
الوطن
تلات سنوات مضت واليوم نتذكر نصر المقاومة اللبنانية على العدو الصهيوني
بنت جبيل… «المدينة الملعونة» تلك هي مارون الراس التي شيبت جنود النخبة وكسرت أسطورتهم. أما بنت جبيل، فلها قصة أخرى، قصة عز ككل قصص الجنوب، تلك المدينة التي سماها العدو «المدينة الملعونة» لشدة ما لقي فيها من مواجهة شرسة وخسائر فادحة جعلته يخرج جاراً أذيال الخيبة، مؤكداً ما قاله السيد نصر اللـه «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت».
رواية بنت جبيل بلسان مقاوم صمد فيها حتى الانتصار:
كان استدراج جنود غولاني يتم إلى هذه النقطة التي تشرف على بنت جبيل على حدود مارون الراس، هنا قتلنا نحو 50 جندياً ودمرنا 5 دبابات. في البداية حاولوا الدخول إلى مثلث التحرير بدبابات مدرعة لكن ما إن أطلت أول دبابة حتى حولتها عبوات المقاومة إلى أشلاء وقطع، ففقدوا الأمل بفاعلية الدروع. حاولوا عدة مرات الدخول فكان المقاومون يكمنون لهم حتى إذا ما وصلوا إلى مكان باتوا فيه مطوقين، أطلق المقاومون النار عليهم وأفشلوا تقدمهم وقهقروهم إلى الوراء. لم يتمكنوا من زرع ولو علم إسرائيلي واحد هنا في مثلث التحرير: مارون الراس- عيناتا – عيترون (يبعد 500 متر عن فلسطين المحتلة).
بالنسبة لعدد المقاومين، لا يمكنك معرفته حتى وان كنت واحداً منهم. فقد كنا مقسمين إلى مجموعات صغيرة حيث لكل فرد وظيفة معينة.
خلال المعارك لم نكن نتصور أن هذا الجيش سيكون مصيره هكذا، أو أنه سيترك آلياته المحترقة في أرضها دون أن يحاول أخذها خوفاً من المقاومين. معنوياتنا كانت عالية جداً على الجبهة، لم يعرف الإحباط طريقاً إلى قلوبنا، وكلما صددناهم ورددناهم ازددنا عزيمة. كنا على ثقة أننا كما نحمي هذا المحور، فإن إخواننا على باقي المحاور يحمونها كذلك وينزلون الهزيمة بالعدو.
جربوا القصف الجوي والمدفعي والانزالات والمشاة والدبابات وفشلوا، صدهم الشباب ومنعوهم من التقدم وأنزلوا بهم خسائر كبيرة. على هذه الطريق الترابية استدرج المقاومون المشاة الصهاينة ودارت معارك وجهاً لوجه كما كنا نشتهي، أما الدبابات فلم تصل إلى هذا الطريق، فقد كان يتم تدميرها وهي لا تزال على رأس الجبل.
استخدمت في المعركة كل أنواع الأسلحة الخفيفة والصواريخ والعبوات والبنادق وحتى السلاح الأبيض. عندما تصبح في مواجهة مباشرة مع عدوك، فإنك تستعمل كل الأسلحة المتاحة حتى الحجارة واليدين.
في أوج الاشتباكات، كنا نسمع صراخ الجنود وتأوهاتهم وصرخات المقاومين «الله أكبر». كانت الكتيبة المتقدمة من لواء النخبة غولاني وقد تركوا خلفهم الكثير من العتاد والخوذات وقطع الملابس والجزمات والبطاقات وحبوب المهدئات، وهذه الغنائم هي في حوزة المقاومة الآن، وستقيم لها معرضاً في الضاحية. كانت المواجهات شرسة إلى حد كان يفصل فيها بيننا وبين جنود العدو حائط سمكه 20سم.
يوم تحدث السيد حسن نصر اللـه موجهاً كلامه إلينا، استمعنا إليه عبر الراديو وبكينا لشدة تأثرنا وتساءلنا لماذا يوجه الينا هذا الكلام بينما نحن لم نقدم شيئاً بعد، بل ما زال بإمكاننا تقديم الكثير والمزيد.
على الرغم من إعلان قيادة المقاومة عدم تمسكها بالجغرافيا والأرض، كنا مصرين على عدم إعطاء العدو فرصة زرع علم على أرضنا، فيقول في إعلامه إنه دخل المثلث، فاستبسلوا في القتال ولم يسمحوا له بذلك.
حاولوا استعمال الحرب النفسية فكانوا يشوشون على اذاعة النور ويبثون بلاغات تدعونا كمقاومين للاستسلام لأننا هزمنا، فكنا نضحك لهذه الألاعيب الصبيانية وندرك مدى يأسهم وارتباكهم. فهذا الكلام يوجه لأناس مهزومين وليس لأناس منتصرين مصممين على القتال والاستشهاد والصمود.
بالنسبة للأهالي، كانوا يساعدون بكل ما لديهم ولو بشربة ماء، وكثيرون تركوا محالهم ومنازلهم مفتوحة لنا لنأخذ منها ما نشاء من طعام ومؤن ومياه، لكننا لم نستهلك منها كثيراً لأننا كنا مجهزين بكل ما نحتاجه.
من جهة أخرى، كان المقاومون يساعدون الأهالي أيضاً بتوزيع حصص تموينية على المحتاجين حتى تحت وطأة القصف والنيران، معرضين أنفسهم للموت بهدف توصيل المؤن.
بالنسبة للأوضاع العامة للمدينة، فقد بقي من الأهالي طوال 33 يوماً نحو 600 إلى 700 شخص، أما أغلبية المغادرين فقد غادروا خلال هدنة اليومين، كما استشهد نحو 38 شخصاً من بنت جبيل، منهم 16 من المقاومة. أما الخسائر المادية، فهناك 10 مدارس متضررة ومسجد عدا المنازل، ويقوم حزب اللـه ودولة قطر بالتعويض على الأضرار.
ومن ناحية شخصية، أفخر أن صهري كان مقاوماً معي، وقد ودعته ثلاث مرات خلال الحرب وكنت أقول له أن شاء اللـه يعيدك سالماً، فكان يقول لي ادع لي بالشهادة. في ثالث مرة دعوت له بالشهادة، وعاد شهيداً.
جنود العدو: لم نكن نستطيع التنفس
بطولة أقرب إلى الخيال يعرضها تلفزيون العدو عن إحدى معارك مارون الراس الذي ظن العدو أنها ستكون نزهة لألوية النخبة لديه، فإذا به يكتشف أنها نار جهنّم. ويقول عوفر شيلح مقدم البرامج: «نتوجه الآن لنعرض قصة من الحرب اللبنانية الثانية حيث القصص مستمرة بالخروج منها الأسبوع الثاني من الحرب، دخلت كتيبة من لواء المظليين إلى مارون الراس. الجميع كان مقتنعاً بأنها ستكون عبارة عن نزهة فهي تقع على بعد مئة متر من الحدود لكن لواء المظليين وجد نفسه مطوقاً هناك». وهنا تبدأ الرواية، الضابط والجنود في طمأنينة كبيرة لأن صواريخ الطائرات والمدفعية دمرت البلدة، وما عليهم سوى نصب صورة تذكارية، لكن الواقع صدمهم. يقول الملازم «ايلي كوهن»: « لقد كنت مقتنعاً أن كل المدفعية والقذائف التي سقطت على البلدة حولتها إلى تل من الخراب وإننا سننصب العلم ولن نرى هناك مخربين». أما الرائد «عاميت ليدور» فيقول: «لقد أشاروا لنا إلى القرية وقالوا عليكم احتلالها». وفعلاً دخلت الكتيبة المطمئنة إلى أطراف مارون الراس وظُنّ أن لا أحد سيواجهها فكل أفرادها يعتقدون أن مقاتلي حزب اللـه انسحبوا بعد القصف الجوي للقرية ووزعوا أنفسهم إلى ثلاث فرق، كل واحدة سيطرت على أحد المنازل حيث لم يسمع من داخلها حتى الهمس وهنا بدأت الصدمة عندما فتحت عليهم النار من كل الجهات بحسب رواية الجنود.
يقول عاميت:« لقد شاهدنا مقاتلين كثراً. رأينا جنوداً بكل ما للكلمة من معنى. شاهدناهم يرتدون خوذاً ودروعاً وجعباً. في اللحظة الأولى أصبت بصدمة وظننت أن هؤلاء قوة من الجيش الإسرائيلي أتت لإنقاذنا، ولم نعد نعرف كيف نفرق بين الأهداف. لذلك، لم نطلق النار وبدأت أفكر كيف وصلنا إلى هذا المأزق. “
ويقول جندي آخر يدعى جوني: «هم ببساطة جعلونا في طنجرة ضغط. كنا معتادين على محاصرة المخربين، لكن الأمر كان هنا معكوساً بحيث لم نستطع التنفس».
أما تال برلين فقال من جهته: «في هذه اللحظة وصل الدخان إلى داخل غرفتنا ونحن نضع الخرق على وجوهنا، يوني زحف نحو النار وألقى بالقنابل باتجاه المخربين إلا أنهم لم يرتدعوا واستمروا بالانقضاض علينا». ويكمل تلفزيون العدو ويقول إن القوة من لواء المظليين – التي حوصرت داخل المنازل – حاولت إنقاذها فرقة من لواء غولاني إلا أنها ما إن وصلت حتى باغتتها قوة من حزب اللـه وقتلت 5 من جنودها. وكعادته فإن تلفزيون العدو ينهي القصة بطريقة هوليودية عندما يفخر بأن طائراته تدخلت وقصفت المنطقة حيث كان الظلام سيخيم، وتم سحب القوة المحاصرة من لواء المظليين االتي أصيب جنودها بجنون الفرح بعدما انسحبوا من القرية وتجاوزوا الحدود.
إسرائيل بعد الحرب… جيش مكسور ومجتمع متصدع
لقد شكلت الحرب سابقة ثانية لحزب اللـه في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي بعد التحرير في أيار؟ عندما اضطرت إسرائيل وللمرة الأولى في تاريخها إلى انسحاب من طرف واحد ودون مقابل، من دون ترتيبات أمنية ومن دون اتفاقات سياسية، أطاحت برؤوس كبيرة من قائد الجبهة الشمالية وصولا إلى رئيس الأركان دان حالوتس، ومن وزير الدفاع عمير بيرتس وصولا إلى رئيس الوزراء ايهود أولمرت الذي وصلت شعبيته إلى أدنى مستوى لرئيس وزراء إسرائيلي، وبات مصيره عالقا ومعلقا إلى حين صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد. بعد إخفاق الجيش الإسرائيلي في الحسم في غضون أيام كما اعتاد في مواجهته الجيوش العربية، أصيب بنكسة ونكبة، وفقد مجتمعه الثقة به وتصدعت المؤسسة العسكرية ومعها السياسية في الكيان الإسرائيلي.
الأزمة العاصفة بإسرائيل اليوم ليست أزمة عابرة أو طارئة، بل أزمة تختزن الكثير من التناقضات التي تشير إلى أي مدى بات المشروع الإسرائيلي يعيش في مأزق إستراتيجي وتكتيكي في آن معاً.
إسرائيل تمر حالياً بمرحلة خطيرة من التدمير الذاتي، وهذا التدمير وصل لكل المجالات، بل إن هناك منافسة شديدة حول من يقدم الصورة الأكثر سوادا. في الواقع، ثمة زلزال داخل إسرائيل على كل المستويات: انقلاب في بنية التفكير الإسرائيلي العام، من شعور بتفوق وقدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها متى أرادت وشاءت بواسطة قوتها العسكرية، إلى سيادة قناعة وشعور عام بالعجز وعدم الثقة بعد الآن في هذه القدرة، سقوط نظرية الأمن والاستقرار، الجيش فقد المعنويات، زيادة الانقسام بين الأحزاب السياسية التاريخية، هجرة متنامية، فضائح أخلاقية وفساد مستشر، وازدياد الشعور العام بحال الفراغ على مستوى القيادة… الخ. إسرائيل باتت تفتقد قيادات قادرة على إخراجها من مأزقها، في وقت يتضعضع فيه التماسك الاجتماعي السياسي والعسكري. لقد أصاب انتصار المقاومة في تموز 2006 عناصر القوة الإسرائيلية بأعطاب قاتلة، وأهم خلل ولد هو أن الجيش القوي الذي كان يحقق الانتصارات بات مهزوماً ومكسوراً، ومبادئ بروتوكولات حكماء إسرائيل وايديولوجيتها التاريخية – التي قام على أساسها بنيان دولة إسرائيل الكبرى- ضعفت في مجتمع فقد وحدته الفكرية والعقائدية وبات على شفير التشتت.
في أحدث تقديرات وعملية تقويم لـ «إخفاقات حرب لبنان»، أصدرت شعبة الاستخبارات الإسرائيلية تقريراً تضمن الآتي:
تقر الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بـ «تآكل تدريجي» لقوة الردع الإسرائيلية تجاه دول وتنظيمات مختلفة.
تعزز خطاب “المقاومة” في الدول العربية وما تسميه اسرائيل «التنظيمات الإرهابية» التي باتت على قناعة بأن المشاكل مع إسرائيل لا تحل حول طاولة مفاوضات كما اختارت الأردن ومصر، وإنما بمواجهات عنيفة، ليس بالضرورة فورية وواسعة النطاق، بل استنزاف متواصل يقود في نهاية المطاف إلى هزيمة إسرائيلية، حتى وان استغرق الأمر سنوات طويلة كما حصل في الانسحابات الأحادية من لبنان ومن قطاع غزة، وهو ما يبدو أنه سيحصل للقوات الأميركية في العراق.
حزب اللـه أعاد بناء قوته الصاروخية بأسلحة متطورة جداً وعشرات إلى مئات الصواريخ المتوسطة المدى، إضافة إلى إعادة تشكيل وبناء قوته البشرية من المقاتلين. كما تفيد الاستخبارات أن التعاون بين حزب اللـه وحلفائه الإقليميين تعزز وقوي خلال السنة الماضية.
إن أبعاد الانتصار الذي حققته المقاومة يتعدى صمود 33 يوماً، وأكبر من إحداث اهتزازات عنيفة في الكيان الصهيوني وهزيمة جيشه المستكبر. أهمية هذا الانتصار هو أنه ضخ روح المقاومة في الجسم الشعبي العربي، وأعاد إيمان الجمهور العربي بجدوى المقاومة وضرورة المواجهة والتصدي الممانعة بدلاً من التسليم والاستسلام والرضوخ لمشيئة الكيان الغاصب وعرابه الأميركي. كما أثبت نصر المقاومة أن الإيمان والإصرار يقلبان كل المعادلات وينصران صاحب القضية والحق ولو اجتمع عليه العالم أجمع كما حدث في حرب تموز.
لكن فرحة الانتصار الكبير يجب ألا تنسينا أن إسرائيل لا تستسلم بسرعة، بل إنها تعمد حالياً إلى ما يسمى بـ «عسكرة» المجتمع والدولة لإعادة بناء قوة جيشها وترميم صورته من خلال المناورات المستمرة والتدريبات المتواصلة استعداداً لحرب جديدة قد تقع. ومن بين هذه الاستعدادات ما كشفته صحيفة «معاريف» عن أن شعبة الاستخبارات الإسرائيلية أنشأت في الأشهر الأخيرة «وحدة خاصة» لرصد مكان الشخصيات الرفيعة في صفوف «العدو» (أي المقاومة) وتصفيتها جسدياً في إطار عمليات اغتيال نوعية.
وبالتالي، علينا أن نستقي بدورنا دروس حرب تموز ومواصلة استعداداتنا وتجهيز أنفسنا لحرب «رد اعتبار» تشنها إسرائيل، كي نلحق بها هزيمة ثالثة أكبر من أخواتها تكون خاتمة الأسطورة الإسرائيلية والقشة التي تقصم ظهر الكيان الغاصب ومن خلفه قوى الاستكبار العالمي التي تقوده وترعاه.
عوائل الشهداء… صناع الانتصار
هم صناع الانتصار. آباء وأمهات وأخوات وإخوان وأطفال، لا يعرف الندم والقهر طريقاً إلى قلوبهم الملأى بالفخر والعز والنصر الذي صنعته دماء الغالين عليهم. هم مستعدون ليقدموا المزيد، هذا ما يجمعون عليه، ومستعدون لمواجهة جديدة وحرب جديدة ونصر جديد.
حكاية من حكايات كثيرة، جاءت على لسان والدي الشهيد «عمار قوصان»، في منزلهم المتواضع في بنت جبيل، والمزدان بصور السيد حسن نصر اللـه وشهداء الوعد الصادق.
تبسّط عائلة الشهيد عمار فلسفة المقاومة، فتسهل رؤية عوامل الصمود والانتصار في كل ركن من أركان بيتهم الذي تنبعث منه رائحة العز والكرامة.
«هناك شهادة عمار».. يشير أبو نجيب إلى الحائط المقابل. «كان عمار طالباً مهنياً في السنة الأخيرة، استلمنا شهادته بعد استشهاده».
ويختصر الوالد قصة الشهادتين، بأن عمار يوم تسلم رقم طلبه لتقديم الامتحانات الرسمية، كتب تحت الرقم «لا إله إلا الله». «كان لديه شعور هو ورفاقه بأنهم على درب الشهادة. كانوا يجتمعون دائماً هنا..» وهنا عند أبو نجيب تعني البيت والحي والجنوب، كلّ الجنوب، ويتابع:
«دونما فرق بينهم، استشهد هنا، أمام البيت قرب الجامع في 26 تموز. هؤلاء هم أبناء الأرض، إن لم يدافعوا عنها فمن يفعل».
وفي لحظة عابرة ارتسمت على وجه أبو نجيب علامات الحزن والألم وهو يتذكر جرس الهاتف الذي زف إليه نبأ الاستشهاد:
“كان لدي ولدان على الجبهة، محمد في الجديدة وعمار هنا في بنت جبيل، وابنة تعمل في سلك التمريض. عندما أعلنت هدنة ليومين، كنت أنا وأخو الشهيد خارج البيت حيث رن الهاتف الجوال. راقبت ملامح وجهه حين رد على الهاتف وعرفت أن الصغير عمار قد استشهد.. كل من كانوا في مجموعة عمار استشهدوا».
لكن الوجه لا يلبث أن يستريح حتى يعود وينكمش من جديد، لكن هذه المرة بعلامات تحد، لا تخلو من ابتسامة الفخر تتقدم رواية الأب عن لحظات الاستشهاد كما نقلها “الشباب” ( أي رجال المقاومة) إليه:
«دخلت قوة من جنود العدو إلى هنا وتغلغلت بين المنازل، وقوة أخرى دخلت من الجهة الأخرى إلى كروم «سعد» (كروم زيتون)، فأخذ المقاومون يحمون ظهور بعضهم بعضاً ويقاتلون يميناً ويساراً حتى طردوا القوتين واستشهدوا.. أحد الشباب دخل بين صفوف القوة الصهيونية وأخذ يرمي القنابل عليهم ويطلق النار موقعاً عدداً من الإصابات».
وعن بقية الأولاد يجيبنا:
«بكل أمانة، أقسم بالله إني لست بخائف على بقية أولادي، فهذه أرضنا ومن حقنا أن ندفع الدم من أجلها. والله لو لم ندفع جميعاً الثمن دماءً لما بقينا لحظةً في هذه الأرض. ونحن من قبل وقفنا ودافعنا عن أرضنا لكن لم يحالفنا الحظ في نيل الشهادة. عندما يكون هناك شعب مؤمن بقضيته وقيادة صادقة ومؤمنة، تكون المقاومة أمراً طبيعياً.
لكن الحسرة في قلب الوالد ليست على بيت تهدم أو ابن استشهد فداء للوطن، بل على العرب والحكومة اللبنانية:
«أقول للعرب أن يعتبروا من هذه القلة القليلة التي قاومت بلحمها أعتى قوة في الشرق الأوسط، لكن أعتقد من الصعب أن يستحوا! وحكومتنا حكومة عملاء، تستفز الناس وتعاقبهم على صمودهم!».
أما أم الشهيد، فلها حكاية أخرى عن الصمود والتحدي.. ابتسامتها الهادئة قادرة أن تجيب العالم عن سر الانتصار، لأنها أبلغ من كل التنظير والتحليل:
«في بدايات انضمامه للمقاومة كان يخرج كل ليلة لمدة أسبوع. كان والده يظن أنه يسهر مع رفاقه، لكنني كنت أعرف أنه مع المقاومة. في الأسبوع الثاني قلت له أنا لم أكذب يوماً على أبيك، البس بذلتك واحمل سلاحك، فإن سمح لك اذهب وتدرب وان لم يسمح لك ابق في البيت.. بالنسبة لي، كنت أشجعه وأدعمه رغم معرفتي أنه معرض في أي لحظة للشهادة».
«يوم انتهت الحرب وعاد أبوه وأخوه إلى المنزل، وجدا كل المنزل محطماً إلا صور عمار كانت لا تزال صامدة على الحائط. عندما عرفت بكيت طبعاً، لكنني لم أندم لحظة على تشجيعه لسلوك درب المقاومة، حتى إنني عندما قلت للشباب: هل ما زال هناك يهود في جبالنا وتلالنا؟ أعطوني سلاحاً… أريد أن أفجر نفسي بهم».
تلات سنوات مضت واليوم نتذكر نصر المقاومة اللبنانية على العدو الصهيوني
بنت جبيل… «المدينة الملعونة» تلك هي مارون الراس التي شيبت جنود النخبة وكسرت أسطورتهم. أما بنت جبيل، فلها قصة أخرى، قصة عز ككل قصص الجنوب، تلك المدينة التي سماها العدو «المدينة الملعونة» لشدة ما لقي فيها من مواجهة شرسة وخسائر فادحة جعلته يخرج جاراً أذيال الخيبة، مؤكداً ما قاله السيد نصر اللـه «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت».
رواية بنت جبيل بلسان مقاوم صمد فيها حتى الانتصار:
كان استدراج جنود غولاني يتم إلى هذه النقطة التي تشرف على بنت جبيل على حدود مارون الراس، هنا قتلنا نحو 50 جندياً ودمرنا 5 دبابات. في البداية حاولوا الدخول إلى مثلث التحرير بدبابات مدرعة لكن ما إن أطلت أول دبابة حتى حولتها عبوات المقاومة إلى أشلاء وقطع، ففقدوا الأمل بفاعلية الدروع. حاولوا عدة مرات الدخول فكان المقاومون يكمنون لهم حتى إذا ما وصلوا إلى مكان باتوا فيه مطوقين، أطلق المقاومون النار عليهم وأفشلوا تقدمهم وقهقروهم إلى الوراء. لم يتمكنوا من زرع ولو علم إسرائيلي واحد هنا في مثلث التحرير: مارون الراس- عيناتا – عيترون (يبعد 500 متر عن فلسطين المحتلة).
بالنسبة لعدد المقاومين، لا يمكنك معرفته حتى وان كنت واحداً منهم. فقد كنا مقسمين إلى مجموعات صغيرة حيث لكل فرد وظيفة معينة.
خلال المعارك لم نكن نتصور أن هذا الجيش سيكون مصيره هكذا، أو أنه سيترك آلياته المحترقة في أرضها دون أن يحاول أخذها خوفاً من المقاومين. معنوياتنا كانت عالية جداً على الجبهة، لم يعرف الإحباط طريقاً إلى قلوبنا، وكلما صددناهم ورددناهم ازددنا عزيمة. كنا على ثقة أننا كما نحمي هذا المحور، فإن إخواننا على باقي المحاور يحمونها كذلك وينزلون الهزيمة بالعدو.
جربوا القصف الجوي والمدفعي والانزالات والمشاة والدبابات وفشلوا، صدهم الشباب ومنعوهم من التقدم وأنزلوا بهم خسائر كبيرة. على هذه الطريق الترابية استدرج المقاومون المشاة الصهاينة ودارت معارك وجهاً لوجه كما كنا نشتهي، أما الدبابات فلم تصل إلى هذا الطريق، فقد كان يتم تدميرها وهي لا تزال على رأس الجبل.
استخدمت في المعركة كل أنواع الأسلحة الخفيفة والصواريخ والعبوات والبنادق وحتى السلاح الأبيض. عندما تصبح في مواجهة مباشرة مع عدوك، فإنك تستعمل كل الأسلحة المتاحة حتى الحجارة واليدين.
في أوج الاشتباكات، كنا نسمع صراخ الجنود وتأوهاتهم وصرخات المقاومين «الله أكبر». كانت الكتيبة المتقدمة من لواء النخبة غولاني وقد تركوا خلفهم الكثير من العتاد والخوذات وقطع الملابس والجزمات والبطاقات وحبوب المهدئات، وهذه الغنائم هي في حوزة المقاومة الآن، وستقيم لها معرضاً في الضاحية. كانت المواجهات شرسة إلى حد كان يفصل فيها بيننا وبين جنود العدو حائط سمكه 20سم.
يوم تحدث السيد حسن نصر اللـه موجهاً كلامه إلينا، استمعنا إليه عبر الراديو وبكينا لشدة تأثرنا وتساءلنا لماذا يوجه الينا هذا الكلام بينما نحن لم نقدم شيئاً بعد، بل ما زال بإمكاننا تقديم الكثير والمزيد.
على الرغم من إعلان قيادة المقاومة عدم تمسكها بالجغرافيا والأرض، كنا مصرين على عدم إعطاء العدو فرصة زرع علم على أرضنا، فيقول في إعلامه إنه دخل المثلث، فاستبسلوا في القتال ولم يسمحوا له بذلك.
حاولوا استعمال الحرب النفسية فكانوا يشوشون على اذاعة النور ويبثون بلاغات تدعونا كمقاومين للاستسلام لأننا هزمنا، فكنا نضحك لهذه الألاعيب الصبيانية وندرك مدى يأسهم وارتباكهم. فهذا الكلام يوجه لأناس مهزومين وليس لأناس منتصرين مصممين على القتال والاستشهاد والصمود.
بالنسبة للأهالي، كانوا يساعدون بكل ما لديهم ولو بشربة ماء، وكثيرون تركوا محالهم ومنازلهم مفتوحة لنا لنأخذ منها ما نشاء من طعام ومؤن ومياه، لكننا لم نستهلك منها كثيراً لأننا كنا مجهزين بكل ما نحتاجه.
من جهة أخرى، كان المقاومون يساعدون الأهالي أيضاً بتوزيع حصص تموينية على المحتاجين حتى تحت وطأة القصف والنيران، معرضين أنفسهم للموت بهدف توصيل المؤن.
بالنسبة للأوضاع العامة للمدينة، فقد بقي من الأهالي طوال 33 يوماً نحو 600 إلى 700 شخص، أما أغلبية المغادرين فقد غادروا خلال هدنة اليومين، كما استشهد نحو 38 شخصاً من بنت جبيل، منهم 16 من المقاومة. أما الخسائر المادية، فهناك 10 مدارس متضررة ومسجد عدا المنازل، ويقوم حزب اللـه ودولة قطر بالتعويض على الأضرار.
ومن ناحية شخصية، أفخر أن صهري كان مقاوماً معي، وقد ودعته ثلاث مرات خلال الحرب وكنت أقول له أن شاء اللـه يعيدك سالماً، فكان يقول لي ادع لي بالشهادة. في ثالث مرة دعوت له بالشهادة، وعاد شهيداً.
جنود العدو: لم نكن نستطيع التنفس
بطولة أقرب إلى الخيال يعرضها تلفزيون العدو عن إحدى معارك مارون الراس الذي ظن العدو أنها ستكون نزهة لألوية النخبة لديه، فإذا به يكتشف أنها نار جهنّم. ويقول عوفر شيلح مقدم البرامج: «نتوجه الآن لنعرض قصة من الحرب اللبنانية الثانية حيث القصص مستمرة بالخروج منها الأسبوع الثاني من الحرب، دخلت كتيبة من لواء المظليين إلى مارون الراس. الجميع كان مقتنعاً بأنها ستكون عبارة عن نزهة فهي تقع على بعد مئة متر من الحدود لكن لواء المظليين وجد نفسه مطوقاً هناك». وهنا تبدأ الرواية، الضابط والجنود في طمأنينة كبيرة لأن صواريخ الطائرات والمدفعية دمرت البلدة، وما عليهم سوى نصب صورة تذكارية، لكن الواقع صدمهم. يقول الملازم «ايلي كوهن»: « لقد كنت مقتنعاً أن كل المدفعية والقذائف التي سقطت على البلدة حولتها إلى تل من الخراب وإننا سننصب العلم ولن نرى هناك مخربين». أما الرائد «عاميت ليدور» فيقول: «لقد أشاروا لنا إلى القرية وقالوا عليكم احتلالها». وفعلاً دخلت الكتيبة المطمئنة إلى أطراف مارون الراس وظُنّ أن لا أحد سيواجهها فكل أفرادها يعتقدون أن مقاتلي حزب اللـه انسحبوا بعد القصف الجوي للقرية ووزعوا أنفسهم إلى ثلاث فرق، كل واحدة سيطرت على أحد المنازل حيث لم يسمع من داخلها حتى الهمس وهنا بدأت الصدمة عندما فتحت عليهم النار من كل الجهات بحسب رواية الجنود.
يقول عاميت:« لقد شاهدنا مقاتلين كثراً. رأينا جنوداً بكل ما للكلمة من معنى. شاهدناهم يرتدون خوذاً ودروعاً وجعباً. في اللحظة الأولى أصبت بصدمة وظننت أن هؤلاء قوة من الجيش الإسرائيلي أتت لإنقاذنا، ولم نعد نعرف كيف نفرق بين الأهداف. لذلك، لم نطلق النار وبدأت أفكر كيف وصلنا إلى هذا المأزق. “
ويقول جندي آخر يدعى جوني: «هم ببساطة جعلونا في طنجرة ضغط. كنا معتادين على محاصرة المخربين، لكن الأمر كان هنا معكوساً بحيث لم نستطع التنفس».
أما تال برلين فقال من جهته: «في هذه اللحظة وصل الدخان إلى داخل غرفتنا ونحن نضع الخرق على وجوهنا، يوني زحف نحو النار وألقى بالقنابل باتجاه المخربين إلا أنهم لم يرتدعوا واستمروا بالانقضاض علينا». ويكمل تلفزيون العدو ويقول إن القوة من لواء المظليين – التي حوصرت داخل المنازل – حاولت إنقاذها فرقة من لواء غولاني إلا أنها ما إن وصلت حتى باغتتها قوة من حزب اللـه وقتلت 5 من جنودها. وكعادته فإن تلفزيون العدو ينهي القصة بطريقة هوليودية عندما يفخر بأن طائراته تدخلت وقصفت المنطقة حيث كان الظلام سيخيم، وتم سحب القوة المحاصرة من لواء المظليين االتي أصيب جنودها بجنون الفرح بعدما انسحبوا من القرية وتجاوزوا الحدود.
إسرائيل بعد الحرب… جيش مكسور ومجتمع متصدع
لقد شكلت الحرب سابقة ثانية لحزب اللـه في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي بعد التحرير في أيار؟ عندما اضطرت إسرائيل وللمرة الأولى في تاريخها إلى انسحاب من طرف واحد ودون مقابل، من دون ترتيبات أمنية ومن دون اتفاقات سياسية، أطاحت برؤوس كبيرة من قائد الجبهة الشمالية وصولا إلى رئيس الأركان دان حالوتس، ومن وزير الدفاع عمير بيرتس وصولا إلى رئيس الوزراء ايهود أولمرت الذي وصلت شعبيته إلى أدنى مستوى لرئيس وزراء إسرائيلي، وبات مصيره عالقا ومعلقا إلى حين صدور التقرير النهائي للجنة فينوغراد. بعد إخفاق الجيش الإسرائيلي في الحسم في غضون أيام كما اعتاد في مواجهته الجيوش العربية، أصيب بنكسة ونكبة، وفقد مجتمعه الثقة به وتصدعت المؤسسة العسكرية ومعها السياسية في الكيان الإسرائيلي.
الأزمة العاصفة بإسرائيل اليوم ليست أزمة عابرة أو طارئة، بل أزمة تختزن الكثير من التناقضات التي تشير إلى أي مدى بات المشروع الإسرائيلي يعيش في مأزق إستراتيجي وتكتيكي في آن معاً.
إسرائيل تمر حالياً بمرحلة خطيرة من التدمير الذاتي، وهذا التدمير وصل لكل المجالات، بل إن هناك منافسة شديدة حول من يقدم الصورة الأكثر سوادا. في الواقع، ثمة زلزال داخل إسرائيل على كل المستويات: انقلاب في بنية التفكير الإسرائيلي العام، من شعور بتفوق وقدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها متى أرادت وشاءت بواسطة قوتها العسكرية، إلى سيادة قناعة وشعور عام بالعجز وعدم الثقة بعد الآن في هذه القدرة، سقوط نظرية الأمن والاستقرار، الجيش فقد المعنويات، زيادة الانقسام بين الأحزاب السياسية التاريخية، هجرة متنامية، فضائح أخلاقية وفساد مستشر، وازدياد الشعور العام بحال الفراغ على مستوى القيادة… الخ. إسرائيل باتت تفتقد قيادات قادرة على إخراجها من مأزقها، في وقت يتضعضع فيه التماسك الاجتماعي السياسي والعسكري. لقد أصاب انتصار المقاومة في تموز 2006 عناصر القوة الإسرائيلية بأعطاب قاتلة، وأهم خلل ولد هو أن الجيش القوي الذي كان يحقق الانتصارات بات مهزوماً ومكسوراً، ومبادئ بروتوكولات حكماء إسرائيل وايديولوجيتها التاريخية – التي قام على أساسها بنيان دولة إسرائيل الكبرى- ضعفت في مجتمع فقد وحدته الفكرية والعقائدية وبات على شفير التشتت.
في أحدث تقديرات وعملية تقويم لـ «إخفاقات حرب لبنان»، أصدرت شعبة الاستخبارات الإسرائيلية تقريراً تضمن الآتي:
تقر الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بـ «تآكل تدريجي» لقوة الردع الإسرائيلية تجاه دول وتنظيمات مختلفة.
تعزز خطاب “المقاومة” في الدول العربية وما تسميه اسرائيل «التنظيمات الإرهابية» التي باتت على قناعة بأن المشاكل مع إسرائيل لا تحل حول طاولة مفاوضات كما اختارت الأردن ومصر، وإنما بمواجهات عنيفة، ليس بالضرورة فورية وواسعة النطاق، بل استنزاف متواصل يقود في نهاية المطاف إلى هزيمة إسرائيلية، حتى وان استغرق الأمر سنوات طويلة كما حصل في الانسحابات الأحادية من لبنان ومن قطاع غزة، وهو ما يبدو أنه سيحصل للقوات الأميركية في العراق.
حزب اللـه أعاد بناء قوته الصاروخية بأسلحة متطورة جداً وعشرات إلى مئات الصواريخ المتوسطة المدى، إضافة إلى إعادة تشكيل وبناء قوته البشرية من المقاتلين. كما تفيد الاستخبارات أن التعاون بين حزب اللـه وحلفائه الإقليميين تعزز وقوي خلال السنة الماضية.
إن أبعاد الانتصار الذي حققته المقاومة يتعدى صمود 33 يوماً، وأكبر من إحداث اهتزازات عنيفة في الكيان الصهيوني وهزيمة جيشه المستكبر. أهمية هذا الانتصار هو أنه ضخ روح المقاومة في الجسم الشعبي العربي، وأعاد إيمان الجمهور العربي بجدوى المقاومة وضرورة المواجهة والتصدي الممانعة بدلاً من التسليم والاستسلام والرضوخ لمشيئة الكيان الغاصب وعرابه الأميركي. كما أثبت نصر المقاومة أن الإيمان والإصرار يقلبان كل المعادلات وينصران صاحب القضية والحق ولو اجتمع عليه العالم أجمع كما حدث في حرب تموز.
لكن فرحة الانتصار الكبير يجب ألا تنسينا أن إسرائيل لا تستسلم بسرعة، بل إنها تعمد حالياً إلى ما يسمى بـ «عسكرة» المجتمع والدولة لإعادة بناء قوة جيشها وترميم صورته من خلال المناورات المستمرة والتدريبات المتواصلة استعداداً لحرب جديدة قد تقع. ومن بين هذه الاستعدادات ما كشفته صحيفة «معاريف» عن أن شعبة الاستخبارات الإسرائيلية أنشأت في الأشهر الأخيرة «وحدة خاصة» لرصد مكان الشخصيات الرفيعة في صفوف «العدو» (أي المقاومة) وتصفيتها جسدياً في إطار عمليات اغتيال نوعية.
وبالتالي، علينا أن نستقي بدورنا دروس حرب تموز ومواصلة استعداداتنا وتجهيز أنفسنا لحرب «رد اعتبار» تشنها إسرائيل، كي نلحق بها هزيمة ثالثة أكبر من أخواتها تكون خاتمة الأسطورة الإسرائيلية والقشة التي تقصم ظهر الكيان الغاصب ومن خلفه قوى الاستكبار العالمي التي تقوده وترعاه.
عوائل الشهداء… صناع الانتصار
هم صناع الانتصار. آباء وأمهات وأخوات وإخوان وأطفال، لا يعرف الندم والقهر طريقاً إلى قلوبهم الملأى بالفخر والعز والنصر الذي صنعته دماء الغالين عليهم. هم مستعدون ليقدموا المزيد، هذا ما يجمعون عليه، ومستعدون لمواجهة جديدة وحرب جديدة ونصر جديد.
حكاية من حكايات كثيرة، جاءت على لسان والدي الشهيد «عمار قوصان»، في منزلهم المتواضع في بنت جبيل، والمزدان بصور السيد حسن نصر اللـه وشهداء الوعد الصادق.
تبسّط عائلة الشهيد عمار فلسفة المقاومة، فتسهل رؤية عوامل الصمود والانتصار في كل ركن من أركان بيتهم الذي تنبعث منه رائحة العز والكرامة.
«هناك شهادة عمار».. يشير أبو نجيب إلى الحائط المقابل. «كان عمار طالباً مهنياً في السنة الأخيرة، استلمنا شهادته بعد استشهاده».
ويختصر الوالد قصة الشهادتين، بأن عمار يوم تسلم رقم طلبه لتقديم الامتحانات الرسمية، كتب تحت الرقم «لا إله إلا الله». «كان لديه شعور هو ورفاقه بأنهم على درب الشهادة. كانوا يجتمعون دائماً هنا..» وهنا عند أبو نجيب تعني البيت والحي والجنوب، كلّ الجنوب، ويتابع:
«دونما فرق بينهم، استشهد هنا، أمام البيت قرب الجامع في 26 تموز. هؤلاء هم أبناء الأرض، إن لم يدافعوا عنها فمن يفعل».
وفي لحظة عابرة ارتسمت على وجه أبو نجيب علامات الحزن والألم وهو يتذكر جرس الهاتف الذي زف إليه نبأ الاستشهاد:
“كان لدي ولدان على الجبهة، محمد في الجديدة وعمار هنا في بنت جبيل، وابنة تعمل في سلك التمريض. عندما أعلنت هدنة ليومين، كنت أنا وأخو الشهيد خارج البيت حيث رن الهاتف الجوال. راقبت ملامح وجهه حين رد على الهاتف وعرفت أن الصغير عمار قد استشهد.. كل من كانوا في مجموعة عمار استشهدوا».
لكن الوجه لا يلبث أن يستريح حتى يعود وينكمش من جديد، لكن هذه المرة بعلامات تحد، لا تخلو من ابتسامة الفخر تتقدم رواية الأب عن لحظات الاستشهاد كما نقلها “الشباب” ( أي رجال المقاومة) إليه:
«دخلت قوة من جنود العدو إلى هنا وتغلغلت بين المنازل، وقوة أخرى دخلت من الجهة الأخرى إلى كروم «سعد» (كروم زيتون)، فأخذ المقاومون يحمون ظهور بعضهم بعضاً ويقاتلون يميناً ويساراً حتى طردوا القوتين واستشهدوا.. أحد الشباب دخل بين صفوف القوة الصهيونية وأخذ يرمي القنابل عليهم ويطلق النار موقعاً عدداً من الإصابات».
وعن بقية الأولاد يجيبنا:
«بكل أمانة، أقسم بالله إني لست بخائف على بقية أولادي، فهذه أرضنا ومن حقنا أن ندفع الدم من أجلها. والله لو لم ندفع جميعاً الثمن دماءً لما بقينا لحظةً في هذه الأرض. ونحن من قبل وقفنا ودافعنا عن أرضنا لكن لم يحالفنا الحظ في نيل الشهادة. عندما يكون هناك شعب مؤمن بقضيته وقيادة صادقة ومؤمنة، تكون المقاومة أمراً طبيعياً.
لكن الحسرة في قلب الوالد ليست على بيت تهدم أو ابن استشهد فداء للوطن، بل على العرب والحكومة اللبنانية:
«أقول للعرب أن يعتبروا من هذه القلة القليلة التي قاومت بلحمها أعتى قوة في الشرق الأوسط، لكن أعتقد من الصعب أن يستحوا! وحكومتنا حكومة عملاء، تستفز الناس وتعاقبهم على صمودهم!».
أما أم الشهيد، فلها حكاية أخرى عن الصمود والتحدي.. ابتسامتها الهادئة قادرة أن تجيب العالم عن سر الانتصار، لأنها أبلغ من كل التنظير والتحليل:
«في بدايات انضمامه للمقاومة كان يخرج كل ليلة لمدة أسبوع. كان والده يظن أنه يسهر مع رفاقه، لكنني كنت أعرف أنه مع المقاومة. في الأسبوع الثاني قلت له أنا لم أكذب يوماً على أبيك، البس بذلتك واحمل سلاحك، فإن سمح لك اذهب وتدرب وان لم يسمح لك ابق في البيت.. بالنسبة لي، كنت أشجعه وأدعمه رغم معرفتي أنه معرض في أي لحظة للشهادة».
«يوم انتهت الحرب وعاد أبوه وأخوه إلى المنزل، وجدا كل المنزل محطماً إلا صور عمار كانت لا تزال صامدة على الحائط. عندما عرفت بكيت طبعاً، لكنني لم أندم لحظة على تشجيعه لسلوك درب المقاومة، حتى إنني عندما قلت للشباب: هل ما زال هناك يهود في جبالنا وتلالنا؟ أعطوني سلاحاً… أريد أن أفجر نفسي بهم».












.jpg)


