2009/06/22

خطة نتنياهو الجديدة : مواجهة كبرى مع لبنان


فجأة لم تعد إسرائيل تعتبر النووى الإيرانى خطراً وجودياً عليها، ولم تعد تعتبر نفسها معنية بضرورة حسم هذا الخطر استباقياً بضربة عسكرية مباغتة للمفاعلات الإيرانية، بل إن وزير خارجيتها ليبرمان الأكثر تشدداً فى حكومة اليمين المتطرف نتنياهو الذى رفع شعار (إيران أولاً) تبرع بتطمين طهران من موسكو بأن إسرائيل لم تعد فى وارد توجيه ضربة عسكرية.

فى هذا الوقت اختار وزير الدفاع إيهود باراك (العمالى والأكثر اعتدالاً) واشنطن التى زارها بهدف تخفيف حدة الأزمة بين أوباما ونتنياهو وانعكاساتها السلبية على العلاقات الاستراتيجية التاريخية بين البلدين ليعيد وضع كل الخيارات على الطاولة، بما فيها طبعاً الخيار العسكرى .

كان واضحاً أن الإدارة الأميركية الجديدة قد وضعت إسرائيل أمام خيارات صعبة خصوصاً لجهة إصرار أوباما على وقف بناء المستوطنات وإعادة دفع العملية السلمية وخيار الدولتين قبل مواجهة الخطر النووى الإيرانى، وبدا لبعض المراقبين أن التكتيك الإسرائيلى الجديد بوقف المطالبة بضرب إيران والتخلى عن التهديد بإرسال مقاتلات (إف 15) و(إف16) لهذه المهمة بين ليلة وضحاها، وبدون إذن واشنطن يخفى عملية التفاف إسرائيلية على الضغوط الأميركية فى شأن النزاع العربى - الإسرائيلى الذى كان نتنياهو قد ربط أى تطور أو تقدم فيه بحسم الصراع حول النووى الإيرانى،


ولكن العارفين بخفايا الأمور يشيرون إلى مستجدات أخرى أهم قد طرأت فى أوساط الفريق الإسرائيلى الخاص بمتابعة الملف النووى الإيرانى والاستعدادات الإسرائيلية لحسمه من طرف واحد بدون انتظار نتائج المفاوضات الإيرانية سواء مع الأميركين أو مع مجموعة 5 + ،1 والمعروف أن هذه الاستعدادات قد بلغت ذروتها وأن الخطة العسكرية الإسرائيلية لضرب إيران قد أنجزت بالكامل منذ أكثر من شهر عبر مناورات ميدانية نفذتها الطائرات الإسرائيلية بين الأجواء الإسرائيلية ومضيق جبل طارق وأخرى أكملتها عملية الطائرات الإسرائيلية ضد قافلة مساعدة لغزة فى السودان، وعززت إسرائيل ذلك بتقارير جدية عن عملية تنفيذ وشيكة لسيناريو ضرب إيران استدعت ضغوطاً سريعة من كبار المسؤولين فى إدارة أوباما وتحذيرات جدية لإسرائيل تجاوزت التصريحات العلنية إلى مهمة سرية قام بها مدير الـ(سى آى إيه) ليون بانيتا إلى إسرائيل حاملاً الفيتو الأميركى الأوضح .

عجز عسكرى

وكشفت مصادر أميركية مطلعة لـ أن التراجع الإسرائيلي النهائى عن ضرب إيران والذى اختار ليبرمان تسريبه من روسيا ليس مرتبطاً فقط بفاعلية التحذير الأميركى وتحذيرات دولية أخرى من عواصم كبرى بينها موسكو ولندن وباريس، ولا بقدرة هذه العواصم على إقناع نتنياهو بمنح واشنطن والمجموعة الدولية مهلة ستة أشهر لمحاولة التوصل إلى تسوية سلمية للنووى الإيرانى مصحوبة بالتزام دولى برفض حصول طهران على القنبلة النووية (بكل الوسائل) ، ففى معلومات المصادر المطلعة أن الخلفية الحقيقية للقرار الإسرائيلى بتعليق سيناريو الضربة المباغتة للنووى الإيرانى تخضع لحسابات إسرائيلية أولاً، وهى نتيجة عملية تقويم ونقاشات طويلة حصلت على أعلى المستويات السياسية والعسكرية وكانت نتيجتها غير المعلنة أن إسرائيل غير قادرة وحدها على الحسم العسكرى مع إيران وأن قدرتها العسكرية الحالية لا تسمح لها بتحقيق إنجاز قصف المفاعلات الإيرانية على طريقة قصف مفاعل (تموز) العراقى العام ،1981 أو تدمير مفاعل (الكبر) السورى العام .2007


وتكشف مصادر عسكرية مطلعة أن كل السيناريوهات الإسرائيلية كانت تصطدم بصعوبة تدمير كل المفاعلات الإيرانية خصوصاً أن المعلومات الاستخبارية المتوفرة حتى الآن لا تجزم بمعرفة كل هذه المواقع ومدى تحصينها وعمقها، مما يجعل من أية عملية عسكرية مجازفة خطيرة الانعكاسات نظراً للقناعة السائدة بقدرة إيران على الرد بسرعة سواء عبر صواريخ شهاب وسجيل أو عبر حزب الله فى لبنان وحماس فى غزة أو عبر خلايا استخبارية وإرهابية قادرة على تنفيذ عمليات انتقامية فى عدة دول، هذا إذا اعتبرنا أن السيناريو الإسرائيلى لا يشمل فى حساباته انتقام إيران فى الخليج والعراق وأفغانستان .


وإضافة إلى كل ذلك تكشف التقارير أن سيناريوهات الضربة الإسرائيلية لم تتوصل إلى حسم مسألة وصول الطائرات إلى إيران خصوصاً فى ظل رفض تركيا عبور أراضيها وممانعة الأميركيين عبور الأجواء العراقية .


وفى معلومات أن التقرير الذى نشره قبل أسابيع مركز واشنطن للدراسات الاستراتيجية والدولية من إعداد الخبيرين أنطونى كوردسمان وعبدالله طوقان لعب دوراً فى فضح لعبة البوكر التى كانت تمارسها إسرائيل بتسويق مزاعم وسيناريوهات الحرب الوشيكة وقدرتها على تدمير البرنامج النووى الإيرانى بدون مساعدة الولايات المتحدة،

وأكد هذا التقرير الشكوك فى قدرات إسرائيل العسكرية وحظوظ تحقيق ضربة ناجحة تدمر الجزء الأكبر من البرنامج الإيرانى أو على الأقل تؤخر حصول إيران على اليورانيوم المخصب لسنوات، وأثار التقرير شكوكاً فى قدرة إسرائيل على توفير العدد الكافى من الطائرات وطائرات تزويد الوقود فى الجو وفى الوصول إلى الأهداف الحقيقية بدون التعرض لرصد الرادارات أو الدفاعات الجوية الإيرانية، وأضاف أن محدودية القوات الجوية الإسرائيلية لا تسمح باستهداف أكثر من ثلاثة مواقع من بين مواقع كثيرة، وليس مؤكداً أن القصف الإسرائيلى لهذه المواقع المحمية والمحصنة والعميقة سيقود إلى تدميرها بدون أن يستدعى تكرار الغارات عدة مرات

.
وفى الوقت الذى لا يزال الغموض يلف المعلومات حول صفقة صواريخ س 300 الروسية وحصول إيران عليها أم لا، كشف التقرير أن إيران تملك حالياً أنظمة دفاع جوية روسية متطورة جداً، قادرة على إسقاط ما بين 20 و30 % من المقاتلات الإسرائيلية وهى خسارة من شأنها إفشال المهمة بكاملها. ويلفت التقرير إلى أن هذه الدفاعات الروسية هى جزء من صفقة سرية حصلت بموجبها إيران على صواريخ (سا 12) من طراز غلادياتور .


وبعدها يكرر التقرير الأميركى المخاوف المتداولة من انتقام إيران وحلفائها الشيعة فى دول الجوار بمهاجمة أهداف إسرائيلية والقوات الأميركية فى العراق والمصالح الغربية فى المنطقة فى عمليات قد تستخدم فيها صواريخ برؤوس بيولوجية وكيماوية وإشعاعية تستهدف تل أبيب وأهدافاً أخرى رغم الدفاعات الجوية، ولوحظ أن التقرير ينفى بعض المزاعم الإسرائيلية بأن بعض الدول العربية قد تقبل بفتح أجوائها أمام الطائرات الإسرائيلية مؤكداً أن أية دولة عربية لا تقبل بذلك بل إن الانتهاك القسرى لهذه الأجواء من شأنه خلق أزمات عميقة بين أميركا وحلفائها .

لا خطر وجودياً

وفى معلومات لـ أن التقارير المشكلة بقدرة إسرائيلية على تدمير البرنامج النووى الإيرانى وحتى برغبتها السياسية الفعلية يجرى تداولها منذ أشهر، وعلى أساس ظل العديد من الخبراء يتعاملون بتحفظ وتشكيك شديدين مع المعلومات عن الضربة الإسرائيلية الوشيكة والتهديدات الإسرائيلية بالحسم العسكرى مع إيران ويضعونها فقط فى إطار الحرب النفسية والابتزاز السياسى منذ أيام أولمرت.. مع العلم أن بعض هؤلاء الخبراء يعملون فى مراكز موالية لإسرائيل ويشاركون فى التسويق الإعلامى والسياسى لهذه الضربة .

ويعترف هؤلاء فى مجالسهم الخاصة باستحالة نجاح الضربة الإسرائيلية إلا فى حالة حصولها على ضوء أخضر أميركى، وبتعهد أميركى - دولى بإكمال المهمة أو بضمان إسرائيل بأن واشنطن ستسارع إلى نجدتها .


وفى معلومات أن الخلافات والتباين فى وجهات النظر الإسرائيلية تجاه قصف إيران مستمرة منذ أيام أولمرت الذى رفض الدخول فى هذه (المغامرة) وهى ما زالت مستمرة حتى فى حكومة نتنياهو، ويقال إن وزير الدفاع باراك الذى ما زال يهدد بالخيار العسكرى هو من أشد الرافضين للعملية الأحادية، ويبدو أن التحفظات الإسرائيلية تجاه ضرب إيران لا تعود فقط للخلاف حول القدرات العسكرية الإسرائيلية، وثمة تقارير تشير إلى أن القيادة العليا فى تل أبيب بمختلف أجهزتها ما زالت فى مجملها تميل إلى التردد وهذا لا يعود فقط إلى الجانب العسكرى أو إلى تباين التقارير حول حقيقة المستوى الذى وصلت إليه إيران فى تقدمها نحو التكنولوجيا النووية، بل يرتبط بسؤال رئيسى لدى الإسرائيليين وهو: هل تشكل القنبلة النووية الإيرانية خطراً وجودياً على إسرائيل؟! وبالتالى هل يمكن لإسرائيل التعايش مع إيران نووية؟! وعلى الرغم من التصريحات الإسرائيلية المعلنة والتى تحذر من مخاطر تهديدات نجاد بإبادة إسرائيل ومحوها عن الخريطة يبدو أن القيادة الإسرائيلية فى لقاءاتهم السرية المخصصة للنووى الإيرانى ما زالوا يتعاملون مع قنبلة الملالى النووية على أنها لا تستهدف إسرائيل وبالتالى لا تشكل خطراً وجودياً على كيانها، والقناعة الإسرائيلية السائدة لدى كبار المسؤولين هى أن إيران لا تريد امتلاك القنبلة لتدمير إسرائيل، بل لتوسيع طموحاتها وتأكيد موقعها فى المنطقة والعالم .


وفى أكثر التقارير أن المداولات داخل الفريق الإسرائيلى الخاص بمتابعة الخطر النووى الإيرانى لا علاقة لها بالتصريحات الرسمية أو بالحملة الدعائية الداخلية والخارجية المنددة بالنووى الإيرانى، والتى قادت قبل أيام إلى استطلاع كشف أن أكثر من نصف الإسرائيليين يؤيدون ضربة عسكرية استباقية لإيران، حتى بدون موافقة أميركا! وجاء فى أحد التقارير أن إسرائيل تتدارس حالياً موقفاً استراتيجياً جديداً ينطلق من عدم (وجودية) الخطر النووى الإيرانى بالنسبة لتل أبيب ومن التفوق النووى الإسرائيلى ويدعو إلى إخراج إسرائيل من الخط الأمامى فى الحرب ضد إيران فى الوقت الحاضر والتركيز على عامل الردع الذى يشكله امتلاك إسرائيل لأكثر من ثلاثمائة قنبلة نووية تحسباً لمواجهة احتمال حصول إيران على قنبلة أو قنبلتين نوويتين فى السنوات المقبلة وإبلاغ الملالى رسالة تهديد واضحة فى هذا الاتجاه، لمنعهم حتى فى التفكير بتوجيه أى صاروخ إلى إسرائيل !


ومن هنا توقف المراقبون عند المفاجأة التى أطلقها ليبرمان من موسكو قبل أيام، ليس فقط لجهة التأكيد أن إسرائيل لن تقوم بضرب إيران، بل خصوصاً لما قاله من أن قنبلة إيران ليست قضية إسرائيلية بل هى قضية شرق أوسطية ودولية وأن البرنامج النووى الإسرائيلى هو مشكلة العالم وليس على إسرائيل أن تحل هذه المشكلة نيابة عن العالم .
مواجهة مع لبنان

بعض المراقبين يقولون إن موقف ليبرمان هذا هو انعكاس لتحول استراتيجى إسرائيلى ورسالة بأن إسرائيل لا تخاف من قنبلتها وتملك ما يكفى من القنابل لمحو إيران عن الخريطة


لكن مصادر أخرى تضع هذا الموقف فى إطار انعطافة تكتيكية تمارسها حكومة نتنياهو لأكثر من هدف، منها محاولة تخفيف الضغوط الدولية - الأميركية عليها لإنقاذها من الخطر الإيرانى بما يسمح لها بالتنصل من اشتراطات وتعهدات وتنازلات تفرضها العملية السلمية التى يعد أوباما لإطلاقها فى يوليو (تموز) المقبل، وبعض العارفين يقولون إن إسرائيل لم تتراجع عن خطة التعبئة لضرب إيران، لكنها قررت التراجع لحساب إفساح المجال أمام المقاربة الدولية لمعرفتها المسبقة بأنها عاجزة عملياً عن تنفيذ تهديداتها الأحادية ولحصولها على ضمانات بأن نهاية العام 2009 هى آخر مهلة للتسوية السلمية وبعدها سيكون المجال مفتوحاً للحسم مع إيران بدون الحاجة للتهديد أو للضربة الإسرائيلية،

وتضيف هذه المصادر أن إخراج إسرائيل من لعبة المواجهة المباشرة مع إيران سيدفعها فى المرحلة المقبلة إلى تكريس دورها ومهامها لمواجهة ما تعتبره انعكاسات أفدح لهذا الخطر الإيرانى، أى مواجهة كل من حزب الله وحماس اللذين تتخوف إسرائيل من تزايد دورهما وخطرهما فى المرحلة المقبلة سواء مع تقدم التسوية مع إيران أو مع فشل المفاوضات، خصوصاً أنها تتوقع تعزيز دور حزب الله بعد الانتخابات اللبنانية، وفى معلومات أن التراجع الإسرائيلى عن التهديد بضرب إيران تزامن مع تقارير تتحدث عن عملية إعادة تقويم إسرائيلية لخطط التعامل مع حماس وحزب الله، وتشير إلى توجه إسرائيل لإنجاز خطط حسم خطر حزب الله فى شكل خاص بدون انتظار نتائج المفاوضات مع إيران، وفى معلومات معدى هذه التقارير أن تكرار حرب يوليو (تموز) 2006 ليس مستبعداً على ضوء ما ينقل حالياً عن استعدادات إسرائيلية لمواجهة كبرى فى لبنان تحسباً للاستراتيجية التى سيعتمدها حزب الله فى حال فوزه فى الانتخابات التشريعية أو حتى فى حال فشله وبقاء موازين القوى فى وضعها الحالى .

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر