الراصد القديم

2017/08/01

المحتلون والأقصى…تراجع تكتيكي ومعركة بدأت




عبد اللطيف مهنا
انتصر مرابطو ومرابطات القدس. لم تكسر إرادتهم. كسرت قرارات المحتلين وأزيلت إجراءاتهم. اضطر الاحتلال لأن يسحب بواباته الإلكترونية، وأن يفتح أبواب الحرم القدسي الأسير. أن يزيل اجراءاته التي أدَّت لإغلاقة. تدفق آلاف المصلين المكبِّرين لأداء صلاة انقطعت فيه لمدة أثني عشر يوماً. وعلى المسجد الأقصى شوهد الفتية يرفعون العلم الفلسطيني. واحتفاءً بما لم يحدث منذ خمسين عاماً، عشرات من تجَّار البلدة القديمة هرعوا ملتحقين بأمواج المتدفقين حاملين معهم اطباق الحلوى تهنئة بانتصار الإرادة العزلاء على جبروت القوة الغاشمة الباطشة.

… لم يرق الأمر للغزاة الحاقدين فانقضوا على الفرحين العزَّل بقنابل الغاز والقنابل الصوتية والرصاص المطاطي، وكما هي العادة، كانت المواجهة بين الصدور العارية والقوة الباطشة، وعشرات الجرحى والمصابين، ولم تفرًّق الهمجية بين الشيخ والطفل والرجل والمرأة، وكان أيضاً الصمود…رأينا بالصوت والصورة أن معركة الأقصى لم تنته وإنما قد بدأت للتو …
سحب البوَّابات وإزالة الإجراءات مجرَّد تراجع تكتيكي. استراتيجية التهويد لاتُسحب وباقية ما ظل كيانهم الغاصب لفلسطين قائماً. التراجع عائد لأمرين سنعرض لهما، لكن بعد التنبيه بأن ما خلاهما هو لغو لا يعدو ضرب من ترويجات وإيهامات وتوظيفات لسوانح حدث…من مثل:

وساطة غرينبلت، خطوط أبو الغيط الحمر، الاتصالات العربية مع نتنياهو، أو التمنيات عليه، مباشرةً، وبالأشبه ب”الجاهات” عبر الأميركان، بأن يتفادى ما ستطال تداعياته الجميع إذا ما حرَّكت الشارع العربي وتعدته إلى الإسلامي، وأخيراً المقتلة الإجرامية التي ارتكبها موسادي سفارته في عمان… كلها لا تعدو حواشٍ وفرَّت مادةً لذاك اللغو إلى أن وضع نتنياهو بنفسه حداً له، وهنا نأتي إلى الأمرين اللذين أجبراه على اتخاذ خطوته التكتيكية التراجعية، وهما:

ألأول، وهو ما اعترف به مؤكِّداً أنه وحده السبب، وهو معارضة المؤسسة الأمنية والجيش وتحذيرات التقارير الاستخبارية المنذرة من انفلات الأوضاع في كامل فلسطين ما قبل النكبة وما بعدها وبوادر انفجار انتفاضة لها ما بعدها جراء تداعيات قرار متسم بالغباء وفي التوقيت الأسوأ، تداعياته قد تشعل دنيا العالمين العربي والإسلامي.

الثاني، فشل المراهنة على انكسار إرادة الفلسطينيين…تجلى هذا في تحوُّل باب الأسباط إلى أيقونة إباءٍ وصمودٍ وتحدٍ رافضٍ لخنوع المرحلة، وجديد صفحة في سجِّل النضال عُمِّدت بدماء شهداء الطور وراس العامود وسلوان، وزنِّرت بمشهدية الصلوات الكفاحية على مداخل البلدة القديمة، وحيث بات هذا الباب شاهداُ على وحدة إنسان هذا الوطن المستلب بشقية المحتلين إثر النكبتين 1948، 1967 …على فشل حواجز وحدود وسياسات ثلاثة ارباع قرن من الكبت والعزل والتفريق والأسرلة.

…مما أدهش عميرة هاس في صحيفة “هآرتس” رؤيتها أنه “بين الذين لا يُصلّون عادةً من جاءوا أمس إلى أماكن الصلاة في القدس لمشاركة أبناء شعبهم، بل أيضاً بعض الفلسطينيين المسيحيين انضموا للمصلين وصلّوا صلواتهم باتجاه الأقصى ومكة”.
مقتلة سفارة نتنياهو في عمان لعبت دوراً واحداً لا غير، وهو أن عودة مرتكبيها سالمين غانمين إلى كيانهم قد وفَّرت له سلَّم نزول من على شجرة بوَّاباته الإلكترونية وخدمته في تبرير تراجعه لصهاينته. لذا كان نشره لاتصاله الهاتفي بالقاتل قبل عودته واستقباله الاستعراضي له بعدها، وحيث خاطبة والسفيرة العائدة معه بقوله “لقد عملتما برباطة جأش…انتما تمثلان إسرائيل”… نعم كقتلة هما فعلاً يمثلان نتنياهو وكيانه.

…أما ما دفعه لأن يعجِّل بنزوله عن شجرته بعيد أن وفَّر له من استقبلهما بحفاوة استعراضية مخرجاً، فهي وباعتراف مصادرهم كانت العملية الفدائية التي نفَّذها فتى قرية كوبر بمنطقة بيت لحم الشهيد عمر العبد في مستعمرة “حمليش” المقامة على ارض القرية، والتي أوجعتهم وأفزعتهم وباتو يخشون تكراراً لها توفِّره غضبة الأقصى.

معلِّق متعقِّل منهم هو جدعون ليفي في صحيفة “هآرتس” ذاتها دعا إلى قراءة وصية شهيد العملية جيداً “واستخلاص العبر” منها، وأولها أن “الضفة الغربية ستتحول جميعها إلى عمر العبد-وقطاع غزة أيضاً، ومن يعتقد أن هذا الأمر يمكن أن يكون مختلفاً فليراجع كتب التاريخ. هكذا يبدو الاحتلال وهكذا تبدو مقاومته”…لينتهي ليفي إلى القول إن “الخيانة الحقيقية ليست قراءة هذه الوصية، بل الاعتقاد أنه من خلال البوَّابات الإلكترونية والتصفيات وهدم المنازل والاعتقال والتعذيب، يمكن منع العمليات الكثيرة القادمة، الخيانة هي الاستمرار في وضع الرأس في الرمل”.

…معركة مرابطو ومرابطات باب الأسباط، والتي تحولت من ثم إلى مواجهات باب حطة، والتي امتدت بدورها إثر القمع الباطش وغير المسبوق في بشاعته لوأد فرحة انتصار الإرادة المدافعة عن الحرم القدسي لرمزيته الوطنية إلى جانب قداسته الدينية، إلى مواجهة عادت لتشمل كل القدس الشرقية، مردها إصرار خائضي مواجهاتها مع المحتل على عودة الأمور إلى الحرم لسابق عهدها قبل إجراءات نتنياهو وبوَّاباته الإلكترونية، ولو كانت الحالتين العربية والفلسطينية أفضل مما هما عليه لطالبوا بتحرير الأقصى وليس العودة لأوضاع سادت بعيد احتلاله… صمود فلسطيني بطولي يقابله تراجع صهيوني تكتيكي مع بقاء ما هو الاستراتيجي، فمحاولة سريعة وحاقدة للعودة عن هذا التراجع…معركة الأقصى لم تنتهي وإنما بدأت…ولت من ثم إلى مواجهات باب حطة التي امتدت على ضوء القمع الباطش وغير المسبوق في بشاعته لوأد فرحة انتصار الإرادة المدافعة
بعة تيةاعلى الاً با نتصار إرادتهم

الحكام العرب أدانوا الشهداء الفلسطينيين (وأقروا بالإجماع سيادة الكيان الصهيوني على الأقصى)!!!




خورشيد الحسين
المقاومة الفلسطينية وجدت لتبقى.....وستبقى(جمال عبد الناصر)

الذل العربي الرسمي ليس حديثا ,والإنبطاح والنفاق ومساندة الصهيوني ليس غريبا ,وتحميل الفلسطيني مسؤلية ما يحدث بينهم وبين الصهاينة إخوان الحكام الغرب بالرضاعة الأمريكية مسألة طبيعية منذ أربعة عقود ونيف,أما ما هو جديد هو الصفاقة التي مارستها أدوات الإعلام العربية والأكثر صفاقة ما صرح به وزراء ورسميون عرب .والأكثر وقاحة حيث جف ماء الوجه حتى بات كعورة القرد هم الحكام العرب أنفسهم ونموذجهم الفج الملك الأردني عبدالله بتصريحه المذل الذي قال فيه ( إن إسرائيل هي المسؤولة عن المسجد الأقصى وهي من تقرر فتح او اغلاق المسجد الاقصى متى تريد !)وقد جاء تصريحه ردا على المناشدات التي أطلقتها جهات رسمية دينية في القدس الشريف للتدخل والتي ترافقت .وليس صدفة .مع تصريح وزير الأمن الداخلي الصهيوني جلعاد أردان (نحن أصحاب السيادة في الأقصى والقدس ولا يهمنا مواقف الدول العربية)!!!!,هذه المواقف كانت أكثر من مرتاحة في إعلانها طالما رب البيت الفلسطيني قد ضرب طبل التنديد منذ اللحظة الأولى للعملية البطولية في القدس وجاءت ادانته خلال اتصال هاتفي أجره مع رئيس وزراء الاحتلال "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو.

وبالرغم من خطورة دلائل ومؤشرات ما حدث من قبل الصهيوني الذي نسي أو تناسى قادة الذل العربي أنه مغتصب للقدس ولكل فلسطين وأنه يذيق أهلها المر ويسقيهم كأس الموت والأسر والحصار والتجويع كل لحظة,تناسىت الإمعات الصهيونية كل هذا وأجمعوا على إدانة (أعمال العنف في المسجد )...!!!!! ليس أكثر من حجة القحباء فيما تنشر من رذيلة تصريحاتهم التي تصب في مقاصد الإحتلال وهي ليست خافية على أحد .

وقد عبر وزير شؤون القدس ومحافظها عدنان الحسيني عن ذلك قائلا(إن إغلاق المسجد الأقصى أمر خطير، "ونشتم رائحة غريبة ومخيفة من هذا الفِعل".
وأضاف خلال مؤتمر صحفي يوم السبت، أن المسجد الأقصى لم يغلق بوجه المصلين منذ مئات السنين، وقد أغلق بسبب الحريق عام 1969، فيما يغلق بالقوة للمرة الأولى منذ الاحتلال.

وأضاف أن القضية ليست قضية إغلاق باب خشب، وإنما هناك أشياء لا نعرفها بالضبط لكنها أمور مقلقة.)

وقد جمع المراقبون ان (("سلطات الاحتلال اغلقت المسجد الاقصى اليوم تحت ذرائع امنية واهية من اجل اتمام مشروعها الاحتلالي في طمس هوية ومعالم الحرم القدسي العربية والاسلامية وتنفيذ مخططاتها الاستيطانية بحق الاقصى وخصوصا الاستمرار في عمليات الحفريات تحت المسجد وتكثيف عمليات الاقتحامات العنصرية التي تقوم بها جماعات المستوطنين" )).وطبعا ليس خافيا على أحد أن هذه الخطوات لم تتوقف يوما ولكن يبدو أن عملية تحريكها وتثبيتها كحق صهيوني لا يقبل المفاوضات ولا التدخل الخارجي باعتباره شأن إسرائيلي داخلي هو ما يحمل في طياته مؤشرات الخطورة .وجسة النبض الصهيونية هذه برفع سقف التصرف والتصريحات وردود الفعل العربية الرسمية والدولية جاءت وفق ما يشتهي وحبة مسك ,مما يعطي الصهيوني دفعا جديدا لاستكمال مشروع التهويد لفلسطين التاريخية وللقدس مجتمعة فلا شرقية ولا غربية .كما لا مفاوضات مع الفلسطيني كما عبرت الدبلوماسية الصهيونية في إقناع الأمريكي بعدم جدوى المفاوضات !!!! حيث لا تملك شيئا لتفاوض عليه ..

وقد جاءت التصريحات العربية الرسمية وغياب الفعل الشعبي المشغول بلملمة أشلاءه من الشوارع الغارقة بدمه ليعطي أمر عمليات بالموافقة والصمت والمساندة للصهيوني ,ليس في هذه الإجراءات التي ستتوقف حكما .إنما في السير العملي المباشر للبدء في تصفية القضية الفلسطينية ....

جورج فريحة عن بشير الجميّل: التحضير لـ«صبرا وشاتيلا»



أسعد أبو خليل

صدر قبل أشهر قليلة كتاب جورج فريحة، «مع بشير: ذكريات ومذكّرات». وجورج فريحة (المُتزوّج من ابنة خال بشير، موريس الجميّل -- و«العائلة» في شعار الكتائب «الله - الوطن - العائلة» لا تعني إلا عائلة الجميّل.

ويروي فريحة أن بشير أراد تفادي تعيين قريبه، فريحة، في منصب لإدارة مرفأ جونيه «كي لا تطلع ريحتك» — كما قال له — لكن قام بتعيين «نسيب آخر» له، ص. ١٠٢)، كان من فريق ثلاثي شكّل «العقل» الاستشاري لبشير (وضمّ معه سليم الجاهل وأنطوان نجم، لكن دور أنطوان نجم، الذي لا يظهر في الإعلام، والذي كان يكتب باسم «أمين ناجي»، لأن وظيفته في الدولة اللبنانيّة كانت تمنع عليه المجاهرة بحزبيّته، هو الأبرز بين الثلاثة، وصاحب عقل طائفي مريض). والفريق الثلاثي، كما لا يخفي فريحة في روايته، كان من أنصار التحالف الوثيق مع العدوّ الإسرائيلي (وهذا الفريق نفسه كان الوحيد المُعارض لترشيح بشير الجميّل للرئاسة في عام ١٩٨٢ بسبب صغر سنّه ورفض الجمهور الإسلامي له يومها). وإذا ما كان هناك مفاجأة في الكتاب — وهناك أكثر من مفاجأة — فهي في هذه الصفاقة في التعبير عن إيمان الكاتب بضرورة التحالف مع العدوّ الإسرائيلي، ولوم مشاكل لبنان على تخلّي لبنان الرسمي عن «الحليف» الإسرائيلي في عهد أمين الجميّل.

وفريحة صاحب المشروع التقسيمي المُبكّر للجامعات في لبنان: فمشروع بشير الجميّل الكياني (كما يظهر بوضوح في الوثائق الأميركيّة المُفرج عنها) ينقسم إلى مرحلتيْن زمنيّاً: زمن المشروع التقسيمي الذي استمرّ منذ بداية الحرب حتى صعود الليكود في عام ١٩٧٧، عندما انتشى الطموح الانعزالي. كانت القوّات اللبنانيّة تحلم بتأسيس دولة انقساميّة متحالفة مع العدوّ الإسرائيلي من المرفأ إلى جسر المدفون. لكن صعود أرييل شارون وزيادة المساعدات الإسرائيليّة (ومن بعدها الأميركيّة بعد صعود رونالد ريغان في عام ١٩٨٠) قدّم لهذا الفريق فرصة الاستيلاء على كل لبنان (هذا ما عناه الشعار السيّئ الذكر، «١٠٤٥٢ كلم مربّع») من خلال اجتياح إسرائيلي شامل للبلد. وجورج فريحة بدأ مشروع التقسيم الجامعي عبر إنشاء فرع (غير مُرخّص في البداية) للجامعة الأميركيّة في بيروت، وتلاه فرض بشير الجميّل تقسيم الجامعة اللبنانيّة (لا ضيرَ طبعاً من فتح فروع للجامعة اللبنانيّة على أن تكون هذه الفروع وفق مشروع وطني شامل ومرتبط بخصائص المناطق — كما أن فروع جامعات كاليفورنيا في المناطق الزراعيّة تقدّم اختصاصات زراعيّة — وليس على أساس طائفي محض، كما أراد بشير).

وقد ظهر فريحة على شاشة «أو.تي.في» وعلى شاشة «إم.تي.في» للترويج لكتابه مع أن الكتاب تعرّض لمقاطعة من قبل آل الجميّل، لأن المؤلّف فضح للمرّة الأولى ما لم يكن خافياً في السرّ: إن خلافاً عائليّاً وشخصيّاً حادّاً بين بيار الجميّل (الجدّ) وبين موريس الجميّل (شقيق زوجة بيار الجميّل) هو الذي أدّى إلى استقالة موريس من الحزب في عام ١٩٧٠ (ينحاز المؤلّف إلى صف حميه في الخلاف). لكن رواية فريحة غير صحيحة: لم تكن رئاسة الجمهوريّة في عام ١٩٧٠ «في متناول» (ص. ١٦) موريس الجميّل لولا معارضة بيار الجميّل، حسب ظنّه. لم يكن وارداً أصلاً وصول موريس إلى الرئاسة في ذلك العام لسببيْن: ١) لم يكن وصول مرشّح حزب الكتائب إلى الرئاسة وارداً في ذلك الزمن، لأنه كان مرفوضاً بقوّة من قبل الجمهور الإسلامي واليساري والقومي العربي وحتى المسيحي، وكان ترشيح بيار الجميّل الموسمي للرئاسة يُعتبر مزحة فقط. ٢) لم يكن موريس الجميّل بالرغم من تحدّثه المُستمرّ عن العلوم والإنماء (مِن منجزاته تدشين مهرجان الزهور في بكفيّا) يُؤخذُ كثيراً على محمل الجد من زملائه، وكانت خطبه في المجلس النيابي تُقابل بالهزء، وكان شديد التألّم من ذلك.

ويكشف الكتاب عدداً من الحقائق التي كانت مجهولة، مثل التعاون الوثيق بين إدارة الجامعة الأميركيّة وحزب الكتائب اللبنانيّة. يروي فريحة كيف أن حل مجلس الطلبة في الجامعة (والذي كان واقعاً تحت نفوذ الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة) في عام ١٩٧١ كان نتيجة خطة من بشير الجميّل: الخطّة اقتضت بأن يقصد زعران حزب الكتائب الجامعة ويفتعلون اشتباكات مع الطلّاب المناوئين، ما يعطي ذريعة للجامعة لحلّ مجلس الطلبة، وهذا ما جرى (ص. ٢٤). وتلى ذلك إجراء انتخابات (قد تكون الإدارة زوّرتها) عزّزت من تمثيل «الرابطة اللبنانيّة» المحسوبة على قوى اليمين الانعزالي. ويورد الكاتب ببساطة شديدة، تكاد تكون كلاماً عرضيّاً، أخبار إرسال زعران الكتائب إلى المدارس والجامعات من أجل افتعال الاشتباكات والاضطرابات (والذي عاش فترة ما قبل الحرب يتذّكر ذلك). وكان جوزيف أبو عاصي (مرافق بيار الجميّل الذي أدّى مقتله -- على يد المخابرات الأردنيّة على الأرجح — إلى البداية الرسميّة للحرب الأهليّة في عين الرمّانة) بطلاً من أبطال زعران بشير في الضرب والاعتداء (ص. ٤٧).

وتناقض رواية فريحة الكثير من الروايات الرسميّة للكتائبيّين عن نقص في التسلّح وعن أن الحاجة الماسّة إلى السلاح هي التي دفعت بميليشيات اليمين للارتماء في أحضان إسرائيل (هذه رواية جوزيف أبو خليل الخياليّة عن رحلته إلى عرض البحر وزيارة فلسطين المحتلّة من دون تخطيط مسبق والوقوع بالصدفة على قادة العدوّ وهم يتجوّلون على شاطئ حيفا حاملين صناديق السلاح الموعود). يقول فريحة عن حقبة ما قبل الحرب (عندما كان بشير يُشدّد على ضرورة التسلّح وإنشاء منظمّات عسكريّة) ما يلي: «وكانت الأسلحة تتدفّق على الموانئ غير الشرعيّة من بلدان أجنبيّة عديدة» (ص. ٣٨). وكانت الخطّة (الإسرائيليّة ـ الأميركيّة) واضحة: فقد كان السلاح يُوزّع على المناطق المحيطة بالمخيّمات الفلسطينيّة (ص. ٤٠) من أجل جرّها إلى اشتباكات أدّت فيما بعد إلى إشعال الحرب الأهليّة.

والأستاذ الجامعي، فريحة، لا يتورّع عن الزهو بقصّة إنشاء فرع الأشرفيّة للجامعة الأميركيّة في بيروت. يقول إن الجامعة رفضت طلب فتح فرع منفصل لها في «الشرقيّة» فما كان من بشير إلّا أن قصف حرم الجامعة في بيروت «الغربيّة»، ولما لم ترضخ إدارة الجامعة له، هدّد بمزيد من القصف وبإقفال الجامعة الأميركيّة بالقوّة (ص. ٦٨). وعندما فشل اجتماع بين رئيس مجلس أمناء الجامعة وبين بشير الجميّل وداني شمعون، قصف بشير الجامعة مرّة أخرى ما أوقع جرحى، بينهم ابن نائب رئيس الجامعة، جورج حكيم. عندها فقط رضخت إدارة الجامعة لمطالب الكتائب (ص. ٦٩). ولم تختلف قصّة فتح فروع للجامعة اللبنانيّة في المناطق الخاضعة لنفوذ ميليشيات إسرائيل، إذ أن بشير استدعى بطرس ديب وطلب منه التوقيع على قرار مُعدّ. وافق ديب من دون طول نقاش، وقال: «أنا رجل شبه مريض... لا أحتمل صحيّاً دخول صندوق سيّارة أو ما شابه. لذلك أرجو أن تعرض عليّ ما تشاء بخصوص تفريع الجامعة» (ص. ٧٧). هذه الحقائق عن مجرم الحرب، بشير الجميّل، تغيب عن وثائقيّات زمن «١٤ آذار» عنه. ويجب الأخذ باحتمال أن تكون القوّات اللبنانيّة هي التي قتلت مالكولم كير، رئيس الجامعة في عام ١٩٨٤، الذي كان يريد أن يُغلق فرع الأشرفيّة للجامعة. ويعترف فريحة أن بشير فتح «كرخانة» من أجل جباية المزيد من الأموال (ص. ١٠٥): أي أن بشير الجميّل مارس مهنتيْن في آن في سنوات الحرب، قائد ميلشيا وقوّاد.

لكن هناك قصّة طريفة تُروى في الكتاب. كيف أن بشير الجميّل تلقّى رسالة شخصيّة من الرئيس الأميركي رونالد ريغان، فـ«جُنّ جنونه» فرحاً بتسلّم الرسالة، بحسب وصف فريحة نفسه. أمر بشير بجمع كل الفريق الاستشاري المعني بالشأن الأميركي برئاسة شارل مالك. المُضحك أنه بعد عمل ساعات اكتشف مالك وصحبه أنهم لا يستطيعون صياغة رسالة بالإنكليزيّة (أي أن «كاتب» شرعة حقوق الإنسان بالإنكليزية عجز عن كتابة رسالة). عندها، اقترح عليهم مالك استدعاء سيسيل حوراني (شقيق ألبرت حوراني)، وهو كان أستاذاً متقاعداً وكان يساعد مالك في صياغة خطبه في الأمم المتحدة. وسيسيل هذا ألّف في ما بعد في عام ١٩٨٤ كتاباً اسمه («الرحلة غير المنتهية»)، وقد صرّح فيه عن تعصّب أعمى لسعد حدّاد وللاحتلال الإسرائيلي للبنان. لا، وتبلغ القحّة بسيسيل هذا أن يتهم سليم الحص بكراهية الطائفة المارونيّة بحالها بسبب معارضته لسعد حدّاد وجيشه (ص. ١٨٠، من كتاب حوراني، وسيسيل هذا كان مستشاراً لبورقيبة في سنوات جهره بالصلح مع إسرائيل، كما أنه أصبح في سنواته الأخيرة داعية للنظام الأردني). وقد أُعجب الجميّل بسيسيل إلى درجة أنه طلب من فريحة أن يعتقله (بحسب ما روى في مقابلة الـ«إم.تي.في»)، ثم جعله — برضاه — مستشاراً له لشؤون مصر والعراق وإسرائيل و«دول أخرى» (ص. ١٢٣ من كتاب فريحة). (وآراء حوراني واضحة في كتابه المذكور أعلاه، فهو في الوقت الذي ينبذ فيه السلاح الفلسطيني، يتفهّم كيف أن اليهود ينضمّون حتى إلى منظمّة «شتيرن» الإرهابيّة (ص٤٦ من كتاب حوراني)، وهو يرفض فكرة أن تكون دولة إسرائيل طامعة بأرض جنوب لبنان مع أن بن غوريون نفسه أخبره أن مرجعيون — مسقط رأس عائلته — تقع في «أرض إسرائيل» (ص.٥٨ من الكتاب نفسه). الطامة أن حوراني هذا اختير من قِبل الجامعة العربيّة كي يرأس المكتب العربي في واشنطن في الأربعينيات كي يشرح القضيّة الفلسطينيّة.

والكتاب يفيد في تأريخ مرحلة مشينة من الزمن اللبناني المعاصر، لأن الكاتب لا يُخضع نفسَه للمراقبة الذاتيّة التي تفرض تكاذباً على طريقة خطاب «١٤ آذار» بأن «إسرائيل عدو»، فيما هم منخرطون بقوّة في مشروعها. لا، فريحة يروي كيف أن بشير زار القصر الجمهوري في بعبدا في ١٣ كانون الثاني ١٩٨٢ والتقى بالياس سركيس وفؤاد بطرس وجوني عبده وأعلمهم بقرار إسرائيل باجتياح لبنان. كيف كانت ردّة فعل لبنان الرسمي يومها؟ يقول فريحة: «فصفّق بعض الحاضرين قائلاً: أتانا الفرج. وبدا السرور على الرئيس سركيس مُشيراً على جوني عبده بالتنسيق مع بشير» (ص. ١٤٧). إن هذه الواقعة، مثل غيرها، تُعزّز الفكرة بأن لبنان وتركيبته مُشوّه لأنه خلافاً لبلاد عانت من احتلال أجنبي (مثل فرنسا تحت الحكم النازي أو الجزائر تحت الحكم الفرنسي) لم يجرِ حساباً وعقاباً لطاقم المتعاملين والمتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي، والعمود الفقري للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي اتبع سياسة الحلم والغفران حتى مع أتباع جيش لحد. (بالمناسبة، إن الكتاب يناقض روايات جوني عبده الكاذبة، بما فيه نفيه أن يكون قد احتلّ موقعاً أمنيّاً في حزب الكتائب في حرب السنتيْن، ففريحة يقول إنه كان قائداً «للشعبة الثانية» في الحزب في سنة ١٩٧٦(ص. ١٧٨)، كما أن شارون يتحدّث عن اجتماعات عديدة له مع جوني عبده (ص. ٢١٨) فيما لا يزال عبده، الذي حوّل منزله إلى بيت مضافة لشارون، ينفي أن يكون قد اجتمع بشارون مرّة واحدة).

لكن هناك جانب تراجيدي في الكتاب، عن ذلك اللقاء الحزين بين بيغن والجميّل في نهاريا قبل اغتيال بشير الجميّل بأيام. القلب يقطر حزناً لمشهد بيغن وهو يُقرّع الرئيس اللبناني المُنصَّب من قبل قوّات الاحتلال بصلف وعنجهيّة وتكبّر واحتقار. (ص. ١٨٧). ونص اللقاء بين بشير وبيغن (الذي دوّنه فريحة) يختلف كليّاً عن الأساطير التي حيكت عنه، وكيف أن بشير ضرب الطاولة وصرخ بوجه بيغن ثم قفل عائداً إلى لبنان... على متن طوّافة عسكريّة إسرائيليّة. في الحقيقة، كما نقرأ في نص اللقاء كان الخلاف يتمحور حول غضب بيغن من أن بشير (وأباه وكميل شمعون) لم يجهروا بشكرهم وامتنانهم للعدوّ الإسرائيلي (لكن بشير وعد شارون أنه سيفعل في المستقبل في مقابلة مع مجلّة «تايم»، وأنه يُحضّر لتظاهرة شعبيّة ضد الفلسطينيّين ومناصرة للاحتلال الإسرائيلي (ص. ١٩٣) — لكن الحبيب، حبيب الشرتوني، منعه من تحقيق ذلك). ثم أصدر بيغن أوامره لبشير بشأن سعد حدّاد وصنّفه بأنه «مواطن لبناني صالح» (ص. ١٩٧) (الاحتلال الإسرائيلي يفصل في وطنيّة اللبنانيّين بحسب معايير الكتائبيّين والقوّاتيّين).

ويضيف فريحة فصلاً عن لقاء لاحق في بكفيّا في ١٢ أيلول (بعد لقاء نهاريا) نجح فيه شارون في إعادة الحرارة والدفء إلى العلاقات بين القوّات اللبنانيّة والعدوّ الإسرائيلي. وهذا الفصل مفيد لأنه للمرّة الأولى يفصّل أنواع الأطباق اللبنانيّة التي كان شارون يحبّها والتي كانت صولانج الجميّل تتخصّص بإعدادها له (كما روى شارون في مذكّراته)، وهي: خروف محشي، كبة مشويّة وكبّة بالصينيّة والكنافة، بالإضافة إلى أطباق أجنبيّة (ص. ٢١٥). هذه التفاصيل يجب أن تدخل في المنهج اللبناني الدراسي كي تعرف أجيال جديدة عن تعاطي فئة لا يُستهان بها — ومن مختلف الطوائف — مع الاحتلال الإسرائيلي للبنان.
وشارون يُذكِّر بشير الجميّل بأنه هو صاحب فكرة ترشيحه لرئاسة الجمهوريّة، وأن الأميركيّين لم يصدّقوه عندما طرح الفكرة. لكن أخطر ما يرد في نص فريحة عن لقاء شارون وبشير الجميّل هو الإفصاح عن خطة مسبقة لمجزرة صبرا وشاتيلا وذلك قبل اغتيال بشير الجميّل (يُعلَم هذا للمرّة الأولى).

يتضح من الرواية أن الحكومة الإسرائيليّة أعدّت للمجزرة مسبقاً وناقشت بشير الجميّل في تفاصيلها، إذ أن شارون يقول للجميّل: «هل تريد أن تتحرّك قوّاتنا بحريّة في بيروت الغربيّة؟ أنا شخصيّاً أفضّل أن تبقى قوّاتنا في خارج بيروت. وسنتصرّف تصرّفاً شرعيّاً مع جماعتك لقتل الفلسطينيّين أو سواهم. هل تريدنا أن نشترك في هذا العمل؟ إذا قلتَ: لا، فنحن حريصون على أن لا نحرج موقفك» (ص. ٢٢١). وردّ بشير بالقول: «لا تدخلوا بيروت الآن...إبقوا حيث أنتم. وجودكم هو بمثابة قوّة ضاغطة تجعل الجيش اللبناني أوفر قدرة على التحرّك في مناطق مختلفة، فيطهّرها وينشر فيها الهدوء والأمان». ثم ردّ شارون: «وإذا ذهب جيشكم إلى صبرا وشاتيلا، فهل تريد أن تتحرّك قوّاتنا وراءه»؟ فأجابه الجميّل: «أظن أن جيشنا قادرٌ («قادراً» في الكتاب، ص. ٢٢١) على العمل وحده». ثم عاد شارون إلى موضوع صبرا وشاتيلا فقال: «هل ستذهب قوّاتنا وراء جيشك إلى المدينة الرياضيّة وصبرا وشاتيلا؟» فأجاب الجميّل: «نعم. إذا شئتَ التحدّث عن هذه التحرّكات فعليكَ أن تقول إن الجيش اللبناني هو الذي دخل هذه الأماكن، وإن القوّات الإسرائيليّة ما جاءت إلّا بعده لتأخذ علماً بأن كل شيء جرى على ما يرام. في وسعكم أن تأتوا بعدنا لتروا أن العمليّات تُنفَّذ على الوجه الملائم. لا يجوز أن يظن أحد أنكم تنسّقون مع الجيش اللبناني. نسّقوا ما شئتم مع «هورس» (فادي أفرام)، وميشال عون، وأمير دروري... إننا نقوم بعمليّة «سلامي». ردّ شارون: «إذاً، فالوقت غير مناسب للقيام الآن بأعمال استعراضيّة في بيروت الغربيّة؟ أجابه الجميّل: «ليست هذه المنطقة آمنة. قد يتعرّض جنودكم للخطف والقتل... سيحصل تنسيق بين إيلي حبيقة وجوني عبده على أرفع مستوى. وهما ينسّقان مع جماعتك على مستوى رفيع أيضاً» (ص. ٢٢٢).

واللافت أن أرييل شارون يبدو مهووساً بشفيق الحوت، السياسي والكاتب الفلسطيني ــــ اللبناني المعروف، ومدير مكتب منظمّة التحرير في بيروت لسنوات طويلة، والذي لم يكن له أي صفة عسكريّة. هذا هو العدوّ على حقيقته، لا يميّز بين المدني والعسكري. يسأل شارون الجميّل بصفاقة: «إذا تلقينا معلومات عن تحرّك أحد مراكز الفلسطينيّين، كمركز شفيق الحوت، مثلاً، أو غيره، وتدخل مغاويرنا لقمعه، فما هو الموقف الذي ستتخذونه من هذا الأمر؟». فيجيب بشير الجميّل: «إفعلوا ما تسمح به إمكاناتكم» (ص. ٢٢٣). هذا هو رئيس الـ١٠٤٥٢ كلم مربّع على حقيقته، بنص مساعده الأقرب. ويُطمئِن الجميّل شارون أن حكومته المُزمعة لن يكون فيها «الوزّان. ولن يدخلها جنبلاط أو قليلات أو عرفات». ويُفصح الكتاب عن حقيقة موقف الجميّل من العرب والعروبة (في وقت انفتحت فيه كل السفارات العربيّة نحو هذه الأداة الإسرائيليّة، بما فيها السفارة الجزائريّة)، إذ يقول لشارون: «ومن أجل أن تفهمني أصارحك بأني لا أعلن عزمي على البقاء في العالم العربي طمعاً بأموال العرب وما إلى ذلك. ولا تهمّني المصالح العربيّة في لبنان. ولكنني لا أستطيع إلا أن أهتم بأمور جوهريّة، حيويّة، أبرزها أن ستين في المئة من دخل اللبنانيّين، ومعظمهم من المسيحيّين البالغ عددهم ٣٠٠ ألف في البلدان العربيّة، يأتينا من هذه البلدان. لا مشكلة على الصعيد السياسي إذا نحن قطعنا العلاقات القائمة بيننا وبين العرب» (ص. ٢٢٧). وخلاصة اجتماع شارون مع الجميّل أن الفريقين توافقا على عقد معادة بين البلديْن، والتوتّر (من طرف واحد — الإسرائيلي) الذي ساد في لقاء نهاريا تبدّد، وأرسل بيغن برقيّة لبشير يهنئه فيها على الاتفاق الذليل بينه وبينه شارون (وهذا يجب أن يدفن إلى الأبد النظريّة الخبيثة عن أن خلافاً وقع بين بشير وبين مُشغّله الإسرائيلي وأن هذا كان سبب اغتياله). وأكد جورج فريحة في مقابلة مع «إم.تي.في» أن المسلمين كانوا سيقبلون المعاهدة بين لبنان وإسرائيل لأن المسلمين كان «طالع دينهم»، ولأن عبد الحميد الأحدب وصائب سلام أحبّا بشير الجميّل.

ويتضمّن الكتاب نصوصاً لاجتماعات بين بشير الجميّل ومديرين عامّين في الدولة اللبنانيّة بعد تنصيبه رئيساً. وفي لقاء مع أمين عام وزارة الخارجيّة يقول الجميّل: «فالاغتراب يجب أن يتخذ الطابع المسيحي. وسأبذل قصارى الجهد لأعيد المسيحيّين إلى لبنان». ويضيف الجميّل رأيه في أن لبنان هو جزء من العالم الثالث فيقول: «أنا حضارة. وليس لي شأن أو علاقة مع العالم الثالث. أرجو أن تثبت أننا لا ننتمي إلى هذا العالم الثالث لا من قريب ولا من بعيد. أُخرج معي من هذا العالم المتخلّف ولحّقني إلى العالم الأوروبي، ولنرتبط بالعالم الحرّ والأميركي. أما قرأتَ تصريح واينبرغر وبحثه في إدخال لبنان إلى الحلف الاستراتيجي؟ قلتُ: إني متضامن معك. خذوا شواطئنا. خذوا صنّين قواعد لكم. شدّني إلى أميركا. أنا معها. علاقتي هي بها وبأوروبا» (ص. ٢٥١). وفي لقاء مع قائد الجيش، فكتور خوري (الذي قاتل مع الميلشيات اليمينيّة في شكا في سنوات الحرب)، فنجد أن خوري يُطمئِن بشير عن طائفيّته فيقول له: «بالنسبة إلى أصحاب الرتب في المستقبل، أصبح المسلمون أوفر عدداً. لما تسملّتُ القيادة كان عددهم حوالي ١٧٠٠٠. أصبحوا اليوم ٢٤٠٠٠. فسرّحتُ قسماً كبيراً منهم، حوالي ٤٠٠٠» (ص. ٢٦١). وأضاف خوري الذي كان جيشه يقف مُنسِّقاً مع الاحتلال الإسرائيلي: «علينا ان نحارب سوريا علناً، شقيقتنا سوريا». (ص. ٢٦٣)

تقرأ هذا الكتاب وتقرأ تفاصيل ومعلومات جديدة عن مرحلة مفصليّة في التاريخ العربي المعاصر، ويزداد تقديرك وإعجابك بحبيب الشرتوني (الذي تتعرّض سيرته لتشويه فظيع وحقير في هذا الكتاب الذي ينمّ عن أخلاقيّات بشير الجميّل وصحبه). وحبيب الشرتوني لا يحتاج إلى دفاع عنه منّي أو من غيري. تاريخ لبنان (الحرّ) سينصفه وسيعظّمه. وحبيب لم يغادر وطنه يوماً. هو في صلب الوطن، وهو وقفة عزِّه. مسخُ الوطن غادره، ولن تتحقّق الوطنيّة اللبنانيّة الحقّة من دون عودة مظفّرة لحبيب وعلى رؤوس الأشهاد. عندها، عندما يخرج الناس في الشوارع ليزفّوا عريسهم حبيب، يمكن لنا أن نتكلّم عن سيادة وعن عزّة للوطن.

ثالوث «حرب المياه» في المنطقة: العراق المتضرر الأكبر



إسماعيل جمال

يبدو أن محصلة سنوات طويلة من الإجراءات والمشاريع المرتبطة بالمياه في المثلث الذي يجمع دول إيران والعراق وتركيا بدأت بالظهور على شكل خلافات وتحذيرات واتهامات متبادلة بين هذه الدول التي يخشى البعض أن تتصاعد لتتحول إلى «حرب على المياه» بين هذه الدول وغيرها في المنطقة.

وبينما بدأت إيران تشتكي وتحذر من مخاطر السدود التي تبنيها تركيا على ممرات المياه التي تصل إلى أراضيها، يشتكي العراق الذي يبدو أنه المتضرر الأكبر من الإجراءات الإيرانية والتركية التي باتت تشكل خطراً كبيراً على أمنه المائي، في حين تتمسك تركيا بما تعـتبره «حقـها السـيادي» في بنـاء الـسدود.

إيران التي انعقد فيها قبل أيام مؤتمر كبير حول المياه و»عواصف الغبار» الناجمة عن جفاف بعض الممرات المائية وسعت انتقاداتها لتركيا بسبب مشاريع بناء السدود التي تقوم بها على أراضيها وتقول طهران إنها سوف تشكل عليها خطراً كبيراً وسوف تتسبب في تناقص المياه التي تصلها بشكل كبير.
الرئيس الإيراني، حسن روحاني، انتقد دول جوار إيران ومن بينها تركيا، على إقامة مشاريع لبناء سدود على الأنهار، واصفا تأثير هذه السدود بالمدمر، وقال: «هناك بلد جار يفكر بإقامة 22 سدا على دجلة والفرات مما يترك آثارا سلبية على حياة العراقيين والإيرانيين».
ويقصد بهذا البلد تركيا التي تقوم بمشروع «غاب» الذي يهدف إلى تطوير وتنمية مناطق جنوب وشرق البلاد ويتضمن بناء 22 سداً على نهري دجلة والفرات اللذين يمتدان عبر سوريا والعراق وإيران وتقول هذه البلدان إنها سوف تتضرر بشكل كبير من هذا المشروع، بينما يساهم المشروع في زيادة المساحات الصالحة للزراعة في تركيا إلى جانب رفع الطاقة الكهربائية التي تولدها السدود.
ومؤخراً، بعث ناشطون بيئيون من إيران رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة طلبوا منه أن يستعرض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية في «عدم مراعاتها حقوق المياه العراقية والسورية مما أثرت سلبا على نظام البيئة لدى هذه البلدان وتجفيف الأنهار والأهوار وبروز ظاهرة الأتربة والغبار في إيران»، بحسب الرسالة. كما تجري محاولات لتقديم شكوى إيرانية ضد سد «ايليسو» التركي في محكمة العدل الدولة.
وتقول طهران إن مشروع «غاب» التركي خفض تدفق المياه في حوض الأنهار بنسبة 34 في المئة، ما أدى إلى تجفيف 94% من بلاد ما بين النهرين وازدياد العواصف الترابية في سوريا والعراق، والتي تتجه إلى إيران وتشل الحياة في المحافظات الجنوبية الغربية والغربية، ويقول مسؤول إيراني: «تركيا تفاقم الوضع من خلال مواصلة بناء المزيد من السدود، ما يترك المزيد من أحواض الأنهار المتجمعة التي تصبح مناطق تكاثر جديدة للعواصف الترابية»، محذراً من وصول المنطقة إلى مرحلة الدخول في حروب من أجل المياه.

ورداً على التصريحات الإيرانية، قال السفير التركي لدى إيران، رضا تكين، إن بلاده لا يمكنها التخلي عن «حقها السيادي في مجال إقامة السدود، لأن المياه تعد في الوقت الحاضر أغلى من النفط»، في حين أكد وزير الغابات وشؤون المياه التركي ويسل أر أوغلو على أهمية التعاون بين دول العالم، للتعامل مع مشاكل المياه.

وتقول إيران إنها تنتظر أيضاً نتائج كارثية نتيجة بناء أفغانستان سد «سلما» على نهر «هريرود» الذي يؤمن الجزء الأكبر من المياه الإيرانية شرقي البلاد، وتتوقع طهران أن تخسر في حال تشغيل السد 73% من المياه التي تصلها عبر هذا النهر وسوف يشهد شرق البلاد أزمة مائية حقيقية، وذلك عقب تضرر إيران من مجموعة من السدود التي بنتها أفغانستان في السنوات الأخيرة.

وعلى الجهة الأخرى، يبدو العراق المتضرر الأكبر من مشاريع السدود التركية والإجراءات الإيرانية وخلال الأيام الماضية نشرت وسائل الإعلام العراقية سلسلة تقارير تحذر من الانخفاض الكبير في حصة البلاد من المياه وإمكانية دخول بعض المناطق في كوارث جفاف ونقص في الطاقة الكهربائية تؤدي لغرق هذه المناطق بالظلام.

والشهر الماضي، قطعت إيران بشكل مفاجئ مياه «نهر الزاب الصغير» الذي يغذي مناطق في الإقليم الكردي شمالي العراق، وقال وزير الزراعة والموارد المائية بالإقليم الكردي في العراق قال إن «قطع المياه بشكل مفاجئ أثّر بشكل سلبي على قرابة 80 ألف شخص»، معتبراً أن «إيران تحاول إظهار تأثيرها على المنطقة من خلال استخدام المياه كأداة ضغط».

وزير الموارد المائية العراقي، حسن الجنابي قال في تصريحات صحافية مؤخراً إن «ثلثي مياه العراق من دول الجوار، وأنه لا خيار غير التعاون معها»، لافتاً إلى أن الاعتبارات السياسية تلعب دوراً مهماً في هذه القضية ودعا إلى «ضرورة فصل القضية المائية عن السياسة».

وأكد الوزير على أن «تركيا أنشأت سدودًا على نهر الفرات تؤثر على العراق، وأدت إلى تقليل إيراداته إلى حوالي 40% من نهر الفرات، بالإضافة إلى سد إليسو الكبير الذي سيدخل حيز التشغيل قريبًا على نهر دجلة (60 كيلو مترا) من الحدود العراقية، منوهًا إلى أن العراق قدم ملاحظات على هذا السد».

ويقول خبراء عراقيون إن بلادهم واقعة بين فكي كماشة تركيا وإيران، حيث تعتبر تركيا مياه نهري دجلة والفرات مياه وطنية وليست دولية ولا تراعي احتياجات دول الجوار، فيما تقوم إيران ببناء السدود والأنفاق وحرمان العراق من جزء كبير من حصته من المياه، حسب تعبيرهم.

الجزائر أمام قضية التعريب... مجدّدا


توفيق المديني

 
اتخذ مجلس إدارة مؤسسة بريد الجزائر قرارًا يقضي بإلغاء اللغة الفرنسية من جميع الوثائق والمحرّرات الرسمية الصادرة عن المؤسسة، وتعويضها بوثائق محرّرة باللغة الوطنية، وتعهد بوضع الآليات اللازمة لتطبيق القرار على أرض الواقع، وإعلام وزيرة القطاع بتفاصيل تنفيذه. ووفقًا للوثيقة التي وزّعها مجلس إدارة البريد على أجهزة الإعلام الجزائرية، سيتم تحرير الوثائق الإدارية باللغة الوطنية، من دون الإشارة إن كانت عربية أو أمازيغية، سواء العقود أو القرارات أو غيرهما، كما نصت الوثيقة بصريح العبارة على "أن استعمال اللغة الوطنية في تحرير الوثائق الرسمية سيكون لتعويض اللغة الفرنسية المستعملة حاليا".

وعلى الرغم من أن وزيرة البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، هدى إيمان فرعون، التي تشغل منصبها منذ عام 2015، وقعت على القرار المذكور في 4 يونيو/ حزيران الماضي،غير أنّه لم يتم بعد تطبيق أي نقطة من القرار. وعلى الرغم من أمر الحكومة السابقة باستعمال اللغة العربية في المراسلات والطعون وكل التعاملات، وتعميم استعمالها على كل المنشآت وهيئات الحالة المدنية، وعلى الرغم من محاولات بعض مسؤولي القطاعات إلزام موظفي قطاعاتهم بتحرير المراسلات والتقارير بالعربية، ظلت كل هذه المحاولات محتشمةً لحفظ ماء وجه اللغة العربية، في ظل الهيمنة الكبيرة للغة الفرنسية على مختلف مفاصل الإدارة الجزائرية.

وصف مفكرون وباحثون وسياسيون جزائريون مدافعون عن سيادة اللغة الوطنية، والحال هذه العربية، قرارالوزيرة الجزائرية بتعميم استعمال اللغة العربية في إدارة مؤسسة البريد، وفي كل مراسلاتها وتقاريرها، بأنه شجاع وفريد من نوعه، لأنّ من شأنه أن يُسْهِمَ في تسهيل تعامل الجزائريين مع مؤسسةٍ يرتادها يوميًا ملايين المواطنين، لقضاء مصالحهم المالية، وأجْمَعُوا على أنّ موضوع التخلص من عقدة اللغة الفرنسية يحتاج إرادة سياسيّة حقيقية.

صدام مع اللوبي الفرانكوفوني
قرار وزيرة البريد وتكنولوجيا الإعلام والاتصال الجزائرية، وكذلك قانون تعميم استعمال اللغة العربية الذي صدر في الجزائر عام 1991، ووقعه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، لكنه جُمِّدَ إلى ديسمبر/ كانون الأول 1996، تلاه الرئيس اليامين زروال الذي أصدر مرسومًا يلغي فيه التجميد، وبعد مغادرته الحكم، جاء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 1999، وترك القانون مجمّدا من دون مرسوم رئاسي، يطرحان مسألتين في غاية الأهمية، لكنهما مترابطتان:

الأولى: تحول الدفاع عن خيار التعريب إلى مسألة قومية، لها علاقة عضوية بالهوية العربية الإسلامية للجزائر، وتحولت مقاومة التعريب إلى دفاع عن اللغة الفرنسية في شكل دفاع عن "الثقافة الشعبية" من الحركة البربرية، هي صنيع الفرانكوفونية في الجزائر، فاللوبي الفرانكوفوني المسيطر على الدولة الجزائرية يهاجم اللغة العربية، ويحاول القضاء عليها، لا سيما في الإدارة، وهو من يقف في وجه التعريب. وعندما أصدر البرلمان الفرنسي قانون تمجيد الاستعمار في الجزائر في 2005، وعلى الرغم من محاولات النواب الجزائريين إصدار قانون مضاد لتجريم الاستعمار الفرنسي، فإنّ اللوبي الفرانكفوني المتحكّم في الدولة منع صدوره.
الثانية: لخيار التعريب علاقة بسياسة الدولة في مجال التعليم والاقتصاد والسياســة عامة. فللحركة البربرية التي أسست لخدمة الفرانكوفونية أكثر من خمسة أحزاب سياسية في الجزائر وهي التي تناصب العداء لخيار التعريب، وما حققه من استقلال لغوي وثقافي عن اللغة الفرنسية في جميع مراحل التعليم وتخصصاته. ولايزال قانون تعميم اللغة العربية مجمّدا منذ عهد المجلس الأعلى الذي ترأسه علي كافي، ولا شيء يلزم التعامل بالعربية، ما عدا المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) الذي يلزم أن تكون المناقشات والمراسلات بالعربية، فيما تتعامل عموم المؤسسات الخاصة والعمومية للدولة الجزائرية بالفرنسية.
وقد كان موضوع التعريب ولا يزال موضوع صراع بين طرفين متصادمين في تكوينهما الثقافي والأيديولوجي والسياسي، وفي رؤيتهما للمشروع الثقافي على صعيد الجزائر. وفي جو خلا من الحوار الموضوعي والديمقراطي طوال السنوات الطويلة الماضية، تحول النقاش إلى حوار طرشان، وبحجج أيديولوجية مسبقة وجاهزة، يغلب عليها الطابع العاطفي، إذ يزعم كل طرفٍ، بوعي أو من دونه، وبما يتوقعه أنه يخدم المصلحة العامة على صعيد الثقافة الشعبية.
والواضح أن الدفاع عن خيار التعريب، باعتباره خياراً قوميا وديمقراطيا، بصرف النظر عن الجهات التي تقف وراءه وخلفياتها الأيديولوجية والسياسية، هل هي منساقة ومنخرطة مع هذا الخيار أم تستخدمه لأغراض سياسية، قد قابلته مجموعة من التيارات المقاومة لخيار التعريب الذي يصب، في المحصلة النهائية، في موقع الدفاع عن اللغة الفرنسية في شكل الدفاع عن الثقافة الشعبية، خصوصا من الأحزاب السياسية البربرية، وأبرزها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية. وقد أرجع البروفيسور في علم النفس، أحمد قوراية، ظاهرة التشبث باللغة الفرنسية، إلى ذهنية جزائريين كثيرين، انبطحوا حسب وصفه "انبطاحا للفرنسية، ومن دون تفكير، ومن دون غربلة، وأيضا إلى الرواسب الاستعمارية، حيث تركت فرنسا وراءها نخبةً تعمل للحفاظ على لغتها حيّة وفاعلة في الجزائر، وتتحاشى اللغة الوطنية، واعتبر قوراية أن التعامل بالفرنسية، خصوصا في الإدارة الجزائرية، هو استعمار ثقافي واجتماعي للجزائريين.

إعادة بناء الدولة الوطنية
لا يهم خيار التعريب في الجزائر الشعب الجزائري فحسب، بل كل الشعوب العربية، ويقتضي هذا الأمر توضيح المسائل التالية:
أولا: أدخل الاستعمار الفرنسي لغته إلى الجزائر، باعتبارها من أسلحته الإيديولوجية والثقافية، لسلخ الشعب الجزائري عن لغته الوطنية العربية، وحرمانه أكثر من قرن، الأمر الذي جعل الجزائر تعيش حالةً من الانقطاع التاريخي على صعيد التواصل الثقافي والوطني. ومن هذا المنطلق، اللغة الفرنسية التي استحوذت على قسم مهم من أبناء الشعب الجزائري، عبر حرمانهم من ثقافتهم ولغتهم الوطنية، وهي العربية، دخيلة على الشعب الجزائري، ولا يمكن بأي حال اعتبارها جزءا من الثقافة الشعبية.

ثانيا: تأجيل قانون التعريب، بالتالي، يخدم تراجع الدولة الجزائرية عن خطة التعريب أحد أهداف الحلم الاستعماري الفرنسي الكبير في الجزائر، الذي لا يزال يمارس ضغوطا متعدّدة على السلطة الجزائرية (بواسطة اللوبي المصنوع لهذا الهدف في الجزائر، وهي الحركة البربرية) من أجل الإبقاء على سيادة اللغة الفرنسية في كل المرافق الاستراتيجية للدولة: الإدارية والاقتصادية والعلمية والإعلامية والعسكرية، كما الحال للبلدان الإفريقية الفرانكوفونية أي الناطقة بالفرنسية لغة رسمية سائدة، والتي اختارت لغة الاستعمار الفرنسي فجر استقلالها، لأنها لا تملك لغة وطنية سائدة على مستوى أقطارها.

ومن هذا المنظار، لخيار التعريب علاقة عضوية مباشرة بخيار التعليم، ولأن التعليم إذا قيّض له أن يسهم إسهاماً حقيقياً في تكوين الإنسان من المدرسة إلى الجامعة، باعتباره إنتاجاً للبشر الذي لا يعطي ثمارا إلا بعد سنوات طويلة، حيث تمتص المجالات المتعددة الاقتصادية والسياسية والثقافية كل الكوادر المقتدرة والموهوبة، يتطلب أن يكون ضمن سياسة وطنية ثورية وقومية ديمقراطية شاملة للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والوطنية، في الوطن العربي عامة، وفي بلدان المغرب العربي خاصة، أو لا يكون. إذا، التعريب في البلاد العربية عامة، والجزائر خصوصا، هو مسألة لها علاقة عضوية مباشرة باهتمام الدولة الوطنية بسياسة المواطن، ماديا وفكريا أولا وأساسا، فالتعريب ليس مجرد برنامج يطبقه هذا الوزير أو ذاك، بل هو اختيار إيديولوجي وسياسي وثقافي واع للأمة العربية، لكي تخوض المعركة الفكرية والثقافية والتعليمية بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الغربية المهيمنة، علمًا أن سلاحنا في هذه المعركة، نحن دعاة التعريب، ضعيف، بحكم قانون التفاوت في التطور على صعيد الإمكانات الثقافية والحضارية بيننا وبين الغرب.

ثالثا: طابع التخلف الذي يطبع لغتنا العربية عامة، وخيار التعريب في المغرب العربي خصوصا، نابع بشكل أساس من التأخر التاريخي لمجتمعاتنا العربية. ولما كانت اللغة العربية، عبر مسارها التاريخي، بنية تحتية أسست لظهور المجتمع المدني، وتبلور فكرة الأمة، ضد كل التوصيفات الماركسية التي تعتبرها جزءاً من البنية الفوقية فقط، فإنها تشكل الآن، أكثر من أي وقت سبق، المعبر الرئيس الذي تنتقل فيه المجتمعات العربية من حالة التأخر التاريخي إلى التقدّم، ومن القعود إلى النهوض. والحال هذه، ليست اللغة العربية عاجزة عن استيعاب العلوم الدقيقة وتعلمها، لاسيما الرياضيات العليا، والفيزياء النووية، والهندسة الوراثية، والميكانيك المعقدة. ولأن هذه العلوم والرياضيات مصطلحات وأرقام ورموز تترجم أحيانا إلى اللغات الآخذة، وتنقل كما هي، أحيانا ً أخرى، من اللغات المأخوذة، عندما تكون أسماء عالمية تستعمل باللفظ أو الرمز نفسه في جميع اللغات، واللغة العربية لكي تكتسب كل خصائص اللغات العلمية الحية والمعاصرة والحديثة، وتدخل حلبة التنافس تحتاج إلى التأهيل العلمي، واللغة والمستوى العلمي مترابطان، إذ لا يمكن للإنسان العربي أن يعيش بعقله في جهل القرون الوسطى، وعصور الانحطاط، بينما في لسانه يعيش في عصر الذرة والكمبيوتر والإنترنت، فحياة اللغة العربية مرتبطة بالتحرّر الراديكالي للأمة العربية في كل مجالاته أولا، وبحياة الفكر والثقافة المبدعين ثانيا.

وهكذا تبدو حياة اللغة العربية مرتبطةً بالثورة الفكرية والثقافية الشاملة، على الصعيد العربي وبالثورة السياسية التي تؤسس لبناء مجتمع مدني حديث، بالتلازم مع بناء دولة الحق والقانون. ومن هذا المنظار، تصبح حياة اللغة العربية هي أساس تحقيق تحرّر الشعوب العربية من الاستبداد والتبعية والتخلف.

خيار التعريب كل لا يتجزأ، فهو لا يتم في التعليم وحده، ولا في اللغة على انفراد، بل يتم في جميع مؤسسات المجتمع، تسيّره قوانين حازمة، بعيدة عن التمتع بالرخاوة البرجوازية والثقافة الأميركية المهيمنة. إنه ليس سؤالاً ثقافيا، ولا سؤالا يهم فقط المثقفين العرب، وفي مقدمتهم القائمون بعلم الاجتماع واللغة العربية، لكي تحقق قفزة نوعية في تطورها التاريخي، ولكي تتجاوز تأخّرها التاريخي، حيث إن التعريب، على صعيد المناهج العلمية والتكنولوجية، خيار واحد من المعضلات الأساسية التي تواجه القوى القومية، والديمقراطية العربية، ويتطلب حلاً ثوريا صحيحا.

هناك تلازم بين اللغة، باعتبارها أهم وأخطر أعضائنا العقلية، وبين محتواها الفكري والحضاري، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي. ولهذا، فإنّ اللغة والمجتمع المدني ودولة الحق والقانون مقولات تتقدّم معا، وتتراجع معا أيضا. ولكي تسهم اللغة العربية في الإنتاج العلمي والتكنولوجي، على المثقفين العرب، باللغات الانكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات الحية، ألّا يحصروا مهمتهم العلمية في نقل المصطلحات الأجنبية وشرحها للطلاب فقط، بل مهمتهم الأساسية توخي استراتيجية للترجمة طويلة الأمد، لنقل الروح العلمية والتخليق التكنولوجي إلى اللغة العربية، لكي تصبح لغتنا العربية، بعد أن تهضم هذه الترجمة، بالتوازي مع مواكبتها تطور العلوم الدقيقة والتكنولوجية، قادرة على عملية التخليق العلمي والتكنولوجي، على الرغم من الصعوبات البنيوية الناتجة من طبيعة مجتمعاتنا العربية المتأخرة تاريخيا، والمتسمة بالفوضى والإهمال.

وداعاً للمعارضة المسلحة في سورية



 سميرة المسالمة

تنتزع روسيا سلاح فصائل المعارضة السورية بهدوء، ووفق برنامج توثيقي، تعيد من خلاله خريطة توزّع نفوذها داخل الأراضي السورية. وفي المناطق منزوعة السلاح المعادية لها، وذلك عبر وسيلتين أساسيتين: اتفاقات الهدن المحلية التي طوّرتها على شكل مناطق خفض التصعيد، وقرارات الإدارة الأميركية بوقف التسليح التي أعلنتها وكالة الاستخبارات "سي آي إيه". 

وباتفاق الغوطة الشرقية الذي وقع في 22 يوليو/ تموز الجاري تكون موسكو التي أعلنت تفاصيل الاتفاق، أنهت ما تعتبره تأمين حزام جناح دمشق الجنوبي، لتلتفت إلى منطقة وسط سورية، وذلك قبل الانتقال إلى شمالها، لتعطي مزيدا من الوقت للقوات المدعومة من الإدارة الأميركية، لمتابعة خط سيرها باتجاه إنهاء وجود "داعش" من الرّقة، حيث تشهد المعركة حالة جمود واضحة، بينما يستقر القرار الأميركي، ربما، حول هوية من سيحرّر دير الزور من "داعش"! وفي السياق نفسه، تمارس الفصائل دورها في تنفيذ الرغبة الروسية تلك، عبر الانخراط في معارك بينية طاحنة، تستخدم فيها كامل عتادها من السلاح والبشر، حيث شهدنا أعنف المعارك خلال الأشهر السابقة في الغوطة بين الفصائل، وكان عدد الضحايا فيها من مقاتلي هذه الفصائل، المحسوبة على المعارضة، يتجاوز 400 ضحية، كل طرف منهم اعتبر من لقي حتفه من جهته شهداء لأسباب خاصة به، بعيداً عن المتعارف عليه في ما يتعلق بهذا المفهوم "المقدّس".

كذلك شهدت إدلب معارك طاحنة، أوقعت عشرات الصحايا بين "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) من جهة، و "أحرار الشام" وفصائل مؤيدة لها من جهة أخرى، لتكون النتيجة نهاية عملية إسباغ اللون الأسود على كامل إدلب، ما يفتح الباب على مصراعيه للتدخل الدولي، لاسيما التركي، من خلال التحالف الذي سيخوض معركته هناك تحت بند محاربة الإرهاب، وبالتالي التخلص من كل سلاح المعارضة، سواء التي تقف بوجه "النصرة" أو المساندة لها، والانتقال إلى المرحلة اللاحقة من صناعة مناطق النفوذ الدولية، تحت مسمّى مناطق منخفضة التوتر. وعليه، ترسم روسيا مسارات عديدة تؤدي إلى حقيقة واحدة، هي على الأغلب إجبار المعارضة، وخصوصا المسلحة، على رفع راية الاستسلام، في مقابل جزء من سلطةٍ في تلك المناطق، بحماية الشرطة الروسية، كما الحال في جنوب غرب سورية والغوطة الشرقية، وفي إدلب، وإن بالشراكة مع الشرطة التركية، أو تلك التي صنعت في تركيا. إذاً، يتمثل ما تسعى إليه روسيا ببسط سيطرتها على كامل مناطق سورية مع مراعاة المصالح الأميركية والإسرائيلية من جهة ومصالح النظام الذي يوفر لها شرعية احتلالها القرار السوري من جهة أخرى. وفي الوقت نفسه، تسعى روسيا إلى تحويل الكتلة البشرية للمعارضة من عدوٍّ يواجهها إلى أدوات شرطية، تعمل بمبدأ الحماية مقابل السلطة، وهو المبدأ نفسه الذي سلم به النظام مفاتيح سورية لكل من إيران وروسيا، وكل قوى الظلام الطائفية التي تقاتل باسم زينب وفاطمة والحسين. على ذلك، تستنفد قوى المعارضة آخر ما تبقى لها من ذخيرة حية، لتخوض معاركها ضد بعضها، وفي مواجهة من كانت تتحالف معهم ضد النظام، لتعيد انتشارها من جديد، وتصطفّ مع النظام ضد كل من لا يرى الشمس تشرق ما بين موسكو والقاهرة.

وعليه، فإن هكذا مسار سيكشف إلى العلن، بين فترة وأخرى ربما، ما تبقى من قصص انقلابات في العلاقات بين شخوص المعارضة التي كانت على طرفي نقيض، وأصبحت اليوم في معركة واحدة ضد حلفاء سابقين، ومنهم "جبهة النصرة" وما تسمى "أخوة المنهج" جميعاً. بعد "أستانة 6"، وخلال الرتوشات الأخيرة لاتفاقات ما فوق "أستانة" و"جنيف" (الجنوب السوري والغوطة الشرقية ولاحقاً المنطقة الوسطى)، لم يعد هناك تقريبا، كما تتوقع موسكو وكما عملت بجد عليه، ما تسمى معارضة مسلحة، وإنما شرطة معارضة لا تختلف كثيراً عن فروع الأمن التي كانت سبباً مباشراً لثورة 18 مارس/ آذار 2011.

في المحصلة، قد يفضي الواقع الناشئ اليوم إلى مسارات مختلفة في الصراع السوري، من أهم علاماتها ضمور المعارضة العسكرية، وانحسار النفوذ الإيراني، بالإضافة إلى تعزيز الجهد الدولي لإيجاد نوع من تسويةٍ، ربما تمهد لتغيير سياسي في سورية، لكن ليس إلى الحد الذي كان يطمح إليه، أو يأمله، أغلبية السوريين، حينما انطلقوا بثورتهم في 2011، وليس إلى الحد الذي يجعل النظام منتصراً، حتى ولو بفكرة سيطرته على مناطقه التي ستكون تحت الوصاية الروسية في أحسن الأحوال. أيضاً وداع ما تسمى معارضة مسلحة لا يعني أن الثورة انتهت، فهي ربما لم تبدأ بالشكل المطلوب لثورات الشعوب التي تقودها نخبة وطنية، تتشارك فيها مر التجربة، وليس مالها السياسي.

عبد الناصر هو الحل









 عبد الحليم قنديل


بالطبع، لايتصور أحد أن عبد الناصر سيعود من موته، ولا أن ظروف ومعادلات الخمسينيات والستينيات هي ذاتها اليوم.

وقد رحل جمال عبد الناصر إلى جوار ربه كما هو معروف في 28 سبتمبر 1970، مات وهو في الثانية والخمسين، مات وهو في أوج عطائه ونضجه وتألقه، مات في وسط معارك وتحديات صعبة فريدة، مات مبكرا، وقبل أن تكتمل تجربته، وبدت وفاته المفاجئة كقوس مفتوح على عقود وعهود تلت، وهو ما يفسر ضراوة وصخب الهجوم عليه وعلى عصره، تماما كما يفسر رسوخ صورته وإلهامه في وجدان نخب ثورية وقواعد جماهيرية واسعة، وإلى حد يبدو معه الصراع حول اسم عبد الناصر مرادفا لجوهر الصراعات الاجتماعية في المنطقة العربية، ومرادفا لأحلام نهوض وئدت بعد سنوات على رحيله.

نعم، يبدو الصراع حول اسم عبد الناصر حارا فوارا، وكأن الرجل مات لتوه بالأمس، أو كأنه لم يمت بعد، فلم يكن عبد الناصر من العابرين في الكلام العابر، ولم يكن مجرد زعيم أو قائد نتذكر أيامه، بل امتزج اسمه بصلب معارك أمة عربية واسعة مطحونة، حلمت بمجدها مع الرجل، وذهبت ريحها بعد عصره، وتحولت إلى فتات منثور، وحروب طوائف وقبائل وممالك، وميدان رماية ومهالك دموية، تفكك المفكك، وتنزل بحالة الوجود العربي إلى ما تحت الحد الإنساني، وتتصارع على جثة الأمة رايات رجعية صفيقة، إدعت أنها تتجاوز عبد الناصر، فإذا بها تتجاوز الوجود العربي نفسه، وتحول خرائط الأمة إلى حدائق حيوانات، وتحول شريعة الإسلام إلى شرائع غاب، وتقيم حفلات لقطع الرؤوس وإهلاك الحرث والنسل بالجملة.

وفي قلب الأمة المعذبة، كانت مصر تذوى وتضعف، وتتراجع بسرعة الصوت بعد سنوات من وفاة عبد الناصر، كانت قوة اندفاع النهوض الناصري تقاوم بفيزياء القصور الذاتي، وتكمل نصف الدورة إلى غايتها بالنصر المخطوف في حرب أكتوبر 1973، بعدها بدأ الانكسار والانهيار، بخيانة الذين «هبروا» للذين عبروا، وبخيانة السياسة لنصر السلاح، وبانفتاح «السداح مداح»، وبإخراج مصر عن ملتها القيادية في أمتها العربية، وبإعادتها إلى القيد الاستعماري «الاحتلالي» من جديد، وباستبدال الاحتلال الأمريكي السياسي الزاحف بالاستعمار البريطاني القديم، وبنقل دار «المندوب السامي» البريطاني إلى مقر السفارة الأمريكية المتضخمة المحصنة بجاردن سيتي، وبوضع اقتصاد مصر تحت وصاية المعونة الأمريكية وصندوق النقد والبنك الدوليين، وبالخصخصة التي تحولت إلى «مصمصة»، وبعهود نهب عام لم تشهد مصر له مثيلا في تاريخها الألفي، وبتفكيك الركائز الانتاجية الكبرى في الصناعات العسكرية والمدنية، وبإحلال النفوذ الطاغي لرأسمالية المحاسيب محل الحضور المضئ لقوى الشعب العاملة المنتجة، وبنزع سلاح سيناء الذي انتهى إلى نزع سيادة قرار السياسة والاقتصاد في القاهرة، وبتحويل النظام الجمهوري من داخله إلى نظام ملكي مقنع، تحولت فيه عائلة الحكم إلى مركز للكون المصري المتداعي، شفطت الثروة والسلطة إلى حلوقها وجيوبها، وجعلت مصر حكرا و»عزبة» للعائلة وحوارييها من المليارديرات الجدد، فيما لم تترك للمجتمع بسواده الأعظم سوى حق الهجرة والهروب، وحولت المجتمع المصري إلى غبار بشري بائس يائس، كانت الدولة تتحطم من داخلها، وينكسر عمودها الفقري، وتتحول إلى كائن رخو يشبه الأميبا البدائية، وكانت عائلة السلطان وبيته على رأس كرسي السلطة الخائنة الناهــــبة، فيما كان المجتمع يجري تحطيمه بالمقابل، ويموت حس السياسة فــــيه، وتسيطر عليه أطياف اليمين الديني الرجعي المتخـــلف، تستــثمر وتتغذى على بؤس ويأس ما كان مجتمعا ناهضا مع عبد الناصر، فقد خاطب اليمين الديني يأس المجتمع كجمعية دينية، ثم خاطب بؤس المجتمع كجمعية خيرية، ومع ضعف الطلب على السياسة في مجتمع مهاجر من التاريخ والجغرافيا، وتائه على أرصفة التسول والاستجداء، تفشت سطوة اليمين الديني، وتشارك مع سلطة النهب في عناوين السيطرة المزدوجة، كانت عائلة النهب تحكم في قصر السلطة، وكانت عوائل اليمين الديني تحكم في المجتمع، كان اليمين الديني هو «القرين» الملازم لسلطة النهب والتفكيك العام، وجمعتهما معا رغبة الانتقام وتصفية الحساب مع عبد الناصر وعصره ومجتمعه، والتنافس على قيادة عصر الانحطاط التاريخي الطويل بعد حرب أكتوبر 1973.

وفي نفق الانحطاط الطويل المرير، كانت آلاف التفاصيل تتوالى وتجتمع، المخابرات الأمريكية تخطط لحملة التكفير بعصر عبد الناصر ومشروعه، وسلطة السادات ـ فمبارك ـ تنفذ، وفوائض البترو ـ دولار الرجعية تدفع وتدعم، وتنشئ مئات المؤسسات والمنابر والأقنعة السياسية والدينية والإعلامية، وتبذل غاية جهدها وملياراتها في تغذية طفح اليمين الديني، ولفت النظر عن حقيقة وجود الأمة العربية، وآمالها في النهوض والتوحيد والتقدم، وتحل أوهاما من نوع «الخلافة»، تضل بها الناس عن سواء السبيل، وتفكك العروة الوثقى بين العروبة والإسلام، وبين أولوية التوحيد العربي وكفالة تضامن أمم العالم الإسلامي، وتضرب الوحدة الوطنية لكل بلد عربي في مقتل، وتحل الهوية الطائفية محل الهوية القومية، وتحول الوجود العربي إلى أعراق وطوائف متنازعة متحاربة إلى يوم يبعثون، وهــــو ما كشــــف زيف مفهوم الخلافة المدعاة، وكشف أثرها الفعلي المدمر كأداة تفكــــيك لا كسبيل توحيد، وإشغال الناس بحروب «اللات والعــــزى»، وصرف أبصارهم عن واجب الوقت في الاستقلال الوطني والتصنيع الشامل والعدالة الاجتماعية والتوحيد القومي، والانحطاط بالمجتمعات إلى عصور الرعايا والسبايا وملك اليمين، وتدمير مصر بالذات، وعن وعي بكونها قاعدة التكوين العربي الحديث، وقد كان المطلوب تفكيك القاعدة المركزية، وفتح الطريق لانهيارات توالت في أقطار الأمة كلها، وكانت كلمة السر هي دفن مشروع عبد الناصر واجتثاث سيرته، وعدم السماح بإحياء ركائز حلمه من جديد، وتحويل الشعب المصري إلى أمة من عبيد.

وفي لحظة الارتطام بالقاع الذي ليس بعده قاع، كانت صورة عبد الناصر تحارب من جديد، وكان الشعب المصري ينهض بعد أن احتفلوا بموته، وكانت صورة عبد الناصر هي الوحيدة التي ترفع في ميادين وشوارع الثورة المصرية الجديدة، وكانت أغاني عصره هي العنوان والوجدان في ميدان التحرير، كانت الحشود تجتمع على إيقاع «كلنا كده عايزين صورة»، وعلى إيقاع «اللي ح يهرب م الميدان/عمره ما حيبان في الصــــورة»، ولم يرفع في ميادين الثورة أي شعار ديني ولا شبه ديني، فالمصـــريون بطبيعتهــــم أكثر شعوب العالم تدينا، ولم يكن ينقصهم دين، بل انشدت أرواحهم وأشواقهم إلى معانـــى العـــدل والنـــهوض، وهو ما يفسر اختيار الناس الغريزي التلـــقائى لصورة عبد الناصر بالذات، فهي ـ أي الصورة ـ اختصار رمزي بليغ مكثف لأشواق مصر المكـــنونة، وهو ما بدا ظاهرا متحديا مع حكم اليمين الديني «القرين» المنافس لحكم جماعة النهـــب، فتحولت آلاف صــور عبد الناصـــر التي رفعـــت في ميادين ثورة 25 يناير 2011، تحــولت آلاف الصور إلى ملايين في ميادين الموجـــة الثـــورية الأعظـــم في 30 يونيو 2013، كان الاختـــيار الغـــريزي لصور عـــبد الناصر معبرا عن حقيـــقة ومغـــزى ثــورات مصر الجـــديدة، فقد كان الشعب المصري يريد وصل ما انقطع مع الثورة الأم في 23 يوليو 1952، كان الشعب المصري يقرر طلاقه البائن مع جماعات المنتقمين من عبد الناصر وعصره، وسواء كانوا حكاما في السلطة انقلبوا على مشروع عبد الناصر، أو جماعات يمين ديني خلفتهم في الحكم، وجمعها دين الانتقام من عبد الناصر وعصره، كان قرار الشعب المصري أن ثوراته واحدة متصلة، وأن ثورة 25 يناير و30 يونيو هي التجـــديد بموازين اللحظة لثورة 23 يوليو 1952، وأن ثورة الناس الأحرار هي التطور العصري لثورة الضباط الأحرار، فقد جرى الانقلاب بسهولة على ثورة عبد الناصر لسبب ظاهر جدا، هو أنها كانت ثورة للناس، لكنها لم تكـــن بالناس، وكان الناس هذه المرة جاهزين لترجــــمة ايقاع «ملايين الشـعب تدق الكعب»، كانت المشاهد المليونيـــة تستعـــيد صــــور هبة 9و10يونيو 1967، وصور جنازة عبد الناصر التي لا مثيل لها في مطلق التاريخ الإنساني، وتثبت رغبة الأمة الكامنة في استعادة الحلم وابتعاثه من جديد، وتجديده وتطويره بمقاييس عصر مختلف، وفي ظروف متغيرة عما كانت عليه في الخمسينيات والستينيات وصولا لحرب أكتوبر 1973.

كانت شعارات الناس التلقائية ظاهرة في ثوراتهم الجديدة، وكانت مطالب العيش والحرية والعدالة والكرامة والاستقلال هي جوهر القصة الثورية، فهذه المطالب التلقائية هي جوهـــــر مشروع عبد الناصر، فجوهر ما تبقى من عبد الناصر هو مشروعه للنهوض، وبركائزه السبع (الاستقلال الوطنى ـ التوحيد العربي ـ الديمقراطية للشعب ـ الكفاية والعدل ـ أولوية العلم والتكنولوجيا والتصنيع ـ التجديد الحضاري ـ عولمة الضد أو باندونج الجديدة)، هذه هي المبادئ والقيم السبع لمشروع عبد الناصر مجددا، والتي لا يقوم بدونها نهوض لمصر ولا لأمتها العربية، وهذا هو المعنى الذي نقصده حين نقول أن عبد الناصر هو الحل، فقد مات الرجل دون مشروعه وحلمه، وترك الحلم لأمته التي ضاعت بعده في الزحام، وتعيش في الركام، وعلى رجاء اليقظة الآتية من مصر مجددا.

هودوا القدس وغدا مكة …فالجثت لا تقاتل!




خورشيد ألحسين

تهويد القدس لا يقل خطورة بأهدافه عن تهويد فلسطين التاريخية ولا يقل إذلالا وانتهاكا للكرامة ولا اكثر ألما من اغتصاب فلسطين كلها من البحر إلى النهر.فكله ينبع من فكر واحد ويصب في هدف واحد وله معنى واحد ومقصد واحد وهو ما لم تخفه الصهيونية قبل وبعد إنشاء الكيان الغاصب ,,إلا أن للقدس رمزية دينية وقومية ووطنية متقدمة عن غيرها عاطفيا بما تجسده في الوعي الديني والقومي غير أنها لا شك لا تقل عن أي ذرة من تراب الوطن السليب يقيمته الوطنية والتاريخية والحضارية والثقافية .

فمنذ إحتلال الكيان الصهيوني لما تبقى من فلسطين عام 1967 وهي تجهد في تغيير معالم مدينة القدس وتشويه هويتها العربية _الإسلامية كا تجهد لتهويد كل فلسطين العربية باستخدام الخرافة والأسطورة والأكاذيب تدعمها القوة الشيطانية الغاشمة والتحالفات المترابطة والمتشابكة مصالحها معها من مشارق الأرض إلى مغاربها.

لم يذخر الكيان الصهيوني جهدا بترتيب وتأمين كافة الشروط الميدانية والقانونية وتأمين التأييد الدولي لإقرار وقبول يهودية الدولة (الإسرائيلية) وصفاءها ونقاءها .كما عملت وما زالت على تحقيق الحلم الكبير بدولة تمتد من النهر إلى النهر والتي رسمت حدوده المطامع الإستعمارية التي تلاقت وانسجمت مع المطامح الصهيونية وكما هو معلوم ولا يحتاج إلى كثير من البحث أن القدس هي رأس سنام المشروع الصهيوني والقاعدة الصلبة التي بنت عليها خرافتها وأسطورتها.

القدس بما ترمز هي الهدف الآن في سياق المشروع الكبير .ومن البؤس أن يظن البعض أن صراخنا سيجدي نفعا .فالضعف العربي والتشرذم العربي والحروب التي تمزق الجسد العربي وخيانات النظام العربي هي المسؤولة أولا وآخرا عن الشبق الصهيوني وغطرسته واستعلاءه ,حتى صرح قادته بكل صلافة الظالم المنتصر(موقف الدول العربية لا يهمنا)!! نعم لا يهم ,فالجثت الميتة لا تقاتل .

عملية التهويد لم تبدأ اليوم.كما لم تبدأ بالأمس .ولا تتم في الخفاء ولا في السر ,فالقنل اليومي الغائب عن الإعلام العربي والتشريد والطرد الجماعي للقرى الفلسطينية ما قبل الإحتلال الأول ومابعده,اولإعتقالات والأسر الجماعي وانتهاك حقوق الأنسان الفلسطيني من الطفل الجنين حتى الشيخ الحاني تُمارس يوميا ,ومصادرة لأراضي بموجب قوانين يصدرها القاتل والمغتصب وينفذها القاتل والمغتصب ضد الضحية ونحن نتفرج ,فهل كنا نتوقع نتائج غير التهويد وغير الإبادة الجماعية للهوية العربية بمسلميها ومسيحييها ؟؟؟فلا الإعلام العربي حاضر ولا الأنظمة تريد أن تر,والكل في الجريمة سواء ,والشعب العربي فقد قدرته ,أو أفقدوه قدرته ,حتى على البقاء حيا ,فمن لم يتشرد في بقاع الأرض على خطى الشتات الفلسطيني فهو يتذابح في مكان ما,وفي أفضل الأحوال,بانتظار المذبحة !!!! ثم نرفع الصوت اليوم للرثاء ..ولا عزاء للخانعين.
هوِِدوا القدس وغدا مكة …فالجثت لا تقاتل

من الانقلاب إلى دولة السلطان... كيف تغيرت تركيا بعد أحداث يوليو - تموز 2016

 
 
 
رفعت سليمان

في تطور أصبح نقطة انطلاق في تاريخ البلاد الحديث قد يحدد مسارها السياسي الاجتماعي لعقود طويلة، شهدت تركيا منذ عام واحد تماما محاولة انقلاب عسكري ضد السلطات الحالية باءت بالفشل.

وأطلقت مجموعة من العسكريين الأتراك، ليلة 15 إلى 16 يوليو/تموز من العام الماضي، حراكا انقلابيا مثلت العاصمة أنقرة وأكبر مدينة في البلاد اسطنبول ساحته الأساسية، وسعت خلاله إلى السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها الأمنية والإعلامية والإطاحة بسلطة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس وزرائه، بن علي يلدريم.

وأخرج المشاركون في هذا الانقلاب الفاشل عشرات من الدبابات إلى الشوارع، كما شنوا ضربات من مقاتلات "F-16" على كل من القصر الرئاسي ومبنى البرلمان، في أنقرة، واستولوا على مقر حزب "العدالة والتنمية" الحاكم بالمدينة ذاتها، فيما سيطروا على جسر مضيق البوسفور في اسطنبول، ومطار أتاتورك الدولي فيها، ومطار إيسنبوغا الدولي في العاصمة أنقرة، وكذلك على مقرات أكبر القنوات التلفزيونية، التي أعلنوا عبرها عن توليهم زمام السلطة في البلاد.

إلا أن قوات الجيش الموالية للرئيس أردوغان، بدعم من الشرطة، وبمشاركة واسعة من قبل مواطنين عاديين خرجوا بعشرات الآلاف إلى الشوارع، تمكنت من إحباط هذا الانقلاب خلال فترة وجيزة.

وتتهم أنقرة بإصرار الداعية والمعارض التركي، فتح الله غولن، المقيم في الولايات المتحدة، بالوقوف وراء هذه المحاولة الفاشلة، لكن السلطات الأمريكية رفضت تسليمه لتركيا.

وأدت محاولة الانقلاب، حسب السلطات التركية، إلى مقتل حوالي 300 شخص، وتلاها إعلان حالة الطوارئ في البلاد وإطلاق حملة غير مسبوقة لتطهير مؤسسات الدولة من معارضي الحكومة الحالية، وإلقاء القبض على الآلاف من العسكريين والمدنيين بتهمة الضلوع في محاولة الانقلاب أو الانتماء إلى حركة المعارض فتح الله غولن.

سلطة الرئيس

ويعتبر الخبراء أجمعين تقريبا أن النتيجة السياسية الأساسية لمحاولة الإطاحة بحكم أردوغان تتمثل بالتعزيز الحاد لمواقع الرئيس التركي، الذي تمكن، من خلال بقائه في تركيا خلال الحراك الانقلابي ودعوته للمواطنين إلى المقاومة، من الحصول على دعم عام واسع.

وأشار مدير مركز سان بطرسبورغ لدراسات الشرق الأوسط الحديث، عمر عيسايف، في مقابلة مع شبكة "RT" إلى أن "أردوغان يحظى بتأييد كبير في تركيا، بما في ذلك في المجتمع، ويمكنه أن يكون واثقا بنفسه خلال فترة زمنية طويلة".

وأوضح الخبير الروسي أن هذا الدعم أصبح آلية أساسية استخدمها أردوغان لاحقا، عندما نظم الاستفتاء العام في البلاد حول الانتقال من نظام الجمهورية البرلمانية إلى نظام الجمهورية الرئاسية، الذي أدى إلى التعزيز الملموس لسلطته.

وصوت 51 بالمئة من المشاركين في عملية الاستفتاء، التي جرت يوم 16 أبريل/نيسان الماضي، لصالح توسيع صلاحيات الرئيس التركي، لكن معظم التعديلات في دستور البلاد ستدخل حيز التنفيذ فقط في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2019، أي بعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة.

وهناك تغييران اثنان فحسب بدأ مفعولهما فورا بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء، وهما أولا السماح للرئيس التركي أن يكون عضوا في حزب سياسي، وهذا ما استفاد منه أردوغان لاحقا من خلال توليه زعامة "حزب العدالة والتنمية"، وثانيا منح الرئيس (أردوغان) صلاحية تعيين أعضاء اللجنة الخاصة، التي تزكي القضاة وتثبتهم في مناصبهم القضائية.

وفي غضون ذلك، شدد المحلل السياسي والخبير في الدراسات الشرقية، يفغيني باخريفسكي، في حديث لـ"RT"، على أنه "مهما كانت في الحقيقة الجهة الواقفة وراء محاولة الانقلاب، فإن المستفيد الأساسي منها هو الرئيس التركي الحالي، الذي دحر معظم معارضيه وعزز مواقعه بصورة كبيرة، وفاز في الاستفتاء الدستوري في ظروف عمل حالة الطوارئ".

ويعتبر المتابعون أن إعلان حالة الطوارئ في تركيا على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة أسهم أيضا في تنامي السلطة الشخصية للرئيس أردوغان، حيث قال عمر عيساييف في هذا السياق: "إن أردوغان، ومن خلال إعلان حالة الطوارئ، سلك طريق زعماء الشرق الأوسط، ونحن نعلم، على سبيل المثال، أن أحكام حالة الطوارئ كانت معمولا بها على مدار عقود في مصر، مما أتاح للسلطات أن تفعل كل ما كانت تشاء".

بدوره، بين يفغيني باخريفسكي أن "تركيا، وفقا لتقديرات كثير من المحللين، تتحول بوتيرة سريعة إلى دولة شرق أوسطية عادية تتميز بااستخدام الآليات السلطوية للإدارة"، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن "الانتقال من الديمقراطية البرلمانية إلى نظام السلطة القوية للزعيم قد يعتبر أمرا طبيعيا، إذا ما علمنا أن الحروب الأهلية وبؤر عدم الاستقرار تحيط بتركيا".

الإجراءات العقابية

عملية تعزيز السلطة الشخصية للرئيس التركي تجري بالتزامن مع حملة غير مسبوقة لتطهير مؤسسات الدولة من العناصر غير الموالين للحكومة الحالية، حيث أعلنت وزارة العدل التركية، عشية الذكرى السنوية الأولى لمحاولة الانقلاب، أن السلطات القضائية في البلاد اتخذت إجراءات قانونية بحق 169 ألفا و13 مشتبها به في إطار التحقيقات الجارية في قضية مكافحة "منظمة غولن الإرهابية"، التي تقول أنقرة إنها خططت ونفذت المحاولة الانقلابية الفاشلة.

وأضافت الوزارة أنه تم حبس 50 ألفا و510 أشخاص عقب هذه الأحداث، ومن بين المعتقلين 169 جنرالا، و7098 ضابطا، و2431 موظفا قضائيا، و24 محافظا.

بدوره، ذكر عمر عيسايف أن "العدد الإجمالي للأشخاص الذين تمت إقالتهم من مناصبهم وتسريحهم وفقدوا عملهم يصل إلى حوالي مليون شخص".

لكن عمليات المحاكمة الأولى بحق المشتبه بمشاركتهم في محاولة الانقلاب بدأت فقط في مايو/أيار من العام الحالي ، حيث تم توجيه التهم لـ221 شخصا، بينهم 26 جنرالا و26 عقيدا ومقدما و37 من ذوي الرتب الوسطى.

ومنذ شهر واحد تماما أصدرت محكمة الجنايات التركية أولى قراراتها القضائية في إطار عمليات المحاكمات هذه، وقضت بالسجن المؤبد بحق 23 شخصا، كما برأت شخصين.

وتشتبه السلطات التركية في غالبية الموقوفين، وخاصة من بين المدنيين، بالمشاركة في أنشطة مؤسسات فتح الله غولن، المتهم بالوقوف وراء محاولة الانقلاب، والذي تطالب النيابة العامة التركية بإصدار حكم بسجنه لمدة 2000 عام، بالإضافة إلى حكمين بالسجن المؤبد.

وأدت هذه الحملة، حسب ما يقوله الخبراء، إلى دحر حركة غولن في الأراضي التركية، التي كانت قوية جدا في أوائل القرن الجاري ومثلت سابقا أحد أهم حلفاء حزب الرئيس الحالي.

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي والخبير في الدراسات الشرقية، ألكسندر سوتنيتشينكو، إن "القيادة التركية تمكنت بدرجة كبيرة من تركيز زمام السلطة في أيديها والقضاء على خصومها الإديولوجيين الأساسيين، أي حركة فتح الله غولن، التي تم تدميرها بشكل كامل".

إضعاف الجيش

ومن بين التداعيات الأساسية لمحاولة الانقلاب الفاشلة وحملة التطهير بالنسبة لمؤسسات الدولة التركية، الإضعاف الملحوظ للجيش، وهو ما أظهرته، حسب الخبراء، عملية "درع الفرات"، التي نفذتها القوات التركية في شمال سوريا خلال الفترة بين 24/08/2016 و29/03/2017 بمشاركة القوات البرية والدبابات وسلاح المدفعية وبغطاء من سلاح الجو، وبالتعاون مع مسلحي "الجيش السوري الحر" وفصائل متحالفة معه من المعارضة السورية، من أجل تطهير كامل المنطقة الحدودية من "جميع الإرهابيين" وطردهم نحو العمق السوري، حسب ما قالته أنقرة.

وبهذا الخصوص أشار ألكسندر سوتنيتشينكو إلى أن السلطات التركية "سعت لتطهير الجيش من جميع العناصر، الذين اشتبهت بأنهم غير موالين للحكومة بدرجة كافية، في خطوة كان من شأنها نظريا تعزيز الجيش"، إلا أن هذه العملية أدت، حسب الخبير الروسي، إلى تبعات عكسية.

وأوضح سوتنيتشينكو: "أظهرت حملة درع الفرات... أن الجيش التركي ليس على مستوى إعداد كاف لتنفيذ عمليات برية واسعة النطاق، علما بأن القوات التركية احتاجت إلى وقت طويل جدا للسيطرة على مدينة الباب(السورية) الصغيرة".

بدوره، أكد مدير مركز التقلبات السياسية، إيفان كونوفالوف، أن " تبعات محاولة الانقلاب انعكست بصورة سلبية جدا على حالة القوات المسلحة لتركيا"، معتبرا أن الأخيرة تمكنت من السيطرة على مدينة الباب فقط بفضل الدعم من قبل سلاح الجو الروسي، الذي وجه عددا من الضربات إلى المواقع الحيوية لمسلحي "داعش" في المدينة.

وأشار الخبراء الروس في هذا السياق إلى أن المهمة الأكثر أهمية حاليا أمام الرئيس التركي هي تنمية نخبة عسكرية جديدة في البلادة لعودة فعالية الجيش بعد حملة التطهير.

نهاية الانقلابات العسكرية؟

نفذ الجيش التركي، الذي يعتبر نفسه تقليديا الجهة المسؤولة عن الحفاظ على التراث السياسي الإديولوجي لمؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، 3 انقلابات عسكرية خلال نصف القرن الماضي، الأول في عام 1960 والثاني في عام 1971 والثالث في عام 1980، وذلك بالإضافة إلى ما أطلق عليه اسم "الثورة بعد الحداثة" عام 1997، عندما أجبر مجلس الأمن التركي الحكومة الإسلامية لرئيس الوزراء الراحل، نجم الدين أربكان، على الاستقالة.

لكن أردوغان يتبع، منذ العام 2010، حينما تولى منصب رئيس الحكومة، نهجا واضحا لإضعاف المواقع السياسية للجيش في تركيا، ونظم آنذاك استفتاء أجرى من خلاله تعديلات في الدستور التركي قضت على بعض الآليات التي استخدمتها قيادة القوات المسلحة للتدخل في الحياة السياسية للبلاد.

ويشير المتابعون إلى أن محاولة الانقلاب العسكري في عام 2016 وما تلاها لاحقا من استئصال العناصر غير الموالية للحكومة التركية من الجيش، تضع نهاية لفترة الانقلابات العسكرية في البلاد.



وقال ألكسندر سوتنيتشينكو بهذا الصدد: "أعتقد أن احتمال وقوع انقلاب عسكري تم استبعاده تماما، حيث طردت السلطات كل من كان غير موالي للحكومة".

من جانبه، أكد اللواء البحري المتقاعد في البحرية التركية، سونير بولات، في حديث لـ"RT"، أن القوى المعارضة للرئيس التركي وأنصاره في صفوف الجيش لن تتمكن في العقود القريبة القادمة من تدبير انقلاب جديد، لكنه اعتبر أن عناصر حركة غولن قد ينتقلون إلى تكتيك اغتيالات الشخصيات السياسية البارزة.

بدوره، قال إيفان كونوفالوف إنه لا يجب استبعاد إمكانية حدوث محاولة انقلابية جديدة في تركيا، إلا أنه لفت إلى أن الحراك العسكري المحتمل ستنفذه، على الأرجح، الاستخبارات التركية وليس الجيش، موضحا أنها على صلات وثيقة بالولايات المتحدة، التي تقف، برأيه، وراء أحداث يوليو/تموز عام 2016.

التوتر في العلاقات مع الغرب والتقارب مع روسيا

أما في ما يتعلق بمجال السياسية الخارجية لتركيا، فشهدت هذه الساحة أيضا تغيرات كبيرة ملحوظة أبرزها توتر العلاقات التركية مع العالم الغربي، والتقارب مع روسيا.

ويشير الخبراء إلى وجود عدد كبير من الأسباب للتوتر في العلاقات بين تركيا والغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي تتحدث تقارير وتحقيقات صحفية في تركيا بصوت عال عن تورط واشنطن في المحاولة الانقلابية الفاشلة.

وقالت صحيفة "Yeni Safak" التركية الحكومية إن دور المنسق في التحرك العسكري في يوليو/تموز عام 2016 قام به الجنرال الأمريكي، جون ف. كامبل، الذي يقود قوات الناتو في أفغانستان، فيما نقلت صحيفة "Akşam" أن المشاركين في محاولة الانقلاب نسقوا أعمالهم مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عبر غرام فولير، نائب المجلس الوطني للاستخبارات، وصب الزيت في النيران رفض السلطات الأمريكية تسليم فتح الله غولن للحكومة التركية.

كما شهدت العلاقات بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي أيضا تفاقما حادا على خلفية محاولة الانقلاب، وخاصة مع ألمانيا، التي اتهمتها تركيا مرارا بـ"دعم الإرهاب" ومرت علاقة أنقرة مع برلين بعدد من الفضائح الدبلوماسية، بحيث أجبرت السلطات الألمانية على سحب قواتها من قاعدة إنجرليك التركية.

وأكد يفغيني باخريفسكي في هذا السياق: "إن علاقات تركيا مع الغرب تدهورت بلا شك جراء محاولة الانقلاب، لأن التفسير الرسمي للأحداث، الذي يميل إليه الجزء الأكبر من المجتمع التركي، يتحدث عن الضلوع غير المباشر للولايات المتحدة ودول أخرى من حلف الناتو في الانقلاب".

وأشار سونير بولات إلى أن تركيا تسير، في ظل هذه الظروف، باتجاه السياسة الخارجية الأورواسية الهادفة إلى الاستقلال عن الغرب، والتعاون مع روسيا، التي قام أردوغان بزيارته الخارجية الأولى إليها عقب الانقلاب الفاشل.

ولفت يفغيني باخريفسكي في هذا السياق إلى أن العلاقات بين روسيا وتركيا بدأت بالعودة إلى مسارها الطبيعي بعد المحاولة الانقلابية، مشيرا إلى أن المجتمع التركي أصبح يؤمن بفرضية تقول إن الاستخبارات الروسية أبلغت السلطات التركية بالتخطيط لمحاولة الانقلاب العسكري قبيل تنفيذها.

ومن النتائج الأساسية لزيارة أردوغان إلى سان بطرسبورغ في 9 أغسطس/أب من العام 2016 وسلسلة المفاوضات على مستويات مختلفة بين الجانبين تعزيز التعاون الروسي التركي في مجال الأمن والسياسة الخارجية، مما سمح بإطلاق عملية أستانا الخاصة بتسوية الأزمة السورية.


إلغاء مفهوم العالم العربى!


محمد سلماوى
 
هل صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بالوساطة فى أزمة قطر؟ لقد انتهت زيارة وزير الخارجية ريكس تيلرسون الى المنطقة دون أن تسفر عن أى تقدم فى حل الأزمة، فهل جاء تيلرسون بغرض الحل أصلا؟ إن الموقف الأمريكى لم يكن ملتبسا مثلما هو الآن، فقد وجدنا الرئيس دونالد ترامب يطالب بوقف تمويل الإرهاب ويبارك قرار مقاطعة قطر قائلا بصريح العبارة إن لقطر تاريخا طويلا فى تمويل الإرهاب، ثم يرسل وزير خارجيته الى الدوحة ليوقع اتفاقية جديدة مع الأمير تميم حاكم قطر تبرئ ضمنيا ساحة قطر من تمويل الإرهاب، فهى اتفاقية تحظر مثل هذا التمويل ومادامت قطر موقعة عليها مع الولايات المتحدة فهى إذن لا تمول الإرهاب، بل وصل الأمر الى أن يدعو تيلرسون دول المقاطعة نفسها الى أن تحذو حذو قطر وتوقع مثلها على الاتفاقية، وكأن قطر قد أصبحت بين يوم وليلة هى المثال الذى يحتذى فى محاربة الإرهاب، فما هى حقيقة اللعبة الجديدة التى تقوم بها أمريكا الآن فى العالم العربى، وهل هى فعلا تتوسط بين الأطراف المتنازعة بهدف رأب الصدع؟

للإجابة عن هذا السؤال ومحاولة استجلاء حقيقة الدور الأمريكى فى المنطقة، يحضرنى ذلك التحقيق الاستقصائي الضخم الذى نشرته كبرى الصحف الأمريكية «النيويورك تايمز»، عن العالم العربى بعد 13 عاما من التدخل العسكرى الأمريكى فى العراق، والذى أفردت له الصحيفة صفحات مجلتها الشهيرة بالكامل، فى سابقة لا تتكرر كثيرا فى الصحف العالمية حيث تكرس الجريدة عددا بكامله لموضوع واحد فقط.

وقد عجبت أن أيا من صحفنا لم تتنبه لهذا التحقيق الذى يعتبر فى رأيى الأهم هذا العام، فتترجمه وتعيد نشره، إن لم يكن بإفراد عدد كامل له مثلما فعلت الجريدة الأمريكية، فعلى الأقل بنشر أهم أجزائه فى ملحق خاص، فبعيدا عن الانحيازات السياسية المعروفة لتلك الجريدة التى يسيطر عليها اللوبى اليهودى الأمريكى، جاء هذا التحقيق المتميز الذى حمل عنوان Fractured Land: How the Arab World Came Apart، أى «الأرض المحطمة: كيف تفتت العالم العربى»، على قدر كبير من الموضوعية، حيث أظهر بشكل واضح أن حالة التجزئة والتناحر والاقتتال التى يعيشها الوطن العربى الآن بدأت بالغزو الأمريكى للعراق عام 2003 والذى لم يتبعه الا الفوضى والخراب فى معظم أرجاء الوطن العربى.

وقالت الجريدة إن الغزو الأمريكى للعراق الذى تم بهدف «تحقيق الديمقراطية» دمر الدولة العراقية وقضى على مؤسساتها وخلق الظروف المواتية لولادة التنظيمات الدينية الإرهابية ونشر الفوضى التى حولت العالم العربى الى منطقة مشتعلة بالحروب الداخلية، وهو الذى «أعطى إشارة الانطلاق لعصر الإرهاب الذى يعيشه العالم الآن».

أما حصيلة خسائر ذلك الغزو بالأرقام فهى كالتالى: قتل من العراقيين مليون و455 ألفا و590 مواطنا، وقتل من الجانب الأمريكى 4801 ضابط وجندى أمريكى، ومن بقية العسكريين الذين شاركوا فى العدوان مع القوات الأمريكية 3478 عسكريا، أما التكلفة المالية على الجانبين فقد وصلت الى تريليون و856 مليونا و705 آلاف دولار وتقدر المصادر الدولية خسارة العالم العربى المادية بـ 830 مليار دولار، فضلا عن خسائر الأرواح الناتجة عن الفوضى التى عمت المنطقة وأدت الى الاقتتال الدائر الآن بين العرب وبعضهم البعض فى كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا.

لقد تحدثت مراكز البحث الأمريكية والدوائر السياسية الحاكمة منذ بدايات القرن الحالى عن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذى يعاد بمقتضاه تقسيم المنطقة بحيث تزال منها الدول الكبرى كالعراق وسوريا ومصر وتتحول الى دويلات صغيرة متحاربة، وتكون القوى الإقليمية الوحيدة فى المنطقة هى إسرائيل، وها نحن الآن نرى ذلك «الشرق الأوسط الجديد» يتخلق أمامنا بعد أن سخرنا طويلا من امكانية تحقيقه، ومن سخرية الأقدار أننا نحن الذين نقوم بتخليقه بأيدينا، فالذين يحاربون السوريين هم السوريون والذين يقاتلون العراقيين هم العراقيون، وهكذا فى اليمن وفى ليبيا، أما بالنسبة للجماعات الإرهابية التى كانت الولايات المتحدة أول من دعمها ومولها بطرق مباشرة وغير مباشرة فقد حصدت هى الأخرى من الأرواح ما فاق بعض الحروب، فرغم انها تشن حربها باسم الإسلام فإن 70% من ضحاياها من المسلمين، عوضا عما تسهم به فى تفتيت المجتمعات العربية ونشر الفوضى فى ربوع البلاد.

على أن أخطر ما يتعرض له العالم العربى فى الوقت الحالى هو ضياع مفهوم الوطن العربى ذاته والذى كان طوال فترة الخمسينيات والستينيات يمثل قاعدة القوة التى ينطلق منها العمل العربى على الساحة الدولية. لقد كان هناك كيان محدد المعالم يعرفه العالم باسم العالم العربى، وكانت له خصائصه الثقافية والاجتماعية التى ميزته عن المناطق الجغرافية الأخرى فى العالم، وإذا كانت وحدات ذلك العالم العربى هى الدول التى يتكون منها، فإننا نرى الآن تلك الدول تتهاوى وتسقط بعد أن كادت تنتفى عنها صفة الدولة الوطنية وبدأت كل دولة تنقسم على نفسها لتتحول الى كيانات اجتماعية لا تقوم على أساس الانتماء للوطن وإنما للدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق.

وليس أدل على ضياع مفهوم الوطن العربى من ذلك الغياب المشين لجامعة الدول العربية عن الأزمات التى يتعرض لها الوطن العربى وعن محاولات الوساطة التى تتبعها، فهل من المعقول، أو المقبول، أن تجرى الوساطة بين قطر ودول الخليج بواسطة الولايات المتحدة، ثم تشارك معها بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا، ولا يكون هناك أدنى حضور للجامعة العربية فى هذا الخلاف الذى يقوم بين دول أعضاء بها ويلتزمون بميثاقها؟! قد لا يكون حضور الجامعة هو الذى سيحل المشكلة، لكن وجودها فى مثل هذه المواقف هو الذى سيبقى على المظلة العربية التى تظللنا جميعا، وحضورها هو الذى سيؤكد الصفة العربية التى يحاولون ضربها، وقيام التسوية تحت مظلتها هو الذى سيقول للعالم إنه رغم كل ما يحدث فإن هناك كيانا اسمه العالم العربى، لكنى لا أرى دولة عربية واحدة من الأطراف المتنازعة طلبت حضور ومشاركة الجامعة العربية وتفعيل دورها، أو حتى طالبت بمجرد حضورها جولات الوساطة هذه التى تقوم بها الولايات المتحدة، وذلك أن الدور الأمريكى لا يهدف الى الوساطة وانما الى ضمان تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد والذى لا يمكن أن يقوم إلا بضرب فكرة الوطن العربى ذاتها، فذلك المشروع لا مكان فيه لما كان يسمى فى الماضى العالم العربى.

يوليو .... ثورة وعقيدة -


سومر المهداوي

من الخطأ ان نتصور ان الثورة العربية المصرية قد بدأت في 23 يوليو 1952 م , وانما كان ذلك اعلانا رسميا عنها تمكن فيه الضباط الاحرار من القضاء على الملكية والاستعمار ومن ثم اقامة نظام جمهوري في اشد الظروف الدولية قسوة وشراسة .
لقد كان 23 يوليو تتويجا رسميا فقط لتلك الجهود التي ماتراجعت يوما ولا عرفت الاحباط او اليأس .

الثورة كانت موجودة قبل هذا التاريخ في معاناة المصريين من تسلط الاستعمار المتمثل بالملكية , واهدار المال العام في ظروف جعلت عموم الشعب المصري يعاني من الفاقة والفقر , بينما اقتصرت اهتمامات الملك على اللذات والشهوات من نساء وخمر ومقامرة دون استتار او احترام لقيم الشعب المصري العربي المسلم , بالاضافة على عدم وجودة دولة مصرية حقيقية بالمفهوم السيادي المؤثر في قضايا الشعب والامة , حيث كانت مصر غائبة بشكل شبه كامل عن التاثير في الساحة العربية والاقليمية ,
يظهر ذلك جليا في احتلال اسرائيل لفلسطين لغاية 1947م ومن ثم حرب 48 , والابادة التي يتعرض لها العرب في الجزائر على يد الاحتلال الفرنسي , والمحاولات الجادة لربط الوطن العربي بالاحلاف العسكرية الاستعمارية واهمها حلف بغداد , كل ذلك ومصر في عالم اخر , حتى جاءت ثورة يوليو التي عبر عنها القائد ( لقد كان 23 يوليو بدء تاريخ جديد ) .

الواقع السياسي :
لقد كانت الساحة المصرية تعج بالتناقضات الفكرية والسياسية , فلقد عرفت مصر احزاب وحركات سياسية علنية وسرية , من اقصى اليمين الى اقصىاليسار , منها الوطنية ظاهرا ومنها الديمقراطية والشيوعية والاسلامية ,
وكانت مطالب هذه الاحزاب محصورة بين التخلص من الاستعمار والملكية واقامة نظام جمهوري الى الاصلاح من خلال البرلمان في ظل الحكم لملكي , وتصاعد مد الاخوان المسلمين والمشاركة في حرب فلسطين كان من اهم الاسباب في تزايد تاثيرهم على الساحةالمصرية , بينما ساهمت الثورة الروسية ونجاحها في دعم الحركات الشيوعية وحتى التروتسكية اضف الى ذلك بقايا الاحزاب القديمة من وطني ووفد , وكانت الكثير من تلك الاحزاب تتبلور وتتقدم وتنضج فكريا وتنظيميا وجماهيريا مع غياب لتيار يعد ابن البيئة العربية المصرية الاسلامية , الا وهو التيار القومي العربي . لذا كانت الثورة بمثابة الفتح العربي الثاني بعد الفتح الاسلامي على يد عمرو بن العاص (رض) .

من الفالوجة ولدت الثورة :
كان الجيش ليس ببعيدا عن ذلك الواقع السياسي لمصر وفيه من مختلف التيارات الفكرية ما يجعل الملك يشعر بالخطر المتزايد عليه , ولطالما فكر باشغاله بحرب خارج الارض المصرية , فالثورة المهدية في السودان كانت ذريعة خففت من تلك المخاوف بعد ارسال عدد من كتائب الجيش للمساهمة بالقضاء عليها ,
حتى جاءت حرب 48 فرصة سانحة للتخلص من الكوادر الوطنية التي تطوعت للمشاركة من اجل التحرير ,
وكيف لا وان الجيش المصري قد ذهب لتلك الحرب باسلحة قديمة وعتاد فاسد , اذن الهزيمة اكيدة , مالم يتوقعه الملك هو ان يصنع هؤلاء النصر ويعودوا الى وطنهم عودة الابطال ,

كان من نتائج تلك الحرب هو تشتت الجيش المصري الى جماعات صغيرة تبحث عن حتفها من غير دعم او اسناد , ومن تلك المجموعات 4000 جندي يقودهم ضابط سوداني قومي عربي هو السيد طه ومساعده الضابط جمال عبد الناصر , عاش هؤلاء 125 يوما , يموتون كل يوم مئة مرة , تنهال عليهم القذائف والطائرات من كل صوب وحدب , كان ذلك في قرية كانت تعرف (الفالوجة ) , محت بيوتها واختلط فيها الجيش بالاهالي , استطاعت هذه المجموعة بتصميم المؤمن بالله ونصر الامة ان تواجه كل ذلك , وان تملي اخيرا شروطها بعدما ظفرت بالنصر وتمكنت من قتل 500 من الصهاينة واسر قسم اخر ,

لماذا الفالوجة ؟؟
كان عبد الناصر يحلم بتحرير مصر الذي تخلت قيادته عنهم يلاقوا مصيرهم عن سبق اصرار , وادرك يومها بان لانصر الا من الشعب , حيث كان الاهالي يفتحون لهم الثغرات ويمدونهم بالمساعدات من ماء وغذاء وعتاد ,
يقول القائد ( كنا نحارب في فلسطين ولكن احلامنا كلها كانت في مصر ) ,
كان يدرك بان تحرير القدس لايمكن له ان يتم من دون تحرير القاهرة والعواصم العربية الاخرى ,
ومن هنا جاء الربط للقضية الفلسطينية بالواقع العربي المؤلم ,

يقول عبد الناصر ( حين انتهى الحصار وانتهت المعارك وعدت الى الوطن كانت المنطقة كلها في تصوري كًَلاً
واحدا ) , بل حتى الربط الانساني الاجتماعي والقومي كان للفالوجة دورا كبيرا فيه يقول " كنت التقي في تجوالي فوق الاطلال المحطمة ببعض اطفال اللاجئين الذين سقطوا في براثن الحصار بعد ان تخربت بيوتهم وضاع كل ما يملكون واذكر بينهم طفلة صغيرة كانت في مثل عمر ابنتي وكنت اراها وقد خرجت الى الخطر والرصاص الطائش مندفعة تحت سياط الجوع والبرد تبحث عن لقمة عيش او خرقة قماش , وكنت اقول في نفسي قد يحدث هذا لابنتي وكنت مؤمنا بان الذي يحدث للفلسطينين كان يمكن ان يحدث لنا , ومازال احتمال حدوثه قائما لاي بلد في هذه المنطقة

الضباط الاحرار :
لم يكن عبد الناصر هو الوحيد من جيله الذي ادرك مأساة الأمة , واسراف حكامها وشكلية الحروب التي يخضونها , واستهتارهم بالدماء العربية وراء ستار التحرير , عبد الناصر كان واحدا من هذا الجيل , ولكن ما الذي جعله عبد الناصر الرجل الاسطورة ؟ ورغم ان عدد هؤلاء الضباط لايزيد عن 90 ضابطا , ثلثيهم من الرتب الصغيرة , الا ان تاثيرهم لدى زملائهم في الجيش كان كبيرا , كشفت انتخابات نادي الضباط وفوز مرشحهم امام مرشح الملك , عن قوة هذا التنظيم الذي اعد للثورة وخطط لها وفجرها في احلك الظروف من التعسف والقهر ,

كان عبد الناصر قد التقى هؤلاء الوطنيين بعقائد مختلفة سياسيا , ورتب مختلفة عسكريا وهو امر مهم في السياق العسكري , لكنه تفرد بصفة القيادة وصدق المشاعر , وشخصية جذابة كتب عنها الكثيرون واعترف اخرون بذلك رغم اختلافهم معه , كان يحتوي بطيبته الماركسي مع الاسلامي مع القومي ويؤطر العقائد المتباينة بعقيدة واحدة مصنوعة من الواقع المصري والعربي , يصوغها بروح صوفية للتوحد مع الوطن والامة , فوجد هؤلاء انفسهم في تنظيم واحد اطلق عليه ( الضباط الاحرار ) انبثق عنهم ( مجلس قيادة الثورة ) , حملوا ارواحهم على اكفهم لينقذوا مصر من الجهل والتخلف والعبودية .

اعلان الثورة :
رغم ان الثورة اعلنت في 23 يوليو من عام 1952 م , الا ان العهد الملكي ظل متواصلا بتشكيل مجلس الوصاية اثر تنازل الملك عن العرش لابنه احمد فؤاد الثاني حتى 18 يونيو1953 م , وتعيين محمد نجيب رئيسا , فكان بداية العصر الجمهوري , حتى انتخب جمال عبد الناصر رئيسا في 23 يونيو 1956 م , ومن ثم رئيسا للجمهورية العربية المتحدة ( مصر وسوريا ) في فبراير 1958 م ,
منذ اعلان الثورة شرعت بالا ندفاع على مختلف الاصعدة داخليا وخارجيا ,
ويصعب على المرء ان يحصي الانجازات المادية والمعنوية التي قدمتها الثورة ,
الا ان تلك الانجازات جاءت ضمن سياق واحد هو ( تحديد المشكلة ثم ايجاد الحل ) وهو ما عرف باسلوب التجربة , دون اللجوء الى صيغ نظرية جاهزة

المنطلقات النظرية للثورة :
نستطيع ان نحدد تلك المنطلقات طيلة فترة عبد الناصر من خلال وثائق ثلاث هي ( فلسفة الثورة , الميثاق , بيان 30 مارس ) بالاضافة الى مجموعة خطب الرئيس التي طالما جاءت مطابقة للخط العام لتلك الوثائق .

ولقد اتسمت تلك المنطلقات بانها جاءت ترجمة للواقع المصري ومن ثم العربي والدولي , تربط بين الحرية من قبضة المستعمر من جهة واستغلال الانسان العربي من جهة اخرى , مما جعل من الثورة اكبر من اداة التغيير العسكري الحاصل , ولقد كانت المبادئ الستة طور من اطوار النضوج في تلك المنطلقات التي نستطيع ان نجملها بما يلي :
1 - اعتماد الحل السلمي في الصراع الطبقي وهو اسلوب يعتبر مبتكرا في تذويب الفوارق الطبقية , بعد ان كانت النظريات الماركسية قد حصرت تلك المهمة بالنضال الطبقي وسيطرة البروليتاريا , فكانت الثورة اول من رسم ملامح هذا الطريق العربي للاشتراكية وهو ما عرف لدى بعض المفكرين ( الاشتراكية العربية ) بعد ان كان الخروج عن الاشتراكية العلمية يعتبر بمثابة بدعة لدى حتى الاحزاب العربية الاشتراكية .
2 - الاعتماد على الدين في تعزيز القيم الانسانية التي تشكل العaود الفقري في الانجازات الحضارية , وهو من جهة اخرى يعد بمثابة الربط بين ما هو قومي واسلامي باعتبار ان الامتين العربية والاسلامية يشتركان بتاريخ يمتد الى بداية ظهور الاسلام في الجزيرة لعربية , وحمل رايته من قبل العرب الى اصقاع الدنيا .
3 - الحرية باعتبارها كل لا يتجزء , فلا حرية لمواطن في وطن محتل , ولا حرية مع الاستغلال الطبقي , فصناديق الاقتراع لاتحدد الحرية دون تحرير ارزاق الشعب , وهو ربط شامل للحرية الاجتماعية مع السياسية , ومقدمة لبناء متكامل للحرية والديمقراطية .
4 - العدل والكفاية , كفاية في الانتاج تتطلب تعزيز الصناعة الوطنية ودعمها من اجل تضييق الخناق على المستورد الذي يستنزف قدرات البلد , وهو ما عرف بالاكتفاء الذاتي , ولقد كان للثورة اليوغسلافية دور في ذلك , ثم العدل في التوزيع والفرص المتكافئة , وهو منطلق نحو المساواة والعدالة .
5 - الانتماء المتعدد الهوية لمصر فهي دولة عربية افريقية تنتمي الىعالم اوسع هو العالم الاسلامي , ومن ثم العالم النامي .
6 - ان انتماء مصر لتلك الحلقات المتسعة لايعني انها ستاخذ دور المتفرج لما يدور حولها من حرب باردة بين الكتلتين العملاقتين , ويجب ان تسعى الى فضاء واسع تستطيع من خلاله ان تاخذ دورها الرائد , فكان تاسيس عدم الانحياز تتويجا لهذا التطلع في 1955 م .
7 - ان وجود الكيان الصهيوني بين ظهراني هذه الامة , يجعلها تشعر بالخطر الدائم , وهذا يتطلب الرد بشكل ايجابي على هذا الخطر التوسعي بوحدة الامة والعودة الى وضعها الطبيعي قبل التجزئة ,
8 - بما ان الثورة وحسب قول عبد الناصر نفسه ( دون تنظيم سياسي ودون نظرية كاملة للتغيير الثوري ) , فانها وبدون شك ستعتمد على وضع اهداف مرحلية غير قابلة للتنازل او التفريط للحفاظ علة ديمومة الثورة , فهي اذن ثورة مستمرة تجاوز مفهوم الانقلاب العسكري وتغيير نظام الحكم .

منجزات الثورة :
قلنا ان الثورة اعتمدت في سياق الانجازات اسلوبا تجريبيا نابعا من التناقضات الحادة داخل المجتمع المصري نفسه وعلاقته بالمحيطين العربي الاسلامي والدولي ,
فعلى الصعيد الداخلي كان الموطن المصري اذا ما تجاوزنا الاحتلال المباشر وغير المباشر , يعاني من المحسوبية والاقطاع والاستغلال , فجاءت القرارات بالغاء الالقاب , والقضاء على الاقطاع بقانون الاصلاح الزراعي , ومن ثم التاسيس لبنية القطاع العام ,
ولم تكن معاناة المصري من التخلف والجهل والمرض باقل من ذلك , فكانت القرارات الخاصة بمجانية التعليم والتامين الصحي ونشر الوعي الوطني والقومي .
وللدفاع عن الامة شرعت الثورة في بناء جيش قوي قائم على الولاء للشعب , وادراكا منها بخطورة الاعتماد على جهة واحدة في التسليح , قامت بتسليحه من مصادر متعددة ,

كذلك كان تأميم قناة السويس 1956 م قرارا مزدوج التاثير اقتصاديا وسياسيا , قام على اثره العدوان الثلاثي
وكان وضع الحجر الاساس للسد العالي 1960 م بداية للخلاص من مخاوف طالما هددت الفلاح المصري بالفيضان او الجفاف مثلما كانت بداية للاعتماد على الذات المصرية في الانجازات الكبرى بعدما تخلت امريكا عن دعم المشروع , اضف لذلك اهتمام الثورة في بناء المصانع وادخال التكنولوجيا المتطورة من اجل بناء قاعدة مادية رصينة وتحقيق مجتمع الكفاية والعدل .
الا انه وبصراحة يبقى بناء الانسان العربي وترسيخ المفاهيم القومية والتحررية , ودعمه لقيمةالحرية في الجزائر والعراق واليمن و حركات التحرر في العالم هو الانجاز الاكبر لثورة يوليو الخالدة .

الثورة المضادة :
بعد انتهاء المرحلة الاولى من التحرر الوطني باجلاء القوات الاجنبية وتاميم قناة السويس والتخلص من كل اشكال التبعية , بدات المرحلة الثانية من التحرر الديمقراطي , وهي المرحلة التي تشهد دائما الخلافات وفقا للخلفيات الثقافية والسياسية لرجال الثورة , ولقد تجلت تلك الخلافات في هيمنة المؤسسة العسكرية , وتسلط اجهزة الامن والمخابرات , الامر الذي ادركه عبد الناصر, وحاول بكل ما اوتي من شجاعة وصبر ان يصلح العطب الكامن في اجهزة الدولة , دون ان يسبب ذلك نوع من الاحباط لدى المواطن المصري او العربي , الا ان نكسة حزيران 1967 م كشفت وبشكل واضح كل ما اراد اصلاحه , وبارادة الرجل المؤمن بالله وبقدرات الشعب والامة , انبرى عبد الناصر ومنذ الايام الاولى للنكسة باعادة الثقة الى الانسان العربي , وتحمله المسؤولية التاريخية لتلك الهزيمة في وقت حاول الاخرون التنصل عنها , ايمانا منه بان الثورة مستمرة , وان هذا يؤكد الخطر الصهيوني علىالامة العربية التي تشكو من الضعف والتجزئة والتي طالما نبهت اليه الثورة . فشرع في اعادة بناء القوات المسلحة ومن ثم حرب الاستنزاف 1968 م.
لقد كانت تلك المحنة قاسية الوقع على عبد الناصر الذي يحلم بالحرية والوحدة لهذه الامة , ولربما كانت واحدة من اجهزة الدولة قد ساهمت بشكل او اخر في تلك النكسة , الامر الذي جعله في ترقب دائم لكل ما يجري من حوله , يحاول الاطلاع والامساك بمقاليد الأمور , كي ينهض من جديد , ويصرخ ثانية ( ارفع رأسك يا اخي !! ) , فكيف لا وهو من اعلن مسؤوليته ؟؟ فهل نقول بانه ديكتاتوريا ؟؟

ان افضل ما استطيع ان ارد به , هو ما قاله هيكل بهذا الصدد , ( ان تجربة عبد الناصر كانت عربية شاملة , تجاوزت حدود مصر ) , ولنسأل انفسنا ( أي سلطة قهر كانت له على الجماهير خارج مصر ؟ ) ويقول ايضا ( هل استطاعت هذه السياسة ان تجعل من العرب قوة سياسية ضخمة تتصدر التيارات الفاعلة , ام ان الرجل كان ضد التحرر ومحالفا الى الاستعمار وداعيا الى الطغيان , ولنتحقق في سياسته العربية , هل كانت مع التاريخ او ضد التاريخ ؟؟ ) ,

هكذا يبدو الحديث عن الثورة , هو بصورة أخرى حديث عن القائد جمال عبد الناصر , وهذه الحقيقة كشف عنها غياب القائد في 28 ايلول 1970 م , حيث انكمش دور مصر العربي , مثلما شهد المواطن المصري تفريطا بانجازات الثورة والعودة به الى عصور الظلام والعبودية .

استدعاء قضايا جزئية لإشغال الأمة عن القضية الفلسطينية

محمد شريف الجيوسي

هناك من هو معني بصنع احتياجات جديدة تافهة أو هامشية واعتيادات و( ألعاب ) ومشكلات ومشاغل جديدة ، تلهي عن القضايا المركزية وتحرف البوصلة ، وهناك من هو معني أيضاً باستدعاء الإحن والاختلافات والاحترابات ودواعيها فيزرعها في الأرض والعقول والقلوب والنفوس والمناهج ومنابر المعابد والثقافة ، ويجعل منها حقائق التاريخ الوحيدة والحاضر والمستقبل .

وهناك من يتبنى الكثير مما سبق ، مغلقاً دماغه فلا يسمع إلا بأذن واحدة ولا يرى إلا بعين واحدة ، ويبلغ به حد غسيل الدماغ أن يحسب أنه المسطرة الوحيدة التي تقاس عليها صحة المواقف وأن غيره على ضلال ، أبواب الجنة مفتوحة لهم في الآخرة ونصيبه من الحور العين مضمون بشهادة مفتين جهلة عبدة الدولار ،وزاد من عماهم وغيهم ، سياسيون من رواد فنادق ألـ ( 7 نجوم ) استعدوا الأجنبي على أوطانهم واستدعوه لاغتيال كل ما هو جميل وحضاري ومنجز فيها ، أوهموا المضللين من الشباب أن أبواب الدنيا مفتوحة أمامهم بانتصارات ربيعهم الأمريكي المستحيلة ، وتحقيق ما زعموا أنه الديمقراطية والحرية .

هؤلاء وأولئك ومن شغلهم ودربهم ومولهم وسوغ لهم ودعمهم سياسيا وإعلاميا وفتح المعابر لهم .. وزودهم بالسلاح والعتاد والإحداثيات والمعلومات الاستخبارية والتحركات ووسائل الإتصال الأحدث ، يلعبون ذات اللعبة جميعهم ، حتى مع تباينهم في أمور ، وهو ما أشرت إليه في الفقرة الأولى ( صناعة احتياجات تافهة أو هامشية ومشكلات ومشاغل جديدة واحتلافات واحترابات ودواعيها ، وزرعها في الأرض والعقول والقلوب والنفوس والمناهج ومنابر المعابد والثقافة ، وجعلها حقائق التاريخ الوحيدة والحاضر والمستقبل تلهي عن القضايا المركزية وتحرف البوصلة ) .

وبكل أسف فإن شوارعنا العربية والإسلامية تنشغل عن الكل بالجزء وعن القضية أو القضايا المركزية بالفروع والتفاصيل الثانوية نسبيا عن الجوهر ، غير متنبهين إلى أن تلك التفاصيل والأجزاء والفروع ، ما كانت لتحدث لولا ما يعتور الجوهر او القضية المركزية الفلسطينية من خلل وغياب وفشل وامتهان وترد وضياع .

فـ العسكري الأردني معارك التوايهة الحويطات ـ مثلاً ـ وامتهان حرمة الأقصى المبارك ومنع المصلين من الصلاة فيه ، واستيلاء الصهاينة على العديد من أملاك الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية وحادث استشهاد أردنييْن على الأرض الأردنية برصاص ضابط صهيوني وتركه يغادر للقاء نتنياهو كفاتح عظيم .. ومزاعم عضو كنيست صهيوني ، في اعقاب عملية الإعدام الميداني للشهيدين الأردنيين ، بأن (الأردن الذي تسقيه إسرائيل الماء وتحمي ظهره ، في حاجة للتعلم ) ..

السؤال هل كان في وسع إسرائيل امتهان كرامة الأقصى ومنع الصلاة فيه واعتقال المئات من الفلسطينيين وبينهم مقادسة ، والإستيلاء بالحيلة على املاك الكنيسة الأرثوذكسية ، لو أن القضية الفلسطينية لم توجد ولم يقم الكيان الصهيوني ، وهل كان سيتعرض العسكري الأردني التوايهة لهذا الحكم الذي تقول عشيرته أنه حكم ظالم وتلبية لضغط أمريكي ما كان ليكون (لولا قاعدة التدريب الأمريكية للجنود السوريين المنشقين الذين كان هدفهم الإستيلاء على الحكم في بلدهم الرافض مصالحة إسرائيل والداعم للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية ) وهل كان للشهيدين الجواودة والحمارنة أن يقتلا لو لم تكن هناك سفارة إسرائيلية على الأرض الأردنية ، وهل كان يمكن أن يستشهد القاضي زعيتر لولا أن اسرائيل موجودة على الطرف الآخر من المعبر إلى الضفة الفلسطينية، وهل كان يمكن أن يقضي الجندي الأردني الدقامسة نحو 20 عاماً في السجن لولا وجود إسرائيل،وهل كان يمكن أن يكون في السجون إلإسرائياية نحو 50 أسيراً أردنيا وممفقوداً في سجون تل ابيب لو لم يقم الكيان الصهيوني(هذا على صعيد الأردن فقط ).

من هنا فالسبب الرئيس في كل ما سبق هو قيام الكيان الصهيوني ـ اسرائيل ، دولة احتلال إحلالي استعماري عنصري توسعي .. وهي سبب حتى تخلفنا الإقتصادي وفساد أنظمة حكم في منطقتنا العربية وتبعيتها، فهي أنظمة مزروعة بقوة الأجنبي ومحمية منه وليس من شعوبها ، وهي لتضمن بقاءها تعمل وفق أوامر مشغليها وحماتها ، وتمارس الفساد المطلوب منها ، باعتباره جزءاً من الدور،لتبقى ضعيفة أمام شعوبها وفي حاجة في آن للحماية الخارجية وبالتالي تنفيذ الأوامر الأجنبية بحرفية وإتقان وتفان .

أقول لا بأس من أن نعظم قضية الأقصى وباقي القضايا، ولكن علينا الإنتباه الشديد إلى أن قضية الأقصى جزء من القضية الأكبر القضية الفلسطينية ، وأنها تُفتعل وغيرها من القضايا الأخرى لإشغالنا في القضايا الفرعية ونسيان القضية المركزية القضية الفلسطينية ، التي هي جذر كل القضا الأخرى ، وما لم تحل بإزالة إسرائيل فستبقى المشكلات الأخرى تتفجر ، ومنها إشغال الجيوش العربية الوطنية في حروب داخلية كما يحدث في سورية والعراق واليمن ومصر وليبيا والصومال ، وكما تعد الجزائر ثانية لها .

لقد أثبتت عملية إعدام د. الحمارنة والشاب الجوادة من قبل العدو الصهيوني ( وكما أكد نشطاء على مواقع التواصل الإجتماعي ) أنه لا يفرق بين كبير وصغير ، بين بروفيسور وطالب لم يكمل دراسته الثانوية ، بين مليونير وبين من يعمل لتوفير قوت يومه ، بين شرق اردني وغرب اردني ، بين مسيحي ومسلم ، بين مطبع أجّر بيته للإسرائيليين وبين غير مطبع ، الكل هدف إسرائيلي ولن يحميك حتى قبولك به وتعاونك معه .. وأن قادته يجعلون من القاتل الجنائي المجرم للعرب ؛ أبطالاً يستقبلون رسميا من قياداته ويحظون بحب العشيقات .

القضية الفلسطينية جذر كل قضايا الأمتين العربية والإسلامية، بل باتت جذر الصراعات في العالم ،رغم أنف المفتين والمنظرين الموغلين بالجهل والخيانة، ولا بد أن تبقى القضية الفلسطينية هي بوصلة قضايا الأمتين الرئيسة ، رضي من رضي وغضب من غضب ، والأحمق المقامر الخائن من يقول بغير ذلك ، سرا أو علانية ، من تحت الطاولة أو من فوقها ، أو من يكتفي بذلك قولاً دون عمل.

2017/06/01

الليطاني.. نَهْرُنا القاتل


 نجوى بركات

يحتلّ حوض نهر الليطاني المرتبة الأولى من حيث مساحته التي تبلغ 2175 كلم مربعا، أي ما يعادل نحو 20% من مساحة لبنان، يتوزع 80% منها في سهل البقاع، فيما تقع 20% المتبقية في لبنان الجنوبي. ونهر الليطاني أكثر الأنهار اللبنانية طولا (170 كلم) ينبع من غرب مدينة بعلبك في سهل البقاع، ويصبّ في البحر المتوسط شمال مدينة صور. تبلغ قدرته المائية 750 مليون متر مكعّب سنوياً، إذ يبلغ متوسّط هطول الأمطار في حوضه 700 ملم في السنة، أي حوالي 764 مليون متر مكعب، تتوزع على الشكل التالي: 543 مليون متر مكعب في سد القرعون، و221 مليون متر مكعب في باقي السدود. أما كميات المياه التي يصرّفها الحوض، فتعادل 24% من المتساقطات الصافية على مجمل الأراضي اللبنانية، وهذه الكمية تمثل أكثر من 40% من مجموع كمية المياه الجارية في الأنهر الداخلية.

هذا هو نهر الليطاني "مبدئيا". هذا هو "نظريا". عندما تبحث عنه في كتب الجغرافيا، أو في محرّك غوغل، أو في... ذاكرتك، حيث تختبئ صور عتيقةٌ قليلةٌ لأشياء لم تعد. هناك، تراه جارياً آمناً، وسط مئات القرى التي تحفّ ضفتيه، ترى مياهه الصافية المترقرقة العذبة تعكس زرقة السماء وخضرة الشجر والنبات، ترى قاعه المفروش بالحصى البيضاء، وأسماكَه هاربة أسراباً، وقد التاعت فجأة حين دخل إليها صبية عراة. وإن أغمضتَ عينيك جيدا، سمعت خرير المياه المتدفقة الباردة الطازجة، مياه لبنان كما يتمّ التغنّي بها، تلك التي تنبع من جبالٍ تغطي الثلوجُ قممها، وتنتهي في البحر الأبيض المتوسط، أجمل البحار وأحلاها على الإطلاق.

أما واقعياً، فهو "النهر القاتل"، بقدر ما هو النهر "القتيل" الذي هجرته كل علامات الحياة النهرية، بعد أن خلا من الحيوانات، طيورا وضفادع وأسماكا وسلاحف وحتى فئرانا، وبات مصدرا للتلوّث من النبع إلى المصبّ. إنه مكبّ نفايات المعامل والقرى المقيمة على جانبيه، بتروكيميائيات ترميها معامل الطلاء والدباغات والمستشفيات ومعامل الألبان والأجبان... إلخ، إضافة إلى أشكال التلوّث العديدة الأخرى التي يسبّبها رميُ القاذورات العضوية والصلبة على أنواعها، وتحويل كل قنوات الصرف الصحّي الخاصة بمئات القرى إلى مجرى النهر، من دون مرورها بمصافٍ للتكرير. الروائح الكريهة خانقة، والمياه آسنةٌ ملوّثةٌ تسقي المزروعات التي توزَّع على مختلف المناطق، ويأكلها المواطنون المغلوب على أمرهم.

"ما بدّي الليطاني يقتلني"، صرخةٌ أطلقها أهالي قرية برّ الياس البقاعية الواقعة على كتف الليطاني، وقد أدى تعرّضهم للتلوّث وللمواد البكتيرية والمسرطنة إلى إصابة 600 شخص من بينهم بالسرطان. إنه رقم مرتفع جدا، بل إنه من بين أكثر الأرقام ارتفاعا في العالم. وتلك ستكون حالُ كلّ القرى التي تقع على ضفاف اللّيطانيّ وحتى ما بعد. 600 حالة سرطانية وثّقتها مشافي المنطقة وأطباؤها، سبّبها تلوّثُ المياه التي تُروى بها المزروعات والروائحُ المسمّمة التي تفتك بالهواء. هذا الرقم ناتج ولا ريب عن 25 سنة من الإهمال والتعدّي على البيئة وعدم احترام القوانين، وهو مرشّحٌ للتزايد، حين نتذكّر أن هناك أكثر من ألفيْ طالب في برّ الياس يتعلّمون في مدارس تقع على ضفاف النهر الملعون.

أجل، إنه النهر الملعون، النهر المشؤوم، النهر القاتل. بل هو البلد الملعون، البلد المشؤوم، البلد القاتل. كل هذا وأكثر منه، ولا تُعلن حالةُ استنفار، ولا تسقط حكومة، ولا تهتزّ البلاد. لقد اعتاد اللبناني الموات، ألِف الموت، استمرأ الفساد والاستباحة وعدم المحاسبة، وصولا إلى القتل. تطمره النفايات ولا يعترض. يأكل أطعمةً فاسدةً ولا يعترض. يشرب مياها ملوّثة ولا ينبس بحرف. يُذلّ، يهان، يُفقر. يجوع.. ويستمرّ واقفا، فيذهب مثلا، ويتغنّى المستفيدون منه بصلابته وبحبّه للحياة.
أجل، اللبناني، كنهره الجميل، ملوّث الجسد والأخلاق والروح. وكنهره القتيل، اللبناني ميْت.

"ناتو عربي" جديد وُجهته الشرق



ناصر قويدر

نشرت صحيفة "كوميرسانت" مقالا للمحلل السياسي سيرغي ستروكان، يلقي الضوء فيه على تشكيل دونالد ترامب تحالفا إسلاميا ضد سوريا وإيران.

يقول ستروكان إن الرئيس الأمريكي غادر البيت الأبيض في لحظة حرجة جدا... في وقت اشتد فيه ضغط خصومه السياسيين للعثور على "الأثر الروسي" في نشاطاته، فيما كان يحاول هو البحث عن مركز دعم وتبريرات لمصلحته على بعد ألوف الكيلومترات عن الولايات المتحدة.

وفي هذه الحالة كانت زيارته إلى الرياض زيارة تعارف دولية "قبل الزفاف"، شارك فيها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وابنه، وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان. هذا إضافة إلى قادة أكثر من 40 دولة عربية وإسلامية.

وفي هذا الصدد، يرى ستروكان أن الاختيار غير المتوقع للسعودية، إحدى زعيمات العالم العربي والإسلامي، بصفتها الدولة الأجنبية الأولى في جولته العالمية، جاء تأكيدا آخر لسمعة دونالد ترامب كأشهر رئيس أمريكي يصعب التنبؤ بسلوكه، ويقدر على إحداث تغيير جذري في موقفه تبعا للظروف.

ويذكِّر المحلل الروسي بأن أحد أول قرارات ترامب لدى توليه السلطة كان تشديد قوانين الدخول والهجرة إلى الولايات المتحدة على مواطني العديد من الدول العربية والإسلامية، والذي أثار موجة من الغضب في العالم الإسلامي. أما السعودية، فلقد تحدث عنها بسلبية. وقال في إحدى المرات إن السعودية لن تدوم طويلا من دون دعم الولايات المتحدة. بيد أن ترامب آخر ومختلفا بالكامل كان في الرياض، إذ وقف أمام أعضاء الأسرة المالكة في السعودية وقادة العالم الإسلامي، وقال في ختام اللقاء إنه "كان يوما عظيما، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة كان استثمارا عظيما". وذلك في إشارة منه إلى أن "الولايات المتحدة ستحصل على مئات المليارات من الدولارات في الاستثمارات والكثير من فرص العمل".

ويلاحظ المحلل أن الرئيس الأمريكي الجديد ووزير خارجيته ريكس تيلرسون، الذي يرافقه في الرحلة، أبديا إصرارا على إعادة تشغيل العلاقات مع الدول الاسلامية، بل إن ترامب تجاوز الرئيس السابق باراك أوباما، الذي حاول التصالح مع العالم الإسلامي بعد حربي جورج بوش في أفغانستان والعراق.

ويضيف الكاتب أن من المفارقات أن تصبح أساس التحالف الأمريكي الجديد مع العالم الإسلامي فكرة المواجهة مع إحدى الدول الإسلامية الرائدة - إيران الشيعية، التي تعيش حالة من الصراع المزمن مع السعودية، زعيمة الإسلام السني.

وأشار سيرغي ستروكان إلى تعليق وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون على مذكرة التفاهم، التي وقعها الطرفان حول تزويد السعودية بالسلاح مع بلاده مقابل مبالغ بأرقام فلكية من مليارات الدولارات بأن "توريد المعدات والخدمات العسكرية يتجاوب مع المهمات طويلة الأمد، والمرتبطة بأمن السعودية ودول الخليج كافة، وخاصة في ضوء التأثير الايراني المشؤوم، والخطر الإيراني على طول الحدود السعودية".

وخلص المحلل السياسي سيرغي ستروكان إلى القول إن أساس بنية الأمن الجديدة في هذه المنطقة المهمة استراتيجيا، كما جاء على لسان أحد مسؤولي البيت الأبيض، هو إنشاء تحالف عسكري–سياسي أو "ناتو عربي" بزعامة السعودية. وتلعب فيه دورا محوريا كل من الإمارات العربية المتحدة، مصر والأردن تحت إشراف وتنظيم الولايات المتحدة، بغير أن تكون جزءا منه.

ويتوقع مؤسسو "الناتو العربي" أن يشمل أكثر من 40 دولة إسلامية سنية بما فيها باكستان النووية، والهدف من ذلك تغيير ميزان القوى في المنطقة، وخلق تهديد محتمل لحليفتي موسكو - إيران وسوريا.

لهذا، وبحسب رأي المحلل، فإن ترامب وقبل اللقاء الأول بالرئيس الروسي بوتين، لن يكون قد أصبح مهندسا "للناتو العربي" فحسب، بل إنه سيكون قد التقى حلفاءه الغربيين في "حلف شمال الأطلسي". وإن لقاءات ترامب في الرياض وبروكسيل قد تحد من مجال التفاعل بين الرئيسين، وتضعهما على المتاريس المتقابلة من الجبهة.

القدس.. المدينة الأفقر والأكبر في فلسطين


 رامي منصور

في احتفالاتٍ بمرور خمسين عامًا على ما يسمى "توحيد القدس"، أي احتلال المدينة، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إن القدس كانت منذ القدم عاصمة "شعب إسرائيل" القومية وحدهم وليس أي شعب آخر، ولن يتم التنازل عنها أبدًا، وإن حرية العبادة فيها مصونة للجميع تحت السيادة الإسرائيلية، وإنها لن تعود لتصبح إيليا كابيتولينا، أي المستعمرة الرومانية التي شيّدت على أنقاض المدينة.


ودمج نتنياهو في خطاباته في هذه المناسبة بين الكذب والتضليل، خصوصا فيما يتعلق بحرية العبادة، وبين العنصرية، عندما قال إن هذه البلاد كانت شبه فارغة في القرن التاسع عشر، والعقائدية الدينية القومجية المتطرّفة، عندما قال إن المدينة كانت عاصمة قومية لليهود فقط (هل كان في ذاك العصر قوميات وعواصم؟)، لكنه خلص إلى موقفٍ سياسي بأن القدس ستبقى "موحدة"، لأنها "محور الوعي القومي الصهيوني"، وإنه لا أحد له الحق فيها سوى اليهود، وأن الانسحاب منها سيعني أن تلقى مصير تدمر والموصل، أي أن تقع تحت سيطرة "داعش". وفي رد غير مباشر، لكن في المناسبة ذاتها، قال الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، إنه لا يمكن الحفاظ على "وحدة المدينة" مع إهمال 40% من سكانها، أي الفلسطينيين، الذين يشكلون "الحيز المديني الأفقر في إسرائيل".
وفي مقابل الإصرار الإسرائيلي على محورية القدس في الصراع، واعتبارها خطًا أحمر لا تنازل عنه، وترويج أن القدس تعيش أفضل مراحلها بفضل الاحتلال الإسرائيلي، تعاني المدينة المقدسة وأهلها، بعد خمسين عاما على احتلالها، من إهمال فلسطيني كبير، يجعلها "تفوز بجدارة" بلقب أكبر وأفقر مدينة فلسطينية. وليس هذا التقدير استنادًا إلى المعطيات الفلسطينية فحسب، وإنما وفق الإحصائيات الإسرائيلية.

وفق معطيات إسرائيلية من العام 2015، يشكل العرب 37% من سكان المناطق التي تقع في نفوذ بلدية القدس الإسرائيلية الذي تضاعف عدة مرات، من 38 كلم مربعا قبل حرب 1967 إلى 108 كلم مربعة فور الاحتلال، ليصل اليوم إلى 128 كلم مربعا، وتصل نسبة الفقر في أوساط فلسطينيي القدس إلى 79% (نسبة البطالة تصل إلى 30%)، وهي تشمل مخيم شعفاط والبلدات الفلسطينية الصغيرة في محيط المدينة. أما نسبة اليهود المتزمتين (الحريديم) فتصل إلى 23%، وتصل نسبة الفقر في أوساطهم إلى 50%، وعموما الحريديم هم من الشرائح الأفقر في إسرائيل. أما البقية من سكان المدينة، أي 40% تقريبا، فهم ليسوا عربا ولا حريديم، أي يهودا علمانيين أو محافظين، وتصل نسبة الفقر لديهم إلى 27%.

وبحسب المعطيات الإسرائيلية والفلسطينية، تفوق نسبة الفقر في القدس مثيلتها في قطاع غزة المحاصر (40%)، ويقدر بأن 117 ألف طفل مقدسي يعيشون تحت خط الفقر من أصل 230 ألف مقدسي يعيشون تحت خط الفقر وفق المعايير الإسرائيلية.

وإذا ما أضفنا هذه المعطيات المأساوية إلى منع شرائح واسعة من الفلسطينيين في الضفة وغزة والقدس من الصلاة بحرية في المسجد الأقصى، وهو ما يؤكد كذب نتنياهو، إلى الهدم الحثيث للمجتمع المقدسي من خلال التضييق عليه سياسيا واقتصاديا، فإننا أمام واقعٍ غير مبشر للمدينة المقدسة، وكل الحديث الإسرائيلي بأن المدينة تعيش أفضل مراحلها تحت السيادة الإسرائيلية مجافٍ للحقيقة. وضع الاحتلال المقدسيين أمام خيارين من خلال التضييق الاقتصادي، الخروج من المدينة والانتقال إلى الضفة الغربية، وبذلك يخسرون إقامتهم في المدينة، أو التخلي عن هويتهم الوطنية، والاندماج والعيش الذليل على الهامش الإسرائيلي، وهما خياران أحلاهما مر.

وليس الواقع المقدسي قدراً، بل هو مبرمج إسرائيلياً، إذ منذ اللحظة الأولى لاحتلال الجزء الشرقي للمدينة في يونيو/حزيران 1967، باشرت الحكومة الإسرائيلية فرض وقائع جديدة على الأرض، تمنع مستقبلا الانسحاب من المدينة. فأولى الخطوات كانت هدم حي المغاربة المتاخم لحائط البراق، بزعم إتاحة المجال لليهود للصلاة في المكان، وترحيل 135 أسرة فلسطينية وفق المعطيات الإسرائيلية. وبعد أيام من احتلال البلدة القديمة، باشرت بلدية الاحتلال تنفيذ مشاريع استيطانية لتثبيت السيادة الإسرائيلية، إذ صادر الاحتلال 3345 دونما على تخوم الجزء الشرقي للمدينة لربطه بالجزء الغربي، وإسكان 10 آلاف مستوطن يهودي. أي أن واقع الاستيطان والإفقار والهدم المجتمعي لم يكن عشوائيا، بل إن حربا معلنة على المدينة وأهلها منذ يونيو/حزيران 1967 لا تزال مستمرة. وهذا الواقع لم يقابل باستراتيجية عربية أو فلسطينية حقيقية، ترى في القدس مدينة مقدسة وعاصمة مستقبلية، وأن أهلها يشكلون جزءًا من الشعب الفلسطيني، بل تركت وترك أهلها لمواجهة مصيرهم وحدهم، حتى صارت جزيرةً معزولة، فهي ليست 1967 ولا 1948 ولا شتاتا. وينذر هذا الأمر بأن الحرب على القدس ليست في صالح الفلسطينيين، بعدما تحولت إلى جزيرة معزولة غارقة في الفقر، وصارت هدفا استيطانيا سهلا جدًا، لأن مقومات صمود الفلسطيني في القدس تتلاشى يوما بعد يوم، جرّاء إنهيار المجتمع وتفكّكه، وانعدام قيادة سياسية ومؤسسات وطنية تنظم المجتمع وتحصّنه. لكن الملفت أن هذا الانهيار وانعدام القيادة السياسية والمؤسسات الوطنية صار بعد اتفاقيات أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية، وزاد من وتيرة انهياره بعد الانتفاضة الثانية، وبناء جدار الضم العنصري، وتسليم القيادة الفلسطينية التي أعقبت استشهاد ياسر عرفات بواقع الفصل، حتى إن رأس المال الرمزي الذي شكلته المدينة المقدسة تبخّر، واقتصر على الحرم الشريف، وكأنه لا قيمة لما يحيط الحرم والبلدة القديمة رمزيا ووجدانيا وسياسيا. وكان لافتا أيضا عدم إصرار السلطة الفلسطينية على شمول القدس وضواحيها في الانتخابات المحلية أخيرا، وكأنه رغبة بالتخلص من عبء هذه المدينة المفقرة.

من الضروري استعادة رمزية القدس مدينة وعاصمة، وليس حرماً شريفاً فقط، وأن تعود لتكون المحور الأساسي لأي عملية سياسية مع إسرائيل، لأن التركيز على تجميد الاستيطان في الضفة الغربية كأنه أسقط مركزية القدس في الصراع، وسلّم بالأمر الواقع.

لن تقدّم المؤتمرات التي تعقد باسم القدس والأقصى، ولن تؤخر، لأن المطلوب فوراً انتشال القدس من مستنقع الفقر والتهويد، وهذا أولا وقبل كل شيء يتطلب رغبةً وإرادة سياسية فلسطينية، ومن ثم ستتوفر برامج الصمود والتنمية وغيرها. طالما لم تتوفر هذه الإرادة، فإن كل حديثٍ عن عدم التنازل عن القدس كلام بلا رصيد. ليس الوقت في صالحنا في القدس، إلا أنه على الرغم من كل الصعاب والتحدّيات، لا يزال 400 ألف فلسطيني يعيشون في المدينة المقدّسة، وأفشلوا المعادلة الإسرائيلية التي أرادت أن تكون المعادلة على النحو التالي: 70% من السكان يهود و30% عرب. حان الوقت لكسر الحصار عن القدس، وكشف أكاذيب نتنياهو، لأن القدس في "العصر الصهيوني" وصلت إلى الحضيض اقتصاديا وسياسيا، وصارت أفقر مدن فلسطين، ولا تتوفر فيها حرية العبادة للجميع. خمسون عاما على احتلال المدينة مناسبة لإعادتها إلى صدارة الصراع.

هل بدأ «حزب الله» يستعد لخلافة بري بالتوافق مع عون؟




في مؤتمره الصحافي المفاجئ امس سأل رئيس مجلس النواب نبيه بري:”لماذا لم يتم توقيع مرسوم فتح الدورة الاستثنائية الان؟” وأجاب :”العلم عند الله”.بضعة كلمات طرحت السؤال الكبير: هل السجال الحالي حول مرسوم الدورة الاستثنائية لمجلس النواب مرتبط فقط بموضوع إجراء الانتخابات على أساس القانون الساري المفعول,أي قانون الستين، أو على أساس قانون جديد ؟أم أنه يخفي موضوع التغيير في رئاسة مجلس النواب التي يتبوأها الرئيس نبيه بري منذ إنتخابات عام 1992 أي قبل ربع قرن؟ وإذا كان إحتمال التغيير في رئاسة مجلس النواب هو بيت القصيد، هل بإمكان رئيس الجمهورية ميشال عون الذي هو الطرف الثاني في السجال مع الرئيس بري أن يذهب في هذا الاتجاه من دون توافق مع “حزب الله” الطرف الاقوى في الثنائي الشيعي؟

ما يدفع الى هذا التساؤل هو تراجع الرئيس بري المستمر أمام الرئيس عون منذ أشهر، وتحديدا عندما بدأت مرحلة التحضير لإجراء الانتخابات النيابية قبل إنتهاء ولاية البرلمان الحالي في حزيران 2017. ووفق الاصول التي كانت تقتضي توجيه الدعوة الى الهيئات الناخبة قبل ثلاثة أشهر من إجراء الانتخابات أي في أيار الحالي قبل بدء شهر رمضان الذي بدأ قبل أيام، إمتنع الرئيس عون عن توقيع مرسوم هذه الدعوة الذي وقعه رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بعدما رفعه اليه وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق. واليوم يحصل الامر نفسه في شأن مرسوم فتح الدورة الاستثنائية لمجلس النواب الذي تنتهي أعمال دورته العادية الاربعاء في 31 أيار. فبعدما وقّع الرئيس الحريري مرسوم الدورة لا يزال توقيع الرئيس عون غائبا عنه حتى إعداد هذا المقال ما يفتح الباب أمام أسئلة قد ترتبط بمصير رئاسة مجلس النواب نفسها.

كتب الكثير حول العلاقة المضطربة بين الرئيسين عون وبري حتى قبل أن يصل الاول الى بعبدا .لكن كل هذه الكتابات لا تتطرّق الى موقف “حزب الله” الفعلي من هذه المواجهة بين حليفيّن له.حتى أن الامين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله وخلال أطلالاته المتكررة في الشهور الاخيرة بدا ميّالا الى إلتزام جانب الحياد بين عون وبرّي.فهل يعني هذا الموقف ان الحزب حريص على إبقاء شعرة معاوية بين حليفيّه فلا تنقطع؟أم أنه بات يستعد لمرحلة جيدة تكون فيه رئاسة مجلس النواب معقودة له؟

في الايام الماضية سرى همس بين عدد من الوزراء ان “حزب الله” لا يرى مانعا من أن تكون رئاسة البرلمان لإحدى شخصياته بالاتفاق مع رئيس الجمهورية. وتفيد المصادر صاحبة هذه المعلومات ان الموانع التي كانت تحول دون هذا التطور قد زالت حاليا على المستويين الداخلي والخارجي. فعلى المستوى الداخلي، هناك تطور في تكوين السلطة حصل في الشهور الماضية أدى الى وصول العماد عون الى قصر بعبدا بعد إصرار من “حزب الله” لمدة ثلاثة أعوام تلت نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان عام 2014 .بعد ذلك، تشكّلت حكومة برئاسة الرئيس الحريري الذي أخرجه الحزب وحلفاؤه من السلطة عام 2011 ما طرح معادلة الاقوياء في طوائفهم هم من يحكمون.ولم يعد ينقص هذه المعادلة سوى إنضمام الحزب اليها.

أما على المستوى الخارجي، وفي خضم المواجهة القاسية التي تخوضها إيران مع الولايات المتحدة الاميركية صار لزاما على طهران إستخدام كل أوراق القوة التي بحوزتها وأبرزها ورقة “حزب الله” في لبنان .ووفق متابعون على هذا المستوى فإن خوض إيران المواجهة الولايات المتحدة لا تقتصر فقط على الجانب الامني كفتح المواجهة مع إسرائيل بل تتعداها الى تثبيت مواقع حلفاء طهران سياسيا لاسيما في الموقع الشيعي الاول.

رب قائل، أن “حزب الله” في موقع أفضل عندما تكون الثنائية الشيعية تتوزع الادوار فتكون شؤون السلطة بيد حركة “أمل” فيما تنحصر شؤون الاستراتيجيا بالحزب. غير ان هذا القول يواجه الان ظروفا جديدة لم تكن مطروحة من قبل. فالعقوبات الاميركية المرتقبة التي تردد انها ستشمل حلفاء الحزب وتحديدا عون وبري تعني ان الدور التاريخي الذي كان يتمتع به زعيم حركة “أمل” ويؤهله لكيّ يكون في موقع الوسيط بين الحزب والغرب قد إنتهى. ولم يعد من المفيد أن يتكل “حزب الله” على طرف آخر لكي يتعامل مع الغرب عموما وواشنطن خصوصا. والسلوك الجديد في طهران بعد الانتخابات الرئاسية هو أن على الولايات المتحدة الاميركية أن تتعامل مع الشرعية الايرانية أحبت ذلك أم كرهت. ولذلك ما المانع أن يسري الامر على لبنان فيفرض “حزب الله” واقع أمر ما يجعل الخارج يتعامل معه مهما كانت التوصيفات التي تطلق عليه؟

ليس قليلا أن ينبري الرئيس عون للوقوف في وجه قرارات قمم الرياض الاخيرة التي دانت إيران وتدخلاتها عبر أذرعها وتحديدا عبر “حزب الله”. وهذا ما إستحق إشادة من نصرالله بموقف وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل من إعلان الرياض. علما أن عون هو بين المستهدفين بالعقوبات الاميركية الجديدة. وعلى ما يبدو ان مصيبة العقوبات ستكون عامل قوة في تحالف عون-نصرالله في وقت يبدو أن بري خارج أي قدرة للتأثير في الاحداث بما يخدم مصالح “حزب الله”.

خلال مؤتمره الصحافي الاول بعد إعادة إنتخابه لفترة رئاسية ثانية، قال الرئيس الايراني حسن روحاني ردا على سؤال لمراسل قناة “المنار” التابعة ل”حزب الله” ان الاخير “هو مجموعة لبنانية تم إنتخابها من الشعب اللبناني لتكون في مجلس النيابي وحكومته ,ويلقى تأييدا واسعا في لبنان بين المسلمين والمسيحيين في هذا البلد”.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر