2009/12/28

لمن الدور الآن؟


إبراهيم عباس

لأن كل من يحاول البوح بالحقيقة والتعبير عن رأيه بحرية وصراحة وواقعية انطلاقًا من مشاعره الوطنية الصادقة ورؤيته الواقعية لحال القضية وما وصلت إليه من تدهور توجه إليه التهمة – إلى جانب التهمة بأنه غير وطني!- بأنه يؤمن بنظرية المؤامرة التي يعتبرها بعض ساستنا المحترفين وقادتنا المبجلين ومفكرينا النبهاء ممن يتخذون من البيت الأبيض قبلتهم السياسية تهمة يتعين على المرء نفيها بسرعة والإسراع في التنصل منها ، فإنه أصبح بالإمكان الآن لمس الحقيقة التي أصبحت تسطع كالشمس بأن هذه النظرية صحيحة مائة بالمئة على الأقل في الحالة الفلسطينية ، وهو ما أمكن إدراكه من حقيقة أن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية (أبو مازن) انتهت صلاحيته ، وأنه تم إبلاغه بذلك رسميًا خلال اللقاء الذي جمعه بالسيدة كلينتون الأسبوع الماضي وإنكان لم يتم التصريح بذلك علنًا. فهذا الأمر اتفق حوله العديد من أنصار تلك النظرية – وأنا واحد منهم- منذ فترة بالقول بأن المراهنة على الرجل هي مراهنة على حصان خاسر.

هنا لابد من التسجيل على الشعب الفلسطيني بأنه أصبح يعيش الأن واقعًا مخجلاً (أتمنى أن لا يطول أكثر مما مضى) عندما يختار له الأمريكيون والإسرائيليون زعمائه وقادته لتنفيذ المخططات الصهيونية، وعندما يقومون بهذه المهمة على أكمل وجه يتم الاستغناء عنهم ،ليأتوا له بقيادة جديدة في وسعها تنفيذ المرحلة التالية من مخططاتهم التي لا تنتهي إلا بعد ضياع الضفة الغربية كلها واختفاء المسجد الأقصى من الوجود.

طبعًا هناك العديد من السيناريوهات لمرحلة ما بعد عباس: من هو رئيس السلطة الجديد الذي بوسع واشنطن وتل أبيب الاعتماد عليه في إتمام الخطوة التالية: التفاوض مع نتنياهو دون شروط مسبقة بما في ذلك شرط التوقف عن الاستيطان وعن الحملة المسعورة لتهويد ما تبقى من القدس؟ ..من هو هذا الزعيم الفلسطيني الجديد الذي سيستمد شرعيته في الحكم من الأموال التي ستغدق عليه من العم سام والذي يعتمد على دايتون في حمايته وتثبيت شرعيته؟ .. هل هودحلان الذي يذكرني بعبد الحكيم عامر الذي أحبه الضباط لا لشىء إلا لأنه كان يغدق عليهم المال بسخاء – طبعًا مع الفرق في أن المشير لم يكن عميلاً لإسرائيل- أم هو فياض الذي أمامه الكثير من العطاء المتوقع أن يفيض به على المعجبين بأدائه الاقتصادي في واشنطن والاتحاد الأوروبي إلى جانب انضباطه في الانصياع لأوامر الحاكم الفعلي للضفة الغربية العم دايتون ؟.. أم أن هنالك شخصية أخرى ممكن أن تفاجئنا بها عبقرية البيت الأبيض السيدة كلينتون كأن يكون ياسر عبد ربه أونبيل عمرو أو الطيب عبد الرحيم رئيس دويلة رام الله الجديد ؟أم أن كلينتون يمكن أن تكون قد فهمت درس أفغانستان وأيقنت أن إسناد الزعامة لشخص عميل وضعيف في آن ولا يستمد شرعيته من الجماهير يزيد من اشتعال الأزمة كما هو حاصل الآن ، فتقرر أن تأتي بشخصية كمروان البرغوثي بعد تسهيل إسرائيل عملية الإفراج عنه؟ كل ذلك ممكن وجائز .لكن يبقى السؤال الذي يفترض أن تكون واشنطن أول الملمين بإجابته الصحيحة : ممن يستمد الحاكم – أي حاكم - شرعيته؟ .. الإجابة بوضوح: من ضرورة تمتعه بخاصيتين : عدم التفريط بتراب الوطن والالتزام بالدفاع عن شعبه وحمايته. في الحالة الفلسطينية في عهد أبو مازن ليس بوسع أحد القول إن الرجل نجح في تحقيق هذين الشرطين. وهو ما يعني أن واشنطن يتعين عليها عدم تكرار خطأ السلطة وأفغانستان حتى لا تواجه بعواقب الأمور ، لأن الشعب الفلسطيني قد يصبر بعض الوقت لكنه لا يستطيع أن يقبل أن يوصم بأنه شعب بلا إرادة .

بالأمس شاهدت مقطعًا من لقاء أجرته محطة بي بي سي الانجليزية مع المفكر الاستراتيجي الأمريكي من أصل يهودي نعوم تشومسكي عندما شدني سؤال المذيع له: لماذا تتنكر للدولة التي فتحت لك ولوالديك أذرعها بعد أن أباد النازي كافة أقاربك ؟ أجاب الرجل بسرعة لم أكن أتوقعها : أدين لأمريكا بالكثير : ليس لقيادتها ، وإنما لشعبها ! فالشعوب هي الأساس وهي التي تمنح الشرعية وهي التي ينبغي أن تحترم إرادتها .

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر