2009/09/02

اقرأوا ألف باء التفاوض


خالد أبو حيط

التفاوض هو في الأساس عملية اتصال وتواصل بين خصمين في موقعين مختلفين تهدف الى الوصول الى تسوية ما بهدف تحقيق اتفاق يحرز أفضل النتائج الممكنة بالنسبة لكل طرف. ووفقاً لهذا التعريف الموجز والجامع في آن، يمكن الاستخلاص حكماً أن التفاوض ليس هدفاً بذاته، بل هو وسيلة لتحقيق هدف أو مجموعة من الأهداف. والتفاوض بذلك هو آلية وليس استراتيجية. إنه لحظة في سياق الصراع أو الاختلاف وليس تجميداً لمسار التاريخ. يبدو جلياً أن الطرفين الفلسطينيين، حكومة غزة التي تفاوض على إطلاق سراح الجندي شاليط، وكذلك حكومة رام الله التي تفاوض على مستقبل الشعب الفلسطيني بكامله، محتاجان الى من يذكرهما بأبجديات التفاوض... الى دليل عملي حول كيفية إجراء التفاوض.



بداية يجب الإجابة عن سؤال أساسي: هل يعتبر التفاوض في هذه اللحظة التاريخية هو الخيار الأفضل؟ كلمة خيار هنا لها معناها الجوهري، لأنه عندما يصبح التفاوض خياراً وحيداً، فمعنى ذلك أنه ليس تفاوضاً بل انجرار نحو تقديم التنازلات. فإذا ما تأكد أنه الخيار الأفضل، يمكن الانتقال بعدها الى الاستعداد للمشاركة في العملية التفاوضية.



والاستعداد للعملية التفاوضية مرحلة تسبق التفاوض ذاته. وهذا الاستعداد يشمل: تحديد الأهداف والغايات من التفاوض، تحديد الوسائل التي يمكن استخدامها في التفاوض، معرفة الإمكانيات الذاتية مع التحوّط دائماً الى عدم تقديم كل ما يمكن تقديمه والاحتفاظ بأكبر إمكانيات، معرفة أهداف الخصم، والتركيز على المسائل الأكثر حيوية بحيث يشكل خسرانها هزيمة نكراء. والأهم من كل هذا، تحديد نوع التفاوض وجرّ الخصم الى النوع الذي يحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب مع دفع أقل الأثمان. مرّة أخرى ينبغي تحديد ما هو جوهري وما هو شكلي بالنسبة لك.



وتنقسم عمليات التفاوض الى أنواع متعددة. فوفقاً للتكتيكات المتبعة فيه، هناك التفاوض الشامل (صفقة كاملة)، وهناك التفاوض الجزئي (خطوة خطوة). ووفقاً للاستراتيجيات، هناك التفاوض على قاعدة: أنا أربح وأنت تخسر، أو على قاعدة: خذ وهات، أو على قاعدة: سأخسر وأجعلك تخسر، أو على قاعدة: اربح ودعني أربح... لكن بالتأكيد لا أحد يدخل عملية تفاوض على قاعدة: سأخسر أنا وتربح أنت... ليس لأنها جنون أحادي، بل لأنها جنون مزدوج... فالخصم الذي يمكنه أن يدفع عدوه الى خسارة كل شيء ليس من مصلحته التفاوض معه أصلا، إلا إذا كانت عملية التفاوض مجرد تسمية لعملية أخرى: التوقيع على صك استسلام، وفي هذه الحالة يجب تسميتها باسمها الأصلي: محادثات استسلام.



أما عملية التفاوض، فإنها عملية شاقة وطويلة ومرهقة تحتاج الى مهارات خاصة واستعدادات ومناورات كبيرة، بعضها يسير بهدوء، وبعضها يجب أن يكون صاخباً. أولى ركائز التفاوض هي تقييم الذات. فبما أن الخصم مضضطر للجلوس معي على طاولة واحدة، فلا شك أنني أملك شيئاً يحتاجه بقوة، هذه واحدة. ولا شك أيضاً أنه فشل في الحصول عليه بطرقه الأخرى. هذه ثانية. عملية تقييم الذات هذه يعني تحديد ما أملكه، وما أمثله.. وتحديد ما يريده الخصم، وتحديد ما الذي منعه من تحقيق هدفه أو أهدافه بالطرق الأخرى التي يملكها. في الحالة الفلسطينية: ما يملكه الشعب الفلسطيني حصرياً هو حقه المعترف به تاريخياً وشرعياً في أرضه التي أخرج منها، على الأقل في المنطقة الجغرافية المحيطة بالكيان الصهيوني، بمعنى آخر هو موجود في منطقة معادية له، ونحن، الفلسطينيين، نملك هذا الحق. هدف الخصم هنا: جرنا الى الاعتراف به، لأنه بدون هذا الاعتراف لن يستطيع مواجهة شعوب المنطقة المتواجد فيها حتى لو اعترفت الدنيا بأسرها بوجوده. ونقاط قوتنا أننا وحدنا نمتلك إعطاء مثل هذه الشرعية له، (ولا يعني هذا بالضرورة أن نعطيها له، على الأقل ليس بالكيفية التي يطلبها). والأهم أنه لم يستطع من خلال الحروب العسكرية المتواصلة ولا حتى من خلال اتفاقات التسوية التي أقامها مع بعض الدول العربية المحيطة به الحصول على مبتغاه، وذلك لأسباب ثلاثة رئيسة: الأول عدم قدرة الأنظمة العربية على فرض تسوية لا يوافق عليها الفلسطينيون على شعوبها، والثاني عدم قدرة الاحتلال على اقتلاع الشعب الفلسطيني بالكامل من أرضه، وعدم قدرته على إحداث إختراق مهم في التوازن الديموغرافي، والثالث: خاصرة إسرائيل الرخوة، وعدم قدرتها على خوض حرب استنزاف مستمرة ذي وتيرة منخفضة. الأمن بالنسبة للكيان الإسرائيلي مسألة وجودية مصيرية، وما دامت هناك رصاصة واحدة تطلق بين الحين والآخر، فإنه سينجر رغما عنه الى تقديم تنازلات، ولا سيما في ظل عجز جيشه عن تحقيق انتصار حاسم.



الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، رحمه الله، أدرك في أتون حصار المقاطعة، أن ما يريده الكيان الصهيوني موجود في رأس قلمه، وما دام قلمه في جيبه، فلن تنفع الكيان لا الدبابات ولا الإدارة الأمريكية، ولا حتى التخاذل والتآمر العربي.

الركيزة الثانية من ركائز التفاوض هي تحديد الخطوط الحمراء: تحديد الأرضية صفر التي لا يمكن التنازل عنها قيد أنملة، وتحديد السقف الأعلى الذي يمكن منحه للخصم. بدون تحديد هذين الحدين، فإن عملية التفاوض تنقلب وبالاً، ومن الأفضل في هذه الحالة قلب الطاولة بالكامل. وتحديد الخطوط الحمراء ليس عملية مزاجية يتحكم بها الطاقم المفاوض، بل هي بالأصل الحقوق الثابتة للشعب، والتي لا يملك أي كان التلاعب فيها. فحل عادل لمسألة اللاجئين ليس أرضية صفر، بل تنازل جسيم يرتقي الى مستوى الخيانة العظمى. الأرضية صفر في هذه المسألة هي عودة اللاجئين الى منازلهم وقراهم التي أخرجوا منها، وكذلك تعويضهم عن كل ما عانوه. إن الحديث عن قبول إعادة اللاجئين الى الدولة الفلسطينية تعتبر حفر بئر ليس له قرار في أرضية الخطوط الحمراء. وهي جريمة نكراء بكل المقاييس. كذلك الحال لا يمكن القبول بدولة فلسطينية كسقف أعلى للمطالب الفلسطينية، بل يجب اعتبار حرية تنقل الفلسطيني في كل فلسطين التاريخية هي أدنى درجات هذا السقف. وبالمقابل، لا ينبغي بحال من الأحوال القبول بيهودية إسرائيل.. في أقصى الحالات يمكن الموافقة على تواجد اليهود جنباً الى جنب مع الفلسطينيين على أرض واحدة. هذا يستدعي بالضرورة إعادة النظر في هدف العملية التفاوضية القائمة اليوم على أساس دولتين لشعبين.



في هذه النقطة، يبنغي العودة والاستعانة بالتاريخ، ولا ينبغي الخجل من ذلك. الكيان الصهيوني يروّج إعلاميا وفي كل ساعة ادعاءات كاذبة تعود الى ألفين أو ثلاثة آلاف سنة، في حين لا أحد يتحدث عن تاريخ قريب جدا، يعود الى ستين سنة خلت. إن الارتكاز الى التاريخ، لا ينبغي أن يكون بدراسات أكاديمية، بل حملة علاقات دولية، وحملة إعلامية مكثفة عند كل مناسبة. سخيف هذا الشعور الذي يسيطر على المفاوضين بأنهم يتحرجون ذكر كل ما يعتبره الكيان الصهيوني إساءة. ينبغي الصراخ في كل لحظة عن مجازر عام 48، والتذكير بأن هناك أكثر من مليون وربع فلسطيني لا يزال موجوداً في أرضه، وبمجزرة دير ياسين، ومجازر الاحتلال المستمرة، وبإخياء ذكرى القرى المدمرة والتي تهجر أهلها... في كل يوم ذكرى ومناسبة. يجب إحياء يوم القدس العالمي، ويجب إحياء ذكرى النكبة، وحرب لبنان، ومجزرة صبرا وشاتيلا، ليس من قبل التنظيمات والفصائل واللجان الأهلية فحسب، بل يجب رعايتها من قبل السلطة ذاتها... ويجب الرد على الادعاءات الصهيونية بأن المحرقة النازية ليس الفلسطينيون من قام بها، بل من أقاموا المشروع الصهيوني. يجب توجيه أصابع الاتهام الى الصهيونية ذاتها على أنها استمرار لحملة المعاداة للسامية... أوروبا التي كرهت اليهود وكرهت المسلمين، أقامت لليهود دولة بين المسلمين لتتخلص من الفئتين. يجب إحياء كل هذا التاريخ دون خجل ودون زيف.



الركيزة الأخرى التي يجب أن يقوم على أساسها التفاوض هي التمسك بالجانب الأخلاقي. يجب التركيز على أخلاقية ما يقوم به الجانب الفلسطيني ولا أخلاقية ووحشية الممارسات الصهيونية. هناك آلاف الفرص المهدورة التي كان يمكن الاستفادة منها في كشف زيف الادعاءات الأخلاقية ليس للمارسات الجيش الإسرائيلي وحسب، بل لأساس المشروع الصهيوني برمته. المقاومة الفلسطينية ليست ارهابا وإن ارتكبت بعض الأخطاء. من يفجر نفسه في دورية يهودية ليس انتحارياً، بل مجاهد يعبر عن أعلى حالات الرفض للوضع القائم.. ليس من فجر نفسه هو الظالم بل من أوصله الى هذه الحالة. تشويه الجثث واستئصال الأعضاء البشرية يجب التركيز عليهما بقوة. رئيس الحكومة الإسرائيلية – أي رئيس كان – لم يتوان لحظة واحدة عن الحديث عن الهمجية الفلسطينية... لماذا لا يفعل الفلسطينيون المثل.. يجب إدانة كل عمل صغير يقوم به الجيش الإسرائيلي، صبح مساء، حتى ولو كان قطع شجرة يابسة، يجب استغلال أخطاء الخصم... فتعرية الخصم أخلاقياً أصل من أصول التفاوض ودفعه الى تقديم التنازلات.



هنا لا بد من الاعتماد على ركيزة أخرى من ركائز التفاوض: توظيف العلاقات، والاعتماد على جماعات الضغط والمؤازرة. هناك الكثير من أنصار القضية الفلسطينية حول العالم، جمعيات، ونقابات، بل ودول بكاملها.. للأسف الشديد لا تتم استخدام هؤلاء من أجل نصرة الحق الفلسطيني، الأمر الذي من شأنه لو حصل أن يعطي الجانب الفلسطيني أوراق قوة إضافية. غير أن توظيف العلاقات والاعتماد على جماعات الضغط يحتاج الى جهد كبير ومضني.. فهو يحتاج الى تنظيم جهود، وإلى بروباغندا إعلامية، والى علاقات ميدانية، والأهم من هذا وذاك، يحتاج الى وضوح رؤية، وسياسة محددة وواضحة. لم يتخل الشارع العربي عن القضية الفلسطينية بدليل حضور هذا الشارع دوماً في كل الأزمات الكبرى. لكن أصحاب القضية تخلوا عنه، فلم يقيموا صلات مع الشارع بهدف تنظيم الجهود، ولا قدموا له رؤية سياسية واضحة ومحددة. الفلسطينيون والعرب والمسلمون موجودون في زوايا العالم الأربع، وهم بالتأكيد أكثر عدداً من اليهود، لكنهم مشتتين لأنه ليس هناك من ينظم لهم جهودهم، أو يقدم لهم آليات تحرك واضحة تتناسب مع أوضاعهم، ولم يستخدم طاقاتهم. الكثير من المثقفين والأحرار في العالم في أوروبا وأمريكا اللاتينية يناصرون القضية الفلسطينية، ومن بينهم يهود.. لكن لا أحد يستفيد من هؤلاء.. ذلك لأن قادتنا وسياسيينا مؤمنون بأن الحلول تأتي من أعلى.. من رأس السلطة في واشنطن، وهو توهم خاطىء أتبتت كل التجارب عدم جدواه. الارتكاز الى العلاقات وجماعات الضغط من شأنه كذلك أن يحصن المفاوض الفلسطيني.



وفي هذه النقطة، تنبغي الإشارة كذلك أن المعركة الإعلامية لا تقل ضراوة عن المعركة السياسية في الأروقة المغلقة. هناك لحظات للحديث الإعلامي الهادىء، وأخرى للحديث بغضب وبصوت مرتفع. أكثر من ذلك، هناك تبادل للأدوار بين مختلف المسؤولين حول النقطة ذاتها.. هناك لعبة المصادر المقربة، ولعبة التسريبات.. والأهم من كل ذلك هناك حرب المصطلحات... ليس هناك أرض متنازعاً عليها، بل هناك أرض فلسطينية، حتى في حيفا ويافا والقدس وتل أبيب... لا ينبغي بحال من الأحوال السكوت عن أي مفردة أو لفظة تخرج من إعلام العدو أو على لسان مسؤوليه دون إصدار تصريح يصحح المفردات المستخدمة. إصدار قاموس مفردات متفق عليه يتم في نهاية العملية التفاوضية، لا قبلها ولا في أثناءها.



ومن ركائز التفاوض كذلك، استدراج الخصم خطوة خطوة، أو فن الامتصاص الهادىء. إنه عملية قضم لمطالبه، واستدراج له في الوقت عينه. ينبغي الاعتراف هنا أن هذا الفن صناعة إسرائيلية بامتياز، لكن يجدر الاستفادة منها واستغلالها لفهم آلية عمله من ناحية، ولمواجهته في الوقت ذاته. ليس في التفاوض شيء اسمه القبول بمسألة تفصيلية بالكامل أو رفضها بالكامل. يريد أوباما من الاسرائيليين وقف الاستيطان. هذه مسألة تفصيلية. أولا، حول الإسرائيليون الوقف الى تجميد. هذه قضمة. جعلوا للتجميد حداً زمنياً. هذه قضمة ثانية. التجميد لا يطال المستوطنات التي يتم العمل بها حالياً، هذه قضمة ثالثة. التجميد لا يطال القدس الشرقية. هذه قضمة رابعة... والحبل على الجرار. أما عندنا، فإنهم يقومون بخلع ثيابهم دفعة واحدة.



بالمقابل، ومن ركائز التفاوض أيضاً، أن لكل خطوة هناك ثمن مقابل.. مجرد القبول بالتفكير بالتفاوض يجب أن يكون له ثمن. الإعلان عن القبول بالتفاوض، يجب أن يكون له ثمن. تحديد وقت التفاوض يجب أن يكون له ثمن. الجلوس الى طاولة المفاوضات، يجب أن يكون له ثمن. القبول بتحديد جلسة أخرى يجب أن يكون له ثمن. أما التوصل الى نتيجة في مسألة ما فيجب أن يكون له ثمن آخر مرتفع جداً. الظهور بمظهر المفاوض المتطهر الذي يقدم كل شيء دون ثمن هو غباء سياسي بامتياز.. والقول أن ذلك يحرج الخصم إعلامياً هو برهان أكيد على ذلك الغباء المدقع.



الركيزة الأخرى من ركائز التفاوض، هي فن إعداد الكمائن، وأيضاً التنبه الى الكمائن التي يعدها الخصم. من الحذق والدهاء السياسي أن تعد لخصمك كمائن مغلفة بما يشتهي، تماماً كالكمائن المغطاة التي تستخدم في الغابات. إعداد مثل هذه الكمائن يتتطلب تحديد ما هو حيوي بالنسبة إليك، والمطالبة به بما لا يثير شكوك الخصم، بل ضمن مغريات تعميه عن هدفك الحقيقي. الكمائن لا تصلح للقضايا الجزئية، بل للقضايا الكبيرة بعيدة المدى. وبالمثل، يجب التنبه الى الكمائن التي ينصبها خصمك، والتساؤل دوماً عن القضايا الصغيرة التي يطرحها وهو يهم بالمغادرة.



ومن ركائز التفاوض أيضاً، الاستعداد لمواجهة اللحظة الأخيرة. لقد ابتدع الأمريكيون مواجهة اللحظة الأخيرة في التفاوض منذ مئات السنين. وهذه ركيزة تعتمد على جعل الخصم في حالة نفسية جاهزة للاتفاق، وتوضيب كل شيء على قاعدة أنك مستعد للاتفاق، ثم تقوم في اللحظة الأخيرة بإضافة طلب جوهري، كأن ترفع السعر مثلاً، أو تطلب تحسينات إضافية، وتجعله شرطاً للتوقيع.. مجدداً هناك ثمن لكل شيء. كلنا يذكر ما قام به الرئيس الراحل عرفات في حديقة البيت البيض عندما ادعى عدم معرفته بإحدى نقاط اتفاق أوسلو الذي كان بصدد التوقيع عليه. صحيح أنه لم يصل الى تعديل النقطة، لكنه أعطى إيحاء لجماهيره الغاضبة وقتها أنه ليس موافقاً على كل شيء. وقبله قام الرئيس الراحل حافظ الأسد بخطوة مشابهة. فقد كتب كيسنجؤر قائلاًٍ أنه تحدث مع الرئيس الأسد عقب حرب 73 في كل شيء، حتى في اسم الجندي الذي سيقف في الجولان وتحت أي شجرة سيقف، وعندما ظن أنه حانت لحظة التوقيع، قلب الأسد الطاولة، عندما قال له: لقد تحدثنا في كل شيء، لكن قل لي: ماذا سنفعل بقضية فلسطين! فانتهت المفاوضات دون توقيع. هذا نوع آخر من المفاوضات... إنه التفاوض لتقطيع الوقت، تحسيناً للظروف، ومواجهة للضغوط.



على أن المفاوض يجب عليه الانتباه الى نقطة أساسية وجوهرية، وهي الاستعداد في كل لحظة الى المواجهة الميدانية.. بعض النقاط لا يمكن حلها بالحديث المباشر ولا بالاتصالات أو الوساطات، بل لا بد من حلها بالذراع. من لا يملك القدرة على فرض إرادته على الأرض سيستيقظ ذات صباح وليس لديه ما يتفاوض حوله. مرة أخرى، فإن الحديث عن التفاوض ولا شيء سوى التفاوض حديث عقيم أجوف لا أمل له في الحياة. إنه استجداء أو استسلام ولا تسمية ثالثة لهما. ومن لا يصدق فليدرس كل عمليات التفاوض السياسي عبر التاريخ.





التفاوض بذاته ليس خطيئة. تكاد لا توجد في التاريخ البشري كله صراعات لم تتم فيها اللجوء الى التفاوض المباشر أو غير المباشر في لحظة ما. حتى النبي الأكرم عليه وآله أفضل الصلاة والسلام، تفاوض مع كفار مكة في صلح الحديبية. لكن التفاوض حول صلح الحديبية كان مدرسة في التفاوض. أولاً، جاء التفاوض بعد معركتين كبيرتين خاضهما المسلمون ضد قريش في بدر وأحد، حققا فيها انتصارات رائعة. ثانياً: حدث التفاوض بعد الالتزام بالجانب الأخلاقي: أن المسلمين لا يريدون احتلال مكة، بل يريدون الإطافة بالكعبة حقهم في ذلك كحق باقي العرب. هذا الأمر مكن المسلمين من تجنيب قوة قريش العسكرية الضخمة، الحابيش، الذين رفضوا قتال من يعظم الحرم رغم أنهم مشركون. ثالثاً: عملية التفاوض اضطرت إليها قريش بعد بيعة الرضوان تحت الشجرة حيث تجهز المسلمون للقتال لدخول مكة، أي أن عنصر الحسم العسكري لم يتم استبعاده، بل تم استخدامه بفاعلية. رابعاً: لم يقف النبي صلى الله عليه وسلم عند شكليات الأمور، مثل أنه أمر بمحو كلمة رسول الله، وقبل بإعادة من يأتي مسلماً من مكة الى المدينة، ولكنه في المقابل أخذ اعترافاً من قريش وهي تمثل ما تمثل في الجزيرة العربية وقتذاك، بالمسلمين كقوة موجودة، وبعدم التعرض لكل من دخل مع المسلمين في حلف. حتى حرب المصطلحات كانت جزءاً من الاتفاق. فعندما حضرت المسلمات مهاجرات الى المدينة قادمات من مكة، التزم النبي بالنص الذي يقول من حضر من الرجال وليس من النساء. والاتفاق كان مليئاً بالأفخاخ، من مثل أنه قال لأبي حصير: إنه مسعر حرب لو علم. وهو الاتفاق الذي باركه الله تعالى بقوله: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً".



لا أدعي أنني خبير تفاوض ولا مفاوضات. ولكن ما تقدم يعتبر ألف باء التفاوض السياسي. وأقترح على قارئيي هذا المقال تقييم أداء المفاوضين في السلطة الفلسطينية ووضع العلامات لهم. غير أنني استدرك هنا أن الهدف من المقال هو المساهمة الجزئية بحل هذا الفصام النكد في المشهد الفلسطيني حول علاقة السياسي بالعسكري، أو نهجي المقاومة والتفاوض. فهذا الفصام هو دليل عقم سياسي يحتاج الى إعادة نظر.

abouhait@hotmail.com

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر