2009/08/28

تل أبيب مقابل الضاحية.. ديمونا مقابل ناتانز


علي شهاب

لم تحظَ الفقرة التي سُربت من كلام أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، خلال لقائه وفدا من المغتربين، حول معادلة "تل أبيب مقابل الضاحية" باهتمام كبير في الإعلام الإسرائيلي، على عكس ما كان متوقعا.

هي ليست المرة الأولى التي يتعمد فيها الإسرائيليون إغفال حديث السيد في إعلامهم؛ خطاب "الأشلاء" في ذكرى عاشوراء، بعيد حرب تموز، غاب أيضا عن عناوين الصحف الإسرائيلية، على الرغم من حساسية الجبهة الداخلية إزاء هكذا ملف.

ولئن كانت عملية التفاوض حينها تفرض على القيادة السياسية الإسرائيلية التعتيم على خطاب نصر الله آنذاك بهدف التخفيف من قيمة هذه الورقة، فإن "الصمت" المريب عن "تل أبيب مقابل الضاحية" يفترض دلالات أكثر خطورة، مع الإشارة إلى أن التعليق الوحيد على هذه المعادلة أتى، بشكل غير مباشر، من رئيس الأركان غابي اشكينازي الذي استبعد حصول توتر على الجبهة الشمالية مع حزب الله.

تقتضي المصلحة الإسرائيلية حاليا الدراسة المعمقة لإشكالية تحييد حزب الله لحظة ضرب إيران.

ليست الإشكالية جديدة. طوال السنوات الماضية، حمل أكثر من موفد أجنبي هذا السؤال إلى القيادات اللبنانية، لكنه صار أكثر إلحاحا على ضوء سباق الدبلوماسية الغربية مع الزمن و"نفاذ الصبر" الإسرائيلي إزاء برنامج إيران النووي.

في هذا السياق، تتركز النقاشات الإسرائيلية – الأميركية حول المحاور التالية:

أولا: يدرك حزب الله جيدا أن هناك تحضيرات جدية لهجوم إسرائيلي عليه. السؤال المطروح هنا: هل يفتح هذا الهجوم الباب على حرب إقليمية؟

ثانيا: تتحدث تقارير غربية عن "نقاشات" داخل القيادة العسكرية لحزب الله بخصوص موقف الحزب عند مهاجمة إيران. اللافت هنا أن الموقف الإسرائيلي من هذه النقاشات المزعومة يستحضر حديثا عن "تعب في صفوف قوات حزب الله نتيجة الاستنفار الدائم منذ حرب تموز 2006".

ثالثا: لم يكن حادث تفجير مخزن الأسلحة في بلدة "خربة سلم" عرضيا، بحسب التقارير الغربية. المعلومات الإسرائيلية، التي تعاون على جمعها أكثر من طرف في القوات الدولية، تتحدث عن 100 مخزن مشابه ترصدها إسرائيل كأهداف رئيسية من شأن ضربها "تفتيت القدرة الصاروخية الإستراتيجية" لحزب الله في أي مواجهة مقبلة.

رابعا: ليس من مصلحة إسرائيل الدخول في حرب برية مع حزب الله. في المقابل، يدور النقاش في الدوائر الغربية حول حد فاصل تستطيع من خلاله إسرائيل "تحييد" حزب الله، قبل ضرب إيران، من خلال استهداف مراكز عملياتية محددة تزعم إسرائيل أن من يديرها هم ضباط في الحرس الثوري في لبنان.

خامسا: تستبق إسرائيل الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية بخطوات عملانية، تترافق مع أخرى دبلوماسية غربية، من شأنها "تعزيز الانقسام بين قيادات حزب الله حول طبيعة موقفه من ضرب إيران"؛ ودائما بحسب التقارير الغربية.

سادسا: يتحضّر حزب الله، بحسب التقارير، لمواجهة انزالات إسرائيلية ضخمة في منطقة البقاع، بهدف قطع أوصال الإمدادات من سوريا. في هذه النقطة، لا يبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقف كثيرا عند تقديرات الخسائر التي ستُمنى بها في حال مضت في تنفيذ هذه الخطة، بل هي تُبرر ذلك بـ"الصيد الثمين" الذي يمكن أن تجنيه، في إشارة إلى خطة وضعها حزب الله، بحسب المزاعم الإسرائيلية، "بهدف تأمين العديد من قياديه في مساكن وملاجئ آمنة في منطقة الزبداني السورية" عند بدء المواجهة.

لا تنتهي الفرضيات الإسرائيلية والغربية عند هذا الحد، لكن سياقها جميعا يميل نحو توافق على ضرورة تحييد حزب الله قبل التفرغ لإيران.

وهنا، لا بد من الإلفات إلى مستجدَين بارزين:

- تشهد النقاشات الأميركية المتخصصة والمعنية بالملف الإيراني، في الآونة الأخيرة، ظاهرة خطيرة تكمن في عدم توقع رد فعل عسكري أو أمني إيراني كبير على ضرب المنشآت النووية، كما تروّج مواقف القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية منذ سنوات، أو حتى كما كانت تحتمل الكثير من الدراسات العسكرية الأميركية في عهد إدارة جورج بوش.

- هناك سوء تقدير لحقيقة ما يجري في إيران، إلى حد البناء على معطيات غير دقيقة. مصادقة مرشد الثورة على رئاسة أحمدي نجاد (وتخطي قضية مشائي) إضافة إلى "اعترافات" أبطحي وقدرة الحرس على ضبط الأمن كلها مؤشرات على مُضي إيران في سياستها الماضية، بل تشير مواقف قادة النظام إلى مزيد من التشدد في الملفات الخارجية. أما بخصوص المعارضة التي يبديها رموز الإصلاح لإرادة المرشد الأعلى السيد الخامنئي فيكفي الإشارة إلى إعلان خامنئي نفسه في حفل تنصيب نجاد أن "الانتخابات الرئاسية أثبتت أن بعض الخواص هم من مدعّي إتباع نهج الإمام الخميني"، في تلميح واضح إلى أنه يهيئ الشارع لاتخاذ قرارات حازمة ومفاجئة تجاه خاتمي وموسوي..وربما الشيخ رفسنجاني.

في ما يخص الملف الإيراني أيضا، يتناقل مقربون من مكتب المرشد عبارة لطالما رددها الإمام الخميني في بدايات الثورة مفادها أن "الحفاظ على الجمهورية الإسلامية أولى من الروح المقدسة للإمام صاحب العصر والزمان"، في إشارة إلى المهدي؛ الإمام الثاني عشر لدى الشيعة. إن تفسير هذه المقولة يعني ببساطة أن مؤسسات الثورة العسكرية والأمنية ستذهب إلى أقصى الحدود في دفاعها عن نظام ولاية الفقيه. وفي الوقت نفسه، هي تراقب عن كثب التحركات الإسرائيلية (ومعها البريطانية والأميركية) التي تتحين التوقيت المناسب لتوجيه ضربة إلى البرنامج النووي.

قبل أيام، أعلن قائد الحرس الثوري الجنرال محمد علي جعفري أن بلاده ستقصف المنشآت النووية الإسرائيلية في حال شنت إسرائيل هجوما على إيران. ليس الهدف من هذا الموقف دعائيا؛ فقد تحدثت الصحف البريطانية قبل أكثر من سنة أن ترسانة من الصواريخ الإستراتيجية الإيرانية موجهة بالفعل نحو مفاعل ديمونا.

بالموازاة، خرج الرجل الغامض في إيران المسؤول في فيلق القدس قاسم سليماني بتصريح بارز أعلن فيه عن تعبئة 7 ملايين من عناصر الباسيج. وبغض النظر عن دلالات التصريح، فإن نفس إطلالة سليماني، الذي يشكل اسمه كابوسا حقيقيا للأميركيين والإسرائيليين، بشكل علني يدّل على الجدّية والخطورة التي تلامسها تقديرات الحرس الثوري بالنسبة للأخطار التي تُحدق بإيران.

تكاد مؤشرات الحرب على إيران (والتداعيات المرافقة قبل وبعد) لا تنضب.

بالأمس أعلن البنتاغون عن بدء تنفيذ مشاريع عسكرية عاجلة لصالح القوات المسلحة الأميركية في القدس المحتلة، حيث يجري العمل على إنشاء 450 وحدة تردد إذاعي لصالح القوات الجوية والبحرية في المنطقة، فضلا عن منح شركة "فاليرو" الضخمة للتسويق والإمداد في ولاية تكساس النفطية عقدا مفاجئا لتزويد الجيش الإسرائيلي بالوقود.

في المحور المقابل، كان قائد القوات الجوية في الحرس الثوري العميد حسين سلامي يعلن أن سلاح الجو الإيراني يواجه "مشكلة قلة مخازن الصواريخ الإستراتيجية" نظرا لكثافة الإنتاج، في حين كان أمين عام حزب الله يطلق المعادلة الجديدة " تل أبيب مقابل الضاحية"!

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر