عرض أحدث 14 من 18 من المشاركات بداية من 09/08/09 - 16/08/09. عرض المشاركات الأقدم
الإسلام السياسي وحتمية نهايته
عزام الحملاوي
أطلق المتأسلمون علي انتشار الإسلام السياسي بالصحوة الإسلامية، وكأن الإسلام الديني كان في سبات وهم أيقظوه. والمقصود هنا اليقظة السياسية للإسلام، وليس الصحوة الدينية، لأن المسلمين قبل انتشار الإسلام السياسي كانوا اقرب إلي الإسلام، وأكثر تدينا مما يحدث اليوم في ظل الإسلام السياسي. فاليوم، نشاهد الارتباط القوي بين صحوة الإسلام السياسي وقتل الأبرياء باسم الدين، لذلك أثارت هذه الصحوة ردود أفعال سيئة في الشعوب الإسلامية وغير الإسلامية، ليس ضد الإسلام السياسي فقط، بل ضد الدين الإسلامي أيضا. وإذا عملنا مقارنة بين التدين للشعب الإيراني ألان، والشعب التركي الذي يحكمه نظام علماني ديمقراطي، نجد أن معظم الإيرانيين ابتعدوا عن الدين، بينما اقبل الأتراك عليه رغم الجذور الإسلامية للحزب الحاكم الذي تخلي عن فرض النظام الإسلامي، والتزم بالعلمانية واحترام الديمقراطية. لذلك فان هذا الانتشار مزيف،وهو الذي يسبق موت الأيديولوجية لتلك الفئة التي تتخذ من الإسلام ذريعة لتحقيق أهدافهم في السيطرة علي الحكم، والتسلط علي الشعوب ومقدراتهم، مستغلين المشاكل الاقتصادية لها. إن أبواق الإسلام السياسي فشلوا لجهلهم بتقدم القوانين التي تفرضها الحياة علي الشعوب، والتي ينكرونها ويصرون علي تخلف شعوبهم، وبهذا فالإسلام السياسي يحمل نهايته، لأنه يسير بعكس حركة التاريخ، لان تاريخ الشعوب لاتقرره العوامل الداخلية بل أيضا العوامل الخارجية، فمصير كل شعب مرتبط بمصير العالم حوله، حيث تتشابك مصالح الدول فيما بينها، وأي مشكلة في أي دولة تؤثر علي العالم وتعتبر مشكلة دولية،والدليل علي ذلك إسقاط حكم طالبان وصدام. وتعتمد التيارات الإسلامية في نشر أفكارهم وتأطير الناس علي الأسباب التالية :
1-استغلال الفطرة الدينية لدي الشعوب الإسلامية ،وتفشي الجهل والأمية.
2-الصعوبات الاقتصادية، واستغلال حاجة الناس، وفساد الحكومات.
ومع مرور الزمن، أثبتت تلك الفئة فشلها لازدياد الوعي السياسي والفكري لدي الشعوب ،واكتشاف كذبها، وبالتالي افتضح أمرهم في معاداتهم للديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمرأة وغيرها. ولقد أثبت فوز بعض الحركات والأحزاب الإسلامية سابقا مثل: الأحزاب الدينية في العراق التي تشارك في الحكم تحت راية العزو الأمريكي، والأحزاب الإسلامية في الجزائر، والإخوان في الأردن، حماس في غزة، الأخوان المسلمين في السودان وغيرها، فشلها وجلب الكوارث لشعوبها، والتعجيل في نهاية الإسلام السياسي. لذلك فان أفضل الطرق لتراجع هذه الحركات هو منحها الفرص ووضعها علي المحك، وبذلك سيثبت فشلها ويكتشف حقيقتها، وهذا ماحصل في كثير من البلاد مثل: إيران والعراق والجزائر، ومن الدلائل علي بداية نهاية هذه الحركات والأحزاب في البلدان الإسلامية مايلي:
1-في باكستان لم تحصل الأحزاب السياسية علي أكثر من 11% من مجموع أصوات الناخبين.
2-هزيمة التيار الإسلامي في انتخابات البرلمان في الكويت، حيث فازت أربع نساء ولأول مرة في تاريخ الكويت عام 2009.
3-هزيمة الأخوان المسلمين في الأردن في انتخابات 2007 من 17 مقعد إلي 6 مقاعد.
4-تقلص عدد المصوتين للتيار الإسلامي في جميع الدول العربية مثلما حصل في الجزائر والمغرب وغيرهما .
5-هزيمة التيار الإسلامي (حزب الله لم يحقق الأغلبية التي وعد بها، وله الآن 12 نائباً من 128 نائباً) في لبنان في انتخابات 2009 .
6-التحسن الملحوظ في انتخابات مجالس المحافظات العراقية، والانحسار الواضح للتيارات الإسلامية.
إما إذا مااجريت اليوم انتخابات ديمقراطية تحت إشراف الأمم المتحدة في كل من: السعودية، وإيران، والسودان وغيرهما، ستفوز القوي الديمقراطية، وستخسر التيارات الإسلامية إذا لم تنتهي ومسئولي التيارات الإسلامية يعلمون هذا، لذلك فإنهم يحاولون فرض إرادتهم علي الناس بالقوة ورفض الانتخابات، لهذا فإن لجوء الإسلاميون للعنف وفرض أنفسهم بالقوة لدليل علي ضعف أفكارهم وبرامجهم، ولذلك مهما حاولت التيارات الإسلامية فان قرب نهايتها قد أوشك علي الانتهاء.
لبنان: وطن بلا حدود ؟

نادر قريط
كل السوريين تقريبا بائعون متجولون، بعضهم يطلب الصدقة بإلحاح، وبعضهم القليل يعيش في ساوث إند خارج ميدان أوليفر .. لايمكن بأي معنى اعتبارهم أمريكيين، إنهم الأكثر أجنبية من كل أجانبنا، يرتدون أزياءهم الشرقية في الشوارع، وفي حجراتهم يتحلقون حول النرجيلة، إنهم منعزلون عنّا، مضّيافون في منازلهم لكنهم أيضا مخادعون.. وفضوليّون (إنتهى)
المقطع أعلاه جزء يسير من بحوث إجتماعية، كانت تُعدها المنظمة الكنسية الخيرية "كاريتاس" في أمريكا (بوسطن) عن المهاجرين عام 1890م وهؤلاء ليسوا سوريين تماما؟ معظهم يعود لجبل لبنان، الذي تشكّل تاريخيا من الموارنة والدروز، أما سكان ميدان أوليفر في بوسطن فكان مربط خيل الموارنة القادمين من بلدة بشرّي في جبل لبنان (عائلات رحمة وجبران وغيرهم) وهي البلدة الشهيرة التي أنجبت أحد عظماء عصر الرومانس "جبران خليل جبران"، بعد هجرة أسرته عام 1895م وهو في الثامنة من عمره. أنذاك كانت المراكب ترسو في نيويورك، ثم ينتقل المهاجرون إلى جزيرة إيليس، للمثول أمام مكاتب الهجرة والجنسية .. فأمريكا ذلك الوقت لم تكن تعرف شيئا إسمه لبنان، لهذا كانت تختم على أوراقهم عبارة: سوري من رعايا الدولة العثمانية.
عذرا للقارئ ما كتبته للتو هو إستمرار في محاولة فهم الوطن بشقيه الموضوعي والذاتي، الحقيقي والشعري. فهو أحد المركبات الذهنية المعقدة، ولبنان الحالي هو نموذج (عبقري) لهذا المركب، وكاتب السطور يعتبره أهم الأوطان "التشكيلية" التي تستوطن ذاكرته ولغته. ربما بسبب القرب الجغرافي (بضعة عشرات من الكيلو مترات) إضافة لذكريات حميمة عن أقارب وأحبّة من بؤساء الريف السوري، كانوا قد هجروا أرضهم وعملوا أجراءا (وعبيد) في مزارع (الخواجة إلياس وغيره من إقطاعيي لبنان) وتعرضوا أحيانا للمهانة ولذعات خيزرانته أو كرباجه.
وهم نفس الأقارب الذين كانوا يتباهون بالهوية اللبنانية، ويسافرون إلى مدينة زحلة للمشاركة في الدبكات وأعراس الإنتخابات، وإختيار مرشحهم (من آل سكاف، أحد إقطاعيي السياسة المعروفين) ثم إستلام أتعابهم (بلغ سعر الصوت الإنتخابي الواحد في الخمسينيات حوالي 100ليرة) وهو مبلغ محترم كان يقبضه المصوّت لتغطية بعض المصاريف وشراء الهدايا (والتبغ وراحة الحلقوم، وبسكويت غندور) لكن قبل الإستمرار أرجو من القارئ ألا يعتبر أقاربي مجموعة من المرتزقة، بل أناس بسطاء وشرفاء، لحسوا أصابعهم أحيانا من كعكة الفساد السياسي وشراء الذمم، وهذا يسمى بلغتنا "باب رزق" وكما يقول المثل الشعبي: رزق الأهبل على المجنون (مع حرية التأويل)
ولفهم عبقرية لبنان (الوطن الإفتراضي) أجد من البديهي العودة إلى الجذور، إلى أنطولوجيا الأشياء، فلبنان (لفظ يعني الأبيض: بسبب تراكم الثلوج ) وهو تاريخيا ليس أكثر من متصرفية جبل لبنان، حسب تقسيم الإدارة العثمانية، وهو الجبل الذي ربطه أحد الحجاج عام 1836م: بشجرة الأرز (الرومانسية) والبساتين الجبلية والمهابط الصخرية، التي تنبثق منها الشلالات والنباتات، والوهاد الموحشة والرهبة والتقديس .. وكأن هذا المكان هو حارس بين الزمن والأبدية والتذكارات الحزينة لأيام المعبد الأول، حينما كان الرب يسكن وسط شعبه.
وهذه الجذور (الإجتماعية التاريخية) تأخذنا قسريا إلى الموارنة. فهم سكنة الجبل ومؤسسو لبنان الحديث، و يعودالموارنة للكنيسة السورية، التي تمردت جزئيا على بيزنطة، ونسبت نفسها إلى راهب سوري (أسطوري) من القرن 5م، يُدعى مار مارون، يُقال أنه من منطقة تقع شمال غرب نهر العاصي
وكما يخبرنا التاريخ الرسمي. فإن الموارنة تميّزوا بالصلابة والفروسية، لكنهم إضطروا لترك كنائسهم القديمة (بين حمص وحلب) بُعيد (الغزو العربي؟) وبدأوا بإستيطان الجبال الشاهقة وإستمر الأمر أثناء هيمنة العثمانيين وفرض الجزية عليهم واللباس الأسود ومنعهم من ركوب الخيل.
وقد حافظ الموارنة على طقوس كنيستهم السورو ـ آرامية رغم إعتناقهم الكاثوليكية وعلاقتهم المبكرة مع روما (بدأت زمن الحروب الصليبية ثم تعمقت من خلال المجمع الكنسي عام 1736م الذي ربطهم بالكرسي البابوي، مع تمتعهم بحرّية ممارسة طقوس الكنيسة السورية)
وهنا ينبثق سؤال مهم يرتبط بعلم اللسانيات.. لماذا تخلّى الموارنة عن الآرامية لصالح العربية؟ خصوصا أنهم منعزلون في تلك الجبال الشاهقة (ولا تصل إليهم العفاريت الزرق) وكيف يحافظ المرء على طقوسه الدينية ومعتقداته لقرون عديدة ويحافظ على صلاته مع روما، ويعيش وسط ممالك صليبية قرنين من الزمان، ويقاوم العرب والترك والولاة بفروسية منقطعة النظير؟ ثم يلقي آراميته وينطق بالعربية (سبحان الله)؟ لماذا لم ينطق بالتركية مثلا لغة الولاة، أو اللاتينية لغة الصليبين؟
الإجابة ليست مهمة بقدر السؤال. الذي يرفع اللثام عن سذاجة ما تعلمناه في درس التاريخ؟ فالموارنة كانوا ومازالوا جزءا أصيلا من موروث لغوي عام طبع الهلال الخصيب، قبل قدوم السيد جبريل إلى غار مكة.
وقبل إلقاء الضوء على بعض مفاصل تاريخ جبل لبنان، ألفت النظر إلى قضية جوهرية حاولت الوطنية الضيقة بثها، لخلق وعي وطني مزيّف، أقصد ربط لبنان (الحالي) بفينقيا وكأن مسيو بيكو كان يرسم بقلمه حدود ذلك الوهم التاريخي، لأن فينيقيا ليست أكثر من ترجمة يونانية للفظ "كنعان" تماما كإستبدال مصر بلفظ "إيجبت". فالفينيقية كذبة واهية.. ووهم أركيولوجي (فينيكوس تعني الأرجوان القرمزي، الذي تاجر به البحارة الكنعانييون من جبيل وصور)
وبإيجاز شديد يمكننا أن نتوقف عند بضعة محطات لسبر هذه الصيرورة اللبنانية:
أولا: عام 1590م حكم جبل لبنان الأمير فخرالدين المعني الثاني (درزي) وجمع الموارنة والدروز تحت قبضته، وكان متأثرا بعصر النهضة الأوروبية، سيما أنه قضى أعواما في المنفى الأوروبي (في توسكانا إيطاليا)
ثانيا: بدأت الحداثة الأوروبية تتسرب فعليا مع حكم بشير الثاني الشهابي (1788ـ 1840) (ماروني وحليف لمحمد علي في مصر) وهو الذي قام بإضعاف الإقطاع القروسطي المستبد وإنهاك النفوذ العثماني وإدخال الآلات والمشاريع الهندسية.. وللمفارقة نقول أن الأمراء الشهابين الموارنة، هم مسلمون أساسا، وتعود أصولهم إلى حوران في جنوب سوريا، وقد إنتقلوا عام 1170م أثناء الحروب الصليبية إلى منطقة راشيا وحاصبيا، وتحالفوا فيما بعد مع الحكام المعنيين (الدروز) ثم مع المورانة، وإعتنقوا المسيحية.
ثالثا:أما النقلة المهمة في صياغة لبنان الحالي، فقد لعبتها مدارس التبشير الوافدة لبلاد الشام (اليسوعية والأنجيلية) وتعميق الشعور القومي (العربي) كأداة في الصراع ضد الدولة العثمانية، ودخول المطبعة وبداية التعليم الحديث.
ومن الملفت أن الكنيسة المارونية قاومت بشراسة البروتستانتية الوافدة مع المبشرين الأمريكيين، وأصدرت فرمانا شهيرا عام 1826م يكفّر كل من يتعامل مع هذا المذهب (الملحد) ويحضرني بهذا المقام ذكر "أسعد الشدياق" وهو أول معتنق للبروتستانتية، فقد حبسته الكنيسة المارونية في أحد الأديرة ثم قتلته بتهمة الهرطقة.
رابعا: ومن المناسب ذكر المذبحة الأهلية في الجبل عام 1860م بين الموارنة والدروز وإنهيار تحالفهم التاريخي المتذبذب.. وتعود أسبابها إلى خلافات بين إقطاعيي الأراضي وتقاطعات وتضاربات دولية ضلعت بها بريطانيا (حليفة الدروز) وفرنسا (حليفة الموارنة) والباب العالي. فالويل للبنان إذا إختلف أولياء نعمته فيما بينهم ، لأن القضية كانت ولا زالت محكومة بمبدأ: الآباء يأكلون الحصرم والأطفال يضرسون.
بعد هذه المحطات المقتضبة نعرف جميعا كيف نشأ الكيان السياسي الحديث، عبر دستور عام 1926م وكيف صفّق طائر (البطريق) بجناحيه الماروني، السنّي، من خلال إضافة مناطق واسعة تعود للعمق الشامي.
المهم أن لبنان قام على أغرب ديمقراطية توافقية عرفها العالم ، فهي ببساطة شكل إتحادي بين كانتونات دينية ومذهبية ذات حدود وهمية، قد تتحوّل بسرعة إلى حواجز للخطف وسواتر للقنص. ومن ثوابت تلك الديمقراطية، ضمان وحماية الإقطاع السياسي الديني القروسطي وإعادة تفريخه دوريا، حتى ولو كانت رموزه من بارونات الحرب الأهلية ومن الضالعين بجرائم الإبادة والخطف والتطهير. إذ تكفي بعض المجاملات العربية وبوس اللحى، وشرب فنجان من القهوة، إلى دفن الماضي والإستمرار بنفس الدبكة القديمة..
وتجدر الإشارة إلى أن المدن العثمانية السنيّة الرئيسية (طرابلس، بيروت، صيدا) كانت ذخيرة مهمة لحركة المد القومي (البعث، حركة القوميين، الناصرية)
لكن إشتعال الحرب الأهلية عام 1976 م وما رافقها من صراع دولي أقليمي، أدى إلى صياغة بنود مؤتمر الطائف، التي تضمّنت زحزحة الدستور القديم، ونتف الجناح المسيحي، وتوزيع ريشه على الذيل (وهو مهم في توجيه مسار الطائر). وأيضا ساهم نفوذ البترودولار في تقصير الدشداشة السنية، ونمو الأفكار الأصولية. وفتور التيار القومي. وظهور كوكتيل تقوده حريرية سعودية، متحالفة مع الغرب، تقف بوجه شيعية سياسية. نهضت بقوة مع قدوم الثورة الإيرانية عام 1979م، وإكتسبت مشروعية وطنية عالية عبر مقارعتها الطويلة والدامية لإسرائيل
إن لبنان أثبت دائما إرادة فذة، فعبقريته إستمدها من جذوره الضاربة في عمق محيطه المترامي، الذي قطّعت أوصاله بمقص سايكس بيكو ..إنه خليط تاريخي ثقافي متشابك، فمعظم العائلات الكبرى توزعت بين مدن الإدارة العثمانية لولاية سورية (دمشق، القدس، حيفا، طرابلس، حلب) ومعظم العائلات إنقسمت دينيا ومذهبيا. حتى عائلة الأديبة الفلسطينية المولد: ماري إلياس زيادة (مي) إنشطرت عبر الحدود، ومنها المسيحي ومنها المسلم. فأي طائر فينيق وأي بطيخ هذا الذي يشحج به البعض؟
وقبل الإستئذان أعود إلى نيويورك عام 1895م إلى تلك المرأة العصامية: كاملة رحمة ( أم جبران خليل جبران) التي عبرت المحيط برباطة جأش، بعد أن تركت زوجها "خليل" يدفع في السجن ثمن مقامرته وسفاهته وإختلاسه..
لم يكن مدهشا أن تكون "كاملة" إبنة قسيس يدعى إستيفان عبدالقادر رحمة، وعبدالقادر جدها .. هو فارس مسلم دخل جبال بشري وإعتنق المسيحية وتزوج سيدة مارونية من آل رحمة، وليس مدهشا أن يكون آل جبران قد قدموا من العمق السوري عام 1672م وإستوطنوا بشلا قرب بعلبك ثم صعدوا تلك الجبال العاتية.
لكن المثير للإعجاب حقا أن تملك "كاملة رحمة" إرادة فولاذية، وصبرا وعنادا وتحمل صرّة (بقجة) على رأسها، تزن خمسين رطلا من الأقمشة (كعادة الباعة الجوالين السوريين) وتسير الأميال الطويلة في شوارع بوسطن وضواحيها، كي تضمن لقمة شريفة كريمة لأطفالها (اليتامى) ومنهم الفتى جبران خليل جبران.
"لقمة شريفة كريمة" عبارة لا محل لها من الإعراب، أو مسرفة في الأخلاقوية وغير قابلة للصرف في سوق العملات، وقد يقهقه لسماعها سماسرة (الكلمات والأشياء) لكنها قد تكون وطنا للحالمين. إنه الشعر مرة ثانية فقصة جبران هي وطن من الذكريات والمنفى والأمل والأرواح المتمردة .. إنها قصة وطن بلا حدود.
كل السوريين تقريبا بائعون متجولون، بعضهم يطلب الصدقة بإلحاح، وبعضهم القليل يعيش في ساوث إند خارج ميدان أوليفر .. لايمكن بأي معنى اعتبارهم أمريكيين، إنهم الأكثر أجنبية من كل أجانبنا، يرتدون أزياءهم الشرقية في الشوارع، وفي حجراتهم يتحلقون حول النرجيلة، إنهم منعزلون عنّا، مضّيافون في منازلهم لكنهم أيضا مخادعون.. وفضوليّون (إنتهى)
المقطع أعلاه جزء يسير من بحوث إجتماعية، كانت تُعدها المنظمة الكنسية الخيرية "كاريتاس" في أمريكا (بوسطن) عن المهاجرين عام 1890م وهؤلاء ليسوا سوريين تماما؟ معظهم يعود لجبل لبنان، الذي تشكّل تاريخيا من الموارنة والدروز، أما سكان ميدان أوليفر في بوسطن فكان مربط خيل الموارنة القادمين من بلدة بشرّي في جبل لبنان (عائلات رحمة وجبران وغيرهم) وهي البلدة الشهيرة التي أنجبت أحد عظماء عصر الرومانس "جبران خليل جبران"، بعد هجرة أسرته عام 1895م وهو في الثامنة من عمره. أنذاك كانت المراكب ترسو في نيويورك، ثم ينتقل المهاجرون إلى جزيرة إيليس، للمثول أمام مكاتب الهجرة والجنسية .. فأمريكا ذلك الوقت لم تكن تعرف شيئا إسمه لبنان، لهذا كانت تختم على أوراقهم عبارة: سوري من رعايا الدولة العثمانية.
عذرا للقارئ ما كتبته للتو هو إستمرار في محاولة فهم الوطن بشقيه الموضوعي والذاتي، الحقيقي والشعري. فهو أحد المركبات الذهنية المعقدة، ولبنان الحالي هو نموذج (عبقري) لهذا المركب، وكاتب السطور يعتبره أهم الأوطان "التشكيلية" التي تستوطن ذاكرته ولغته. ربما بسبب القرب الجغرافي (بضعة عشرات من الكيلو مترات) إضافة لذكريات حميمة عن أقارب وأحبّة من بؤساء الريف السوري، كانوا قد هجروا أرضهم وعملوا أجراءا (وعبيد) في مزارع (الخواجة إلياس وغيره من إقطاعيي لبنان) وتعرضوا أحيانا للمهانة ولذعات خيزرانته أو كرباجه.
وهم نفس الأقارب الذين كانوا يتباهون بالهوية اللبنانية، ويسافرون إلى مدينة زحلة للمشاركة في الدبكات وأعراس الإنتخابات، وإختيار مرشحهم (من آل سكاف، أحد إقطاعيي السياسة المعروفين) ثم إستلام أتعابهم (بلغ سعر الصوت الإنتخابي الواحد في الخمسينيات حوالي 100ليرة) وهو مبلغ محترم كان يقبضه المصوّت لتغطية بعض المصاريف وشراء الهدايا (والتبغ وراحة الحلقوم، وبسكويت غندور) لكن قبل الإستمرار أرجو من القارئ ألا يعتبر أقاربي مجموعة من المرتزقة، بل أناس بسطاء وشرفاء، لحسوا أصابعهم أحيانا من كعكة الفساد السياسي وشراء الذمم، وهذا يسمى بلغتنا "باب رزق" وكما يقول المثل الشعبي: رزق الأهبل على المجنون (مع حرية التأويل)
ولفهم عبقرية لبنان (الوطن الإفتراضي) أجد من البديهي العودة إلى الجذور، إلى أنطولوجيا الأشياء، فلبنان (لفظ يعني الأبيض: بسبب تراكم الثلوج ) وهو تاريخيا ليس أكثر من متصرفية جبل لبنان، حسب تقسيم الإدارة العثمانية، وهو الجبل الذي ربطه أحد الحجاج عام 1836م: بشجرة الأرز (الرومانسية) والبساتين الجبلية والمهابط الصخرية، التي تنبثق منها الشلالات والنباتات، والوهاد الموحشة والرهبة والتقديس .. وكأن هذا المكان هو حارس بين الزمن والأبدية والتذكارات الحزينة لأيام المعبد الأول، حينما كان الرب يسكن وسط شعبه.
وهذه الجذور (الإجتماعية التاريخية) تأخذنا قسريا إلى الموارنة. فهم سكنة الجبل ومؤسسو لبنان الحديث، و يعودالموارنة للكنيسة السورية، التي تمردت جزئيا على بيزنطة، ونسبت نفسها إلى راهب سوري (أسطوري) من القرن 5م، يُدعى مار مارون، يُقال أنه من منطقة تقع شمال غرب نهر العاصي
وكما يخبرنا التاريخ الرسمي. فإن الموارنة تميّزوا بالصلابة والفروسية، لكنهم إضطروا لترك كنائسهم القديمة (بين حمص وحلب) بُعيد (الغزو العربي؟) وبدأوا بإستيطان الجبال الشاهقة وإستمر الأمر أثناء هيمنة العثمانيين وفرض الجزية عليهم واللباس الأسود ومنعهم من ركوب الخيل.
وقد حافظ الموارنة على طقوس كنيستهم السورو ـ آرامية رغم إعتناقهم الكاثوليكية وعلاقتهم المبكرة مع روما (بدأت زمن الحروب الصليبية ثم تعمقت من خلال المجمع الكنسي عام 1736م الذي ربطهم بالكرسي البابوي، مع تمتعهم بحرّية ممارسة طقوس الكنيسة السورية)
وهنا ينبثق سؤال مهم يرتبط بعلم اللسانيات.. لماذا تخلّى الموارنة عن الآرامية لصالح العربية؟ خصوصا أنهم منعزلون في تلك الجبال الشاهقة (ولا تصل إليهم العفاريت الزرق) وكيف يحافظ المرء على طقوسه الدينية ومعتقداته لقرون عديدة ويحافظ على صلاته مع روما، ويعيش وسط ممالك صليبية قرنين من الزمان، ويقاوم العرب والترك والولاة بفروسية منقطعة النظير؟ ثم يلقي آراميته وينطق بالعربية (سبحان الله)؟ لماذا لم ينطق بالتركية مثلا لغة الولاة، أو اللاتينية لغة الصليبين؟
الإجابة ليست مهمة بقدر السؤال. الذي يرفع اللثام عن سذاجة ما تعلمناه في درس التاريخ؟ فالموارنة كانوا ومازالوا جزءا أصيلا من موروث لغوي عام طبع الهلال الخصيب، قبل قدوم السيد جبريل إلى غار مكة.
وقبل إلقاء الضوء على بعض مفاصل تاريخ جبل لبنان، ألفت النظر إلى قضية جوهرية حاولت الوطنية الضيقة بثها، لخلق وعي وطني مزيّف، أقصد ربط لبنان (الحالي) بفينقيا وكأن مسيو بيكو كان يرسم بقلمه حدود ذلك الوهم التاريخي، لأن فينيقيا ليست أكثر من ترجمة يونانية للفظ "كنعان" تماما كإستبدال مصر بلفظ "إيجبت". فالفينيقية كذبة واهية.. ووهم أركيولوجي (فينيكوس تعني الأرجوان القرمزي، الذي تاجر به البحارة الكنعانييون من جبيل وصور)
وبإيجاز شديد يمكننا أن نتوقف عند بضعة محطات لسبر هذه الصيرورة اللبنانية:
أولا: عام 1590م حكم جبل لبنان الأمير فخرالدين المعني الثاني (درزي) وجمع الموارنة والدروز تحت قبضته، وكان متأثرا بعصر النهضة الأوروبية، سيما أنه قضى أعواما في المنفى الأوروبي (في توسكانا إيطاليا)
ثانيا: بدأت الحداثة الأوروبية تتسرب فعليا مع حكم بشير الثاني الشهابي (1788ـ 1840) (ماروني وحليف لمحمد علي في مصر) وهو الذي قام بإضعاف الإقطاع القروسطي المستبد وإنهاك النفوذ العثماني وإدخال الآلات والمشاريع الهندسية.. وللمفارقة نقول أن الأمراء الشهابين الموارنة، هم مسلمون أساسا، وتعود أصولهم إلى حوران في جنوب سوريا، وقد إنتقلوا عام 1170م أثناء الحروب الصليبية إلى منطقة راشيا وحاصبيا، وتحالفوا فيما بعد مع الحكام المعنيين (الدروز) ثم مع المورانة، وإعتنقوا المسيحية.
ثالثا:أما النقلة المهمة في صياغة لبنان الحالي، فقد لعبتها مدارس التبشير الوافدة لبلاد الشام (اليسوعية والأنجيلية) وتعميق الشعور القومي (العربي) كأداة في الصراع ضد الدولة العثمانية، ودخول المطبعة وبداية التعليم الحديث.
ومن الملفت أن الكنيسة المارونية قاومت بشراسة البروتستانتية الوافدة مع المبشرين الأمريكيين، وأصدرت فرمانا شهيرا عام 1826م يكفّر كل من يتعامل مع هذا المذهب (الملحد) ويحضرني بهذا المقام ذكر "أسعد الشدياق" وهو أول معتنق للبروتستانتية، فقد حبسته الكنيسة المارونية في أحد الأديرة ثم قتلته بتهمة الهرطقة.
رابعا: ومن المناسب ذكر المذبحة الأهلية في الجبل عام 1860م بين الموارنة والدروز وإنهيار تحالفهم التاريخي المتذبذب.. وتعود أسبابها إلى خلافات بين إقطاعيي الأراضي وتقاطعات وتضاربات دولية ضلعت بها بريطانيا (حليفة الدروز) وفرنسا (حليفة الموارنة) والباب العالي. فالويل للبنان إذا إختلف أولياء نعمته فيما بينهم ، لأن القضية كانت ولا زالت محكومة بمبدأ: الآباء يأكلون الحصرم والأطفال يضرسون.
بعد هذه المحطات المقتضبة نعرف جميعا كيف نشأ الكيان السياسي الحديث، عبر دستور عام 1926م وكيف صفّق طائر (البطريق) بجناحيه الماروني، السنّي، من خلال إضافة مناطق واسعة تعود للعمق الشامي.
المهم أن لبنان قام على أغرب ديمقراطية توافقية عرفها العالم ، فهي ببساطة شكل إتحادي بين كانتونات دينية ومذهبية ذات حدود وهمية، قد تتحوّل بسرعة إلى حواجز للخطف وسواتر للقنص. ومن ثوابت تلك الديمقراطية، ضمان وحماية الإقطاع السياسي الديني القروسطي وإعادة تفريخه دوريا، حتى ولو كانت رموزه من بارونات الحرب الأهلية ومن الضالعين بجرائم الإبادة والخطف والتطهير. إذ تكفي بعض المجاملات العربية وبوس اللحى، وشرب فنجان من القهوة، إلى دفن الماضي والإستمرار بنفس الدبكة القديمة..
وتجدر الإشارة إلى أن المدن العثمانية السنيّة الرئيسية (طرابلس، بيروت، صيدا) كانت ذخيرة مهمة لحركة المد القومي (البعث، حركة القوميين، الناصرية)
لكن إشتعال الحرب الأهلية عام 1976 م وما رافقها من صراع دولي أقليمي، أدى إلى صياغة بنود مؤتمر الطائف، التي تضمّنت زحزحة الدستور القديم، ونتف الجناح المسيحي، وتوزيع ريشه على الذيل (وهو مهم في توجيه مسار الطائر). وأيضا ساهم نفوذ البترودولار في تقصير الدشداشة السنية، ونمو الأفكار الأصولية. وفتور التيار القومي. وظهور كوكتيل تقوده حريرية سعودية، متحالفة مع الغرب، تقف بوجه شيعية سياسية. نهضت بقوة مع قدوم الثورة الإيرانية عام 1979م، وإكتسبت مشروعية وطنية عالية عبر مقارعتها الطويلة والدامية لإسرائيل
إن لبنان أثبت دائما إرادة فذة، فعبقريته إستمدها من جذوره الضاربة في عمق محيطه المترامي، الذي قطّعت أوصاله بمقص سايكس بيكو ..إنه خليط تاريخي ثقافي متشابك، فمعظم العائلات الكبرى توزعت بين مدن الإدارة العثمانية لولاية سورية (دمشق، القدس، حيفا، طرابلس، حلب) ومعظم العائلات إنقسمت دينيا ومذهبيا. حتى عائلة الأديبة الفلسطينية المولد: ماري إلياس زيادة (مي) إنشطرت عبر الحدود، ومنها المسيحي ومنها المسلم. فأي طائر فينيق وأي بطيخ هذا الذي يشحج به البعض؟
وقبل الإستئذان أعود إلى نيويورك عام 1895م إلى تلك المرأة العصامية: كاملة رحمة ( أم جبران خليل جبران) التي عبرت المحيط برباطة جأش، بعد أن تركت زوجها "خليل" يدفع في السجن ثمن مقامرته وسفاهته وإختلاسه..
لم يكن مدهشا أن تكون "كاملة" إبنة قسيس يدعى إستيفان عبدالقادر رحمة، وعبدالقادر جدها .. هو فارس مسلم دخل جبال بشري وإعتنق المسيحية وتزوج سيدة مارونية من آل رحمة، وليس مدهشا أن يكون آل جبران قد قدموا من العمق السوري عام 1672م وإستوطنوا بشلا قرب بعلبك ثم صعدوا تلك الجبال العاتية.
لكن المثير للإعجاب حقا أن تملك "كاملة رحمة" إرادة فولاذية، وصبرا وعنادا وتحمل صرّة (بقجة) على رأسها، تزن خمسين رطلا من الأقمشة (كعادة الباعة الجوالين السوريين) وتسير الأميال الطويلة في شوارع بوسطن وضواحيها، كي تضمن لقمة شريفة كريمة لأطفالها (اليتامى) ومنهم الفتى جبران خليل جبران.
"لقمة شريفة كريمة" عبارة لا محل لها من الإعراب، أو مسرفة في الأخلاقوية وغير قابلة للصرف في سوق العملات، وقد يقهقه لسماعها سماسرة (الكلمات والأشياء) لكنها قد تكون وطنا للحالمين. إنه الشعر مرة ثانية فقصة جبران هي وطن من الذكريات والمنفى والأمل والأرواح المتمردة .. إنها قصة وطن بلا حدود.
خبث مصطلحات الغرب الاستعماري

حسن عثمان *
لقد كنّا تحدّثنا في مقال سابق عن المصطلحات والأفكار، التي استخدمها الغرب ( الاستعماري ) منذ مجيئه إلى أراضينا، وإلى الآن. وكنّا قد نوهنا إلى مصطلح التطبيع الذي طالب به السيد أوباما من بعض حكّام العالم العربي. طبعاً، التطبيع هو كغيره من المصطلحات الاستعمارية السابقة، والتي تمتاز بوجهين، أولهما ظاهري جذّاب، ( حيث يحترق بجاذبيته أبناء الشعوب المستعمَرة، حال الفراشة التي تنجذب نحو نور الشمعة أو شعلة النار )، و ثانيهما مخفي و غير مرئي، وهو الأهم والأخطر وخطورته تكمن في غيابه عن نظر الكثيرين . طبعاً التقدير هنا والتمييز بين ظاهر وباطن المصطلح مرتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجة الوعي القومي لشعوب العالم العربي. لذلك نجد عندما يكون المصطلح الاستعماري مفضوح لشعوب العالم العربي يعتمد الغرب ( الاستعماري ) في نشره على حكّام العالم العربي ( Remote Control ) ، دون الأخذ بعين الاعتبار لهذه الشعوب، وشعارات الديمقراطية والحرية التي يتغنون ويلوحون بها بين هذه الشعوب حين يجدون أنّ الأمر والمصلحة الاستعمارية تقضي ذلك. والتطبيع صراحة، لا يحتاج لمن يقول له أنك سياسة استعمارية تكرّس اغتصاب فلسطين، وتعزز انقسام العالم العربي إلى كيانات وإمارات وفقاً لسايكس بيكو ولخطة اليهود المستقبلية بشأن منطقتنا، وبالتالي استمرار وجود الغرب الاستعماري في بلادنا. وبذلك نفهم المطالبة بتطبيقه من خلال تقنية التحكم عن بُعد ( Remote Control ).
الثلاثاء الماضي، تكررت هذه الممارسة الاستعمارية من قبل بريطانيا، عندما طالب ، وزير دولتها لشؤون الشرق الأوسط، ( افن لويس ) الشام في استخدام نفوذها لحل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس حل الدولتين ( جريدة القدس العربي – العدد 6273 ). طبعاً مثل هذا الكلام يُنادي به الكثيرون من أصحاب الفكر( الاستعماري ). هذا الكلام ماذا يعني وفقاً لدرجة الوعي القومي التي نرى من خلالها:
هنا يُريد الوزير، افن لويس ، باستخدامه للمصطلح الاستعماري ( الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي )، إخراج الشام ( أحد أهم كيانات الأمة السورية ) من دائرة الحرب والتي هي من المفترض أنها وجودية بالنسبة له مع اليهود، بمعنى آخر إبعاد الشام عن محيطها، وإغفال حقّها الطبيعي في جنوبها ( فلسطين المحتلة ).هذا المصطلح الجديد ( الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي )، استفاد منه الغرب ( الاستعماري ) بعد معرفتهم التامة بزوال واندثار الشعارات السابقة للعالمين العربي والإسلامي ( الصراع العربي – الإسرائيلي ، والصراع الإسلامي - الصهيوني)، وانكشاف بازار الكلام والشعارات للحاكمين في كلا العالمين.
لبنان الذي دخل بقوة في مواجهة اليهود من خلال مقاومته الوطنية، أثبت قوته الحقيقية. وأكّد ليس فقط على حقه بالبقاء عزيزاً كريماً، وإنما حقه بالمواجهة والقدرة على العمل على تحرير فلسطين المحتلة، كمسار حياتي طبيعي جداً، قائم على حقيقة وجوده كمكمّل للمحيط الجغرافي الذي ينتمي له، وداعم لحقيقة الأمة السورية. لبنان هذا ، الغرب ( الاستعماري )، ومنذ انتباهه إلى ظهور بوادر النضوج الفكري والقومي لديه ، عمد ويعمد على تدمير حقيقته وتغيير مساره في مواجهة اليهود( العصب الاستعماري في منطقتنا). وما أتى به الوزير البريطاني من مصطلح ( الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي )، إلى دمشق هو إنهاء لهذه الحقيقة عند الشاميين أيضاً، فهل سينجح في ذلك ؟. أي بالمختصر هذا المصطلح هو للتأكيد وللمرة الألف على سايكس بيكو واستمرارها، ولو لم يتم إعلان ذلك صراحة، فهذا المصطلح كغيره يمتاز بوجهان (ظاهر جذاب مُحرق ، ومخفي هدام ).
برأيكم لماذا لم يدعِ هذا الوزير ومعه الغرب ( الاستعماري )، إلى استخدام الشامي لنفوذه لأجل تحرير فلسطين ( كل فلسطين ) والفلسطينيين ؟.لماذا لا يدعوه إلى استخدام نفوذه لدعم حركات التحرر الفلسطينية، وطرد اليهود المغتصبين، ومن ثم يتحقق السلام ؟
يقول الوزير البريطاني في سياق حديثه وبحسب المصدر السابق " نحن نعتقد أنه توجد الآن فرصة هامة جداً لم تكن موجودة في الماضي لتسوية أحد أقدم وأشد الصراعات في العالم وهو الصراع في الشرق الأوسط، ونعتقد أن هذا من شأنه أن يتحقق فقط إذا تم تحقيق حل الدولتين وإذا تم إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة وضمان أمن إسرائيل وتحقيق السلام الشامل بين سورية وإسرائيل ... " .
نسأل السيد الوزير المحترم، وندلل على كلامه( الاستعماري ) الواضح :
هل كنّا سنحتاج لفرصة هامة( كما تدعي) وغير هامة، لو أنّ بريطانيا العظمى ( الاستعمارية ) لم تدعم اليهود في اغتصاب وسرقة فلسطين، من خلال دعم الهجرة، وتصريح بلفور اللاأخلاقي، وكل ذلك تحت مصطلح استعماري سابق ( الانتداب ) ؟؟؟؟.نسأله أحد أقدم وأشد الصراعات في العالم، من أقامه الفلسطينيين ؟؟؟ أم مملكته العظمى وحكوماتها الاستعمارية السابقة وغيرها من حكومات الغرب ( الاستعماري) ؟؟؟
وبعد أن يُغيّب كل هذا، يُتابع الوزير العظيم كلامه، ( والذي لا يُفهم منه إلا استهباله واستخفافه بعقولنا )، ليقول لنا أنّ حل الدولتين هو الذي يُنهي الصراع. وإذا دققنا في كلامه أيضاً سنجد الهم الاستعماري الذي يشغله ويُفكر به "..... تم إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة وضمان أمن إسرائيل". يعني ليس المهم ما ستكون عليه الدولة الفلسطينية، والمهم هو حماية اليهود، وأمن المستوطنات، وإبعاد الخوف عنهم وعن أطفالهم. أمّا الفلسطينيون فليذهبوا للجحيم. يعني الذي يُنهي الصراع بنظره، فقط مساحة من الأرض يتم تجميع الفلسطينيين بها، يتوفر بها الأكسجين الكافي للبقاء على قيد الحياة. أمّا بقية المقومات الأخرى يتم التفاوض عليها لاحقاً وليست ضرورية الآن.
نشير ونوضّح ونتمنى على كل من يؤمن بحل الدولتين، وإقامة السلام، أن يعي حقيقة الاستعمار وكيف يُفكر، أن يعي بأنّ مسيرة الاستعمار و مصطلحاته لن تنتهي إلا بنهايتنا. وأنّ ما جاء به الوزير البريطاني لا يختلف عن تفكير أسلافه الاستعماري ، ولن يختلف عن تفكير من يأتي بعده، إذا بقينا في استمرار تجاهل مصالحنا القومية العليا، و تجنب الثقافة المغذية للوعي القومي الحقيقي.
* محرر في موقع أوروك الجديدة
H-Othman@Orook.Com
لقد كنّا تحدّثنا في مقال سابق عن المصطلحات والأفكار، التي استخدمها الغرب ( الاستعماري ) منذ مجيئه إلى أراضينا، وإلى الآن. وكنّا قد نوهنا إلى مصطلح التطبيع الذي طالب به السيد أوباما من بعض حكّام العالم العربي. طبعاً، التطبيع هو كغيره من المصطلحات الاستعمارية السابقة، والتي تمتاز بوجهين، أولهما ظاهري جذّاب، ( حيث يحترق بجاذبيته أبناء الشعوب المستعمَرة، حال الفراشة التي تنجذب نحو نور الشمعة أو شعلة النار )، و ثانيهما مخفي و غير مرئي، وهو الأهم والأخطر وخطورته تكمن في غيابه عن نظر الكثيرين . طبعاً التقدير هنا والتمييز بين ظاهر وباطن المصطلح مرتبط ارتباطاً وثيقاً بدرجة الوعي القومي لشعوب العالم العربي. لذلك نجد عندما يكون المصطلح الاستعماري مفضوح لشعوب العالم العربي يعتمد الغرب ( الاستعماري ) في نشره على حكّام العالم العربي ( Remote Control ) ، دون الأخذ بعين الاعتبار لهذه الشعوب، وشعارات الديمقراطية والحرية التي يتغنون ويلوحون بها بين هذه الشعوب حين يجدون أنّ الأمر والمصلحة الاستعمارية تقضي ذلك. والتطبيع صراحة، لا يحتاج لمن يقول له أنك سياسة استعمارية تكرّس اغتصاب فلسطين، وتعزز انقسام العالم العربي إلى كيانات وإمارات وفقاً لسايكس بيكو ولخطة اليهود المستقبلية بشأن منطقتنا، وبالتالي استمرار وجود الغرب الاستعماري في بلادنا. وبذلك نفهم المطالبة بتطبيقه من خلال تقنية التحكم عن بُعد ( Remote Control ).
الثلاثاء الماضي، تكررت هذه الممارسة الاستعمارية من قبل بريطانيا، عندما طالب ، وزير دولتها لشؤون الشرق الأوسط، ( افن لويس ) الشام في استخدام نفوذها لحل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس حل الدولتين ( جريدة القدس العربي – العدد 6273 ). طبعاً مثل هذا الكلام يُنادي به الكثيرون من أصحاب الفكر( الاستعماري ). هذا الكلام ماذا يعني وفقاً لدرجة الوعي القومي التي نرى من خلالها:
هنا يُريد الوزير، افن لويس ، باستخدامه للمصطلح الاستعماري ( الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي )، إخراج الشام ( أحد أهم كيانات الأمة السورية ) من دائرة الحرب والتي هي من المفترض أنها وجودية بالنسبة له مع اليهود، بمعنى آخر إبعاد الشام عن محيطها، وإغفال حقّها الطبيعي في جنوبها ( فلسطين المحتلة ).هذا المصطلح الجديد ( الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي )، استفاد منه الغرب ( الاستعماري ) بعد معرفتهم التامة بزوال واندثار الشعارات السابقة للعالمين العربي والإسلامي ( الصراع العربي – الإسرائيلي ، والصراع الإسلامي - الصهيوني)، وانكشاف بازار الكلام والشعارات للحاكمين في كلا العالمين.
لبنان الذي دخل بقوة في مواجهة اليهود من خلال مقاومته الوطنية، أثبت قوته الحقيقية. وأكّد ليس فقط على حقه بالبقاء عزيزاً كريماً، وإنما حقه بالمواجهة والقدرة على العمل على تحرير فلسطين المحتلة، كمسار حياتي طبيعي جداً، قائم على حقيقة وجوده كمكمّل للمحيط الجغرافي الذي ينتمي له، وداعم لحقيقة الأمة السورية. لبنان هذا ، الغرب ( الاستعماري )، ومنذ انتباهه إلى ظهور بوادر النضوج الفكري والقومي لديه ، عمد ويعمد على تدمير حقيقته وتغيير مساره في مواجهة اليهود( العصب الاستعماري في منطقتنا). وما أتى به الوزير البريطاني من مصطلح ( الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي )، إلى دمشق هو إنهاء لهذه الحقيقة عند الشاميين أيضاً، فهل سينجح في ذلك ؟. أي بالمختصر هذا المصطلح هو للتأكيد وللمرة الألف على سايكس بيكو واستمرارها، ولو لم يتم إعلان ذلك صراحة، فهذا المصطلح كغيره يمتاز بوجهان (ظاهر جذاب مُحرق ، ومخفي هدام ).
برأيكم لماذا لم يدعِ هذا الوزير ومعه الغرب ( الاستعماري )، إلى استخدام الشامي لنفوذه لأجل تحرير فلسطين ( كل فلسطين ) والفلسطينيين ؟.لماذا لا يدعوه إلى استخدام نفوذه لدعم حركات التحرر الفلسطينية، وطرد اليهود المغتصبين، ومن ثم يتحقق السلام ؟
يقول الوزير البريطاني في سياق حديثه وبحسب المصدر السابق " نحن نعتقد أنه توجد الآن فرصة هامة جداً لم تكن موجودة في الماضي لتسوية أحد أقدم وأشد الصراعات في العالم وهو الصراع في الشرق الأوسط، ونعتقد أن هذا من شأنه أن يتحقق فقط إذا تم تحقيق حل الدولتين وإذا تم إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة وضمان أمن إسرائيل وتحقيق السلام الشامل بين سورية وإسرائيل ... " .
نسأل السيد الوزير المحترم، وندلل على كلامه( الاستعماري ) الواضح :
هل كنّا سنحتاج لفرصة هامة( كما تدعي) وغير هامة، لو أنّ بريطانيا العظمى ( الاستعمارية ) لم تدعم اليهود في اغتصاب وسرقة فلسطين، من خلال دعم الهجرة، وتصريح بلفور اللاأخلاقي، وكل ذلك تحت مصطلح استعماري سابق ( الانتداب ) ؟؟؟؟.نسأله أحد أقدم وأشد الصراعات في العالم، من أقامه الفلسطينيين ؟؟؟ أم مملكته العظمى وحكوماتها الاستعمارية السابقة وغيرها من حكومات الغرب ( الاستعماري) ؟؟؟
وبعد أن يُغيّب كل هذا، يُتابع الوزير العظيم كلامه، ( والذي لا يُفهم منه إلا استهباله واستخفافه بعقولنا )، ليقول لنا أنّ حل الدولتين هو الذي يُنهي الصراع. وإذا دققنا في كلامه أيضاً سنجد الهم الاستعماري الذي يشغله ويُفكر به "..... تم إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة وضمان أمن إسرائيل". يعني ليس المهم ما ستكون عليه الدولة الفلسطينية، والمهم هو حماية اليهود، وأمن المستوطنات، وإبعاد الخوف عنهم وعن أطفالهم. أمّا الفلسطينيون فليذهبوا للجحيم. يعني الذي يُنهي الصراع بنظره، فقط مساحة من الأرض يتم تجميع الفلسطينيين بها، يتوفر بها الأكسجين الكافي للبقاء على قيد الحياة. أمّا بقية المقومات الأخرى يتم التفاوض عليها لاحقاً وليست ضرورية الآن.
نشير ونوضّح ونتمنى على كل من يؤمن بحل الدولتين، وإقامة السلام، أن يعي حقيقة الاستعمار وكيف يُفكر، أن يعي بأنّ مسيرة الاستعمار و مصطلحاته لن تنتهي إلا بنهايتنا. وأنّ ما جاء به الوزير البريطاني لا يختلف عن تفكير أسلافه الاستعماري ، ولن يختلف عن تفكير من يأتي بعده، إذا بقينا في استمرار تجاهل مصالحنا القومية العليا، و تجنب الثقافة المغذية للوعي القومي الحقيقي.
* محرر في موقع أوروك الجديدة
H-Othman@Orook.Com
خطر التطرّف الأيديولوجي

محمد مخلوف
في عام 1944 شهدت رفوف المكتبات السويسرية كتابا صغيرا تحت عنوان "ألمانيا وإعادة تنظيم أوروبا" الذي عرض فيه مؤلفه كلود موريه المفاهيم الأساسية لمنظّري الفكر النازي. ركّزت تلك المفاهيم على تفوّق العرق الآري الذي ينحدر منه الألمان وأولئك القريبون منهم من أبناء شمال أوروبا والمناطق المتاخمة لألمانيا. ثمّ يأتي البريطانيون "الأصليون" فالفرنسيون .أمّا السلاف وسكان أوروبا الشرقية فقد جرى اعتبارهم "صنفا أدنى" من البشر.
هكذا عندما قام هتلر بالهجوم على روسيا أثناء الحرب العالمية الثانية حدد القول بوضوح إن قواعد الحرب المطبّقة في أوروبا الغربية التي كانت جيوشه قد احتلّت قسما كبيرا منها ليست سارية المفعول في الشرق. أمّا السود والعرب فقد اعتبرهم هتلر من "سقط المتاع" البشري. واليهود لم ير حلاً أفضل من إبادتهم على اعتبار أنهم لا ينتمون أصلا للبشرية.
ليس المقصود هنا مناقشة مدى شطط المفاهيم النازية ومدى الظلم الذي مارسه هتلر ضد السلاف والسود والعرب واليهود وغيرهم باسم التفوّق "البيولوجي" الآري، ولكن بالأحرى التساؤل كيف أمكن لشعب مثل الشعب الألماني ،صاحب الباع الطويلة في ازدهار المسيرة الفكرية الإنسانية الكبرى أن ينضوي تحت لواء مثل تلك الأيديولوجية الخرقاء والقاتلة؟!.
كيف يمكن لبلد الفلاسفة الكبار والأكثر شهرة في العالم مثل هيجل ونيتشه وكانط وغيرهم ممن ساهموا في معركة العقل وبلد الشاعر الكبير غوته صاحب "الديوان الغربي ـ الشرقي"الذي كان آخر أعماله الشعرية الكبرى واعتبر فيه أن " النور يأتي من الشرق"، ـ الشاعر الهندي الكبير محمد إقبال قدّم في عام 1923 مجموعة شعرية تحت عنوان "بيام مشرق" أي " رسالة الشرق" ردّ فيها بتحيّة على تحيّة غوته للشرق ـ ،كيف يمكن لمثل هذا البلد أن ينضوي بل ويدعم مشروع أيديولوجي عنصري متطرّف قاتل مثل الذي قامت عليه النازية؟!.
المستهجَن أن البعض يترحّمون على هتلر بناء على موقفه من اليهود .بالطبع لا يمكن بالمقابل سوى استنكار الجرائم التي يمارسها الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلّة والتي تضاهي جرائم النازية ضد اليهود في فظاعتها وتنمّ عن مشاعر حقد وتزمّت أعمى لا علاقة لها بالآلام التي تعرض اليهود لها على يد النازية.
وإذا كان من المألوف "إلصاق" الصفة الأيديولوجية بمشاريع سياسية نُعتت غالبا بالشمولية مثل الشيوعية والنازية فإنه ليس غريبا أيضا أن يتم التزمت تحت لواء الدعوة إلى التسامح وأن يفرض أولئك الذين يؤكّدون أنهم يخوضون معركتهم من أجل الحرية إرادتهم باسمها على الآخرين إذ "لا حريّة لأعداء الحريّة"، يقولون. ألم يروّج المحافظون الأمريكيون الجدد لغزو العراق من أجل أن تعمّ الحريّة والديموقراطية في هذه البلاد؟!.
الأيديولوجيات التي تقوم على التطرف لا تقتل خصومها فقط لكنها تغتال فكرة الانتماء المتعدد إلى بلد واحد وبالتالي تغتال المستقبل . هذا ما كان قد عبّر عنه بامتياز رئيس الوزراء التركي رجب طيّب إردوغان عندما سمع خبر اغتيال الصحفي التركي الأرميني ديك هرانت ،لمجرّد أنه أرميني، في مطلع عام 2007 من قبل أحد المتزمتين القوميين الأتراك بقوله :"إن الرصاصة التي ضربت ديك هرانت كانت قد استهدفتنا كلّنا" . وهذا ما عبّر عنه يومها الآلاف من المواطنين الأتراك الذين تظاهروا في الشوارع وهم يرددون "كلّنا أرمن".
ليس من السهل كبح الأيديولوجيات المتطرّفة التي وقعت الأمة الألمانية العريقة تحت إغرائها ذات يوم غير بعيد. وقد تنبعث من جديد بأية لحظة باسم التفوّق وبدوافع وخلفيات شتى تتفق كلّها على نبذ القبول بالآخر وبالتعدد. أمّا الخاسر دائما فهو الوطن والمواطن.
إن التطرّف يقتل اليوم وغدا... كما قتل في الأمس القريب والبعيد وعلى مدى التاريخ الإنساني كله.
في عام 1944 شهدت رفوف المكتبات السويسرية كتابا صغيرا تحت عنوان "ألمانيا وإعادة تنظيم أوروبا" الذي عرض فيه مؤلفه كلود موريه المفاهيم الأساسية لمنظّري الفكر النازي. ركّزت تلك المفاهيم على تفوّق العرق الآري الذي ينحدر منه الألمان وأولئك القريبون منهم من أبناء شمال أوروبا والمناطق المتاخمة لألمانيا. ثمّ يأتي البريطانيون "الأصليون" فالفرنسيون .أمّا السلاف وسكان أوروبا الشرقية فقد جرى اعتبارهم "صنفا أدنى" من البشر.
هكذا عندما قام هتلر بالهجوم على روسيا أثناء الحرب العالمية الثانية حدد القول بوضوح إن قواعد الحرب المطبّقة في أوروبا الغربية التي كانت جيوشه قد احتلّت قسما كبيرا منها ليست سارية المفعول في الشرق. أمّا السود والعرب فقد اعتبرهم هتلر من "سقط المتاع" البشري. واليهود لم ير حلاً أفضل من إبادتهم على اعتبار أنهم لا ينتمون أصلا للبشرية.
ليس المقصود هنا مناقشة مدى شطط المفاهيم النازية ومدى الظلم الذي مارسه هتلر ضد السلاف والسود والعرب واليهود وغيرهم باسم التفوّق "البيولوجي" الآري، ولكن بالأحرى التساؤل كيف أمكن لشعب مثل الشعب الألماني ،صاحب الباع الطويلة في ازدهار المسيرة الفكرية الإنسانية الكبرى أن ينضوي تحت لواء مثل تلك الأيديولوجية الخرقاء والقاتلة؟!.
كيف يمكن لبلد الفلاسفة الكبار والأكثر شهرة في العالم مثل هيجل ونيتشه وكانط وغيرهم ممن ساهموا في معركة العقل وبلد الشاعر الكبير غوته صاحب "الديوان الغربي ـ الشرقي"الذي كان آخر أعماله الشعرية الكبرى واعتبر فيه أن " النور يأتي من الشرق"، ـ الشاعر الهندي الكبير محمد إقبال قدّم في عام 1923 مجموعة شعرية تحت عنوان "بيام مشرق" أي " رسالة الشرق" ردّ فيها بتحيّة على تحيّة غوته للشرق ـ ،كيف يمكن لمثل هذا البلد أن ينضوي بل ويدعم مشروع أيديولوجي عنصري متطرّف قاتل مثل الذي قامت عليه النازية؟!.
المستهجَن أن البعض يترحّمون على هتلر بناء على موقفه من اليهود .بالطبع لا يمكن بالمقابل سوى استنكار الجرائم التي يمارسها الإسرائيليون في الأراضي الفلسطينية المحتلّة والتي تضاهي جرائم النازية ضد اليهود في فظاعتها وتنمّ عن مشاعر حقد وتزمّت أعمى لا علاقة لها بالآلام التي تعرض اليهود لها على يد النازية.
وإذا كان من المألوف "إلصاق" الصفة الأيديولوجية بمشاريع سياسية نُعتت غالبا بالشمولية مثل الشيوعية والنازية فإنه ليس غريبا أيضا أن يتم التزمت تحت لواء الدعوة إلى التسامح وأن يفرض أولئك الذين يؤكّدون أنهم يخوضون معركتهم من أجل الحرية إرادتهم باسمها على الآخرين إذ "لا حريّة لأعداء الحريّة"، يقولون. ألم يروّج المحافظون الأمريكيون الجدد لغزو العراق من أجل أن تعمّ الحريّة والديموقراطية في هذه البلاد؟!.
الأيديولوجيات التي تقوم على التطرف لا تقتل خصومها فقط لكنها تغتال فكرة الانتماء المتعدد إلى بلد واحد وبالتالي تغتال المستقبل . هذا ما كان قد عبّر عنه بامتياز رئيس الوزراء التركي رجب طيّب إردوغان عندما سمع خبر اغتيال الصحفي التركي الأرميني ديك هرانت ،لمجرّد أنه أرميني، في مطلع عام 2007 من قبل أحد المتزمتين القوميين الأتراك بقوله :"إن الرصاصة التي ضربت ديك هرانت كانت قد استهدفتنا كلّنا" . وهذا ما عبّر عنه يومها الآلاف من المواطنين الأتراك الذين تظاهروا في الشوارع وهم يرددون "كلّنا أرمن".
ليس من السهل كبح الأيديولوجيات المتطرّفة التي وقعت الأمة الألمانية العريقة تحت إغرائها ذات يوم غير بعيد. وقد تنبعث من جديد بأية لحظة باسم التفوّق وبدوافع وخلفيات شتى تتفق كلّها على نبذ القبول بالآخر وبالتعدد. أمّا الخاسر دائما فهو الوطن والمواطن.
إن التطرّف يقتل اليوم وغدا... كما قتل في الأمس القريب والبعيد وعلى مدى التاريخ الإنساني كله.
هل يتجه الطاجيك بعيداً عن روسيا؟

عبدالجليل زيد المرهون
هل بدأت طاجيكستان مسيرة الخروج عن بيت الطاعة الروسي؟.
أجل، ثمة مؤشرات على بداية تغيير في المسار، أو على الأقل إعادة صياغة المعادلة السائدة، على نحو تبدو فيه البلاد أقل ارتباطاً بالقوة الروسية المهيمنة.
هناك اليوم مشروع قانون مقدم من الرئيس الطاجيكي، إمام علي رحمن، لمنع استخدام اللغة الروسية كلغة عمل رسمية في البلاد، وثمة مطالبة رسمية للروس، في الوقت ذاته، بدفوعات مالية منتظمة، لقاء استمرار قاعدتهم العسكرية الكبيرة في البلاد.
وفي المقابل، هناك تصريح علني بعدم ممانعة الطاجيك لاحتضان قواعد عسكرية أميركية. وقد تم تأكيد هذا الموقف من قبل الرئيس رحمن، خلال لقائه في دوشنبه بقائد القيادة العسكرية الأميركية، الجنرال دافيد بتريوس.
ولكن هل تستطيع طاجيكستان الذهاب بعيداً في رهاناتها على الحد من النفوذ الروسي، أو لنقل الهيمنة الروسية طويلة الأمد؟.
في واقع الأمر، ثمة حضور روسي متعاظم في بلاد الجبال، على المستويات الأمنية والاقتصادية والمدنية العامة. بل إن الجنود الروس هم عملياً من يحرسون الحدود الطاجيكية، سيما مع أفغانستان. كما أن الاستقرار الداخلي الهش مستند إلى القاعدة العسكرية الروسية، المدججة بمختلف أنواع الأسلحة. كذلك، فإنه من دون محطات الطاقة التي شيدها الروس، ويقومون اليوم بإدارتها، فإن طاجيكستان تصبح من دون كهرباء. هذا كله دون الحديث عن نحو نصف مليون عامل طاجيكي في روسيا، تعيش على تحويلاتهم مئات الآلاف من الأسر المقيمة داخل البلاد.
ودعونا نوضح بعض تفاصيل الصورة الراهنة.
بداية تجدر الإشارة إلى أن طاجيكستان قد أضحت دولة مستقلة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، وقد شهدت بعد ذلك حرباً أهلية، في الفترة بين 1992 – 1997، ولا تزال مفاعيل هذه الحرب قائمة على كافة المستويات. كما أن المصالحة الوطنية التي أنهت الحرب لم تكن سوى مصالحة هشة وقشرية. وما برح الانقسام الوطني سائداً بين الشمال الأقل فقراً، والجنوب الأكثر عوزاً. ولايزال الجنوبيون مبعدين عن مراكز القرار في دوائر الدولة، لكون أبناءهم هم من قاتل في صفوف المعارضة إبان الحرب الأهلية.
وقد بدت طاجيكستان موضع اهتمام دولي بعد انطلاق العملية الأطلسية في أفغانستان في تشرين الثاني نوفمبر عام 2001، وأضحت البلاد عضواً في برنامج حلف شمال الأطلسي (الناتو) للشراكة من أجل السلام.
ولدى طاجيكستان حدوداً دولية طويلة، تصل إلى 3651 كيلومتراً، بينها 1206 كيلومتراً حدوداً مشتركة مع أفغانستان، و1161 كيلومتراً مع أوزبكستان، و870 كيلومتراً مع قرغيزيا، إضافة إلى 414 كيلومتراً مع الصين.
وتعد بلاد الجبال بوابة العبور الرئيسية لآسيا الوسطى باتجاه أفغانستان وشبه القارة الهندية، والخليج العربي. وهذه أحد مكامن قوتها. كما تقع حدودها الجنوبية الشرقية على سلسلة جبال "باميرز" (Pamirs) الاستراتيجية، المتداخلة مع أفغانستان. ولا يفصل بلاد الطاجيك عن باكستان سوى ممر أفغاني ضيق.
أما حدود طاجيكستان مع الصين، التي تمثل جناحها الشرقي، فقد وضعها في موقع القلب على صعيد حسابات الجيوبوليتيك الدولي، وصراع الإمبراطوريات المتنافسة على الشرق، منذ روسيا القيصرية، مروراً ببريطانيا العظمى، وحتى الدولة السوفياتية.
وعلى الرغم من خصائص موقعها الجغرافي المتميز، فإن طاجيكستان تعد - اليوم - أفقر دول آسيا الوسطى، وقد بدت في السنوات الأخيرة أكثر معاناة بسبب انهيار تدهور أسواق القطن والألمنيوم، وهما المادتان الرئيستان اللتان يعتمد عليهما اقتصاد الطاجيك.
ويعيش نحو خمسين في المائة من قوة العمل الوطنية خارج البلاد، وبالأخص في روسيا. وتقدر بعض المصادر عدد العمالة الطاجيكية المهاجرة بمليون شخص. وتشكل حوالات هذه العمالة مصدراً رئيسياً لمعيشة عدد كبير من الأسر الطاجيكية، إلا أن هذه الحوالات بدأت هي الأخرى تتأثر جراء الأزمة المالية العالمية.
وقد أتلفت الحرب الأهلية في التسعينيات البنية التحية الاقتصادية للدولة، وتسببت في هبوط حاد في الإنتاج الزراعي والصناعي.
ويقدر دخل الفرد السنوي في طاجيكستان بألفين ومائة دولار، حسب مؤشرات العام 2008، وهي تقع في الترتيب 187 عالمياً على هذا الصعيد. ووفقاً لإحصاءات عام 2007، فإن 60% من الشعب الطاجيكي يقع تحت خط الفقر(Poverty Line).
وعلى صعيد الدور الروسي في طاجيكستان، توجد هناك قاعدة عسكرية روسية كبيرة، يعود تاريخها إلى العام 1943، حيث أنشأتها فرقة في الجيش الروسي، تعرف باسم "غاتشينسكايا". وهي فرقة المشاة الآلية الرقم (201)، وتضم هذه القاعدة حالياً ثلاثة أفواج من المشاة الآلية، وفوجاً من المدفعية، وفوجاً من الصواريخ المضادة للطائرات، وكتيبة من راجمات الصواريخ، وخمس طائرات قتالية من طراز "سو-25" وسبع مروحيات عسكرية. وتعتبر هذه القاعدة، التي تعرف رسمياً باسم القاعدة (201) من أهم مرتكزات الوجود الأمني الروسي في عموم آسيا الوسطى. وهي تلعباً دوراً رئيساً في المقاربة الروسية الخاصة بأفغانستان، ويضعها الغرب بعين اعتباره في مفاوضاته مع الروس بشأن الملف الأفغاني.
وفي سياق مواز، أعلنت روسيا رسمياً في 29 آب أغسطس من العام 2008 بأن العسكريين الروس يستطيعون استخدام مطار غيسار (أو عيني) الطاجيكي. وهذا يعني عملياً إقامة قاعدة روسية جوية هناك، وتقع مدينة غيسار غرب طاجيكستان، على بعد عشرين كيلومتراً من العاصمة دوشنبه، وعلى نحو مباشر، فإن الحضور الجوي الروسي في هذه القاعدة يعني استكمال تطويق أجهزة الرصد الروسية لكافة أراضي أوزبكستان المجاورة، التي اعترضت في هذا الشهر على إقامة قاعدة عسكرية روسية جديدة قرغيزيا، في مثلث الحدود الأوزبكية القرغيزية الطاجيكية، بوادي فرغانة، إذ اعتبرت هذه الخطوة تهديداً صريحاً للاستقرار الإقليمي.
وتحتفظ روسيا في طاجيكستان، من جهة أخرى، بمحطة رصد فضائية متقدمة، تعرف باسم "أوكنو" (النافذة)، وهي تتبع قوات الفضاء الروسية، وتقع قرب مدينة "نوريك" في جبال "سانغلوك"، على ارتفاع 2200 متر عن سطح البحر.
وقد بدأ العمل في إنشاء هذه المحطة منذ ما يزيد على 20 عاماً، عندما كانت طاجيكستان إحدى الجمهوريات السوفياتية، ودخلت المنشأة الخدمة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
وفي حزيران يونيو من العام 2008، صادق البرلمان الروسي على اتفاقية ثنائية تتملك روسيا بموجبها محطة "أوكنو". وقد وافقت طاجيكستان بأن تصبح هذه المحطة ملكاً لروسيا لمدة 49 عاماً، قابلة للتجديد.
وتعتبر محطة "أوكنو" من أكثر وسائل رصد الفضاء فعالية لدى الروس، وقد صمم هذا المجمع لرصد الأجرام السماوية أوتوماتيكيا، على ارتفاع آلاف الكيلومتراتً، وجمع المعلومات عنها، وحساب أبعاد حركتها، ونقل النتائج إلى مراكز القيادة لتحليلها، كما أن بمقدور هذه المحطة رصد الصواريخ في كامل النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
وبهذا المعنى، تعتبر محطة "أوكنو" منشأة استراتيجية بالغة الحيوية، بل تعد - اليوم - من أهم مرتكزات روسيا في سباقها الصعب والمرهق مع الولايات المتحدة على هذا الصعيد. ومن دون هذه المنشأة يتخلف الروس بمسافات شاسعة عن نظرائهم الأميركيين، حتى مع لحاظ وجود محطة رادار حديثة، شيدت في السنوات الأخيرة في جنوب روسيا.
وما يمكن قوله خلاصة هو أن الوجود الروسي في طاجيكستان يُعد جزءاً أصيلاً من معادلة الصراع الدولي، وإن روسيا تتكئ على الطاجيك لتحقيق أهداف جيوسياسية كبرى، ترتبط مباشرة بمستقبل دورها العالمي. وسوف تستمر هذه المعادلة ما دامت الدولة الطاجيكية أسيرة احتياجاتها الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، إلا أن توجهات الطاجيك الأخيرة تشير إلى أن ثمة تتغير أولي بدأ يأخذ طريقه في المعادلة القائمة، أو على الأقل هكذا تبدو الصورة اليوم.
هل بدأت طاجيكستان مسيرة الخروج عن بيت الطاعة الروسي؟.
أجل، ثمة مؤشرات على بداية تغيير في المسار، أو على الأقل إعادة صياغة المعادلة السائدة، على نحو تبدو فيه البلاد أقل ارتباطاً بالقوة الروسية المهيمنة.
هناك اليوم مشروع قانون مقدم من الرئيس الطاجيكي، إمام علي رحمن، لمنع استخدام اللغة الروسية كلغة عمل رسمية في البلاد، وثمة مطالبة رسمية للروس، في الوقت ذاته، بدفوعات مالية منتظمة، لقاء استمرار قاعدتهم العسكرية الكبيرة في البلاد.
وفي المقابل، هناك تصريح علني بعدم ممانعة الطاجيك لاحتضان قواعد عسكرية أميركية. وقد تم تأكيد هذا الموقف من قبل الرئيس رحمن، خلال لقائه في دوشنبه بقائد القيادة العسكرية الأميركية، الجنرال دافيد بتريوس.
ولكن هل تستطيع طاجيكستان الذهاب بعيداً في رهاناتها على الحد من النفوذ الروسي، أو لنقل الهيمنة الروسية طويلة الأمد؟.
في واقع الأمر، ثمة حضور روسي متعاظم في بلاد الجبال، على المستويات الأمنية والاقتصادية والمدنية العامة. بل إن الجنود الروس هم عملياً من يحرسون الحدود الطاجيكية، سيما مع أفغانستان. كما أن الاستقرار الداخلي الهش مستند إلى القاعدة العسكرية الروسية، المدججة بمختلف أنواع الأسلحة. كذلك، فإنه من دون محطات الطاقة التي شيدها الروس، ويقومون اليوم بإدارتها، فإن طاجيكستان تصبح من دون كهرباء. هذا كله دون الحديث عن نحو نصف مليون عامل طاجيكي في روسيا، تعيش على تحويلاتهم مئات الآلاف من الأسر المقيمة داخل البلاد.
ودعونا نوضح بعض تفاصيل الصورة الراهنة.
بداية تجدر الإشارة إلى أن طاجيكستان قد أضحت دولة مستقلة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، وقد شهدت بعد ذلك حرباً أهلية، في الفترة بين 1992 – 1997، ولا تزال مفاعيل هذه الحرب قائمة على كافة المستويات. كما أن المصالحة الوطنية التي أنهت الحرب لم تكن سوى مصالحة هشة وقشرية. وما برح الانقسام الوطني سائداً بين الشمال الأقل فقراً، والجنوب الأكثر عوزاً. ولايزال الجنوبيون مبعدين عن مراكز القرار في دوائر الدولة، لكون أبناءهم هم من قاتل في صفوف المعارضة إبان الحرب الأهلية.
وقد بدت طاجيكستان موضع اهتمام دولي بعد انطلاق العملية الأطلسية في أفغانستان في تشرين الثاني نوفمبر عام 2001، وأضحت البلاد عضواً في برنامج حلف شمال الأطلسي (الناتو) للشراكة من أجل السلام.
ولدى طاجيكستان حدوداً دولية طويلة، تصل إلى 3651 كيلومتراً، بينها 1206 كيلومتراً حدوداً مشتركة مع أفغانستان، و1161 كيلومتراً مع أوزبكستان، و870 كيلومتراً مع قرغيزيا، إضافة إلى 414 كيلومتراً مع الصين.
وتعد بلاد الجبال بوابة العبور الرئيسية لآسيا الوسطى باتجاه أفغانستان وشبه القارة الهندية، والخليج العربي. وهذه أحد مكامن قوتها. كما تقع حدودها الجنوبية الشرقية على سلسلة جبال "باميرز" (Pamirs) الاستراتيجية، المتداخلة مع أفغانستان. ولا يفصل بلاد الطاجيك عن باكستان سوى ممر أفغاني ضيق.
أما حدود طاجيكستان مع الصين، التي تمثل جناحها الشرقي، فقد وضعها في موقع القلب على صعيد حسابات الجيوبوليتيك الدولي، وصراع الإمبراطوريات المتنافسة على الشرق، منذ روسيا القيصرية، مروراً ببريطانيا العظمى، وحتى الدولة السوفياتية.
وعلى الرغم من خصائص موقعها الجغرافي المتميز، فإن طاجيكستان تعد - اليوم - أفقر دول آسيا الوسطى، وقد بدت في السنوات الأخيرة أكثر معاناة بسبب انهيار تدهور أسواق القطن والألمنيوم، وهما المادتان الرئيستان اللتان يعتمد عليهما اقتصاد الطاجيك.
ويعيش نحو خمسين في المائة من قوة العمل الوطنية خارج البلاد، وبالأخص في روسيا. وتقدر بعض المصادر عدد العمالة الطاجيكية المهاجرة بمليون شخص. وتشكل حوالات هذه العمالة مصدراً رئيسياً لمعيشة عدد كبير من الأسر الطاجيكية، إلا أن هذه الحوالات بدأت هي الأخرى تتأثر جراء الأزمة المالية العالمية.
وقد أتلفت الحرب الأهلية في التسعينيات البنية التحية الاقتصادية للدولة، وتسببت في هبوط حاد في الإنتاج الزراعي والصناعي.
ويقدر دخل الفرد السنوي في طاجيكستان بألفين ومائة دولار، حسب مؤشرات العام 2008، وهي تقع في الترتيب 187 عالمياً على هذا الصعيد. ووفقاً لإحصاءات عام 2007، فإن 60% من الشعب الطاجيكي يقع تحت خط الفقر(Poverty Line).
وعلى صعيد الدور الروسي في طاجيكستان، توجد هناك قاعدة عسكرية روسية كبيرة، يعود تاريخها إلى العام 1943، حيث أنشأتها فرقة في الجيش الروسي، تعرف باسم "غاتشينسكايا". وهي فرقة المشاة الآلية الرقم (201)، وتضم هذه القاعدة حالياً ثلاثة أفواج من المشاة الآلية، وفوجاً من المدفعية، وفوجاً من الصواريخ المضادة للطائرات، وكتيبة من راجمات الصواريخ، وخمس طائرات قتالية من طراز "سو-25" وسبع مروحيات عسكرية. وتعتبر هذه القاعدة، التي تعرف رسمياً باسم القاعدة (201) من أهم مرتكزات الوجود الأمني الروسي في عموم آسيا الوسطى. وهي تلعباً دوراً رئيساً في المقاربة الروسية الخاصة بأفغانستان، ويضعها الغرب بعين اعتباره في مفاوضاته مع الروس بشأن الملف الأفغاني.
وفي سياق مواز، أعلنت روسيا رسمياً في 29 آب أغسطس من العام 2008 بأن العسكريين الروس يستطيعون استخدام مطار غيسار (أو عيني) الطاجيكي. وهذا يعني عملياً إقامة قاعدة روسية جوية هناك، وتقع مدينة غيسار غرب طاجيكستان، على بعد عشرين كيلومتراً من العاصمة دوشنبه، وعلى نحو مباشر، فإن الحضور الجوي الروسي في هذه القاعدة يعني استكمال تطويق أجهزة الرصد الروسية لكافة أراضي أوزبكستان المجاورة، التي اعترضت في هذا الشهر على إقامة قاعدة عسكرية روسية جديدة قرغيزيا، في مثلث الحدود الأوزبكية القرغيزية الطاجيكية، بوادي فرغانة، إذ اعتبرت هذه الخطوة تهديداً صريحاً للاستقرار الإقليمي.
وتحتفظ روسيا في طاجيكستان، من جهة أخرى، بمحطة رصد فضائية متقدمة، تعرف باسم "أوكنو" (النافذة)، وهي تتبع قوات الفضاء الروسية، وتقع قرب مدينة "نوريك" في جبال "سانغلوك"، على ارتفاع 2200 متر عن سطح البحر.
وقد بدأ العمل في إنشاء هذه المحطة منذ ما يزيد على 20 عاماً، عندما كانت طاجيكستان إحدى الجمهوريات السوفياتية، ودخلت المنشأة الخدمة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
وفي حزيران يونيو من العام 2008، صادق البرلمان الروسي على اتفاقية ثنائية تتملك روسيا بموجبها محطة "أوكنو". وقد وافقت طاجيكستان بأن تصبح هذه المحطة ملكاً لروسيا لمدة 49 عاماً، قابلة للتجديد.
وتعتبر محطة "أوكنو" من أكثر وسائل رصد الفضاء فعالية لدى الروس، وقد صمم هذا المجمع لرصد الأجرام السماوية أوتوماتيكيا، على ارتفاع آلاف الكيلومتراتً، وجمع المعلومات عنها، وحساب أبعاد حركتها، ونقل النتائج إلى مراكز القيادة لتحليلها، كما أن بمقدور هذه المحطة رصد الصواريخ في كامل النصف الجنوبي من الكرة الأرضية.
وبهذا المعنى، تعتبر محطة "أوكنو" منشأة استراتيجية بالغة الحيوية، بل تعد - اليوم - من أهم مرتكزات روسيا في سباقها الصعب والمرهق مع الولايات المتحدة على هذا الصعيد. ومن دون هذه المنشأة يتخلف الروس بمسافات شاسعة عن نظرائهم الأميركيين، حتى مع لحاظ وجود محطة رادار حديثة، شيدت في السنوات الأخيرة في جنوب روسيا.
وما يمكن قوله خلاصة هو أن الوجود الروسي في طاجيكستان يُعد جزءاً أصيلاً من معادلة الصراع الدولي، وإن روسيا تتكئ على الطاجيك لتحقيق أهداف جيوسياسية كبرى، ترتبط مباشرة بمستقبل دورها العالمي. وسوف تستمر هذه المعادلة ما دامت الدولة الطاجيكية أسيرة احتياجاتها الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة، إلا أن توجهات الطاجيك الأخيرة تشير إلى أن ثمة تتغير أولي بدأ يأخذ طريقه في المعادلة القائمة، أو على الأقل هكذا تبدو الصورة اليوم.
هروب زوجة ملك السعودية لبريطانيا وتقسيم البلد تحت الإحتلال السعودي
.jpg)
ريما العمري
لماذا هربت زوجة الملك السعودي لبريطانيا طالبة اللجوء السياسي ؟ ولماذا تحت الضغط من قبل الأسرة الملكية السعودية رفضت بريطانيا طلبها ؟ ولماذا وافقت علي السفر للمغرب للبقاء هناك بعد رفض طلبها !! لتعود للرياض مكبلة بالحديد ؟ زوجة الملك العنود الفايز نشرت حول قصتها الكثير ، وفي القادم سيكون أكثر ، لن اقف علي كثير مما قرأت لإعاده نشرة هنا مره أخري فهو مازال مجرد تكهنات ليس أكثر . لن اتطرق للتفاصيل الدقيقه فقد قلت سابقاً بأني لا أحب محاسبة مرحلة التاريخ الحالية فهي مهمه الأجيال القادمة !! - وستنكشف كما انكشف غيرها ولو بعد حين. حاولت الأسرة الملكية السعودية إخفاء قصة مشاعل طول 35 عاماً ماضية لكن مالبث أن فتح التاريخ صفحاته وبإمكانك البحث تحت عنوان ( موت أميرة أم زوال النظام السعودي ) ... هو التاريخ لا يرحم ولو كنا نعي ونعرف التاريخ جيداً لبقينا أعظم أمه في التاريخ ، لكننا تركناهم يسلبوا كرامتنا ويعبثوا بوطننا ويتأمروا علي أخواننا المسلمين وإسلامنا أيضاً .
كنت علي إتصال مع ( ابو محمد ) الدستوري الذي قضى أيام طوال في سجون الإحتلال السعودي ، ولم يدر حوارنا إلا حول سؤال واحد - لماذا لا يتركنا الإحتلال نخرج من البلد - إذا كنا معارضين له ولا نريده . الدستوري ابو محمد واحد ممن طلب الرحيل عن البلد، ومتروك الفالح قبله طلب أن يترك البلد ويأخذ اسرته ويرحل مهاجراً ، لكن الإحتلال رفض إلا أن يسجنهم ويسحب منهم جوازات السفر تلك الجوازات التي قدمها هدايا ل أسرة آل الحريري الذين سرقوا من قوت الشعب مثل آل سعود إن لم يكن أكثر من بعضهم ؟!! لما لا وكل الأوطان ترى شعوبها أكبر ثروة إلا نحن - همشونا وأصبحنا أكثر شعوب الأرض ذله ومهانه مره أخري لما لا يجعلونا كذلك وهم محتلين . الإحتلال السعودي لا يرحم ولا يريد أن تنزل رحمة الله أيضاً علينا - طالبنا بحقوقنا سجن ونكل بنا - تحدثناً شوه سمعتنا وارسل أذنابه في كل ميدان ليصفنا ب أبشع الأوصاف - أراد البعض الرحيل ليشعر بتلك الكرامة المفقودة ولو بعيد عن الأهل والوطن والجذور التي هي لنا وليست ل آل سعود الذين لا نعرف لهم نسب أو جذور أفضل منا إن كان لهم . ويبقي السؤال قائم " ماهي نوعية الشعب التي يريدها آل سعود " - هل يعتقد آل سعود بأننا سنبقي نفس المواطن الذي يمدح ويقبل الأكتاف مدى الحياة ؟ - هل يعتقد آل سعود بأننا لن نطالب بحقوقنا السياسية والإقتصادية والاجتماعية التي سلبها؟ - هل يعتقد آل سعود بأننا سنصمت طويلاً عن الإساءة والإهانة ل إسلامنا الذي مسخوه ؟ - هل يعتقد آل سعود بأننا يوماً لن نثور " حتى بجحيم ستاليني وسجونه إلا أنه دائما كان يقول هناك ثورة ما في الأفق " مع بقاء الإحترام ل ستاليني الذي بني دولة ونظام وزرع الوطنية داخل الشعب ولم يجعلها ب الإصنام كما فعل آل سعود فالجزيرة العربية مازالت تعيش بها الأصنام من اللات والعزي إلي آل سعود . لما يخشى الإحتلال السعودي من تجمعاتنا ؟ لما يخشى الإحتلال السعودي من كلامنا ؟ لماذا يستكثر علينا أن نعيش بوطننا مشاركين فيه بالقرار ؟ فخورين بماضيه - محاسبين علي الأخطاء بحاضرة - مستشرقين مستقبله ، - لماذا يعتقدون أنهم الوطن وأن رغباتهم قانون مفهرس ومسلمة . حتى زوجة الملك لم تستطع البقاء في كنف الأسرة الملكية بل قالت بحسب من كتب مذكراتها .... ( اكتفيت من فساد هذه الاسرة ومن انحطاطها الا اخلاقي ومن سياسة المؤامرات التي اتخذتها لنيل من شعبا ضعيف وامة مغتصبه ... هجرتهم بعد قطعت كل الوعود للمخابرات السعوديه وللملك ان لا تنطق بكلمة عن الاسره الحاكمه ولا عن فضائحها ...وبشرط ان يزرنها بناتها في لندن كل عام ولو لمره .... ) هل تريدون البقية ... لا أعتقد فهي كافيه ولست هنا لمحاسبة التاريخ بل هي رساله لعقلاء البلد ول الأذناب أيضاً الذين طالوا فتات تقسيم ثراوت البلد أن يتداركوا ما بقي قبل تقسيمة من قبل هؤلاء الجاثمين علي بلدنا منذ مائة عام ... يكفي ما هدر وحشر وعطل بسببهم ... بحق الله يكفي .
البلد الآن يعيش مرحلة تقسيم بين أبناء الإحتلال ، ثروة وغنيمة بين أيديهم ليس إلا - سرقات ومحسوبيات ومجالس تسول - قصور فارهه بالداخل والخارج وشعب جائع - سفر وسياحة ومؤامرة وشعب لا يجد مسكن - همشوا الإسلام والقانون وتركونا بفوضي لا نعرف كيف ندخل وليس منها مهرب - فرغونا حتى من هويتنا لم نعد نعرف من نحن وماذا نريد ؟! ولا نعرف حتى الآن إلي ماذا تهدف السياسة السعودية !!؟؟ .... إقتباس " لا رابطة علماء قوية مستقلة تشرف على ممارسة السلطة وتجاوزاتها ولا مؤسسات حديثة كمجلس شورى منتخب وصاحب صلاحيات يتجاوز الثرثرة وعملية البصم الحالية على ملفات الحكومة المنتقاة للعرض على اعضاء معينين بمراسم ملكية. ولا مؤسسات او جمعيات مدنية فاعلة ومستقلة ولا طبقة اقتصادية ذات مصالح مستقلة عن تلك المرتبطة بالدولة. ولا شريحة عمالية منظمة في اتحادات ومؤسسات ولا شريحة مثقفة تنطق بالحقيقة التي يراها العميان ولكنها تظل مغيبة عن قلمهم اما كخيار شخصي او كخيار تفرضه حالة القمع الحالية لكل مشروع سياسي او كخيار يضمن استمرارية المصالح الذاتية " إنتهي الإقتباس
في كل مرحلة سياسية لدولة دينية أو متدنية نجد الجانب الديني يطغي علي السياسي دائماً شواهد هذا يا عاقل كثيرة في العصر الحديث إيران مثال فهي لن تتخلي عن مرجعيتها الدينيه إطلاقاً وجمعت بين فارسيتها وبين مذهب شيعي ، وأوروبا القديمة التي دارت رحاها الكنيسة 900 عام تقريباً من عام 1157م حتى مطالع القرن قبل الماضي - ولكن ما نشاهدة تحت الإحتلال السعودي أن الجانب الديني تهمش كلياً وطغي الجانب السياسي القاهر في كل شئون حياتنا وأصبحت وزارة الداخلية مشرعة تماماً وظهر لنا إسلام ليس ذلك الإسلام الذي نعرفه !! ، والمشكلة للأسف يظهر من يقول أن آل سعود يحكمون بالإسلام شوهوا صورة الإسلام بكلامهم وما ابعدهم عنه !. حل محل ديننا ثله شرذمة يسيرون البلد وفق اهوائهم وغرائزهم وما يؤمرون به من السفارة الأمريكية بالرياض ، مضاف لها أن استحوذوا علي مفاصل البلد كالداخلية والخارجية والدفاع والسفارات والأستخبارات وسخرواها لهم ل ولحاشيتهم مستنزفين ثروات البلد كلة وتركوا جحيم الفقر والسجون وكل ألوان العذاب للشعب ويطالبونا بالسكوت ، ويفرضون السجون علينا التي راح ضحيتها خيرة شباب الأمة وعقولها ومصدر فخرها ، لم نشاهد دولة في الدنيا فعلت ما فعلوا بل سجنوا المشائخ قديم وحاضر ، روعوا النساء والأطفال بالمداهمات ب أنصاف الليالي وكنا سمعنا أن ابو جهل أمتنع عن مباغتة محمد صلي الله عليه وسلم في بيته ليلاً وقال " هل تريدون أن يقول العرب أنا ابى جهل يرعب بنات محمد !!؟ ما هؤلاء الشرذمة التي ليس فيهم شيم العرب وأخلاقهم ولم يردعهم دين أيضاً !!؟ قتلوا وسجنوا مع المشائخ المجاهدين والخوف أن يجئ يوم نحتاج هؤلاء المجاهدون ولا نجدهم . عطلوا نصف المجتمع وهمشوه وأٌقصد بهم النساء .
لماذا أصبح الوطن عبارة عن حصص بينهم فنايف وأبناء أخذوا الداخلية ، والملك الحالي تفرغ للحرس ومهرجناته ويدرس الآن وضع طيران له لينافس سلطان وأبناءة المستفردين بالدفاع وقبل أيام أحدث بن سلطان مهرجان آخر علي غرار الجنادية ، وما تلبث أن تسمع أن أحدهم يقوم بشئ حتى يأتي الآخر يريد مثله يستقبل ويودع ويتبرع من أموالنا لبعضنا ، حتى بشهادات الدكتوراه الفخرية يتنافسون مع أنهم لا يعرفوا قراءة الفاتحة ، رئيس الوزراء الإسرائيلي يحمل شهادة ماجستير من هارفارد ، وكثيرون قاموا بتأليف كتب وعدنا ما يعرفون حتى القراءة بل يجب أن تتم دبلجة خاصة لهم إذا تحدثوا كي نفهم . ومن عجائب الله ب خلقه أن يكون السجان بالبلد وصانع الإرهاب وعدو الشعب صاحب جائزة لحقوق الإنسان وهو الذي لم يرانا يوماً كي بنى آدم - لقد قضت الأسرة الملكية وشوهت مفهوم الوطن والدولة والوطنية ، حطموا تحت أقدامهم مجتمع ب أكلمة ، " .....لقد جرت عملية تشويه لمفهوم الدولة ذات الامارات اللامتناهية حينما قضت السلطة على قدرة المجتمع واطيافه الفاعلة والفعالة لانه يلعب دور الرقيب والمحاسب فتحول العالم الديني الى ديكور للسلطة والمثقف الى بوق والتاجر الى سمسار والمعلم الى مرتل لنص السلطة والشاعر الى مطبل ودخل الجميع في عملية تنافس رهيبة للاستئثار بهذا الامير او ذاك وتناحر المجتمع تماما كما تتناحر الامارات فيما بينها..... " ؟
همسة !!
س / إلي ماذا تهدف السياسة السعودية ؟
http://1rima1.blogspot.com
لماذا هربت زوجة الملك السعودي لبريطانيا طالبة اللجوء السياسي ؟ ولماذا تحت الضغط من قبل الأسرة الملكية السعودية رفضت بريطانيا طلبها ؟ ولماذا وافقت علي السفر للمغرب للبقاء هناك بعد رفض طلبها !! لتعود للرياض مكبلة بالحديد ؟ زوجة الملك العنود الفايز نشرت حول قصتها الكثير ، وفي القادم سيكون أكثر ، لن اقف علي كثير مما قرأت لإعاده نشرة هنا مره أخري فهو مازال مجرد تكهنات ليس أكثر . لن اتطرق للتفاصيل الدقيقه فقد قلت سابقاً بأني لا أحب محاسبة مرحلة التاريخ الحالية فهي مهمه الأجيال القادمة !! - وستنكشف كما انكشف غيرها ولو بعد حين. حاولت الأسرة الملكية السعودية إخفاء قصة مشاعل طول 35 عاماً ماضية لكن مالبث أن فتح التاريخ صفحاته وبإمكانك البحث تحت عنوان ( موت أميرة أم زوال النظام السعودي ) ... هو التاريخ لا يرحم ولو كنا نعي ونعرف التاريخ جيداً لبقينا أعظم أمه في التاريخ ، لكننا تركناهم يسلبوا كرامتنا ويعبثوا بوطننا ويتأمروا علي أخواننا المسلمين وإسلامنا أيضاً .
كنت علي إتصال مع ( ابو محمد ) الدستوري الذي قضى أيام طوال في سجون الإحتلال السعودي ، ولم يدر حوارنا إلا حول سؤال واحد - لماذا لا يتركنا الإحتلال نخرج من البلد - إذا كنا معارضين له ولا نريده . الدستوري ابو محمد واحد ممن طلب الرحيل عن البلد، ومتروك الفالح قبله طلب أن يترك البلد ويأخذ اسرته ويرحل مهاجراً ، لكن الإحتلال رفض إلا أن يسجنهم ويسحب منهم جوازات السفر تلك الجوازات التي قدمها هدايا ل أسرة آل الحريري الذين سرقوا من قوت الشعب مثل آل سعود إن لم يكن أكثر من بعضهم ؟!! لما لا وكل الأوطان ترى شعوبها أكبر ثروة إلا نحن - همشونا وأصبحنا أكثر شعوب الأرض ذله ومهانه مره أخري لما لا يجعلونا كذلك وهم محتلين . الإحتلال السعودي لا يرحم ولا يريد أن تنزل رحمة الله أيضاً علينا - طالبنا بحقوقنا سجن ونكل بنا - تحدثناً شوه سمعتنا وارسل أذنابه في كل ميدان ليصفنا ب أبشع الأوصاف - أراد البعض الرحيل ليشعر بتلك الكرامة المفقودة ولو بعيد عن الأهل والوطن والجذور التي هي لنا وليست ل آل سعود الذين لا نعرف لهم نسب أو جذور أفضل منا إن كان لهم . ويبقي السؤال قائم " ماهي نوعية الشعب التي يريدها آل سعود " - هل يعتقد آل سعود بأننا سنبقي نفس المواطن الذي يمدح ويقبل الأكتاف مدى الحياة ؟ - هل يعتقد آل سعود بأننا لن نطالب بحقوقنا السياسية والإقتصادية والاجتماعية التي سلبها؟ - هل يعتقد آل سعود بأننا سنصمت طويلاً عن الإساءة والإهانة ل إسلامنا الذي مسخوه ؟ - هل يعتقد آل سعود بأننا يوماً لن نثور " حتى بجحيم ستاليني وسجونه إلا أنه دائما كان يقول هناك ثورة ما في الأفق " مع بقاء الإحترام ل ستاليني الذي بني دولة ونظام وزرع الوطنية داخل الشعب ولم يجعلها ب الإصنام كما فعل آل سعود فالجزيرة العربية مازالت تعيش بها الأصنام من اللات والعزي إلي آل سعود . لما يخشى الإحتلال السعودي من تجمعاتنا ؟ لما يخشى الإحتلال السعودي من كلامنا ؟ لماذا يستكثر علينا أن نعيش بوطننا مشاركين فيه بالقرار ؟ فخورين بماضيه - محاسبين علي الأخطاء بحاضرة - مستشرقين مستقبله ، - لماذا يعتقدون أنهم الوطن وأن رغباتهم قانون مفهرس ومسلمة . حتى زوجة الملك لم تستطع البقاء في كنف الأسرة الملكية بل قالت بحسب من كتب مذكراتها .... ( اكتفيت من فساد هذه الاسرة ومن انحطاطها الا اخلاقي ومن سياسة المؤامرات التي اتخذتها لنيل من شعبا ضعيف وامة مغتصبه ... هجرتهم بعد قطعت كل الوعود للمخابرات السعوديه وللملك ان لا تنطق بكلمة عن الاسره الحاكمه ولا عن فضائحها ...وبشرط ان يزرنها بناتها في لندن كل عام ولو لمره .... ) هل تريدون البقية ... لا أعتقد فهي كافيه ولست هنا لمحاسبة التاريخ بل هي رساله لعقلاء البلد ول الأذناب أيضاً الذين طالوا فتات تقسيم ثراوت البلد أن يتداركوا ما بقي قبل تقسيمة من قبل هؤلاء الجاثمين علي بلدنا منذ مائة عام ... يكفي ما هدر وحشر وعطل بسببهم ... بحق الله يكفي .
البلد الآن يعيش مرحلة تقسيم بين أبناء الإحتلال ، ثروة وغنيمة بين أيديهم ليس إلا - سرقات ومحسوبيات ومجالس تسول - قصور فارهه بالداخل والخارج وشعب جائع - سفر وسياحة ومؤامرة وشعب لا يجد مسكن - همشوا الإسلام والقانون وتركونا بفوضي لا نعرف كيف ندخل وليس منها مهرب - فرغونا حتى من هويتنا لم نعد نعرف من نحن وماذا نريد ؟! ولا نعرف حتى الآن إلي ماذا تهدف السياسة السعودية !!؟؟ .... إقتباس " لا رابطة علماء قوية مستقلة تشرف على ممارسة السلطة وتجاوزاتها ولا مؤسسات حديثة كمجلس شورى منتخب وصاحب صلاحيات يتجاوز الثرثرة وعملية البصم الحالية على ملفات الحكومة المنتقاة للعرض على اعضاء معينين بمراسم ملكية. ولا مؤسسات او جمعيات مدنية فاعلة ومستقلة ولا طبقة اقتصادية ذات مصالح مستقلة عن تلك المرتبطة بالدولة. ولا شريحة عمالية منظمة في اتحادات ومؤسسات ولا شريحة مثقفة تنطق بالحقيقة التي يراها العميان ولكنها تظل مغيبة عن قلمهم اما كخيار شخصي او كخيار تفرضه حالة القمع الحالية لكل مشروع سياسي او كخيار يضمن استمرارية المصالح الذاتية " إنتهي الإقتباس
في كل مرحلة سياسية لدولة دينية أو متدنية نجد الجانب الديني يطغي علي السياسي دائماً شواهد هذا يا عاقل كثيرة في العصر الحديث إيران مثال فهي لن تتخلي عن مرجعيتها الدينيه إطلاقاً وجمعت بين فارسيتها وبين مذهب شيعي ، وأوروبا القديمة التي دارت رحاها الكنيسة 900 عام تقريباً من عام 1157م حتى مطالع القرن قبل الماضي - ولكن ما نشاهدة تحت الإحتلال السعودي أن الجانب الديني تهمش كلياً وطغي الجانب السياسي القاهر في كل شئون حياتنا وأصبحت وزارة الداخلية مشرعة تماماً وظهر لنا إسلام ليس ذلك الإسلام الذي نعرفه !! ، والمشكلة للأسف يظهر من يقول أن آل سعود يحكمون بالإسلام شوهوا صورة الإسلام بكلامهم وما ابعدهم عنه !. حل محل ديننا ثله شرذمة يسيرون البلد وفق اهوائهم وغرائزهم وما يؤمرون به من السفارة الأمريكية بالرياض ، مضاف لها أن استحوذوا علي مفاصل البلد كالداخلية والخارجية والدفاع والسفارات والأستخبارات وسخرواها لهم ل ولحاشيتهم مستنزفين ثروات البلد كلة وتركوا جحيم الفقر والسجون وكل ألوان العذاب للشعب ويطالبونا بالسكوت ، ويفرضون السجون علينا التي راح ضحيتها خيرة شباب الأمة وعقولها ومصدر فخرها ، لم نشاهد دولة في الدنيا فعلت ما فعلوا بل سجنوا المشائخ قديم وحاضر ، روعوا النساء والأطفال بالمداهمات ب أنصاف الليالي وكنا سمعنا أن ابو جهل أمتنع عن مباغتة محمد صلي الله عليه وسلم في بيته ليلاً وقال " هل تريدون أن يقول العرب أنا ابى جهل يرعب بنات محمد !!؟ ما هؤلاء الشرذمة التي ليس فيهم شيم العرب وأخلاقهم ولم يردعهم دين أيضاً !!؟ قتلوا وسجنوا مع المشائخ المجاهدين والخوف أن يجئ يوم نحتاج هؤلاء المجاهدون ولا نجدهم . عطلوا نصف المجتمع وهمشوه وأٌقصد بهم النساء .
لماذا أصبح الوطن عبارة عن حصص بينهم فنايف وأبناء أخذوا الداخلية ، والملك الحالي تفرغ للحرس ومهرجناته ويدرس الآن وضع طيران له لينافس سلطان وأبناءة المستفردين بالدفاع وقبل أيام أحدث بن سلطان مهرجان آخر علي غرار الجنادية ، وما تلبث أن تسمع أن أحدهم يقوم بشئ حتى يأتي الآخر يريد مثله يستقبل ويودع ويتبرع من أموالنا لبعضنا ، حتى بشهادات الدكتوراه الفخرية يتنافسون مع أنهم لا يعرفوا قراءة الفاتحة ، رئيس الوزراء الإسرائيلي يحمل شهادة ماجستير من هارفارد ، وكثيرون قاموا بتأليف كتب وعدنا ما يعرفون حتى القراءة بل يجب أن تتم دبلجة خاصة لهم إذا تحدثوا كي نفهم . ومن عجائب الله ب خلقه أن يكون السجان بالبلد وصانع الإرهاب وعدو الشعب صاحب جائزة لحقوق الإنسان وهو الذي لم يرانا يوماً كي بنى آدم - لقد قضت الأسرة الملكية وشوهت مفهوم الوطن والدولة والوطنية ، حطموا تحت أقدامهم مجتمع ب أكلمة ، " .....لقد جرت عملية تشويه لمفهوم الدولة ذات الامارات اللامتناهية حينما قضت السلطة على قدرة المجتمع واطيافه الفاعلة والفعالة لانه يلعب دور الرقيب والمحاسب فتحول العالم الديني الى ديكور للسلطة والمثقف الى بوق والتاجر الى سمسار والمعلم الى مرتل لنص السلطة والشاعر الى مطبل ودخل الجميع في عملية تنافس رهيبة للاستئثار بهذا الامير او ذاك وتناحر المجتمع تماما كما تتناحر الامارات فيما بينها..... " ؟
همسة !!
س / إلي ماذا تهدف السياسة السعودية ؟
http://1rima1.blogspot.com
التوجه القومي لثورة 23 يوليو وتطوره

خالد الناصر
من المؤكد أن جمال عبد الناصر – وهو يفجر ثورة 23 يوليو 1952 ويقود مسيرتها – لم يخترع مقولة اسمها " القومية العربية " ولا ابتدع كيانا اسمه " الأمة العربية " ولا اصطنع شيئا يسمى " عروبة مصر " وانتماءها لحضارة وثقافة تحمل اسم الحضارة العربية الإسلامية , فكل هذه الأمور كانت موجودة حتى ولو بشكل غير فعال أو منقوص أو في تضاد مع بعضها يعطلها ؛ فلقد كانت هناك عروبة مبهمة بلا قاعدة دون مصر , وكانت هناك مصر حائرة بلا هوية دون عروبة . ولكن عظمة هذا القائد التاريخي وثورته الكبرى أنه وضعها جميعا على الطريق الصحيح تاريخيا وموضوعيا ؛ فأعاد ترتيبها بحيث تتكامل وتتعاظم تأثيرا , وأعطاها مضامينها الحقيقية وربطها ببقية أبعاد النضال الأخرى , وبذلك أصبحت الناصرية هي محتوى القومية العربية الأكثر تقدما واستراتيجيتها الأكثر فعالية لبلوغ أهدافها . والحقيقة أن هذا لم يأت اعتباطا ولا صدفة وإنما في سياق عملية تاريخية تضرب في أعماق الزمن العربي وتتفاعل تحت السطح في المنطقة حتى جاءت الشرارة المطلوبة ( ثورة يوليو ) في مركز الثقل والموقع الصحيح ( مصر ) وبوجود القيادة التاريخية المؤهلة ( جمال عبدالناصر ) كما سنرى ونحن نحلل هذا السياق ونستوعب كيف تطور البعد القومي لهذه الثورة : من تغيير حدث في مصر ورفع أهدافا ستة مطلوبة في مصر نفسها لتصبح بعد حين الثورة الأم للثورة العربية والقاعدة الأساس لحركة القومية العربية ونضالها لتحقيق أهدافها المتكاملة والمتفاعلة ( الحرية والاشتراكية والوحدة ) . وبدون أن ندخل في تفاصيل نظرية ليس هنا مكانها ننطلق من حقيقة لم تعد بحاجة إلى إثبات وهي أن القومية العربية هي في جوهرها تعبير عن وجود وتجسيد انتماء تمثله وتعيشه الجماعة البشرية المتواجدة فوق رقعة جغرافية بعينها من جنوب غربي آسيا إلى أقصى الشمال الغربي من أفريقيا , وهي أيضا الجماعة التي اكتمل نموها وتبلور تكوينها عبر نهر تاريخ المنطقة مزودا بروافد ثرية شتى من الحضارات القديمة العريقة من مصر إلى الشام ومن العراق واليمن إلى شمال أفريقيا والمغرب الأقصى .. ثم اكتمل هذا التكوين القومي بانبلاج فجر الإسلام متميزا بخاصة فريدة بين العقائد السماوية تتمثل في العربية – لغة القرآن الكريم الذي لم يهب هذه الجماعة لسانها المعبر وحسب بل هيأ لها أيضا منظومة من القيم الروحية السامية , أذكت بين جوانح أبنائها الشوق للتطور والإبداع وأمدتها بطاقة لا تنفد من الاستنارة والرشد مما كفل لها سبل الانفتاح على حضارات الأمم التي سبقت كي تنهل من أفضل ينابيعها وتترجم عن ألسنتها , وشارك في هذا الجهد العلمي النهضوي أجيال مستنيرة من أبناء الديانات الأخرى في إطار من أخوة التسامح وجلال العلم وإرادة التجديد . وفي سياق هذا التفاعل التاريخي الممتد عبر العصور لعبت مصر – باعتبارها الاقليم المركزي في هذه المنطقة والكتلة المتماسكة منذ فجر التاريخ – دورا أساسيا في بناء هذا الجسم القومي والحفاظ عليه , فكانت فعلا كما وصفها الرسول الكريم الكنانة التي تلم الأسهم العربية وتمنعها من التشتت . .
1- فلقد كانت الجسر والقاعدة الذي امتد منهما الكيان العربي الاسلامي إلى جناحه الغربي في شمال أفريقيا وظل يشده إليه .
2- كانت دائما خط الدفاع الأخير عنه ضد الأخطار المصيرية التي تهدد بفنائه , وتجلى ذلك في أكثر من شاهد تاريخي : - فالزحف المغولي الذي تساقطت أمامه القلاع العربية المشرقية وبدا أنه لاراد له , لم ينكسر إلا على صخرة جيش مصر بقيادة قطز في معركة عين جالوت على أرض فلسطين . - والغزوات الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان لم تنحسر إلا في معركة حطين بعد استعادة مصر إلى موقعها الأساسي في الجسم العربي على يد صلاح الدين .
3- كانت مهد محاولة النهضة العربية الأولىالتي تمت على يد محمد علي ومشروع ابنه ابراهيم باشا لتوحيد المنطقة العربية بعد الليل العثماني الطويل وتكالب القوى الاستعمارية الغربية لاقتسامها .
4- كانت الملجأ الطبيعي الذي حضن أفواج المفكرين السياسيين والدعاة الدينيين والصحفيين الأحرار من مشرق الوطن العربي ومغربه الذين هاجروا إليها ولاذوا بشعبها من الطغيان العثماني ومن بعده الأوروبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين , وتفاعلوا بشكل رائع وخلاق مع نظرائهم وتلاميذهم في مصر سواء ممن تخرجوا من الأزهر الشريف أو ممن عادوا من بعثاتهم في أوروبا .
وكان أن أصبحت مصر – موضوعيا – ومع فجر القرن العشرين منبرا للفكر العربي ومسرحا لفنونه وموئلا لكل أحرار العرب من وراء الحدود التي رسمها الاستعمار الأجنبي . ولكن مصر ورغم ذلك كله كانت مطلع القرن العشرين ونصفه الأول في غفلة عن دورها المطلوب , ملهية بنفسها وصراعها مع الاحتلال الإنجليزي عن إيجاد صياغة جدلية – كدأبها تاريخيا – تجمع النضالات العربية التي تفرقت في تلك الفترة إلى اتجاهين رئيسيين : - ففي مواجهة مخطط الفرنسة في المغرب الكبير تمسك أبناؤه بلإسلام .. دينا وثقافة ولغة وتعاليم كقوة دافعة ضد مشاريع الاحتلال والاستيطان . - وفي مواجهة الهجمة الطورانية رفع أبناء المشرق العربي – مسلمين ومسيحيين – لواء القومية العربية للتمايز عن المحتل التركي المسلم والتخلص من نيره . ولا يزال لهذا التوزع آثاره السلبية حتى الآن فيما نشهده من محاولات مفتعلة لوضع العروبة في تناقض مع الإسلام .
بينما كان ساطع الحصري – رائد الدعوة القومية العربية منذ الربع الأول من القرن العشرين – يكتب في عشرينات وثلاثينات ذلك القرن داعيا مصر إلى الاضطلاع بدورها التاريخي في قيادة مسيرة النضال العربي نحو التحرر والوحدة , كانت طلائع الوعي القومي تنمو وتنضج في نفس فتى من صعيد مصر هو جمال عبدالناصر , ابتداء من مشاركته كطالب في المظاهرات الداعية إلى إسقاط وعد بلفور بوصفه أول حلقات مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني في قلب الأرض العربية , وليس انتهاء بمشاركته كضابط شاب في معارك فلسطين عام 1948-1949 حيث التحم الوعي السياسي بالتجربة النضالية على أرض الواقع , وحيث عاد بدرس مستفاد من معارك فلسطين عبرت عنه كلمات سجلها في كتاب ( فلسفة الثورة ) حين قال : " ولما انتهت المعارك وعدت إلى أرض الوطن , كانت المنطقة العربية في تصوري قد أصبحت كلا واحدا " . لقد تداخلت عوامل شتى في التكوين الفكري لجمال عبد الناصر .. منها الوعي بمأساة فلسطين إلى خوض تجربة الحياة والموت على أرضها , ومنها دراسة وتدريس تاريخ الحملات العسكرية على مصر والمشرق العربي في كلية أركان الحرب , فضلا عن المتابعة الميدانية من جانب الضابط الشاب ورفاقه للمشهد السياسي الداخلي في مصر الذي تجلى على مسرحه طغيان القصر الملكي وصراعات الساسة والأحزاب التقليدية والدعوات الانعزالية التي كانت تحاول شد مصر إما إلى التقوقع حول ماض سحيق ( الدعوة الفرعونية ) أو إلى الانتماء للخارج الأجنبي الغريب عنها لغة وثقافة ودينا ( حضارة البحر المتوسط ) . وكان أن تشابكت وتفاعلت تلك العوامل في مجموعها ليتشكل منها المنظور الذي أطلت منه القيادة التاريخية بعين التأمل الواعي وقدرة الفعل السؤول , على ما آلت إليه أحوال الأمة العربية صبيحة يوم الثورة في 23 يوليو 1952 .
لقد كان الوضع العربي قد بلغ ذروة الأزمة عشية ذلك اليوم الفاصل , فلقد كانت الأمة قد تم تمزيقها إلى أشلاء متناثرة وتم احتلال معظم أجزائها ؛ فالمغرب العربي يرزح بكامله تحت نير الاستعمار الفرنسي والاسباني , وليبيا تحت الاحتلال الإيطالي , ومصر والعراق والخليج وجنوب اليمن تحت الحماية أو الاحتلال الانجليزي , وفلسطين تم اغتصابها وإقامة الكيان الصهيوني فيها , وما لم يحتل كان يغط في سبات القرون الوسطى . أما الأقطار التي بدأت بالحصول على استقلالها فكانت ضعيفة عاجزة أمام مهام التنمية وضغط الحركات القومية التي رفعت شعار الوحدة والتحرر مع أنها كانت غضة العود ومحصورة في المشرق العربي وبشكل أساسي في بلاد الشام , ولكن التوق إلى الوحدة كان يعتمل كالجمر تحت الرماد ويقلق الدول الاستعمارية والأنظمة الوليدة المرتبطة بها بدرجة أو بأخرى ؛ فكان أن تم إنشاء الجامعة العربية – بجهد من بريطانيا أساسا – لتهدئة الخواطر ولتنسيق الجهد الإقليمي العربي بما يحافظ على استقرار وضع الدول العربية على ما هو عليه . وجاءت هزيمة 1948 أمام العصابات الصهيونية لتكشف عورة النظام الإقليمي العربي وهشاشة أنظمته , وبدأت ردود الفعل الأولى بالانقلابات العسكرية المتتالية في المشرق العربي ( سوريا أساسا ) دون أن يتغير من الأمر شيئا .. إلى أن جاءت حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر لتفتح الطريق أمام الفعل الحقيقي الذي طال انتظاره . من المفارقة أن ما بدا من إغفال لمسألة الوحدة العربية في الأهداف التي رفعتها الثورة غداة قيامها وتركيزها على إصلاح وضع مصر الداخلي وتأمينه , كان هو المنطلق الحقيقي والواقعي للبعد القومي لثورة 23 يوليو لأنه هيأ الأساس الموضوعي لعودة مصر إلى عروبتها وإلى دورها المطلوب باعتبارها قلب الوطن العربي ومركز ثقله ؛ أو بعبارة أخرى الإقليم القاعدة الذي يشد بقية الأجزاء إليه . وعليه , فلم تمض على الثورة شهور حتى أصدر عبد الناصر وثيقته الفكرية الأولى ( فلسفة الثورة ) التي بلور فيها بأوضح وأبلغ العبارات هذا الدور الذي لايمكن تجاهله ولا النكوص عنه . وفي الذكرى الأولى للثورة كلف عبد الناصر فتحي الديب – الجندي القومي المجهول – بتأسيس صوت العرب ليكون صوت الدعوة القومية العربية من مصر , وملتقى الثوار العرب ووسيلتهم لإيصال صوتهم إلى كل أصقاع الأرض العربية متخطين كل الحواجز التي كانت القوى المستعمرة والرجعية تحاول منعهم بها , وكان لذلك أثر عظيم في تحريض الجماهير العربية وتعبئتها ونجاح كثير من الحركات الثورية . ومن منطلق هذه المسؤولية القومية حاربت الثورة الأحلاف الاستعمارية التي كانت تريد إبقاء المنطقة تحت نفوذها وخرجت من هذه المعركة ظافرة حيث وأدت حلف بغداد في مهده وما لبث أحرار العراق أن أطاحوا في ثورة 14 تموز ( يوليو 1958 ) بالنظام الملكي العميل في بغداد ذاتها . كما جندت ثورة يوليو كل إمكاناتها لنصرة ثورة الجزائر التي انطلقت في 1 نوفمبر1954 لمحاربة الاستعمار الفرنسي والتي ماكان لها أن تنتصر ذلك الانتصار المجيد لولا هذا الإسهام الفعال والمساندة التامة . وبالطبع لم يكن هذا مفصولا عن مساندة عموم الحركة الناشطة لتحرير أقطار المغرب العربي كله كما هو معروف . كما ساندت وساهمت في الثورة ضد الاستعمار الانجليزي في جنوب اليمن وعمان والخليج العربي حتى حمل عصاه ورحل فعلا واستقلت هذه الأقطار . وقبل هذا وذاك تبنت ثورة يوليو ثورة الشعب الفلسطيني ضد الغاصب الصهيوني وحضنت مقاومته وقدمت لها كل دعم من تدريب وسلاح ومعسكرات ومحطات إذاعة وجندت لخدمة القضية الفلسطينية إعلامها وديبلوماسيتها وكل نفوذها الدولي . ولقد كان هذا النشاط الثوري الذي لم يكل ولم يهدأ السبب المباشر للعدوان الثلاثي عام 1956 الذي شنته انجلترا وفرنسا واسرائيل لإخماد شعلة الثورة العربية التي انطلقت من القاهرة . ولكن هذا العدوان واندحاره كان اللمسة الأخيرة الحاسمة التي أوصلت المد القومي إلى أوجه , فتلاحمت الجماهير العربية وطلائعها وحركاتها القومية بثورة 23 يوليو وأصبح عبد الناصر زعيم الأمة وقائد ثورتها ورمز عروبتها . وكانت أولى ثمار هذا المد العظيم تحقق أول وحدة في تاريخ العرب الحديث بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958 . وبقدر تعاظم هذا الدور القومي , تكالبت القوى الاستعمارية واستطاعت فعلا إحداث نكسات مؤلمة في مسيرة النضال العربي تحت القيادة الناصرية .. فكان نجاح مؤامرة انفصال سوريا عن دولة الوحدة التي تشاركت في نسجها الدول الاستعمارية المتضررة من البركان الثوري الذي أطلقته ثورة يوليو في المنطقة العربية والدول الرجعية الخائفة على عروشها بعد أن سحب جمال عبد الناصر منها ولاء شعوبها والقوى الإقطاعية والرأسمالية في سوريا التي استشعرت الخطر على مصالحها بعد قرارات يوليو الاشتراكية عام 1961 والأغرب من هذا قوى اليسار التقليدي التي كانت تنظر إلى الثورة وإنجازاتها بعين الريبة والتشكيك وأيضا بعض القوى القومية التي كانت قد انسحبت من دولة الوحدة وأعماها خلافها معها عن رؤية أن الذي طعن هو هدف الوحدة الذي هو مبرر وجودها أصلا . ولكن رد الثورة وقائدها كان التمسك باسم الجمهورية العربية المتحدة كرمز للوحدة والتحدي , وتعميق خط الثورة السياسي والاجتماعي بإصدار ميثاق العمل الوطني كنظرية عمل تسترشد بها الثورة وجماهيرها في مسيرتها الصاعدة , وكان دعم ثورة اليمن في شطره الشمالي للتخلص من نظام الإمامة المتخلف وفي شطره الجنوبي حتى تحرر من ربقة الاستعمار البريطاني , وكانت استجابته لمشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق عام 1963 رغم تجربته السلبية مع تلك القوى التي كانت تحكم القطرين المذكورين آنذاك ؛ فلما انهار ذلك المشروع الوحدوي بسبب ذات المواقف التي ساهمت سابقا في انهيار الوحدة الرائدة من قبل تلك القوى ذاتها , طرح عبد الناصر الحركة العربية الواحدة كطريق لتحقيق الوحدة العربية . وكانت نكسة يونيو 1967 أخطر تلك الضربات التي حاولت كسر الثورة الناصرية وإسقاطها أوعلى الأقل حصرها داخل مصر , ولكن عبد الناصر , وهو يعيد بناء جيشه لمعركة التحرير ويخوض حرب الاستنزاف المجيدة , ظل يؤكد على قومية المعركة ويسعى لبناء الجبهة الشرقية ضد العدو الصهيوني , وظل ينادي القدس قبل سيناء , وظل يحرض المقاومة الفلسطينية على رفض ما يضطر لقبوله لأسباب تكتيكية , وعندما شرع النظام الأردني بالبطش بها في أيلول الأسود 1970 نهض لنصرتها وإنقاذها رغم إسفافها في الهجوم عليه , ولفظ أنفاسه الأخيرة شهيد فلسطين والقضية القومية . ولم يقتصر هذا الدور القومي لثورة 23 يوليو على هذه المعارك المباشرة والتعبئة الإعلامية وإنما نهضت لتساهم في دفع عجلة التنمية والتقدم في كل الأقطار العربية إيمانا منها بوجوب بناء قاعدة تحتية متينة تكون الأساس الصلب الذي ينهض عليه صرح الوحدة العربية , فأرسلت البعثات التعليمية من كل المستويات والخبراء في كل الميادين إلى الجزائر واليمن والخليج العربي وإلى كل قطر عربي يحتاج إلى مثل تلك الخدمات , وفتحت جامعاتها للطلبة العرب من كل مكان وبلا حدود , ودربت الضباط العرب في كلياتها العسكرية , ووضعت خبراتها الإعلامية والعلمية والإدارية بتصرف أي قطر عربي يطلبها . كما عملت على تنشيط وإنشاء منظمات المجتمع المدني العربية القومية كالاتحادات المهنية والنقابية العربية كاتحاد المحامين العرب واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للعمال العرب وغيرها التي لعبت أدوارا هامة في دعم القضايا العربية مثل الموقف التاريخي لاتحاد العمال العرب في قضية الباخرة كليوباترا , ولقد حرص جمال عبد الناصر على الالتقاء دوريا بهذه المنظمات الجماهيرية القومية واتخذها منبرا لإعلان كثير من مواقفه القومية الهامة كدعوته لقيام الحركة العربية الواحدة التي أطلقها في اجتماع المؤتمر العام لاتحاد المحامين العرب 1963 . كان أسلوب ثورة 23 يوليو في ممارسة دورها القومي بحد ذاته إسهاما كبيرا في مسيرة العمل القومي حيث اتخذ مستويين في التنفيذ فرضتهما الطبيعة المزدوجة لنظامها ؛ كونها دولة قطرية مركزية عليها التزامات تجاه كيانها ونظامها وتجاه بقية الدول العربية وتجاه بقية دول العالم محكومة بالقواعد الدولية المقيدة من جهة , وكونها ثورة ذات رسالة قومية تسعى إلى تغيير الواقع العربي بما في ذلك محاربة الأنظمة المعيقة لهذا التغيير من جهة أخرى . ولكن هذا الأسلوب في كلا مستوييه كان يصدر عن استراتيجية واحدة هي الالتزام بالأهداف القومية العليا وفتح الطريق لتحقيقها , وفي كل الأحوال مصلحة الأمة العربية الراهنة والمستقبلية .. وإن كان يحدث أحيانا بعض التداخل أو التضارب أو التجاوز في عمل الأجهزة المنفذة هنا أو هناك . 1- فعلى مستوى الدولة : كانت الحركة تتم تحت شعار وحدة الصف العربي وتنطلق من الاستفادة من مؤسسات العمل العربي المشترك الموروثة كالجامعة العربية وأجهزتها حيث كان لمصر الناصرية دور بارز في تطويرها إلى أقصى حد ممكن يتجاوز دورها المرسوم بالأصل لتكريس الدول القطرية إلى التعاون بما يخدم القضايا العربية ولاسيما في مجال الصراع العربي الإسرائيلي , فكانت وراء استحداث مؤتمرات القمة كأعلى مستوى لاتخاذ القرار , وكانت وراء إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية لتمثيل شعب فلسطين في المحافل الدولية وإحباط المحاولات التي كانت تجري لطمس اسم فلسطين من قبل الصهيونية والقوى الاستعمارية . ولقد كان لهذا التحرك دوره البارز بعد عدوان 1967 ولاسيما في مؤتمر الخرطوم حيث ألزمت الدول العربية بتقديم الدعم المادي لدول المواجهة – مصر الثورة أساسا – في مواجهة العدو الصهيوني , وحيث أقرت اللاءات الشهيرة ( لاصلح ولا تفاوض ولا اعتراف باسرائيل ) كخطوط حمراء لا يتم تجاوزها . 2- مستوى التحرك الثوري : وهو المستوى الاستراتيجي والأهم , وكان يجري تحت شعار وحدة الهدف , وابتدأ بدعم كل الحركات العربية الثورية والقومية والتعاون معها كما رأينا , وانتقل إلى درجة أعلى بالدعوة إلى وحدة القوى الثورية ضمن حركة عربية واحدة تكون أداة النضال العربي في تحقيق أهدافه , ثم بدأت ترجمة هذا التوجه بإعداد جيل ثوري قومي من خلال معسكرات للشباب العربي ودورات وبرامج حوارية وتثقيفية يتم من خلالها فرز نويات طليعية من كل الأقطار العربية تتحرك في ساحاتها وبين قواعدها الشعبية من أجل إقامة هذه الحركة المنشودة . وفي اكتوبر 1965 تم تكليف أمين الشؤون العربية في الاتحاد الاشتراكي ورئاسة الجمهورية لتجسيد هذه الحركة في تنظيم قومي يبنى بتؤدة وعناية من خلال الطلائع العربية الشابة التي صقلت في معارك النضال القومي في ساحاتها , ولقد أثرت نكسة يونيو 1967 على وتيرة بناء هذا التنظيم ولكنه استطاع تحقيق لقاءه القومي الأول بما فيها مشاركة الأمين المساعد للتنظيم الطليعي في مصر في خريف عام 1969 , إلا أن الضربة الأليمة التي هزته فيما هزت من مؤسسات ثورة يوليو كانت انقلاب مايو 1971 التي قطعت مسيرة هذه الثورة الرائدة في قلب الأمة العربية وكانت بداية الإنهيار الكبير الذي لانزال نعيش تداعياته . لقد مثلت ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر نقلة استراتيجية هائلة في حركة النضال القومي العربي , ولقد تحققت هذه النقلة النوعية من خلال الإنجازات الأساسية التالية : 1- حسم عروبة مصر وتصحيح المعادلة المختلة التي كانت سائدة ( عروبة بلا مصر , ومصر بلا عروبة ! ) 2- وفرت للدعوة القومية وحركتها اقليمها القاعدي المطلوب والمفتقد . 3- وفرت للحركة القومية القيادة التاريخية المؤهلة للزعامة والتي استقطبت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي بأسره . 4- نقلت الدعوة القومية من مجال النخبة الضيق لتصبح مطلبا جماهيريا بطول الوطن العربي وعرضه. 5- أعطت للقومية العربية مضامينها الاجتماعية والتحررية بعد أن كانت دعوة مثالية مجردة , وربطتها ببقية أهداف النضال العربي ربطا جدليا . 6- بينت العلاقة الجدلية التكاملية بين العروبة والإسلام بعد أن كانا موضع تضاد من قبل القوى التي كانت ترفع راياتهما . 7- نقلت القومية العربية من المجال النظري المجرد إلى حيز التطبيق العملي من خلال التجارب الوحدوية التي أنجزت والمعارك التي خيضت بغض النظر عن النجاح أو الفشل . والآن , وبعد مرور هذا الوقت الطويل على رحيل هذا القائد العظيم والانقلاب على نظامه الثوري في قلب الأمة العربية مصر , وتردي الوضع العربي إلى هذا الدرك الذي نحن فيه ؛ نقف ونحن نعالج هذا الجانب الهام من ثورة 23 يوليو لأخذ الدروس والعبر , ولنعاين ماذا تبقى لدينا في هذا المجال فنجد أنه لايزال لدينا الكثير الهام الذي نستطيع أن نبني عليه : 1- لدينا ما بلورته ثورة 23 يوليو من فكر قومي متقدم ومتكامل يحدد الأهداف ووسائل التحقيق , ولاتضيره المراجعة الواجبة لتخليصه من جوانب القصور التي شابته ولإضافة ما يتلاءم مع المعطيات التي أفرزتها التطورات التي حصلت بعد انقطاع تلك المسيرة الثورية . 2- ولدينا حركة ناصرية واسعة – بغض النظر عن تشتتها – وكوادر طليعية منتشرة في كل أنحاء الوطن العربي , تستطيع بوحدتها وتطهيرها من الأدران التي علقت بها وانفتاحها على بقية القوى أن تكون أساسا لحركة عربية جديدة تواصل ما انقطع و وتواجه ما استجد , وتستأنف النضال من أجل أهداف الأمة . 3- ولدينا تراث من التجارب التطبيقية نستطيع استخلاص دروسها في أسلوب التحرك : - سواء على مستوى وحدة الهدف ( التنظيم القومي ووحدة القوى الثورية ) . - أو على مستوى وحدة الصف ( التحالفات مع بقية القوى العربية ) . 4- ولدينا أخيرا العزم الأكيد على استكمال مسيرة الثورة العربية حتى تحقيق غاياتها بإذن الله .
من المؤكد أن جمال عبد الناصر – وهو يفجر ثورة 23 يوليو 1952 ويقود مسيرتها – لم يخترع مقولة اسمها " القومية العربية " ولا ابتدع كيانا اسمه " الأمة العربية " ولا اصطنع شيئا يسمى " عروبة مصر " وانتماءها لحضارة وثقافة تحمل اسم الحضارة العربية الإسلامية , فكل هذه الأمور كانت موجودة حتى ولو بشكل غير فعال أو منقوص أو في تضاد مع بعضها يعطلها ؛ فلقد كانت هناك عروبة مبهمة بلا قاعدة دون مصر , وكانت هناك مصر حائرة بلا هوية دون عروبة . ولكن عظمة هذا القائد التاريخي وثورته الكبرى أنه وضعها جميعا على الطريق الصحيح تاريخيا وموضوعيا ؛ فأعاد ترتيبها بحيث تتكامل وتتعاظم تأثيرا , وأعطاها مضامينها الحقيقية وربطها ببقية أبعاد النضال الأخرى , وبذلك أصبحت الناصرية هي محتوى القومية العربية الأكثر تقدما واستراتيجيتها الأكثر فعالية لبلوغ أهدافها . والحقيقة أن هذا لم يأت اعتباطا ولا صدفة وإنما في سياق عملية تاريخية تضرب في أعماق الزمن العربي وتتفاعل تحت السطح في المنطقة حتى جاءت الشرارة المطلوبة ( ثورة يوليو ) في مركز الثقل والموقع الصحيح ( مصر ) وبوجود القيادة التاريخية المؤهلة ( جمال عبدالناصر ) كما سنرى ونحن نحلل هذا السياق ونستوعب كيف تطور البعد القومي لهذه الثورة : من تغيير حدث في مصر ورفع أهدافا ستة مطلوبة في مصر نفسها لتصبح بعد حين الثورة الأم للثورة العربية والقاعدة الأساس لحركة القومية العربية ونضالها لتحقيق أهدافها المتكاملة والمتفاعلة ( الحرية والاشتراكية والوحدة ) . وبدون أن ندخل في تفاصيل نظرية ليس هنا مكانها ننطلق من حقيقة لم تعد بحاجة إلى إثبات وهي أن القومية العربية هي في جوهرها تعبير عن وجود وتجسيد انتماء تمثله وتعيشه الجماعة البشرية المتواجدة فوق رقعة جغرافية بعينها من جنوب غربي آسيا إلى أقصى الشمال الغربي من أفريقيا , وهي أيضا الجماعة التي اكتمل نموها وتبلور تكوينها عبر نهر تاريخ المنطقة مزودا بروافد ثرية شتى من الحضارات القديمة العريقة من مصر إلى الشام ومن العراق واليمن إلى شمال أفريقيا والمغرب الأقصى .. ثم اكتمل هذا التكوين القومي بانبلاج فجر الإسلام متميزا بخاصة فريدة بين العقائد السماوية تتمثل في العربية – لغة القرآن الكريم الذي لم يهب هذه الجماعة لسانها المعبر وحسب بل هيأ لها أيضا منظومة من القيم الروحية السامية , أذكت بين جوانح أبنائها الشوق للتطور والإبداع وأمدتها بطاقة لا تنفد من الاستنارة والرشد مما كفل لها سبل الانفتاح على حضارات الأمم التي سبقت كي تنهل من أفضل ينابيعها وتترجم عن ألسنتها , وشارك في هذا الجهد العلمي النهضوي أجيال مستنيرة من أبناء الديانات الأخرى في إطار من أخوة التسامح وجلال العلم وإرادة التجديد . وفي سياق هذا التفاعل التاريخي الممتد عبر العصور لعبت مصر – باعتبارها الاقليم المركزي في هذه المنطقة والكتلة المتماسكة منذ فجر التاريخ – دورا أساسيا في بناء هذا الجسم القومي والحفاظ عليه , فكانت فعلا كما وصفها الرسول الكريم الكنانة التي تلم الأسهم العربية وتمنعها من التشتت . .
1- فلقد كانت الجسر والقاعدة الذي امتد منهما الكيان العربي الاسلامي إلى جناحه الغربي في شمال أفريقيا وظل يشده إليه .
2- كانت دائما خط الدفاع الأخير عنه ضد الأخطار المصيرية التي تهدد بفنائه , وتجلى ذلك في أكثر من شاهد تاريخي : - فالزحف المغولي الذي تساقطت أمامه القلاع العربية المشرقية وبدا أنه لاراد له , لم ينكسر إلا على صخرة جيش مصر بقيادة قطز في معركة عين جالوت على أرض فلسطين . - والغزوات الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان لم تنحسر إلا في معركة حطين بعد استعادة مصر إلى موقعها الأساسي في الجسم العربي على يد صلاح الدين .
3- كانت مهد محاولة النهضة العربية الأولىالتي تمت على يد محمد علي ومشروع ابنه ابراهيم باشا لتوحيد المنطقة العربية بعد الليل العثماني الطويل وتكالب القوى الاستعمارية الغربية لاقتسامها .
4- كانت الملجأ الطبيعي الذي حضن أفواج المفكرين السياسيين والدعاة الدينيين والصحفيين الأحرار من مشرق الوطن العربي ومغربه الذين هاجروا إليها ولاذوا بشعبها من الطغيان العثماني ومن بعده الأوروبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين , وتفاعلوا بشكل رائع وخلاق مع نظرائهم وتلاميذهم في مصر سواء ممن تخرجوا من الأزهر الشريف أو ممن عادوا من بعثاتهم في أوروبا .
وكان أن أصبحت مصر – موضوعيا – ومع فجر القرن العشرين منبرا للفكر العربي ومسرحا لفنونه وموئلا لكل أحرار العرب من وراء الحدود التي رسمها الاستعمار الأجنبي . ولكن مصر ورغم ذلك كله كانت مطلع القرن العشرين ونصفه الأول في غفلة عن دورها المطلوب , ملهية بنفسها وصراعها مع الاحتلال الإنجليزي عن إيجاد صياغة جدلية – كدأبها تاريخيا – تجمع النضالات العربية التي تفرقت في تلك الفترة إلى اتجاهين رئيسيين : - ففي مواجهة مخطط الفرنسة في المغرب الكبير تمسك أبناؤه بلإسلام .. دينا وثقافة ولغة وتعاليم كقوة دافعة ضد مشاريع الاحتلال والاستيطان . - وفي مواجهة الهجمة الطورانية رفع أبناء المشرق العربي – مسلمين ومسيحيين – لواء القومية العربية للتمايز عن المحتل التركي المسلم والتخلص من نيره . ولا يزال لهذا التوزع آثاره السلبية حتى الآن فيما نشهده من محاولات مفتعلة لوضع العروبة في تناقض مع الإسلام .
بينما كان ساطع الحصري – رائد الدعوة القومية العربية منذ الربع الأول من القرن العشرين – يكتب في عشرينات وثلاثينات ذلك القرن داعيا مصر إلى الاضطلاع بدورها التاريخي في قيادة مسيرة النضال العربي نحو التحرر والوحدة , كانت طلائع الوعي القومي تنمو وتنضج في نفس فتى من صعيد مصر هو جمال عبدالناصر , ابتداء من مشاركته كطالب في المظاهرات الداعية إلى إسقاط وعد بلفور بوصفه أول حلقات مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني في قلب الأرض العربية , وليس انتهاء بمشاركته كضابط شاب في معارك فلسطين عام 1948-1949 حيث التحم الوعي السياسي بالتجربة النضالية على أرض الواقع , وحيث عاد بدرس مستفاد من معارك فلسطين عبرت عنه كلمات سجلها في كتاب ( فلسفة الثورة ) حين قال : " ولما انتهت المعارك وعدت إلى أرض الوطن , كانت المنطقة العربية في تصوري قد أصبحت كلا واحدا " . لقد تداخلت عوامل شتى في التكوين الفكري لجمال عبد الناصر .. منها الوعي بمأساة فلسطين إلى خوض تجربة الحياة والموت على أرضها , ومنها دراسة وتدريس تاريخ الحملات العسكرية على مصر والمشرق العربي في كلية أركان الحرب , فضلا عن المتابعة الميدانية من جانب الضابط الشاب ورفاقه للمشهد السياسي الداخلي في مصر الذي تجلى على مسرحه طغيان القصر الملكي وصراعات الساسة والأحزاب التقليدية والدعوات الانعزالية التي كانت تحاول شد مصر إما إلى التقوقع حول ماض سحيق ( الدعوة الفرعونية ) أو إلى الانتماء للخارج الأجنبي الغريب عنها لغة وثقافة ودينا ( حضارة البحر المتوسط ) . وكان أن تشابكت وتفاعلت تلك العوامل في مجموعها ليتشكل منها المنظور الذي أطلت منه القيادة التاريخية بعين التأمل الواعي وقدرة الفعل السؤول , على ما آلت إليه أحوال الأمة العربية صبيحة يوم الثورة في 23 يوليو 1952 .
لقد كان الوضع العربي قد بلغ ذروة الأزمة عشية ذلك اليوم الفاصل , فلقد كانت الأمة قد تم تمزيقها إلى أشلاء متناثرة وتم احتلال معظم أجزائها ؛ فالمغرب العربي يرزح بكامله تحت نير الاستعمار الفرنسي والاسباني , وليبيا تحت الاحتلال الإيطالي , ومصر والعراق والخليج وجنوب اليمن تحت الحماية أو الاحتلال الانجليزي , وفلسطين تم اغتصابها وإقامة الكيان الصهيوني فيها , وما لم يحتل كان يغط في سبات القرون الوسطى . أما الأقطار التي بدأت بالحصول على استقلالها فكانت ضعيفة عاجزة أمام مهام التنمية وضغط الحركات القومية التي رفعت شعار الوحدة والتحرر مع أنها كانت غضة العود ومحصورة في المشرق العربي وبشكل أساسي في بلاد الشام , ولكن التوق إلى الوحدة كان يعتمل كالجمر تحت الرماد ويقلق الدول الاستعمارية والأنظمة الوليدة المرتبطة بها بدرجة أو بأخرى ؛ فكان أن تم إنشاء الجامعة العربية – بجهد من بريطانيا أساسا – لتهدئة الخواطر ولتنسيق الجهد الإقليمي العربي بما يحافظ على استقرار وضع الدول العربية على ما هو عليه . وجاءت هزيمة 1948 أمام العصابات الصهيونية لتكشف عورة النظام الإقليمي العربي وهشاشة أنظمته , وبدأت ردود الفعل الأولى بالانقلابات العسكرية المتتالية في المشرق العربي ( سوريا أساسا ) دون أن يتغير من الأمر شيئا .. إلى أن جاءت حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر لتفتح الطريق أمام الفعل الحقيقي الذي طال انتظاره . من المفارقة أن ما بدا من إغفال لمسألة الوحدة العربية في الأهداف التي رفعتها الثورة غداة قيامها وتركيزها على إصلاح وضع مصر الداخلي وتأمينه , كان هو المنطلق الحقيقي والواقعي للبعد القومي لثورة 23 يوليو لأنه هيأ الأساس الموضوعي لعودة مصر إلى عروبتها وإلى دورها المطلوب باعتبارها قلب الوطن العربي ومركز ثقله ؛ أو بعبارة أخرى الإقليم القاعدة الذي يشد بقية الأجزاء إليه . وعليه , فلم تمض على الثورة شهور حتى أصدر عبد الناصر وثيقته الفكرية الأولى ( فلسفة الثورة ) التي بلور فيها بأوضح وأبلغ العبارات هذا الدور الذي لايمكن تجاهله ولا النكوص عنه . وفي الذكرى الأولى للثورة كلف عبد الناصر فتحي الديب – الجندي القومي المجهول – بتأسيس صوت العرب ليكون صوت الدعوة القومية العربية من مصر , وملتقى الثوار العرب ووسيلتهم لإيصال صوتهم إلى كل أصقاع الأرض العربية متخطين كل الحواجز التي كانت القوى المستعمرة والرجعية تحاول منعهم بها , وكان لذلك أثر عظيم في تحريض الجماهير العربية وتعبئتها ونجاح كثير من الحركات الثورية . ومن منطلق هذه المسؤولية القومية حاربت الثورة الأحلاف الاستعمارية التي كانت تريد إبقاء المنطقة تحت نفوذها وخرجت من هذه المعركة ظافرة حيث وأدت حلف بغداد في مهده وما لبث أحرار العراق أن أطاحوا في ثورة 14 تموز ( يوليو 1958 ) بالنظام الملكي العميل في بغداد ذاتها . كما جندت ثورة يوليو كل إمكاناتها لنصرة ثورة الجزائر التي انطلقت في 1 نوفمبر1954 لمحاربة الاستعمار الفرنسي والتي ماكان لها أن تنتصر ذلك الانتصار المجيد لولا هذا الإسهام الفعال والمساندة التامة . وبالطبع لم يكن هذا مفصولا عن مساندة عموم الحركة الناشطة لتحرير أقطار المغرب العربي كله كما هو معروف . كما ساندت وساهمت في الثورة ضد الاستعمار الانجليزي في جنوب اليمن وعمان والخليج العربي حتى حمل عصاه ورحل فعلا واستقلت هذه الأقطار . وقبل هذا وذاك تبنت ثورة يوليو ثورة الشعب الفلسطيني ضد الغاصب الصهيوني وحضنت مقاومته وقدمت لها كل دعم من تدريب وسلاح ومعسكرات ومحطات إذاعة وجندت لخدمة القضية الفلسطينية إعلامها وديبلوماسيتها وكل نفوذها الدولي . ولقد كان هذا النشاط الثوري الذي لم يكل ولم يهدأ السبب المباشر للعدوان الثلاثي عام 1956 الذي شنته انجلترا وفرنسا واسرائيل لإخماد شعلة الثورة العربية التي انطلقت من القاهرة . ولكن هذا العدوان واندحاره كان اللمسة الأخيرة الحاسمة التي أوصلت المد القومي إلى أوجه , فتلاحمت الجماهير العربية وطلائعها وحركاتها القومية بثورة 23 يوليو وأصبح عبد الناصر زعيم الأمة وقائد ثورتها ورمز عروبتها . وكانت أولى ثمار هذا المد العظيم تحقق أول وحدة في تاريخ العرب الحديث بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958 . وبقدر تعاظم هذا الدور القومي , تكالبت القوى الاستعمارية واستطاعت فعلا إحداث نكسات مؤلمة في مسيرة النضال العربي تحت القيادة الناصرية .. فكان نجاح مؤامرة انفصال سوريا عن دولة الوحدة التي تشاركت في نسجها الدول الاستعمارية المتضررة من البركان الثوري الذي أطلقته ثورة يوليو في المنطقة العربية والدول الرجعية الخائفة على عروشها بعد أن سحب جمال عبد الناصر منها ولاء شعوبها والقوى الإقطاعية والرأسمالية في سوريا التي استشعرت الخطر على مصالحها بعد قرارات يوليو الاشتراكية عام 1961 والأغرب من هذا قوى اليسار التقليدي التي كانت تنظر إلى الثورة وإنجازاتها بعين الريبة والتشكيك وأيضا بعض القوى القومية التي كانت قد انسحبت من دولة الوحدة وأعماها خلافها معها عن رؤية أن الذي طعن هو هدف الوحدة الذي هو مبرر وجودها أصلا . ولكن رد الثورة وقائدها كان التمسك باسم الجمهورية العربية المتحدة كرمز للوحدة والتحدي , وتعميق خط الثورة السياسي والاجتماعي بإصدار ميثاق العمل الوطني كنظرية عمل تسترشد بها الثورة وجماهيرها في مسيرتها الصاعدة , وكان دعم ثورة اليمن في شطره الشمالي للتخلص من نظام الإمامة المتخلف وفي شطره الجنوبي حتى تحرر من ربقة الاستعمار البريطاني , وكانت استجابته لمشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق عام 1963 رغم تجربته السلبية مع تلك القوى التي كانت تحكم القطرين المذكورين آنذاك ؛ فلما انهار ذلك المشروع الوحدوي بسبب ذات المواقف التي ساهمت سابقا في انهيار الوحدة الرائدة من قبل تلك القوى ذاتها , طرح عبد الناصر الحركة العربية الواحدة كطريق لتحقيق الوحدة العربية . وكانت نكسة يونيو 1967 أخطر تلك الضربات التي حاولت كسر الثورة الناصرية وإسقاطها أوعلى الأقل حصرها داخل مصر , ولكن عبد الناصر , وهو يعيد بناء جيشه لمعركة التحرير ويخوض حرب الاستنزاف المجيدة , ظل يؤكد على قومية المعركة ويسعى لبناء الجبهة الشرقية ضد العدو الصهيوني , وظل ينادي القدس قبل سيناء , وظل يحرض المقاومة الفلسطينية على رفض ما يضطر لقبوله لأسباب تكتيكية , وعندما شرع النظام الأردني بالبطش بها في أيلول الأسود 1970 نهض لنصرتها وإنقاذها رغم إسفافها في الهجوم عليه , ولفظ أنفاسه الأخيرة شهيد فلسطين والقضية القومية . ولم يقتصر هذا الدور القومي لثورة 23 يوليو على هذه المعارك المباشرة والتعبئة الإعلامية وإنما نهضت لتساهم في دفع عجلة التنمية والتقدم في كل الأقطار العربية إيمانا منها بوجوب بناء قاعدة تحتية متينة تكون الأساس الصلب الذي ينهض عليه صرح الوحدة العربية , فأرسلت البعثات التعليمية من كل المستويات والخبراء في كل الميادين إلى الجزائر واليمن والخليج العربي وإلى كل قطر عربي يحتاج إلى مثل تلك الخدمات , وفتحت جامعاتها للطلبة العرب من كل مكان وبلا حدود , ودربت الضباط العرب في كلياتها العسكرية , ووضعت خبراتها الإعلامية والعلمية والإدارية بتصرف أي قطر عربي يطلبها . كما عملت على تنشيط وإنشاء منظمات المجتمع المدني العربية القومية كالاتحادات المهنية والنقابية العربية كاتحاد المحامين العرب واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للعمال العرب وغيرها التي لعبت أدوارا هامة في دعم القضايا العربية مثل الموقف التاريخي لاتحاد العمال العرب في قضية الباخرة كليوباترا , ولقد حرص جمال عبد الناصر على الالتقاء دوريا بهذه المنظمات الجماهيرية القومية واتخذها منبرا لإعلان كثير من مواقفه القومية الهامة كدعوته لقيام الحركة العربية الواحدة التي أطلقها في اجتماع المؤتمر العام لاتحاد المحامين العرب 1963 . كان أسلوب ثورة 23 يوليو في ممارسة دورها القومي بحد ذاته إسهاما كبيرا في مسيرة العمل القومي حيث اتخذ مستويين في التنفيذ فرضتهما الطبيعة المزدوجة لنظامها ؛ كونها دولة قطرية مركزية عليها التزامات تجاه كيانها ونظامها وتجاه بقية الدول العربية وتجاه بقية دول العالم محكومة بالقواعد الدولية المقيدة من جهة , وكونها ثورة ذات رسالة قومية تسعى إلى تغيير الواقع العربي بما في ذلك محاربة الأنظمة المعيقة لهذا التغيير من جهة أخرى . ولكن هذا الأسلوب في كلا مستوييه كان يصدر عن استراتيجية واحدة هي الالتزام بالأهداف القومية العليا وفتح الطريق لتحقيقها , وفي كل الأحوال مصلحة الأمة العربية الراهنة والمستقبلية .. وإن كان يحدث أحيانا بعض التداخل أو التضارب أو التجاوز في عمل الأجهزة المنفذة هنا أو هناك . 1- فعلى مستوى الدولة : كانت الحركة تتم تحت شعار وحدة الصف العربي وتنطلق من الاستفادة من مؤسسات العمل العربي المشترك الموروثة كالجامعة العربية وأجهزتها حيث كان لمصر الناصرية دور بارز في تطويرها إلى أقصى حد ممكن يتجاوز دورها المرسوم بالأصل لتكريس الدول القطرية إلى التعاون بما يخدم القضايا العربية ولاسيما في مجال الصراع العربي الإسرائيلي , فكانت وراء استحداث مؤتمرات القمة كأعلى مستوى لاتخاذ القرار , وكانت وراء إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية لتمثيل شعب فلسطين في المحافل الدولية وإحباط المحاولات التي كانت تجري لطمس اسم فلسطين من قبل الصهيونية والقوى الاستعمارية . ولقد كان لهذا التحرك دوره البارز بعد عدوان 1967 ولاسيما في مؤتمر الخرطوم حيث ألزمت الدول العربية بتقديم الدعم المادي لدول المواجهة – مصر الثورة أساسا – في مواجهة العدو الصهيوني , وحيث أقرت اللاءات الشهيرة ( لاصلح ولا تفاوض ولا اعتراف باسرائيل ) كخطوط حمراء لا يتم تجاوزها . 2- مستوى التحرك الثوري : وهو المستوى الاستراتيجي والأهم , وكان يجري تحت شعار وحدة الهدف , وابتدأ بدعم كل الحركات العربية الثورية والقومية والتعاون معها كما رأينا , وانتقل إلى درجة أعلى بالدعوة إلى وحدة القوى الثورية ضمن حركة عربية واحدة تكون أداة النضال العربي في تحقيق أهدافه , ثم بدأت ترجمة هذا التوجه بإعداد جيل ثوري قومي من خلال معسكرات للشباب العربي ودورات وبرامج حوارية وتثقيفية يتم من خلالها فرز نويات طليعية من كل الأقطار العربية تتحرك في ساحاتها وبين قواعدها الشعبية من أجل إقامة هذه الحركة المنشودة . وفي اكتوبر 1965 تم تكليف أمين الشؤون العربية في الاتحاد الاشتراكي ورئاسة الجمهورية لتجسيد هذه الحركة في تنظيم قومي يبنى بتؤدة وعناية من خلال الطلائع العربية الشابة التي صقلت في معارك النضال القومي في ساحاتها , ولقد أثرت نكسة يونيو 1967 على وتيرة بناء هذا التنظيم ولكنه استطاع تحقيق لقاءه القومي الأول بما فيها مشاركة الأمين المساعد للتنظيم الطليعي في مصر في خريف عام 1969 , إلا أن الضربة الأليمة التي هزته فيما هزت من مؤسسات ثورة يوليو كانت انقلاب مايو 1971 التي قطعت مسيرة هذه الثورة الرائدة في قلب الأمة العربية وكانت بداية الإنهيار الكبير الذي لانزال نعيش تداعياته . لقد مثلت ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر نقلة استراتيجية هائلة في حركة النضال القومي العربي , ولقد تحققت هذه النقلة النوعية من خلال الإنجازات الأساسية التالية : 1- حسم عروبة مصر وتصحيح المعادلة المختلة التي كانت سائدة ( عروبة بلا مصر , ومصر بلا عروبة ! ) 2- وفرت للدعوة القومية وحركتها اقليمها القاعدي المطلوب والمفتقد . 3- وفرت للحركة القومية القيادة التاريخية المؤهلة للزعامة والتي استقطبت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي بأسره . 4- نقلت الدعوة القومية من مجال النخبة الضيق لتصبح مطلبا جماهيريا بطول الوطن العربي وعرضه. 5- أعطت للقومية العربية مضامينها الاجتماعية والتحررية بعد أن كانت دعوة مثالية مجردة , وربطتها ببقية أهداف النضال العربي ربطا جدليا . 6- بينت العلاقة الجدلية التكاملية بين العروبة والإسلام بعد أن كانا موضع تضاد من قبل القوى التي كانت ترفع راياتهما . 7- نقلت القومية العربية من المجال النظري المجرد إلى حيز التطبيق العملي من خلال التجارب الوحدوية التي أنجزت والمعارك التي خيضت بغض النظر عن النجاح أو الفشل . والآن , وبعد مرور هذا الوقت الطويل على رحيل هذا القائد العظيم والانقلاب على نظامه الثوري في قلب الأمة العربية مصر , وتردي الوضع العربي إلى هذا الدرك الذي نحن فيه ؛ نقف ونحن نعالج هذا الجانب الهام من ثورة 23 يوليو لأخذ الدروس والعبر , ولنعاين ماذا تبقى لدينا في هذا المجال فنجد أنه لايزال لدينا الكثير الهام الذي نستطيع أن نبني عليه : 1- لدينا ما بلورته ثورة 23 يوليو من فكر قومي متقدم ومتكامل يحدد الأهداف ووسائل التحقيق , ولاتضيره المراجعة الواجبة لتخليصه من جوانب القصور التي شابته ولإضافة ما يتلاءم مع المعطيات التي أفرزتها التطورات التي حصلت بعد انقطاع تلك المسيرة الثورية . 2- ولدينا حركة ناصرية واسعة – بغض النظر عن تشتتها – وكوادر طليعية منتشرة في كل أنحاء الوطن العربي , تستطيع بوحدتها وتطهيرها من الأدران التي علقت بها وانفتاحها على بقية القوى أن تكون أساسا لحركة عربية جديدة تواصل ما انقطع و وتواجه ما استجد , وتستأنف النضال من أجل أهداف الأمة . 3- ولدينا تراث من التجارب التطبيقية نستطيع استخلاص دروسها في أسلوب التحرك : - سواء على مستوى وحدة الهدف ( التنظيم القومي ووحدة القوى الثورية ) . - أو على مستوى وحدة الصف ( التحالفات مع بقية القوى العربية ) . 4- ولدينا أخيرا العزم الأكيد على استكمال مسيرة الثورة العربية حتى تحقيق غاياتها بإذن الله .
البيضة أولا ام الدجاجة

لقمان الحكي
سؤال محيّر وقديم قدم الزمان في بلاد العرب , على من تقع مسؤلية تخلفنا عن باقي الأمم , من السبب في أننا الآن أضحوكة الشعوب وملطشتها , الخالق عز وجل وهبنا بلاد رائعة مليئة بالخيرات وعابقة بالتاريخ, من أرضنا بدأت الكتابة ودار الدولاب وكتب الناس الصفر فبدأ علم الحساب, وبنيت الأهرامات حين كان أهل أوروبا يسكنون الكهوف, نحت سكان بلادنا الصخر فقامت البتراء ربما أجمل أثار العالم قاطبة , من عندنا أنطلقت أديان التوحيد ومن رحم بلاد العرب خرج نور الأسلام ليضيئ العالم من الصين إلى اسبانيا , ثم حدث ما حدث وعدنا إلى الوراء, نحن من دون أهل الأرض نسير يوميا إلى الخلف , ليطل علينا هذا السؤال العجيب من فم الأطفال قبل الكبار ,هل هو ذنب الحاكم أم المحكوم ؟؟.
من المعروف أن أفريقيا من أغنى قارات العالم بالموارد الطبيعية ولكنها تحوي أفقر دول الأرض و أكثرها تخلفا , ولكن وحتى زمن قريب كان لهذه الحالة أستثناء واحد , دولة تدعى جنوب أفريقيا , من دون القارة كان يسكن تلك البلاد ويحكمها أناس منظمون من البيض , فبنيت المستشفيات وشقت الطرق و بنيت المصانع وعم ّ الرخاء على هذة الفئة البيضاء , بينما بقيت باقي القارة غارقة في الظلام , فكيف حدث هذا ولماذا؟
قد يكون هذا المثال هو مفتاح الحل لسؤالنا الذي حيرّ الأجيال وقسم الناس الى قسمين , من يلوم الحاكم الخائن الظالم اللص العميل أبن ال .... , ومن يلوم الشعب فهو من يصفق ويرقص لذاك الخائن الظالم اللص العميل أبن ال...... والذي طبعا لم تلد مثله الأمهات! , لوضع حد لهذا الجدال الأزلي وهل أتت البيضة قبل أم بعد الدجاجة , قام أحد العلماء التونسيين يدعى دياب الأحمر بتجربة رائدة و فريدة و منها أتى بالأجابة الشافية !!.
قام العالم المذكور بأستبدال كامل الشعب التونسي بنفس العدد من السكان جاء بهم من كندا بأستثناء واحد فقط لا غير , فقد أبقى مواطنا تونسيا أصليا أسمه زين العابدين بن علي - وهو بالمناسبة يشغل منصب فخامة الرئيس - في موقعه , أغلق دياب الأحمر الحدود وقطع كل الأتصال من والى تونس لعام كامل , ثم عاد الى هناك فما وجد؟؟.
وصل دياب إلى المطار فأستقبل بحفاوة بالغة كأول زائر الى تونس منذ سنة , أنهى أجراءات الدخول دون تعقيد ودخل الى المدينة فإذا الشوارع في غاية التنظيم والحافلات العمومية تعمل كالساعة , البلد في غاية النظافة والناس مبتسمة أكثر ولا أحد يريد الأبحار إالى أوروبا على متن زورق صغير ليعيش هناك أو يموت في عرض البحر , أنفرجت أسارير دياب وسرّ كثيرا كيف أن الشعب الجديد أستطاع أستغلال وتطوير موارد البلد حتى أصبحت من أجمل و أرقى ما يكون , ولكن السؤال الكبير الذي ظل يفكر به ماذا حصل لسيادة الرئيس المعظم , لم يتمالك نفسه من شدة الفضول وسأل سائق الحافلة ما أخبار فخامة الرئيس زين العابدين ؟ , " في الحقيقة بعيد دخولنا إلى هنا الرئيس لم يعجبه النظام الجديد وقال انه لا يناسب مؤهلاته وخبراته العملية لذا فضّل قبول منصب في وزارة الداخلية الليبية كمسؤول عن الأنتخابات ولكنه فقد وهو يحاول الإبحار سرا إلى هناك ولا نعلم عنه شيئأ
سؤال محيّر وقديم قدم الزمان في بلاد العرب , على من تقع مسؤلية تخلفنا عن باقي الأمم , من السبب في أننا الآن أضحوكة الشعوب وملطشتها , الخالق عز وجل وهبنا بلاد رائعة مليئة بالخيرات وعابقة بالتاريخ, من أرضنا بدأت الكتابة ودار الدولاب وكتب الناس الصفر فبدأ علم الحساب, وبنيت الأهرامات حين كان أهل أوروبا يسكنون الكهوف, نحت سكان بلادنا الصخر فقامت البتراء ربما أجمل أثار العالم قاطبة , من عندنا أنطلقت أديان التوحيد ومن رحم بلاد العرب خرج نور الأسلام ليضيئ العالم من الصين إلى اسبانيا , ثم حدث ما حدث وعدنا إلى الوراء, نحن من دون أهل الأرض نسير يوميا إلى الخلف , ليطل علينا هذا السؤال العجيب من فم الأطفال قبل الكبار ,هل هو ذنب الحاكم أم المحكوم ؟؟.
من المعروف أن أفريقيا من أغنى قارات العالم بالموارد الطبيعية ولكنها تحوي أفقر دول الأرض و أكثرها تخلفا , ولكن وحتى زمن قريب كان لهذه الحالة أستثناء واحد , دولة تدعى جنوب أفريقيا , من دون القارة كان يسكن تلك البلاد ويحكمها أناس منظمون من البيض , فبنيت المستشفيات وشقت الطرق و بنيت المصانع وعم ّ الرخاء على هذة الفئة البيضاء , بينما بقيت باقي القارة غارقة في الظلام , فكيف حدث هذا ولماذا؟
قد يكون هذا المثال هو مفتاح الحل لسؤالنا الذي حيرّ الأجيال وقسم الناس الى قسمين , من يلوم الحاكم الخائن الظالم اللص العميل أبن ال .... , ومن يلوم الشعب فهو من يصفق ويرقص لذاك الخائن الظالم اللص العميل أبن ال...... والذي طبعا لم تلد مثله الأمهات! , لوضع حد لهذا الجدال الأزلي وهل أتت البيضة قبل أم بعد الدجاجة , قام أحد العلماء التونسيين يدعى دياب الأحمر بتجربة رائدة و فريدة و منها أتى بالأجابة الشافية !!.
قام العالم المذكور بأستبدال كامل الشعب التونسي بنفس العدد من السكان جاء بهم من كندا بأستثناء واحد فقط لا غير , فقد أبقى مواطنا تونسيا أصليا أسمه زين العابدين بن علي - وهو بالمناسبة يشغل منصب فخامة الرئيس - في موقعه , أغلق دياب الأحمر الحدود وقطع كل الأتصال من والى تونس لعام كامل , ثم عاد الى هناك فما وجد؟؟.
وصل دياب إلى المطار فأستقبل بحفاوة بالغة كأول زائر الى تونس منذ سنة , أنهى أجراءات الدخول دون تعقيد ودخل الى المدينة فإذا الشوارع في غاية التنظيم والحافلات العمومية تعمل كالساعة , البلد في غاية النظافة والناس مبتسمة أكثر ولا أحد يريد الأبحار إالى أوروبا على متن زورق صغير ليعيش هناك أو يموت في عرض البحر , أنفرجت أسارير دياب وسرّ كثيرا كيف أن الشعب الجديد أستطاع أستغلال وتطوير موارد البلد حتى أصبحت من أجمل و أرقى ما يكون , ولكن السؤال الكبير الذي ظل يفكر به ماذا حصل لسيادة الرئيس المعظم , لم يتمالك نفسه من شدة الفضول وسأل سائق الحافلة ما أخبار فخامة الرئيس زين العابدين ؟ , " في الحقيقة بعيد دخولنا إلى هنا الرئيس لم يعجبه النظام الجديد وقال انه لا يناسب مؤهلاته وخبراته العملية لذا فضّل قبول منصب في وزارة الداخلية الليبية كمسؤول عن الأنتخابات ولكنه فقد وهو يحاول الإبحار سرا إلى هناك ولا نعلم عنه شيئأ
صناعة الحدث في السعودية

القدس العربي
يجب التفريق بين الحدث والخبر. الاول ينتج عن عملية تصممها وسائل اعلامية واجتماعية والثاني معلومة عابرة ما ان تظهر نجدها تختفي وتتلاشى دون ان تسجل صدا او تداعيات. ما يهمنا هنا هو عملية صناعة الحدث ورسم صورته بطريقة تجعله يأخذ ابعادا تتجاوز حدوده الجغرافية واهميته السياسية او الاجتماعية. يعتمد الحدث على لائحة طويلة من الاخبار حيث يختار بعضها ليسلط الضوء عليها بطريقة تجعلها تتحول من خبر عابر الى قضية هامة تتناقلها جهات اعلامية بطريقة تجعلها القضية المحورية والمشكلة الجوهرية.
لقد آثرت قوى اجتماعية وسياسية واعلامية في السعودية ان تجعل الدين وفتاوى العلماء هو الحدث الاول والاخير وكأنها بذلك تصرف النظر عن الحدث السياسي وتجرد المجتمع وأطيافه المختلفة والمتناحرة من فرصة الاطلاع على احداث اخرى تكون بنفس الاهمية ان لم تكن اهميتها اكثر الحاحا من متاهات الفتاوى وتداعياتها. لقد آثرت الآلة الاعلامية السعودية المدعومة سياسيا ان تصنع من هذه الفتاوى حدثا يجعل المتابع للشأن السعودي يعتقد ان هناك ازمة دينية واحدة تهدد مصير البلاد والاشخاص وتنذر بعواقب وخيمة وكأن ازمة الدين معزولة عن اطارها السياسي وابعادها الاجتماعية وخاصة الظواهر التي افرزتها ونمتها وربتها تحت جناحها. آثرت السلطة السياسية ان تحجب ذاتها وتسكت اخبارها التي تدار من خلف الكواليس وتقمع تحركاتها حتى لا تصبح حدثا بل تظل مختبئة تحت ستار وحجاب ثقيل.
وما يظهر منها لا يتعدى خبر 'استقبل وودع وهنأ ووزع' هذا بالاضافة الى اخبار الصرف على لجان تؤسس هيئات وتدرس الاوضاع دون ان يطلع المواطن على حدث التنفيذ ويمحص انجازاته واهدافه ونتائجه بشفافية وجرأة تجعله محطة تحتاج الى وقفة تأمل واعادة نظر. لقد فشل الانفتاح الاعلامي المزعوم في صناعة حدث يتجاوز صب الاهتمام على امور خارجة عن مواضيع فتاوى لعق الزوجة لمخاط الزوج وتزويج الاطفال وشرعية الفأر المسمى ميكي ماوس وخروج المرأة من دارها والتداوي ببول الابل والرقي والسحر والشعوذة.
وكلها مواضيع ليست بالجديدة فمجلد فتاوى علماء بلاد الحرمين قد فصلها وأطال في تفصيلها حيث تستحوذ مثل هذه الفتاوى على اكثر من نصف المجلد مسترسلة على اكثر من 400 صفحة. نعم لقد انشغل علماء بلاد الحرمين كغيرهم من علماء المسلمين في تفصيل هذه الامور واستطردوا في جزئياتها وجعلوها مركزية ومحورية في نشاطهم الفقهي لا نعترض ان كان احدهم قد جعل من دماء النساء موضوعا لاطروحة دكتوراه في احدى الجامعات او المعاهد العلمية ولكننا نتساءل عن مغزى جعلها حدثا تلوكه الألسن على شاشات التلفاز وصفحات الاعلام المرئي والمسموع والمقروء. انها سياسة صناعة الحدث التي آثرت ان تحسم القضية وتقلص اهتمام المجتمع في امور قديمة سكب عليها من الحبر والجدل والسجال ما سكب خلال قرون من التمحيص والتفكير الذي لم ينهض بأمة ولم ينر ظلمة ولم يصلح مجتمعا.
يهدف الاعلام المسلط على فتاوى قديمة جديدة بوسائل حديثة ان يقنع مستهلكيه في الداخل السعودي ومحيطه العربي والعالم بأجمعه ان المشكلة التي تواجهها السعودية اليوم هي مشكلة دينية تتمثل في نمط كاريكاتوري للدين وحراسه. لقد اختزلت الآلة الصانعة للحدث الاسلام بتاريخه وحضارته وفقهه وشريعته وأعلامه السابقين وحولته الى كاريكاتور تجتره وسائل الاعلام المحلية والعالمية وخاصة تلك التي تعتمد على الإثارة والانتهازية لتكسب جمهورا مولعا بمثل هذه الاخبار وجزئياتها فتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد. هي اولا تحصر القضية السعودية بقضايا الدين وثانيا تصرف الاهتمام عن التعاطي مع الشأن السعودي وخاصة السياسي منه وترسم هذه الآلة صورة مضحكة مبكية وتلون تفاصيلها بقصص قد تجاوزها الكثير من المهتمين بالشأن العام وأزمته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي يمثل الدين جزءا منها وليس كلها.
ان كان الهدف التعجيل باشعال نار فتنة دينية وسحب البساط من تحت اقدام الذين تخصصوا في دراسته وتفصيله فقد نجحت الآلة الاعلامية السعودية ليس بهذا فقط، بل أنها شريكة حميمة للقيادة السياسية والتي هدفت خلال الاعوام السابقة الى تغييب كل من تطرق للشأن السياسي واصلاحه. لا تلتقط هذه الآلة خبر الاعتقالات السياسية ولا تدني مستوى الشفافية وارتفاع الفساد والذي فصلته مؤسسة الشفافية العالمية ولا تقارير منظمات حقوقية عن انتهاكات حقوق الانسان والمرأة والاقليات والسجن بدون محاكمة. كان آخر هذه التقارير ما اصدرته مؤسسة الشفافية عن تردي مرتبة المملكة والتي اصبحت الاكثر فسادا في منطقة الخليج بينما ارتفعت درجة غيرها من دول الجوار ولا تهتم هذه الآلة الاعلامية بتقرير هيومان رايتس وتش الأخير عن الطائفة الاسماعيلية في نجران وكونها تمثل مواطنين من الدرجة الثانية وتفصيلها لحادثة عام 2000 عندما تحركت هذه المجموعة مطالبة بحقوقها وايقاف الاستيطان الهادف الى تغيير تركيبتها وتعدادها في منطقتها.
كل هذه المعلومات تظل أخباراً وليست حدثاً يستوجب وقفة تأمل أو تمحيص. وبالاضافة إلى التهافت على صناعة حدث جوهري مادته الدسمة مستلهمة من مجلدات قديمة نجد ان الاعلام المسيس يشارك بجدية في تبلور نظرات محدودة لشأن المنطقة العربية وبؤرها الملتهبة ويعرض نظرة معممة لهذا الشأن. فالصراع العربي الاسرائيلي لم يعد صراعاً سياسياً على أرض مسلوبة بل هو أيضاً مشكلة إرهاب وإسلام وما يجري في العراق لم يعد عملية سلب لمقدرات وطن بل هو صراع ديني بين متطرفين وآخرين حضاريين والمشكلة مع ايران ليست مشكلة سياسية ومسألة نفوذ وفراغ عربي قاتل بل هي مشكلة سنة وشيعة. ومشكلة العالم العربي مع العالم لم تعد مشكلة موقع استراتيجي وموارد نفطية وهيمنة استعمارية جديدة بل هي مشكلة تطرف اسلامي وتخلف ديني.
لقد نجحت عملية صناعة الحدث السعودية في تفريغ السياسة من مضمونها وانتزعت التفكير بالأمور الجوهرية من عقول المفكرين والمستهلكين وخدرتهم بجرعات كبيرة استطاعت ان تقنع الكثير منهم بان معضلة القرن الواحد والعشرين في الوطن العربي هي معضلة تبدأ بالدين وتنتهي اليه. لقد قلصت هذه العملية قدرة الانسان على استحضار عوامل أخرى قد تكون أكثر اقناعاً في تفسير ما آلت إليه المنطقة من استقطاب وتشرذم. تطلب السعودية اليوم من خلال آلة صناعة الحدث من الجميع أن يلتزموا بدينهم ليس بمفهومه الحضاري بل بمفهومه الضيق والذي ساهمت أموالهم في توسيعه حتى اصبح فضفاضاً غير قادر على التعاطي مع معضلات الحياة العصرية وتشعب متطلباتها وزلات السياسة والقائمين عليها.
المشكلة في العالم العربي ليست مشكلة جياع وآخرين مصابين بالتخمة وليست مشكلة شعوب مهمشة مقموعة أو أقليات مسلوبة من ابسط حقوقها أو نساء عاطلات أو أطفال يتسكعون في الشوارع أو شباب لا يلقيا عملاً بل هي مشكلة دين أولاً وأخيراً. لقد نزل هذا الدين من السماء ولكنه تطور وتفاعل مع أطر سياسية بالية أهم سماتها الاستئثار بالسلطة والقمع والفساد ونمى وترعرع في حضن هذه السلطة والتي نزعت عنه رسالته العالمية وقدرته على ضبط أمور البشر الدنيوية بل انها جردته من قدرته على التصدي للظلم والغطرسة فأصبح اليوم موضوعاً تلوكه الألسن من الشرق الى الغرب وان بقي له دور يلعبه فهو تخدير الشعوب وخنوعها وركوعها امام جبروت السلطة نعم هذا هو ديننا اليوم ـ سلسلة طويلة من فتاوى قديمة متجددة بعضها يشنها حرباً على السحر والشعوذة وبعضها يحلل نظرة قبل الزواج على جهاز الحاسوب وبعضها يفصل المخاط والصديد وكلها تدور في محور واحد ـ اقناعنا ان مشكلتنا اليوم هي مشكلة دينية وليس سياسية بالدرجة الأولى. هذا هو ديننا كما تصنعه آلة صناعة الحدث السعودية وبه سنقتحم القرن الواحد والعشرين ونغزو العالم بانتاجنا الفكري والديني.
يجب التفريق بين الحدث والخبر. الاول ينتج عن عملية تصممها وسائل اعلامية واجتماعية والثاني معلومة عابرة ما ان تظهر نجدها تختفي وتتلاشى دون ان تسجل صدا او تداعيات. ما يهمنا هنا هو عملية صناعة الحدث ورسم صورته بطريقة تجعله يأخذ ابعادا تتجاوز حدوده الجغرافية واهميته السياسية او الاجتماعية. يعتمد الحدث على لائحة طويلة من الاخبار حيث يختار بعضها ليسلط الضوء عليها بطريقة تجعلها تتحول من خبر عابر الى قضية هامة تتناقلها جهات اعلامية بطريقة تجعلها القضية المحورية والمشكلة الجوهرية.
لقد آثرت قوى اجتماعية وسياسية واعلامية في السعودية ان تجعل الدين وفتاوى العلماء هو الحدث الاول والاخير وكأنها بذلك تصرف النظر عن الحدث السياسي وتجرد المجتمع وأطيافه المختلفة والمتناحرة من فرصة الاطلاع على احداث اخرى تكون بنفس الاهمية ان لم تكن اهميتها اكثر الحاحا من متاهات الفتاوى وتداعياتها. لقد آثرت الآلة الاعلامية السعودية المدعومة سياسيا ان تصنع من هذه الفتاوى حدثا يجعل المتابع للشأن السعودي يعتقد ان هناك ازمة دينية واحدة تهدد مصير البلاد والاشخاص وتنذر بعواقب وخيمة وكأن ازمة الدين معزولة عن اطارها السياسي وابعادها الاجتماعية وخاصة الظواهر التي افرزتها ونمتها وربتها تحت جناحها. آثرت السلطة السياسية ان تحجب ذاتها وتسكت اخبارها التي تدار من خلف الكواليس وتقمع تحركاتها حتى لا تصبح حدثا بل تظل مختبئة تحت ستار وحجاب ثقيل.
وما يظهر منها لا يتعدى خبر 'استقبل وودع وهنأ ووزع' هذا بالاضافة الى اخبار الصرف على لجان تؤسس هيئات وتدرس الاوضاع دون ان يطلع المواطن على حدث التنفيذ ويمحص انجازاته واهدافه ونتائجه بشفافية وجرأة تجعله محطة تحتاج الى وقفة تأمل واعادة نظر. لقد فشل الانفتاح الاعلامي المزعوم في صناعة حدث يتجاوز صب الاهتمام على امور خارجة عن مواضيع فتاوى لعق الزوجة لمخاط الزوج وتزويج الاطفال وشرعية الفأر المسمى ميكي ماوس وخروج المرأة من دارها والتداوي ببول الابل والرقي والسحر والشعوذة.
وكلها مواضيع ليست بالجديدة فمجلد فتاوى علماء بلاد الحرمين قد فصلها وأطال في تفصيلها حيث تستحوذ مثل هذه الفتاوى على اكثر من نصف المجلد مسترسلة على اكثر من 400 صفحة. نعم لقد انشغل علماء بلاد الحرمين كغيرهم من علماء المسلمين في تفصيل هذه الامور واستطردوا في جزئياتها وجعلوها مركزية ومحورية في نشاطهم الفقهي لا نعترض ان كان احدهم قد جعل من دماء النساء موضوعا لاطروحة دكتوراه في احدى الجامعات او المعاهد العلمية ولكننا نتساءل عن مغزى جعلها حدثا تلوكه الألسن على شاشات التلفاز وصفحات الاعلام المرئي والمسموع والمقروء. انها سياسة صناعة الحدث التي آثرت ان تحسم القضية وتقلص اهتمام المجتمع في امور قديمة سكب عليها من الحبر والجدل والسجال ما سكب خلال قرون من التمحيص والتفكير الذي لم ينهض بأمة ولم ينر ظلمة ولم يصلح مجتمعا.
يهدف الاعلام المسلط على فتاوى قديمة جديدة بوسائل حديثة ان يقنع مستهلكيه في الداخل السعودي ومحيطه العربي والعالم بأجمعه ان المشكلة التي تواجهها السعودية اليوم هي مشكلة دينية تتمثل في نمط كاريكاتوري للدين وحراسه. لقد اختزلت الآلة الصانعة للحدث الاسلام بتاريخه وحضارته وفقهه وشريعته وأعلامه السابقين وحولته الى كاريكاتور تجتره وسائل الاعلام المحلية والعالمية وخاصة تلك التي تعتمد على الإثارة والانتهازية لتكسب جمهورا مولعا بمثل هذه الاخبار وجزئياتها فتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد. هي اولا تحصر القضية السعودية بقضايا الدين وثانيا تصرف الاهتمام عن التعاطي مع الشأن السعودي وخاصة السياسي منه وترسم هذه الآلة صورة مضحكة مبكية وتلون تفاصيلها بقصص قد تجاوزها الكثير من المهتمين بالشأن العام وأزمته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتي يمثل الدين جزءا منها وليس كلها.
ان كان الهدف التعجيل باشعال نار فتنة دينية وسحب البساط من تحت اقدام الذين تخصصوا في دراسته وتفصيله فقد نجحت الآلة الاعلامية السعودية ليس بهذا فقط، بل أنها شريكة حميمة للقيادة السياسية والتي هدفت خلال الاعوام السابقة الى تغييب كل من تطرق للشأن السياسي واصلاحه. لا تلتقط هذه الآلة خبر الاعتقالات السياسية ولا تدني مستوى الشفافية وارتفاع الفساد والذي فصلته مؤسسة الشفافية العالمية ولا تقارير منظمات حقوقية عن انتهاكات حقوق الانسان والمرأة والاقليات والسجن بدون محاكمة. كان آخر هذه التقارير ما اصدرته مؤسسة الشفافية عن تردي مرتبة المملكة والتي اصبحت الاكثر فسادا في منطقة الخليج بينما ارتفعت درجة غيرها من دول الجوار ولا تهتم هذه الآلة الاعلامية بتقرير هيومان رايتس وتش الأخير عن الطائفة الاسماعيلية في نجران وكونها تمثل مواطنين من الدرجة الثانية وتفصيلها لحادثة عام 2000 عندما تحركت هذه المجموعة مطالبة بحقوقها وايقاف الاستيطان الهادف الى تغيير تركيبتها وتعدادها في منطقتها.
كل هذه المعلومات تظل أخباراً وليست حدثاً يستوجب وقفة تأمل أو تمحيص. وبالاضافة إلى التهافت على صناعة حدث جوهري مادته الدسمة مستلهمة من مجلدات قديمة نجد ان الاعلام المسيس يشارك بجدية في تبلور نظرات محدودة لشأن المنطقة العربية وبؤرها الملتهبة ويعرض نظرة معممة لهذا الشأن. فالصراع العربي الاسرائيلي لم يعد صراعاً سياسياً على أرض مسلوبة بل هو أيضاً مشكلة إرهاب وإسلام وما يجري في العراق لم يعد عملية سلب لمقدرات وطن بل هو صراع ديني بين متطرفين وآخرين حضاريين والمشكلة مع ايران ليست مشكلة سياسية ومسألة نفوذ وفراغ عربي قاتل بل هي مشكلة سنة وشيعة. ومشكلة العالم العربي مع العالم لم تعد مشكلة موقع استراتيجي وموارد نفطية وهيمنة استعمارية جديدة بل هي مشكلة تطرف اسلامي وتخلف ديني.
لقد نجحت عملية صناعة الحدث السعودية في تفريغ السياسة من مضمونها وانتزعت التفكير بالأمور الجوهرية من عقول المفكرين والمستهلكين وخدرتهم بجرعات كبيرة استطاعت ان تقنع الكثير منهم بان معضلة القرن الواحد والعشرين في الوطن العربي هي معضلة تبدأ بالدين وتنتهي اليه. لقد قلصت هذه العملية قدرة الانسان على استحضار عوامل أخرى قد تكون أكثر اقناعاً في تفسير ما آلت إليه المنطقة من استقطاب وتشرذم. تطلب السعودية اليوم من خلال آلة صناعة الحدث من الجميع أن يلتزموا بدينهم ليس بمفهومه الحضاري بل بمفهومه الضيق والذي ساهمت أموالهم في توسيعه حتى اصبح فضفاضاً غير قادر على التعاطي مع معضلات الحياة العصرية وتشعب متطلباتها وزلات السياسة والقائمين عليها.
المشكلة في العالم العربي ليست مشكلة جياع وآخرين مصابين بالتخمة وليست مشكلة شعوب مهمشة مقموعة أو أقليات مسلوبة من ابسط حقوقها أو نساء عاطلات أو أطفال يتسكعون في الشوارع أو شباب لا يلقيا عملاً بل هي مشكلة دين أولاً وأخيراً. لقد نزل هذا الدين من السماء ولكنه تطور وتفاعل مع أطر سياسية بالية أهم سماتها الاستئثار بالسلطة والقمع والفساد ونمى وترعرع في حضن هذه السلطة والتي نزعت عنه رسالته العالمية وقدرته على ضبط أمور البشر الدنيوية بل انها جردته من قدرته على التصدي للظلم والغطرسة فأصبح اليوم موضوعاً تلوكه الألسن من الشرق الى الغرب وان بقي له دور يلعبه فهو تخدير الشعوب وخنوعها وركوعها امام جبروت السلطة نعم هذا هو ديننا اليوم ـ سلسلة طويلة من فتاوى قديمة متجددة بعضها يشنها حرباً على السحر والشعوذة وبعضها يحلل نظرة قبل الزواج على جهاز الحاسوب وبعضها يفصل المخاط والصديد وكلها تدور في محور واحد ـ اقناعنا ان مشكلتنا اليوم هي مشكلة دينية وليس سياسية بالدرجة الأولى. هذا هو ديننا كما تصنعه آلة صناعة الحدث السعودية وبه سنقتحم القرن الواحد والعشرين ونغزو العالم بانتاجنا الفكري والديني.
بيان المتخلفين العرب

فيصل الصوفي
حتى بداية القرن الماضي كان أمر مثل تدريس الكيمياء في المدارس يحتاج إلى فتوى من الأزهر تبيح ذلك؛ بينما كان جابر بن حيان يشتغل بالكيمياء قبل ألف عام دون حاجة إلى فتوى من أحد.
أمور مثل حمل " جواز السفر" أو شق طريق جديد في المدينة أو تسجيل القرآن بصوت مقرئ في اسطوانة أو إذاعته عبر الإذاعة كانت من الأمور المثيرة للحيرة والجدل والخلاف حول المشروعية. و أمضى الفقهاء وقتاً طويلاًَ قبل حسم المعركة. عند مطلع القرن الواحد والعشرين يخرج علينا من يحرم الديمقراطية، ويسمع شيخ إفتاء عن نساء شاركن في مؤتمر اقتصادي كسيدات أعمال وظهرت سافرات الوجوه فأصدر بياناً يستنكر الجريمة المرتكبة ضد تعاليم الإسلام. وقبله أصدر شيخ مشهور بياناً يهاجم أولئك النسوة اللاتي تجرأن على الدين وخرجن في موكب احتجاج ضد حرمان المرأة من قيادة السيارة. كان العرب قبل نحو ألف ومائتي عام أحالوا بغداد إلى مركز إشعاع للحرية والمعرفة وانتهوا في ذلك الوقت المبكر من حسم القضايا العلمية والفكرية والاجتماعية التي عدنا منذ قرن ويزيد إلى الجدل والخلاف حولها وكأنها قضايا مستجدة ولا يزال نفس الجدل دائر حتى اليوم.
منذ قرن ويزيد والتيارات الثقافية والسياسية العربية تناقش القضايا نفسها وتختلف حول القضايا نفسها. وينظَّرون والعالم يتجاوزهم بسرعة. وكلما تقدم الزمن زادت التعقيدات وتراجعت مستوى الرؤية حول مختلف القضايا. تراجع على مستوى القضايا وعلى مستوى التفكير وعلى مستوى الشجاعة أيضاً.
لا يجرؤ مثقف أو فقيه اليوم أن يناقش القضايا التي كان يناقشها الشوكاني والمنفلوطي، ولا يتمتع فقيه معاصر بعشر الاستنارة والجرأة التي كان بها الإمام محمد عبده قبل أكثر من مئة عام.
قبل أكثر من ألف ومئتي عام كانت بغداد عاصمة ثقافة للعالم أجمع، اشترك في تتويجها هذه المكانة خلفاء وفقهاء وعلماء ومغنون ومترجمون وحتى راقصون. اخذوا من ثقافات حضارات الهند واليونان والرومان دون خوف أو تردد ونقدوا وطوروا دون عقد أو هواجس خوف.
اليوم لدينا من يتحدث عن استراتيجية الثقافة العربية بوصفها مؤامرة غربية ومن يقولون أن "العاصمة الثقافية" مؤامرة غربية وعلمانية على الإسلام والمسلمين.
لدينا اليوم من يتحدث عن الثقافة المستوردة ويحذر. ولدينا من يتكلم عن " أسلحة المعرفة" و " أسلحة العلوم" وكأن الأمر يتعلق بأشخاص ماديين ينطقون الشهادتين ويطوفون بالبيت الحرام سبعاً. لدينا الآن مصابون بالزكام يريدون البقاء داخل غرف مغلقة خشية أن تتسلل إليهم نسمات هواء نظيفة من النوافذ المفتوحة. ولدينا أيضاً مثقفون غير شجعان بما يكفي للمواجهة.
حتى بداية القرن الماضي كان أمر مثل تدريس الكيمياء في المدارس يحتاج إلى فتوى من الأزهر تبيح ذلك؛ بينما كان جابر بن حيان يشتغل بالكيمياء قبل ألف عام دون حاجة إلى فتوى من أحد.
أمور مثل حمل " جواز السفر" أو شق طريق جديد في المدينة أو تسجيل القرآن بصوت مقرئ في اسطوانة أو إذاعته عبر الإذاعة كانت من الأمور المثيرة للحيرة والجدل والخلاف حول المشروعية. و أمضى الفقهاء وقتاً طويلاًَ قبل حسم المعركة. عند مطلع القرن الواحد والعشرين يخرج علينا من يحرم الديمقراطية، ويسمع شيخ إفتاء عن نساء شاركن في مؤتمر اقتصادي كسيدات أعمال وظهرت سافرات الوجوه فأصدر بياناً يستنكر الجريمة المرتكبة ضد تعاليم الإسلام. وقبله أصدر شيخ مشهور بياناً يهاجم أولئك النسوة اللاتي تجرأن على الدين وخرجن في موكب احتجاج ضد حرمان المرأة من قيادة السيارة. كان العرب قبل نحو ألف ومائتي عام أحالوا بغداد إلى مركز إشعاع للحرية والمعرفة وانتهوا في ذلك الوقت المبكر من حسم القضايا العلمية والفكرية والاجتماعية التي عدنا منذ قرن ويزيد إلى الجدل والخلاف حولها وكأنها قضايا مستجدة ولا يزال نفس الجدل دائر حتى اليوم.
منذ قرن ويزيد والتيارات الثقافية والسياسية العربية تناقش القضايا نفسها وتختلف حول القضايا نفسها. وينظَّرون والعالم يتجاوزهم بسرعة. وكلما تقدم الزمن زادت التعقيدات وتراجعت مستوى الرؤية حول مختلف القضايا. تراجع على مستوى القضايا وعلى مستوى التفكير وعلى مستوى الشجاعة أيضاً.
لا يجرؤ مثقف أو فقيه اليوم أن يناقش القضايا التي كان يناقشها الشوكاني والمنفلوطي، ولا يتمتع فقيه معاصر بعشر الاستنارة والجرأة التي كان بها الإمام محمد عبده قبل أكثر من مئة عام.
قبل أكثر من ألف ومئتي عام كانت بغداد عاصمة ثقافة للعالم أجمع، اشترك في تتويجها هذه المكانة خلفاء وفقهاء وعلماء ومغنون ومترجمون وحتى راقصون. اخذوا من ثقافات حضارات الهند واليونان والرومان دون خوف أو تردد ونقدوا وطوروا دون عقد أو هواجس خوف.
اليوم لدينا من يتحدث عن استراتيجية الثقافة العربية بوصفها مؤامرة غربية ومن يقولون أن "العاصمة الثقافية" مؤامرة غربية وعلمانية على الإسلام والمسلمين.
لدينا اليوم من يتحدث عن الثقافة المستوردة ويحذر. ولدينا من يتكلم عن " أسلحة المعرفة" و " أسلحة العلوم" وكأن الأمر يتعلق بأشخاص ماديين ينطقون الشهادتين ويطوفون بالبيت الحرام سبعاً. لدينا الآن مصابون بالزكام يريدون البقاء داخل غرف مغلقة خشية أن تتسلل إليهم نسمات هواء نظيفة من النوافذ المفتوحة. ولدينا أيضاً مثقفون غير شجعان بما يكفي للمواجهة.
الاردن التائه

اللاهثون خلف مشروع قناه البحرين هم عملاء صهيونيون بلا ادنى شك ...لماذا ؟ سؤال مشروع ياتي على بال كل انسان شريف او كل عربي يبحث عن الحقيقه فقد بينت في عده مقالات سابقه خطوره هذا المشروع على كل من الاردن وفلسطين وعلى بلاد الشام والعالم العربي اجمع مع بيان ان اكثر اللاهثون خلف هذا المشروع هو قزم الاردن فلماذا يا ترى ؟
قبل فترة غير بعيدة اعلنت صحف الكيان الصهيوني عن توقيع (اسرائيل والاردن على اتفاقيه مع البنك الدولي لتمويل المرحله الاولى من هذا المشروع وبكلفه قدرها 5 مليار دولار ,ولا شك في ان هذه الخطوه هي قمه التخبط الإقتصادي والسياسي، فالكيان الصهيوني والاردن يتحدثون من منظور "بيئي" بدعوى أن منسوب البحر الميت ينخفض سنويا بمقدار متر، وهو بذلك قيد الجفاف في غضون 50 سنة إن لم تتم معالجة هذا الإنحسار وحالاً،ولو كان هذا فعلا هو بيت القصيد الصهيوني لافرج هؤلاء عن مياه الاردن ووفروا هذا العبء المالي والاقتصادي خاصه على الاردن , ولكن الحقيقه غير ذلك وانها تهدف الى أهدافا صهيونيه أخرى من شأنها أن تؤثر سلبا على الأردن وعلى صعد مختلفة ومتداخلة لم يغفل عنها صناع القرار في الاردن وذلك لانغماسهم في مستنقع الخيانه حتى الاذنين بدعوى نصره خطة إحياء البحر الميت كما يسوق لها قزم الاردن ومن سمون زورا الأردنيون من منظرين بيئيين وسياسيين شربوا حتى الثماله من بول اليهود ·
اما ما يقوله خبراء وعلماء البيئه وبعض من الباحثين المخلصين من اليهود إن الكيان العبري يخفي من وراء موافقته على هذا المشروع ودعم اللوبي الصهيوني له هو أهدافا سياسية بالغة الخطورة، ياتي في مقدمتهامنع قيام دولة فلسطينية "حقيقية" مما يجعل امر حل قضيه فلسطين المؤقت امرا واقعا على حساب حل الدولتين الذي سيؤدي الى انشاء دوله جديده تضم الاردن وفلسطين يعطي الاردن فيها حكم جزئي لعملاء السلطه على شكل محافظه وبذلك يضمن قزم الاردن بقاء مقعدا ساخنا له ولاسرته وهوما يشكل خطرا على الأردن وفلسطين في ان واحد.
ما اعلنه الكيان الصهيوني قبل أيام بخصوص التعامل مع منطقة الأغوار ، ينطبق على التعامل الصهيوني مع أراضي فلسطين 67 وينطلق من نفس الأسس التي يتعامل بها الكيان الصهيوني مع الاراضي الواقعة خلف الجدار ، وإن استحداث أية مشاريع تنموية أو صناعية من السكان المحليين - اصحاب الارض - يتطلب بالدرجة الاولى موافقات أمنية صهيونية غير التصاريح العادية ، وإن الكيان يهدف إلى ضم الأغوار ومنع شمولها بأي دويلة فلسطينية حتى ضمن الأسس والمعايير الصهيونية بحيث تكون حدودا شرقية للكيان الصهيوني وهو ما ينطبق على اتفاقيه قناه البحرين التي اشرف على توقيعها قزم الاردن ووزير دفاع الكيان الصهيوني ,فما علاقه وزيردفاع الكيان الصهيوني بهكذا اتفاقيه ·
الكيان الصهيوني سارع الى الاعلان عن توقيع الاتفاقيه مع وزارة المياه والري الاردنيه لجعلها امرا واقعا ولكن تقارير وبحوث ونتائج التنقيب عن النحاس من قبل وزارة البيئة الأردنية الموجود في وادي عربة أربكت وزير المياه بعد أن قام اليهود بتغيير الخط الناقل للمياه المفترض بحيث سيعبر من منتصف محمية ضانا ويقسمها الى شقين بحيث يصبح الشق الغربي الذي يسيطر عليه الكيان الغاصب والذي يحتوي على آلاف الأطنان من خام النحاس ضمن تصرف اليهود وهذا بالنتيجه سيؤدي الى الغاءصفة "المحمية" عن ضانا مما يتعارض مع الإتفاقات الدولية البيئية بهذا الشأن وهذا السبب سيؤدي الى خساره الاردن للهبات الماليه الدوليه التي تاتي باسم المحميه وينفقها القزم بغير وجه حق في امور ومصاريف لا يعلمها الا الله.
هذا هو الذي اضطر الحكومة الأردنية إلى البحث عن مسارات أخرى تجنب ضانا "كارثة بيئية" في الوقت الذي تزعم فيه جهات مؤيدة للمشروع : إنه - برمته - مشروع بيئي يقي البحر الميت والمناطق المحاذية له من أخطار بيئية بالغة الجسامة، وهو ما يتناقض مع مصالح الاردن الحيوية في الإستفادة من موارده الطبيعية في المنطقة من النحاس وإلى الأبد، مما اضطر الوزارة إلى تأجيل الإعلان عن بدء المرحلة الأولى من المشروع "إلى ما قبل أسبوع" حتى يتسنى إطلاع الجهات ذات العلاقة : - البنك الدولي - على ماهية هذه الأخطار التي كشفتها شركة كندية تدعى (vannessa ventures ltd) في العام 2004 ·
وادي عربة - المحور الرئيسي للقناة - وهو جزء من الاراضي الاردنية ، والذي سيعبر منه الأنوب يحوي عددا كبيرا من الآبار الإسرائيلية تم حسم مرجعيتها لاتفاقية السلام الموقعة بين الاردن والكيان الصهيوني في العام 1994، إذ تبين - حسب المصادر - أن الجانب الإسرائيلي هو المستفيد من هذه الآبار ، لهذا فان الصهاينة وافقوا على مشروع القناة الذي سيمر فوق آبارهم "الواقعة في الجانب الأردني من الحدود" بعد دراسات مسحية أجراها خبراء صهاينة مضحين بآبارهم نظير مصالح أمنية من شأن القناة أن توفرها تحقيقا لحلم صهيوني "قديم" بإحياء النقب ، وبناء "حزام مائي صناعي" لحدود الدولة العبرية مع سيناء على ان يمتد شمالا إلى منطقة الأغوار التي تخضع هذا الآوان لعملية "ضم" تدريجي مما يحول دون إقامة الدولة الفلسطينية·
وبهذا الصدد يقول خبير مائي فلسطيني : إن السلطة الفلسطينية التي وقعت موافقتها على مشروع القناة في العام 2005 بالإضافة إلى الاردن والكيان الصهيوني سبق ان رفضت المشروع عند طرحه "رسميا" لاول مرة في مؤتمر دولي أقيم في جنوب أفريقيا في العام 2003 ويتساءل هذا الخبير قائلا : لماذا رفضت السلطة المشروع سابقاً، ثم وافقت عليه الآن مع ما يعنيه من مخاطر على مستقبل الدولة الفلسطينية الموعودة ؟ ويجيب قائلا : بان لديه معلومات عن عرض تلقته سلطة أوسلو هو في حقيقته ليس سوى صفقة أمريكية - إسرائيلية رضخت السلطة لشروطها انطلاقا من "مصالح ذاتية" كعربون من قبل قادة السلطة على أنهم ملتزمون بالسلام نظير دعمهم ماليا وسياسيا ، مع ما تعنيه هذه الموافقة من غض الطرف عن أخطار ضم الأغوار الفلسطينية للكيان الصهيوني ، وهي بذلك - أي السلطة بقيادتيها السابقة والحالية تساوقت مع الأطروحات الصهيونية في الخفاء بينما عارضتها في العلن حسب قوله وهذا يؤكده ما قالته السلطه واستنكارها خطه الحكومة الصهيونيه لمصادرة 139 ألف دونم من الاراضي الممتدة حتى البحر الميت, وضمها لمستوطنة معاليه أدوميم, بهدف إحكام السيطرة الاسرائيلية على شاطئ البحر الميت.وأكد أنه "ما لم توقف اسرائيل هذا المخطط فإن السلطة الوطنية الفلسطينية ستتوجه الى البنك الدولي لمطالبته بوقف مشروع قناة البحرين, واللجوء الى مجلس الامن الدولي ومحكمة العدل الدولية (لمنع اسرائيل), كدولة احتلال, من مصادرة الأراضي وتحويلها الى أملاك بلدية وأملاك دولة, حسب القانون الدولي". (وطز يا عباس ويا فياض ويا سلطه عميله )اما ابو سعود الاردن فصرح ان ما قالته السلطه لا يعنيه ولا يعني حكومه قزم الاردن (وطز ثاني للتنسيق العربي المشترك واما الام الكبرى مصر فلا تخشى الا على قناه السويس من ان تتاثر بهذا المشروع وطز ثالث لمبارك )
وتعيد مصادر مطلعة إلى الأذهان الخطط الصهيونية القديمة في تحزيم الكيان الصهيوني بالعوازل الصناعية من مثل قناة تربط تركيا بالجولان نزولا إلى اليرموك والأردن الأعلى ففلسطين المحتلة، وتستذكر المصادر الخطط الإسرائيلية التي كشفها عسكريون صهاينة، ومن ضمنها أن هذا الأنبوب "أنبوب الجولان" سيمكن الكيان العبري من خلق بحيرات مائية تبنى عليها جسور عبور مع تمركز "حزام دبابات" في الجهة المقابلة، وفي حال الخطر يتم هدم الجسور بحيث يبقى الكيان في منأى عن هذا الخطر بالعازل المائي : "البحيرات الصناعية" وإن ما سيجري بالنسبة لقناة الميت - الأحمر - هو ترجمة لهذه الخطط التي يطلق عليها الصهاينة "دفاعية" بحيث سنشهد بحيرات مائية على الجانب الفلسطيني من وادي عربة وتمركز أحزمة دبابات مشابهة سواء على حدود سيناء أو على طول وادي عربة، بعيداً عن أعين المستثمرين والسياح وغيرهم ، بالإضافة إلى مشروع هيرتزل نفسه الذي حلم بحزام مائي يربط المتوسط بالميت ، والذي سبق لشارون أن رصد له 100 مليون شيكل كرصيد أولي حال وصول حكومة صهيونية جديدة دون تنفيذه واعتماد "تأجيله" إلى زمن قادم يبدو أنه حان الآن·
ويعتبر مراقبون : إن هذا المشروع الاخير بمثابة الخطوة الاولى في مشاريع الكيان العبري مستغلا الحاجة الاردنية للمياه والإستثمار وإحياء المنطقة تنمويا ، في حين يطالب خبراء مائيون أردنيون بالإستعاضة عن هذا المشروع بإنشاء محطة تحلية في العقبة وربطها بأنبوب ماء الديسي وحينها سيتمكن الأردن من تغطية كافة احتياجاته من المياه، وهم بذلك يطرحون حلولا لمياه الشرب دون أن يجدوا حلا لمشكلة البحر الميت ·
الصهاينة متحمسون للمشروع لاسباب اقتصادية وإن كانت تحتل الدرجة الثانية بعد المسألة الأمنية والسياسية، وإنهم يطمحون إلى وضع المنطقة والعالم أمام أمر واقع يضطر معه الجميع إلى التعاطي اقتصاديا مع الكيان العبري وخاصة ما يتعلق بالمقاطعة والتطبيع ,هناك وعود أمريكية "قاطعة" قدمت للصهاينة بأن الخليجيين والسعوديين سيستثمرون على ضفتي المشروع بحسب موافقة خليجية على ان تكون على شكل فنادق تعريصيه ومنتجعات فسق ودعاره توفر عليهم السفر الى اوروبا وذلك كما فعلوا في العقبه وبمباركه قزم الاردن ,اظافه الى هذا فان المشروع المغلف ب "البيئة" سيمكن الكيان من توفير مئات الملايين من الدولارات من خلال اعتماد الماء كوسيلة أولى في تبريد المفاعلات النووية الإسرائيلية بدلاً من الهواء المعتمد حالياً في عمليات التبريد، بالإضافة إلى توفير مئات ملايين الأمتار المكعبة من المياه وتخفيف الضغط عن محطات التحلية ال ( 5 ) التي أنشأها الكيان العبري على شواطئ المتوسط في الغرب·
اما ما سيجنيه الاردن فسيكون بضع الملايين من الدولارات ينفقها قزم الاردن على زياراته المتكرره لصالات القمار واللهو في اوروبا وامريكا وبعض حقائب اخر صرعات الموضه تحضرها رانيا من فرنسا وبريطانيا وامريكا ترتديها عندما تخطب في الاردنيين وتكرم اهل الهمه ليس هذا فحسب بل سيتعدى الامر الى بعض المبادرات والهبات والاعطيات الهاشميه باسم الاردن اولا.
هذا الموضوع هو بحثا واقعيا علميا وبيئيا وسياسيا ومائيابحتا وغير مسموح لشله الزعران التعليق عليه وتضييع الفكره باسم اردني وفلسطيني وارجو من المستشار الاعلامي لقزم الاردن ايصاله الى سيده وسيدته كما ورد بدون تحريف وهذا ردي على العرض المقدم من خلال ابن العم الشيخ عقله التي اسداها لي ومسامحه بمبلغ 100 الف دينارالتي تلقاها من قزم الاردن في زيارته الاخيره مع ولي العهد الى مضاربنا في رحاب في سبيل تاييد ولي العهد الجديد حسيني القذافي هذا اذا صح الخبر.
قبل فترة غير بعيدة اعلنت صحف الكيان الصهيوني عن توقيع (اسرائيل والاردن على اتفاقيه مع البنك الدولي لتمويل المرحله الاولى من هذا المشروع وبكلفه قدرها 5 مليار دولار ,ولا شك في ان هذه الخطوه هي قمه التخبط الإقتصادي والسياسي، فالكيان الصهيوني والاردن يتحدثون من منظور "بيئي" بدعوى أن منسوب البحر الميت ينخفض سنويا بمقدار متر، وهو بذلك قيد الجفاف في غضون 50 سنة إن لم تتم معالجة هذا الإنحسار وحالاً،ولو كان هذا فعلا هو بيت القصيد الصهيوني لافرج هؤلاء عن مياه الاردن ووفروا هذا العبء المالي والاقتصادي خاصه على الاردن , ولكن الحقيقه غير ذلك وانها تهدف الى أهدافا صهيونيه أخرى من شأنها أن تؤثر سلبا على الأردن وعلى صعد مختلفة ومتداخلة لم يغفل عنها صناع القرار في الاردن وذلك لانغماسهم في مستنقع الخيانه حتى الاذنين بدعوى نصره خطة إحياء البحر الميت كما يسوق لها قزم الاردن ومن سمون زورا الأردنيون من منظرين بيئيين وسياسيين شربوا حتى الثماله من بول اليهود ·
اما ما يقوله خبراء وعلماء البيئه وبعض من الباحثين المخلصين من اليهود إن الكيان العبري يخفي من وراء موافقته على هذا المشروع ودعم اللوبي الصهيوني له هو أهدافا سياسية بالغة الخطورة، ياتي في مقدمتهامنع قيام دولة فلسطينية "حقيقية" مما يجعل امر حل قضيه فلسطين المؤقت امرا واقعا على حساب حل الدولتين الذي سيؤدي الى انشاء دوله جديده تضم الاردن وفلسطين يعطي الاردن فيها حكم جزئي لعملاء السلطه على شكل محافظه وبذلك يضمن قزم الاردن بقاء مقعدا ساخنا له ولاسرته وهوما يشكل خطرا على الأردن وفلسطين في ان واحد.
ما اعلنه الكيان الصهيوني قبل أيام بخصوص التعامل مع منطقة الأغوار ، ينطبق على التعامل الصهيوني مع أراضي فلسطين 67 وينطلق من نفس الأسس التي يتعامل بها الكيان الصهيوني مع الاراضي الواقعة خلف الجدار ، وإن استحداث أية مشاريع تنموية أو صناعية من السكان المحليين - اصحاب الارض - يتطلب بالدرجة الاولى موافقات أمنية صهيونية غير التصاريح العادية ، وإن الكيان يهدف إلى ضم الأغوار ومنع شمولها بأي دويلة فلسطينية حتى ضمن الأسس والمعايير الصهيونية بحيث تكون حدودا شرقية للكيان الصهيوني وهو ما ينطبق على اتفاقيه قناه البحرين التي اشرف على توقيعها قزم الاردن ووزير دفاع الكيان الصهيوني ,فما علاقه وزيردفاع الكيان الصهيوني بهكذا اتفاقيه ·
الكيان الصهيوني سارع الى الاعلان عن توقيع الاتفاقيه مع وزارة المياه والري الاردنيه لجعلها امرا واقعا ولكن تقارير وبحوث ونتائج التنقيب عن النحاس من قبل وزارة البيئة الأردنية الموجود في وادي عربة أربكت وزير المياه بعد أن قام اليهود بتغيير الخط الناقل للمياه المفترض بحيث سيعبر من منتصف محمية ضانا ويقسمها الى شقين بحيث يصبح الشق الغربي الذي يسيطر عليه الكيان الغاصب والذي يحتوي على آلاف الأطنان من خام النحاس ضمن تصرف اليهود وهذا بالنتيجه سيؤدي الى الغاءصفة "المحمية" عن ضانا مما يتعارض مع الإتفاقات الدولية البيئية بهذا الشأن وهذا السبب سيؤدي الى خساره الاردن للهبات الماليه الدوليه التي تاتي باسم المحميه وينفقها القزم بغير وجه حق في امور ومصاريف لا يعلمها الا الله.
هذا هو الذي اضطر الحكومة الأردنية إلى البحث عن مسارات أخرى تجنب ضانا "كارثة بيئية" في الوقت الذي تزعم فيه جهات مؤيدة للمشروع : إنه - برمته - مشروع بيئي يقي البحر الميت والمناطق المحاذية له من أخطار بيئية بالغة الجسامة، وهو ما يتناقض مع مصالح الاردن الحيوية في الإستفادة من موارده الطبيعية في المنطقة من النحاس وإلى الأبد، مما اضطر الوزارة إلى تأجيل الإعلان عن بدء المرحلة الأولى من المشروع "إلى ما قبل أسبوع" حتى يتسنى إطلاع الجهات ذات العلاقة : - البنك الدولي - على ماهية هذه الأخطار التي كشفتها شركة كندية تدعى (vannessa ventures ltd) في العام 2004 ·
وادي عربة - المحور الرئيسي للقناة - وهو جزء من الاراضي الاردنية ، والذي سيعبر منه الأنوب يحوي عددا كبيرا من الآبار الإسرائيلية تم حسم مرجعيتها لاتفاقية السلام الموقعة بين الاردن والكيان الصهيوني في العام 1994، إذ تبين - حسب المصادر - أن الجانب الإسرائيلي هو المستفيد من هذه الآبار ، لهذا فان الصهاينة وافقوا على مشروع القناة الذي سيمر فوق آبارهم "الواقعة في الجانب الأردني من الحدود" بعد دراسات مسحية أجراها خبراء صهاينة مضحين بآبارهم نظير مصالح أمنية من شأن القناة أن توفرها تحقيقا لحلم صهيوني "قديم" بإحياء النقب ، وبناء "حزام مائي صناعي" لحدود الدولة العبرية مع سيناء على ان يمتد شمالا إلى منطقة الأغوار التي تخضع هذا الآوان لعملية "ضم" تدريجي مما يحول دون إقامة الدولة الفلسطينية·
وبهذا الصدد يقول خبير مائي فلسطيني : إن السلطة الفلسطينية التي وقعت موافقتها على مشروع القناة في العام 2005 بالإضافة إلى الاردن والكيان الصهيوني سبق ان رفضت المشروع عند طرحه "رسميا" لاول مرة في مؤتمر دولي أقيم في جنوب أفريقيا في العام 2003 ويتساءل هذا الخبير قائلا : لماذا رفضت السلطة المشروع سابقاً، ثم وافقت عليه الآن مع ما يعنيه من مخاطر على مستقبل الدولة الفلسطينية الموعودة ؟ ويجيب قائلا : بان لديه معلومات عن عرض تلقته سلطة أوسلو هو في حقيقته ليس سوى صفقة أمريكية - إسرائيلية رضخت السلطة لشروطها انطلاقا من "مصالح ذاتية" كعربون من قبل قادة السلطة على أنهم ملتزمون بالسلام نظير دعمهم ماليا وسياسيا ، مع ما تعنيه هذه الموافقة من غض الطرف عن أخطار ضم الأغوار الفلسطينية للكيان الصهيوني ، وهي بذلك - أي السلطة بقيادتيها السابقة والحالية تساوقت مع الأطروحات الصهيونية في الخفاء بينما عارضتها في العلن حسب قوله وهذا يؤكده ما قالته السلطه واستنكارها خطه الحكومة الصهيونيه لمصادرة 139 ألف دونم من الاراضي الممتدة حتى البحر الميت, وضمها لمستوطنة معاليه أدوميم, بهدف إحكام السيطرة الاسرائيلية على شاطئ البحر الميت.وأكد أنه "ما لم توقف اسرائيل هذا المخطط فإن السلطة الوطنية الفلسطينية ستتوجه الى البنك الدولي لمطالبته بوقف مشروع قناة البحرين, واللجوء الى مجلس الامن الدولي ومحكمة العدل الدولية (لمنع اسرائيل), كدولة احتلال, من مصادرة الأراضي وتحويلها الى أملاك بلدية وأملاك دولة, حسب القانون الدولي". (وطز يا عباس ويا فياض ويا سلطه عميله )اما ابو سعود الاردن فصرح ان ما قالته السلطه لا يعنيه ولا يعني حكومه قزم الاردن (وطز ثاني للتنسيق العربي المشترك واما الام الكبرى مصر فلا تخشى الا على قناه السويس من ان تتاثر بهذا المشروع وطز ثالث لمبارك )
وتعيد مصادر مطلعة إلى الأذهان الخطط الصهيونية القديمة في تحزيم الكيان الصهيوني بالعوازل الصناعية من مثل قناة تربط تركيا بالجولان نزولا إلى اليرموك والأردن الأعلى ففلسطين المحتلة، وتستذكر المصادر الخطط الإسرائيلية التي كشفها عسكريون صهاينة، ومن ضمنها أن هذا الأنبوب "أنبوب الجولان" سيمكن الكيان العبري من خلق بحيرات مائية تبنى عليها جسور عبور مع تمركز "حزام دبابات" في الجهة المقابلة، وفي حال الخطر يتم هدم الجسور بحيث يبقى الكيان في منأى عن هذا الخطر بالعازل المائي : "البحيرات الصناعية" وإن ما سيجري بالنسبة لقناة الميت - الأحمر - هو ترجمة لهذه الخطط التي يطلق عليها الصهاينة "دفاعية" بحيث سنشهد بحيرات مائية على الجانب الفلسطيني من وادي عربة وتمركز أحزمة دبابات مشابهة سواء على حدود سيناء أو على طول وادي عربة، بعيداً عن أعين المستثمرين والسياح وغيرهم ، بالإضافة إلى مشروع هيرتزل نفسه الذي حلم بحزام مائي يربط المتوسط بالميت ، والذي سبق لشارون أن رصد له 100 مليون شيكل كرصيد أولي حال وصول حكومة صهيونية جديدة دون تنفيذه واعتماد "تأجيله" إلى زمن قادم يبدو أنه حان الآن·
ويعتبر مراقبون : إن هذا المشروع الاخير بمثابة الخطوة الاولى في مشاريع الكيان العبري مستغلا الحاجة الاردنية للمياه والإستثمار وإحياء المنطقة تنمويا ، في حين يطالب خبراء مائيون أردنيون بالإستعاضة عن هذا المشروع بإنشاء محطة تحلية في العقبة وربطها بأنبوب ماء الديسي وحينها سيتمكن الأردن من تغطية كافة احتياجاته من المياه، وهم بذلك يطرحون حلولا لمياه الشرب دون أن يجدوا حلا لمشكلة البحر الميت ·
الصهاينة متحمسون للمشروع لاسباب اقتصادية وإن كانت تحتل الدرجة الثانية بعد المسألة الأمنية والسياسية، وإنهم يطمحون إلى وضع المنطقة والعالم أمام أمر واقع يضطر معه الجميع إلى التعاطي اقتصاديا مع الكيان العبري وخاصة ما يتعلق بالمقاطعة والتطبيع ,هناك وعود أمريكية "قاطعة" قدمت للصهاينة بأن الخليجيين والسعوديين سيستثمرون على ضفتي المشروع بحسب موافقة خليجية على ان تكون على شكل فنادق تعريصيه ومنتجعات فسق ودعاره توفر عليهم السفر الى اوروبا وذلك كما فعلوا في العقبه وبمباركه قزم الاردن ,اظافه الى هذا فان المشروع المغلف ب "البيئة" سيمكن الكيان من توفير مئات الملايين من الدولارات من خلال اعتماد الماء كوسيلة أولى في تبريد المفاعلات النووية الإسرائيلية بدلاً من الهواء المعتمد حالياً في عمليات التبريد، بالإضافة إلى توفير مئات ملايين الأمتار المكعبة من المياه وتخفيف الضغط عن محطات التحلية ال ( 5 ) التي أنشأها الكيان العبري على شواطئ المتوسط في الغرب·
اما ما سيجنيه الاردن فسيكون بضع الملايين من الدولارات ينفقها قزم الاردن على زياراته المتكرره لصالات القمار واللهو في اوروبا وامريكا وبعض حقائب اخر صرعات الموضه تحضرها رانيا من فرنسا وبريطانيا وامريكا ترتديها عندما تخطب في الاردنيين وتكرم اهل الهمه ليس هذا فحسب بل سيتعدى الامر الى بعض المبادرات والهبات والاعطيات الهاشميه باسم الاردن اولا.
هذا الموضوع هو بحثا واقعيا علميا وبيئيا وسياسيا ومائيابحتا وغير مسموح لشله الزعران التعليق عليه وتضييع الفكره باسم اردني وفلسطيني وارجو من المستشار الاعلامي لقزم الاردن ايصاله الى سيده وسيدته كما ورد بدون تحريف وهذا ردي على العرض المقدم من خلال ابن العم الشيخ عقله التي اسداها لي ومسامحه بمبلغ 100 الف دينارالتي تلقاها من قزم الاردن في زيارته الاخيره مع ولي العهد الى مضاربنا في رحاب في سبيل تاييد ولي العهد الجديد حسيني القذافي هذا اذا صح الخبر.
هل فتح تخلت عن الكفاح المسلح في مؤتمرها العام السادس؟
مركز القدس للشؤون العامة
من بنحاس عنبري
نشرت أغسطس 2009
أغسطس 2009
بنحاس عنبري
• كثير من المراقبين ينتظرون ليروا إلى أي مدى العام السادس لحركة فتح الكونغرس لن تقدم أو تؤخر في آفاق إعادة إطلاق عملية السلام بين اسرائيل والفلسطينيين. في هذا الصدد ، فإن السؤال الحاسم هو : هل فتح الذهاب الى التنازل عن مبدأ التاريخية "الكفاح المسلح" ، وتكرس نفسها لمفاوضات السلام على أساس حل وسط؟
• وثيقتي الصلة لمناقشتها والموافقة عليها من قبل الكونغرس فتح هي برنامج سياسي وحركة فتح "النظام الداخلي". البرنامج السياسي يمكن أن ينظر إليه على أنه يعكس التقدم المحرز في شروط قبول الحل السياسي ونبذ العنف -- لكنها لا ترقى إلى التنازل عن مبدأ الكفاح المسلح.
• المشكلة الحقيقية تكمن في النظام الداخلي الوثيقة ، التي تعيد كل من العبارات التي حذفت في برنامجها السياسي. في حين أن برنامج سياسي يسعى إلى إخضاع النضال إلى الحاجة إلى "الشرعية الدولية" ، والنظام الداخلي واضح جدا في رفض جميع مبادرات السلام الدولية.
• في النظام الداخلي الوثيقة ، فتح يحتفظ الكفاح المسلح كاستراتيجية من اجل تحرير كامل فلسطين ، والقضاء على إسرائيل. المادة 12 تدعو إلى "تحرير فلسطين بالكامل والقضاء على دولة الاحتلال الصهيوني اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وثقافيا".
• المادة 13 يدعو الى "اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية بأكملها." في حين أن البرنامج السياسي قوائم واحدة "حل الدولتين" كخيار في حالة "حل الدولتين" فشل النظام الداخلي وثيقة تذكر واحدة "حل الدولتين" هو الحل الوحيد.
• ينبغي أن يكون هناك أي سؤال يتعلق فتح الأهداف ، وتنص المادة 17 على : "إن الثورة الشعبية المسلحة هي الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين" ، في حين تشير المادة 19 : "إن النضال لن تنتهي إلا بالقضاء على الكيان الصهيوني و تحرير فلسطين ".
في المؤتمر العام السادس لحركة فتح ، سيتم عقد لأول مرة منذ عشرين عاما ، أن يحكم أساسا بعاملين : قراراته وتركيبة قيادتها الجديدة. هنا سنبحث طبيعة قراراته المتوقع وترك التقييم من القيادة الجديدة للفحص في المستقبل.
هناك قدرا كبيرا من الاهتمام الدولي في الكونغرس منذ فتح الكثير من يتصور المجتمع الدولي للمشكلة الفلسطينية باعتبارها المفتاح لطائفة كاملة من الصراعات في الشرق الأوسط. كثير من المراقبين ينتظرون ليروا إلى أي مدى المؤتمر سوف تقدم أو تؤخر في آفاق إعادة إطلاق عملية السلام بين اسرائيل والفلسطينيين ، وحتى اطلاق عملية السلام في المنطقة على أساس ثنائية المسار الاسرائيلي الفلسطيني.
في هذا الصدد ، فإن السؤال الحاسم هو : هل فتح الذهاب الى التنازل عن مبدأ التاريخية "الكفاح المسلح" -- muqawama -- وتكرس نفسها لمفاوضات السلام على أساس الحل الوسط ، ونوقشت على نطاق واسع بين كاديما السابق الحكومة التي تقودها المفاوضين الإسرائيليين والفلسطينيين -- السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس (أبو مازن) ورئيس الوزراء السابق أبو علاء؟
وثيقتين : واحد للاستهلاك الدولي وغيره من أجل الاستخدام الداخلي
وثيقتي الصلة لمناقشتها والموافقة عليها من قبل الكونغرس فتح هي البرنامج السياسي (1) وحركة فتح "النظام الداخلي". (2) وبرنامج سياسي يمكن أن ينظر إليه على أنه يعكس الكثير من التقدم فيما يتعلق بقبول الحل السياسي ونبذ العنف -- ولكن لا ترقى إلى التخلي عن مبدأ الكفاح المسلح. وثيقة تؤيد المبادرة العربية ، محادثات في عبارات غامضة من "حق العودة" -- باستخدام صيغة "على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 181" وليس على وفاء لهذا القرار ، ويقدم نموذجا للانتفاضة "للاحجار" ( الانتفاضة الأولى) كما يفضل على نموذج للصراع العسكري.
مبدأ "الكفاح المسلح" كما ذكر هو خيار من الماضي الذي يجب أن يعاد النظر في المقارنة لخيارات أخرى من النضال. نموذج ينظر لتناسب عصرنا هي الحملات المناهضة للجدار في Nil'in وبلعين ، ولكن "10،000 أضعاف شرسة". البرنامج السياسي يستخدم مصطلح "الصراع" (ليس تماما اصفا اياها بانها "الكفاح المسلح") وحتى "النضال السلمي". ومع ذلك ، هناك أكثر من إشارة واحدة إلى أن مصطلح "كفاح جميع الخيارات" ، الذي يتضمن الكفاح المسلح كذلك. في مقابلة مع معا الاخبارية ، زعيم حركة فتح في لبنان ، سلطان ابو العينين ، وأوضحت أن نضال "جميع الخيارات" الكفاح المسلح ويشمل كذلك.
النظام الداخلي لحركة فتح يقدم وجها مختلفا
تطوير Nil'in - بلعين نموذجا للنضال هو مشكلة لأنها يمكن بسهولة أن يتدهور إلى العنف ، كما أثبتت التجربة الماضية ، ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في النظام الداخلي الوثيقة. جميع العبارات التي حذفت في البرنامج السياسي موجودة في هذا أن يكون بين "بيروقراطية" وثيقة. مصطلح "الكفاح المسلح الشعبي" يظهر في البداية. في حين أن برنامج سياسي يسعى إلى إخضاع النضال إلى الحاجة إلى "الشرعية الدولية" ، والنظام الداخلي واضح جدا في رفض جميع مبادرات السلام الدولية : "إن المشاريع والاتفاقات والقرارات التي صدرت أو ستصدر من قبل الأمم المتحدة أو مجموعة من الدول أو أي دولة منفصلة بشأن المشكلة الفلسطينية أن تتنازل عن حقوق الفلسطينيين في وطنهم لاغيا وباطلا ". 3
وعلاوة على ذلك ، تدعو المادة 22 : "الاعتراض بالقوة على جميع الحلول السياسية التي يتم تقديمها كبديل لإبادة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة وجميع المشاريع التي تهدف للقضاء على المشكلة الفلسطينية ، أو السعي لتدويله أو وضع الحارس خارج على شعبها من أي طرف ممكن. "(4) هذه المادة هي في تناقض لدعوة في البرنامج السياسي لمزيد من المشاركة الدولية في هذه المشكلة ونرحب به لمشاركة قوات دولية في فلسطين.
المادة 9 ينص بوضوح على أن "تحرير الأرض المقدسة والدفاع عن مواقعها المقدسة (التي هي ممنوعة من الكفار) هو عربي ومسلم ، والواجب الإنساني." (5)
فتح يحتفظ استراتيجية الكفاح المسلح
وهنا نأتي إلى جوهر : فتح يحتفظ الكفاح المسلح كاستراتيجية من اجل تحرير كامل فلسطين ، والقضاء على إسرائيل. المادة 12 تدعو إلى "تحرير فلسطين بالكامل والقضاء على دولة الاحتلال الصهيوني اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وثقافيا". 6 (الحقيقة أن واحدا من الأساليب المذكورة في البرنامج السياسي للانتفاضة "سلمية" هو والمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل.)
المادة 13 يدعو الى "اقامة دولة فلسطينية ديمقراطية ذات سيادة على كامل الأراضي الفلسطينية التي من شأنها الحفاظ على الحقوق المشروعة للمواطنين على أساس من العدالة والمساواة دون تمييز على أساس العرق والدين والمعتقد ، والقدس ستكون عاصمة لها "(7) ورغم أن البرنامج السياسي قوائم واحدة" حل الدولتين "كخيار في حالة" حل الدولتين "فشل النظام الداخلي وثيقة تذكر واحدة" حل الدولتين "هو الحل الوحيد.
المادة 17 تقول : "إن الثورة الشعبية المسلحة هي الطريق الحتمي الوحيد لتحرير فلسطين". 8
أخيرا ، تشير المادة 19 : "إن الكفاح المسلح هو استراتيجية وليس تكتيكا والثورة المسلحة للشعب العربي الفلسطيني عامل حاسم في حرب التحرير والقضاء على الوجود الصهيوني ، والنضال لن ينتهي حتى القضاء على الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين. "(9)
في حين فتح البرنامج السياسي يحاول استيعاب التوقعات الدولية ويبدو أنه صمم لتعبئة الشرعية الدولية لإعادة إطلاق الانتفاضة "السلمية" فتح "النظام الداخلي" يذكرنا كيف تضرب بجذورها عميقا في حركة فتح هو ايديولوجيتها من 1960s و 1970s.
* * *
بنحاس عنبري هو محلل سياسي بارز في مركز القدس للشؤون العامة. وهو أيضا كاتب ومحلل مخضرم مراسل الشؤون الفلسطينية ، وحاليا لتقارير وسائل عدة وسائل الاعلام الاجنبية. وهو مؤلف عدد من الكتب عن الفلسطينيين بمن فيهم الفلسطينيون : بين الإرهاب وبناء الدولة
لا نُحبُّك، يا سيد حسن نصر الله

د. فايز أبو شمالة
لا نحبك، يا سيد حسن نصر الله، لأنك تستفزنا، وتحرك فينا ما نحرص على تسكينه، وتخرجنا عن مألوف حياتنا، وتجرح صمتنا، وتحرج سكوتنا، وأنت تحاول جرنا بعيداً عن المخبأ الذي لجأنا إليه، لتقول لنا: إن العرب قادرون على مواجهة إسرائيل، والأدهى والأمر على قلوبنا أنك تمارس بالفعل ما تقوله، وتتحدى علناً الدولة العبرية، وبهذا تحرجنا أمام أنفسنا، ونحن من اقتنع خوفاً، واقنع العالم بالفكرة القائلة: أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر، وأن إسرائيل وجدت كي تبقى، لأنها دولة ديمقراطية عظمى. فإذا بك خارج عن صفنا، وإذا بموقفك العنيد من إسرائيل يشجع المقاومة، حتى أنه حرك السيد عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية ليقول: ولى زمن الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
نحن يا سيد حسن نصر الله نفاوض إسرائيل، ونحن موجودون ما دمنا نفاوض، ونقيم علاقتنا مع إسرائيل على التفاوض بحجة أننا غير قادرين عليها، فقد تعودنا على طأطأة الرأس، ووجدنا لأنفسنا الذرائع، ورضيت بنا الحجج، ونكرر أننا لا نستطيع محاربة إسرائيل وحليفتها أمريكا، فلماذا كشفت زيفنا عندما كشفت عن عورة الدولة العبرية؟.
لن نغفر لك يا سيد حسن، ولن نسمح لك بأن تكون الشاطر حسن في الحكاية الشعبية،
لأنك أحرجتنا، ولم ترحم ضعفنا، ونفسيتنا التي تعودت التوسل، والخنوع، والتزفزف تحت الأقدام، فإذا بك تزأر، وتهدد بقصف تل أبيب، أتدري ما معنى ذلك؟ أنك تهدد بهدم الأساس الذي قامت عليه الدولة العبرية، فماذا سيقال عنا نحن العرب الفلسطينيين أصحاب القضية؛ ونحن نعتقل من يخطط لإطلاق النار على مستوطن غاصب؟ فضحت خيبتنا يا رجلُ، ونحن نقتل بأيدينا كل فلسطيني يقاوم دعاة هدم المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، لذا نحن نكرهك، ونحقد عليك، ونخاف منك، ولا نريد أن نسمع صوتك الذي أزعج هدوءنا، وأيقظ صوت الكرامة من حولنا، ولا نتمنى لك السلامة لما فعلته بسراويلنا التي انحلّت، وقمصاننا، وجلابيبنا التي تطايرت، فأنت لم تبق لنا ما يستر عورتنا، ولاسيما بعد أن سحل "البمبرز" عن مؤخرة قيادتنا ليكشف عن طفولتها السياسية، وهزيمتها الإستراتيجية.
ملاحظة: سينهشن غلمان الإنترنت كاتب هذا المقال، سيهاجمونه بحروف عربية مكسرة، وسيكتبون عنه بكلام مخلوط، ومغلوط: أنه قد صار شيعياً، وسيقولون: أنه ينافق، وسيقولون: دفع له نصر الله مالاً. وكل ذلك لا يهم، لأن المهم، والمخجل، والمخيف، والمخزي أن يقال: هذا يتبع تجمع "كيث دايتون" لتصفية القضية الفلسطينية.
fshamala@yahoo.com
لا نحبك، يا سيد حسن نصر الله، لأنك تستفزنا، وتحرك فينا ما نحرص على تسكينه، وتخرجنا عن مألوف حياتنا، وتجرح صمتنا، وتحرج سكوتنا، وأنت تحاول جرنا بعيداً عن المخبأ الذي لجأنا إليه، لتقول لنا: إن العرب قادرون على مواجهة إسرائيل، والأدهى والأمر على قلوبنا أنك تمارس بالفعل ما تقوله، وتتحدى علناً الدولة العبرية، وبهذا تحرجنا أمام أنفسنا، ونحن من اقتنع خوفاً، واقنع العالم بالفكرة القائلة: أن الجيش الإسرائيلي لا يقهر، وأن إسرائيل وجدت كي تبقى، لأنها دولة ديمقراطية عظمى. فإذا بك خارج عن صفنا، وإذا بموقفك العنيد من إسرائيل يشجع المقاومة، حتى أنه حرك السيد عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية ليقول: ولى زمن الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.
نحن يا سيد حسن نصر الله نفاوض إسرائيل، ونحن موجودون ما دمنا نفاوض، ونقيم علاقتنا مع إسرائيل على التفاوض بحجة أننا غير قادرين عليها، فقد تعودنا على طأطأة الرأس، ووجدنا لأنفسنا الذرائع، ورضيت بنا الحجج، ونكرر أننا لا نستطيع محاربة إسرائيل وحليفتها أمريكا، فلماذا كشفت زيفنا عندما كشفت عن عورة الدولة العبرية؟.
لن نغفر لك يا سيد حسن، ولن نسمح لك بأن تكون الشاطر حسن في الحكاية الشعبية،
لأنك أحرجتنا، ولم ترحم ضعفنا، ونفسيتنا التي تعودت التوسل، والخنوع، والتزفزف تحت الأقدام، فإذا بك تزأر، وتهدد بقصف تل أبيب، أتدري ما معنى ذلك؟ أنك تهدد بهدم الأساس الذي قامت عليه الدولة العبرية، فماذا سيقال عنا نحن العرب الفلسطينيين أصحاب القضية؛ ونحن نعتقل من يخطط لإطلاق النار على مستوطن غاصب؟ فضحت خيبتنا يا رجلُ، ونحن نقتل بأيدينا كل فلسطيني يقاوم دعاة هدم المسجد الأقصى، وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، لذا نحن نكرهك، ونحقد عليك، ونخاف منك، ولا نريد أن نسمع صوتك الذي أزعج هدوءنا، وأيقظ صوت الكرامة من حولنا، ولا نتمنى لك السلامة لما فعلته بسراويلنا التي انحلّت، وقمصاننا، وجلابيبنا التي تطايرت، فأنت لم تبق لنا ما يستر عورتنا، ولاسيما بعد أن سحل "البمبرز" عن مؤخرة قيادتنا ليكشف عن طفولتها السياسية، وهزيمتها الإستراتيجية.
ملاحظة: سينهشن غلمان الإنترنت كاتب هذا المقال، سيهاجمونه بحروف عربية مكسرة، وسيكتبون عنه بكلام مخلوط، ومغلوط: أنه قد صار شيعياً، وسيقولون: أنه ينافق، وسيقولون: دفع له نصر الله مالاً. وكل ذلك لا يهم، لأن المهم، والمخجل، والمخيف، والمخزي أن يقال: هذا يتبع تجمع "كيث دايتون" لتصفية القضية الفلسطينية.
fshamala@yahoo.com
ليس القدومى وحدة الذى اتهم دحلان

الشرق الأوسط
* هاني الحسن: إسرائيل تخطط لاغتيال عرفات بواسطة أحد الفلسطينيين.. ودحلان وراء الفوضى في غزة
* وزير الداخلية الفلسطيني السابق لـ«الشرق الأوسط» : لم أزوّر الرسالة ضد دحلان وأبو مازن لم يضغط عليه أحد ليستقيل
كشف وزير الداخلية الفلسطيني السابق هاني الحسن النقاب عن وجود نية اسرائيلية لاغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بواسطة احد الفلسطينيين.
وشن الحسن هجوما شديدا على محمد دحلان متهما اياه بأنه وراء الفوضى والمظاهرات التي حدثت في مدينة غزة، وتم فيها التهجم على اللجنة المركزية لحركة فتح وحرق صور بعض اعضائها. وقال هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمستشار السياسي للرئيس عرفات في حديث لـ«الشرق الأوسط» ان دحلان اعد اثناء توليه حقيبة الداخلية في حكومة ابو مازن، خطة امنية قدمها الى الولايات المتحدة ورفض تسليمها الى اللجنة المركزية لحركة فتح وهو ما اثار شكوكا وريبة حول مضمونها..
وأعلن هاني الحسن ان هناك حسابا في الطريق سيطال كل مسؤول امني شارك في الاعمال الصبيانية التي حدثت في مظاهرة غزة، كما ان الحساب سيشمل كل من اصدر الاوامر بارتكاب مثل هذه الاعمال.
وأوضح هاني الحسن ان الرسالة التي نشرتها صحيفة اردنية والموجهة من دحلان الى موفاز تكشف حجم المخاطر التي تستهدف الساحة الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات شخصيا. وأكد هاني الحسن ان كل حكومة فلسطينية ستأتي سوف تواجه نفس المصير الذي عرفته حكومة ابو مازن اذا اعتمدت على الخارج واهملت الداخل.
* شكلت حقيبة وزارة الداخلية نقطة خلاف حادة بين الرئيس ياسر عرفات ورئيسي الوزراء السابق والحالي.. حسب رأيك ما هي اسباب هذا الخلاف، هل ان وزارة الداخلية هي وزارة لا تخضع لسيطرة رئيس الوزراء وتابعة مباشرة لاشراف الرئيس ياسر عرفات؟
ـ حسب اتفاقيات اوسلو يوجد جيش، ولا وزارة دفاع لدى السلطة الفلسطينية، وعمليا فان وزارة الداخلية تتولى الاشراف على اكثر من 22 ألف شرطي ورجل امن وحفظ النظام والقوة التنفيذية، وبالتالي فان السؤال المطروح هو علينا ان نقرر بيد من نضع امننا الشخصي والعائلي والوطني. في الوقت الراهن هناك تدخل خارجي يريد ان يفرض على وزارة الداخلية الفلسطينية ان تعمل باتجاه واحد فقط، هو وقف العنف ضد الاسرائيليين في حين ان مهمتها الاساسية هي الدفاع عن الفلسطينيين في المقام الاول، ولذا فان المشكلة ليس مصدرها الرئيس ياسر عرفات بقدر ما تتمثل في ان الخارج يتدخل في الشأن الفلسطيني ويقول هذا ينفع وهذا لا ينفع، الرئيس عرفات يقاوم في بعض الحالات من منطلق عدم قبوله الرضوخ للمتطلبات الخارجية.
* انت في تصريحاتك الاخيرة اتهمت محمد دحلان بانه كان يقوم اثناء توليه حقيبة الأمن في حكومة ابو مازن، بتنفيذ مخططاته التي تتناغم مع الجانب الاميركي والاسرائيلي، ماذا تعني من وراء ذلك؟
ـ اللجنة المركزية لحركة فتح اتخذت قرارين اساسيين، الاول يتعلق باستحداث منصب رئيس للوزراء، اما القرار الثاني فهو ينص على ان من يتولى منصب رئيس الوزراء وكذلك وزير الداخلية يجب ان يكون من اعضاء اللجنة المركزية بحيث يلتزم كلاهما بقراراتها ويمكن بالتالي محاسبتهما في الاجتماعات الاسبوعية التي تعقدها اللجنة المركزية لحركة فتح.
الذي جرى في الحكومة السابقة ان اللجنة المركزية لحركة فتح بكامل اعضائها وضعت اربع خطط، الاولى في المجال السياسي، والثانية في الأمن، والثالثة في الاقتصاد، والرابعة تهتم بالوضع التنظيمي بهدف ترتيب العلاقة بينها وبين رئيس الوزراء على اساس ان يتم الرجوع الى هذه الخطط ويتم الحساب بمقدار الالتزام بها او عدم الالتزام بها، وكان من ضمن ما ورد في هذه الخطط القراران اللذان ذكرتهما آنفا.
ولكن عندما شكلت وزارة محمود عباس (ابو مازن) فوجئنا بوجود اسم محمد دحلان كوزير مكلف بالأمن لدى رئيس الوزراء.
وما راعنا بعد ذلك ان قام ابو مازن بتفويض دحلان بوزارة الداخلية، مع انه عندما قدمت الحكومة الى المجلس التشريعي لم يرد اسم دحلان كوزير للداخلية، ويعتبر هذا التفويض منافيا لقدرات اللجنة المركزية لحركة فتح، ومنافيا ايضا للنظام الاساسي، اي الدستور الحالي، لانه لا يجوز ان يفوض وزير وزيرا آخر اثناء وجوده، كما انه لا يجوز ان يكون التفويض من خارج اللجنة المركزية، بالاضافة الى ان التفويض يجب ان يكون لفترة محدودة، ومن هنا ولدت الوزارة السابقة وبداخلها مشكلة مع اللجنة المركزية عنوانها هو وزير الداخلية خاصة ان محمد دحلان استدعي مرة الى اللجنة المركزية ليقدم لها تقريرا، فقال انه وضع خطة امنية، وعندما طلبنا منه ان يضع الخطة امامنا على الطاولة لم يقبل بذلك وقال انه قدم نسخة واحدة من هذه الخطة الى الولايات المتحدة.
وقد حاولنا كثيرا مع رئيس الوزراء السابق، وكذلك مع دحلان، من اجل ان نطلع على مضمون هذه الخطة، الا ان كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وهو ما اثار شكوكا وريبة حول مضمون هذه الخطة. ومن هنا جرى الصراع خاصة انه تمت تعيينات كثيرة في مواقع امنية عديدة كان شكلها ومضمونها مريبين، من ذلك تعيين 19 ضابطا في مواقع امنية هامة من دون استئذان اللجنة المركزية وكذلك من دون موافقة الرئيس ياسر عرفات الذي هو القائد العام، والذي لا يجوز اجراء مثل تلك التعيينات من دون موافقته.
* اتهمت ايضا محمد دحلان بانه كان وراء تنظيم المظاهرات التي تم فيها رفع شعارات معادية للجنة المركزية.. وكذلك حرق صورتكم وصورتي عباس زكي وصخر حبش. هل كان هناك ما يبرر مثل هذه الافعال؟
ـ طبعا لا يوجد شيء يبرر ذلك، لاننا نحن عند الاختلاف يجب ان نلجأ الى المؤسسات والمتمثلة اساسا في اللجنة المركزية لحركة فتح والمجلس الثوري.
وهنا اود ان اشير الى ان حكومة ابو مازن استقالت ولم يضغط احد على ابو مازن من اجل اتخاذ هذا القرار المفاجئ، ولم يكن يدور في خلد اللجنة المركزية والرئيس ياسر عرفات بشكل خاص ان ابو مازن سيستقيل، ولكن السياسة التي انتهجتها الحكومة لم تعط نتائج لا في مجال الافراج عن الاسرى ولا في مجال وقف مسلسل القتل الاسرائيلي الذي استهدف 42 شخصية قيادية من حركات المقاومة في حين ان جميع الفصائل الفلسطينية التزمت بشكل كامل بالهدنة التي تم الاعلان عنها. وعندما سقطت حكومة ابو مازن فان دحلان ومجموعته التي تسيطر على الأمن الوقائي في غزة فقدوا صوابهم لانهم كانوا يعرفون ان وزير الداخلية في الحكومة المقبلة لن يكون من بينهم وان دحلان جاء الى هذا المنصب غدرا وبطريقة غير شرعية.
وقد ترسخت هذه القناعة لدى هؤلاء عندما قال ابو علاء انه لا يستطيع ان يتخذ اي قرار ضد قرارات اللجنة المركزية لحركة فتح، حينذاك بدأوا يحاولون اثارة القلاقل فأصدروا بيانا ضد ابو علاء اتهموه فيه بعدة قضايا ولكن الاخ ابو علاء لم يأبه بذلك.
وكان دحلان ومجموعته يعتقدون ان هاني الحسن وعباس زكي وصخر حبش هم الذين يضعون فيتو في اللجنة المركزية لحركة فتح على تولي محمد دحلان حقيبة الداخلية، فأرادوا ان يمارسوا ضغطا علينا ولكنهم نسوا اننا نحن نضغط ولا يضغط علينا ولذلك فقد مارسوا اعمالا صبيانية فاستغلوا فرصة ردة الفعل الشعبي والجماهيري ضد قرار شارون بإبعاد الرئيس ياسر عرفات فبدأوا يدعون الناس الى مظاهرات عن طريق كوادرهم في غزة، فيما لم يستطيعوا فعل ذلك في الضفة الغربية، لانه لا وجود لأي سيطرة لجهاز امني على تنظيم فتح الذي يأتمر بأمرة الرئيس ياسر عرفات.
وطبقا لأفلام الفيديو، فان المشاركين في مظاهرة غزة لم يتجاوزوا الـ2500 شخص من بينهم 300 عنصر من جهاز الأمن الوقائي والشرطة وكانوا بزي مدني، وعندما شاهد كوادر حركة فتح ان هذه المجموعة تريد حرق صور لبعض قيادات الحركة، تفرقت المظاهرة ولم يبق فيها سوى العناصر المذكورة، حتى ان المحافظ رفض ان يلقي كلمة في المظاهرة وحينذاك فهم الجمهور ان هذه ليست مظاهرة ذات نيات بريئة، كما انها غير مدعومة من التنظيم الحزبي للحركة، ونتيجة لذلك فقد تحولت الامور عكس ما كانوا يشتهون ورفع المتظاهرون شعارات تقول «يا ابو عمار دوس.. دوس اضغط على دحلان الجاسوس».
ونحن الآن نعتبر ان هذه القصة قد انتهت ولكن هناك حسابا في الطريق قادما، اذ اننا سنحاسب كل مسؤول تنظيمي شارك في تلك الاعمال الصبيانية، كما اننا سنحاسب كل من اصدر الاوامر بارتكاب مثل هذه الاعمال، لانه لا يجوز لأي قائد امني او مسؤول في الأمن الوقائي ان يستغل هذا الجهاز لأهدافه الشخصية وللضغط على الآخرين، فهذا اسمه استغلال نفوذ وهذا ابشع انحراف موجود. ومن هنا سيعاد النظر في ترتيبات هذا الجهاز، وأود القول هنا ان تلك الاعمال التي قاموا بها دلت على مستواهم الصبياني، ونحن عندما كنا نقود المواجهات في فتح وننظم المظاهرات لم يكن بعض هؤلاء قد ولد بعد.
* ولكن دحلان يتهمكم بتزويد وتسريب رسالة موجهة منه الى موفاز ونشرها في جريدة «السبيل» الاردنية.. ما هو ردكم على ذلك؟
ـ انا اتحدى دحلان ان يذكر اسمي علنا في وسائل الاعلام لانني في هذه الحالة سأقاضيه، اذ ان دحلان يقول في جلساته الخاصة، ومن دون ان يذكر اسمي، ان هذه الرسالة مزورة وان مكتبي هو الذي قام بتزويرها بل ارسالها الى جريدة «السبيل» وهذا كذب وافتراء لانني وأنا مسؤول مجرب لا اسمح لنفسي بأن اقوم بمثل هذه الافعال، كما انني لست على علاقة جيدة مع جريدة «السبيل» التابعة للاخوان المسلمين في الاردن بدليل انني عندما عينت وزير الداخلية كتبوا مقالا ضد تسلمي لهذه الوزارة.
كذلك فان كل شيء يمكن ان يكشف، وأنا واثق من ان رئاسة الوزراء الفلسطينية اتصلت بالديوان الملكي طالبة استيضاح الجريدة حول اسم الجهة التي سربت اليها الرسالة، كما ان محمد دحلان وبحكم علاقته مع المخابرات الاردنية لا بد ان يكون قد اتصل بها للغرض ذاته. وبالتأكيد لم يقل له احد بأنني اقف وراء تسريب هذه الرسالة.
والحقيقة التي توصلنا اليها من خلال اجهزتنا الخاصة بأن هناك جهة فلسطينية تلتقي مع جريدة «السبيل» هي التي اوصلت اليها الرسالة.
* ما هو مضمون هذه الرسالة؟
ـ الرسالة تقول يجب قتل موسى عرفات، وفعلا جرت محاولة لقتله، والأخطر من ذلك ان الرسالة تتحدث عن قتل الرئيس ياسر عرفات شخصيا بطريقة غير تقليدية ولذلك فعندما مرض الرئيس عرفات ذهب ذهن الناس كلهم الى ما احتوته تلك الرسالة، وبدأوا يبحثون عما اذا كان الرئيس الفلسطيني قد تعرض لعملية تسميم بطريقة غير عادية.
وكما هو معروف فان الاتصال بالاميركيين والاسرائيليين جعل البعض يصل به الغرور الى حد التصور بانه لو كان هو رئيس السلطة الفلسطينية فانه قادر على اخراج الاسرائيليين وتغيير الامور. ولكن هؤلاء لم يستطيعوا ان يأخذوا من الاسرائيليين شيئا، علما بأن دحلان هو الذي كان يفاوضهم في المجال الأمني. وما يجري الآن يعيدنا بالذاكرة الى ما قاله الرئيس الاميركي جورج بوش في خطابه الاخير امام الأمم المتحدة، وهو ان الحل في فلسطين يجب ان يتم على الطريقة العراقية.. بوش قال ذلك بكل وضوح.
وفي حالتنا فان تطبيق ما جرى في العراق يتطلب الخلاص من الرئيس ياسر عرفات والسعي لقتله، وملاحقة واعتقال القيادة الفلسطينية، اي اللجنة المركزية لحركة فتح، ثم حل حركة فتح على الارض واقامة مجلس انتقالي محلي.
واذا درست الوضع الآن على الساحة الفلسطينية فانك تلاحظ ان النغمة ازدادت ضد الرئيس ياسر عرفات، وكذلك ضد اللجنة المركزية لحركة فتح، ولذا نحن نعتقد ان كل شخص يطالب بانهاء ياسر عرفات ويهاجم اللجنة المركزية فانه يخدم مخطط بوش وشارون، سواء فعل ذلك عن معرفة او جهل، ولكن نحن متأكدون ان هناك اشخاصا يفعلون ذلك ليس عن جهل وانما عن دراية وتخطيط وسوء نية.
ونحن نعتقد ان مخطط بوش والمعجبين بهذا المخطط في الساحة الفلسطينية يواجهون الآن مشكلة بعد ان خرجت الجماهير الفلسطينية الى الشارع بشكل هستيري تؤيد الرئيس ياسر عرفات وتؤيد ايضا اللجنة المركزية. وهنا يجب ان نضع كل ما يجري في اعتبارنا لتفسير كل ما سيحدث في الساحة الفلسطينية خلال عام 2004.
* اذا ثبت ان محمد دحلان هو الذي اعطى الاوامر لبعض رجاله في الأمن الوقائي في غزة بالقيام بمظاهرة غزة، فهل سيتم اتخاذ اجراءات معينة بحقه ومحاسبته على ذلك؟
ـ اولا يجب ان تتشكل الحكومة بشكل ثابت ويستقر الوضع الداخلي الى حد ما وبعدها ستطرح هذه القضية في اجتماع خاص على اللجنة المركزية. المهم بالنسبة لنا هو ان تبقى السيطرة بيد اللجنة المركزية لحركة فتح وبيد اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وان يبقى الرئيس ياسر عرفات بخير.
* بحكم توليكم سابقا حقيبة وزارة الداخلية، هل تعتقد ان توحيد الوظائف الامنية بيد وزير الداخلية هو امر ممكن؟
ـ عندما بدأ الوضع الدولي يضغط في هذا الاتجاه تجاوبنا معه وتم استحداث منصب رئيس الوزراء، ووضع المجلس التشريعي النظام الاساسي الذي حدد مسؤوليات كل من رئيس السلطة ورئيس الوزراء.
وفي نظامنا فان رئيس السلطة هو شخص منتخب وبالتالي فلا يمكنه ان يكون مثل ملكة بريطانيا اي يملك ولا يحكم، ولذا فان كل ما يقال عن ان فقدان الأمن سببه عدم توحيد الاجهزة الامنية الفلسطينية هو افتراء يجانب الحقيقة لأن السبب الحقيقي في فقدان الأمن الاسرائيلي هو الاحتلال، ولا يمكن لاسرائيل ان تحصل على الأمن وعلى الاحتلال في نفس الوقت. عليها ان تختار بين توفير الامن لمواطنيها او استمرار الاحتلال. ولذلك عندما كنت وزيرا للداخلية قلت للاسرائيليين «انسحبوا وخذوا أمنا مائة في المائة»، وبالتالي نحن لا نستطيع ان نؤمن أمنا للاحتلال.
وفي المرحلة الاخيرة حاول البعض ان يروج كلاما لا يتسم بالموضوعية والواقعية ومفاده انه يستطيع ان يفكك القوى السياسية في غزة، كما انه يستطيع خلال اسبوع ان يجمع السلاح في غزة.
انا اقول انه لا يمكن لأحد ان يفعل هذه الاشياء بدون معادلة سياسية والا فاننا سنقع في الشرك الاسرائيلي الذي يريد ان يدفعنا الى اتون حرب اهلية داخلية.
* هل تعتقد ان حكومة ابو علاء ستواجه نفس المصير الذي عرفته حكومة ابو مازن؟
ـ كل حكومة ستأتي سوف تواجه نفس المصير اذا بقيت الأمور على ما هي عليه. واذا اراد ابو علاء ان يحقق نجاحا ما، فعليه ان يعتمد على القوى الداخلية قبل الخارجية لأنه اذا كنت لا تملك قوة داخلية فلن يعطيك احد شيئا، ولذا يجب ان نؤمن بأن الحقوق تنتزع ولا تتسول، وان اميركا لن تقاتل عنك ولن تنتزع لك شيئا في سبيل الله. الرئيس الاميركي جورج بوش هو الآن في سنته الانتخابية وهو خاضع للابتزاز الاسرائيلي وللناخب الاميركي اليهودي وللمال الذي يدفعه اليهود الاميركيون له، هذه حقائق يجب ان نضعها في الاعتبار.
الرئيس بوش قال في العقبة انه تلقى رسائل من السماء، الاولى تتعلق بحل مشكلة افغانستان وقد فعل ذلك. والثانية تخص حل مشكلة العراق وقد انجز ذلك، والآن يريد ان يفعل ذلك في فلسطين، طبعا ان موضوع تسلم الرسائل من السماء هو موضوع شخصي يهمه، ولكن هذا الكلام لا يعطينا طمأنينة بأنه سيفعل شيئا بالنسبة للشعب الفلسطيني.
وانا برأيي ان ابو علاء قد بدأ بداية جيدة وهو يدرك ان قوته الاولى تنبع من حركة فتح كعضو في لجنتها المركزية باعتبارها مركز الاستقطاب للقوى السياسية الاخرى، ونحن الآن لسنا في طريقنا الى حرب اهلية ولكن في طريقنا الى إلغاء فوضى السلاح والى انتهاج سياسة الضبط والربط، لان الثورة لا تعني الفوضى، وانا شخصيا ادعم حكومة ابو علاء واتمنى له التقدم. واعتقد انه بامكاننا ان نفعل شيئا خاصة ان الحكومة الاسرائيلية اصبحت الآن منهكة ومستنزفة بسبب الانتفاضة.
* ولكن من يضمن استمرار الفصائل الفلسطينية في الالتزام بالهدنة في عهد حكومة ابو علاء اذا تمادت اسرائيل في سياسة القتل والاغتيالات والتدمير والتشريد؟
ـ اثبت الفلسطينيون وحتى الاسلاميون منهم وخاصة الاخوة في حركة حماس انهم ثوار عقلانيون وليسوا ثوارا فوضويين، والدليل على ذلك انهم قبلوا الهدنة ثلاثة شهور، وتحملوا قتل كوادرهم. وثبت ان المشكلة تكمن في اسرائيل التي لا تريد وقف العنف وانما هي تريد ان يستسلم الفلسطينيون.
* هل تعتقد ان شارون عدل عن فكرة ابعاد الرئيس ياسر عرفات؟
ـ انا اعتقد ان الاسرائيليين يعملون الآن على ترتيب امر خطير يتمثل في قتل الرئيس ياسر عرفات بيد احد الفلسطينيين، وحتى يحدث هذا الامر يجب ان يتم تشويه صورة ياسر عرفات ومصداقيته، وكذلك يجب ان تشوه اللجنة المركزية ليقولوا ان فلسطينيا انتفض وقتل الرئيس عرفات واعضاء من اللجنة المركزية.
ونحن نعتقد ان الهجوم الحالي على الرئيس الفلسطيني من الخارج يصب في هذه الخانة. ولكن اريد ان اؤكد هنا ان شعبية الرئيس عرفات حاليا في وسط الفلسطينيين بلغت 76 في المائة، وهذا يعني ان فريقا من الاسلاميين بدأوا يصوتون له، وهذه ظاهرة جيدة ومهمة وبالطبع مزعجة للاسرائيليين والاميركيين على حد السواء.
* هاني الحسن: إسرائيل تخطط لاغتيال عرفات بواسطة أحد الفلسطينيين.. ودحلان وراء الفوضى في غزة
* وزير الداخلية الفلسطيني السابق لـ«الشرق الأوسط» : لم أزوّر الرسالة ضد دحلان وأبو مازن لم يضغط عليه أحد ليستقيل
كشف وزير الداخلية الفلسطيني السابق هاني الحسن النقاب عن وجود نية اسرائيلية لاغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بواسطة احد الفلسطينيين.
وشن الحسن هجوما شديدا على محمد دحلان متهما اياه بأنه وراء الفوضى والمظاهرات التي حدثت في مدينة غزة، وتم فيها التهجم على اللجنة المركزية لحركة فتح وحرق صور بعض اعضائها. وقال هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمستشار السياسي للرئيس عرفات في حديث لـ«الشرق الأوسط» ان دحلان اعد اثناء توليه حقيبة الداخلية في حكومة ابو مازن، خطة امنية قدمها الى الولايات المتحدة ورفض تسليمها الى اللجنة المركزية لحركة فتح وهو ما اثار شكوكا وريبة حول مضمونها..
وأعلن هاني الحسن ان هناك حسابا في الطريق سيطال كل مسؤول امني شارك في الاعمال الصبيانية التي حدثت في مظاهرة غزة، كما ان الحساب سيشمل كل من اصدر الاوامر بارتكاب مثل هذه الاعمال.
وأوضح هاني الحسن ان الرسالة التي نشرتها صحيفة اردنية والموجهة من دحلان الى موفاز تكشف حجم المخاطر التي تستهدف الساحة الفلسطينية والرئيس ياسر عرفات شخصيا. وأكد هاني الحسن ان كل حكومة فلسطينية ستأتي سوف تواجه نفس المصير الذي عرفته حكومة ابو مازن اذا اعتمدت على الخارج واهملت الداخل.
* شكلت حقيبة وزارة الداخلية نقطة خلاف حادة بين الرئيس ياسر عرفات ورئيسي الوزراء السابق والحالي.. حسب رأيك ما هي اسباب هذا الخلاف، هل ان وزارة الداخلية هي وزارة لا تخضع لسيطرة رئيس الوزراء وتابعة مباشرة لاشراف الرئيس ياسر عرفات؟
ـ حسب اتفاقيات اوسلو يوجد جيش، ولا وزارة دفاع لدى السلطة الفلسطينية، وعمليا فان وزارة الداخلية تتولى الاشراف على اكثر من 22 ألف شرطي ورجل امن وحفظ النظام والقوة التنفيذية، وبالتالي فان السؤال المطروح هو علينا ان نقرر بيد من نضع امننا الشخصي والعائلي والوطني. في الوقت الراهن هناك تدخل خارجي يريد ان يفرض على وزارة الداخلية الفلسطينية ان تعمل باتجاه واحد فقط، هو وقف العنف ضد الاسرائيليين في حين ان مهمتها الاساسية هي الدفاع عن الفلسطينيين في المقام الاول، ولذا فان المشكلة ليس مصدرها الرئيس ياسر عرفات بقدر ما تتمثل في ان الخارج يتدخل في الشأن الفلسطيني ويقول هذا ينفع وهذا لا ينفع، الرئيس عرفات يقاوم في بعض الحالات من منطلق عدم قبوله الرضوخ للمتطلبات الخارجية.
* انت في تصريحاتك الاخيرة اتهمت محمد دحلان بانه كان يقوم اثناء توليه حقيبة الأمن في حكومة ابو مازن، بتنفيذ مخططاته التي تتناغم مع الجانب الاميركي والاسرائيلي، ماذا تعني من وراء ذلك؟
ـ اللجنة المركزية لحركة فتح اتخذت قرارين اساسيين، الاول يتعلق باستحداث منصب رئيس للوزراء، اما القرار الثاني فهو ينص على ان من يتولى منصب رئيس الوزراء وكذلك وزير الداخلية يجب ان يكون من اعضاء اللجنة المركزية بحيث يلتزم كلاهما بقراراتها ويمكن بالتالي محاسبتهما في الاجتماعات الاسبوعية التي تعقدها اللجنة المركزية لحركة فتح.
الذي جرى في الحكومة السابقة ان اللجنة المركزية لحركة فتح بكامل اعضائها وضعت اربع خطط، الاولى في المجال السياسي، والثانية في الأمن، والثالثة في الاقتصاد، والرابعة تهتم بالوضع التنظيمي بهدف ترتيب العلاقة بينها وبين رئيس الوزراء على اساس ان يتم الرجوع الى هذه الخطط ويتم الحساب بمقدار الالتزام بها او عدم الالتزام بها، وكان من ضمن ما ورد في هذه الخطط القراران اللذان ذكرتهما آنفا.
ولكن عندما شكلت وزارة محمود عباس (ابو مازن) فوجئنا بوجود اسم محمد دحلان كوزير مكلف بالأمن لدى رئيس الوزراء.
وما راعنا بعد ذلك ان قام ابو مازن بتفويض دحلان بوزارة الداخلية، مع انه عندما قدمت الحكومة الى المجلس التشريعي لم يرد اسم دحلان كوزير للداخلية، ويعتبر هذا التفويض منافيا لقدرات اللجنة المركزية لحركة فتح، ومنافيا ايضا للنظام الاساسي، اي الدستور الحالي، لانه لا يجوز ان يفوض وزير وزيرا آخر اثناء وجوده، كما انه لا يجوز ان يكون التفويض من خارج اللجنة المركزية، بالاضافة الى ان التفويض يجب ان يكون لفترة محدودة، ومن هنا ولدت الوزارة السابقة وبداخلها مشكلة مع اللجنة المركزية عنوانها هو وزير الداخلية خاصة ان محمد دحلان استدعي مرة الى اللجنة المركزية ليقدم لها تقريرا، فقال انه وضع خطة امنية، وعندما طلبنا منه ان يضع الخطة امامنا على الطاولة لم يقبل بذلك وقال انه قدم نسخة واحدة من هذه الخطة الى الولايات المتحدة.
وقد حاولنا كثيرا مع رئيس الوزراء السابق، وكذلك مع دحلان، من اجل ان نطلع على مضمون هذه الخطة، الا ان كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وهو ما اثار شكوكا وريبة حول مضمون هذه الخطة. ومن هنا جرى الصراع خاصة انه تمت تعيينات كثيرة في مواقع امنية عديدة كان شكلها ومضمونها مريبين، من ذلك تعيين 19 ضابطا في مواقع امنية هامة من دون استئذان اللجنة المركزية وكذلك من دون موافقة الرئيس ياسر عرفات الذي هو القائد العام، والذي لا يجوز اجراء مثل تلك التعيينات من دون موافقته.
* اتهمت ايضا محمد دحلان بانه كان وراء تنظيم المظاهرات التي تم فيها رفع شعارات معادية للجنة المركزية.. وكذلك حرق صورتكم وصورتي عباس زكي وصخر حبش. هل كان هناك ما يبرر مثل هذه الافعال؟
ـ طبعا لا يوجد شيء يبرر ذلك، لاننا نحن عند الاختلاف يجب ان نلجأ الى المؤسسات والمتمثلة اساسا في اللجنة المركزية لحركة فتح والمجلس الثوري.
وهنا اود ان اشير الى ان حكومة ابو مازن استقالت ولم يضغط احد على ابو مازن من اجل اتخاذ هذا القرار المفاجئ، ولم يكن يدور في خلد اللجنة المركزية والرئيس ياسر عرفات بشكل خاص ان ابو مازن سيستقيل، ولكن السياسة التي انتهجتها الحكومة لم تعط نتائج لا في مجال الافراج عن الاسرى ولا في مجال وقف مسلسل القتل الاسرائيلي الذي استهدف 42 شخصية قيادية من حركات المقاومة في حين ان جميع الفصائل الفلسطينية التزمت بشكل كامل بالهدنة التي تم الاعلان عنها. وعندما سقطت حكومة ابو مازن فان دحلان ومجموعته التي تسيطر على الأمن الوقائي في غزة فقدوا صوابهم لانهم كانوا يعرفون ان وزير الداخلية في الحكومة المقبلة لن يكون من بينهم وان دحلان جاء الى هذا المنصب غدرا وبطريقة غير شرعية.
وقد ترسخت هذه القناعة لدى هؤلاء عندما قال ابو علاء انه لا يستطيع ان يتخذ اي قرار ضد قرارات اللجنة المركزية لحركة فتح، حينذاك بدأوا يحاولون اثارة القلاقل فأصدروا بيانا ضد ابو علاء اتهموه فيه بعدة قضايا ولكن الاخ ابو علاء لم يأبه بذلك.
وكان دحلان ومجموعته يعتقدون ان هاني الحسن وعباس زكي وصخر حبش هم الذين يضعون فيتو في اللجنة المركزية لحركة فتح على تولي محمد دحلان حقيبة الداخلية، فأرادوا ان يمارسوا ضغطا علينا ولكنهم نسوا اننا نحن نضغط ولا يضغط علينا ولذلك فقد مارسوا اعمالا صبيانية فاستغلوا فرصة ردة الفعل الشعبي والجماهيري ضد قرار شارون بإبعاد الرئيس ياسر عرفات فبدأوا يدعون الناس الى مظاهرات عن طريق كوادرهم في غزة، فيما لم يستطيعوا فعل ذلك في الضفة الغربية، لانه لا وجود لأي سيطرة لجهاز امني على تنظيم فتح الذي يأتمر بأمرة الرئيس ياسر عرفات.
وطبقا لأفلام الفيديو، فان المشاركين في مظاهرة غزة لم يتجاوزوا الـ2500 شخص من بينهم 300 عنصر من جهاز الأمن الوقائي والشرطة وكانوا بزي مدني، وعندما شاهد كوادر حركة فتح ان هذه المجموعة تريد حرق صور لبعض قيادات الحركة، تفرقت المظاهرة ولم يبق فيها سوى العناصر المذكورة، حتى ان المحافظ رفض ان يلقي كلمة في المظاهرة وحينذاك فهم الجمهور ان هذه ليست مظاهرة ذات نيات بريئة، كما انها غير مدعومة من التنظيم الحزبي للحركة، ونتيجة لذلك فقد تحولت الامور عكس ما كانوا يشتهون ورفع المتظاهرون شعارات تقول «يا ابو عمار دوس.. دوس اضغط على دحلان الجاسوس».
ونحن الآن نعتبر ان هذه القصة قد انتهت ولكن هناك حسابا في الطريق قادما، اذ اننا سنحاسب كل مسؤول تنظيمي شارك في تلك الاعمال الصبيانية، كما اننا سنحاسب كل من اصدر الاوامر بارتكاب مثل هذه الاعمال، لانه لا يجوز لأي قائد امني او مسؤول في الأمن الوقائي ان يستغل هذا الجهاز لأهدافه الشخصية وللضغط على الآخرين، فهذا اسمه استغلال نفوذ وهذا ابشع انحراف موجود. ومن هنا سيعاد النظر في ترتيبات هذا الجهاز، وأود القول هنا ان تلك الاعمال التي قاموا بها دلت على مستواهم الصبياني، ونحن عندما كنا نقود المواجهات في فتح وننظم المظاهرات لم يكن بعض هؤلاء قد ولد بعد.
* ولكن دحلان يتهمكم بتزويد وتسريب رسالة موجهة منه الى موفاز ونشرها في جريدة «السبيل» الاردنية.. ما هو ردكم على ذلك؟
ـ انا اتحدى دحلان ان يذكر اسمي علنا في وسائل الاعلام لانني في هذه الحالة سأقاضيه، اذ ان دحلان يقول في جلساته الخاصة، ومن دون ان يذكر اسمي، ان هذه الرسالة مزورة وان مكتبي هو الذي قام بتزويرها بل ارسالها الى جريدة «السبيل» وهذا كذب وافتراء لانني وأنا مسؤول مجرب لا اسمح لنفسي بأن اقوم بمثل هذه الافعال، كما انني لست على علاقة جيدة مع جريدة «السبيل» التابعة للاخوان المسلمين في الاردن بدليل انني عندما عينت وزير الداخلية كتبوا مقالا ضد تسلمي لهذه الوزارة.
كذلك فان كل شيء يمكن ان يكشف، وأنا واثق من ان رئاسة الوزراء الفلسطينية اتصلت بالديوان الملكي طالبة استيضاح الجريدة حول اسم الجهة التي سربت اليها الرسالة، كما ان محمد دحلان وبحكم علاقته مع المخابرات الاردنية لا بد ان يكون قد اتصل بها للغرض ذاته. وبالتأكيد لم يقل له احد بأنني اقف وراء تسريب هذه الرسالة.
والحقيقة التي توصلنا اليها من خلال اجهزتنا الخاصة بأن هناك جهة فلسطينية تلتقي مع جريدة «السبيل» هي التي اوصلت اليها الرسالة.
* ما هو مضمون هذه الرسالة؟
ـ الرسالة تقول يجب قتل موسى عرفات، وفعلا جرت محاولة لقتله، والأخطر من ذلك ان الرسالة تتحدث عن قتل الرئيس ياسر عرفات شخصيا بطريقة غير تقليدية ولذلك فعندما مرض الرئيس عرفات ذهب ذهن الناس كلهم الى ما احتوته تلك الرسالة، وبدأوا يبحثون عما اذا كان الرئيس الفلسطيني قد تعرض لعملية تسميم بطريقة غير عادية.
وكما هو معروف فان الاتصال بالاميركيين والاسرائيليين جعل البعض يصل به الغرور الى حد التصور بانه لو كان هو رئيس السلطة الفلسطينية فانه قادر على اخراج الاسرائيليين وتغيير الامور. ولكن هؤلاء لم يستطيعوا ان يأخذوا من الاسرائيليين شيئا، علما بأن دحلان هو الذي كان يفاوضهم في المجال الأمني. وما يجري الآن يعيدنا بالذاكرة الى ما قاله الرئيس الاميركي جورج بوش في خطابه الاخير امام الأمم المتحدة، وهو ان الحل في فلسطين يجب ان يتم على الطريقة العراقية.. بوش قال ذلك بكل وضوح.
وفي حالتنا فان تطبيق ما جرى في العراق يتطلب الخلاص من الرئيس ياسر عرفات والسعي لقتله، وملاحقة واعتقال القيادة الفلسطينية، اي اللجنة المركزية لحركة فتح، ثم حل حركة فتح على الارض واقامة مجلس انتقالي محلي.
واذا درست الوضع الآن على الساحة الفلسطينية فانك تلاحظ ان النغمة ازدادت ضد الرئيس ياسر عرفات، وكذلك ضد اللجنة المركزية لحركة فتح، ولذا نحن نعتقد ان كل شخص يطالب بانهاء ياسر عرفات ويهاجم اللجنة المركزية فانه يخدم مخطط بوش وشارون، سواء فعل ذلك عن معرفة او جهل، ولكن نحن متأكدون ان هناك اشخاصا يفعلون ذلك ليس عن جهل وانما عن دراية وتخطيط وسوء نية.
ونحن نعتقد ان مخطط بوش والمعجبين بهذا المخطط في الساحة الفلسطينية يواجهون الآن مشكلة بعد ان خرجت الجماهير الفلسطينية الى الشارع بشكل هستيري تؤيد الرئيس ياسر عرفات وتؤيد ايضا اللجنة المركزية. وهنا يجب ان نضع كل ما يجري في اعتبارنا لتفسير كل ما سيحدث في الساحة الفلسطينية خلال عام 2004.
* اذا ثبت ان محمد دحلان هو الذي اعطى الاوامر لبعض رجاله في الأمن الوقائي في غزة بالقيام بمظاهرة غزة، فهل سيتم اتخاذ اجراءات معينة بحقه ومحاسبته على ذلك؟
ـ اولا يجب ان تتشكل الحكومة بشكل ثابت ويستقر الوضع الداخلي الى حد ما وبعدها ستطرح هذه القضية في اجتماع خاص على اللجنة المركزية. المهم بالنسبة لنا هو ان تبقى السيطرة بيد اللجنة المركزية لحركة فتح وبيد اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وان يبقى الرئيس ياسر عرفات بخير.
* بحكم توليكم سابقا حقيبة وزارة الداخلية، هل تعتقد ان توحيد الوظائف الامنية بيد وزير الداخلية هو امر ممكن؟
ـ عندما بدأ الوضع الدولي يضغط في هذا الاتجاه تجاوبنا معه وتم استحداث منصب رئيس الوزراء، ووضع المجلس التشريعي النظام الاساسي الذي حدد مسؤوليات كل من رئيس السلطة ورئيس الوزراء.
وفي نظامنا فان رئيس السلطة هو شخص منتخب وبالتالي فلا يمكنه ان يكون مثل ملكة بريطانيا اي يملك ولا يحكم، ولذا فان كل ما يقال عن ان فقدان الأمن سببه عدم توحيد الاجهزة الامنية الفلسطينية هو افتراء يجانب الحقيقة لأن السبب الحقيقي في فقدان الأمن الاسرائيلي هو الاحتلال، ولا يمكن لاسرائيل ان تحصل على الأمن وعلى الاحتلال في نفس الوقت. عليها ان تختار بين توفير الامن لمواطنيها او استمرار الاحتلال. ولذلك عندما كنت وزيرا للداخلية قلت للاسرائيليين «انسحبوا وخذوا أمنا مائة في المائة»، وبالتالي نحن لا نستطيع ان نؤمن أمنا للاحتلال.
وفي المرحلة الاخيرة حاول البعض ان يروج كلاما لا يتسم بالموضوعية والواقعية ومفاده انه يستطيع ان يفكك القوى السياسية في غزة، كما انه يستطيع خلال اسبوع ان يجمع السلاح في غزة.
انا اقول انه لا يمكن لأحد ان يفعل هذه الاشياء بدون معادلة سياسية والا فاننا سنقع في الشرك الاسرائيلي الذي يريد ان يدفعنا الى اتون حرب اهلية داخلية.
* هل تعتقد ان حكومة ابو علاء ستواجه نفس المصير الذي عرفته حكومة ابو مازن؟
ـ كل حكومة ستأتي سوف تواجه نفس المصير اذا بقيت الأمور على ما هي عليه. واذا اراد ابو علاء ان يحقق نجاحا ما، فعليه ان يعتمد على القوى الداخلية قبل الخارجية لأنه اذا كنت لا تملك قوة داخلية فلن يعطيك احد شيئا، ولذا يجب ان نؤمن بأن الحقوق تنتزع ولا تتسول، وان اميركا لن تقاتل عنك ولن تنتزع لك شيئا في سبيل الله. الرئيس الاميركي جورج بوش هو الآن في سنته الانتخابية وهو خاضع للابتزاز الاسرائيلي وللناخب الاميركي اليهودي وللمال الذي يدفعه اليهود الاميركيون له، هذه حقائق يجب ان نضعها في الاعتبار.
الرئيس بوش قال في العقبة انه تلقى رسائل من السماء، الاولى تتعلق بحل مشكلة افغانستان وقد فعل ذلك. والثانية تخص حل مشكلة العراق وقد انجز ذلك، والآن يريد ان يفعل ذلك في فلسطين، طبعا ان موضوع تسلم الرسائل من السماء هو موضوع شخصي يهمه، ولكن هذا الكلام لا يعطينا طمأنينة بأنه سيفعل شيئا بالنسبة للشعب الفلسطيني.
وانا برأيي ان ابو علاء قد بدأ بداية جيدة وهو يدرك ان قوته الاولى تنبع من حركة فتح كعضو في لجنتها المركزية باعتبارها مركز الاستقطاب للقوى السياسية الاخرى، ونحن الآن لسنا في طريقنا الى حرب اهلية ولكن في طريقنا الى إلغاء فوضى السلاح والى انتهاج سياسة الضبط والربط، لان الثورة لا تعني الفوضى، وانا شخصيا ادعم حكومة ابو علاء واتمنى له التقدم. واعتقد انه بامكاننا ان نفعل شيئا خاصة ان الحكومة الاسرائيلية اصبحت الآن منهكة ومستنزفة بسبب الانتفاضة.
* ولكن من يضمن استمرار الفصائل الفلسطينية في الالتزام بالهدنة في عهد حكومة ابو علاء اذا تمادت اسرائيل في سياسة القتل والاغتيالات والتدمير والتشريد؟
ـ اثبت الفلسطينيون وحتى الاسلاميون منهم وخاصة الاخوة في حركة حماس انهم ثوار عقلانيون وليسوا ثوارا فوضويين، والدليل على ذلك انهم قبلوا الهدنة ثلاثة شهور، وتحملوا قتل كوادرهم. وثبت ان المشكلة تكمن في اسرائيل التي لا تريد وقف العنف وانما هي تريد ان يستسلم الفلسطينيون.
* هل تعتقد ان شارون عدل عن فكرة ابعاد الرئيس ياسر عرفات؟
ـ انا اعتقد ان الاسرائيليين يعملون الآن على ترتيب امر خطير يتمثل في قتل الرئيس ياسر عرفات بيد احد الفلسطينيين، وحتى يحدث هذا الامر يجب ان يتم تشويه صورة ياسر عرفات ومصداقيته، وكذلك يجب ان تشوه اللجنة المركزية ليقولوا ان فلسطينيا انتفض وقتل الرئيس عرفات واعضاء من اللجنة المركزية.
ونحن نعتقد ان الهجوم الحالي على الرئيس الفلسطيني من الخارج يصب في هذه الخانة. ولكن اريد ان اؤكد هنا ان شعبية الرئيس عرفات حاليا في وسط الفلسطينيين بلغت 76 في المائة، وهذا يعني ان فريقا من الاسلاميين بدأوا يصوتون له، وهذه ظاهرة جيدة ومهمة وبالطبع مزعجة للاسرائيليين والاميركيين على حد السواء.