صناعة الحياة وصناعة الموت


محمد فوزي عبد الحي

إذا أردت التعبير عن دعوة الإسلام بأيسر عبارة فإنها تعريف الناس بمعالم وشروط صناعة جنة الله في الأرض حتى يستحقونها في عالم الخلود، هذه الرسالة التي تعرّف الناس بربهم وخالقهم وتُعْلمهم بملامح العلاقة التي وضعها الحق تعالى بينه وبينهم، وبينهم وبين بعضهم البعض - هي التي تضمن صناعة الجنة في الأرض؛ صناعة الجنة بعدالتها وسلامها وأمنها ورفاهيتها.. وصناعة الجنة هي النموذج الأكمل لصناعة الحياة.

فالجنة دار حياة ويقين، ولذة ونعيم، وتسبيح وحب، وسرور مقيم؛ ولذلك كان أول كلام أهل الجنة: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" والذين يعرفون جوهر الرسالة الأسلامية يدركون جيدا أن الإسلام إنما هو وصفة كاملة ناجعة لقمع الظلم والفساد والخيانة والجهالة، وهو الترياق الفعال لاستئصال علل المجتمعات، وهو ثورة على المستبدين والضاليين والمفسدين والمنحرفين.

يثبت التاريخ يوما بعد يوم أن هذه الرسالة هي مصنع الحياة الخالد لصناعة الحب والسلام والعدالة واحترام الكفاءة وإنصاف المظلومين وتنمية الحياة وتطويرها على الوجه الصحيح دون نهب لثروات الأمم، ولا شن للحروب الإمبريالية التي تستهدف بيع البشرية في أسواق الحروب؛ كما كان – ولا يزال - دأب بني إسرائيل من عهد النبي حتى اليوم، أو بيعهم في سوق الخنا والفجور كما هو الملمح الأبين لثقافة الشذوذ والجنس والجسد الغربية والتي يحاولون جاهدين تصديرها وتزويقها للعالم الإسلامي.

صناعة الحياة هي رسالة دعوة الإسلام التي أنشأت حضارة العرب وأنارت ظلام الدنيا، صناعة الحياة التي أنهت إذلال البشر وتسخيرهم للملوك والقياصرة، هي التي حفظت أوعية العلم ووصلت بها آمنة للعصر الحديث، هي التي وطدت صرح العدالة حتى اقتصت للقبطي المواطن من ابن الأمير والأمير في مجلس الخليفة الثاني.

صناعة الحياة هي جوهر دعوة الإسلام؛ ولذلك كان قتل نفس واحدة بغير حق يعدل في جسامته قتل الناس جميعا، وكان إحياء نفس واحدة بالإنقاذ أو بالعفو أو المساعدة أو بغيرها يساوي إحياء البشرية جمعاء في ميزان الله الحي..

صناعة الحياة التي ضمنت حقوق الرعية على الراعي، وأوجبت العدل على الجميع في كافة المواقع، دعوة الإسلام التي ظهر فيها ديوان المظالم لمحاكمة كبار رجال الدولة وأبناء الأمراء والوزراء من خلال الراعي الأول للدولة حيث لا يمكن مقاضاتهم أمام القضاة.

دعوة الإسلام هي صناعة الحياة التي وضعت قانون العامل والأجير وفقا لقانون الله، وضمنت حق الفقير في الحياة، والحد الأدنى من الرفاهية من أموال الأغنياء التي لا بد وأنهم جمعوها من عامة الشعب الفقير، وضمنت وصول الحق لمستحقية، ولم تعط أي إنسان حق التجرؤ على جناب حدود الله بالعفو عن القتلة والمجرمين ولو كان رئيسا أو سلطانا؛ لأن حق الأمة لا يجوز أن يلغيه قرار أي فرد ولو كان القائد الأول.

صناعة الحياة التي جعلت الطهارة والعفة والحشمة والحياء والجمال أبرز أخلاقها التي تصاحب المسلم منذ ولادته وحتى تغسيله (تطهير جسده) وتكفينه (ستر واحترام آدميته) وهو في طريقه إلى مثواه الأخير..

إنها صناعة الجنة التي تطهر الروح البشرية والجسد البشري طهارة مادية وضوءً واغتسالا وغسلا لليد قبل وبعد الطعام وللثوب من أجل الصلاة وهي خمس مرات كل يوم، وطهارة مادية بالوقوف أمام الله كل يوم (الصلوات اليومية) وكل أسبوع (صلاة الجمعة) وكل فصل (زكاة الزروع والثمار) وكل حول (زكاة الأموال وعروض التجارة وزكاة الماشية ونحوها/صيام شهر رمضان وما فيه من قرب من الله ومراقبة له وخضوع لمشيئته) ووقفة أخيرة تجب مرة واحدة في العمر (الحج إلى البيت الحرام).

صناعة حبيبة للحياة والحب مع المصدر الأصيل والنبع الأول للحياة والحب حتى نتقن صناعة الحياة ونأنس بثقافة الحب..

صناعة الحياة التي تؤكد على أهمية الزواج، وتجعل من الزوجين مصدرين للحب والمودة والسكن والرحمة، وترغب في التكاثر إشباعا لغريزة الأبوة والأمومة، وتكميلا لصناعة الحياة وعبادة الله تعالى..

صناعة الحياة التي وفرت الحماية للضعفاء والمسنين والعاجزين والأرامل والمساكين؛ لم تأكل حقوقهم لصالح الأقوياء والمبذرين، ولم تنهب نصيبهم من ثروة الأمة لصالح سارقي الأمة من نواب القروض وأهل الحظوة.

صناعة الحياة لم تفرض الضرائب والصدقات على الفقراء، وتغض الطرف عن المحتكرين وباخسي حقوق الشعب ممن أشتروا أملاك الأمة بمال الأمة ثم ادعوا أنها أملاكهم!!

صناعة الحياة التي أوجبت الإحسان للوالدين والأقربين والجيران والمحتاجين، وجعلت على الميسور واجب النفقة على والديه وذويه وأخواته؛ صناعة الحياة لا تترك الوالدين لعاملات دور المسنين ولا تترك الأيتام بضاعة في سوق الرذيلة.

صناعة الحياة التي جعلت المراة ملكة متوجة ومنحتها حق التعليم والملكية والمشورة ثم جعلت نفقتها على والدها أو أخيها أو زوجها ولم تجبرها على العمل - ولو بشرف - أو السقوط عند انغلاق أبواب الحياة..

أما صناعة الموت التي تنشرها ثقافة المادة واللذة بقيادة قوى الاستعمار فلا تساوي حياة البشرية كلها شيئا في نظرهم؛ ولذلك كان نشر الحروب والأوبئة وتعقيم البشر وممارسة الإجهاض وتأخير سن الزواج والعلاقات المثلية لواطا وسحاقا جزءا من أفكارهم الشاذة لحفظ التوازن المختل بين القلة المتوحشة ممن لا يشبعون رفاهية ولذة وقتلا ودماء ومالا وبين أغلبية الشعوب التي تكدح من أجل لقمة العيش؛ كما في نظرية مالتوس (1766-1834) التي ضمنها رسالته عن السكان وهو يتحدث عن العلاقة بين النمو السكاني وإمدادات الغذاء..

صناعة الموت تعمل لصالح مئات معدودة من البشر يمتلكون مليارات الدولارات على حساب البشرية... ثقافة الموت تتاجر بالأطفال .. تبيع النساء في سوق الجنس.. تبيع أعضاء الفقراء في دور النخاسة البشرية المعروفة هزلا بالمستشفيات الخاصة..

صناعة الموت تبيعنا السلاح لنقاتل بعضنا بعضا حتى الموت .. تبيعنا المخدرات لنشرب ونقتل بعضنا بعضا حتى الموت .. قاموسها يعلن أن النفط أغلى من الدم، وأن الدولار أغلى من الإنسان..

صناعة الموت تحارب الزواج المبكر وتدعو النساء والرجال لشراب الجنس منذ نعومة الأظفار باسم الصداقة والعاطفة ومحاربة الكبت .. تنتج أفلام العري والجنس والجريمة، تمنع الفضيلة بالقانون وتقر الرذيلة بالقانون..

صناعة الموت تحارب النقاب والحجاب وتدعو النساء للتبرج والسفور حتى آخر قطعة من الثوب والجسد ..

ولكن أين المسلمون من دعوة الإسلام وصناعة الحياة؟؟ المسلمون وخاصة النخبة يتيهون حبا وغراما وتهياما بصناعة الموت، بل يتحرجون من رموزنا الحضارية، يرون أننا طفيليات غريبة على الثوب الحضاري الغربي البراق!!

لا بد للنخبة أن تفيق، أن تعرف أننا نرفض التطفل، ونرفض الوصاية، نرفض نظرتهم لنا، نحترم نموذجنا الحضاري، لأننا صناع حياة.. منافقو النخبة المارقة أخذوا فرصتم كاملة ليصنعوا الحياة؛ فقتلوا شعوبنا بشره، وشربوا دماءنا بقوة، ونهبوا ثرواتنا بسرف، حاربوا ديننا وثقافتنا وهويتها؛ ضيعوا قدسنا، وأباحوا أقصانا، أفقدونا الانتماء، نشروا الأكاذيب في كل ركن، وأسكنوا الفساد في كل زاوية، ولم يصنعوا الحياة..

بعد كل هذه المآسي، أليس من العدالة أن تأخذ دعوتنا الإسلامية الفرصة لصناعة الحياة؟



faqeeh2life@yahoo.com

0 comments: