2009/09/17

الشعوبيون ج 2

علي طالب


خير ما ابدأ به الجزء الثاني من موضوعي عن الشعوبيين هو , السلام,لأن السلام هو تحية الأديان الأساسية(و بالتالي عماد رسالتها) و هنا سأتحدث عن شعوبية المتدينين و خصوصاً العرب المسلمين

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته, سلام محمد و عيسى و موسى و الياس و اليسع و شعيب و لوط و حتى جبرائيل و عزرائيل و إسرافيل, سلام المهاجرين و الأنصار و السنة و الشيعة و اليزيديين و اليهود و النصارى و الأحناف و كل من يدعي انه تابع لدين

أُُشقلب لكم قول امرئ القيس

اليوم خمر وغدا أمرا ، لا صحو اليوم ولا سكر غــــــــــدا

ليصبح:

اليوم أمر و غدا خمرا, لا سكر اليوم و لا صحو غدا

فيا إخوتي المؤمنين بجميع تشكيلاتكم لنؤجل سكرنا حتى نعوم في انهار خمر الجنة أو ماء حميم جهنم,و لنصحو (بل لنمتنع عن النوم) لكي نعبد ربنا , ليس في الصلاة و الصيام فقط, بل وفي عمارة أرضنا و إنقاذ أنفسنا مما يحاك لنا من دمار و تخريب, و ربما إبادة عن وجه هذا الكوكب.. فلن ينفعنا حين ذاك تعذرنا أمام رب السلام و العمارة و العمران أننا كنا نقيم شعائر صلاة أو صيام أو حج بعد أن فسق مترفينا و جهلائنا و مرتزقة فقرائنا في قرانا و مدننا و تحولنا إلى أكبر مخربين و مدمرين حتىّ لأنفسنا.. و أعظم الفسق و التخريب و الدمار و الإرهاب هو الخيانة و تنفيذ برامج الأعداء

و على كل حال فإن الجالسين على مقعد مرحاض العروبة (سواء أكان مقعد عربي أو إفرنجي) , ينقسمون لخمسة أنواع:

النوع الأول:الشعوبيون العرب المتدينين, الكهنوت أو الأكليروس أو رجال الدين و تابعيهم و خصوصاً المتأسلمين...فبالرغم من كون الإسلام و العروبة المتحدرة من جزيرة العرب في زمن حديث نسبياً,(لأن هناك عروبة بلا اسلام كانت تنتشر في بلاد الشام مصر و العراق قبل الإسلام بكثير), بالرغم من كون هذه العروبة و هذا الإسلام وجهان لعملة واحدة و صنوان لا ينفصلان كالتوأم السيامي, إلاّ أن هذا التوأم غالباً ما يقتتل مع بعضه و يلحق أفدح الأذى بنفسه في صراعات على السلطة السياسية,و قد حدث الصراع على السلطة في البداية بين القبائل العربية في جزيرة العرب كما حدث في معارك بدر و أحد و حنين و الخندق بين الوثنيين و اتباع الدين الإسلامي الجديد و كذلك بين المسلمين العرب و اليهود العرب كما حدث في غزوات بني قريظة و بني قنيقاع و بني النضير و انتقل الصراع بعد وفاة الرسول محمد عليه الصلاة و السلام إلى مناحي أخرى متشابهة الجوهر و إن اختلفت أدواتها و تجلياتها كحروب الردة بين المسلمين العرب و أتباع مدعي نبوة جدد كمسيلمة الكذاب و سجاح و الأسود العنسي, و قد عبر مسيلمة عن هذا الصراع الذي اتخذ طابع الصراع الديني بين نبيين برسالته لمحمد التي قال فيها : لقريش نصف الأرض و لنا نصفها و لكن قريش قوم لا يعدلون, إذن مسيلمة انشق على أساس مناصفة الأرض و بالتالي السلطة عليها و ليس على أساس عدم قناعته بدين محمد أو نبوته فهو قد اعترف بشرعية نبوة محمد ضمنياً و لكن المسألة تكمن باقتسام سلطة النبوة السياسية على الأرض و خيراتها,وكانت إجابة النبي الحقيقي له (الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين)

و استمر الصراع يحمل أوجه مختلفة بين المسلمين العرب أنفسهم كما حدث بين آل المهاجرين و آل الأنصار و بين آل قريش و غيرهم من آلات القبائل و بين آل أبي سفيان و آل هاشم و غيرها من الصراعات التي تحدث داخل الجسد الواحد لهذا المخلوق السيامي الملتصق في معظم أعضائه الحيوية,و بالرغم من المحاولات المستميتة لأطراف هذا الصراع لربطه بالتنافس على ارضاء الرب و على الفوز بالحياة الآخرة فإنهم كاذبين بعلم الله, و ما هو سوى تنافس على الفوز بالحياة الدنيا بعيداً عن أي آخرة كانت

و هذا الصراع في مجمله بني على أسس قبلية مناطقيه(إمبراطوريات المدن) و ليست عرقية و إن تقنع بقناع الحق الديني من عدمه,فالصراع الأول بعد الرسول محمد صلى الله عليه و سلم نشأ بين المهاجرين و الأنصار (أهل المدينة و أهل مكة) وخير تعبير عن ذلك كان القول المنسوب لأبي بكر رضي الله عنه في مجادلته لأهل السقيفة من الأنصار : مناّ الأمراء و منكم الوزراء(و الله سبحانه و تعالى لا يقسِّم الأمر بين عباده المتقين أمراء و وزراء؟؟و ليس عنده أكابر و أصاغر؟؟!! و إنّ أكرمكم عند الله اتقاكم)...و بعد البيعة لأبي بكر و ميلان الكفة لصالح أهل مكة في اعتلاء سدة الحكم نشأت جذور الصراع المبني على التفاوتات القبلية بين أهل مكة أنفسهم (المهاجرين), بين بني هاشم و بني أمية و غيرهم من قبائل مكة و الذي مازلنا ندفع ثمنه غالياً حتى اليوم على أيدي رافعي رايات الذود عن الشيخان (أبو بكر و عمر ) أو قميص عثمان أو الثأر لعلي و الحسن و الحسين منذ مقتل عثمان و معارك صفين و الجمل و استباحة المدينة و مكة و لن ينتهي النزيف بما يحدث في العراق,و على الرغم من كل الهرطقات و الوثنيات السنية و الشيعية و الخوارجية, فإن هذا الصراع كان مبنياً على أسس الاستحواذ على السلطة الدنيوية و ليس له أي أساس ديني بين قوم موحدين متحدين حول إله واحد كما هو المفترض منطقياً, و ما زال يتكرر بدافعية أنانية دنيوية جوهرها الاستيلاء على الحكم أو السلطة و بالتالي الاستئثار بالغنائم و الخيرات مهما كانت الأقنعة التي تستعمل لتبرير ذلك و هو كذلك ليس مبنياً على أسس عرقية لأنه و منذ البداية كان يجري بين أناس منتمين لنفس العرق و يقطنون نفس المنطقة الجغرافية و هم عرب جزيرة العرب,

فهذا الصراع بشكل أو بآخر لم يختلف في جوهره عن الصراع على الحكم الذي قام بين كُليب وجساس في ملحمة الزير سالم و إن تمايزت الخرافات التي رافقت هذا أو ذاك لتبريره من حكاية ناقة عجوز جساس إلى حكاية(نحن الأمراء و أنتم الوزراء) أو قميص عثمان أو أن آل هاشم هم ورثة ابنهم محمد عليه أفضل الصلاة و السلام

و من هنا فإن الصراع تأسس في بداياته و مازال على عوامل ليس فيها للعروبة التي نحن فيها أو الإسلام ناقة أو بعير و لا حتى شروى نقير.......و كل ما يمكن لصقه بدور كل من(العروبة و الإسلام) هنا هو تظريطات و فساء من يجلسون في بيوت خلاء هذه أو تلك

و على فكره فإن ما حدث من مآسي حينها في الصراع على السلطة لم يكن غريباً و يخصنا وحدنا دون غيرنا من الأمم , و من يشك في ذلك فليراجع تاريخ توحد الأمم الأخرى و تكونها ليرى ما تشيب له الولدان من مجازر و مذابح على هذا الطريق الانتقالي من مرحلة لأخرى عبر الزمان و المكان.. و التساؤل هنا ليس عن الماضي بل عن تجاوزه و استقرار الحاضر للخلف أم إلى الأمام

و بالقفز من الماضي إلى الحاضر القريب نجد ان الشعوبيين المتأسلمين في العصر الحديث قلبوا الأدوار, فكما استعمل معاوية ابن أبي سفيان قميص عثمان كغطاء و مبرر للسيطرة على الحكم , استعمل الإخوان المسلمون قميص سيد قطب كغطاء في صراعهم على السلطة مع الحركة العروبية ممثلة بالنظام الناصري.. (أنا هنا لا ابرر إعدام عثمان أو سيد قطب بل أعيد الصراع لأسسه فقط, مع التأكيد أن لي في الأمر وجهة نظر ليست مما يخص الموضوع)

المهم في الأمر أن صراع الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر على السلطة في مصر , هو بالضبط مشابه لما يحدث داخل حلبات مصارعة الثيران,وكما يحدث في حلبات هذه المصارعة, أخذ الثور الإخواني ينطح الراية العروبية الحمراء التي يحملها مصارعو النظام القومي الناصري و يحاول تمزيقها لتأكيد سيطرته على الحلبة مع اختلاف بسيط هنا و هو أن ثورنا يرفع راية خضراء حاول مصارعو الرايات الحمر تمزيقها أيضاً(سنأتي على ذلك في الجزء الثالث عندما نذكر دور الشعوبيين العروبيين و ليس مهماً من الثور و من المصارع هنا فكلهم في الاستبقار و تنفيذ سياسات الاستعمار سواء )...

و بالعودة إلى المستبقرين المسلمين,فالإخوان في حينه و بعد أن رفعوا راية الإسلام و أعلنوا الجهاد المقدس ضد عبد الناصر و ما يمثله و كفروا العروبة حتى ولو كانت مسلمة(على نمط عنزة و لو طارت), تحالفوا في حربهم المقدسة المنزهة عن مآرب الحياة الدنيا؟؟!! مع أنظمة أشد كفراً و بعداً عن الإسلام كنظام آل سعود الذي مسخ جزيرة العرب إلى إقطاعية لآل سعود و لم يحاولوا حتى نشر مفاهيم اجتهادات دعوتهم هناك و ذلك لغاية الآن.. و الأدهى و الأمر هو تحالفهم النجس مع النظام الجدعوني الصهيوني في الأردن و الذي لم يكن يخفى على أي مهتم الدور المناط به منذ تأسيسه على يد جحافل المستعمرين الإنجليز و الذي يعتبر أساس ضياع القدس و فلسطين التي تعتبر من أثمن أملاك المسلمين عامة و المسلمين العرب بصورة خاصة, فأين حقيقة تكفير العروبة و العروبيين من حقيقة التحالف مع غلاة و أصل الكفار علناً و الكفار المستترين المنافقين؟؟؟؟و أين حقيقة ابتغاء الآخرة من ابتغاء الدنيا في أفعال الإخوان؟؟

و بالطبع لم يكن آخر هفوات الإخوان المعادين للعروبة التحررية (الكافرة؟!) هو تحالفهم مع النظام الساداتي و السعودي و الهاشمي و الباكستاني في تنفيذ مخطط أمريكا في أفغانستان, فهل هذه المنظومة الاستعمارية التي تحالف معها الإخوان ترفع شعارات إيمانية و تحقق مصالح إسلامية أكثر من شعار الناصريين (وحده حرية اشتراكيه) أو البعث (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) ... و هل فعلاً الهجمة الشرسة على العروبة و تشكيلاتها السياسية و السلطوية و الفكرية كانت تصب في خدمة الإسلام فعلاً أم في خدمة أعداء الإسلام و العروبة المشتركين؟؟

و هنا اختتم الكلام الذي لا ينتهي عن دور الشعوبيين من رجال الأكليروس الإسلامي عن واقعه حقيقية حصلت معي مؤخراً , فأنا معروف بتأيدي المطلق و غير المشروط لحركة حماس بتبنيها لمنهج المقاومة و فقط المقاومة دون أية مساومة أو تفريط, و بناء على المعرفة هذه تقرب مني أحد شباب الإخوان في محيطي و أراد أن يلاطفني أو يقتنصني بإقناعي بالانضمام لهم فقال (اسمع يا أبا فلان(يقصدني) انت رجل مخلص و أمين و رائع و (حقّاني) أي انك مناصر للحق و لو على رقبتك , و لكنك مشبوه بقوميتك العروبية(مشبوه بفعل المنكر, يا سلام ؟؟!!), أريد أن أطلعك على سر, الشيخ (الجليل؟!) محمد متولي شعراوي أفشى لأحد ثقاته قبل وفاته رحمه الله بسر, انه بعد انتصار إسرائيل عام 67 و هزيمة جمال عبد الناصر, قام و صلى لربه ركعتي شكر, لأن هزيمة القومية كانت نصراً للإسلام و خطرها لو انتصرت كان أشد من خطر الصهيونية عليه؟؟!!

و قسماً بكل القيم و المعاني السامية و الرموز و الأسماء العظيمة التي أومن بها, أن هذا ما حصل معي دون تلفيق أو تزييف.. اعترتني موجة عظيمة من الغضب أوشكت أن تلقيني في أحضان الكفر المباح أو الخيانة الأوسلوية الغير مباشرة أو الخيانة المباشرة مع الموساد... و لم يعدني إلى رشدي سوى نور انبثق في فؤادي أراني نفسي جالساً مستريحاً في حضن الشعراوي ذاته لو دفعتني موجات الغضب إلى الوقوع في ما ذكرته أعلاه, فهذا الصفيق الشعراوي هو الوجه الأكثر قذارة للخيانة و الاستسلام , أليس هو معبد الطريق أمام السادات ليسير بخيانته و يفتح بوقاحة درب السقوط في الحضن الصهيوني عندما قبل وزارة الأوقاف حينها بعد أن رفضها كل من يملك ذرة شرف أو دين في حينه و هو من أفتى بالاستسلام بقوله أن صلح كامب ديفيد يشبه صلح الحديبية و إن جنحوا للسلم فاجنح لها في تحوير متعمد حقير للقرآن, فلم ينقذني من السقوط المؤقت أو الدائم سوى أنني عرفت أنني لا يمكن أن أعالج الأمر بالهروب من الشعراوي و أمثاله إليه,بالهروب من السقوط إلى السقوط

و أخيراً أقول لهؤلاء الشعوبيين المتدينين زيفاً, أليس دينكم من يدعو لوحدة أممية بين السند و الهند و الصين و كل أرض ستان؟, أوليس قرآنكم الذي أنزل بلسان عربي مبين؟؟ و هل لو تذاكى عبد الناصر و أعلن نفسه خليفة على نمط معاوية ابن أبي سفيان أو أبوجعفر المنصور أو السفاح أو التركي سليمان كان سيتم الترطيل به و إنشاد الأهازيج حول محفة عرشه شرط اعترافه باقتسام السلطة مع رجال الكهنوت كما فعل هؤلاء و كما يفعل الآن آل سعود و آل الشيخ محمد ابن عبد الوهاب,و لا بأس بالمحتوى و الجوهر مهما كان؟؟

الإسلام لا يتعارض مع الوحدة العربية و الوحدة العربية لا تتعارض مع الإسلام, و أي تعارض ما هو سوى تعارض يكون أحد طرفيه أو كلاهما مسيلمة الكذاب , و أملي في النهاية أن تكون تنظيمات المقاومة الجديدة ممثلة بحماس و حزب الله أدوات لتغيير حقيقي على مسيرة رجال الكهنوت التي اكتوينا بنيرانها و ليست مجرد أقنعة على نمط تمسكن حتى تتمكن,و لا واسطة أو وكيل أو حجاب بين الله و بين أي من عباده و لو كان من بني هاشم أو من بني العباس أو أمية أو من بني ظرطان , لا بابا و لا ماما(كما لدى المسيحيين) و لا رضي الله عنه أو عنهما أو ابن باز أو القرني أو ابن اعثيمين(كما لدى المسلمين) و الأرض في النهاية لله يورثها من يشاء و العاقبة للمتقين.. و إلى اللقاء في الجزء القادم حول شعوبية العروبيين

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر