دروس الحراك الشعبي العربي في مطلع هذا العقد وطبّق نتائجه! استطاع ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتفوق على الآلة التنظيمية للمرشحة هيلاري كلنتون. فالإعلام المهيمن لم يستطع أن يغيّر رأي العام بشكل ملموس لأنه تجاهل عمق الغضب والحنق وحتى الخوف عند الناخب الأبيض الأميركي. الإعلام المهيمن ركّز على أهمية الأقليّات وتناسى دور الأكثرية وحنقها. فدفعت هيلاري كلنتون ثمن الاستهتار برأي الأكثرية. ربما هناك عبرة لمن يعمل بالشأن العام في لبنان والوطن العربي!

أما على صعيد التداعيات فما زال من المبكر تحديدها لتعقيد وتركيب المشهد على الصعيد الداخلي والخارجي. كما أن الرئيس المنتخب لم يحدّد من هو فريق عمله في الحكم وكيف سيتعامل مع النتائج لفوزه وكيف سيتعامل مع سلوك خصومه بعد المعركة. فالدولة العميقة التي اختطفها حزب الحرب في الإدارة الأميركية لن يستسلم بسهولة للواقع الجديد الذي يمثله ترامب. فهو يسيطر على كافة مفاصل الإدارة ويستطيع إما تسهيل أو إفشال أي قرار للرئيس المنتخب. لذلك سيحاول الحزب في المرحلة الأولى استقطاب ترامب عبر الترغيب وإذا فشل سيلجأ إلى الترهيب. ليس من السهل لحزب الحرب أن يسلّم بالهزيمة أو أن يخرجه عن أهدافه. فعلى سبيل المثال، التزم ترامب بزيادة النفقات العسكرية لتقوية القوّات المسلّحة. لم يحدّد من اين سيتم التمويل وإن كان في رأينا سيكون على حساب انتشار القواعد العسكرية. فهذه القواعد تستنزف القدرات المالية دون أن تزيد في الفعّالية العسكرية بل العكس فهي تزيد من خطورة الانكشاف لدى خصوم الولايات المتحدة في مختلف مناطق العالم. كما أن نفقات التسليح تعطى للشركات الخاصة التي تصنّعها وإن كان همّها الأول هو الربح وليس الجدوى العسكرية والفعّالية. فكيف سيتعامل ترامب مع حزب الحرب؟ هناك مقولة لجوليان اسانج صاحب موقع ويكيليكس وهي أنه لن يُسمح لترامب بالفوز، ما يعني حتى لو فاز فإن المؤسسة الحاكمة، أي حزب الحرب، سيجهد إما لإفشاله أو إزاحته. والله أعلم!

لكن بشكل عام فإذا ترك الأمر للرئيس المنتخب أن يعمل وفقا لأجندته فإن محور اهتمامه سيكون الشأن الداخلي. أما على الصعيد الخارجي فالواقعية السياسية هي التي ستكون سيّدة الموقف، وليست التوجّهات العقائدية للمحافظين الجدد أو أصحاب التدخّل الليبرالي. لذلك ستكون خلفية التوجه نحو الانكفاء الأميركي حتى يتم إعادة بناء عناصر القوة في الولايات المتحدة. هذا معنى شعاره “لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى”، الذي هو اعتراف واضح بالضعف الحالي.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر