
مصطفى بكرى
رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة صحيفة الأسبوع المصرية
إقامة أكبر حظيرة للخنازير في مدينة ٥١ مايو تضم ٠٠١ ألف خنزير منذ عام مضي. صدر القرار الجمهوري تحويل حلوان إلي محافظة، سعدنا بالقرار، وهللنا له، واعتبرناه بداية لعصر جديد، ينتهي فيه زمن التلوث، وتطور فيه العشوائيات، وتعود فيه المنطقة إلي سابق عهدها، غير أننا لم نكن نعتقد إطلاقا أن حكومتنا الرشيدة تخبيء لنا مفاجأة أكبر، قررت البدء في تنفيذها مع احتفالات محافظتنا الجديدة بعيدهاالقومي الأول في٧١ أبريل الحالي والمفاجأة يا سادة يا كرام انطلقت من إحساس بالمسئولية، وادراك لأهمية المشاركة الحكومية للمجتمع المدني، فكان القرار المغوار، توفير خنزير لكل مواطن من أبناء المحافظة. صحيح أن الحكومة لن تستطيع أن توفر مليونا ونصف المليون خنزير دفعة واحدة، نظرا لتفاقم الأزمة الخنزيرية العالمية غير أنها قررت أن توفر في بداية الأمر مائة ألف خنزير جمعتها من محافظات القاهرة الكبري وخصصتها فقط لأبناء مدينة ٥١ مايو والتي تم تغيير اسمها مؤخرا إلي 'حي المستقبل' حتي تتناسب مع التطورات والمتغيرات الجديدة التي ستحل عليها قبيل نهاية هذا العام.
والقصة بدأت منذ أكثر من عام، عندما تفتق ذهن رعاة الخنازير، وقرروا جمع خنازير محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية و٦ أكتوبر ونقلها إلي شرق مدينة ٥١ مايو، لإقامة أكبر منتجع للخنازير في الشرق الأوسط علي مساحة تبلغ نحو ٨٣٢ فدانا وفقا للقرار الصادر في ٧٢ نوفمبر ٨٠٠٢ والذي خصص هذه الأراضي للمنفعة العامة ودون مقابل، وذلك استنادا إلي موافقة مجلس الوزراء في جلسته المعقودة في ٦١/٤/٨٠٠٢. ولتعميم الفائدة فقد قرر السادة المسئولون تحقيق الاندماج المجتمعي بين فئة الخنازير وفئة الآدميين حفاظا علي حقوق الحيوانات، وحرصا علي مشاعرها، حتي لا تتعرض البلاد إلي عقوبات دولية بسبب ادعاءات بعض المنظمات الحقوقية بأن حكومتنا تتجاهل المطالب الخنزيرية، وأولها الحق في الاندماج المجتمعي. وقد سعت الحكومة حثيثا إلي نزع الفتيل من القنبلة الموقوتة، وإلي دحض حجة وادعاءات هذه المنظمات، فنفذت القرار علي طريقتها، وحددت المساحة المطلوبة علي بعد سبعة كيلومترات فقط من المنطقة السكنية لمدينة ٥١ مايو، أي أن المسافة لن تزيد علي سبع دقائق بالسيارة والأمر الذي لا شك فيه هو أن هذه المساحة التي تفصل بين منتجعات الخنازير ومساكن المدينة لا تمثل جدارا عنصريا عازلا، بل ستكون بمثابة منطقة حرة تعود بالفائد علي الجانبين، ففيها سوف يجري تبادل البضائع، وعبرها سيتم تحقيق التواصل الحضاري حتي يدرك الجميع مدي حرص حكومتنا علي توفير المناخ
الآمن للتنمية المجتمعية المشتركة!!
في البداية اعترض محافظ حلوان الحالي د. حازم القويضي علي هذا الأمر، وتساءل في حسرة: كيف أطالب بنقل مصانع الأسمنت والملوثات الأخري إلي خارج حلوان في الوقت الذي تصر فيه الحكومة علي أن تبعث لنا دفعة واحدة مائة ألف خنزير؟! غير أن كلامه ذهب أدراج الرياح، لأن القرار قد صدر، ويجب عليه ألا يكرر من جديد أزمة مصنع 'أجريوم' في دمياط.. وإذا كان المحافظ قد التزم الصمت لأنه وجد أن الأمر أكبر منه، فإن المجلس المحلي للمحافظة قرر الرفض، وناشد كبار المسئولين بوقف هذه المهزلة، والتراجع عن هذه الفضيحة والاستماع إلي صوت الناس التي أصابها الفزع والخوف.
وإذا كان البعض يقول: 'همٌ يضحك، وهمٌ يبكي' فإن صفقة الخنازير سوف تمثل أخطر تحيد يواجه أبناء مايو وحلوان جميعا، تتقزم إلي جوارها أزمة مصنع 'أجريوم' لإنتاج السماد، والذي قال أبناء دمياط إنه سوف يصيبهم بالتلوث، وأنهم لن يسكتوا إلا بعد إلغاء هذا القرار وإبعاد هذا المصنع عن مدينتهم.وبالرغم من أن الشركة صاحبة المصنع وقعت عقدا يتضمن شرطا جزائيا عليالحكومة غير أن الرئيس استجاب لمطلب المواطنين فكانت الفرحة العارمةبعد نضال طويل وأزمة عاتية.
أما نحن هنا في هذه المنطقة المنكوبة بالتلوث، فيبدو أن الحكومة نظرت إلينا نظرة موضوعية تنطلق من إحساس عارم بالمسئولية وقالت بكل تواضع: 'وإيه يعني تلوث إذا كانوا هم أصلا ملوثين، فماذا سيفير الشاة سلخها بعد ذبحها؟!'.
لقد هلل العديد من السادة المحافظين لهذا القرار، واستعجل المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية سرعة التنفيذ لأن حظائر الخنازير في محافظته هي كما وصفها تمثل 'بؤرا مرعبة'. أما محافظ القاهرة د عبد العظيم وزير فقد تنفس الصعداء لأن الخنازير كانت تمثل له صداعا مستمرا، ونفس الأمر فقد كان الدكتور فتحي سعد محافظ ٦ أكتوبر من أوائل من أدلوا بالتصريحات التي تهلل للقرار العظيم، أما سيد عبدالعزيز محافظ الجيزة فهو لا يكف عن توجيه الرسائل لكبار المسئولين بضرورة اخلاء الجيزة من حظائر الخنازير لأنها تسبب الأمراض للمواطنين.
لقد تقدمت منذ أكثر من ستة أشهر بطلب إحاطة إلي مجلس الشعب أطالب فيه بمناقشة الأزمة الخنزيرية، غير أن المجلس غض البصر وراح مثل 'القرع يمد لبرة' وينغمس في مناقشة الأزمة المالية العالمية، وكأن حياة مليون ونصف المليون مواطن يسكنون حلوان لا تهم كثيرا. عندما أعدت تكرار تقديم طلب الإحاطة مؤخرا كانت المفاجأة الثانية أن مدينة ٥١ مايو لن تصبح فقط حاضنة لأكبر مجتمع خنزيري في الشرق الأوسط، بل ستتحول أيضا إلي مقلب للقمامة. لقد قررت الحكومة تجميع قمامة القاهرة الكبري في هذه المنطقة وإقامة عدد من مصانع تدوير القمامة، أولا: لتقديم الوجبات الساخنة إلي السادة الخنازير، وثانيا: لاستخدام الفائض منها للتصدير عبر المنطقة الحرة الفاصلة بين المواطنين والخنازير.
المعنيون بشئون البيئة وضعوا أياديهم علي قلوبهم، وأبدوا تخوفهم من خطورة زرع الخنازير في هذه المنطقة القريبة جدا من السكان، وراحوا يتحدثون عن الشروط البيئية الواجبة، وقالوا إنها مفتقدة، وحذروا من أن قوانين البيئة العالمية توجب الحصول علي موافقة المجتمع المدني، أي سكان المنطقة، قبل التنفيذ، وإلا تعرضت مصر للعقوبات إلا أن السادة رعاة الخنازير لايزالون هم أصحاب الصوت الأعلي، ولذلك اعتبروا أن كلام مسئولي البيئة هو من نوع 'تقل الدم ودس الأنف فيما لا يعنيهم'. وعندما تقول لأمثال هؤلاء إن الخنازير أكبر ناقلة للأمراض، وأن انفلونزا الطيور تتحور داخل الخنزير ويسهل نقلها إلي البشر، يردون عليك بالقول 'قول يا باسط، هي جات علي الخنازير'!!
لقد حذر العديد من كبار أساتذة الطب من خطر اختلاط الخنازير بالبشر، ومن سهولة نقل العدوي غير أن حياة الإنسان علي أرض هذا البلد لا قيمة لها ولا اعتبار. لقد أفتت الكنيسة بوجوب التخلص من الخنازير اذا كانت سببا في انتشار المرض، وحذر الاطباء من خطورتها، وأكد خبراء البيئة أن وجودها علي مقربة من السكان يعرضنا للعقاب الدولي، ورفض محافظ حلوان والمجلس المحلي للمحافظة وكافة الهيئات المدنية وجودها، فمن الذي يقف ويساند ولحساب من ؟!
إن الحقيقة المرة يا سادة تقول: اننا نتعرض لابتزاز من بعض اصحاب حظائر الخنازير والتي تدر عليهم ملايين الجنيهات سنويا، وهؤلاء يبدو أنهم استطاعوا بنفوذهم ان يقنعوا البعض بإقامة هذه المزرعة الكبري للخنازير علي أرض مدينة 15مايو وجنبا الي جنب مع سكانها الذين يزيد عددهم علي 150 الفا.
كان بامكانهم ان يذهبوا بعيدا في جوف الصحراء لكنهم وجدوا ضالتهم في بعض ضعاف النفوس واستطاعوا أن يحققوا هدفهم الشرير بإقامة المنطقة علي بعد امتار قليلة، حتي يوفروا علي انفسهم وعلي العاملين معهم عناء المواصلات، والخنزير البعيد عن العين بعيد عن القلب. وايمانا بتكامل العملية التنموية فقد تقرر الإتيان بالعاملين في حظائر الخنازير في المحافظات الاربع الي المنطقة الجديدة في 15 مايو، وهؤلاء لا يقل عددهم وفقا للتقديرات عن حوالي ١٥٠٠ عامل وموظف، ناهيك عن حوالي الفين آخرين سيعملون بمصانع تدوير القمامة، ناهيك عن المئات من جامعي القمامة الذين سيترددون يوميا علي أكبر مقلب للقمامة في مصر، والذي سيقام في هذه المنطقة.
باختصار ستصبح مدينة 15 مايو، مثلها مثل هونج كونج تلعب دور الوسيط، ولكن هنا في نقل الامراض الناتجة عن الخنازير وعن القمامة وسوف يختلط العاملون في حظائر الخنازير والقمامة مع سكان المدينة، فمنهم من سيقيم ومنهم من سيذهب لشراء البضائع والحاجيات، أي أن أحدا كائنا من كان لن يستطيع أن يحول دون الاختلاط ونقل الأمراض، والتي ستنتقل أيضا بالتبعية من سكان مدينة 15مايو إلي المصانع والمصالح التي يعملون بها والأماكن التي سيرتادونها. وسوف يتحول أبناء ٥١ مايو في نظر المواطنين من المناطق الأخري الي خطر أو وباء لا يجب الاقتراب منه، وسوف تتحول المدينة الي منطقة محظور الاقتراب منها، وقد يفكر العديد من المصانع في الهروب بعيدا عنها.
لقد تحدثت منذ فترة مع السيد احمد المغربي وزير الاسكان في سبل تطوير مدينة 15مايو، فأكد لي أن النية تتجه الي اقامة مدينة 15 مايو الجديدة التي ستكون امتدادا ل 15مايو القديمة، غير أننا فوجئنا بهذه التطورات التي ستحول المنطقة الجديدة في مايو إلي منتجع متقدم للخنازير يضاهي أرقي المنتجعات الخنزيرية العالمية. وتحدثت مع السيد رئيس الوزراء والسيد وزير النقل في ضرورة مد خط المترو من حلوان إلي مدينة 15 مايو، ولم أكن ادري أنني بذلك افتح الطريق امام منطقة يفترض أن تعزل عن العالم الخارجي ويفرض الحظر الصحي عليها.
يا سيادة رئيس الوزراء، وياحكومتنا النكدية، انتم بهذا القرار تدفعون بالناس إلي الموت البطيء وتقتلون كل عوامل النمو والحياة في مجتمع عمراني كان يفترض ان يتطور وأن تستخدم مساحات الأراضي التي يمتلكها لمصلحة اقامة المزيد من التوسعات السكنية والصناعية، خاصة أن المسافة بين مايو ومنطقة المعادي لا تزيد علي عشر دقائق بطريق الاوتوستراد. كنا نظن أن حكومتنا التي تدعو للاستثمار وتصدع رءوسنا بالكلام عن بذل كل الجهود لحل مشاكل المواطنين. وأن تدرك أن قرارها الخطير سوف يمثل نقطة تحول في حياة الناس الذين أصبحوا غير آمنين علي حياتهم بعد هذا القرار الذي راعي مصلحة تجار الخنازير ولم يراع مصلحة وحياة المواطنين.
إنني اسأل السيد أحمد المغربي وزير الاسكان عن رأيه في هذا القرار الذي سيدمر المدينة، ويقضي علي آخر أمل في حياة الناس وتطلعات الشباب والأطفال الصغار، وإن كنت أدرك أن الوزير لا علاقة له بهذا القرار من قريب أو بعيد. وأسأل وزير البيئة، هل سيبقي صامتا أمام هذه المأساة المرعبة؟! وماذا سيقول للمنظمات الدولية التي يدرك شروطها؟! وهل ستتحمل مصر تبعات هذه الفضيحة التي ستملأ الدنيا ضجيجا في الفترة القادمة؟!
وأسأل - أيضا - الدكتور حازم القويضي محافظ حلوان: هل سيكتفي بالرفض الصامت، ويشارك ولو بالسكوت في هذه الفضيحة التي لن يغفر ابناء مايو وحلوان لمرتكبيها أبد الدهر.
إنني أعرف أن السيد رئيس الوزراء قد دعم هذا القرار وحصل علي موافقة مجلس الوزراء عليه، ولذلك أناشد الرئيس مبارك التدخل العاجل والسريع.
يا سيادة الرئيس.. إن أبناءك في مدينة 15 مايو وحلوان يلجئون إليك باعتبار سيادتكم صاحب القرار الأول في هذا البلد. قد صدر القرار الجمهوري بتخصيص مساحة 238 فدانا لاقامة حظيرة الخنازير في شرق مايو، لكننا علي يقين يا سيادة الرئيس انك لن تسمح بإقامة هذه الحظيرة جنبا إلي جنب مع سكان المدينة، حيث لا يفصل بينهما سوي سبعة كيلومترات فقط والمساحة يجب ألا تقل عن ٠٥ كيلومترا علي الأقل. إننا علي ثقة يا سيادة الرئيس من أنك تدرك خطورة الأمراض التي تنقلها الخنازير، وأن وجود ٠٠١ ألف خنزير في هذه المنطقة، سوف تتوالد وتتكاثر، بما يعني ان المنطقة بأسرها: السكان والمكان أصبحت موبوءة سواء السكان أو المكان.
إن أصوات الأطفال تناشدك، وأصوات الشباب تتوجه إليك، وأصوات من أعيتهم الأمراض والتلوث يلجئون إلي شخصكم الكريم .. بل إن كل أبناء حلوان ومصر يناشدونك أن تتدخل. إننا لا نريد أن تتحول '٥١ مايو' إلي 'أجريوم' جديدة، ولا نريد فتح جبهة بين المواطنين والحكومة ولذلك نتوجه إليك باعتبارك الحكم والرئيس.
لقد تحولت بيوت المواطنين في ٥١ مايو إلي محزنة كبيرة، الخوف يطل من العيون، والحسرة تبدو علي الوجوه، والكل يترقب في ألم وذهول .. إن الناس تتساءل يا سيادة الرئيس، هل حقا ان الحكومة قررت التضحية بنا وبحاضرنا ومستقبلنا من أجل عدد لا يزيد علي الأصابع الواحدة من تجار الخنازير؟، وهل تصح التضحية بالاستثمار الصناعي والبشري، من أجل عيون تجار الخنازير؟! إن أراضي مدينة ٥١ مايو شاسعة، وكان يمكنها أن تتحول إلي منطقة استثمارية واعدة، لو وجدت فقط بعض العناية والاهتمام ولو بنسبة ضئيلة من العناية التي تتلقاها مدن مثل التجمع الخامس و٦ أكتوبر وبدر والعبور والعاشر من رمضان .....إلخ.
إن مدينة ٥١ مايو من أقدم المجتمعات العمرانية الجديدة، ومع ذلك تحتاج إلي وقفة جادة لوقف هذا الزحف الخنزيري الكاسح!!
هل لأنها مدينة يسكن غالبيتها عمال المصانع وصغار الموظفين، وهؤلاء أصبحوا موضة قديمة لا يجب الاعتداد بهم، أم لأن المدينة دمها ثقيل علي البعض، ومن ثم وجب الإهمال ثم الإهمال ثم الإهمال؟!، وأخيرا قرروا توجيه الضربة القاضية لإنهائها من الوجود.
يا سادة نحن نحذركم من تكرار سيناريو 'أجريوم' من جديد، لا تدفعوا الناس إلي الغضب، فالوطن ليس في حاجة إلي مزيد من الأزمات، احرصوا علي أمن الوطن وحياة الناس، ولا تجاملوا حفنة تجار علي حساب أكثر من 1.5 مليون هم سكان محافظة حلوان المنكوبة أصلا بالتلوث إنني أقول لكم، لن يهدأ لنا بال، ولن يغمض لنا جفن إلا بإبعاد الخنازير عن منطقتنا وعن أهلنا، لقد تحمل الناس كل العناء والبلاء وصمتوا، ولكن حتما وقطعا لن يصمتوا ولن يسكتوا أمام من يحاولون الاعتداء علي صحتهم وعلي مدينتهم، بل وعلي وجودهم من الأساس. إنني علي ثقة ان الرئيس مبارك لن يرضي بتعريض حياة مئات الآلاف من المواطنين للخطر لذلك فإننا ننتظر القرار!!
رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة صحيفة الأسبوع المصرية
إقامة أكبر حظيرة للخنازير في مدينة ٥١ مايو تضم ٠٠١ ألف خنزير منذ عام مضي. صدر القرار الجمهوري تحويل حلوان إلي محافظة، سعدنا بالقرار، وهللنا له، واعتبرناه بداية لعصر جديد، ينتهي فيه زمن التلوث، وتطور فيه العشوائيات، وتعود فيه المنطقة إلي سابق عهدها، غير أننا لم نكن نعتقد إطلاقا أن حكومتنا الرشيدة تخبيء لنا مفاجأة أكبر، قررت البدء في تنفيذها مع احتفالات محافظتنا الجديدة بعيدهاالقومي الأول في٧١ أبريل الحالي والمفاجأة يا سادة يا كرام انطلقت من إحساس بالمسئولية، وادراك لأهمية المشاركة الحكومية للمجتمع المدني، فكان القرار المغوار، توفير خنزير لكل مواطن من أبناء المحافظة. صحيح أن الحكومة لن تستطيع أن توفر مليونا ونصف المليون خنزير دفعة واحدة، نظرا لتفاقم الأزمة الخنزيرية العالمية غير أنها قررت أن توفر في بداية الأمر مائة ألف خنزير جمعتها من محافظات القاهرة الكبري وخصصتها فقط لأبناء مدينة ٥١ مايو والتي تم تغيير اسمها مؤخرا إلي 'حي المستقبل' حتي تتناسب مع التطورات والمتغيرات الجديدة التي ستحل عليها قبيل نهاية هذا العام.
والقصة بدأت منذ أكثر من عام، عندما تفتق ذهن رعاة الخنازير، وقرروا جمع خنازير محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية و٦ أكتوبر ونقلها إلي شرق مدينة ٥١ مايو، لإقامة أكبر منتجع للخنازير في الشرق الأوسط علي مساحة تبلغ نحو ٨٣٢ فدانا وفقا للقرار الصادر في ٧٢ نوفمبر ٨٠٠٢ والذي خصص هذه الأراضي للمنفعة العامة ودون مقابل، وذلك استنادا إلي موافقة مجلس الوزراء في جلسته المعقودة في ٦١/٤/٨٠٠٢. ولتعميم الفائدة فقد قرر السادة المسئولون تحقيق الاندماج المجتمعي بين فئة الخنازير وفئة الآدميين حفاظا علي حقوق الحيوانات، وحرصا علي مشاعرها، حتي لا تتعرض البلاد إلي عقوبات دولية بسبب ادعاءات بعض المنظمات الحقوقية بأن حكومتنا تتجاهل المطالب الخنزيرية، وأولها الحق في الاندماج المجتمعي. وقد سعت الحكومة حثيثا إلي نزع الفتيل من القنبلة الموقوتة، وإلي دحض حجة وادعاءات هذه المنظمات، فنفذت القرار علي طريقتها، وحددت المساحة المطلوبة علي بعد سبعة كيلومترات فقط من المنطقة السكنية لمدينة ٥١ مايو، أي أن المسافة لن تزيد علي سبع دقائق بالسيارة والأمر الذي لا شك فيه هو أن هذه المساحة التي تفصل بين منتجعات الخنازير ومساكن المدينة لا تمثل جدارا عنصريا عازلا، بل ستكون بمثابة منطقة حرة تعود بالفائد علي الجانبين، ففيها سوف يجري تبادل البضائع، وعبرها سيتم تحقيق التواصل الحضاري حتي يدرك الجميع مدي حرص حكومتنا علي توفير المناخ
الآمن للتنمية المجتمعية المشتركة!!
في البداية اعترض محافظ حلوان الحالي د. حازم القويضي علي هذا الأمر، وتساءل في حسرة: كيف أطالب بنقل مصانع الأسمنت والملوثات الأخري إلي خارج حلوان في الوقت الذي تصر فيه الحكومة علي أن تبعث لنا دفعة واحدة مائة ألف خنزير؟! غير أن كلامه ذهب أدراج الرياح، لأن القرار قد صدر، ويجب عليه ألا يكرر من جديد أزمة مصنع 'أجريوم' في دمياط.. وإذا كان المحافظ قد التزم الصمت لأنه وجد أن الأمر أكبر منه، فإن المجلس المحلي للمحافظة قرر الرفض، وناشد كبار المسئولين بوقف هذه المهزلة، والتراجع عن هذه الفضيحة والاستماع إلي صوت الناس التي أصابها الفزع والخوف.
وإذا كان البعض يقول: 'همٌ يضحك، وهمٌ يبكي' فإن صفقة الخنازير سوف تمثل أخطر تحيد يواجه أبناء مايو وحلوان جميعا، تتقزم إلي جوارها أزمة مصنع 'أجريوم' لإنتاج السماد، والذي قال أبناء دمياط إنه سوف يصيبهم بالتلوث، وأنهم لن يسكتوا إلا بعد إلغاء هذا القرار وإبعاد هذا المصنع عن مدينتهم.وبالرغم من أن الشركة صاحبة المصنع وقعت عقدا يتضمن شرطا جزائيا عليالحكومة غير أن الرئيس استجاب لمطلب المواطنين فكانت الفرحة العارمةبعد نضال طويل وأزمة عاتية.
أما نحن هنا في هذه المنطقة المنكوبة بالتلوث، فيبدو أن الحكومة نظرت إلينا نظرة موضوعية تنطلق من إحساس عارم بالمسئولية وقالت بكل تواضع: 'وإيه يعني تلوث إذا كانوا هم أصلا ملوثين، فماذا سيفير الشاة سلخها بعد ذبحها؟!'.
لقد هلل العديد من السادة المحافظين لهذا القرار، واستعجل المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية سرعة التنفيذ لأن حظائر الخنازير في محافظته هي كما وصفها تمثل 'بؤرا مرعبة'. أما محافظ القاهرة د عبد العظيم وزير فقد تنفس الصعداء لأن الخنازير كانت تمثل له صداعا مستمرا، ونفس الأمر فقد كان الدكتور فتحي سعد محافظ ٦ أكتوبر من أوائل من أدلوا بالتصريحات التي تهلل للقرار العظيم، أما سيد عبدالعزيز محافظ الجيزة فهو لا يكف عن توجيه الرسائل لكبار المسئولين بضرورة اخلاء الجيزة من حظائر الخنازير لأنها تسبب الأمراض للمواطنين.
لقد تقدمت منذ أكثر من ستة أشهر بطلب إحاطة إلي مجلس الشعب أطالب فيه بمناقشة الأزمة الخنزيرية، غير أن المجلس غض البصر وراح مثل 'القرع يمد لبرة' وينغمس في مناقشة الأزمة المالية العالمية، وكأن حياة مليون ونصف المليون مواطن يسكنون حلوان لا تهم كثيرا. عندما أعدت تكرار تقديم طلب الإحاطة مؤخرا كانت المفاجأة الثانية أن مدينة ٥١ مايو لن تصبح فقط حاضنة لأكبر مجتمع خنزيري في الشرق الأوسط، بل ستتحول أيضا إلي مقلب للقمامة. لقد قررت الحكومة تجميع قمامة القاهرة الكبري في هذه المنطقة وإقامة عدد من مصانع تدوير القمامة، أولا: لتقديم الوجبات الساخنة إلي السادة الخنازير، وثانيا: لاستخدام الفائض منها للتصدير عبر المنطقة الحرة الفاصلة بين المواطنين والخنازير.
المعنيون بشئون البيئة وضعوا أياديهم علي قلوبهم، وأبدوا تخوفهم من خطورة زرع الخنازير في هذه المنطقة القريبة جدا من السكان، وراحوا يتحدثون عن الشروط البيئية الواجبة، وقالوا إنها مفتقدة، وحذروا من أن قوانين البيئة العالمية توجب الحصول علي موافقة المجتمع المدني، أي سكان المنطقة، قبل التنفيذ، وإلا تعرضت مصر للعقوبات إلا أن السادة رعاة الخنازير لايزالون هم أصحاب الصوت الأعلي، ولذلك اعتبروا أن كلام مسئولي البيئة هو من نوع 'تقل الدم ودس الأنف فيما لا يعنيهم'. وعندما تقول لأمثال هؤلاء إن الخنازير أكبر ناقلة للأمراض، وأن انفلونزا الطيور تتحور داخل الخنزير ويسهل نقلها إلي البشر، يردون عليك بالقول 'قول يا باسط، هي جات علي الخنازير'!!
لقد حذر العديد من كبار أساتذة الطب من خطر اختلاط الخنازير بالبشر، ومن سهولة نقل العدوي غير أن حياة الإنسان علي أرض هذا البلد لا قيمة لها ولا اعتبار. لقد أفتت الكنيسة بوجوب التخلص من الخنازير اذا كانت سببا في انتشار المرض، وحذر الاطباء من خطورتها، وأكد خبراء البيئة أن وجودها علي مقربة من السكان يعرضنا للعقاب الدولي، ورفض محافظ حلوان والمجلس المحلي للمحافظة وكافة الهيئات المدنية وجودها، فمن الذي يقف ويساند ولحساب من ؟!
إن الحقيقة المرة يا سادة تقول: اننا نتعرض لابتزاز من بعض اصحاب حظائر الخنازير والتي تدر عليهم ملايين الجنيهات سنويا، وهؤلاء يبدو أنهم استطاعوا بنفوذهم ان يقنعوا البعض بإقامة هذه المزرعة الكبري للخنازير علي أرض مدينة 15مايو وجنبا الي جنب مع سكانها الذين يزيد عددهم علي 150 الفا.
كان بامكانهم ان يذهبوا بعيدا في جوف الصحراء لكنهم وجدوا ضالتهم في بعض ضعاف النفوس واستطاعوا أن يحققوا هدفهم الشرير بإقامة المنطقة علي بعد امتار قليلة، حتي يوفروا علي انفسهم وعلي العاملين معهم عناء المواصلات، والخنزير البعيد عن العين بعيد عن القلب. وايمانا بتكامل العملية التنموية فقد تقرر الإتيان بالعاملين في حظائر الخنازير في المحافظات الاربع الي المنطقة الجديدة في 15 مايو، وهؤلاء لا يقل عددهم وفقا للتقديرات عن حوالي ١٥٠٠ عامل وموظف، ناهيك عن حوالي الفين آخرين سيعملون بمصانع تدوير القمامة، ناهيك عن المئات من جامعي القمامة الذين سيترددون يوميا علي أكبر مقلب للقمامة في مصر، والذي سيقام في هذه المنطقة.
باختصار ستصبح مدينة 15 مايو، مثلها مثل هونج كونج تلعب دور الوسيط، ولكن هنا في نقل الامراض الناتجة عن الخنازير وعن القمامة وسوف يختلط العاملون في حظائر الخنازير والقمامة مع سكان المدينة، فمنهم من سيقيم ومنهم من سيذهب لشراء البضائع والحاجيات، أي أن أحدا كائنا من كان لن يستطيع أن يحول دون الاختلاط ونقل الأمراض، والتي ستنتقل أيضا بالتبعية من سكان مدينة 15مايو إلي المصانع والمصالح التي يعملون بها والأماكن التي سيرتادونها. وسوف يتحول أبناء ٥١ مايو في نظر المواطنين من المناطق الأخري الي خطر أو وباء لا يجب الاقتراب منه، وسوف تتحول المدينة الي منطقة محظور الاقتراب منها، وقد يفكر العديد من المصانع في الهروب بعيدا عنها.
لقد تحدثت منذ فترة مع السيد احمد المغربي وزير الاسكان في سبل تطوير مدينة 15مايو، فأكد لي أن النية تتجه الي اقامة مدينة 15 مايو الجديدة التي ستكون امتدادا ل 15مايو القديمة، غير أننا فوجئنا بهذه التطورات التي ستحول المنطقة الجديدة في مايو إلي منتجع متقدم للخنازير يضاهي أرقي المنتجعات الخنزيرية العالمية. وتحدثت مع السيد رئيس الوزراء والسيد وزير النقل في ضرورة مد خط المترو من حلوان إلي مدينة 15 مايو، ولم أكن ادري أنني بذلك افتح الطريق امام منطقة يفترض أن تعزل عن العالم الخارجي ويفرض الحظر الصحي عليها.
يا سيادة رئيس الوزراء، وياحكومتنا النكدية، انتم بهذا القرار تدفعون بالناس إلي الموت البطيء وتقتلون كل عوامل النمو والحياة في مجتمع عمراني كان يفترض ان يتطور وأن تستخدم مساحات الأراضي التي يمتلكها لمصلحة اقامة المزيد من التوسعات السكنية والصناعية، خاصة أن المسافة بين مايو ومنطقة المعادي لا تزيد علي عشر دقائق بطريق الاوتوستراد. كنا نظن أن حكومتنا التي تدعو للاستثمار وتصدع رءوسنا بالكلام عن بذل كل الجهود لحل مشاكل المواطنين. وأن تدرك أن قرارها الخطير سوف يمثل نقطة تحول في حياة الناس الذين أصبحوا غير آمنين علي حياتهم بعد هذا القرار الذي راعي مصلحة تجار الخنازير ولم يراع مصلحة وحياة المواطنين.
إنني اسأل السيد أحمد المغربي وزير الاسكان عن رأيه في هذا القرار الذي سيدمر المدينة، ويقضي علي آخر أمل في حياة الناس وتطلعات الشباب والأطفال الصغار، وإن كنت أدرك أن الوزير لا علاقة له بهذا القرار من قريب أو بعيد. وأسأل وزير البيئة، هل سيبقي صامتا أمام هذه المأساة المرعبة؟! وماذا سيقول للمنظمات الدولية التي يدرك شروطها؟! وهل ستتحمل مصر تبعات هذه الفضيحة التي ستملأ الدنيا ضجيجا في الفترة القادمة؟!
وأسأل - أيضا - الدكتور حازم القويضي محافظ حلوان: هل سيكتفي بالرفض الصامت، ويشارك ولو بالسكوت في هذه الفضيحة التي لن يغفر ابناء مايو وحلوان لمرتكبيها أبد الدهر.
إنني أعرف أن السيد رئيس الوزراء قد دعم هذا القرار وحصل علي موافقة مجلس الوزراء عليه، ولذلك أناشد الرئيس مبارك التدخل العاجل والسريع.
يا سيادة الرئيس.. إن أبناءك في مدينة 15 مايو وحلوان يلجئون إليك باعتبار سيادتكم صاحب القرار الأول في هذا البلد. قد صدر القرار الجمهوري بتخصيص مساحة 238 فدانا لاقامة حظيرة الخنازير في شرق مايو، لكننا علي يقين يا سيادة الرئيس انك لن تسمح بإقامة هذه الحظيرة جنبا إلي جنب مع سكان المدينة، حيث لا يفصل بينهما سوي سبعة كيلومترات فقط والمساحة يجب ألا تقل عن ٠٥ كيلومترا علي الأقل. إننا علي ثقة يا سيادة الرئيس من أنك تدرك خطورة الأمراض التي تنقلها الخنازير، وأن وجود ٠٠١ ألف خنزير في هذه المنطقة، سوف تتوالد وتتكاثر، بما يعني ان المنطقة بأسرها: السكان والمكان أصبحت موبوءة سواء السكان أو المكان.
إن أصوات الأطفال تناشدك، وأصوات الشباب تتوجه إليك، وأصوات من أعيتهم الأمراض والتلوث يلجئون إلي شخصكم الكريم .. بل إن كل أبناء حلوان ومصر يناشدونك أن تتدخل. إننا لا نريد أن تتحول '٥١ مايو' إلي 'أجريوم' جديدة، ولا نريد فتح جبهة بين المواطنين والحكومة ولذلك نتوجه إليك باعتبارك الحكم والرئيس.
لقد تحولت بيوت المواطنين في ٥١ مايو إلي محزنة كبيرة، الخوف يطل من العيون، والحسرة تبدو علي الوجوه، والكل يترقب في ألم وذهول .. إن الناس تتساءل يا سيادة الرئيس، هل حقا ان الحكومة قررت التضحية بنا وبحاضرنا ومستقبلنا من أجل عدد لا يزيد علي الأصابع الواحدة من تجار الخنازير؟، وهل تصح التضحية بالاستثمار الصناعي والبشري، من أجل عيون تجار الخنازير؟! إن أراضي مدينة ٥١ مايو شاسعة، وكان يمكنها أن تتحول إلي منطقة استثمارية واعدة، لو وجدت فقط بعض العناية والاهتمام ولو بنسبة ضئيلة من العناية التي تتلقاها مدن مثل التجمع الخامس و٦ أكتوبر وبدر والعبور والعاشر من رمضان .....إلخ.
إن مدينة ٥١ مايو من أقدم المجتمعات العمرانية الجديدة، ومع ذلك تحتاج إلي وقفة جادة لوقف هذا الزحف الخنزيري الكاسح!!
هل لأنها مدينة يسكن غالبيتها عمال المصانع وصغار الموظفين، وهؤلاء أصبحوا موضة قديمة لا يجب الاعتداد بهم، أم لأن المدينة دمها ثقيل علي البعض، ومن ثم وجب الإهمال ثم الإهمال ثم الإهمال؟!، وأخيرا قرروا توجيه الضربة القاضية لإنهائها من الوجود.
يا سادة نحن نحذركم من تكرار سيناريو 'أجريوم' من جديد، لا تدفعوا الناس إلي الغضب، فالوطن ليس في حاجة إلي مزيد من الأزمات، احرصوا علي أمن الوطن وحياة الناس، ولا تجاملوا حفنة تجار علي حساب أكثر من 1.5 مليون هم سكان محافظة حلوان المنكوبة أصلا بالتلوث إنني أقول لكم، لن يهدأ لنا بال، ولن يغمض لنا جفن إلا بإبعاد الخنازير عن منطقتنا وعن أهلنا، لقد تحمل الناس كل العناء والبلاء وصمتوا، ولكن حتما وقطعا لن يصمتوا ولن يسكتوا أمام من يحاولون الاعتداء علي صحتهم وعلي مدينتهم، بل وعلي وجودهم من الأساس. إنني علي ثقة ان الرئيس مبارك لن يرضي بتعريض حياة مئات الآلاف من المواطنين للخطر لذلك فإننا ننتظر القرار!!


Posted in:
0 تعليقات:
إرسال تعليق