
خالد أبو حيط
الفلسطينيون الذين يتصدرون المشهد السياسي اليوم قسمان: قسم يفاوض الاحتلال الإسرائيلي، وقسم آخر يقاتل القسم الأول.. لكن أين هو القسم الثالث الذي يقاتل الاحتلال نفسه؟ إنه غائب كلية عن المشهد السياسي الفعلي والحقيقي.
بعد أيام قليلة من أحداث غزة عام 2007، كنت قد باركت للفلسطينيين بأنه بات لدينا بدل الحكومة حكومتان، وحقّ لنا أن نطالب بدولتين إذاً.. ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم لا تزال الأفعال الميدانية التي يقوم بها الطرفان أو الحكومتان في كل من رام الله وغزة تؤكد بسخرية لاذعة هذه الحقيقة المرة.
من جهتها، تقوم الرئاسة الفلسطينية بالتصرف على قاعدة الشرعية العربية والأمريكية الإسرائيلية التي توفّر لها الغطاء المناسب. إضافة الى ذلك، لا يزال الرئيس عباس يتصرف بصفته الرئيس المنتخب بانتخابات شرعية باركتها وقتها حركة حماس ذاتها، رغم أن مدة رئاسته قد انتهت منذ عام تقريباً. للسلطة الفلسطينية أجندتها الخاصة في كل شيء، في السياسة والمفاوضات والأمن والاقتصاد والتربية والحياة اليومية بمعزل كامل عما يجري في غزة. ورئيس الحكومة في رام الله، د. سلام فياض يعدّ العدّة لاستكمال البنى التحتية لقيام الدولة الفلسطينية بعد سنتين كما أعلن منذ أيام قليلة. لقد تحدّث كثيراً، لكنه لم يقل إذا ما كان قطاع غزة سيكون ضمن الدولة الموعودة أم لا.. أم أنه يراهن على أن ظروفاً ستتغير حتى ذلك الوقت. بناء الأجهزة الأمنية على قدم وساق في الضفة الغربية، وعملها الأبرز إضافة الى تحقيق النظام العام (وهو ما يعني حصراً مصادرة أي سلاح خارج سلاح الشرعية الأمنية لأجهزة السلطة)، هو الاعتقالات السياسية التي تقوم بها لأفراد حماس بصفة خاصة. المتابعة اليومية للنشاطات والأخبار تظهر بوضوح تام أن السلطة ممثلة بالرئيس عباس معنية حصراً بمسألتين: استئناف المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد مع الكيان الصهيوني، وملاحقة أعضاء حماس. أما ما تقوم به سلطة الاحتلال من تغييرات جوهرية على الأرض، ولا سيما في القدس، وأما مسألة المتاجرة بأعضاء السجناء الفلسطينيين، وأما مسألة استشهاد مئات الفلسطينيين على ما يزيد عن 600 حاجز في أرجاء الضفة، وأما مسألة الحفريات تحت المسجد الأقصى والتدريبات العسكرية للشرطة الإسرائيلية لتسلق الجدار، وأما مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وأما مسألة حصار قطاع غزة، وأما مسألة الجدار العنصري.... فكلها قضايا مؤجلة الى حين عودة المفاوضات.. المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات. وعلى مستوى المشهد الداخلي، فإن الرئيس عباس مهتم بضراوة بتوضيب منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن وضب حركة فتح.
وبالمثل فإن حكومة فياض ليست معنية سوى باستمرار احتجاز عناصر حماس وأمثالهم من العناصر غير المنضبطة التي تريد تعكير أجواء الاستثمارات والازدهار الاقتصادي واستكمال البنى التحتية وصولاً الى إعلان الدولة الفلسطينية.
في المقلب الآخر، فإن حكومة غزة الحمساوية لديها ما يشغلها، وهو تحديداً أمران: اتمام صفقة شاليط، وتوطيد شرعيتها في غزة عبر محاولة استدراج كافة عروضات الاعتراف بها عربياً وأوربياً وأمريكياً، والقضاء على كل منافس لها في إطار السلطة وحكم الأمر الواقع كما حدث مؤخراً في رفح مع أتباع عبد اللطيف موسى. حكومة غزة تتحرك بدافع أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني لأنها حكومة نالت ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني بانتخابات شهد العالم كله على نزاهتها. ولم يعد من هم لهذه الحكومة سوى التأكيد على هذه المسألة، وهي لا تتوانى في الاستفادة من كل فرصة سانحة، بل واختلاق الفرص لتأكيد سلطويتها: قانون تأنيث المدارس، فرض الزي الإسلامي على المحاميات، فرض الجلباب على طالبات المدارس، ... ورغم أن البيانات الصادرة عن حكومة غزة تبرىء الحكومة من هذه القرارات، إلا أن الواقع الميداني يقول غير ذلك... بل لقد وصل الأمر بسامي أبو زهري، المتحدث باسم حماس الى القول في تصريح صحفي ما نصه: "الناس تعاني من الجرائم التي تنفذها أجهزة رام الله أكثر من معاناتها من الاحتلال الصهيوني بفعل جرائم هذه الأجهزة ضد ابناء شعبنا وفي مقدمتهم المقاومين."
إن هذا الكلام يدلل بقوة على العقلية التي تتحرك وفقها عقلية أصحاب القرار في حماس: السلطة اشد عداء من الاحتلال. فإذا كان هذا هو التصور الذي يحكم العقلية السياسية الحمساوية، فعندئذ يمكن الاستنتاج بقوة أن تفاصيل الحراك السياسي الحمساوي يضع نصب عينه السلطة في رام الله أكثر من الاحتلال الصهيوني نفسه. وكثيرة هي المؤشرات التي تدعم هذا الاتجاه: توقف كافة الأعمال العسكرية المقاومة للاحتلال الصهيوني انطلاقاً من قطاع غزة، بل وملاحقة وتصفية وتوقيف من يقوم بإطلاق القذائف على الاحتلال انطلاقاً من قطاع غزة، حتى ولو كان من فصائل تربطها علاقات وطيدة سياسياً وأيديولوجياً مع حماس مثل حركة الجهاد الإسلامي.
كل ما سبق يهدف الى تعزيز النقطة الأولى التي انطلقنا منها: قسم يفاوض إسرائيل، وقسم يقاتل القسم الأول.. لكن قتال إسرائيل بذاته لم يعد أولوية على الأقل على أجندة الفريقين المتحكمين بساحة الصراع مع الكيان الصهيوني في الضفة الغربية وقطاع غزة. أما السبب الرئيس لهذا الواقع فهو الصراع على السلطة.. والتحدي مطروح أمام كلا الطرفين ليثبتا أن هناك سبب رئيس آخر أو أن الصراع على السلطة ليس هو السبب.
أبعاد هذا الانقسام الحاد خطيرة جداً على كافة المستويات: الأمنية والسياسية والمعيشية للشعب الفلسطيني. أبرزها أمنياً استمرار حملات الاعتقالات والمواجهات اليومية بهدف احتفاظ كل فريق بسلطته ومحاولة تفتيت قبضة الفريق الآخر على الأماكن التي يتحكم بها.. يعني استمرار استنزاف طاقات الشباب الفلسطيني في صراعات أمنية دموية.. وأبرزها سياسياً غياب المشروع الفلسطيني الجامع، وغياب الوحدة الوطنية الفلسطينية.. وكنت قد حذرت في نفس المقال السابق أن ثمة أطرافاً إقليمية في مقدمتها إسرائيل ستسعى الى استمرار حالة الانقسام الجيوسياسي هذه من أجل تصفية القضية الفلسطينية في ظل عدم استطاعة كل فريق الإدعاء بأنه يمثل الشعب الفلسطيني كاملاً، وفي ظل عجز كلا الطرفين على فرض رؤيته على الطرف الآخر... وأما أبرز هذه الأبعاد على المستوى الشعبي فهي شعور الفلسطينيين في الداخل والخارج، في غزة والقطاع، في مخيمات اللجوء كما في مناطق 48، بانعدام الأفق السياسي والمرجعية السياسية وبالتالي انعدام الرغبة في التفاعل العاطفي والعملي الميداني.. وهو أمر بالغ الخطورة إذا ما تأكد مثل هذا الشعور في الوجدان الفلسطيني.
الاتفاق والوحدة الوطنية الفلسطينية تبدو في ظل هذا الوضع الأمل الوحيد الذي يمكن من خلاله إنقاذ القضية الفلسطينية. لكن الاجراءات اليومية التي يقوم بها الطرفان تفشل أية إمكانية للوصول الى اتفاق شامل أو حتى مبدئي على قاعدة توزيع قطع الكعكة. المسألة الجوهرية في هذا الموضوع هي غياب المشروع الوطني الفلسطيني الذي يتجاوز أزمة هذا النزاع المفتعل بين المقاومة والسياسة. فواقع الحال أن السياسة لوحدها (المعبر عنها بصيغة المفاوضات هي الخيار الوحيد) قد جعلت القرار الفلسطيني تحت الحراب الإسرائيلية بالكامل، وليس الأرض والشعب وحدهما. وكذلك الحال فإن المقاومة – بصيغتها الحمساوية – قد قلصت الصراع الى صراع سلطة على قطعة من الأرض واستدرار عطف العالم للتعاطي معها أو لامدادها بالخبز والكهرباء. صياغة مشروع وطني فلسطيني يحتاج الى جهود جبارة لا سيما في ظل تمحور الطرفين في رام الله وغزة ضمن محاور إقليمية ودولية لا تسمح لطرف ثالث بإختراقهما.
وإذا كان المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج الى قوة اجتماعية فاعلة لحمله، فإن هناك قوتين مؤهلتان نظرياً لحمل مثل هكذا مشروع واحدة على يسار حماس وأخرى على يمين السلطة، والمعني بهما هنا هما حركة الجهاد الإسلامي، وبقايا حركة فتح من الذين استبعدوا من مؤتمرها السادس الذي عقد مؤخراً في بيت لحم.
بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي، فإنها لم تقع فيما وقعت فيه حركة حماس من لعبة السلطة، ولم تنجر الى مغريات المواقع السلطوية، وهي تؤمن بالمقاومة المسلحة ضد الكيان الصهيوني حتى تحرير كامل الأرض الفلسطينية، ولا تزال رغم كل الظروف السياسية والميدانية المعقدة مرتبطة بفكرها وفق ما تسمح لها به الظروف. غير أنها تعاني من نقاط ضعف عديدة أبرزها: انقساماتها ومشاكلها الداخلية بعد استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي، قلة عدد أنصارها في الداخل والخارج مقارنة بفتح وحماس، وقلة الكفاءة التدريبية، غياب فاعليتها الإعلامية في الوسط الفلسطيني، ظهورها دائماً بمظهر ظهير حماس ومؤازرتها، وكذلك عدم بلورة مشروع سياسي قابل للحياة لقناعتها بأن تحرير فلسطين لا يمكن أن يقوم به الفلسطينيون وحدهم، وأن دور الفلسطينين يقتصر على استمرار حدة الصراع قائمة الى حين تشكيل مشروع تحرير عربي وإسلامي.
وبالنسبة الى بقايا فتح، فإنهم أيضاً يعانون من صعوبات جمة، تتعلق بغياب شخصية بارزة للالتفاف حولهم ووجود معظم قيادتهم في السجون الإسرائيلية، عدم رغبتهم في الانشقاق عن الحركة الأم بطريقة صادمة، غياب الراعي الإقليمي لهم، ضعف إمكانياتهم المالية، وخضوعهم للضغوطات التي يمارسها عليهم الأصدقاء قبل الأعداء.. وكذلك الحال عدم بلورة مشروع قابل للحياة، بل جلّ اهتمامهم العسكري يتوقف عند مواجهة التوغلات الإسرائيلية في مناطق السلطة، أو ممارسة نوع من الضغط العسكري يستفيد منه في النهاية المفاوضون.
المؤسف في الأمر أن جميع الأطراف الفلسطينية لا تنظر بإيجابية الى طرح مشروع سياسي قائم على حل الدولة الثنائية القومية بدلا من حل الدولتين واعتماد المقاومة وسيلة لتحقيق هذا المشروع. والمؤسف أكثر أن لا أحداً يقدم مشروعاً آخر كبديل سياسي لحل عقدة السياسة والمقاومة.
غير أن ما يثير الشجون بخاصة ويدعو للأسف أن كافة الأفرقاء الفلسطينيين ليس لديهم حتى مشروع استنهاض ملايين اللاجئين المقيمين خارج فلسطين التاريخية.. والحجة الواضحة في هذا السياق هي عدم ملائمة الظروف في الدول المستضيفة لهؤلاء الفلسطينيين.. لكن الحقيقة هي أنه ليس هناك مشروع سياسي بديل عن السلطة في رام الله أو غزة.. فهل أصبح الشعب الفلسطيني عقيماً الى هذه الدرجة؟!
خالد أبو حيط
abouhait@hotmail.com
الفلسطينيون الذين يتصدرون المشهد السياسي اليوم قسمان: قسم يفاوض الاحتلال الإسرائيلي، وقسم آخر يقاتل القسم الأول.. لكن أين هو القسم الثالث الذي يقاتل الاحتلال نفسه؟ إنه غائب كلية عن المشهد السياسي الفعلي والحقيقي.
بعد أيام قليلة من أحداث غزة عام 2007، كنت قد باركت للفلسطينيين بأنه بات لدينا بدل الحكومة حكومتان، وحقّ لنا أن نطالب بدولتين إذاً.. ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم لا تزال الأفعال الميدانية التي يقوم بها الطرفان أو الحكومتان في كل من رام الله وغزة تؤكد بسخرية لاذعة هذه الحقيقة المرة.
من جهتها، تقوم الرئاسة الفلسطينية بالتصرف على قاعدة الشرعية العربية والأمريكية الإسرائيلية التي توفّر لها الغطاء المناسب. إضافة الى ذلك، لا يزال الرئيس عباس يتصرف بصفته الرئيس المنتخب بانتخابات شرعية باركتها وقتها حركة حماس ذاتها، رغم أن مدة رئاسته قد انتهت منذ عام تقريباً. للسلطة الفلسطينية أجندتها الخاصة في كل شيء، في السياسة والمفاوضات والأمن والاقتصاد والتربية والحياة اليومية بمعزل كامل عما يجري في غزة. ورئيس الحكومة في رام الله، د. سلام فياض يعدّ العدّة لاستكمال البنى التحتية لقيام الدولة الفلسطينية بعد سنتين كما أعلن منذ أيام قليلة. لقد تحدّث كثيراً، لكنه لم يقل إذا ما كان قطاع غزة سيكون ضمن الدولة الموعودة أم لا.. أم أنه يراهن على أن ظروفاً ستتغير حتى ذلك الوقت. بناء الأجهزة الأمنية على قدم وساق في الضفة الغربية، وعملها الأبرز إضافة الى تحقيق النظام العام (وهو ما يعني حصراً مصادرة أي سلاح خارج سلاح الشرعية الأمنية لأجهزة السلطة)، هو الاعتقالات السياسية التي تقوم بها لأفراد حماس بصفة خاصة. المتابعة اليومية للنشاطات والأخبار تظهر بوضوح تام أن السلطة ممثلة بالرئيس عباس معنية حصراً بمسألتين: استئناف المفاوضات كخيار استراتيجي وحيد مع الكيان الصهيوني، وملاحقة أعضاء حماس. أما ما تقوم به سلطة الاحتلال من تغييرات جوهرية على الأرض، ولا سيما في القدس، وأما مسألة المتاجرة بأعضاء السجناء الفلسطينيين، وأما مسألة استشهاد مئات الفلسطينيين على ما يزيد عن 600 حاجز في أرجاء الضفة، وأما مسألة الحفريات تحت المسجد الأقصى والتدريبات العسكرية للشرطة الإسرائيلية لتسلق الجدار، وأما مسألة اللاجئين الفلسطينيين، وأما مسألة حصار قطاع غزة، وأما مسألة الجدار العنصري.... فكلها قضايا مؤجلة الى حين عودة المفاوضات.. المفاوضات ولا شيء غير المفاوضات. وعلى مستوى المشهد الداخلي، فإن الرئيس عباس مهتم بضراوة بتوضيب منظمة التحرير الفلسطينية بعد أن وضب حركة فتح.
وبالمثل فإن حكومة فياض ليست معنية سوى باستمرار احتجاز عناصر حماس وأمثالهم من العناصر غير المنضبطة التي تريد تعكير أجواء الاستثمارات والازدهار الاقتصادي واستكمال البنى التحتية وصولاً الى إعلان الدولة الفلسطينية.
في المقلب الآخر، فإن حكومة غزة الحمساوية لديها ما يشغلها، وهو تحديداً أمران: اتمام صفقة شاليط، وتوطيد شرعيتها في غزة عبر محاولة استدراج كافة عروضات الاعتراف بها عربياً وأوربياً وأمريكياً، والقضاء على كل منافس لها في إطار السلطة وحكم الأمر الواقع كما حدث مؤخراً في رفح مع أتباع عبد اللطيف موسى. حكومة غزة تتحرك بدافع أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني لأنها حكومة نالت ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني بانتخابات شهد العالم كله على نزاهتها. ولم يعد من هم لهذه الحكومة سوى التأكيد على هذه المسألة، وهي لا تتوانى في الاستفادة من كل فرصة سانحة، بل واختلاق الفرص لتأكيد سلطويتها: قانون تأنيث المدارس، فرض الزي الإسلامي على المحاميات، فرض الجلباب على طالبات المدارس، ... ورغم أن البيانات الصادرة عن حكومة غزة تبرىء الحكومة من هذه القرارات، إلا أن الواقع الميداني يقول غير ذلك... بل لقد وصل الأمر بسامي أبو زهري، المتحدث باسم حماس الى القول في تصريح صحفي ما نصه: "الناس تعاني من الجرائم التي تنفذها أجهزة رام الله أكثر من معاناتها من الاحتلال الصهيوني بفعل جرائم هذه الأجهزة ضد ابناء شعبنا وفي مقدمتهم المقاومين."
إن هذا الكلام يدلل بقوة على العقلية التي تتحرك وفقها عقلية أصحاب القرار في حماس: السلطة اشد عداء من الاحتلال. فإذا كان هذا هو التصور الذي يحكم العقلية السياسية الحمساوية، فعندئذ يمكن الاستنتاج بقوة أن تفاصيل الحراك السياسي الحمساوي يضع نصب عينه السلطة في رام الله أكثر من الاحتلال الصهيوني نفسه. وكثيرة هي المؤشرات التي تدعم هذا الاتجاه: توقف كافة الأعمال العسكرية المقاومة للاحتلال الصهيوني انطلاقاً من قطاع غزة، بل وملاحقة وتصفية وتوقيف من يقوم بإطلاق القذائف على الاحتلال انطلاقاً من قطاع غزة، حتى ولو كان من فصائل تربطها علاقات وطيدة سياسياً وأيديولوجياً مع حماس مثل حركة الجهاد الإسلامي.
كل ما سبق يهدف الى تعزيز النقطة الأولى التي انطلقنا منها: قسم يفاوض إسرائيل، وقسم يقاتل القسم الأول.. لكن قتال إسرائيل بذاته لم يعد أولوية على الأقل على أجندة الفريقين المتحكمين بساحة الصراع مع الكيان الصهيوني في الضفة الغربية وقطاع غزة. أما السبب الرئيس لهذا الواقع فهو الصراع على السلطة.. والتحدي مطروح أمام كلا الطرفين ليثبتا أن هناك سبب رئيس آخر أو أن الصراع على السلطة ليس هو السبب.
أبعاد هذا الانقسام الحاد خطيرة جداً على كافة المستويات: الأمنية والسياسية والمعيشية للشعب الفلسطيني. أبرزها أمنياً استمرار حملات الاعتقالات والمواجهات اليومية بهدف احتفاظ كل فريق بسلطته ومحاولة تفتيت قبضة الفريق الآخر على الأماكن التي يتحكم بها.. يعني استمرار استنزاف طاقات الشباب الفلسطيني في صراعات أمنية دموية.. وأبرزها سياسياً غياب المشروع الفلسطيني الجامع، وغياب الوحدة الوطنية الفلسطينية.. وكنت قد حذرت في نفس المقال السابق أن ثمة أطرافاً إقليمية في مقدمتها إسرائيل ستسعى الى استمرار حالة الانقسام الجيوسياسي هذه من أجل تصفية القضية الفلسطينية في ظل عدم استطاعة كل فريق الإدعاء بأنه يمثل الشعب الفلسطيني كاملاً، وفي ظل عجز كلا الطرفين على فرض رؤيته على الطرف الآخر... وأما أبرز هذه الأبعاد على المستوى الشعبي فهي شعور الفلسطينيين في الداخل والخارج، في غزة والقطاع، في مخيمات اللجوء كما في مناطق 48، بانعدام الأفق السياسي والمرجعية السياسية وبالتالي انعدام الرغبة في التفاعل العاطفي والعملي الميداني.. وهو أمر بالغ الخطورة إذا ما تأكد مثل هذا الشعور في الوجدان الفلسطيني.
الاتفاق والوحدة الوطنية الفلسطينية تبدو في ظل هذا الوضع الأمل الوحيد الذي يمكن من خلاله إنقاذ القضية الفلسطينية. لكن الاجراءات اليومية التي يقوم بها الطرفان تفشل أية إمكانية للوصول الى اتفاق شامل أو حتى مبدئي على قاعدة توزيع قطع الكعكة. المسألة الجوهرية في هذا الموضوع هي غياب المشروع الوطني الفلسطيني الذي يتجاوز أزمة هذا النزاع المفتعل بين المقاومة والسياسة. فواقع الحال أن السياسة لوحدها (المعبر عنها بصيغة المفاوضات هي الخيار الوحيد) قد جعلت القرار الفلسطيني تحت الحراب الإسرائيلية بالكامل، وليس الأرض والشعب وحدهما. وكذلك الحال فإن المقاومة – بصيغتها الحمساوية – قد قلصت الصراع الى صراع سلطة على قطعة من الأرض واستدرار عطف العالم للتعاطي معها أو لامدادها بالخبز والكهرباء. صياغة مشروع وطني فلسطيني يحتاج الى جهود جبارة لا سيما في ظل تمحور الطرفين في رام الله وغزة ضمن محاور إقليمية ودولية لا تسمح لطرف ثالث بإختراقهما.
وإذا كان المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج الى قوة اجتماعية فاعلة لحمله، فإن هناك قوتين مؤهلتان نظرياً لحمل مثل هكذا مشروع واحدة على يسار حماس وأخرى على يمين السلطة، والمعني بهما هنا هما حركة الجهاد الإسلامي، وبقايا حركة فتح من الذين استبعدوا من مؤتمرها السادس الذي عقد مؤخراً في بيت لحم.
بالنسبة لحركة الجهاد الإسلامي، فإنها لم تقع فيما وقعت فيه حركة حماس من لعبة السلطة، ولم تنجر الى مغريات المواقع السلطوية، وهي تؤمن بالمقاومة المسلحة ضد الكيان الصهيوني حتى تحرير كامل الأرض الفلسطينية، ولا تزال رغم كل الظروف السياسية والميدانية المعقدة مرتبطة بفكرها وفق ما تسمح لها به الظروف. غير أنها تعاني من نقاط ضعف عديدة أبرزها: انقساماتها ومشاكلها الداخلية بعد استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي، قلة عدد أنصارها في الداخل والخارج مقارنة بفتح وحماس، وقلة الكفاءة التدريبية، غياب فاعليتها الإعلامية في الوسط الفلسطيني، ظهورها دائماً بمظهر ظهير حماس ومؤازرتها، وكذلك عدم بلورة مشروع سياسي قابل للحياة لقناعتها بأن تحرير فلسطين لا يمكن أن يقوم به الفلسطينيون وحدهم، وأن دور الفلسطينين يقتصر على استمرار حدة الصراع قائمة الى حين تشكيل مشروع تحرير عربي وإسلامي.
وبالنسبة الى بقايا فتح، فإنهم أيضاً يعانون من صعوبات جمة، تتعلق بغياب شخصية بارزة للالتفاف حولهم ووجود معظم قيادتهم في السجون الإسرائيلية، عدم رغبتهم في الانشقاق عن الحركة الأم بطريقة صادمة، غياب الراعي الإقليمي لهم، ضعف إمكانياتهم المالية، وخضوعهم للضغوطات التي يمارسها عليهم الأصدقاء قبل الأعداء.. وكذلك الحال عدم بلورة مشروع قابل للحياة، بل جلّ اهتمامهم العسكري يتوقف عند مواجهة التوغلات الإسرائيلية في مناطق السلطة، أو ممارسة نوع من الضغط العسكري يستفيد منه في النهاية المفاوضون.
المؤسف في الأمر أن جميع الأطراف الفلسطينية لا تنظر بإيجابية الى طرح مشروع سياسي قائم على حل الدولة الثنائية القومية بدلا من حل الدولتين واعتماد المقاومة وسيلة لتحقيق هذا المشروع. والمؤسف أكثر أن لا أحداً يقدم مشروعاً آخر كبديل سياسي لحل عقدة السياسة والمقاومة.
غير أن ما يثير الشجون بخاصة ويدعو للأسف أن كافة الأفرقاء الفلسطينيين ليس لديهم حتى مشروع استنهاض ملايين اللاجئين المقيمين خارج فلسطين التاريخية.. والحجة الواضحة في هذا السياق هي عدم ملائمة الظروف في الدول المستضيفة لهؤلاء الفلسطينيين.. لكن الحقيقة هي أنه ليس هناك مشروع سياسي بديل عن السلطة في رام الله أو غزة.. فهل أصبح الشعب الفلسطيني عقيماً الى هذه الدرجة؟!
خالد أبو حيط
abouhait@hotmail.com


Posted in:
0 تعليقات:
إرسال تعليق