2009/09/18

أساطير الأخيرين


علي طالب

تقول الأسطورة:
أن قوما يسكنون في بلاد يقال لها روبابيكا كانوا يعبدون إلهاً ديمقراطياً اسمه( ديموئيل), و كان هذا الإله يخيّر عباده كل أربع سنوات ماذا يريدون أن يكونوا, و كان بإمكانهم الاختيار من قائمة طويلة ممكن أن يكون عليها شكل و نوع الإنسان, كالعاقل و الجاهل و الأصفر و الأحمر و الأسود و المريض بأنواعه و السليم بأنواعه...إلى آخره, فمثلاً في أحد أيام حرية الاختيار الديموئيلية اختار رئيس دولتهم النزول على رغبة شعبه و التحول من اللون الأبيض العاجي إلى الأسود الفحمي فدعا (الرب ديموئيل) أن يحقق له أمنية شعبه فيه,استجاب الإله لخيار عباده الصالحين و تحول الرئيس كما أراد و أرادت جماهير أمته و تم ذبح الأضاحي و تقديم القرابين في احتفال مهيب تخلله الكثير من الفعاليات الاحتفالية و إطلاق الألعاب النارية التي أضاءت السماء طويلاً شكراً للرب الذي استجاب لرغباتهم في تلوين الرئيس

جبار كان من سكان أحد الجزر القريبة من مدائن الديموئيليين و بما أن الديموئيليين كانوا أكثر تطوراً و مدنية من سكان الجزيرة البدائيين انتقلت ديانة المتقدمين للمتخلفين و صارت زوجته(أي زوجة جبار) من أشد هؤلاء إيماناً و إخلاصاً( لديموئيل) بعد حضورها لدورات تثقيفية في الديانة الديموئيلية يتخللها أحياناً بعض أعطيات الرب على شكل حذاء على الموضة أو طقم أحمر شفاه أو جهاز هاتف محمول أو بعض المال السائل و أحياناً علبة من النسكافيه مع المُبيّض لزوم سد الحاجات الضرورية للعيال, و صار لها حظوة خاصة عند الرب حسب قول الكاهن الأعظم شفطائيل رئيس كهنة معبد الرب الذي تم تشييده في الجزيرة بمكرمة من شعب الولايات المتحدة الروبابيكية و الذي كثيراً ما كان يُسر في أذن الزوجة أنها من أجمل النساء التي قابلهن بالرغم من وزنها الذي يزيد عن المائة و خمسين كيلوغرام

و جبار هذا حصل على اسمه لأن والده الذي كان يعمل نشالاً تعيس الحظ من الدرجة العاشرة لدرجة أن الناس لقبوه بلقب أبي النحس, المهم في الأمر يا ساده يا كرام,أن أبي النحس سطا يوماً على شقة ناس أنعم و فضّل (ديموئيل) عليهم و يسر لرب العائلة العمل في قطاع الاستيراد و التصدير و حصلوا على ثروة كبيرة من استيراد و تصدير الفراخ أيام انتشار أنفلونزا الطيور, و لكن بسبب من أن أبي النحس منحوس , فحظه النحس لم يفارقه تلك الليلة أيضاً, فما أن دخل من نافذة المطبخ حتىّ وجد أن المنزل محروساًً من قبل كلب شرس هجين من فصيلة كلاب الشوكو واوا ,

بادره الكلب بالتأوه فور دخوله , وا وا واو واه,فارتبك من تأوهات الكلب اللعين الذي بالكاد رآه و خشي الفضيحة فهم بالهرب من حيث أتى و أثناء فراره و جد صورة بجانب النافذة ظنها من اللوحات التي يسمع عنها في حكايات مقاهي الحارة و التي تباع بقناطير من الذهب الخالص فحملها و لاذ بالفرار , و عندما وصل وكره استحضر خبراء مهنته و عرض عليهم الصورة فأخبروه أنها صورة عادية قد تكون لابنة صاحب المنزل الذي سطا عليه و أنها لا تساوي نكله في سوق اللوحات الفنية, ركن الصورة بجانب سريره و كان يتأملها في كل لحظة صفاء روحي تعقب خروجه من السجن أو عودته من سرقة تمكن فيها من اغتنام ما يكفي لسد رمقه , و مع تكرر لحظات الصفاء الروحي مع الصورة عشقها و نسج في خياله حياة عشق كاملة كما يحدث في أفلام فريد الأطرَشيل و عبد الحليمئيل فكان دائماً ما يغني لها أغنية (عدت يا يوم مولدي) لفريد الأطرشيل التي يقول في مقطع منها(عدت يا يوم مولدي عدت أيها الشقي, ليتك يا يوم مولدي كنت يوماً بلا غد) عندما تصده في خياله إلى درجة فقدان الأمل في الوصل و وصول الأمر به درجة التفكير بالانتحار, و أحياناً أغنية عبد الحليمئيل (جبّار) عندما يتخيلها خانته بعد أن ارتمت في أحضان حبه و التي يقول في مقطع منها(جبار .. جبار .. جبار,.. في رقته جبار,.. في قسوته جبار,.. خدعتني ضحكته,..وخانتني دمعته,.. وما كنتش أعرف قبل النهارده,... إن العيون دي تعرف تخون بالشكل ده,..ولا كنت أصدق قبل النهارده, إن الحنان يقدر يكون بالشكل ده,.. جبار .. جبار) و لذلك و بعد زواجه(من غير صاحبة الصورة) و إنجابه لابنه البكر أسماه جباّر تخليداً لذكرى حبه الدفين

و بالعودة لبطلنا (جبّار) فلقد تمكنت زوجته المؤمنة من اصطحابه لمعبد الرب بعد طول إلحاح لعل ديموئيل يُشفق على حالته و يفتحها عليه, و يريحه من الشقاء الذي هو فيه, دخل الزوجان المعبد و استقبلهما الكاهن الأعظم و بعد الترحيب الحار أشار لهما لمكان درس ديني في الجندر أحد فروع الديانة الديموئيليه.. دخلا و جلسا بين جموع المؤمنين و أخذ الواعظ يعظهم في الجندر , و كل ما رسخ في ذهن جبار من الدرس أنه لا فرق بين الرجل و المرأة , وهنا لم يتمالك نفسه من القول بأعلى صوته (ازاي ما فيش فرق؟؟ ازاي يعني هي الست اللي دايماً في أمان البيت و ظل السقف و نعيم الثرثرة مع النسوان ما فيش بينها و بين الراجل الغلبان اللي بيحفى على شان لقمة العيال و طلبات الست الهانم..لع لع ما يصحش.. مافيش فرق ازاي؟؟)

بحلقت فيه عيون الزوجة و عيون الكاهن الأستاذ و عيون المؤمنين و بعد لحظات صمت قال الأستاذ الكاهن بصوت عميق:(نعم يا جبار , ما فيش فرق إلاً بالشكل , بالبروزات أو التجاويف, لكن ما عدا ذلك فرق ما فيش ... أصل الست بتتعب أكثر من الراجل كمان, و الست يمكنها ان تقوم مقام الراجل في كل شيء و الراجل مقام الست كمان)

جبار : يعني ازاي, هو الراجل يقدر يصير ست و الست راجل ..لع , لع مستحيل

الكاهن: ربنا العظيم ديموئيل بيقول كده

جبار: طيب أنا داخل في عرض ربنا العظيم , يحولني ست أقعد في البيت و يحول مراتي لراجل

زوجته في تحدي: و انا موافقة كمان

الكاهن: التحويل حاجه مجربنهاش من قبل, بس ديموئيل اللي قدر يحول الرئيس من أبيض لأسود , ليس على قدرته شيء مستحيل

و فجأة أظلمت السماء ثم شقها صوت هزيم الرعد و أنارها لمعان البرق و انقشعت الحالة عن تحول جبار لامرأة و زوجته لراجل و غادر الجميع القاعة بعد أن سجدوا لديموئيل

مر شهر فإذا بجبار المُستؤنِث و زوجته المُستَذكِرة يطرقان باب المعبد في منتصف الليل.. و لما فتح الكاهن لهما الباب أمسكا بأطراف ثيابه و انهالا تقبيلاً على يديه و جميع أجزاء جسده و حتىّ الحذاء الرياضي المريح الذي ينتعله , و هما يرجوان و يتوسلان بكل ما يَسّر لهما به ديموئيل من وسائل التوسل و الدعاء أن يساعدهما الكاهن و يتوسط لهما عند الرب ليعيدهما لما كان عليه حالهما قبل التحويل

تساءل الكاهن: مالكما؟؟ هل صبئتما؟؟, ترفضان نعمة الرب عليكما مع إنكما أصبحتما مثالاً لنعم ربنا على عباده المتقين..

الإثنان بصوت واحد: حاشا للرب,

جبار: انا فاض في, من طلبات العيال و الغسيل و الطبيخ و ...........

زوجته: و انا كمان طهقت من المرمطة في الأوتوبيسات و الوقوف في الطوابير و استعباد رب العمل و وحشتني صحبة أم خليلئيل و أم حسنينئيل و ...

الكاهن بقرف و ترفع: طيب , و بما ان ربنا دموئيل رب دموئيلي و ليس دكتائيلي سأرجوه أن يعيدكما كما كنتما من زمان... ذهب الكاهن و غاب لبرهة وجيزة ثم عاد و خاطبهما: سبحان دموئيل , لقد عرف بمسألتكما قبل ان أرفعها اليه, و وجدته بعد علمه قد استجاب لطلبكما مع انكما من عباده الناكرين للجميل و الجاهلين, فهو و بالرغم من استعداده لتلبية خياركما قبل انتهاء مدة الأربع سنوات لتتاح لكما فرصة الإختيار من جديد, إلا انه يبلغكما أسفه لأن الأمر لم يعد بيده,فجبار حامل في شهره الأول و لا بد لكما من الإنتظار تسعة شهور و بعدها حتى يبلغ المولود أشده أربعين سنة و حينها سيكون قراركما ليس من شأنكما وحدكما بل سيكون الخيار الأساس فيه للمولود الجديد حسب شريعة ديموئيل

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر