د. وحيد عبد المجيد
هل يستطيع مرشد الجمهورية في إيران خامنئي أن يخمد الحريق الذي قال الرئيس الإيراني الأسبق إن الدخان بدأ يتصاعد منه؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأول بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية التي كشفت مدى عمق الانقسام داخل المؤسسة الإيرانية الحاكمة. كما أظهرت المدى الذي بلغه الانقسام في المجتمع أيضاً.
فللمرة الأولى، وفي خضم حملة انتخابية صاخبة على نحو غير معهود، تقفز صراعات النخبة الإيرانية الحاكمة على السطح، بعد أن جرى إخفاء أخطر ما فيها لفترة طويلة. لم يكن مسموحاً، حتى أسابيع قليلة مضت، أن يظهر من هذه الصراعات إلا ما يعطي صورة إيجابية للنظام السياسي ويغطي طابعه الأحادي.
انفلت الصراع الانتخابي بين الرئيس المرشح أحمدي نجاد ومنافسه الأول موسوي، وتجاوزهما إلى بعض أركان النظام السياسي والدولة. وإذا كان الهجوم غير المسبوق الذي شنه نجاد على الرئيس السابق خاتمي بدا تصعيداً كمياً في معركة ممتدة، فقد انطوت الاتهامات التي وجهها ضد رفسنجاني على تحول نوعي في الصراع داخل المؤسسة الحاكمة. ولذلك توجه رفسنجاني إلى المرشد الأعلى شاكياً ومتظلماً، ومطالباً باتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لما أسماه تمرد الرئيس المرشح.
ومعروف أن رفسنجاني ليس مجرد رئيس سابق هزمه نجاد في انتخابات 2005، بل هو يرأس مجلسين من أهم مؤسسات الدولة والنظام السياسي، هما "مجلس الخبراء" و"مجلس تشخيص مصلحة النظام". ويعتبر أولهما المؤسسة الأكثر أهمية لأنه المخول بانتخاب المرشد الأعلى أو القائد أو الولي الفقيه. ويعني ذلك أن عدم إخماد الحريق قد يؤدي إلى بلوغ الانقسام منطقة حرجة ظلت بمنأى من الخلاف. فقد تم تحصين موقع المرشد الأعلى، وظل بمثابة الضمانة النهائية وخط الدفاع الأخير أمام أي تهديد قد تتعرض له مؤسسة الحكم جراء انقسام أو آخر في صفوفها.
الوضع في إيران يهدد بتنامي حركة اجتماعية مدينية شابة، ستسعى للتغيير عبر أساليب احتجاجية تتجاوز الأطر المتاحة، مادام طريق التجديد مسدوداً.
وقد نجح خامنئي في أداء هذا الدور العاصم، وأبدى قدرة ملموسة على احتواء الخلافات. غير أن العامل الرئيس الذي مكنّه من ذلك هو حرصه على الارتفاع فوق الخلافات والانقسامات، وعلى أن يظل حكماً مقبولا من الجميع بدرجات مختلفة. وقد اعتمد في ذلك على ميراث الخميني، والمؤسسات القوية التي تأتمر بأمره وفي مقدمتها الحرس الثوري.
لكن إذا أصبح هذا الدور موضع شك، فيمكن أن تصبح المؤسسة الحاكمة عرضة لتصدع يهدد استقرار النظام السياسي. وهذا هو الحريق الذي نبه إليه رفسنجاني في رسالة تظلمه من أحمدي نجاد الذي أسبغ خامنئي رعايته عليه. فهذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها المرشد الأعلى غير قادر على البقاء في موقعه فوق الصراعات. فقد انحاز إلى نجاد منذ بداية الحملة الانتخابية، ووضع مواصفات تنطبق عليه تمام الانطباق داعياً الناخبين إلى اختيار من تتوفر فيه.
ولذلك ربما يجوز القول إن مقدمات الحريق بدأت قبل أن يشن نجاد هجومه غير المسبوق على رفسنجاني ويتهمه ونجله بالفساد والاستغلال ونهب موارد الدولة. فبالإمكان إعادة هذه المقدمات إلى العلاقة الوثيقة التي ربطت المرشد الأعلى برئيس الجمهورية خلال السنوات الأربع الأخيرة. فقد تعامل خامنئي مع نجاد كما لو أنه الابن المحبوب والمفضل. وفي ظل مثل هذه العلاقة، ربما يتعذر على المرشد الأعلى أداء دور الحكم لاحتواء الصراع الذي انفلت في خضم الحملة الانتخابية، ناهيك عن أن يستجيب لطلب رفسنجاني الذي ناشده "وضع حد لتمرد أحمدي نجاد".
وإذا أضفنا إلى ذلك أن خامنئي يرى في خط نجاد السياسي ضرورة في الفترة المقبلة، فهنا تمتزج العلاقة الشخصية الوثيقة ذات الطابع "الأبوي" بتفاهم موضوعي على الخط السياسي، داخلياً وخارجياً.
فخارجياً، يرى خامنئي أن الخط الذي لم يحد عنه نجاد خلال السنوات الماضية هو الذي فرض على الولايات المتحدة السعي إلى تفاهم يعتقد أنه ينبغي أن تتقدم إيران باتجاهه وهي متمسكة بالسقف الذي بلغته سياستها. وهو يخشى أن تُفهم خسارة نجاد، في لحظة شديدة الحرج على هذا النحو، باعتبارها استعداداً للتراجع ولتقديم تنازلات مبكرة. لذلك انحاز المرشد الأعلى إلى نجاد الموقف وليس فقط إلى نجاد الابن، على ما بينهما من ارتباط.
لكن تفضيل نجاد لا يرجع فقط إلى الخط السياسي الخارجي الذي اقترن به، بل أيضاً إلى سياسته الداخلية التي يظن خامنئي وأنصاره أنها جددت شباب الثورة بعد أن فضل شيوخها عليها الثروة. فقد أعاد نجاد القادم من الطبقة الوسطى الدنيا الصورة "البيوريتانية" التي بدت عليها ذات يوم ثورة الخميني قبل أن يغرق عدد متزايد من أركانها في مباهج الثروة.
لذلك فالأرجح أن خامنئي كان مرتاحاً، أو على الأقل لم يكن منزعجاً، للاتهامات التي كالها نجاد إلى رفسنجاني، مثلما كان راضياً عن الحملة التي شنها ضد الفساد وداعب بها خيال أنصاره في الفئات الدنيا عموماً، وفقراء الريف خصوصاً، ممن يحلمون بأن تؤدي مواجهة هذا الفساد إلى توفير الموارد اللازمة لرفع مستوى حياتهم. ولا يمتلك هؤلاء الوعي الضروري لإدراك أن ازدياد الإنفاق العسكري والتوسع في دعم "المقاومات" هنا وهناك يستهلكان ما يفترض أن يساهم في انتشالهم من الفقر.
واللافت، هنا، أن نجاد لم يجد في حملته الواسعة ضد الفساد ما يتعارض مع خطابه الحماسي عن عظمة الدولة الإيرانية. فأية دولة عظيمة هذه التي ينخر فيها سوس الفساد إلى هذا الحد! والأرجح أن نجاد لا يدرك التداعيات المحتملة لمثل هذه الحملة على المجتمع الإيراني، الذي بلغ انقسامه مبلغاً لا يقل خطراً عن ذلك المترتب على تفاقم الصراع في داخل المؤسسة الحاكمة.
فقد رسمت الانتخابات الأخيرة حدود الانقسام المجتمعي بوضوح لا سابق له، ووضعت الفئات الدنيا والوسطى في الريف ومعها قطاعات من فقراء الحضر في مواجهة الطبقة الوسطى والوسطى -العليا المدينية ومعها قطاع يُعتد به من النساء.
ونجح نجاد في الاحتفاظ بقاعدته الاجتماعية الريفية اعتماداً على تجديد وعده بتوزيع عوائد النفط بشكل مباشر، واتهام "مافيا" الفساد بإعاقة جهوده، فضلا عن منح قروض مصرفية متدنية الفائدة وتخصيص أموال عامة لمشروعات خارج نطاق برنامج الحكومة. وهذا ضرب من ضروب الفساد لو يعلمون. فالفساد ليس مقصوراً على نهب مال عام، وإنما يشمل أيضاً سوء استغلال هذا المال أو توجيهه لخدمة مصالح من يمتلك السلطة عليه.
غير أن أهم ما ينطوي عليه الانقسام المجتمعي، الذي أظهرت الانتخابات مدى حدته، هو أنه يهدد بتنامي حركة اجتماعية مدينية شابة قد تسعى للتغيير عبر أساليب احتجاجية تتجاوز الأطر المتاحة، مادام الطريق إلى التجديد من داخل هذه الأطر مسدوداً. فالمجتمع الحضري في إيران شاب وفتي. وهو يمر بتغيرات عميقة تعبر في رأي البعض عن حالة صحوة في أوساط فئات اجتماعية مهمة نوعياً رغم أنها لا تمثل أغلبية المواطنين. وربما يكون هذا هو ما ألمح إليه رفسنجاني في رسالته إلى خامنئي عندما حثه على التدخل الفوري وعدم التسامح في موقف يحمل في طياته خطراً كبيراً، وقال له: "إذا واصلت التسامح في هذا الموقف، فإن بعض الناس والأطراف قد لا يتسامحون".
وكان لهذا التحذير المبطن ما يسنده في شوارع طهران ومدن إيرانية أخرى خلال الحملة الانتخابية، إذ خلق أنصار المرشح مير حسين موسوى حالة غير مسبوقة اتشحت باللون الأخضر ودفعت إلى التساؤل عن إمكان أن تشهد إيران ثورة ملونة إذا اشتد اليأس من تغيير في إطار النظام ومن داخله.
ويستمد السؤال عن تمرد مجتمعي أهميته من حالة الاحتقان الاجتماعي السياسي التي أظهرتها الانتخابات، وليس فقط من التوتر الذي يزداد خطره في ضوء امتناع موسوي عن الاعتراف بهزيمته. وهذه هي المرة الأولى التي يمتنع فيها مرشح في الانتخابات الإيرانية عن الإقرار بنتائجها.
ومع ذلك، وفي ظل سطوة المؤسسات المرتبطة بالمرشد الأعلى، وفي مقدمتها الحرس الثوري، واستمرار التحديات الخارجية وربما تعاظمها إذا أخفق الحوار الأميركي -الإيراني، ربما يكون احتمال حدوث ثورة ملونة بعيداً في اللحظة الراهنة. لذلك فالأرجح أن انقسام المؤسسة الحاكمة سيكون هو، وليس شبح ثورة مخملية، مصدر التهديد الرئيسي للاستقرار في إيران في الفترة المقبلة.
هل يستطيع مرشد الجمهورية في إيران خامنئي أن يخمد الحريق الذي قال الرئيس الإيراني الأسبق إن الدخان بدأ يتصاعد منه؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأول بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية التي كشفت مدى عمق الانقسام داخل المؤسسة الإيرانية الحاكمة. كما أظهرت المدى الذي بلغه الانقسام في المجتمع أيضاً.
فللمرة الأولى، وفي خضم حملة انتخابية صاخبة على نحو غير معهود، تقفز صراعات النخبة الإيرانية الحاكمة على السطح، بعد أن جرى إخفاء أخطر ما فيها لفترة طويلة. لم يكن مسموحاً، حتى أسابيع قليلة مضت، أن يظهر من هذه الصراعات إلا ما يعطي صورة إيجابية للنظام السياسي ويغطي طابعه الأحادي.
انفلت الصراع الانتخابي بين الرئيس المرشح أحمدي نجاد ومنافسه الأول موسوي، وتجاوزهما إلى بعض أركان النظام السياسي والدولة. وإذا كان الهجوم غير المسبوق الذي شنه نجاد على الرئيس السابق خاتمي بدا تصعيداً كمياً في معركة ممتدة، فقد انطوت الاتهامات التي وجهها ضد رفسنجاني على تحول نوعي في الصراع داخل المؤسسة الحاكمة. ولذلك توجه رفسنجاني إلى المرشد الأعلى شاكياً ومتظلماً، ومطالباً باتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لما أسماه تمرد الرئيس المرشح.
ومعروف أن رفسنجاني ليس مجرد رئيس سابق هزمه نجاد في انتخابات 2005، بل هو يرأس مجلسين من أهم مؤسسات الدولة والنظام السياسي، هما "مجلس الخبراء" و"مجلس تشخيص مصلحة النظام". ويعتبر أولهما المؤسسة الأكثر أهمية لأنه المخول بانتخاب المرشد الأعلى أو القائد أو الولي الفقيه. ويعني ذلك أن عدم إخماد الحريق قد يؤدي إلى بلوغ الانقسام منطقة حرجة ظلت بمنأى من الخلاف. فقد تم تحصين موقع المرشد الأعلى، وظل بمثابة الضمانة النهائية وخط الدفاع الأخير أمام أي تهديد قد تتعرض له مؤسسة الحكم جراء انقسام أو آخر في صفوفها.
الوضع في إيران يهدد بتنامي حركة اجتماعية مدينية شابة، ستسعى للتغيير عبر أساليب احتجاجية تتجاوز الأطر المتاحة، مادام طريق التجديد مسدوداً.
وقد نجح خامنئي في أداء هذا الدور العاصم، وأبدى قدرة ملموسة على احتواء الخلافات. غير أن العامل الرئيس الذي مكنّه من ذلك هو حرصه على الارتفاع فوق الخلافات والانقسامات، وعلى أن يظل حكماً مقبولا من الجميع بدرجات مختلفة. وقد اعتمد في ذلك على ميراث الخميني، والمؤسسات القوية التي تأتمر بأمره وفي مقدمتها الحرس الثوري.
لكن إذا أصبح هذا الدور موضع شك، فيمكن أن تصبح المؤسسة الحاكمة عرضة لتصدع يهدد استقرار النظام السياسي. وهذا هو الحريق الذي نبه إليه رفسنجاني في رسالة تظلمه من أحمدي نجاد الذي أسبغ خامنئي رعايته عليه. فهذه هي المرة الأولى التي يبدو فيها المرشد الأعلى غير قادر على البقاء في موقعه فوق الصراعات. فقد انحاز إلى نجاد منذ بداية الحملة الانتخابية، ووضع مواصفات تنطبق عليه تمام الانطباق داعياً الناخبين إلى اختيار من تتوفر فيه.
ولذلك ربما يجوز القول إن مقدمات الحريق بدأت قبل أن يشن نجاد هجومه غير المسبوق على رفسنجاني ويتهمه ونجله بالفساد والاستغلال ونهب موارد الدولة. فبالإمكان إعادة هذه المقدمات إلى العلاقة الوثيقة التي ربطت المرشد الأعلى برئيس الجمهورية خلال السنوات الأربع الأخيرة. فقد تعامل خامنئي مع نجاد كما لو أنه الابن المحبوب والمفضل. وفي ظل مثل هذه العلاقة، ربما يتعذر على المرشد الأعلى أداء دور الحكم لاحتواء الصراع الذي انفلت في خضم الحملة الانتخابية، ناهيك عن أن يستجيب لطلب رفسنجاني الذي ناشده "وضع حد لتمرد أحمدي نجاد".
وإذا أضفنا إلى ذلك أن خامنئي يرى في خط نجاد السياسي ضرورة في الفترة المقبلة، فهنا تمتزج العلاقة الشخصية الوثيقة ذات الطابع "الأبوي" بتفاهم موضوعي على الخط السياسي، داخلياً وخارجياً.
فخارجياً، يرى خامنئي أن الخط الذي لم يحد عنه نجاد خلال السنوات الماضية هو الذي فرض على الولايات المتحدة السعي إلى تفاهم يعتقد أنه ينبغي أن تتقدم إيران باتجاهه وهي متمسكة بالسقف الذي بلغته سياستها. وهو يخشى أن تُفهم خسارة نجاد، في لحظة شديدة الحرج على هذا النحو، باعتبارها استعداداً للتراجع ولتقديم تنازلات مبكرة. لذلك انحاز المرشد الأعلى إلى نجاد الموقف وليس فقط إلى نجاد الابن، على ما بينهما من ارتباط.
لكن تفضيل نجاد لا يرجع فقط إلى الخط السياسي الخارجي الذي اقترن به، بل أيضاً إلى سياسته الداخلية التي يظن خامنئي وأنصاره أنها جددت شباب الثورة بعد أن فضل شيوخها عليها الثروة. فقد أعاد نجاد القادم من الطبقة الوسطى الدنيا الصورة "البيوريتانية" التي بدت عليها ذات يوم ثورة الخميني قبل أن يغرق عدد متزايد من أركانها في مباهج الثروة.
لذلك فالأرجح أن خامنئي كان مرتاحاً، أو على الأقل لم يكن منزعجاً، للاتهامات التي كالها نجاد إلى رفسنجاني، مثلما كان راضياً عن الحملة التي شنها ضد الفساد وداعب بها خيال أنصاره في الفئات الدنيا عموماً، وفقراء الريف خصوصاً، ممن يحلمون بأن تؤدي مواجهة هذا الفساد إلى توفير الموارد اللازمة لرفع مستوى حياتهم. ولا يمتلك هؤلاء الوعي الضروري لإدراك أن ازدياد الإنفاق العسكري والتوسع في دعم "المقاومات" هنا وهناك يستهلكان ما يفترض أن يساهم في انتشالهم من الفقر.
واللافت، هنا، أن نجاد لم يجد في حملته الواسعة ضد الفساد ما يتعارض مع خطابه الحماسي عن عظمة الدولة الإيرانية. فأية دولة عظيمة هذه التي ينخر فيها سوس الفساد إلى هذا الحد! والأرجح أن نجاد لا يدرك التداعيات المحتملة لمثل هذه الحملة على المجتمع الإيراني، الذي بلغ انقسامه مبلغاً لا يقل خطراً عن ذلك المترتب على تفاقم الصراع في داخل المؤسسة الحاكمة.
فقد رسمت الانتخابات الأخيرة حدود الانقسام المجتمعي بوضوح لا سابق له، ووضعت الفئات الدنيا والوسطى في الريف ومعها قطاعات من فقراء الحضر في مواجهة الطبقة الوسطى والوسطى -العليا المدينية ومعها قطاع يُعتد به من النساء.
ونجح نجاد في الاحتفاظ بقاعدته الاجتماعية الريفية اعتماداً على تجديد وعده بتوزيع عوائد النفط بشكل مباشر، واتهام "مافيا" الفساد بإعاقة جهوده، فضلا عن منح قروض مصرفية متدنية الفائدة وتخصيص أموال عامة لمشروعات خارج نطاق برنامج الحكومة. وهذا ضرب من ضروب الفساد لو يعلمون. فالفساد ليس مقصوراً على نهب مال عام، وإنما يشمل أيضاً سوء استغلال هذا المال أو توجيهه لخدمة مصالح من يمتلك السلطة عليه.
غير أن أهم ما ينطوي عليه الانقسام المجتمعي، الذي أظهرت الانتخابات مدى حدته، هو أنه يهدد بتنامي حركة اجتماعية مدينية شابة قد تسعى للتغيير عبر أساليب احتجاجية تتجاوز الأطر المتاحة، مادام الطريق إلى التجديد من داخل هذه الأطر مسدوداً. فالمجتمع الحضري في إيران شاب وفتي. وهو يمر بتغيرات عميقة تعبر في رأي البعض عن حالة صحوة في أوساط فئات اجتماعية مهمة نوعياً رغم أنها لا تمثل أغلبية المواطنين. وربما يكون هذا هو ما ألمح إليه رفسنجاني في رسالته إلى خامنئي عندما حثه على التدخل الفوري وعدم التسامح في موقف يحمل في طياته خطراً كبيراً، وقال له: "إذا واصلت التسامح في هذا الموقف، فإن بعض الناس والأطراف قد لا يتسامحون".
وكان لهذا التحذير المبطن ما يسنده في شوارع طهران ومدن إيرانية أخرى خلال الحملة الانتخابية، إذ خلق أنصار المرشح مير حسين موسوى حالة غير مسبوقة اتشحت باللون الأخضر ودفعت إلى التساؤل عن إمكان أن تشهد إيران ثورة ملونة إذا اشتد اليأس من تغيير في إطار النظام ومن داخله.
ويستمد السؤال عن تمرد مجتمعي أهميته من حالة الاحتقان الاجتماعي السياسي التي أظهرتها الانتخابات، وليس فقط من التوتر الذي يزداد خطره في ضوء امتناع موسوي عن الاعتراف بهزيمته. وهذه هي المرة الأولى التي يمتنع فيها مرشح في الانتخابات الإيرانية عن الإقرار بنتائجها.
ومع ذلك، وفي ظل سطوة المؤسسات المرتبطة بالمرشد الأعلى، وفي مقدمتها الحرس الثوري، واستمرار التحديات الخارجية وربما تعاظمها إذا أخفق الحوار الأميركي -الإيراني، ربما يكون احتمال حدوث ثورة ملونة بعيداً في اللحظة الراهنة. لذلك فالأرجح أن انقسام المؤسسة الحاكمة سيكون هو، وليس شبح ثورة مخملية، مصدر التهديد الرئيسي للاستقرار في إيران في الفترة المقبلة.


Posted in:
0 تعليقات:
إرسال تعليق