2009/11/05

القدس عاصمة الدولة الفلسطينية ، القدس عاصمة الثقافة العربية



محمد ناصر


تتمتع مدينة القدس بمكانة عظيمة لدى معتقدي الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام لما لها من قدسية دينية وتاريخية في حياتهم .

ويجمع كبار المؤرخين وفلاسفة الحضارة أن القبائل الكنعانية التي سكنت جنوب الديار الشامية قد استقرت فيها منذ فجر التاريخ، وأول من يقول بهذا "التوراة" التي سردت تاريخهم القديم "وملكى صادق" وهو أحد ملوك اليبوسيين أول من أقام المدينة، وسميت مدينة "السلام" وكان هو وقبيلته من المعتقدين بالتوحيد، وبذلك تكون القدس أقدم بقعة ذكرها التاريخ آمنت بالله الواحد وفيها وضعت أسس الحياة الدينية منذ ما يزيد عن 4000 عام. وبرزت مدينة القدس في عهدهم كمدينة ذات أهمية تجارية لموقعها الجغرافي على طريق التجارة المعروفة في ذلك الوقت . وقد بينت التوراة في سفر التكوين هذه الحقائق عن القدس وملكها وعبادته: "وملكي صادق ملك "شاليم" أخرج خبزاً وخمراً وكان كاهناً لله العلي.


من المعلوم أن إسرائيل أعلنت ضم القدس الشرقية العربية إليها عام 1980 بعد احتلالها عام 1967 إلا أن هذا الضم لم يلق الاعتراف الدولي. ويحتاج الفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى تصاريح خاصة من الجانب الإسرائيلي لدخولها.

كما ويمنع الجانب الإسرائيلي أي نشاط للسلطة الفلسطينية داخل القدس المحتلة وقام منذ سنوات بإغلاق مؤسسة بيت الشرق في المدينة بحجة استخدامها من قبل السلطة الفلسطينية في نشاطات مختلفة ولازالت بعض المؤسسات الأهلية الفلسطينية تعمل في مدينة القدس المحتلة.

وكان وزراء الثقافة العرب أقروا خلال اجتماعهم العام الماضي في مسقط اعتماد القدس عاصمة للثقافة العربية للعام 2009 على أن تتقاسم الدول العربية فعاليات ونشاطات الاحتفال وتقام في جميع الدول العربية كما في القدس وسائر الأراضي الفلسطينية.

وذكرت اللجنة المشرفة على هذه الأنشطة، أن الاحتفالية ستركز على ثلاثة أبعاد تتعلق بزهرة المدائن، هي:«القدس ماضياً»، ويتم فيها استعراض المراحل التاريخية التي مرت بها القدس، و«القدس راهناً»، ويتم فيها تسليط الضوء على الواقع الحاضر للمدينة وإحداثيات المشروع الثقافي الفلسطيني الحالي والمساحة الضيقة ثقافياً التي تعيشها القدس في ظل سياسة الاحتلال وطمس الهوية، وتأثير العزلة المفروضة على المدينة عن محيطها الفلسطيني والعربي الطبيعي، و«القدس مستقبلاً»، بطرح الرؤية المستقبلية للمدينة ومساهمة الحدث في تثبيت فعاليات دورية للسنوات القادمة ومراجعة ما من شأنه الحفاظ على المدينة وتطوير بنيتها الثقافية وتنشيطها.

فكرة أن القدس عاصمة للثقافة العربية فكرة جذابة وخلاقة ، ولكن علينا أن نبتكر أساليب جديدة لتنبيه العالم ، كل العالم ، على أهمية القدس للعرب ولفلسطين وللعالم أيضاً. ولا يجوز أن تظل هذه المدينة محتلة من قبل جهة لا تعترف بأهميتها ، وتبحث فقط من بين آلاف الجدران والشواهد التاريخية على جدار واحد لتثبت أن لها حقاً في هذه المدينة ، لا نريد أن يمضي هذا العام دون أن يكون هناك عمل تراكمي يجمع ويوثق ويؤرخ ويضع الحقائق أمام العالم ، وقد يكون من الأهمية أن تصدر "موسوعة القدس" الذهبية بأكثر من لغة تؤرخ للقدس.

من الجهة الإسرائيلية، جاء قرار إعلان القدس عاصمة للثقافة العربية مثل صدمة. وفي حينه سعت إسرائيل لمعرفة سر القرار وأبعاده مع الدول العربية التي تقيم معها علاقات، وقررت عدم الدخول في مواجهة مع المشروع. وحسب بيان من وزارة الخارجية الإسرائيلية، فإنها رأت فيه «نشاطاً ثقافياً محدوداً لا يحمل مغزى سياسياً». ولكنها في الواقع العملي قررت مواجهة المشروع على طريقتها التقليدية. فمن جهة اتخذت الاحتياطات لمنع «أية مظاهر معادية لإسرائيل في المشروع»، وهنا قصدت استخدام سلطتها كقوة احتلالية لها شرطتها وحرس حدودها وحواجزها العسكرية ومستوطناتها. وستفعل ذلك بشكل مراقب، حيث أن الموضوع بالغ الحساسية بالنسبة لها. فهو مدعوم من اليونسكو، وإسرائيل تتعاطى مع اليونسكو بشكل ايجابي في السنوات الأخيرة، حيث أنها معنية بالحصول على مراكز قيادية في هذه المنظمة، كما أنها لا تريد أن تضع نفسها في موقع العداء للثقافة في العالم. ومن الجهة الأخرى، استغلت الذكرى الأربعين لاحتلال القدس وأعلنت عن 2007 كـ«سنة القدس عاصمة للدولة اليهودية الديمقراطية». وفي إطار هذا الإعلان، نظمت مئات الفعاليات الثقافية والفنية والسياسية والأكاديمية. وأقيمت عدة تنظيمات تعنى برفع مكانة الثقافة في «القدس الموحدة» (بعد الاحتلال مباشرة أعلنت إسرائيل عن ضم القدس الشرقية المحتلة إلى إسرائيل وتوحيدها مع القدس الغربية اليهودية في مدينة واحدة تسمى «العاصمة الأبدية لإسرائيل»). وقد رصدت إسرائيل لهذا المشروع ميزانيات ضخمة، من الحكومة والبلدية ومن المتبرعين اليهود والأجانب في العالم، هدفه الوصول إلى مستوى حيفا خلال عشر سنوات ومستوى تل أبيب خلال عشرين سنة، علما بأن هناك 64 مؤسسة ثقافية في القدس، ثمان منها تعتبر كبيرة ولها ميزانية بقيمة تزيد على 2.2 مليون دولار، بينما المرافق الثقافية في حيفا تساوي عشرة أضعاف هذا العدد وميزانياته وفي تل أبيب عشرين ضعفاً. وهذه المؤسسات في القدس تضم 11 مسرحا و 8 متاحف (بينها متحف ضخم في القدس الغربية لتاريخ وثقافة الإسلام) و7 فرق موسيقية، 3 فرق رقص و9 مدارس لتعليم الفن ودار للسينما و5 مؤسسات للفن التشكيلي.

ومع إن الاحتفالات بالقدس في إسرائيل قد انتهى موعدها، فإن هناك تواصلا للنشاطات الثقافية فيها، يتوقع أن تزيد وتكبر خلال الاحتفالات الفلسطينية بالقدس الشرقية. وكأنا بهم يقولون، حتى الثقافة العربية في القدس محتلة.

فإن «الاحتفاء بمدينة القدس عاصمة للثقافة العربية هو تأكيد على أنها جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وتكريس لبعدها السياسي كعاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة ومكانتها في الوجدان الديني والإنساني، وتجذير لهويتها العربية، ودعم للوجود الفلسطيني وصموده فيها، وتصد لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز للشعور بالانتماء الوطني والعربي تجاه هوية ثقافية عربية موحدة».

” من منّا لم يسمع عبارة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية؟؟! من منّا لم ير مسئولاً فلسطينيّاً واحداً يصرخ بأعلى صوته بأنّه لا سلام بدون القدس؟

من منّا لم ير أو يسمع تصريحات المسئولين الفلسطينيين من الرئيس وحتى المستشارين وصولاً إلى الموظفين يؤكدون جميعاً أنّ القدس على رأس أولويات السلطة الفلسطينية؟!

ونحن نصدّقهم ! ونعلم علم اليقين أنّهم يعنون ما يقولونه! وخير دليل على ذلك أنّ الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة سلام فياض أوجدا منصبي مستشار لشؤون القدس إضافة إلى وحدة القدس ! وهذا يؤكّد بما لا شكّ فيه أنّ القدس هي في القلب وفي العين وفي اهتمام القيادة الفلسطينية.

ولكن..

وهنا لكـــــن كبيرة، لنحكم على الأقوال بالأفعال، ولنبحث على أرض الواقع إذا ما تحولت تلك النوايا الرائعة إلى أفعال….!

على أرض الواقع نلاحظ في الآونة الأخيرة أنّ السلطات الإسرائيلية صعّدت من حملاتها ضدّ المقدسيين بصورة غير مسبوقة سواء كان ذلك عن طريق الضرائب والتي هي كابوس حقيقيّ قد لا يشعر به غالبية سكان الضفة الغربية أو عن طريق ملاحقات وزارة الداخلية الإسرائيلية للمقدسيين والتفنّن في إصدار التعليمات التي تحيل الحياة في القدس إلى جهنّم. ويجد الفلسطينيّ نفسه وحيداً في ساحة المعركة.

في القدس نجد أنّ المدينة تتحول إلى مدينة أشباح بعد الساعة السابعة مساء صيفاً، وفي الرابعة بعد الظهر شتاءا، حيث يفضل السكان البقاء في منازلهم أو التوجه إلى رام الله المليئة بالحياة، حتى أنّ الغالبية العظمى من تجّار القدس تحولوا إلى رام الله التي كانت في الماضي القريب تابعة للقدس وليس العكس.

نجد في القدس أنّ كل من يُهدم منزله يتلقّى، أو يوعد من قبل السلطة بتلقّي تعويض، عن منزله المهدّم.. لا يغطى في الواقع تكاليف إطعام الوفود الرسمية المتضامنة!!

نجد في القدس أنّ أيّ مقدسي يرغب بشراء منزل أو بيت في الضفة الغربية عليه تقديم طلب للأجهزة الأمنية الفلسطينية.. وبعد الفحص والتمحيص يصدر القرار إمّا بالسماح له بالشراء في رام الله أو بيت لحم أو لا يسمح.. لأنّه مشكوك فيه..

نجد في القدس أنّ أكثر من 73 % من سكانها يعيشون تحت خط الفقر، ولم يقم فيها أيّ مشروع اقتصادي واحد بدعم مباشر أو غير مباشر من السلطة الفلسطينية.. ولولا المسجد الأقصى الذي توليه المملكة الأردنية الهاشمية الرعاية، بتوجيهات مباشرة من جلالة الملك عبد الله الثاني، لأصبحت القرى المحيطة بالقدس أكثر حياة وبريقاً من القدس نفسها.

عاصمة التهويد والاستيطان

من الممكن جدا اعتبار مدينة القدس النموذج الأبرز في السياسة الاستيطانية للعقلية الصهيونية. فمن الناحية السياسية كان قرار ضم القدس في 27/6/ 1967 أول قرار اتخذته إسرائيل بعد الحرب. ومن الناحية العملية شهدت المدينة أسلوب التهجير عن طريق هدم الأحياء وتهجير سكانها ومصادرة ممتلكاتهم عن طريق الطلب من سكانها تقديم ثبوتيات ملكيتهم التي تعذر العثور عليها بعد الحرب، كما جرى استخدام قانون أملاك الغائبين الذي بموجبه أتاحت إسرائيل لنفسها السيطرة على معظم أراضي القدس وانتزاع أملاك الفلسطينيين العرب. ومن أجل توسيع هذا القانون بما يخدم أهدافها في مصادرة الأراضي، ألحقته بقانون "الحاضر الغائب" حيث يعتبر المالك غائبا عن المدينة التي يملك فيها بيتا وإن كان ذلك حاضرا في مدينة أخرى.

وأصدرت حكومة مناحيم بيغن قرارات تغطية قانونية أبرزها إعلان حق "دولة إسرائيل" في مصادرة الأراضي العامة والصخرية في الضفة الغربية وتقدر بمليون و200 ألف دونم وزيادة الاستيطان في العقدين الماضيين حسب "موقع عــ48ـرب" إلى 137% في المناطق المحتلة.

ولهذا يمكن اعتبار القدس نموذجا لسياسة الاستيطان نظرا للوسائل المستخدمة للسيطرة عليها وتهويدها. ومع انطلاق فعالياتها كعاصمة للثقافة وإجراءات الإذلال المفروضة على الوفود المشاركة ومنعها من الوصول إلى المدينة وفرض مجموعة إجراءات تهدف لمنع أي نشاط احتفالي في القدس أو داخل الخط الأخضر، ونشرت صحيفة "هارتس" 20 /3 لميرون بنبستي مقالا بعنوان "الحديقة الممجوجة" في إشارة إلى "حديقة داوود" المنوي إقامتها في حي البستان في سلوان، يقول فيه إن رؤساء بلدية القدس المتعاقبون عليها لديهم مهمة إلهية وروحانية، وهم يعملون دون أن يأبهوا بنتائج أفعالهم. هكذا تصرف تيدي كوليك حين أعلن عن إقامة الحديقة الوطنية في منطقة ضمت مئات البيوت بما فيهم من آلاف السكان العرب الذين أصبحوا بذلك مخالفي بناء وبيوتهم مرشحة للهدم؛ هكذا تصرف ايهود اولمرت بفتحه نفق المبكى، "صخرة وجودنا"، الفعل الذي أدى إلى خسائر عديدة في الأرواح، من يهود وعرب؛ وهكذا يتصرف رئيس البلدية حديث العهد، نير بركات، في قضية هدم المنازل المخطط له في سلوان وفي أماكن أخرى في المدينة.

ولكن من غير الجدير الاستخفاف بهذا الوصف وإلغائه وكأن به هذيان متزمتين رومانسيين وذلك لأنه إذا حاول كل واحد منا نبش ذاكرته فإنه سرعان ما سيكتشف أنه هو أيضا تربى على روايات مشابهة، وضعت في شبكة التعليم الصهيونية للتصدي للواقع الذي يهدد طريق رسم ماضي أسطوري. رد فعل المهاجرين الصهاينة على المشهد المادي والبشري الذي ظهر لهم لدى قدومهم البلاد كان مزدوجا: في البداية، بدئوا ينظرون إلى المشهد الظاهر للعيان كشريحة تخفي من تحتها المشهد الحقيقي – مشهد وطنهم العتيق. في هذا المشهد الذي تكشف أمام ناظريهم، بحثوا عن بقايا لا تزال موجودة من حلمهم ورويدا رويدا رسموا لأنفسهم خريطة جديدة، غطت المشهد المهدد. ولكن لم يكن هذه مجرد خريطة من الورق والأوهام؛ فقد أصروا على أن يصمموا الواقع، المشهد المادي، وفقا لرؤياهم وأحلامهم. فقد حطموا المشهد الفلسطيني وبنوا مكانه مشهدهم الخاص، حيث تشكل الأسطورة العتيقة مبررا وذريعة.

إذا الاعتماد على الأساطير والخرافات المؤسسة للكيان الصهيوني وتزوير التاريخ ومحاولة خلق وفرض الوقائع على الأرض يجب أن يؤسس لواقع جديد لمواجهة تهويد المدينة وباقي البلدات الفلسطينية وهذا يفرض على القيادات الفلسطينية أولا ومن بعدها القيادات العربية التي ستجتمع في القمة العربية القادمة في الدوحة إلى سرعة الحسم في اتخاذ القرارات لمواجهة سرعة التهويد التي تتطلب سرعة مماثلة في حركة العمل الفلسطيني والعربي يكون جوهرها الحفاظ على القدس عاصمة لفلسطين وللثقافة العربية رغم أنف الاستيطان.

يبدو أن احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية لم تحقق من التفاعل الثقافي العربي والدولي ما كان مرجواً، والعام يقترب من نهاياته، ولم نشهد بعد أعمالا ثقافية مهمة تليق بمكانة القدس في الثقافة العربية والإنسانية، وأنا لا أوجه لوماً إلى مسئول ثقافي أو إلى مؤسسة بعينها، فالمسؤولية عامة وشاملة، فالقدس تستباح أمام أعيننا، ويتم تهويدها وطرد البقية الباقية من سكانها على مرأى العالم كله، وإذا كنا لا نملك أن نرد على العدوان، أو أن نقوم بفعل يوقف هذا التهويد المتصاعد، فإن أضعف الإيمان هو أن نعبر عن تمسكنا بحق أمتنا في القدس، وأن نفي بما لها في نفوسنا من مكانة مقدسة، وهنا يأتي دور الثقافة، وقد أخذه وزراء الثقافة العرب أمانة حين أقروا أن تكون القدس عاصمة للثقافة العربية لعام 2009.

وكنت أرجو أن نشهد في هذا العام استجابات إبداعية في الشعر والرواية والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية ترتقي إلى سويّة الحدث الفاجع الذي نعيشه، ولا أقلل من شأن ما تم إنجازه فأنا أعلم أن هناك من قدموا أعمالا جيدة، لكنني أراها غير كافية في ميدان أمة عدد أبنائها نحو أربعمائة مليون مواطن يمتدون ثقافياً وعقائدياً إلى أمتهم الإسلامية التي يبلغ عدد أبنائها نحو مليار ونصف المليار. وحين أتأمل دور الإعلام العربي الذي باتت له من القنوات التلفزيونية أكثر من خمسمائة قناة فضلا عن الصحف والمواقع الإلكترونية التي تعد بالمئات، أجد أن ما خصص للقدس يكاد يكون لا شيء، وكان المؤمل أن يستمر بالإشارة أن تكون القدس شعاراً لكل الفضائيات العربية وعنواناً رئيساً في كل الصحف بشكل دائم ، وأن تكون جل برامج العرب الثقافية مخصصة لموضوع القدس. وإذا كانت المسؤولية الأولى تقع على عاتق الفلسطينيين فعلينا أن نقدر الظروف الصعبة التي يعيشها أهلنا في الأرض المحتلة، ونحن نكبر نضالهم وإصرارهم على بدء الاحتفالية في القدس، ونقدر ما عاناه المحتفلون من إيذاء الاحتلال الإسرائيلي لهم، والمطلوب في الاحتفالية بدء عمل عربي جاد للحفاظ على هوية القدس العربية والمسيحية والإسلامية، والبدء بترميم ما دمره الاحتلال من هذه الهوية، وإعادة بناء المؤسسات الثقافية في الداخل المحتل.

وقد دعت إلى هذا الجهد مؤسسات فلسطينية، كما دعت إليه المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو)، وبات مطلوباً أن تعلن الاستجابات السريعة قبل أن ينتهي عام الاحتفالية على رغم أن قضية القدس لا تنتهي بانتهائه. وما يحدث من ركود في برامج الاحتفالية يعبر عن حالة ضعف مريرة في الثقافة العربية. وعلى رغم تقديري للجهد الذي تبذله التجمعات الأهلية للاحتفال بالقدس إلا أنني أجده لا يحقق وحدة الموقف السياسي الذي أهّل الأمة لاتخاذ القرار بإعلان القدس عاصمة للثقافة .

إن موضوع القدس موضوع طويل وموضوع الاحتفالية موضوع شائك وآمل أن يكون عام القدس مفتوحا على المستوى الشعبي العام وليس فقط على المستوى الرسمي .

إن أهمّ ما يمكن لنا فعله في هذا الزمن العصيب هو- حسب رأيي - أن تكون القدس وفلسطين بعامة،موضع درس وتدريسٍ ، بل وتعليمٍ في المداس والجامعات أيضاً ، تاريخيا وحاضراً ومستقبلاً،لكي تبقى وتترسّخ في ذاكرة الجيل الجديد على الأقل ، ناهيك عن الدعم الماديّ الضروري للبقاء والصمود، وكلّ حسب طاقته الفعلية ،التي يكفي منها أن تشكلّ ولو واحداً من المئة مما يُنفق على التسليح أو التّرف.أما النشاطات الثقافية بأشكالها العديدة ، فهي أمور يعرف الجميع كيفية تنظيمها وإدارتها، على ما أظنّ.

ومن أهمية دور الشباب واستخدام التكنولوجيا الحديثة كالانترنت أظن أن الفيس بوك مكان رائع لتفعيل المناسبة عن طريق عمل مجموعات ودعوة كل من على قوائم الأصدقاء أو التنبيه على الأحداث والكتابة على الحوائط كما ان الرسائل البريدية الالكترونية عبر المجموعات البريدية الكبرى يمكن أيضاً أن تفعل الحدث..

بالإضافة لإنشاء مدونات خاصة بالحدث أو تحديد يوم إعلامي عن القدس

وتجميع مواد أدبية وعلمية وتاريخية جاذبة وإقامة مسابقات أدبية .

ولا شك أن هناك عدة نقاط يجب مناقشتها ومنها : أولا : الخطاب العربي وللأسف دوما موجه إلى العرب وهذا لا يخدم قضيتنا ثانيا وضع مدينة القدس مختلف عن بقية العواصم العربية كونها تقع تحت الاحتلال . من تلك النقطتين علينا بناء استراتيجينا في طريقة إنجاح القدس عاصمة الثقافة العربية .

إذن نحتاج وهذا مهم جدا توثيق معالم القدس العربية وما طرأ عليها من تغيير أو طمس أو تهويد من خلال إصدار مجلد يوثق تلك المعالم وان يترجم إلى لغات عالمية ويوزع هذا المجلد على السفارات الفلسطينية لتوزيعه إلى الهيئات والمراكز الجامعية…والخ

إن هذا المجلد أهم من كل تخريف العرب لأنه يحفظ و يوثق عروبة القدس وهذا مطلوب من الإعلام بتوثيق تلك المعالم عن طريق أفلام وثائقية أو إصدار بروشورات و مقالات توثق و تؤرخ تلك المعالم .

القدس موضوع حساس جداً ويمكن جني الأرباح من الخلافات حولها . إذن مستقبل القدس في معادلة دقيقه فلسطينياً وعربياً وإسرائيلياً ودولياً لا يبدو أنه يلوح في الأفق القريب حلاً عادلاً وترضى عنه كل الأطراف. والقول بأن مصير القدس، أي مستقبلها مرهون بنتيجة المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ، دون الالتزام المطلق بالتقيد بمرجعية واضحة ومحددة وخاصة من الجانب الإسرائيلي فإن المفاوضات التي تجرى بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ، ستظل تدور في حلقة مفرغة، لأن مطالب إسرائيل في المدينة لا تترك للجانب الفلسطيني أي خيار يمكن قبوله كحد أدنى يلبي خيارات الشعب الفلسطيني ومن حوله أمته العربية والإسلامية. وأن راعي السلام الأول، الذي وضع أسس عملية السلام الجارية هو أول من يتجاهلها ويقترح حلولاً تبتعد تماماً عما تم الاتفاق عليه، وتم التوقيع كذلك، وأن الراعي الأول حتى الآن لا يقوم بالضغط الكافي على الطرف الذي لا يتقيد بالمرجعية المحددة التي بنيت عليها كل الاتفاقيات بين الطرفين. لقد أبقت الولايات المتحدة خيارات واسعة لإسرائيل لترسم معالم الحل ولتحاول فرضه بالقوة التي تمتلكها على الطرف الفلسطيني مما يدفع بالمنطقة كلها مجدداً إلى حالة من الصراع الذي لا يعرف أحد مداه.

أحد أبرز قادة اليهود بعد حرب الخامس من حزيران قال:
" ليس غريباً أن يعيش الجسد الإسرائيلي دون رأس ، ولكن الأغرب أن يعيش هذا الرأس بيد العرب "

إن الإستراتيجية الصهيونية لا تعترف بعروبة القدس . وقد أثبتت السياسة الإسرائيلية ذلك بناء على كثرة العهود والاتفاقيات الدولية المبرمة ما بين العرب واليهود تحت مظلة الأمم المتحدة وغيرها. وقد وصف ( أبا أيبان ) وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق بصراحة في مقدمة لكتاب ( حاييم وايزمن ) هذه الإستراتيجية بقوله :
" إن جميع ما نوقع من مواثيق وتعهدات وما نقبل من قرارات هو مجرد فرص نستعملها ، حتى إذا استنفذنا الغاية منها القينا بها جانباً ، وسرتا في سياستنا المرسومة "

يبدو إننا حتى عن الرحيل بعيوننا إلى القدس بعد أن كنا نرحل إليها كل يوم !
لقد استسلمنا طويلاً لهذه الرحلة المريحة فكانت النتيجة أن أصبحت عيوننا غير قادرة على الرؤية... ولا على تحديد الخطر وانتهت الرحلة بضياع المدينة التي كنا نرحل إليها كل يوم.
وما كانت القدس في حاجة إلى من يرحل إليها بالعيون فقط .
وما كانت تنتظر منا مثل تلك الرحلات السياسية الجميلة.
وما كانت تتوقع أن نعجز حتى عن الرحيل إليها.
لقد عرفتنا القدس دائماً أشداء مع كل من يفكر في سرقتها....
أما الآن فأنها تكاد أ، لا تعرفنا ...

فلقد أصبحت هي غريبة وأصبحنا نحن غرباء أكثر منها فعز كل لقاء !!
وفي زمن عمر بن الخطاب كنا نحن السيادة بعد أن وضعنا مفتاح المدينة في جيوبنا...
وفي زمن صلاح الدين الأيوبي كنا نحن الأبطال الذين أعادوا إلى المدينة الأمن والأمان والفرح والربيع.

في كل الأزمان كانت القدس منا وإلينا ... نحن جزء منها... وهي جزء منا، أما في هذا الزمن العربي الرديء فأننا انفصلنا عنها فما عادت جزءاً منا. ؟!!

لقد صارت قصيدة حزينة . ... وأغنية كئيبة.. وأمنية عزيزة
نشتهيها مثلما يشتهي الفقير في عالمنا العربي الرغيف !!
وعندما أصبحت كذلك عثرنا بسرعة على الحل ... لجأنا إلى الرحيل فوجدنا فيه بعض السلوى ، وبعض الراحة ولكن يبدو الآن
انه حتى الرحيل ، أو الصلاة في ركابها أو التظلل بأسوارها صار غير ممكن ... يبدو أننا سنعجز حتى عن النظر إلى الخريطة فعيوننا سوف لا تطاوعنا على الرحيل لقد تعبت... لقد أرهقناها وأنهكناها حتى صارت غير قادرة على رؤية القدس أو ما نبقى منها إسلامياً عربياً !
وعندما تستعيد عيوننا ذات يوم قريب أو بعيد قدرتها على الرحيل سنفاجأ بأن القدس ما عادت مدينة وإنما من الأشياء اللامرئية التي لا تراها العيون مهما كانت قوة أبصارها ... وعندها سوف تمتنع عيوننا حتى عن اللقاء !

فالخطابات لم تروي لنا ظمأ كما قال شاعرنا العربي الكبير ادوارد عويس في قصيدته

" القدس مرمى عصا " :

إِنِّـي أَقولُ وللـتَّاريخِ ذاكرةٌ

تُصغِي إِلـيَّ وقولي اليَومَ مُحتَسبُ

كلُّ الخِطاباتِ ما أَروتْ لنا ظَمأً

ولا شَفى مِن ضَنـىً نَفطٌ ولا ذهبُ

إِنَّـا نُـريدُ دواءً يُستَطَبُّ بهِ

قِوامُهُ الـعَزم والـنِّيرانُ والغَضَبُ

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر