2009/09/17

الشعوبيون. ج 3


علي طالب


في الجزء السابق تناولت القسم المُقنّع بالدين من أعداء العروبة و مهاجميها و خصوصاً المسلمين السنة و على رأسهم الإخوان المسلمين بسبب الصراع بين أساس الإخوان في مصر و بين التجسيد السياسي الأساس للقومية العروبية الحديثة ممثلة بالنظام الناصري في صراع على السلطة السياسية و ليست السلطة القيمية و الخلقية أو الدينية , و هذا لا يعني عدم وجود تيارات دينيه أخرى غير الإخوان السنة قامت بمهاجمة الحركة القومية العروبية و وصلت بها حد التكفير كعلماء الدين السعودي الذين كان دافعهم في مهاجمة القومية الناصرية و القومية بشكل عام هو تربعهم على رأس خدمة المصالح الإمبريالية و خصوصاً الأمريكية في المنطقة و حرصهم على الأجر الممنوح لهم و لأسيادهم الحاكمين من آل سعود المجرمين و بما ان النظام القومي الناصري طرح نفسه نظرياً و عملياً كنظام تحرري مناهض للاستغلال الاستعماري كان لا بد من الصدام بين رأس حربة التحرر من نير الإستعمار و بين نُظّار و غَفَر العزب الاستعمارية و خصوصاً أكبر عزبة أو إقطاعية و هي الإقطاعية السعودية..

أما بالنسبة للطائفة الشيعية و التي تعد أكبر طائفة بعد السنة بين المسلمين فإنها لم تدخل الصراع ضد العروبة في ذلك الزمن لأن الحركة الاستعمارية جنحت لاختيار وكلائها و كلابها لنظارة و حراسة الحظائر الإقليمية التي أنشأتها من الأغلبية السنية لكي لا توفر ذريعة لهذه الأغلبية للثورة عليهم فاختارت للمهمة آل جدعون المنتسبين زوراً لآل هاشم و سُلّموا السلطة السياسية في الأردن و سوريا و العراق و بقايا فلسطين, و كذلك آل مرخان (مردخاي) السعوديين, فهؤلاء و مع ارتدائهم للقناع العروبي السني فإن الأحداث التاريخية تثبت الجوهر الشيطاني العملي لدينهم و انتمائهم العرقي الحقيقي سواء أكان صهيونياً أم إجراميا بلطجياً بلا أصل, و لذلك اختارهم الإستعمار لأنه لا خطر منهم ان يعملوا على توحيد العرب تحت اليافطة العربية الإسلامية التي لا يمتلكونها أصلاً...

و من هنا كانت الطائفة الشيعية بجماهيرها و رجال دينها المؤثرين أقرب للثورة و معاداة الإستعمار لأنه (أي الإستعمار ) لم يقدم لأي شريحة من شرائحها أية خيار للمشاركة في السلطة السياسية أو الحكم و ترتيباته و بالتالي كانت أقرب لتقبل الحركة العروبية(و حتىّ الشيوعية) لأنها توفر لها إطار أكثر حرية للتعبير عن نفسها من الإطار الاستعماري الحاضن للدين السياسي الرسمي الإسلامي السني الخادم للاستعمار, و قد حدث انقلاب هائل في توجهات هذه الطائفة في العراق على أرضية الصراع بين النظام البعثي و سلطة رجال الدين الإسلامي الشيعي بحيث رأينا بعض رجال دينها المؤثرين على شاكلة بحر العلوم و الحكيم يبزون الخيانات السنية بحجم الصفاقة و الحقارة عندما دخلوا على ظهور دبابات الغزو الهمجي الصهيو أمريكي للحصول على حصة من السلطة السياسية التي تنازعوا عليها مع النظام البعثي في العراق سابقاً و هم بذلك قدموا نموذجاً أكثر دناءة للإستقواء بالمستعمر من دناءة الإخوان في صراعهم مع النظام الناصري أو رجال الدين السعوديين في تبريرهم لهذا الغزو الهمجي المنطلق بكل نجاسته عبر أرض النبوة الطاهرة(فالغاية هنا الوصول للسلطة السياسية حتىّ و لو تم هذا عن طريق وسائل تهدم أسس دين و دنيا هذه الأمة العربية الإسلامية)

و لكن بالرغم من ذلك فإن هذه الطائفة تبقى أقرب للعروبة عملياً من الطائفة السنية(على مستوى رجال الدين في كلا الطائفتين) لأن العروبة أكثر راحة لهم في التوصل للسلطة السياسية ضمن أغلبية سنية من الطرح الطائفي الديني كما نرى من ميول حزب الله في لبنان التي تميل للتوجه العروبي و حتى الأممي و من هنا نرى ايضاً تركيز ممثلي العهرة و العاهرات في لبنان من آل السنيوره و الحريري على النفس الديني الطائفي السني العميل للاستعمار لضمان دعم الأغلبية السنية في العالم العربي ..هذا بالنسبة للمسلمين أما بالنسبة للطوائف الدينية الأخرى و على رأسهم المسيحيين فإنهم على الأغلب كانوا مع الحركة العروبية لأنها توفر لهم هامش للانسجام مع المحيط أوسع من النظام الإسلامي بشكل عام و السني السعودي الإخواني بشكل خاص و لذلك نجد ان الكثير من رموزهم الفكرية و السياسية كانوا من رواد الحركة القومية عدا بعض العملاء المباشرين للاستعمار كآل الجميل و شمعون ( كميل شمعون عندما استجلب القوات الأمريكية إلى لبنان في إطار مجابهة المد الوحدوي العربي و الذي تمثل بالوحدة المصرية السورية و انقلاب الجيش العراقي على النظام الملكي الهاشمي العميل عام 58, و بشير الجميل في تحالفه مع الصهاينة و جعجع و لحد و سعد حداد , و كذلك ظاهرة أقباط أمريكا الجدد الذين يسعون لترسيخ قومية قبطية جديدة في مصر مرتكزة على التمايز الديني المسيحي المسلم فهم يسعون لتحويل المسيحية القبطية إلى قومية على شاكلة اليهودية الصهيونية فهؤلاء اختاروا قوة الإستعمار المباشرة للحصول على سلطتهم السياسية دون أية تمويهات كما كان و ما زال يفعل الأذناب المسلمين الذين ما زالوا يتقنعون بقناع الانتماء العربي

بعد هذه التكملة للجزء السابق ننتقل لدور الشعوبيين القوميين بذاتهم

في نظري أن السعي للمشاركة في السلطة السياسية هو حق مشروع لأي مكون من مكونات هذه الأمة العربية و لكن ان يكون هذا السعي مرتكزاً على مرتكزات متفجرة يقود انفجارها إلى تفتيت كل المكونات بما فيها المكون الذي يسعى للمشاركة في السلطة فذلك جريمة لا يمكن تقبلها و النتيجة التي تفقأ العيون هو ما نحن فيه من حاضر شديد الظلام و المرارة و يقود للعدم الكامل.. و المصيبة تكتمل عندما تتحول المرتكزات التوحيدية كالعروبة و الدين(و على الرأس الإسلام كدين الأغلبية) إلى مرتكزات تفتيتية و قد تناولت دو المتدينين في عمليات التفتيت و الآن جاء دو القوميين (و على الرأس العرب كون العروبة قومية الأغلبية ايضاً), فالذين يرفعون سيف العروبة لفظياً نجدهم من أشرس الناس في تمزيقها عملياً و بدرجة تفوق ما تمزقه الأقليات العرقية, فهذا هو ملك العرب المتربع على العرش في جزيرة العرب يلغي حتى الاسم الطبيعي لجزيرة العرب و يستبدله باسم عائلته المشكوك حتى في أصولها , فبينما مر رجال و عائلات ذات تأثير ايجابي أكبر بما لا يقاس بالمقارنة مع البلطجي المجرم الجاهل عبد العزيز آل سعود على مجمل الحياة في شبه الجزيرة العربية فإن أسماء هؤلاء الرجال و أسماء عائلاتهم لم تغلب على النسب العربي لهذه الجغرافيا, فلم تسمى هذه الجزيرة باسم الجزيرة القرشية او الهاشمية أو الأموية أو العباسية نسبة لمكة و محتوياتها أو الأوسية أو الخزرجية نسبة للمدينة و قبائلها أو الحاتمية أو الطائية نسبة لحاتم الطائي أو الكلبية أو السالمية نسبة لأول ملك للعرب (جلالة الملك المغفور له كُليب ابن ربيعة أو أخوه الزير سالم) أو العنترية نسبة لعنترة العبسي و قمة العبثية و اللامعقول تأتي من أن أشهر شخصية و أكثرها تأثيراً في تاريخ جزيرة العرب بشكل خاص و العرب بشكل عام لا بل و العالم (محمد ابن عبد الله الهاشمي القرشي) لم يعطي اسمه أو جزء منه أو أي اشتقاق أو تلوين له لهذه الجزيرة , لا بل و طغى النسب السعودي الدنيء القميء على نسبه الشامخ و أصبح يُعَرّف بأنه رجل سعودي على رأي المطرب الفقيه محمد عبده أجلّكم الله

هؤلاء المستعربين(فرق المستعربين اسم يطلق على فرق خاصة أنشأها الجيش الصهيوني لمطاردة و أسر أو قتل المقاومين الفلسطينيين و يتم إلباسهم الملابس العربية الفلسطينية التقليدية و تعليمهم اللغة و العادات العربية لتسهيل حركتهم في الوسط الفلسطيني دون جذب الانتباه لمهامهم الإجرامية) فهؤلاء المستعربين على رأس الأنظمة الخليجية جمعاء و النظام الهاشمي في الأردن أثبتوا تاريخياً أنهم أذناب للحركة الاستعمارية(لا بل و جزء أصيل منها) بدءاً ببريطانيا العظمى و انتهاء بأمريكا الأعظم,

و كما أشرت في الجزء الأول من الموضوع حول الهدف المقدس للقوى الاستعمارية لمنع وحدة الجغرافيا العربية تحت أي إطار توحيدي كان , أممي فلسفي أو ديني أم عرقي جنسي أو حضاري فكان المطلوب من هؤلاء أن يتمسحوا بالعروبة (النقية جينياً) لفظياً بينما يتربعون على رأس محاربي التوحد العربي, فهذا ملك العرب و ذلك فارسهم و ذاك شاعرهم و لم يبقى أمام هؤلاء المستعربين سوى أن يضعوا على كل زريبة أو قن دجاج في شبه الجزيرة العربية واحداً من صناديدهم و يسمونه أبو القن أو خادم القن أو القنين أو الأقنان المنصور باللات و العزىّ و العصبيات القبلية ابن الأعور الدجال.. و العجيب مع تمسح هؤلاء بالعروبة أنهم العدو الأول و الأساس لتوحد العرب داخل دولة واحدة حتى لو كانت تحت راية (خليفة إسلامي أو إمبراطور عربي ؟؟!!) منهم, فالتفتيت(الهدف الاستعماري) هو جوهر و أصل الإيمان و الانتماء عندهم و ما عداه من أمور منظور بأمره بفتاوى فرسان العرضه و مضامير سَبَق الجحشات و رجال دين طرد الأرواح الشريرة و ممارسة الجنس القويم, و لو كان الأمر ضياع الأقصى و تدنيس ثرى أرض النبوة تحت أقدام أصحاب الحمار أو الفيل, فلديهم و لدى شيعتهم إصرار غريب على نسب أنفسهم للعروبة النقية جينياً التي يفتكون بها, و هؤلاء المستعربين تجاوزوا كل العثرات و المعيقات التي ظهرت في طريق ترسيخ كينونة هذه الأمة و توحدها عبر التاريخ, فجساس الذي صارع ابن عمه كليب على سلطة الحكم على أسس قبلية و لو كان تحت يافطة مقتل ناقة عجوز أبلاها الزمن اسمها البسوس كان سيمد سيطرته على محيطه لو انتصر في حربه و كان سيوحد القبائل تحت راية انتماء أوسع من راية قبيلته كما فعلت قريش تماماً و كذلك مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة لمنازعة النبي محمد صلى الله عليه و سلم على سلطته السياسية بتعبيره الواضح جداً عندما أرسل رسله للمفاوضة على اقتسام الأرض بينه و بين الرسول (لقريش نصف الأرض و لنا نصفها), حتى مسيلمة هذا كان سيوحد محيطه تحت سيطرته في كيان سياسي واحد لو كان انتصر في حربه و قد بدأ بذلك فعلياً قبل ذلك بفتح طريق الوحدة بين قبيلته و قبيلة سجاح بزواجه منها ,أما هؤلاء فيضعون أنفسهم حواجز على طريق سنة الله أو الطبيعة أو التاريخ في التطور من الأصغر للأكبر و من الفرد إلى العائلة فالعشيرة فالقبيلة فالشعب فالأمة, وهذا لا يمكن ان يحدث إلاً بفعل تأثير خارجي خارج عن تفاعل الأحداث الذاتي الداخلي , نعم هؤلاء تعلموا من فشل غيرهم من المعيقات الطبيعية الداخلية كتعلمهم من تجربة مسيلمة, فبدلاً من أن يخترعوا ديناً جديداً فتتوحد ضدهم كل مكونات الدين القديم رفعوا راية هذا الدين اسمياً و لكنهم بالفعل أفرغوه من محتواه الخلقي و التوحيدي و عبئوه بمحتوى فاسق ماجن توريثي تفتيتي تجهيلي و أطلقوا عليه اسم حركة التصحيح الوهابية(فصار الإسلام الوهابي التصحيحي مشغول بقيادة المرأة للسيارة من عدمها بينما قضية تدنيس الأقصى أو نهب بترول جزيرة العرب من توافه الأمور,و الإهتمام بها من البدع القومية أو الشيوعية أو الرافضية و كل بدعة ضلاله و كل ضلالة في النار).. و بدلاً من ان يخترعوا قومية جديدة نظرياً بحيث يضعوا أنفسهم في مواجهة العروبة العرقية و الحضارية, اعتلوا عرش النسب العربي(النقي) و لكنهم أعادوا العروبة إلى عصر الإنسان الأول إلى عصر العائلة الفردية القِرَدِيّةِ بحيث نسفوا القومية من أساسها و أعادوها لقومية قطعان متسلقات الأشجار من ذوات المؤخرات البارزة الحمراء, فكوّنوا الدول العائلية و لو كانت دولة قرية كإمارة الشارقة أو عجمان مبنية على سلطة قرد آدمي اسمه المكتوم أو المخروم, و بهذا وفروا الفرصة للقوى الاستعمارية لكي تتلاعب بالمكونات القبلية المنتمية من بعيد للعرق العربي او المنتمية حضارياً للقومية العربية المتطورة كالمكون الإفريقي الأسود فصار بالإمكان بسببهم أن يحدث ما لم يكن بالحسبان كالذي يحدث في العراق و السودان و ربما غداً في القاهر ة و سوريا و لبنان .. و عندما احتاجوا للتعاون ضد مسيرة التاريخ التقدمية باحتواء الأكبر للأصغر انشئوا أحلافاً ظاهرها التوحد و باطنها الحفاظ على التفتت كمجلس التعاون الخليجي, إذن و خلاصة الأمر ان هؤلاء المستعربين رفعوا شعارات العروبة بهدف هدم العروبة كما فعلوا بالإسلام, و الواقع العملي يثبت ذلك دون حاجة للف أو الدوران و تجربة تدمير العراق و تفتيته خير مثال على أهدافهم أو أهداف أسيادهم الفعلية..فماذا كان سيحدث لو بلع العراق السياسي الكويت السياسية هل كان ذلك يشكل كارثة على العروبة و الإسلام التي يدعون انهما أصل الانتماء

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر