عبد الناصر وفتح الأبواب للاتحاد السوفيتى

محمد حسنين هيكل

الحديث الحادى عشر

تظل هناك نقطة فى ادعاءاتهم على جمال عبد الناصر:

- "لقد فتح أبواب الشرق الأوسط أمام الاتحاد السوفيتى، وأدخله إلى المنطقة قوة تؤثر فى مقدراتها؟".

ونناقش هذه النقطة بموضوعية، ولعلى واحد من الذين يستطيعون مناقشتها دون أى حساسية، فلقد تصديت كثيراً لنقد السياسة السوفيتية فى المنطقة، وتعرضت مراراً لحملات مضادة من جانب أجهزة الإعلام السوفيتية، بل وصل الأمر إلى ما هو أكبر من ذلك:

وصل الأمر إلى حد أن "ليونيد بريجنيف" طالب بإبعادى عن الصحافة المصرية وتأثيرها السياسى على الرأى العام المصرى، وقد نقل طلب "بريجنيف" إلى القاهرة مع الوفد المصرى الذى حضر المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعى السوفيتى، والتقى بسكرتيره العام "بريجنيف" قبل عودة هذا الوفد من موسكو إلى القاهرة..

بل أن الرئيس "نيكولاى بادجورنى" أعاد هذا الطلب على الرئيس أنور السادات فى أخر زيارة له للقاهرة، وكان الرئيس السادات بنفسه هو الذى أخبرنى بما طلبه منه بادجورنى، بل وفوضنى الرئيس السادات أن أناقش هذا الموضوع مع "بوريس باناماريوف" عضو المكتب السياسى السوفيتى، وكان يزور القاهرة فى صيف سنة 1971، فى أعقاب زيارة بادجورنى لها!

أعود إلى النقطة الأصلية فى هذا الحديث؟

- هل صحيح أن جمال عبد الناصر فتح أبواب الشرق الأوسط أمام الاتحاد السوفيتى، وأدخله إلى المنطقة قوة تؤثر فى مقدراتها؟

ونحاول الإجابة على هذا السؤال، وأسئلة أخرى تتفرع منه...

والإجابة على السؤال نفسه لا تحتاج إلى جهد كبير، ويمكن تلخيصها فيما يلى:

1- لقد كان الغرب هو الذى أدخل الاتحاد السوفيتى إلى المنطقة أول مرة فى هذا القرن، وليس جمال عبد الناصر.

حدث ذلك حين اتفقت بريطانيا مع الاتحاد السوفيتى على اقتسام احتلال إيران سنة 1941- اعترافاً من بريطانيا بأن الاتحاد السوفيتى حليف المعركة الكبرى ضد هتلر، له مصلحة أمن لا يمكن إغفالها فى منطقة الشرق الأوسط، وفى اتجاه الخليج العربى والمحيط الهندى بشكلٍ خاص.

ثم حدث ذلك حين جلس روزفلت مع ستالين فى "مؤتمر يالتا" سنة 1945 يقتسمان العالم ومناطق النفوذ فيه، كأن الكرة الأرضية أمامهما كعكه تحولها سكين الكبار إلى شرائح لكل منهما فيها نصيب يأخذه ويقر له الآخر.

2- فى مطلق الأحوال، فإن الاتحاد السوفيتى بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية لم يكن فى حاجة إلى تشرشل أو إلى روزفلت ليعطيه دوراً عالمياً.

فقد كان دوره موجوداً على نحو أو آخر فى كل القارات وعلى كل المحيطات.

إن الاتحاد السوفيتى خرج من الحرب العالمية الثانية وهو واحدة من القوتين الأعظم، وكانت التطورات سنة بعد سنة منذ تلك الحرب تؤكد هذه الحقيقة وتجعل من الاثنين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى والتعاون بينهما والتنافس بينهما، أساساً للنظام الدولى المعاصر.

وإذن، فإن الاتحاد السوفيتى - الذى لم يكن فى حاجة إلى "تشرشل" و"روزفلت" - لم يكن أيضاً فى حاجةٍ إلى جمال عبد الناصر يفتح له أبواب الشرق الأوسط ويدخله إلى المنطقة.. بل لعل الاتحاد السوفيتى كان أقرب إلى التواجد فى المنطقة من الولايات المتحدة.. إن الولايات المتحدة كانت موجودة فيها بحكم المصالح وراء البحار البعيدة.

وأما الاتحاد السوفيتى فقد كان موجوداً فيها بحكم الجوار وراء الحدود القريبة والمباشرة فى بعض الأحيان.

3- وربما كان دور جمال عبد الناصر إزاء الاتحاد السوفيتى - والحال كذلك - هو أنه كان القائل للاتحاد السوفيتى:

- "لا تتعاملوا معنا من خلال أوصياء علينا فليس علينا أوصياء، ولا من خلال اقتسام مناطق النفوذ فلسنا ضمن مناطق النفوذ لأحد.. إذا أردتم أن تتعاملوا معنا فنحن على استعداد كطرف مستقل ومن الباب الأمامى".

وقد كان!

سؤال فرعى يتداعى بعد الإجابة على السؤال الرئيسى:

- ماذا استفدنا؟

والرد:

- ما أكثر ما استفدناه، ويمكن تلخيصه كله فى أننا أصبحنا أطرافاً فى حركة الصراع العالمى، ولم نعد، كما كنا من قبل، كمية مهملة على حافة هذا الصراع وحركته العامة الشاملة.

1- استطعنا أن نخرج من التبعية الكاملة لأحد المعسكرين الدوليين.

2- دخلنا تفاعلات الحرب الباردة بين المعسكرين، واستفدنا من موازينها لصالح قضايانا، وأنشأنا مع غيرنا تياراً مستقلاً - هو تيار عدم الانحياز - أثرنا به على قضية السلام والحرب والتنمية فى عالم النصف الثانى من القرن العشرين.

3- عندما تحولت تفاعلات الحرب الباردة إلى تفاعلات وفاق بين الكتلتين استفدنا من أحكام الوفاق - وكان فى استطاعتنا أن نستفيد أكثر - لكى تكون هناك تسوية عادلة لمشاكلنا، إذا كان هذا العالم حقيقة يريد السلام ويريد الوفاق مدخلاً إليه.

هذا فى مجال الحركة العالمية بشكل عام.

فإذا انتقلنا من التعميم إلى التخصيص، وركزنا أنظارنا على الشرق الأوسط، لوجدنا أن ما حدث فى مجال الحركة العالمية بشكل عام انعكس على المنطقة عملياً كما يلى:

1- إن جمال عبد الناصر استعان بدور السوفيت فى مواجهة الولايات المتحدة - على مهمة تصفية الاستعمار التقليدى فى المنطقة - استعان به سياسياً واستعان به عسكرياً، ولو بغير السلاح.

استعان به سياسياً فى مواجهته العظيمة مع الاستعمار فى حرب السويس منذ التأميم فى يوليو 1956 إلى بداية الغزو البريطانى - الفرنسى - الإسرائيلى فى آخر أكتوبر من نفس السنة.

وحين بدأ الغزو، وقاوم جمال عبد الناصر وحده حتى تحركت الموازين الدولية، كان الإنذار السوفيتى هو الذى حرك الضغط الأمريكى على حلفاء أمريكا فى الغرب، فاضطروا إلى التراجع دون أن يستعمل الاتحاد السوفيتى صواريخه.

ومثل هذا حدث تقريباً فى أواخر أكتوبر من سنة 1973.

2- إن جمال عبد الناصر استعان بالاتحاد السوفيتى على كسر احتكار السلاح المفروض على المنطقة، وكان السلاح السوفيتى هو السلاح الوحيد الذى وجده العرب فى أيديهم لمقاومة التوسع الإسرائيلى، ولمحاولة رد هذا التوسع بالقوة إلى مرحلة التقلص والانكماش..

كان السلاح السوفيتى هو السلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1956.

وهو السلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1967.

والسلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1969 - حرب الاستنزاف.

والسلاح الوحيد الذى وجدناه فى أيدينا سنة 1973.

وإذا تساءل متسائل:

ماذا فعلنا بهذا السلاح سنة 1967؟

فإن الرد عليه هو:

إن الذنب لم يكن ذنب السلاح، وإنما كان ذنب قصورنا فى توجيهه.

والدليل على ذلك أن هذا السلاح الذى كان فى أيدينا هو نفسه السلاح الذى كان فى يد الثورة الفيتنامية، وصنعت به المعجزات أمام القوة الأمريكية بجلالة قدرها!

3- إن السلاح السوفيتى - حتى هذه اللحظة - هو السلاح الوحيد فى جيوش مصر وسوريا والعراق والجزائر واليمن الديمقراطية والسودان والصومال، ثم هو كل السلاح الذى تمسك به المقاومة الفلسطينية، وأخيراً فهو اليوم جزء هام من سلاح ليبيا والكويت، وغيرهما من الدول العربية.

4- بل إن محاولات الغرب لبيع السلاح إلى المنطقة - وبينها مصر الآن - تنبع أساساً من منطق "تقليل اعتماد مشتريه على الاتحاد السوفيتى".

وهكذا فإنه حتى حصولنا على سلاح من الغرب لم يكن ليحدث لولا علم الغرب أنه إذا لم يبع سلاحه للعرب فإن العرب لن يعوزهم الحصول على السلاح من غيره - من الاتحاد السوفيتى.

5- وهكذا نستطيع القول أن دخول السلاح السوفيتى إلى المنطقة غير الموازين فى الصراع العربى - الإسرائيلى.

وفوق ذلك فلقد أعطى لهذه المنطقة الغنية، والفادحة الغنى، قوة مسلحة تذود بها عن كنوزها، فليس هناك ما هو أكثر غواية للمطامع من كنز مباح لا يدافع عنه سلاح!

6- ولم تكن المساندة السوفيتية فى مواجهة الأزمات وحدها، سواء بإمدادات السلاح أو بالمواقف السياسية، وإنما تحمل الأرض العربية على ظهرها شواهد لا يمكن إنكارها من رموز التعاون العربى - السوفيتى: سد أسوان العالى - سد الفرات - مجمعات الحديد والصلب - ترسانات بناء السفن - مصانع بالمئات وبالآلاف - مفاعلات ذرية - محطات كهرباء، إلى آخره.

7- ولم تكن دعائم القوة المسلحة، ولا كانت دعائم القوة الاقتصادية، التى حصلنا عليها من الاتحاد السوفيتى، بثمن باهظ يثقل علينا عبئه.

كان السلاح - وما يزال - يباع لنا بسعر معقول، وكنا - وما زلنا - نحصل عليه بخصم على هذا السعر نسبته 25 فى المائة، وكانت الأقساط - وما زالت - على سنوات طويلة، بين اثنتى عشرة سنة وعشرين سنة، وكانت الفوائد لا تزيد على 2.5 فى المائة.

وبصفة عامة، وهذا تقدير الخبراء، فإن نسبة ثمن أى سلاح سوفيتى إلى مثيل غربى له هى بنسبة 1 للسلاح السوفيتى و3 للسلاح الغربى، فإذا أضيفت فوارق الفوائد (2.5 فى المائة فى السلاح السوفيتى وما بين 15 و18 فى المائة للسلاح الغربى) لأصبحت هذه الفوارق فادحة.

ونفس الوضع تقريباً فى اتفاقيات السلاح ينطبق على اتفاقيات إنشاء السدود وبناء المصانع وغيرها.

وسؤال فرعى آخر:

- هل قدم الاتحاد السوفيتى هذا كله من أجل عيون جمال عبد الناصر وإرضاءً لخاطره؟

والرد:

- إن الأمر كان أكبر من ذلك جداً، ولو حاولنا أن ندقق لوجدنا ما يلى:

1- إن الاتحاد السوفيتى بدأ علاقاته مع جمال عبد الناصر بالشك فيه على أساس التحليل الماركسى التقليدى لدور الجيوش فى المجتمعات، والجيوش فى المجتمعات قبل ثورة عبد الناصر كانت أداة لحفظ الأمر الواقع وحمايته وليست أداة لتغييره وتطويره..

وهكذا كان حكم الاتحاد السوفيتى ابتداءً يقضى بأنه: دكتاتور فاشيستى لا أكثر ولا أقل..

ثم فوجئ الاتحاد السوفيتى بظاهرة جمال عبد الناصر التاريخية: زعامة وطنية، قادرة على أن تمثل وتبرز إرادة قومية مستقلة وتقدمية، وسجلها فى معاداة الاستعمار قاطع واتجاهها إلى التنمية الشاملة واضح، ثم أن هذا كله يحدث فى منطقة حيوية بالغة الأهمية كالشرق الأوسط، خصوصاً بموقعه القريب وراء ظهر الاتحاد السوفيتى.

2- إن الاتحاد السوفيتى وجد جمال عبد الناصر يتعدى الحاجز الوطنى لمصر، ويتخطى النطاق القومى لأمته العربية ثم يذهب بعيداً وعميقاً - بعد السويس بالذات - لكى يطلق صيحة الحرية "أوهورو" فى أفريقيا كلها، فإذا نكروما فى غانا، وسيكوتورى فى غينيا، وموديبو كيتا فى مالى، وجومو كينياتا فى كينيا، ونيريرى فى تنزانيا، يبرزون على الساحة الإفريقية المظلمة فى وسط هالة التحرر المضيئة التى تشع من مصر عبد الناصر.

ويعبر أستاذ أفريقى رصين كالأستاذ "مزروى" عن الحقيقة فى عدد أخير من مجلة الشئون الخارجية قائلاً:

- "إذا كان يقال أن العرب شاركوا فى استعباد أفريقيا بتجارة الرقيق فى قرون مضت، فإن العرب قد كفّروا عن الخطيئة فى هذا القرن، حين جاءوا وراء جمال عبد الناصر لتحرير أفريقيا".

ثم تصل أبعاد الطاقة التحررية العظمى التى فجرها جمال عبد الناصر إلى أمريكا اللاتينية، ويسمع السوفيت من رجل مثل فيدل كاسترو يقول لهم - كما قال علناً:

- "لقد كان جمال عبد الناصر إلهاماً لثورتنا.. إذا كان فى استطاعته أن يتصدى لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل فى السويس.. أفلا يكون فى استطاعتنا نحن أن نتصدى لحكم الدكتاتور باتيستا وأن نعلن الثورة المسلحة وننتصر؟".

3- وليكن أن الاتحاد السوفيتى وجد أن التيار التحررى الذى قاده جمال عبد الناصر يتلاقى مع أهدافه.

فالاستعمار الذى يتصدى له عبد الناصر هو نفسه القوة العظمى الثانية التى يتنافس معها الاتحاد السوفيتى.

ماذا فى ذلك؟

وأليس حقاً أن السياسة الدولية هى حركة بالاتفاق والاختلاف متغيرة لحماية مصالح دائمة لشعب أو لأمة أو لكتلة من الشعوب والأمم.. لقد تلاقت مصالحنا مع مصالح الاتحاد السوفيتى.

واستفادت الأمة العربية، واستفاد الاتحاد السوفيتى بطبيعة الحال.

وأليس هذا هو منطق التعامل الدولى ذاته؟ أو أننا نتصور أن نأخذ ولا يأخذ غيرنا؟!

سؤال يتداعى من هنا:

-... ولكن ماذا أعطى... هذه هى المسألة؟

ويندفع بعضهم - افتراءً على الله وتجنياً - ليقول:

- لقد أعطى استقلال مصر بهذا التواجد العسكرى السوفيتى الذى تركه فى مصر عندما رحل فى 28 سبتمبر 1970؟

وأستأذن فى وصف هذا السؤال بالكلمة المشهورة عن الرئيس السادات وهى كلمة: عيب!

ثم أشرح الأسباب:

1- إن جمال عبد الناصر تعامل مع الاتحاد السوفيتى من موقف الند للند، فقد كان يعرف أنه أمامهم يمثل أمة عربية بأسرها، لها إرادتها المستقلة، ولها مصالحها القومية فى منطقة من أهم مناطق الدنيا، وأقر الاتحاد السوفيتى بهذه الحقيقة، وإقرار زعمائه بها مسجل فى كل خطاب ألقوه أمامه...

بل إن عبد الناصر كان أمامهم أكبر من مجرد زعيم عربى، فقد كان رمزاً عالمياً للثورة الوطنية، ولعدم الانحياز، ولأمانى العالم الثالث كله وتطلعاته ونضاله.

2- حينما أخطأ الاتحاد السوفيتى، بعد ثورة العراق فى سنة 1958، فى فهم الحقيقة القومية، كان جمال عبد الناصر هو الذى تصدى لمعركة مع الاتحاد السوفيتى لم يسبق لها مثيل فى العالم الثالث كله، ولا لحقها مثيل بعد ذلك.

وفى بداية سنة 1959 كانت المعركة بين جمال عبد الناصر و"نيكيتا خروشوف" على أشدها، ووقف خروشوف فى المؤتمر الواحد والعشرين للحزب الشيوعى السوفيتى يهاجم عبد الناصر، ورد عبد الناصر من شرفة قصر الضيافة فى دمشق.

ولم يكن جمال عبد الناصر يريد أن يهزم الاتحاد السوفيتى أو يخرجه من الشرق الأوسط، ولكنه كان يريد أن يفرض عليه الحقيقة القومية فرضاً.

واستطاع عبد الناصر محاصرة الاتحاد السوفيتى فى الموصل فى شمال العراق، ولم يترك له حليفاً أو صديقاً فى المنطقة غير الحزب الشيوعى العراقى - كما كان وقتها - واضطر الاتحاد السوفيتى أن يرى الحقيقة ويسلم بها، وهى أن الأمة كلها وراء الرجل الذى استطاع التعبير عن حقيقتها القومية، وبدأ يتراجع.

وكانت ذروة التراجع مجىء نيكيتا خروشوف بنفسه إلى مصر سنة 1964 ليحضر احتفال إتمام المرحلة الأولى من بناء السد العالى، وليقدم لجمال عبد الناصر فى أسوان وسام "بطل الاتحاد السوفيتى"!

3- بعد سنة 1967 كانت سياسة جمال عبد الناصر بالغة الدقة إزاء الاتحاد السوفيتى.

* طلب خبراء سوفيت ومزيداً من الخبراء... لاعتقاده بأن الجيش المصرى يحتاج إلى تدريب مركز ومكثف ليتحرك بسرعة عبر مراحل إستراتيجية الحرب، وهى: الصمود والردع والتحرير.

* ترك جمال عبد الناصر للاتحاد السوفيتى، بعد صدور قرار مجلس الأمن، أن يتولى اتصالات تنفيذه مع الولايات المتحدة.

... ولم يكن بهذا يتخلى عن مسئوليته القومية، ولكنه كان يريد أن يعرف الاتحاد السوفيتى، وبالخبرة العملية، أنه لا أمل فى حل دبلوماسى، وأن الحل لن يجىء إلا عن طريق استخدام القوة.

* أعطى جمال عبد الناصر تسهيلات للأسطول السوفيتى فى ميناءى بورسعيد والإسكندرية.

... ولم يكن بذلك يعطى قواعد للاتحاد السوفيتى، وإنما أراد تشجيعه على زيادة أسطوله فى البحر الأبيض لتكون القوة النامية لهذا الأسطول فى البحر الأبيض رادعاً للأسطول الأمريكى الذى كان يعتبر احتياطياً إستراتيجياً لإسرائيل.

4- فى الزيارة السرية التى قام بها جمال عبد الناصر لموسكو فى بداية سنة 1970، وهى الزيارة التى زاد بعدها تواجد السوفيت فى مصر بحكم قبولهم لمسئوليات الدفاع عن العمق - كان جمال عبد الناصر يعرف ما يريده، وقد حصل عليه..

كان جمال عبد الناصر يريد أن يحمى قوات الجبهة ببطاريات الصواريخ المصرية، ولكن تركيزها جميعاً إلى الجبهة يترك العمق مكشوفاً أمام الغارات الإسرائيلية التى بدأت تستبيح سماوات مصر بطائرات الفانتوم.

وكان اشتراك السوفيت فى الدفاع عن العمق - حتى يتم تدريب أطقم مصرية كافية على الصواريخ الجديدة من طراز "سام 6" - حلاً وحيداً للمشكلة، وبغيره لم يكن هناك مفر من بعثرة طاقة مصر الصاروخية بين الدفاع عن الجبهة والدفاع عن العمق، والتأخر فى استيعاب صواريخ "سام 6" المضادة للطيران المنخفض.

وكان "بريجنيف" يعارض بشدة لأن اشتراك السوفيت فى هذه العملية يؤثر على الموازين الدولية، ويهدد الوفاق.

وكان ذلك مطلب من مطالب جمال عبد الناصر التى لم يصرح بها لمفاوضيه، فقد كان يريد أن يؤثر على الموازين الدولية، كما كان يريد تعطيل حركة الوفاق حتى تتحرك أزمة الشرق الأوسط.

وسارت الحوادث فى الطريق الذى رسمه جمال عبد الناصر:

* توقفت غارات العمق عندما أحس الإسرائيليون يوم الغارة على الفيوم - 18 إبريل - بوجود السوفيت.

* تحركت الولايات المتحدة وبعثت جوزيف سيسكو إلى القاهرة لاستطلاع رأى جمال عبد الناصر.

* توترت العلاقات بين القوتين العظميين.

* تقدمت الولايات المتحدة بمبادرة روجرز التى أشارت لأول مرة إلى الانسحاب من الأراضى العربية، على أساس قرار مجلس الأمن.

* استطاع جمال عبد الناصر إتمام بناء حائط الصواريخ الذى كان عاملاً حاسماً فى نجاح عبور قناة السويس بعد ذلك فى أكتوبر 1973.

* أمكن إعداد بطاريات مصرية مدربة على صواريخ "سام - 6".

تبقى نقطة هامة، ربما لا يعرفها كثيرون:

وهذه النقطة هى أن "بريجنيف" رجا جمال عبد الناصر أن يتم سحب الخبراء السوفيت المسئولين عن الدفاع عن العمق - قبل بدء المعركة - لأن وجودهم وقتها قد يثير تعقيدات لا حدود لها.

وافق جمال عبد الناصر.

وهكذا فإن سحب هؤلاء الخبراء قبل المعركة كان أمراً متفقاً عليه فى اجتماع موسكو فى أوائل سنة 1970.

أقول ذلك وقد كنت بنفسى واحداً من شهود هذا الاجتماع، وكنت رابع أربعة من المصريين حضروا الاجتماع النهائى لهذه المحادثات، وقد حضرها كل أعضاء المكتب السياسى السوفيتى وكل مارشالات الاتحاد السوفيتى، وكان المصريون الأربعة هم: جمال عبد الناصر، والفريق محمد فوزى، والدكتور مراد غالب، وأنا.

5- كان جمال عبد الناصر طول الوقت - وفى تلك الفترة الحرجة - شديد الحساسية لأى تجاوز يمكن أن يمس من قريب أو بعيد، فى الشكل أو المضمون، باستقلال مصر وحرية إرادتها:

* حين جاء الرئيس "نيكولاى بادجورنى" لمقابلة عبد الناصر فى شهر يونيو 1967، والنكسة بعد تنزف جراحها، أحس جمال عبد الناصر أن بادجورنى يطلب إنشاء مركز مستقل للأسطول السوفيتى فى الإسكندرية، ووجه جمال عبد الناصر كلامه إلى بادجورنى على الناحية المقابلة له من مائدة المحادثات، وقال له بهدوء وحزم:

- "تسهيلات للأسطول السوفيتى، نعم...

ولكن مركزاً مستقلاً، لا...

معناها أننى أقبل قاعدة سوفيتية فى الإسكندرية، حتى ولو كان هذا المركز مبنى واحداً من حجرة واحدة!".

* وفى مرة أخرى فى زيارة يوليو سنة 1970، دارت مناقشة أمامى بين بريجنيف وعبد الناصر... كان عبد الناصر يطلب خبراء سوفيت، وكان بريجنيف متردداً، ثم قال بريجنيف ضمن ما قاله من حجج:

- إننى أخشى أن يستغل وجود عدد من الخبراء السوفيت فى مصر وأن يقول بعضهم أن وجودهم نوع من الضغط أو التدخل فى شئون مصر.

وقال جمال عبد الناصر ببساطة:

- إننى أنا الذى أطلبهم بنفسى... وإذا أحسست فى يوم من الأيام أن وجودهم يشكل نوعاً من الضغط، أو احتمالاً بتدخلٍ منكم فى شئوننا الداخلية، فلن أتورع عن أن أطلب إلى الفريق فوزى أن يجمعهم كلهم على باخرة واحدة فى الإسكندرية ويشحنهم إليك بطريق البحر إلى "أوديسا". ولم أنس حتى الآن تعبير الدهشة المرتسم على وجه بريجنيف.

* ثم مسألة أخرى لا يصح أن تغيب عن بال أحد، تلك هى أن جمال عبد الناصر رفض باستمرار عقد معاهدة مع الاتحاد السوفيتى.

وكان قوله "لبادجورنى" يوماً بالحرف:

- " إننى على استعداد لعقد معاهدة معكم بشرط واحد هو أن تحاربوا معنا جنباً إلى جنب... إذا فعلتم ذلك أوقع معاهدة، وإذا لم تفعلوه - ولم تكونوا على استعداد له - فما بيننا الآن يكفى".

ولقد كان الرئيس السادات هو الذى عقد معاهدة مع الاتحاد السوفيتى بعد ذلك، وقد عقدها فى ظروف صعبة، فقد كان يشعر أنه مطالب بطمأنة الاتحاد السوفيتى بعد حوادث 15 مايو 1971، وتلك على أى حال قصة أخرى.

أستأذن هنا أن أسمح لنفسى بأن أختلف مع الذين يرون أن قرار الرئيس أنور السادات بإخراج الخبراء السوفيت من مصر كان قراراً استعيدت به السيادة المصرية على الأرض المصرية.

وأقرب الأشياء إلى الحقيقة أن هذا القرار كان ممارسةً لسيادة موجودة، ولم يكن استرداداً لسيادة مفقودة! لقد كفاه أن يخطر السفير السوفيتى بما يريد يوم 8 يوليو 1972، وأن يطلب تنفيذه فى ظرف عشرة أيام، ولم يناقشه السفير السوفيتى ولا ناقشه أحد فى موسكو.

وإنما قام كبير الخبراء السوفيت بإخطار وزير الحربية وقتها بأن قرار الرئيس مستجاب ومطاع، ثم وعده بتقديم تقرير يومى عن عملية ترحيلهم، وبدلاً من أن تتم فى عشرة أيام، تمت فعلاً فى ثمانية.

وإذن فهى لم تكن معركة سيادة أو معركة استقلال.

كان قرار ممارسة سيادة، وكان قرار ممارسة استقلال.

ثم لقد أضيف بعد ذلك أن أنور السادات ليس بحاجة إلى بطولات تختلق أو تلفق، فالرجل له من سجله ما يكفيه ويغنيه، وإذا لم يكن له غير قرار العبور لكفاه وأغناه!

ماذا بقى إذن من الدعاوى ضد جمال عبد الناصر فى أمر علاقاته بالسوفيت؟

لم يبق غير الترهات..

كان يقال مثلاً:

- هم ملحدون... وسلاحهم ملحد!

ولست أعرف إذا كان الإيمان يشع من عيون الأمريكيين.. ونور الحق يلمع من سلاحهم؟!

لكنى أعرف شيئا واحداً:

- أن السلاح "الملحد" الذى عبرنا به قناة السويس إلى الشرق...

أفضل ألف مرة من السلاح "غير الملحد" الذى عبرت به إسرائيل قناة السويس إلى الغرب!
0 comments:
. اللَّهُمَّ ما زويت عني مما أحب فاجعله لي قوة فيما تحب رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم اللَّهُمَّ يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى واجعلنا من أئمة المتقين اللَّهُمَّ لا تجعلني بدعائك شقيا وكن بي رؤوفًا رحيما يا خير المسؤولين ويا خير المعطين اللَّهُمَّ زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا و أرضنا وارض عنا

الأخ ابراهيم قليلات يدلي بتصريح اعلامي بالصوت عبر موقع الحركة مساء الأحد

الأخ ابراهيم قليلات يدلي بتصريح اعلامي بالصوت عبر موقع الحركة مساء الأحد

ما أعظمك يا شعب فلسطين أعدت مفردة الانتفاضة في قاموس المقاومة حياة

ما أعظمك يا شعب فلسطين أعدت مفردة الانتفاضة في قاموس المقاومة حياة

توقيت بيروت

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...

أرشيف الراصد الالكتروني