2009/08/15

هل يتجه الطاجيك بعيداً عن روسيا؟


عبدالجليل زيد المرهون

هل بدأت طاجيكستان مسيرة الخروج عن بيت الطاعة الروسي؟.

أجل، ثمة مؤشرات على بداية تغيير في المسار، أو على الأقل إعادة صياغة المعادلة السائدة، على نحو تبدو فيه البلاد أقل ارتباطاً بالقوة الروسية المهيمنة.

هناك اليوم مشروع قانون مقدم من الرئيس الطاجيكي، إمام علي رحمن، لمنع استخدام اللغة الروسية كلغة عمل رسمية في البلاد، وثمة مطالبة رسمية للروس، في الوقت ذاته، بدفوعات مالية منتظمة، لقاء استمرار قاعدتهم العسكرية الكبيرة في البلاد.

وفي المقابل، هناك تصريح علني بعدم ممانعة الطاجيك لاحتضان قواعد عسكرية أميركية. وقد تم تأكيد هذا الموقف من قبل الرئيس رحمن، خلال لقائه في دوشنبه بقائد القيادة العسكرية الأميركية، الجنرال دافيد بتريوس.

ولكن هل تستطيع طاجيكستان الذهاب بعيداً في رهاناتها على الحد من النفوذ الروسي، أو لنقل الهيمنة الروسية طويلة الأمد؟.

في واقع الأمر، ثمة حضور روسي متعاظم في بلاد الجبال، على المستويات الأمنية والاقتصادية والمدنية العامة. بل إن الجنود الروس هم عملياً من يحرسون الحدود الطاجيكية، سيما مع أفغانستان. كما أن الاستقرار الداخلي الهش مستند إلى القاعدة العسكرية الروسية، المدججة بمختلف أنواع الأسلحة. كذلك، فإنه من دون محطات الطاقة التي شيدها الروس، ويقومون اليوم بإدارتها، فإن طاجيكستان تصبح من دون كهرباء. هذا كله دون الحديث عن نحو نصف مليون عامل طاجيكي في روسيا، تعيش على تحويلاتهم مئات الآلاف من الأسر المقيمة داخل البلاد.

ودعونا نوضح بعض تفاصيل الصورة الراهنة.

بداية تجدر الإشارة إلى أن طاجيكستان قد أضحت دولة مستقلة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، وقد شهدت بعد ذلك حرباً أهلية، في الفترة بين 1992 – 1997، ولا تزال مفاعيل هذه الحرب قائمة على كافة المستويات. كما أن المصالحة الوطنية التي أنهت الحرب لم تكن سوى مصالحة هشة وقشرية. وما برح الانقسام الوطني سائداً بين الشمال الأقل فقراً، والجنوب الأكثر عوزاً. ولايزال الجنوبيون مبعدين عن مراكز القرار في دوائر الدولة، لكون أبناءهم هم من قاتل في صفوف المعارضة إبان الحرب الأهلية.

وقد بدت طاجيكستان موضع اهتمام دولي بعد انطلاق العملية الأطلسية في أفغانستان في تشرين الثاني نوفمبر عام 2001، وأضحت البلاد عضواً في برنامج حلف شمال الأطلسي (الناتو) للشراكة من أجل السلام.

ولدى طاجيكستان حدوداً دولية طويلة، تصل إلى 3651 كيلومتراً، بينها 1206 كيلومتراً حدوداً مشتركة مع أفغانستان، و1161 كيلومتراً مع أوزبكستان، و870 كيلومتراً مع قرغيزيا، إضافة إلى 414 كيلومتراً مع الصين.

وتعد بلاد الجبال بوابة العبور الرئيسية لآسيا الوسطى باتجاه أفغانستان وشبه القارة الهندية، والخليج العربي. وهذه أحد مكامن قوتها. كما تقع حدودها الجنوبية الشرقية على سلسلة جبال "باميرز" (Pamirs) الاستراتيجية، المتداخلة مع أفغانستان. ولا يفصل بلاد الطاجيك عن باكستان سوى ممر أفغاني ضيق.

أما حدود طاجيكستان مع الصين، التي تمثل جناحها الشرقي، فقد وضعها في موقع القلب على صعيد حسابات الجيوبوليتيك الدولي، وصراع الإمبراطوريات المتنافسة على الشرق، منذ روسيا القيصرية، مروراً ببريطانيا العظمى، وحتى الدولة السوفياتية.

وعلى الرغم من خصائص موقعها الجغرافي المتميز، فإن طاجيكستان تعد - اليوم - أفقر دول آسيا الوسطى، وقد بدت في السنوات الأخيرة أكثر معاناة بسبب انهيار تدهور أسواق القطن والألمنيوم، وهما المادتان الرئيستان اللتان يعتمد عليهما اقتصاد الطاجيك.

ويعيش نحو خمسين في المائة من قوة العمل الوطنية خارج البلاد، وبالأخص في روسيا. وتقدر بعض المصادر عدد العمالة الطاجيكية المهاجرة بمليون شخص. وتشكل حوالات هذه العمالة مصدراً رئيسياً لمعيشة عدد كبير من الأسر الطاجيكية، إلا أن هذه الحوالات بدأت هي الأخرى تتأثر جراء الأزمة المالية العالمية.

وقد أتلفت الحرب الأهلية في التسعينيات البنية التحية الاقتصادية للدولة، وتسببت في هبوط حاد في الإنتاج الزراعي والصناعي.

ويقدر دخل الفرد السنوي في طاجيكستان بألفين ومائة دولار، حسب مؤشرات العام 2008، وهي تقع في الترتيب 187 عالمياً على هذا الصعيد. ووفقاً لإحصاءات عام 2007، فإن 60% من الشعب الطاجيكي يقع تحت خط الفقر(Poverty Line).

وعلى صعيد الدور الروسي في طاجيكستان، توجد هناك قاعدة عسكرية روسية كبيرة، يعود تاريخها إلى العام 1943، حيث أنشأتها فرقة في الجيش الروسي، تعرف باسم "غاتشينسكايا". وهي فرقة المشاة الآلية الرقم (201)، وتضم هذه القاعدة حالياً ثلاثة أفواج من المشاة الآلية، وفوجاً من المدفعية، وفوجاً من الصواريخ المضادة للطائرات، وكتيبة من راجمات الصواريخ، وخمس طائرات قتالية من طراز "سو-25" وسبع مروحيات عسكرية. وتعتبر هذه القاعدة، التي تعرف رسمياً باسم القاعدة (201) من أهم مرتكزات الوجود الأمني الروسي في عموم آسيا الوسطى. وهي تلعباً دوراً رئيساً في المقاربة الروسية الخاصة بأفغانستان، ويضعها الغرب بعين اعتباره في مفاوضاته مع الروس بشأن الملف الأفغاني.

وفي سياق مواز، أعلنت روسيا رسمياً في 29 آب أغسطس من العام 2008 بأن العسكريين الروس يستطيعون استخدام مطار غيسار (أو عيني) الطاجيكي. وهذا يعني عملياً إقامة قاعدة روسية جوية هناك، وتقع مدينة غيسار غرب طاجيكستان، على بعد عشرين كيلومتراً من العاصمة دوشنبه، وعلى نحو مباشر، فإن الحضور الجوي الروسي في هذه القاعدة يعني استكمال تطويق أجهزة الرصد الروسية لكافة أراضي أوزبكستان المجاورة، التي اعترضت في هذا الشهر على إقامة قاعدة عسكرية روسية جديدة قرغيزيا، في مثلث الحدود الأوزبكية القرغيزية الطاجيكية، بوادي فرغانة، إذ اعتبرت هذه الخطوة تهديداً صريحاً للاستقرار الإقليمي.

وتحتفظ روسيا في طاجيكستان، من جهة أخرى، بمحطة رصد فضائية متقدمة، تعرف باسم "أوكنو" (النافذة)، وهي تتبع قوات الفضاء الروسية، وتقع قرب مدينة "نوريك" في جبال "سانغلوك"، على ارتفاع 2200 متر عن سطح البحر.

وقد بدأ العمل في إنشاء هذه المحطة منذ ما يزيد على 20 عاماً، عندما كانت طاجيكستان إحدى الجمهوريات السوفياتية، ودخلت المنشأة الخدمة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.

وفي حزيران يونيو من العام 2008، صادق البرلمان الروسي على اتفاقية ثنائية تتملك روسيا بموجبها محطة "أوكنو". وقد وافقت طاجيكستان بأن تصبح هذه المحطة ملكاً لروسيا لمدة 49 عاماً، قابلة للتجديد.

وتعتبر محطة "أوكنو" من أكثر وسائل رصد الفضاء فعالية لدى الروس، وقد صمم هذا المجمع لرصد الأجرام السماوية أوتوماتيكيا، على ارتفاع آلاف الكيلومتراتً، وجمع المعلومات عنها، وحساب أبعاد حركتها، ونقل النتائج إلى مراكز القيادة لتحليلها، كما أن بمقدور هذه المحطة رصد الصواريخ في كامل النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.

وبهذا المعنى، تعتبر محطة "أوكنو" منشأة استراتيجية بالغة الحيوية، بل تعد - اليوم - من أهم مرتكزات روسيا في سباقها الصعب والمرهق مع الولايات المتحدة على هذا الصعيد. ومن دون هذه المنشأة يتخلف الروس بمسافات شاسعة عن نظرائهم الأميركيين، حتى مع لحاظ وجود محطة رادار حديثة، شيدت في السنوات الأخيرة في جنوب روسيا.

وما يمكن قوله خلاصة هو أن الوجود الروسي في طاجيكستان يُعد جزءاً أصيلاً من معادلة الصراع الدولي، وإن روسيا تتكئ على الطاجيك لتحقيق أهداف جيوسياسية كبرى، ترتبط مباشرة بمستقبل دورها العالمي. وسوف تستمر هذه المعادلة ما دامت الدولة الطاجيكية أسيرة احتياجاتها الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، إلا أن توجهات الطاجيك الأخيرة تشير إلى أن ثمة تتغير أولي بدأ يأخذ طريقه في المعادلة القائمة، أو على الأقل هكذا تبدو الصورة اليوم.

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر