الراصد القديم

2009/11/21

عبد المالك الحوثي : نفى ان يكون للحوثيين امتداداً لأي طرف خارجي وليس هناك مبرر للهجوم السعودي


عادل محمود
باريس – خاص

نفى عبد المالك الحوثي ان يكون للحوثيين امتداداً لأي طرف خارجي وليس هناك مبرر للهجوم السعودي . وجاءت التصريحات في ندوة إلكترونية أقامها مركز الدراسات العربي - الأوروبي ومقره في باريس، حول ما هي اهداف الحوثيين من وراء اختراق الأراضي السعودية . واضاف الحوثي ومن أجل أن تدخل السعودية الحرب بشكل مباشر قام النظام اليمني بالتنسيق مع النظام السعودي ليدخل الجيش اليمني عبر أراضيه وتمركز في جبل الدخان وخضنا حرباً مع الجيش اليمني في الموقع وطردناه منه وسلمناه لحرس الحدود السعودي بعد الاتفاق معهم ألا يعود الجيش اليمني مرة أخرى للعدوان علينا واستمر الوضع هادئاً في الشريط الحدودي بعيداً عن أي مواجهات . واضاف الحوثي انه فوجئنا بالجيش اليمني مرة أخرى وقد تمركز في جبل الدخان وباشر العدوان علينا وأعلن الجيش اليمني رسمياً سيطرته على جبل الدخان، وقدمنا احتجاجاً لحرس الحدود السعودي وضرورة أن يتوقف العدوان علينا من ذلك الموقع إلا أنه لم يبدي أي تجاوب على الإطلاق. واضاف الحوثي كنا نعلم أن النظام اليمني هو من سعى بكل جهد ووسيلة إلى جر المواجهات في الشريط الحدودي كي تتدخل السعودية بصورة مباشرة يدل على ذلك حرص النظام اليمني أكثرة من مرة على دخول الأراضي السعودية ليشن منها الحرب ويؤكد ذلك إعلان الرئيس بعد يومين فقط من المواجهات مع السعودية عندما قال (إن الحرب لم تبدأ إلا قبل يومين) في دلالة واضحة جدا أنه يسعى إلى توريط النظام السعودي في الحرب على أبناء الشعب اليمني. واضاف الحوثي إننا إذ نوضح للدول العربية التي أيدت العدوان السعودي على الشعب اليمني بدون أي بينة أو معرفة للحقيقة نؤكد أننا واجهنا عدوان الجيش اليمني في جبل الدخان وأننا طالبنا السعودية أكثر من مرة باحترام الجوار وعدم التدخل في شئون الحرب وأن لا تسمح لأي طرف باستخدام أراضيها للعدوان علينا كما نؤكد أن جوهر المشكلة ليس من أجل الأرض ولا من أجل الحدود ولا يوجد أي تسلل وأن المشكلة الحقيقية هي في السماح للجيش اليمني بالاعتداء علينا من الأراضي السعودية . واضاف الحوثي كما أكدنا سابقاً نؤكد مرة أخرى أنه لا مبرر على الإطلاق للعدوان السعودي على اليمن وأنا لسنا امتداداً لأي طرف أو جهة ونتحدى النظام اليمني أو غيره أن يثبت أي علاقة أو صلة أو دعم من أي جهة أو طرف في العالم وإنما يثير النظام اليمني ذلك من أجل الدعم والابتزاز مستغلاً التعقيدات في العلاقات الدولية والإقليمية.


ثلاثية الحُجَجْ بين التَمَلُّــصْ والتَمْــليص


عبد الشافي صيام ( العسقلاني )

آخر مستجدات الوضع الفلسطيني بشكل عام ، وموضوع إعلان السيد رئيس السلطة الفلسطينية عدم دخول الانتخابات ( الرئاسية والتشريعية ) المقرَّرة يوم الأحد 24 يناير / كانون الثاني 2010 وما صرَّح به الأخ الدكتور حنَّـــا ناصر رئيس لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بأن الوقت غير كاف للتحضير للانتخابات في الموعد الذي حدده المرسوم الخاص بالانتخابات ، مما يضع أكثر من علامة استفهام ويطرح أكثر من تساؤل أمام المعنيين بالشأن الفلسطيني .

فمن الناحية القانونية يدخل السيد رئيس السلطة الفلسطينية مرحلة ترك منصبه ـ لو تغاضينا عن الاستحقاق السابق من أجل خاطر السيد الرئيس ودون مطالبته بالرواتب والامتيازات ونتائج ما اتخذه من قرارات خارج الفترة القانونية ـ سواء أجريت الانتخابات أو تأجلت بإعلان النتائج إذا أجريت الانتخابات ، أو بحلول الموعد القانوني لإجراء الانتخابات ، حيث يصار إلى تكليف رئيس المجلس التشريعي بتولي مهام رئيس السلطة الفلسطينية والإعداد لانتخابات خلال 60 يوما إذا كنا نعمل حسب القانون والدستور والنظام الأساسي الذي يلوح به كل نطَّــاط حيط من شُرّاح القانون وقيادات النفخ الديمقراطي .

السيد رئيس السلطة الفلسطينية أعلن وأكَّد أنه لن يترشح لفترة رئاسية ثانية والذين بيدهم الحل وأوراق اللعبة ، على رأي أصحاب المدرسة الساداتية ، "أي الأمريكان" كانوا الأسرع في الرد على رغبة السيد عباس بأنهم سيتعاملون معه بأي صفة . وعلى رأي المثل " عزومة مراكبية " فجاء رد السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية " شدِّة مراكبية " حتى أنها لم " تتمعذر" ولو بكلمة تمني على المستر عباس أن يستمر في تحمل مسئولياته ، وهو على ما يبدو ما أضاف مزيدا من الإحباط للسيد عباس ، وما دفع المنتفعين والمتسلقين والانتهازيين والمتردية والنطيحة الذين شعروا أن ذهاب عباس يعني ضياعهم ، فبدأوا حملات الزار والزنار والنفيطة والمبايعة وكم من التقارير المزورة التي أرسلت باسم الشعب تطالب السيد عباس بالعدول عن قراره والشعب خارج وادي التأييد والمبايعة ، لأن السيد عباس هو الأدرى بهزيمة مشروعه التفاوضي ، والأدرى بسقوط اتفاقات أوسلو التي خطَّط لها وأخرجها هذا الإخراج السيئ بقيادة المايسترو أحمد قريع ظانين أنهم سيضحكون على الإسرائيليين . وقد كشفت سنوات التفاوض عمق الخديعة التي أوقعوا فيها الشعب الفلسطيني ، لأن مشروعا بهذه الخطورة يحتاج إلى فريق عمل مهني متخصص لا إلى فهلوة سياسية .

وباستثناء تصريح السيد أبو الغيط وزير خارجية مصر الذي اعتبر خطوة السيد عباس ستضر بالقضية الفلسطينية ، ويقول في تصريحه : عدم ترشح أبو مازن للرئاسة الفلسطينية ستكون ضربة لحركة التحرر الفلسطيني ، وستكون عواقبها خطيرة وصعبة على الشعب الفلسطيني الشقيق وأصعب من طرد الفلسطينيين من الأردن ولبنان" .

هذا الكلام في الحقيقة ليس دعماً لعباس بقدر ما هو الغطاء الواقي لاستمرار سياسة إبقاء الحصار على قطاع غزة إرضاءً لعدد من الأطراف وعلى رأسها الجانب الأمريكي والصهيوني لإبقاء الوضع الفلسطيني في حالة الانقسام والتشرذم والضعف .

ولعل ما أشار إليه الرئيس السوري بشار الأسد قبل أيام يلقي مزيدا من الضوء على ما نقول . ففي حوار أداره مع المشاركين في المؤتمر العام الخامس للأحزاب العربية الذي افتتحت أعماله صباح (الأربعاء 11/11/2009) في العاصمة السورية دمشق ، بمشاركة ممثلي 107 أحزاب عربية من أصل 139 حزبا أعضاء في المؤتمر .

وفي حديثه عن المصالحة الوطنية الفلسطينية ، في ضوء الجهود التي بذلها شخصيا بصفته الرئيس السابق للقمة العربية، قال :

" المصالحة هي الأساس ، لكن المصارحة أكثر أهمية ". وبيَّنَ أن " السلطة لم تستجب لما حاولنا فعله على طريق المصالحة . عباس لم يستجب ، ولا يمكن تحقيق أي خطــوة ايجــابية دون مصالحة ".. مؤكدا " المصالحة تبقى هي الأساس بالنسبة لســوريا ".

وأضاف الرئيس السوري " القضية بكل جوانبها تدفع ثمن اتفاق أوسلو". وخطّأ الرئيس الأسد حصر الهدف الفلسطيني والعربي في وقف الاستيطان .

وأشار الرئيس بشار الأسد إلى موضوع الحصار المفروض على قطاع غزة قائلا : أنه اقترح حين كان في زيارة إلى تركيا إرسال ، ولو قوافل مساعدات للمحاصرين من أبناء القطاع . وأعرب عن اعتقاده بأنه " لن يكون هناك قرار جماعي عربي بالخصوص " لأن أحدا من العرب لا يريد إغضاب دولة عربية في هذا الجانب "، وهو ما اعْتُبـِرَ إشارة إلى مصر التي تفرض الحصار على قطاع غزة . ( حسب المصدر ) .

السؤال إلى أين نحن ذاهبون ؟ وإلى متى ستستمر أجندة التسويف والاستمرار في لعبة الطرق الملتوية ؟

قالوا مدريد ومرَّتْ سنوات ..

وقالوا أوسلو و " تأسلونا " سنوات ..

وقالوا شرم الشيخ وانشرمنا سنوات ..

وقالوا أنابوليس وانبلسنا سنوات ..

وقالوا الانفصال وانفصلنا سنوات ..

وقالوا الإعمار وما زال الخراب لسنوات ..

وها نحن على أبواب حارة جديدة هي الانتخابات ..!!

فهل ستستمر اللعبة أيضاً لسنوات ..؟

عقدوا " مؤتمراً للحركة " وانتخبوا لجنة مركزية جديدة ولم يتغير من الحال إلا فعل الحـــال .

ولفقوا ما يسمى بـ " مجلس وطني " واستكملوا اللجنة التنفيذية ولم تنفذ شيئا مما نُفِــخ ســـور الوعود .

والقضية الفلسطينية التي تعتبر الأهم في قضايا العالم السياسية والتحررية والنضالية والإنسانية ، ها هي تختزل في توسعة مستوطنة ورفع حاجز صهيوني في الضفة ، أو التوسط للحصول على تصريح دخول لعضو لجنة مركزية للعودة إلى الضفة الغربية .

فلسطين القضية ، واللاجئون أصحاب الأرض لن تعود بهكذا طواقم عمل ، ولا بهكذا سياسات ..

إننا نقدر خطوة السيد رئيس السلطة الفلسطينية فهو الأقدر على تقدير الموقف ، وهو الأدرى بخفايا الأمور .

دعونا نتفق على النصيب الأكبر في الحق وليس على النصيب الأكبر في الباطل .

ولنسقط ثلاثية الحجج .. ونقفَ بصلابةٍ ومسئوليةٍ في وجه عملية التملص والتمليص .

ما نخشــــاه أن ننساق لما هو أخطر وننجرف لتيار الضياع الذي بدأ ينتشر بين شبابنا ونردِّدْ .. تَــعْ تَـــعْ .. انبــــورد ..!!

في مصر ترويع للعرب ... وتدليل للصهاينة


احمد الفلو

لم تشهد الساحة السياسية والاجتماعية المصرية من قبل نكوصاً بمثل هذا المقدار من الانحطاط والخيبة كما تشهده هذه الأيام, حيث تشير معظم الدلائل إلى تراجع أخلاقي و هبوط قِيَمي حاد على جميع المستويات الرسمية والنخبوية, وربما كانت بوادر تلك النزعات العنصرية و التعصب المقيت تطل برأسها من حين لآخر ولكن بتؤدة واستحياء خلال الفترات السابقة ولكن الآن قد استعرت نيرانها وأحرق لهيبها صميم المجتمع المصري, وقد برز ذلك المد الجاهلي بوضوح مع قيام النظام في مصر بدور الخادم المجاني للمصالح الأمريكية والإسرائيلية وتقديم التسهيلات والدعم للقوات الأمريكية التي غزت العراق وأهلكت شعبه وتلا ذلك قصف مصنع الأدوية في السودان وإثارة الفتن بين الأشقاء العرب ثم فرض الحصار القاتل على أطفال ونساء الفلسطينيين في قطاع غزة وما تبع ذلك من اعتقال المقاومين الفلسطينيين وذبحهم داخل السجون المصرية بتعاون كامل مع عباس وعصابته الشقية, وأخيراً ذلك السعار المحموم ضد الجزائر والاعتداء على لاعبي المنتخب الجزائري وهم ضيوف على القاهرة, إلى الحد الذي نال فيه الإعلام المصري من طهارة وقدسية الثورة الجزائرية.

وقد جنَّد النظام المصري كل إمكاناته سواء الإعلامية أو الأمنية أو الاقتصادية في حملات عدائية شرسة ضد الشعب الفلسطيني والجزائري والسوري وبقية الشعوب العربية وقام دهاقنة الإعلام المصري بتجييش الرأي العام المصري ضد أشقاءه العرب عبر إثارة النعرة الفرعونية المتعصبة واستعداء الشعوب العربية وطرح شعارات مسيئة لتاريخ مصر وتشوِّه صورة الشعب المصري بل وتقزِّم دور مصر الشقيقة الكبرى للعرب إلى مستوى المهرج الأكبر.

ومن يطلع على مضامين الحملات الإعلامية التي تشنها أجهزة الإعلام المصرية الرسمية وموظفيها الردّاحين في الإذاعة والتلفاز والصحف يكتشف بسهولة كيف أنها تؤسس لمجتمع الكراهية وتفوم بتغيير نفسية وطبائع الإنسان العربي المصري الشهم والطيب وإغراقه في مستنقعات العنصرية والإعجاب الفارغ بالذات ومهاجمة الأشقاء العرب دون التمييز بين الأنظمة والشعوب حيث يكفي أن تكون فلسطينياً أو سورياً أو قطرياً مثلاً, كي يفجر الشتّامون واللعانون في كباريه الإعلام المصري في وجهك قنابلهم لمجرد أنك من بلد يناصر القضية الفلسطينية أو أن منتخب بلدك على وشك لقاء كروي مع منتخب مصر , حيث يكفيك ذنباً أن تكون من بلد عربي آخر غير مصر ليجعلك مسوخ الإعلام المصري في أدنى مراتب البشرية, أن يقول أي شخص افتحوا معبر رفح من أجل إطعام أطفال غزة وكفاكم تآمراً واصطفافاً مع محمود عباس وعصابته ضد الشعب الفلسطيني هذا وحده تهمة كافية لأن يجعلوا هذا الشخص عميلاً لإيران, أو أن تقول قناة الجزيرة أو القناة السورية أن حركة حماس قادت معركة الفرقان بجدارة و اقتدار فهذا وحده سبب كافي لأن يُدخِل شعبي قطر وسورية في زمرة الشياطين.

وفي حين لا يجرؤ أي واحد من هؤلاء الرداحين أن يتفوه بكلمة عن المجزرة الإسرائيلية بحق الجنود المصريين الذين أسرتهم إسرائيلي ثم قتلتهم عام 1967 أو أن ينتقد النظام على موقفه من إسقاط الطائرة المصرية التي أسقطتها الصواريخ الأمريكية فوق المحيط الأطلسي في 31 أكتوبر 1999 وراح ضحيتها 271 ضابطاً من خيرة الخبرات العسكرية المصرية وقد قامت الحكومة المصرية بتفويض مجلس سلامة النقل الأمريكيNTSB بالإشراف على التحقيقات واستخراج الحطام وتحليل بيانات الصندوق الأسود الخاص بالطائرة واتي ادعت أنه حادث انتحاري قام به الطيار (البطوطي), ومنذ اتفاقيات كامب ديفد وحتى يومنا هذا لايمر عام إلاّ وتقتل القوات الإسرائيلية العديد من الجنود أو أفراد الشرطة المصريين في سيناء, وهنا ننبه إلى ملاحظة هامة مفادها أن الذي ارتكب كل هذه الجرائم ليسو جزائريين ولا فلسطينيين ولا قطريين ولا سوريين ولا حتى إيرانيين.

إن زجَّ النظام للشعب المصري في معارك اصطناعية مفتعلة ضد أشقاءه العرب هو عمل مدروس يهدف إلى تحقيق غايات عديدة يمكن إيجازها بالتالي :

أولاً : النأي بمصر وشعبها عن العالم العربي وفق المخطط الصهيوني بحيث يتم الاستفراد الأمريكي الصهيوني بمصر وعزلها عن عالمها العربي وكذلك توفير الجهد والمال وخفض تكاليف الصراع لصالح إسرائيل ضد الأمة العربية , إضافة إلى مشاركة ودعم العدو الإسرائيلي في حربه الجائرة ضد الشعب الفلسطيني تارة عبر الحصار وأخرى عبر فتح الأجواء المصرية أمام الطيران الإسرائيلي لقصف قطاع غزة في مقابل الإبقاء على حسني مبارك وتسهيل توريث الحكم لإبنه, أو تمرير الرضا الإسرائيلي على انتخاب فاروق حسني لمنصب مدير عام اليونسكو, وعلى الرغم من الخدمات التي قدمها النظام المصري لإسرائيل وإحياء التراث اليهودي والتطبيع وفتح المنتجعات السياحية والمراقص والكباريهات وبيوتات الخنا والدعارة لحاملي الأيدز من الإسرائيليين في حين يقوم أبو الغيط ياور الخارجية بالتهديد بقطع أيادي الأطفال الفلسطينيين فإن هناك رفضاً شعبياً للتوريث كما أن إسرائيل أحبطت ترشيح خادمها المطيع فاروق حسني.

ثانياً : التعمية على الجرائم التي يرتكبها النظام بحق الشعب الفلسطيني ومجاهديه حصاراً وقتلاً ( الشهيد يوسف أبو زهري) وسجناً وتجويعاً ناهيك عن التحالف مع محمود عباس ودحلان وبقية اللصوص في تخريب الوضع الداخلي الفلسطيني والحؤول دون إتمام أي إنجاز للمقاومة الفلسطينية, أما الادعاء بأن الحصار إسرائيلي فهو محض افتراء, إنه حصار مصري بكل المستويات والمقاييس, وربما كانت معاناة النائب البريطاني غالاوي و مشرفي (آميال من الابتسامات) وجميع الحملات الإنسانية تشهد على ضلوع النظام المصري وربيبه عباس في الحصار.

ثالثاً : إلهاء الشعب المصري بحوادث هامشية ومعارك جانبية ليس لها أي أهمية في حياة المصريين وإبعاد الأنظار عن الأزمات الإقتصادية الطاحنة والناجمة عن عمليات النهب والاستيلاء التي يقوم بها حيتان الثراء الفاحش من أنصار النظام على حساب المواطن المصري الفقير, ذلك المواطن الذي يشتري إسطوانة الغاز المصري بأربعة أضعاف الثمن الذي يدفعه المغتصب الصهيوني.

إن سياسات منحرفة كتلك التي ينتهجها النظام المصري والتي يقوم على تنفيذها زبانيته المهرجين من إعلاميين وصحفيين ومستثقفين لا يمكن أن تستمر في الغيّ والطغيان ولابد أن تصطدم بعنف وقوة بآمال وطموحات الشعب العربي في مصر وتُحدِث زلزالاً يحطم كل أبراج الوهم الصهيوني المخيِّم على مصر العربية الأصيلة

القرد والطحين


محمود الباتع



أما وقد انفض ذلك السامر الكروي الصاخب وانجلت ـ ولو إلى حين ـ تلك السحابة الداكنة من الضجيج المصاحب له لشهور بدت كالدهور، وبعد أن انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه من قطف الفريق الفائز لثمرة اجتهاده استحقاقاً لبلوغ الربوع الجنوب أفريقية، محملاً بما ناله من ثمالة الفوز ونشوة الانتصار إضافة إلى أدعية الكبار والصغار، ليضعها جميعاً بين أقدام سادة الملاعب وعماليق المسطحات الخضراء الآتين من كافة أنحاء الدنيا محملين مثله تماماً بالآمال وأحلام الفوز والتألق، حيث يواجه كل منهم هناك قدره ويرى بأم عينه وعيون أنصاره ما هو مكتوب على جبينه وجبينهم.



من غير المفيد التقليل من شأن المنافسات الرياضية في حياة الشعوب كتفعيل لروح التحدي التي جبل عليها الإنسان، وبغيرها لما كانت البشرية قد برحت كهفها الأول ولما كانت قد وصلت إلى ما هي عليه اليوم، فكيف إذا اقترنت روح التحدي تلك بالبراعة الساحرة والمتعة الآسرة؟ والرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً كأكثر الرياضات شعبية في العالم، ما هي إلا إحدى مظاهر الترابط الإنساني وواحدة من أهم أدوات التواصل الحضاري بين الأمم والشعوب على اختلافها وتباعد أمكنتها وإمكاناتها. ولا شك أن الجميع يذكر كيف أن داهية السياسة الأمريكية هنري كيسنجر في السبعينات الماضية كان قد تقارب مع غريمه ونقيضه الصيني موظفاً لذلك مباراة في تنس الطاولة بين الفريقين الأمريكي والصيني، في ما عرف وقتها بدبلوماسية البينغ بونغ.



ليس الأمر متعلقاً بمجرد مباراة في كرة القدم، ولا ذنب لقطعة الجلد المنفوخ تلك في ما رأيناه من الانتفاخ المؤلم الذي تمكن من القلوب إلى حد الورم، وبالتأكيد ليست القضية قضية ثنائية بين بلدين شقيقين، فهذان البلدان يمثلان معاً ما يقارب نصف الأمة العربية، بشرياً واقتصادياً وسياسياً وحضارياً، هذا النصف الذي انخرط في تقطيع أوصال ذاته بينما انشغل النصف الآخر في التداعي بالألم الذي أصاب كامل مجموع الأمة بسبب تلك المباراة وسرى فيها وكأنه الأنفلونزا، ولسنا نتجنى على الحقيقة عندما نقول أن أعراضها وظواهرها قد انتشرت بين أبنائها جميعاً من محيطهم إلى خليجهم، حتى لتكاد تكون هي القاعدة وما عداها استثناء.



فالمثير للاستغراب والدهشة والألم في آن معاً، أن وسائل التواصل الحضاري بين أمم الأرض تتحول في الجسد العربي إلى أدوات للتمزيق والشرذمة كما تتحول أسباب التقارب الإنساني عندنا إلى محفزات للتنافر والعنصرية والكراهية المتبادلة، رغم كل ما قيل ويقال ويدركه الجميع عن وحدة الهوية والمصير والهدف الدين واللغة وما إلى ذلك من شعارات ينقضها ويطيح بها أول محك من محكات الواقع الفج، ما جعل من حديث الوحدة العربية والوطن العربي الأكبر والذي كان مقدساً إلى يوم غير بعيد من الأيام حديثاً مضحكاً لا يخلو من السذاجة حتى لا نقول السخافة.

كنا قد توصلنا فيما سبق إلى أن التطرف في سبيل أية قيمة مهما كان سموها ونبلها، إنما هو أقصر السبل للإطاحة بهذه القيمة، وهكذا فقد كان التطرف القومي هو المسؤول تحديداً عن تصدع القومية العربية ونهيارها، وهذا ما أكد عليه مؤخراً المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة في محاضرته الأخيرة في الدوحة قبل أيام من أن أدلجة الهوية القومية العربية كان هو الخطأ القاتل الذي سقط فيه سهواً مفكروها ودعاتها وأسقطوها معهم بين براثنه المميتة. فالتطرف والتعصب هما بيت الداء، وإذا كان من حق الكثرة المأخوذة بشعار (نحن أولاً) أن لا يأبهوا كثيراً أو قليلاً بمصير الهوية القومية الذي ذهب أدراج الرياح جراء التعصب والشوفينية، فإن عليهم أن يتنبهوا إلى مصير مماثل يتربص ويحيق بالهوية الوطنية نفسها، من حيث يظنون كونهم وإياها تحت مظلة التعصب في أمان.



لقد تسارعت مؤخراً وبشكل لافت وتيرة التقشير والسلخ للأطر الضامة والضامنة لهوية هذه المنطقة، وسحبها تدريجياً من أطرها الطبيعية، فمن فضاء الهوية الثقافية إلى نطاق القومية ثم إلى قوقعة الإقليمية وأخيراً إلى شرنقة الشعوبية وصولاً إلى انبثاق أزمة الأقليات، فبعد الدأب والإمعان في نزع واجهتها الإسلامية، هاهو يجرى على قدم وساق سلخ الوجه العربي عنها، وبعد فشل الشرق أوسطية والمتوسطية والمحورية الإقليمية، وحتى قبل أن يتم الغرض لأصحاب الغرض، نرى كيف أن الهوية الوطنية ذاتها التي اخترعها كل من سايكس وبيكو ذات يوم واتخذ منها البعض لاحقاً أيديولوجيا وطنية ـ بالإذن من عزمي بشارة ـ قد أصبحت هي الأخرى في مرمى النيران غير الصديقة ولا الشقيقة، وإنما بالضرب الذاتي من تحت الحزام ومن فوقه.



إنها الأزمة تنخر في صميم الوجدان العربي، يقودها الإحساس الدفين بالمرارة والفشل، هذا الفشل الذي يدفع كلاً منا إلى التعلق بأي إنجاز من أي نوع أو وزن، فعندما يتعذر إنتاج مشروع قومي على قدر من النجاح تتعلق الأنظار والآمال بأية غاية قابلة للتحقيق كبديل عن ذلك المشروع المأمول، حتى لو كان هذا من قبيل الفوز على الذات في مباراة رياضية أو دخول موسوعة غينيس بأكبر صحن حمص بيروتي أو بأطول ثوب فلسطيني أو أكبر جناح فندقي أو أغلى رقم مميز أو أطول لوحة جدارية، وعندما تعد هذه كلها إنجازات قياسية في وجود هذا الكم المليوني الصافع من المجوعين والمحاصرين والعاطلين والمعطلين، وتلك الأرقام القياسية للأرامل والأيتام والمعاقين وأضعافهم من المسكونين بالرعب مما يخبئه لهم الغد من مصائر لا يعرف ألوانها إلا الله، كل هذا وأكثر منه يجري ملء السمع والبصر ثم نرى أن شرف المواطن وكرامة الوطن ـ أي وطن كان ـ قد أريد لها أن تتعلق حصراً بركلة كرة، فهل من سيبل إلى إنكار الأزمة بعد؟



هناك كم لا بأس به من الأقلام يتوجه إلى النظام الرسمي العربي بالاتهام بالعمل على تسييس القضية لإلهاء العامة وصرف اهتمامها عن المشاكل الحقيقية التي تعتري المجتمع والدولة وذلك بصب زيت الغوغائية على نار الإحباط، ولكن هذا الرأي رغم وجاهته أحياناً كثيرة قد أسقطته الواقعة الأخيرة بامتياز، فالشحن قد بدأ وانتهى جماهيرياً ولم يكن تقافز قرد الإعلام على طحين الغوغاء إلا مجاملة وتملقاً للرأي العام وركوباً لموجته الجماهيرية العارمة.



هاهي المنطقة إذن تتعرى فتنزع عنها قشورها قشرة تلو قشرة، ومع كل قشرة تنزع يكون الانكفاء أكثر وأكثر نحو المركز، وها هي تباشير التقوقع الشعوبي والعرقي قد لاحت في الأفق في أكثر من موقع على شكل حروب وفتن اندلعت أو هي على وشك الاندلاع، وقودها الناس والحجارة وأدواتها التعصب والانغلاق والشعوبية العمياء.

هيلارى كلينتون توجه رصاصة الرحمة الى عملية التسوية


ماجد عزام* "

في تصريحاتها المتنقلة ما بين القدس المحتلة والدار البيضاء والقاهرة، تبدو هيلاري كلينتون محقة فى أمر واحد فقط , طوال عقدين من الزمن فاوض الفلسطينيون في ظل الاستيطان , ولم يطرحوا التجميد بتاتاً كشرط مسبق للتفاوض، فيما عدا ذلك لا أظن أن وزيرة الخارجية الأمريكية محقة على الإطلاق، لكونها تبنت بالكامل وجهة النظر الإسرائيلية ليس فقط من ناحية واقعية وتكتيكية وإنما أيضاً من ناحية تاريخية و إستراتيجية.



لا يمكن نسيان التوصيف الشهير لاتفاق أوسلو , كل عبارة تحتاج إلى اتفاق , ثمة عيوب وثغرات بنيوية عديدة فيه , غير أن أهمها على الإطلاق تتمثل بتجاهل قضية الاستيطان ,وعدم الحصول على تعهدات اسرائيلية وضمانات دولية لتجميده , ولذلك لم يكن غريباً أن يتضاعف عدد المستوطنين لمرتين ونصف تقريباً , ليصل 300000،بعد ما كان 130 ألف عند توقيع الاتفاق، ما يعني أن السلطة الفلسطينية فاوضت لعقدين من الزمن تقريباً دون أن تشترط وفق الاستيطان , بل فى ظل وتيرة متسارعة ومحمومة له، يقول السيد ياسر عبدربه في مذكراته التي , نشرت خريف العام 2000 أن الشهيد ياسر عرفات لم يكن مفاوضا بارعا , كما انه تبنى إستراتيجية تفاوضية خاطئة , تستند على الحصول على أكبر قدر ممكن من مظاهر السلطة وأقل مساحة ممكنة من الأرض , ولم يقدر خطر الاستيطان بشكل صحيح , وفقط في عام 1998 وبالصدفة البحتة-هبطت طائرته اضطراريا لسوء الاحوال الجوية قرب القدس واكمل الطريق بريا الى رام الله- استشعر الامر ومدى استفحاله على الارض الفلسطينية، وحتى بغض النظر عن عبد ربه ومذكراته يمكن الرجوع الى الاحصائيات والارقام التى لا تكذب وحسب حركة السلام الان الاسرائلية فقد تضاعف الاستيطان بنسبة ستين بالمائة خلال عام 2008 او عام انابوليس الذى شهد مفاوضات ماراثونية ومكثفة بين السلطة الفلسطينية وحكومة –الحرب- الاسرائيلية بقيادة اهود اولمرت وتسيبى لفنى , اذن هيلاري كلينتون محقة تماماً , ألم يسبق للفلسطينيين أن طرحوا تجميد الاستيطان كشرط للتفاوض وبالتالي لا داعي لطرح الأمرالآن أيضاً، وتحديدا فى ظل ادارة أمريكية جادة تسعى لاستئناف عملية التسوية من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي للصراع.



هذا هو الأمر الصائب الوحيد في تصريحات كلينتون , و مقاربتها لعملية التسوية والمفاوضات , ما عدا ذلك فهي ليس محقة في شيء وتكاد تتبنى بالكامل وجهة النظر الإسرائيلية تكتيكياً وإستراتيجياً , مفاوضات دون شروط مسبقة , ودون تجميد الاستيطان , ما يعنى إعطاء الدولة العبرية الفرصة , لفرض الأمر الواقع على الأرض خاصة في القدس , بعدما تم إنجاز المهمة في الضفة الغربية ومحيط المدينة المقدسة بشكل عام، مفاوضات تهتم فقط بنهاية الطريق، وليس مهم البداية حسب تعبير وزير الخارجية المصرى السيد أحمد أبو الغيط، ما يعنى فى الحقيقة نسف خارطة الطريق التي يفترض أن يتم السير على هداها , والتي تتحدث في بندها الأول- عن حرب اهلية فلسطينيةحدثت فعلا- عن تفكيك البنى التحتية للمقاومة و تجميد تام للاستيطان بما في ذلك النمو الطبيعي أيضاً، عندما تصف وزيرة الخارجية الامريكية , عرض نتنياهو بكبح مؤقت للاستيطان ب غير المسبوق فانها تجافي الحقيقة، وهي تتجاهل عن عمد تواطؤ الإدارة السابقة مع حكومتي أرييل شارون وأهود أولمرت، مباشرة اثر الاعلان عن رؤيا بوش وخارطة الطريق، تم تجاوز البند الأول منها اى شرط التجميد التام للاستيطان يتفاهم غير معلن بين كوندا ليزا رايس و ودوف فايسغلاس مستشار ارئيل شارون انذاك , عدم اقامة مستوطنات جديدة وعدم مصادرة أراضي فلسطينية وتفكيك البؤر الاستيطانية العشوائية، تحديد حدود المستوطنات والبناء ضمن نطاقها خاصة في التكتل الاستيطانية الكبرى بما في ذلك القدس، تواطؤ امريكى آخر حدث مع حكومة أهود اولمرت على هامش لقاء أنابولس وكشرط اسرائيلى للشروع فى مفاوضات جديدة، البناء بمحاذاة خط الحدود من الخارج في الكتل الاستيطان الكبرى والبناء بمحاذاته من الداخل فى بقية ا لمستوطنات مع استبعاد القدس من أي تفاهم- هى ليست مستوطنة حسب تعبير نتنياهو الشهير، تؤاطو اولمرت رايس لحظ كذلك تفكيك البؤر العشوائية وعدم مصادرة اراضى فلسطينية جديدة , طبعاً لم تلتزم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حتى بهذا التواطؤ بل وتجاوزته تحديدا لجهة مصادرة الاراضى , ولذلك لا يمكن الادعاء باى حال أن تقليص مؤقت للاستيطان-مع استثناء القدس والكتل الكبرى- هو خطوة غير مسبوقة تستحق الثناء والتشجيع.



أمر مهم آخر فى الحماسة الأمريكية لمقترح نتنياهو الملغوم يتمثل ب التماهي مع التصور الإسرائيلي المسبق لمصير عملية التسوية – الموافقة على مواصلة الاستيطان في القدس يعني القبول بكونها العاصمة الأبدية الموحدة للدولة العبرية , الموافقة على مواصلة بناء ال3000 وحدة سكنية في الكتل الاستيطانية الكبرى يعني ايضا الموافقة على ضمها لإسرائيل في أي تسوية أو اتفاق، وإجمالاً فإن القبول بمواصلة الاستيطان ولو بشكل جزئي ينسف الموقف القاتل بعدم شرعيته ، وبالتالي عدم جواز فرض الحقائق الأرض بقوة الاحتلال الجبرية. إستراتيجياً تتساوق وزيرة الخارجية الامريكية مع التصورات الإسرائيلية لاقامة دولة فلسطينىة مسخ- دون القدس , دون حق العودة للاجئين، دون سيطرة على الحدود والأجواء. دولة يمزقها الاستيطان اربا يحولها إلى دولة ميكى ماوس حسب التعبير الشهير للسيد سلام فياض.



المعطيات السابقة جد مهمة لكونها توجه رصاصة الرجمة الى عملية التسوية بشكلها السابق , غير أن الأهم يتمثل ب الاستنتاجات السياسية الفلسطينية منها، ليس من الملائم التعويل أو المراهنة على وساطة أمريكية نزيهة، ليس من الملائم المراهنة على خيار التفاوض فقط لاسترجاع الحقوق، في ظل الوقائع التى فرضتها اسرائيل على الأرض ,فان حل الدولتين ميت اكلينيكيا , ويحتاج الامر فقط إلى شجاعة استثنائية للإعلان الرسمي عن وفاته، وبالتالي إعطاء الأولوية للوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام والتفكير الجدى في خيار الدولة الواحدة خاصة في ظل الأجواء التي خلّفها تقرير غولدستون فى العالم , على النضال بوسائل مختلفة من أجل تحقيق نفس الهدف , تفكيك المستعمرة المسماة إسرائيل ليس بالقوة الناعمة ايضا , ليس بالضرورة بالقوة المسلحة فقط.



*مدير مركز شرق المتوسط للاعلام

الخط الحديدي الحجازي


الخط الحديدي الحجازي في الذكرى 101 لافتتاحه: أضخم مشروع للنقل ربط بين



دمشق والمدينة المنورة ليقدم خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام


إبراهيم حاج عبدي

في منتصف الطريق الذي يربط بين التكية السليمانية وسوق الحميدية، وفي قلب مدينة دمشق ينهض بناء شامخ يلفت النظر بجماله وطرازه المعماري القديم، يعرفه الدمشقيون باسم «محطة الحجاز» التي تطل على ساحة استمدت اسمها من اسم المحطة، وما إن تدلف إلى الداخل حتى تسحرك النقوش الإسلامية، والأقواس والأشكال الجميلة، والمساحة الفسيحة الهادئة التي تعود بك إلى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن المنصرم لتكتشف أن المهندس المعماري الأسباني فرناندو ديراند هو من وضع بناء مخططاتها آخذا بعين الاعتبار جماليات العمارة الإسلامية، فجاءت تحفة فريدة في شكلها وتصميمها كأكبر محطة للقطارات في المنطقة، آنذاك..

وهذه العودة المتخيلة تحرضك بدورها على البحث في صفحات التاريخ لمعرفة سر هذا المكان الأليف الذي يكاد يختزل تاريخ سورية المعاصر بدءا من السنوات الأخيرة للمرحلة العثمانية مرورا بالحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م) ومرحلة الانتداب الفرنسي وصولا إلى الاستقلال والمرحلة الراهنة، ذلك ان آلية العمل في هذه المحطة خضعت للظروف السياسية المختلفة منذ أكثر من مئة عام. ولعل نظرة سريعة الى أسماء الأشخاص الذين تسلموا إدارتها تشير إلى هذا الأمر، فأول من أشرف على هذا المشروع كان الألماني مايسنر ومن بعده جاء الكثير من الباشوات الأتراك الذي حملوا أسماء عربية دارجة لديهم من قبيل: عاكف باشا، وجواد باشا، ومختار بك.. وثمة أسماء فرنسية مثل مسيو غوردون، وأسماء أخرى إنكليزية مثل ميلود، وهولمز وغيرها من الشخصيات التي لم تتمكن من ضبط أمور المحطة إبان الحروب فتؤول مهمة إدارة الخط الحديدي الحجازي إلى الجيوش العثمانية حينا أو الألمانية أحيانا أو الإنكليزية في بعض الأحايين وذلك تبعا لموازين القوى التي كانت سائدة في العقدين الأولين من القرن المنصرم.

«الرياض» أرادت ان تبحث في صفحات الماضي، فزارت المحطة، والتقت بعدد من العاملين فيها، لتتعرف على تاريخ إنشاء الخط الحديدي الحجازي، والظروف التي رافقت إنشاءه، والآمال الكبيرة التي كانت مرجوة منها، والمشاريع المقترحة الآن لإعادة إحياء ذكرى هذا الخط، وقد قدم لنا المهندس غسان حسن معلومات وافية استطعنا من خلالها تكوين تصور متكامل.

حكاية إنشاء الخط الحديدي الحجازي

ظهرت فكرة إنشاء الخط الحديدي الحجازي سنة 1864م أثناء العمل في فتح قناة السويس التي ربطت بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، فقد تقدم الدكتور زامبل، الأمريكي من أصل ألماني، باقتراح تمديد خط حديدي يربط بين دمشق وساحل البحر الأحمر بيد أن الاقتراح قوبل بالإهمال لكنه سرعان ما عاد إلى الظهور في العام 1880 م عندما قدم وزير الأشغال العامة في الأستانة (استانبول حاليا) مشروعا أوسع من السابق إذ يقضي بمد خط حديدي من دمشق إلى الأراضي المقدسة، غير ان المشروع لم ينفذ بسبب الصعوبات المالية وبقي، بدوره، حبرا على ورق.

وبعد سنوات أحيا الفكرة من جديد السوري عزت باشا العابد الذي كان يشغل منصب الأمين الثاني للسلطان العثماني عبد الحميد، عندما اقترح عام 1900م المشروع على السلطان الذي تحمس له فأقام دعاية واسعة له في العالم الإسلامي مركزا على مسألة سهولة نقل الحجاج إلى أرض الحجاز إذا ما تحقق المشروع الذي بث الحماس في نفوس المسلمين في كافة الولايات والأمصار وتابعوا مراحل إنشائه، وتبرعوا له من أموالهم، وغطت هذه التبرعات ثلث تكاليفه التي بلغت أكثر من ثلاثة ملايين ليرة عثمانية.

ومن المعروف ان دمشق كانت مركزا للانطلاق نحو الديار المقدسة إذ تجتمع وفود الحجاج من الأصقاع الإسلامية لتبدأ رحلة مشقات ومكابدات طويلة تصل إلى خمسين يوما في الذهاب ومثلها في الإياب ناهيك عن الأخطار التي يواجهها موكب الحج على طريق القوافل من فيضانات وسيول في الشتاء، وأشعة شمس حارقة في الصيف إضافة إلى هجمات اللصوص وقطاع الطرق وغارات البدو، وكان على والي دمشق الذي يُعَيَّن أميرا للحج من قبل السلطان العثماني تأمين سلامة الموكب ومرافقته طوال المسافة التي تتجاوز 1500 كيلو متر، ونحو 490 ساعة مسير مقسمة إلى 40 محطة، ويحرس الموكب عشرة آلاف جندي من المشاة والفرسان والهجانة، كما تقول المصادر وتضيف بأن طول الموكب كان يصل إلى اكثر من أربعة كيلو مترات في بعض المواسم. ولا شك أن أي فكرة تستطيع ان توفر البديل لهذه المشاق وأن تتغلب على هذه المصاعب سوف تلهب خيال السلطان وتدفعه إلى التحمس لها وبذل الجهود لتطبيقها، والبديل الأمثل كان هذا الخط الحديدي.

هدف ديني وسياسي وعسكري

وتشير المصادر إلى أن الشيخ جمال الدين الأفغاني (1839 - 1897م)، بأفكاره ورؤاه، أسهم في دعم دعاية السلطان، فالأفغاني كان يؤمن بقوة الوحدة الإسلامية ويسعى إلى إقامة حكومة إسلامية تنضوي تحت رايتها جميع الشعوب الإسلامية، ومن البدهي ان تنفيذ مشروع إنشاء الخط سيسهل هذا التوجه، ففضلا عن الأهداف الدينية المتمثلة في تسهيل سفر الحجيج إلى الديار المقدسة، فإن فكرة الإنشاء انطوت كذلك على بعد سياسي تمثل في ربط البلاد الإسلامية مع بعضها بطريق حيوي، وهذا بدوره يفضي إلى هدف عسكري وهو تشديد قبضة السلطان عبد الحميد على الولايات العربية التي يمر بها الخط لاسيما وان قناة السويس كانت خاضعة لسيطرة بريطانيا التي كانت تتحكم بمرور الجيوش العثمانية عبرها، وكانت السفن العثمانية تقف أحيانا لأكثر من شهر حتى يسمح لها بالمرور.

بعد الإعلان عن المشروع والدعاية له جاءت التبرعات من مختلف الجهات والأصقاع الإسلامية، فبعد ان تبرع السلطان عبد الحميد بثلاث مئة وعشرين ألف ليرة عثمانية ذهبية، تبرع شاه إيران بمبلغ خمسين ألفا، بينما تبرع خديوي مصر بكميات كبيرة من الأخشاب ومواد البناء، وانهالت التبرعات من آسيا الوسطى، وبلاد الهند التي تحمست للمشروع كثيرا وهو ما أثار غضب بريطانيا، فوضعت العراقيل أمام حملات جمع التبرعات حتى إنها رفضت أن يرتدي المسلمون الهنود الذين تبرعوا للخط الأوسمة والنياشين العثمانية، إذ كان السلطان يمنح شارات وأوسمة وألقاب للمتبرعين، كما ان الموظفين في الولايات العثمانية تبرعوا بجزء من رواتبهم لهذا لمشروع الذي فاق نجاحه جميع التوقعات.

بدأ العمل في الخط في شهر أيلول سنة 1900م، وقد قام مهندس تركي يدعى مختار بك بتحديد مسار الخط، ويقال بأن المسار الذي اختاره هو نفسه الذي سلكته قوافل الحج والتجارة منذ القدم، وبعد ذلك بعام عين مهندس ألماني يدعى مايسنر للإشراف على تنفيذ المشروع بمساعدة حوالي 50 مهندسا من جنسيات مختلفة، وتقول المراجع ان العمل كان شاقا ومرهقا نتيجة الظروف الجوية القاسية، وندرة المياه، والوقود، وتراكم الرمال في المناطق الصحراوية، وقلة المواد الغذائية، وقلة الأيدي العاملة مما دفعت السلطات العثمانية إلى الاستعانة بالجيش لتوفير اليد العاملة في تنفيذ المشروع الذي استمر العمل فيه حوالي ثماني سنوات حيث تم إنجاز خط يبدأ من دمشق ويمر بمدينة درعا، فالزرقاء، فعمان، فمعان، فالمدورة، فتبوك، فمدائن صالح لينتهي في المدينة المنورة، وكان من المقرر ان يصل إلى مكة المكرمة ومنها إلى عدن في اليمن غير ان ظروف السلطنة العثمانية حالت دون ذلك.

وقد وصل أول قطار إلى المدينة المنورة قادما من دمشق في الثاني والعشرين من شهر آب 1908م في رحلة استغرقت حوالي 55 ساعة، وجرى الافتتاح رسميا بعد ذلك بأسبوع، أي في الأول أيلول الذي صادف ذكرى تنصيب السلطان عبد الحميد الثاني حاكما للسلطنة، وجرى الاحتفال بحضور ثلاثين ألف مدعو مع عدد من مراسلي الصحف لتغطية الحدث الكبير.

وبعد سنة واحدة تم خلع السلطان عبد الحميد، واستمرت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة ما يقرب من تسع سنوات نقلت خلالها التجار والحجاج، وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى ظهرت أهمية الخط وخطورته العسكرية على بريطانيا، فعندما تراجعت القوات العثمانية أمام الحملات البريطانية، كان الخط الحجازي عاملاً هامًا في ثبات العثمانيين في جنوبي فلسطين نحو عامين في وجه القوات البريطانية المتفوقة. وعندما نشبت الثورة العربية بقيادة الشريف حسين واستولت على معظم مدن الحجاز، لم تستطع هذه القوات الثائرة السيطرة على المدينة المنورة بسبب اتصالها بخط السكة الحديدية ووصول الإمدادات إليها، واستطاعت حامية المدينة العثمانية أن تستمر في المقاومة بعد انتهاء الحرب العالمية بشهرين، لذلك لجأ الشريف حسين - تنفيذًا لمشورة ضابط الاستخبارات البريطاني لورانس - إلى تخريب الخط ونسف جسوره وانتزاع قضبانه في عدة أجزاء منه، وكانت ذريعة الحسين تتمثل في احتمال قيام «أحمد جمال باشا» قائد الجيش العثماني الرابع باستغلال سكة حديد الحجاز في نقل قواته لضرب الثورة العربية في عقر دارها، ثم جاء الانتداب الفرنسي الذي قام بإصلاح الخط من جديد وتمكن من تسيير قطار من المدينة المنورة إلى دمشق وقد وصل القطار في أواخر عام 1919 حاملا معه الأمير علي بن الحسين لزيارة أخيه الملك فيصل في دمشق.

محاولات إعادة التشغيل

وفي عام 1924 م عقد مؤتمر في استانبول تقرر فيه تقسيم الخط الحديدي الحجازي بصورة نهائية واعتبار كل قسم ملكا للمناطق التي يمر بها وأيدت عصبة الأمم ذلك التقسيم على يد القانوني السويسري «أوجين بورل» سنة 1925م، وتعددت محاولات إعادة تشغيل الخط الحجازي، ومنها عقد مؤتمر في الرياض سنة 1955م جمع سورية والأردن والمملكة العربية السعودية، ولم توضع قراراته موضع التنفيذ، ثم تشكلت لجان وعقدت اجتماعات وصدر مرسوم بتشكيل هيئة عليا للخط الحجازي من وزراء المواصلات في البلدان الثلاثة لكن لم تظهر أية بوادر فعلية على أرض الواقع، وفي عام 1978م تم الاتفاق بين البلدان الثلاثة على إنشاء خط عريض جديد يربط بين هذه الأقطار، ووضعت دراسات المشروع، وكانت نتيجة الدراسات إيجابية، فتوالت اجتماعات اللجان واعتمدت قرارات بأن تنفذ كل دولة من الدول الثلاث على نفقتها الجزء الذي يمر في أراضيها، لكن كل ذلك يبدو انه يدخل في باب الأمنيات، ويقول المهندس غسان حسن مدير مكتب المدير العام للمؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي «ان هيئة خاصة شكلت، في الآونة الأخيرة، تحت اسم (هيئة إعادة تسيير الخط الحديدي الحجازي)، تضم أعضاء من الدول المعنية، وهي سورية والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية وهي تعقد اجتماعات متتالية بغرض تسيير قطارات بين دمشق والمدينة المنورة مرورا بالأردن».

أما بالنسبة إلى سورية فقد تشكلت بعد الاستقلال المديرية العامة للخط الحديد الحجازي ثم تحولت في العام 1963م إلى المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي وهي تحمل إلى الآن نفس الاسم وتقوم بتسيير قطارات لنقل الركاب والبضائع بين بعض المناطق السورية والى دول الجوار، وتسعى المؤسسة حاليا إلى التوسيع في مشاريعها عبر استثمار عقارات المؤسسة وبناء مطاعم، وإنشاء أنفاق ضمن مدينة دمشق، كما سيتم تطوير وتحديث مبنى محطة الحجاز، فضلا عن مشاريع تجارية وسياحية وخدمية، وإعادة تأهيل الخطوط وتحديث القطارات وذلك حفاظا على هذا المشروع التاريخي الذي ظهر في لحظة تاريخية حاسمة واكتسبت سمعة دولية غير أن التطور الهائل الذي طرأ في مجالات النقل والمواصلات قلل من أهميته غير ان تاريخه الطويل يمنحه سمعة تدفع العاملين في المؤسسة إلى تنفيذ مشاريع استثمارية طموحة وضخمة.

عود على بدء

يعتبر الخط الحديدي الحجازي الذي بلغ طوله حوالي 1320 كيلو مترا، من الإنجازات الرائعة والنادرة للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني فقد قدم هذا المشروع المتميز خدمات جليلة خصوصا لحجاج بيت الله الحرام، الذين تخلصوا من رحلة الشقاء الطويلة التي كانت تمتد لأكثر من شهر وسط المخاطر الكثيرة، إذ تقلصت بعد إنشاء الخط إلى خمسة أيام فقط بما في ذلك فترات الاستراحة، ورغم أهمية المشروع غير ان بعض المصادر تقدم تفسيرات غير دقيقة للدوافع التي وقفت وراء حماسة السلطان عبد الحميد الثاني للمشروع إذ تشير هذه المصادر إلى ان الهدف من الخط هو قمع الثورات في الحجاز، وخدمة الأهداف العسكرية فحسب.

لكن مصادر أخرى ترى أن ربط أجزاء الدولة العثمانية المترامية الأطراف كان هدفا رئيسا للسلطان عبد الحميد الثاني، فالشام والحجاز لم يشهدا خطوطًا حديدية إلا في عهده، فكان الخط الحديدي من يافا إلى القدس سنة 1888م أول الخطوط الحديدية في بلاد الشام، واستهدف السلطان من إنشائه خدمة الحجاج المسيحيين القادمين من أوروبا بحرا إلى يافا، وبلغ طول هذا الخط (87) كم، كذلك تم إنشاء خط حديدي بين دمشق وبيروت بطول (147) كم كان يقطعها القطار في ست ساعات، من هنا فان الهدف الأساسي من إنشاء الخط الحجازي كان تسهيل الوصول إلى الديار المقدسة، وقد ساهم هذا المشروع في إقامة نهضة تجارية واقتصادية لمدن الحجاز، وكافة المدن الواقعة على امتداد الخط، وخصوصا المدينة المنورة التي تحولت إلى مدينة تجارية هامة ومن المظاهر الدالة على ذلك، والتي صاحبت إنشاء الخط، إضاءة المدينة المنورة بالكهرباء لأول مرة، حيث ابتدأت إنارة الحرم النبوي الشريف يوم افتتاح سكة الحديد، وتم جعل المدينة المنورة محافظة مستقلة مرتبطة مباشرة بوزارة الداخلية العثمانية.

ولئن خفت بريق هذا الخط في العصر الحالي غير انه شكل لدى افتتاحه في مثل هذا الشهر، قبل نحو قرن من الزمان، حدثا كبيرا بكل المقاييس، الأمر الذي يجعل من هذا المشروع جزءا من تاريخ المنطقة لا يمكن تجاهله أو نسيانه، بل ان الأمل معقود على أن تتكاتف الجهود لإعادة تشغيل هذا الخط الذي يحمل بعدا تاريخيا رمزيا يقوي من أواصر الاخوة بين البلدان التي يمر بها وهي سورية والأردن والمملكة العربية السعودية.

فذكر إن نفعت الذكرى


عدنان الصباح

ما اخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة - جمال عبد الناصر

عليهم هم أن يخشوا الذوبان ويبحثوا عن حلول سريعة لا نحن - حافظ الأسد

إن الدعوات المشبوهة لفلسطنة القضية الفلسطينية هي مقدمة لشطبها – الحسين بن طلال

هذه المقولات الثلاث لرجال غابوا عن المسرح اليوم ولا احد يمكنه القول إن التذكير بهم يأتي من باب التمسح بأحد أو المصلحة لأحد لكن المقولات الثلاث تعبير دقيق عن ما وصلنا إليه فما قاله عبد الناصر ورددته الأمة عقودا قبل أن يقوله وبعد أن قاله لم يعد احد يذكره اليوم رغم أن كل الأحداث تدل على ذلك ولم نسال أنفسنا لماذا ستتنازل إسرائيل عن احتلال أرضنا عبر التفاوض وبكل هذه البساطة ما دمنا بهذا الضعف وبهذه الحالة ولو كان أيا كان على رأس إدارة دولة الاحتلال ورأى حال الفلسطينيين قبل العرب من فرقة وتشرذم وعداء فاق حد الخيال حتى لنكاد نحن نعتقد أن الصراع مع الاحتلال تراجع إلى الدرجة العاشرة بعد الانقسام والصراعات الحزبية كل حزب وفصيل يصارع كل الآخرين بالسر والعلن بل إن حجم الصراع والخلاف بيننا يصل أحيانا حد القطيعة وقد حولنا أحزابنا وفصائلنا إلى عشائر ورحم الله الشهيد فيصل الحسيني حين وصف لي الحال يوما بسرد حكاية ذهابه إلى تلك القرية لحل خلاف فصائلي واستقبله أبناء الفصيل كذا وحين بدءوا بتعريف أنفسهم اكتشف أنهم جميعا من عائلة واحدة وراحوا يصبون هجومهم على الفصيل الآخر ويقولون إن جماعة ذالك الفصيل "عرصات" من أيام تركيا فذكرهم أبو العبد رحمه الله أن ذاك الفصيل لم يكن موجودا أيام تركيا بل عائلة عناصره كما هو الحال معهم وحين وتوجه إلى الفصيل الثاني وجد منهم ما وجده من مضيفيه الأوائل فنحن إذن أعدنا للقبيلة والعشيرة دورها ولكن بأسماء الفصائل دون أن ننتصر على عقلية العشيرة واذكر كل مهتم ومتابع أن كل شهيد سرنا في جنازته كان الحديث يدور عن الانتقام والرد وسيكون ردنا مزلزلا أو انتقامنا قاسيا دون أن يسال كاتب البيان نفسه هل المسالة مسالة ثأر أم قضية وطن أم أن العشائرية لا تعرف معنى الوطن وتنتمي لعقلية الثار أكثر.

نحن اليوم نفاوض إسرائيل ونفاوض أميركا والرباعية والثمانية الكبار والدول المانحة ومجلس الأمن وفي كل صباح جديد ينقص الوطن قطعة جديدة وهما صغر حجمها وقد كنت كتبت قبل سنوات طوال ومن على صفحات جريدة القدس مقالا بعنوان " إنهم يسرقون العسل" وكان المقال يدق ناقوس الخطر من الزحف الاستيطاني البطيء والصامت واليوم الزحف لا يحتاج إلى دق نواقيس والى متحذلقين بدقها فما يجري من استيطان مجنون ونهب وتهويد للأرض وتهجير وطرد للبشر خصوصا من القدس يحدث علنا وعلى رؤوس الأشهاد ونحن نغلق أعيننا ونستعين بمن يساعدنا بيديه على إغلاق أفواهنا وآذاننا فلا نسمع ولا نرى ولا نتكلم وقعا لا نفعل فأيدينا ومن معنا مشغولة بطمس الحقائق ليس عن أنفسنا فقط بل وعن الآخرين أيضا خشية أن يحاول احد ما تذكيرنا بالحال فننشغل عن انشغالنا بأنفسنا ونعود وطنيين كما ينبغي أن نكون ويضيع الحزب العشيرة والفرد والمصلحة فتكون الأمة الكبرى لأننا استعضنا عن الوطن أصلا بالحزب كما كانت الجاهلية تستعيض عن كل شيء بالعصبية القبلية حتى الآلهة كانت تختلف باختلاف العشيرة وحين وحدهم الإسلام ولم يجدوا بدا من عبادة اله واحد فاختلفوا على طرق التقرب إليه وانقسموا شيعا ومذاهب وطرقا ومدارس لا حصر لها, ويبقى السؤال نفسه ترى هل سننتصر على عصبيتنا القبلية وكيف ونحن أصحابها وإلا لما كنا تلك الأمة التي تتقن الكذب رغم أن الدين الإسلامي يعتبره من الكبائر, فلم أجد رجلا لا يسلم على رجل لأنه كذب أو لأنه استغاب أخاه المسلم كما يفعل حين يخشى على وضوءه من السلام على امرأة حتى لو كانت تسعينية بالعمر, هذه الأمة التي يجب أن تتوقف أغانيها الكاذبة بذاتها وان تقرا أغانيها جيدا فأي امة تتغنى برجل واحد كريم هو حاتم الطائي إلا لأنها لا تعرف الكرم لذا تتباهى عبر كل تاريخها برجل واحد لا غير ولم تجد بعد من تستبدله به, امة تتغنى بكرم رجل وببطولة رجل واحد منذ خالد ابن الوليد هو صلاح الدين وتحاول أن تنسى انه كردي القومية _ مع انحنائي له ولقوميته_ إلا لأنها لم تجد ما تتغنى به عداهم فلو كان هناك كريم آخر لذكروه ولو كان هناك بطل آخر لأتوا به ولذا غيبنا كلام الرجل الذي قال عنه نزار قباني أننا قتلناه ولم نعد نتذكره حتى لا نلتزم بتنفيذه وقد يقول قائل أن صلاح الدين مسلم وهذا صحيح ويبقى نفس السؤال هل باتت أرحام نساء المسلين منذ صلاح الدين عاقر.

والسؤال الآخر لماذا نبحث نحن عن المفاوضات وماذا نريد منها وما الذي يدفعنا لكل هذه العجلة لانجاز صلح مع المحتلين والاعتراف بهم ومناقشتهم بحقنا وتحويله إلى حق لهم, أية امة عظيمة هذه كما قال الرئيس الراحل حافظ الأسد التي تخشى على وجودها وحضارتها وثقافتها من قطعان مستوطنين الذين يشبهون طبيخ الشحاذين من كل بيت لقمة, بأية لغة سيواجهون لغتنا وبأي تاريخ سيغتالون تاريخنا وباية ثقافة سينتصرون على ثقافتنا إلا إذا كنا نحن من يرغب بالتنازل عن كل ذلك أو إذا كانت لغة الضاد وثقافتها وتراثها مجرد كذبة, بمن سينتصرون على المتنبي والنابغة الذبياني وامرؤ القيس وطه حسين ونجيب محفوظ ومحمود درويش ومن سيكتب نهم بديلا عن موسيقى السنباطي وعبد الوهاب ومن أين لهم بفيروز وأم كلثوم وأين هم نحاتيهم ورساميهم, كيف نخشاهم وهم يجمعون حروف لغتهم من لغات الغير تلك اللغة نفسها التي من حقنا نحن أن نقول إنها ابنة العربية ووليدتها, بأية كذبة يسرقون السامية من أصحابها ويدعون ملكيتها إلا بصمتنا نحن وباية دبابة سيحتلون عقول الناس من النيل إلى الفرات إلا إذا تركناها مشرعة لبساطيرهم وسكتنا عن اختراقهم ذواتنا الفردية مستضعفين أذلاء.

ما الذي يجعل امة مثل الأمة العربية تهرع للبحث عن حل لازمة عدوها أيا كانت تصنيفاتها وترتيباتها كقومية واحدة أو عدة قوميات أو حتى وطنيات تنتمي لمكان واحد أو دين واحد أو دينين لهم نفس التاريخ ونفس اللغة, ثم من قال إن اليهودية ملك لدولة الاحتلال حتى تسمي نفسها بهم وتنطق باسمهم ونحن لدينا يهود عرب في الأرض العربية وفي العديد من بلدانها لازالوا يعيشون وينتمون لموطنهم وقوميتهم العربية في لبنان وسوريا وتونس وغيرها وغيرها كما أن هناك يهود ينتمون لكل قوميات الأرض ولا يعترفون بان دولة الاحتلال هي دولتهم, لماذا يخترقون صفوفنا عنوة ولا نجد طريقا واحدة رغم كثرة الطرق لتفرقتهم واختراق صفوفهم بل إن اليهود الذين استوطنوا فلسطينيين لا زالوا يتكلمون اللهجات العربية خصوصا اليمنية والمغربية وهم يغنون ويحتفلون ويأكلون ويبنون وينامون ويتزاوجون بالتقاليد العربية حتى اليوم فلم إذن نتنازل للكذبة التي جمعوهم حولها فقط لتدمير عروبتنا ووجودنا ولم لا نتركهم هم ليذوبوا ولم لا يخافون هم من ثقافتنا وحضارتنا ووجودنا ويبحثون عن حل لنرضاهم نحن وليس العكس كما هي مهزلة الحال القائم اليوم.

وأخيرا من قال إن القضية الفلسطينية للفلسطينيين ولم نترك أنفسنا وحيدين في الملعب ونعفي الكل من التزاماتهم, وأية مصلحة فلسطينية بذلك سوى أن الطريق تلك كما قال الملك الراحل الحسين بن طلال عنها بأنها مقدمة لشطب قضيتنا ومن يقرا الحال اليوم يرى حقا أن المقدمة كما يظهرها حالنا الفلسطيني اليوم هي فعلا كما قال فالقدس تهود علنا وعلى رؤوس الأشهاد والاستيطان على قدم وساق وبدل أن يجابهوا غزة والضفة استفردوا بالضفة وحدها وخنقوا غزة وأهلها وراحوا يصبون الزيت على نار الفرقة والانقسام لننشغل نحن بصراعاتنا الفارغة والغير مبررة إطلاقا وينجزون هم برنامج تدمير قضيتنا والتخلص منا, يتدخلون ببرامجنا الدراسية وبإعلامنا وحياتنا ويقول رئيس وزرائهم الحالي علنا أن له الحق المطلق بالاستيطان في جبال رام الله ونابلس أكثر من حقه في الساحل فأي حوار وأية مفاوضات إذن تلك التي نديرها مع هؤلاء ولم لا نعود للأمة لتتحمل مسئولياتها التاريخية تجاه قضية العرب والمسلمين أم أن من حق العرب فقط أن يتقنوا الغناء والزعيق عن فلسين والقدس دون أن يحركوا ساكنا عملا وبطلب منا وهل سيأتي اليوم الذي نطلب به نحن من العرب أن يتوقفوا حتى عن قرض الشعر عن الأقصى والقدس وان يوقفوا أحلامهم كما قد نجد أنفسنا يوما ملزمين بنسيانها إذا تعمقت حربنا الداخلية وبات تحرير غزة من حماس حلم فتح وتحرير الضفة من فتح حلم حماس عندها لن يبق متسع على صفحات الصحف العربية للتذكير بأقوال الراحلين الثلاث ولن يكون من يذكر قول الراحل ياسر عرفات حين كان يناكف المحتلين بقوله فليشربوا من بحر غزة تارة ومن البحر الميت تارة أخرى فلن يبق لنا ماء لنناكفهم بدعوتهم للشرب منه.

مطلوب من العرب تقديم مشاريع سلام – المبادرة العربية – ومطلوب من العرب قبول التطبيع ومطلوب عقد اتفاقيات صلح وقبول سفراء عدوهم وكل ذلك مقابل لا شيء على الإطلاق تقدمه دولة الاحتلال سوى المزيد المزيد من الانتهاكات وسرقة الأرض والتهويد والقتل والاعتقال والحصار والتضييق والاستيطان والجدار والضرب بالمجتمع الدولي وشرعيته وقوانينه عرض الحائط متناسية أنها الكيان السياسي الوحيد على الأرض الذي أنشئ بقرار من الأمم المتحدة نفسها فإلى متى إذن تبقى قضية إسرائيل ويهوديتها الشغل الشاغل للعالم وقضيتنا نحن تحمل أغنية يا وحدنا وللأسف بإرادتنا نحن لا غيرنا

مجلس ايران الاسلامي الاعلى .. أول الساقطين (الجزء الثاني)


الاستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس
أكاديمي عراقي

في بلد متعدد الاديان والاعراق كالعراق, وتحت ظلال المستويات الفكرية والثقافية والتعليمية المعروفة والسائدة لسواد الناس, يصبح امام السياسة خياران لا ثالث لهما. الاول خيار البلد الواحد الذي يقتضي ان تكون الطبقة السياسية والنخبة التي تتصدى لادارة الدولة تنتمي الى كل الشعب وليس الى فئة واحدة دينية او مذهبية او عرقية وأبعد من هذا أن لا يحضر في التصرف السياسي مطلقا اي انتماء لا في الباطن ولا في الظاهر، الى اي توزيع من هكذا نوع. أما الخيار الثاني فهو ان تتحول نخب ادارة الحكم الى شراذم ينتمي كل منها الى مذهب او دين او عرق وليس خدما وبناة ومخططين، كل فرد فيهم هو الشعب بكامله والوطن بكل تضاريسه البشرية والجغرافية.
كان خيار العراق السياسي مذ قامت الدولة العراقية الحديثة والمعاصرة اعتماد قوى سياسية وطنية وقومية, وكان التنافس السياسي والنمو الحزبي يكاد ينحصر بين هذه القوى رغم ان تشكيلات طائفية وعرقية كانت تتحرك تحت ثقل الرفض الواعي لوجودها، فبقت اما منكفئة بعدد لا يعدو بضع عشرات من الحالمين خارج زمن الواقع او بذات العدد يقبعون كخلايا نائمة تحت الارض لا يشفع لها شفيع غير السرية والعمل المتكتم لعمالتها وانتماءها المشرذم.
كانت عودة خميني الى ايران عام 1979 على اكتاف ثورة الشعب الايراني العارمة على نظام الشاه العميل المتخلف وعلى متن طائرة فرنسية بداية انطلاق المد السياسي الديني الطائفي ليس في ايران وحدها، بل وفي المنطقة عموما والعراق خصوصا. ان عودة خميني لم تكن كما يريد البعض ان يصور, واقعة خارج سيطرة وحسابات نهج وخط السياسة التي ينتهجها اصحاب الطائرة التي اقلته وحلفاءهم التقليديون من اميركان واوربيون وصهاينة ... ومن السذاجة بمكان ان يقبل انسان راشد ان ابعاد الشاه وهو العميل التقليدي وشرطي الامبريالية والصهيونية في المنطقة وابداله بخميني قد كان تعاطفا عفويا مع ثورة الشعب الايراني او خضوعا مطلقا لارادتها مقرون بخروج كل القوى ذات المصلحة من التواجد في ايران سرا وعلنا .. هكذا افتراض يسقط معاني المصالح الاستراتيجية ويضع المفترض في متاهات اللا يقين ودائرة البلادة قبل ان يضع اهل المصالح المعنية في دوائر السذاجة والبلادة. الصحيح ان الامبريالية والصهيونية قد اوكلت لخميني ودولته وطائفيته ان تقوم بادارة وتعميم وتصعيد وتجذير الخط السياسي الديني والطائفي والعرقي طبقا لمصالحها ومصالح الصهيونية.
أوجزنا في الجزء الاول من هذا المقال ظروف ومداخلات تاسيس المجلس الاسلامي الايراني في قم وطهران مع بدء الحرب الايرانية على العراق ومن عناصر ايرانية وعراقيين من التبعية الفارسية سُفروا من العراق لانهم شكلوا طابورا خامسا ومن الاسرى العراقيين الذين أُجبروا وورطوا بالضغط والترهيب والترغيب وهم يقاسون اسوأ انواع التعذيب وابشع صنوف التعامل غير الانساني في اقفاص الاسر وأُدخلوا تحت هيمنة المجلس وبدر بمسمى مهين هو التوابون .. للدلالة على انهم لم يكونوا مسلمين وتابوا على يد الفرس ومحمد باقر وعبد العزيز الحكيم وهادي العامري والقبنجي والصغير وامثالهم من سفاحين وجلادين وقتلة لم يعرف تاريخ البشرية مثيلا لوحشيتهم واجرامهم. ومن الجدير بالذكر ان مئات من هؤلاء قد فر من المجلس وبدر فور عودتهم الى العراق وانتقلوا للسكن في محافظات غير المحافظات التي نُسبوا للعمل فيها عندما دخل بدر خلف دبابات الاحتلال بصفته جيشا ايرانيا مثله مثل اي جيش آخر دخل العراق غازيا محتلا.
اذن سننتقل الى المظاهر الاخرى الدالة بوضوح على تدحرج هذا التنظيم الكسيح العميل والدخيل وانهيار مشروعه الايراني العسكري والسياسي. وسنضع رؤيتنا في بابين اساسيين:
السقوط الطائفي:
قدم المجلس وميليشياته كيانهم بعد الاحتلال للشعب العراقي على انهم الجهة التي تمثل شيعة العراق. وانهم الفئة المصطفاة لاستعادة حقوق هُضمت للشيعة مذ اوجدهم الفرز الطائفي للاسلام. وحملوا الوية فك طلاسم ما عرف بمظلومية الشيعة. واذا كانت هذه الادعاءات قد وجدت من يصدقها او يصغي اليها في بداية الغزو وتحت عوامل الفراغ والتيه السياسي فانها بعد حين قصير قد اخذت بالافول والتراجع لانها لا تمتلك شيئا من مقومات البقاء ولا جذرا من جذور العقبة الاولى التي اصطدمت بها العجلة الطائفية المجلسية الايرانية هي وعي شعبنا العظيم بأخطار الطائفية وكذلك فان سنوات ما بعد الغزو والاحتلال وما مارسه دهاقنة المجلس من سياسات خرقاء وجوفاء قد برهنت على صواب المواقف الوطنية التي اتخذتها دولة العراق الوطنية وحزب البعث العربي الاشتراكي من الطائفية عموما، وادرك الناس على نطاق واسع ان تحجيم نشاط الاحزاب الطائفية لم يكن مبررا فقط، بل انه كان واجبا وطنيا مقدسا. كما ان المئات من عناصر الجناح العسكري, بدر, قد فرت فور دخولها العراق وهربت من تشكيلات فيلق الغدر وهاجرت كما قلنا الى محافظات مختلفة لتتخفى وساهمت باضافة اشراقات وعي وتنويرمهمة الى ما كان ينشره آلاف الاسرى العراقين عن ممارسات محمد باقر الحكيم وعبد العزيز الحكيم وسواهم من اقزام العمالة والولاء للفرس ومنهجهم الطائفي المقيت والوسائل المنحطة التي عذبوا بها الاسرى العراقيين. لقد تحول هؤلاء الى اجهزة اعلام بشرية داخلية ساعدت في تمزيق رهان اميركا وايران الاعلامي الضخم على المجلس واسقطته في متاهات الازدواجية، و برزته هيكلا للكذب المفضوح ومشروعا للانتفاع الحرام يستخدم الدين والملة والعمامة ستارا للمشروع الفارسي الاجرامي.
ولقد كان لدخول العجم الى العراق الجنوبي وخاصة المحافظات المقدسة وتحكمهم بأوضاع البلد ورقاب الناس قتلا واعتقالا وتهجيرا قد اوقدت من جديد مشاعل الرفض الشعبي العام، وعند عشائرنا العربية بشكل خاص التي يأبى رجالها الخنوع لوسخ وقرف وجبن العجم ان يحكمه. واضافت تصرفات العائلة الحكيمية الفارسية الشاذة والمنحرفة حفيظة العراقيين حين وجد هؤلاء العراقيين انفسهم تعلو رؤوسهم صور خميني, وايات الفرس الاخرين, الذي قتل الآلاف عبر حربه القذرة على بلدنا وكان السبب الرئيسي في تدمير نهضتنا وبنانا التحتية وعرقلة مشروعنا القومي التحرري العظيم مستجيبا لاملاءات الغرب لتسليمه السلطة في البلد الذي جهزه الغرب ليكون خامس قوة في العالم في زمن شرطيه الشاهنشاهي العميل, وفي نفس الوقت رأوا بأم اعينهم الفساد والافساد الذي يتناقض مع العمامة والجبة بشكل فاضح سواءا عبر الامتلاك غير المشروع للعقارات والاراضي والبساتين ومنشآت الدولة او عبر آلاف المقاولات والمشاريع الوهمية التي مُنحت لدهاقنة المجلس. وفوق هذا وذاك انكشاف الكم الهائل من جرائم القتل بدم بارد التي مارسها قادة المجلس وبدر لعراقيين ابرياء لا ذنب لهم سوى الانتماء الى وطن يحبونه ويسعوون لرفعته.
لقد سقط المجلس في برنامجه الطائفي لان شعبنا ليس طائفيا ولا يؤمن بالطائفية ولا يحتكم اليها ويعتبر الولاء للوطن فوق اي اعتبار اخر. ان اهل الفرات والجنوب العراقي الذين راهن عليهم خاسئا مجلس ايران الطائفي هم انفسهم من قاتل الطائفية الخمينية وتوجهات تمددها الاجرامي في ظل دولتهم الوطنية وانتصروا عليها في حرب الثماني سنوات وهم انفسهم من ادركوا ويتصاعد ادراكهم الان ان مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال قد جاءت لتثأر لايران وهزيمتها ولتقتل الروح الوطنية التي انتصر بها اهل الجنوب على العدوان الخميني الذي زرعته اميركا والصهيونية لتدمير الامة وتزور التاريخ مع ان شهوده احياء بالملايين . لقد ادرك اهلنا الجنوبيين ان المجلس يشوه تاريخ عرب الجنوب الوطني ويلطخه بعار الولاء لغير الله والوطن.
لقد سقط المجلس سقوطا مدويا واثبت انه لا شيعي ولا مسلم بالفعل العياني مثلما اثبت انه لا يصلح لادارة دولة .. ومع موت عبد العزيز الحكيم بعد ان اكل صدره المملوء بالغل والحقد الفارسي ذاك السرطان الذي انتقمبارادة الله سبحانه لأوجاع وآلام آلاف الاسرى الذين عذبهم في اقفاص الاسر الايرانية ليجبرهم على الانضمام للمجلس ولبدر وانتقم لدماء مئات الآلاف من العراقيين الذين هدرت دمهم طائفية المجلس وانتماءه للعدوان الاجرامي الفارسي، بعد الاحتلال الغاشم.
السقوط الفيدرالي:
دخل المجلس واعوانه من اقزام الفرس متحالفا مع الاحزاب الكردية الخائنة العميلة ومحزما بخطط اميركا لتمزيق العراق على خارطة فيدرالية اعد لها في دهاليز مخابرات اعداء العراق والامة وتوافقت معهم ايران لتحقق غرضا عدوانيا سريعا هو اسقاط الحكم الوطني العراقي. واستفاد المجلس من خاصية لم يلتفت اليها الكثيرون لبعض الوقت .. هي ان شعبنا لم يتداول مفهوم الفيدرالية من قبل ولم يعرف على درجة كافية معناها ومخاطرها على بلد موحد منذ الازل. لذلك كان دخول المجلس واعوانه من بوابة التثقيف على ان الفيدرالية هي مجرد اسلوب للحكم تتيح الرفاهية والتطور للمنطقة المفدرلة!!. غير ان هذا التوجه الاجرائي المجلسي قد بدأ بالاصطدام تدريجيا بتصاعد فرز خيوط اللعبة الوقحة لتقسيم العراق عبر الفيدرالية، وبعد ان اتضح ان الفيدرالية هي تقسيم للبلد على اسس طائفية حقيرة وارتكاز على اجتزاء ثرواته وخيراته على ذات الاساس العرقي والاثني المجرم في احط جريمة وطنية يتعرض لها العراق في كل تاريخه. لذلك سقط هذا الخيار شعبيا وثبت هذا السقوط باستفتاءات كان لها وقع الصواعق على كيان المجلس وبدر ولذلك انطمر المشروع ولو آنيا تحت عباءة التقية الفارسية وباطنية الفساد المعمم زورا وتدليسا.
ومرة اخرى فان مرحلة موت عبد العزيز الحكيم قد ادخلت المجلس ودهاقنته الفرس واولياءهم من اقزام الجنسيات المزدوجة في طور جديد .. سنتناوله في الجزء الثالث بعون الله.
وننتهي هنا لنقول: لقد سقطت خيارات المجلس وبدر فهل سيتعلق عمار الحكيم بذات الحبال التي تعلق بها حزب الدعوة المالكي بعد ان ادرك ان ما دخلوا به من اجندات غير قابلة للتطبيق؟ وهل سيسمح شعبنا بانطلاء لعبة دولة القانون المزيفة، وتوجهات عمار الجديدة التي يستفيد فيها من دهاء الباطني للمالكي والدعوة ويحاول ان يدفن فيها عفن المجلس مع جثة والده التي تعفنت عقابا من الله سبحانه في سطح الارض قبل جوفها؟

مجلس ايران الاسلامي الاعلى وعلامات السقوط المبين الجزء الاول


الاستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس

أكاديمي عراقي

الافكار والتوجهات التي تولد في احضان عوامل الموت والفناء لايمكن ان تعيش وتعمر طويلا خلافا لمكونات ولادتها. وابرز واهم مكونات بيئة الولادات المحكومة بالفناء الحتمي للاحزاب والحركات والقوى السياسية هي ان تكون نطفة ولادتها هجينة, اي غير نقية, وحاصلة بفعل نزوة او رغبة اججتها مكونات لا تمت للحب الطاهر الشريف المغروس في البشر كارادة الهية لضرورات الاستخلاف بصلة، بل على العكس فانها تنبثق من صلب عهر لايعرف غير الكراهية والاحقاد والضغائن ومكونات الثأر البدائي الفطري المتلبس بأتربة وغبار الاحباط والانكفاء وراء غايات واهداف يمكن ان تهرول لاهثة خلف مقومات الحياة لفترة من الزمن وان تنالها بهذا القدر او ذاك لفترة محدودة ومحسوبة من الزمن، غير انها سرعان ما تفحط وتترهل طاقات جريها وتتحول الى زحف سلحفاتي يستهلك الزمن ويستنزف الطاقات الذاتية والموضوعية لها وللمحيط الذي دخلته كجينات هجينة او كفايروسات نمت في اجواء ظرفية ثم جلبتها عوامل التعرية وانجرافات التربة واسقطتها في بيئة لا تتوافر على عوامل النمو ولا البقاء فتنتحر بعد حين. وهذا هو شأن وحال التنظيم العميل الذي انجبته البطن الايرانية في عملية تلاقح ونكاح غير طاهرة ولا تحمل اي معلم من معالم الشرف ومنحته طهران اسم (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية وجناحه العسكري فيلق بدر) لتخفي تحت كيانه الخائن الفاسد الاجرامي ، معالم ذاك التلاقح القذر بين ارادة التوسع والتمطط الفارسي الاهوج وبين روح الانتماء القاصر والمزدوج لشلة من العملاء والمرتزقة والمأجورين ونهازي الفرص, التلاقح الناتج عن نزوة لم تمسس في يوم ابدا اي معنى من معاني القدسية والطهر والشرف ليكون الوليد الناتج عنها محض كيان سفاح لاينتمي الى ارض ولا الى سماء بل هو سابح في اجواء بعينها لايمكن لحصيف ان يرتجي منها مزنة مطر ولا فرصة محتملة على الاطلاق تنمو فيها حبة زرع رغم ان الوجود الكياني لها مشهود ومسموع ومقروء عبر لافتات مستوردة هي الاخرى ولا توجد لها قوائم ارتباط او مثبتات وجود على ارض العراق الطاهرة بل محض ظواهر صوتية بائسة.

الافكار والقوى السياسية التي تلد تحت عوامل اغتراب، وتحمل اهدافا وغايات لاتباركها ارض ولا سماء بسبب عوامل الولادة غير الشريفة وغير الموضوعية لايمكن ان تنمو وتعيش الا لفترة مقننة من زمن لايحسب على حياة الشعوب ولا على تاريخ حركتها المتصاعدة الى امام رغم انها قد تكون جزءا من لحظة تاريخ مصطنع لاينتمي للارض ولا للشعب بل لارادة غريبة وطارئة هي الاخرى، وللحظة تراجع وتبعثر وفوضى وشلل للادراك وقصور للرؤيا تمليها عوامل ملزمة وطارئة كالاحتلال والغزو مثلا. وهذا هو حال ووصف الكيان الدموي الخياني الذي قد تحول بفعل عوامل التعرية والتآكل الطبيعية والسريعة جدا بالاسم اولا من المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق الى المجلس الاعلى الاسلامي بعد ان وجد الفاشلون انفسهم يحملون اسما سفاحا وعاهرا وغريبا على الارض والسماء والتاريخ والزمن ومن غير دلالات حقيقية وطنية كانت او دينية، فكانت عملية تبديل الاسم التي مرت دون ان يتوقف عندها المحللون والمفسرون وقفة جدية هي اول علامات السقوط والفناء الذي بدأ ولن يتوقف الا بفناء تام وناجز لهذا التشكيل الفايروسي ابن النطفة القذرة لارادة ونزوات ايران الفارسية الطائفية غير المقدسة. فاليقين ان تبديل الاسم للمجلس لم يكن تعبيرا عن حيوية خرجت عن اطار الاحتواء الجسدي لتفتح امام الكيان الموبوء فرص الانفتاح والتوسع والتجذر والنمو، بل كانت هروبا لايستند على ارض، بل هو الاخر عائم ومحبط بعد ان سقطت سطوة العمامة المزيفة واستهلكت تماما في اسواق النفاق وروح الثأر الفاسد غير المقدس واطماع الارواح الشريرة الجشعة اللاهثة بتعمد ووعي كامل خلف سراب ايمان بدين منحرف ومذهب مدلس وانتماء اجتماعي هجيني ولد من نطف عاهرة وزرع في بطن الزنى.

ان تبديل الاسم والتنكر للافتة التجارية المسجلة (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق) قد جاء كنتيجة طبيعية لست سنوات من اللهاث وراء الفشل والخيبة الفكرية والعقائدية تحت حراب الاحتلال وفي ظلال الفوائد الخيانية التي حسبها عمائم الخيانة في المجلس. وأهم من هذا فان تغيير الاسم قد جاء بعد ان استنفذت اللافتة معنى رفعها بالاصل، حيث انها كانت تعني حصرا وتحديدا ثورة الانتصار لخط الاحتلال الفارسي للعراق عبر حرب مباشرة دامت ثمان سنوات قبل ان تندحر وتسقط في مكبات تاريخ العدوان السفيه والاجرامي غير المبرر على الدول والشعوب. وحيث فشلت الثورة الاسلامية الفارسية في تحقيق مرامها المباشر باحتلال العراق انقلب السحرة والعهرة ليديروا وينفذوا اقذر عملية استقواء باليهود والنصارى من الامريكان والانجليز ليدخلوا عبر بوابة الغزو المجرم والاحتلال الغاشم لتنفيذ مرام ايران وهدفها الذي سقط بالحرب المباشرة ضد العراق. ومن الواضح ان المجلس الاعلى قد انتهت ثورته باحتلال العراق فتحول الى كيان غير ثائر، بل وأخس من هذا انه قد تحول الى التعبير الطبيعي عن ذاته ككيان عميل وخائن مركب ومزدوج لايران ولامريكا وللكيان الصهيوني المجرم بمعنى انه قد اسفر عن حقيقته وجوهره العميل والخائن .... وكل ذلك هو النتيجة الطبيعية لانتماء ولادة المجلس وانتماءه العقائدي والفكري الى دروب الخيانة والعمالة ومعاداته للعراق وشعبه .. اي انه حمل بذور موته وفناءه وسقوطه لان النطفة العاهرة في البطن الزاني لا تلد الا مولودا كسيحا ومنغوليا لا يعيش الا بعض وقت.

وحتى نلتقي في الجزء الثاني من دلالات سقوط المجلس الاسلامي الاعلى للثورة الفارسية بعد ان كشف شعبنا زيف عمائمه وخسة المنتمين له ونذالتهم وفسادهم .. فلقد اراد الله سبحانه ان يزكّي العمامة التي تنتمي الى رسول الله وآل بيته الاطهار فقتل شر قتلة واسقط وفضح رموز تزييفها وتدنيسها ... والله اكبر.

العراق .. احتلال ودستور وقانون


د. محمد الشيخلي

عندما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الانتقال من مرحلة الحرب الدبلوماسية ضد العراق والتي دامت ثلاثة عشر عاما من عام 1990 وحتى 2003 إلى مرحلة الحرب العسكرية (غير المشروعة) في مخالفة صريحة للقرار 1441 /2002 (باعتراف كل مراكز البحوث القانونية الدولية والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ) ولم تستند فيها إلى قرار دولي جديد يصدر عن المجتمع الدولي في حينها ممثلا بمجلس الأمن يجيز لها استخدام القوة العسكرية في فرض ((قرارات مجلس الأمن الدولي)) الصادرة ضد العراق وبظروف دولية غير متوازنة في ذلك الحين وبالتالي فأنها شنت الحرب في 19آذار/مارس 2003 واحتلت العراق في 9 نيسان/ابريل2003، خلافا لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي وضد رغبة المجتمع الدولي، رغم أن لعبة (توزيع الأدوار كانت واضحة) بين أعضاء مجلس الأمن سواء منها دائمة العضوية أو غير دائمة العضوية. فتكون القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها وفقا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 هي قوات ((احتلال غير شرعية)) دخلت أراضي دولة عضو مؤسس في الأمم المتحدة (جمهورية العراق) بدون تفويض دولي وهذا يحملها المسؤولية الكاملة وفقا للقانون الدولي والالتزامات المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف والملاحق المرفقة معها وخاصة برتوكول عام 1977.
وقد سارعت الأمم المتحدة بعد هذه الفضيحة الدولية بدل أن تصدر قرار وفق المادة 6 من ميثاقها (إذا أمعن عضو من أعضاء 'الأمم المتحدة' في انتهاك مبادئ الميثاق جاز للجمعية العامة أن تفصله من الهيئة بناءً على توصية مجلس الأمن. ذهبت إلى أن تصدر القرار 1483/2003 والذي أقر صراحة باعتبار (جمهورية العراق) تحت الاحتلال (القيادة الموحدة لدول الاحتلال) وبالتالي فأن هذا الإقرار الدولي الصريح يرتب التزامات دولية على دول الاحتلال وعلى المجتمع الدولي لاحقا في الدفاع والتعويض للدولة المحتلة أراضيها (العراق) ويلزم مجلس الأمن بإصدار قرار لتحرير العراق فورا والاعتراف بالمقاومة كحق مشروع للشعب العراقي وإرسال قوات دولية لتحريره ومن ثم تعويضه التزاما من مجلس الأمن الدولي بمهامه في حفظ الأمن والسلم الدوليين (ميثاق الأمم المتحدة 1945 الفصل السابع في المواد من 39 إلى 51 )) وهذا ما تم تطبيقه بأحداث الكويت عام 1990 و1991 في القـــرارات من 660 إلى 687 ولم يحدث لصالح العراق عام 2003!؟ ((ميثاق الأمم المتحدة-المادة 2/1 تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها) وهذا الإقرار الدولي يلزم أيضا دولة الاحتلال بعدم تغيـــير ((دستور وقوانين الدولة المحتلة أراضيها)) أو حتى سعيها لفرض قوانين على السكان (اتفاقية جنيـــف الرابعة 1949) .
إلا أن قوات الاحتلال الأمريكي وبشخص الحاكم الأمريكي (بول بر يمر) والذي منح نفسه الحصانة الملكية باعتباره مصونا غير مسؤول مستحوذا على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبمخالفة صريحة للقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة 1949 ولقرار مجلس الأمن الدولي 1483/2003 ولقواعد وأعراف الحرب رغم استناده لها فقد أصدر اللائحة التنظيمية رقم 6 في 13/7/2003 لتشكيل مجلس الحكم (سلطة عراقية بظل الاحتلال) والأمر الخاص بلجنة المراجعة القضائية (في تدخل صريح بالقضاء العراقي - اتفاقية جنيف الرابعة- يحظر على دولة الاحتلال أن تغير وضع الموظفين أو القضاة في الأراضي المحتلة أو أن توقع عليهم عقوبات أو تتخذ ضدهم أي تدابير تعسفية أو تمييزية إذا امتنعوا عن تأدية وظائفهم بدافع من ضمائرهم) والأمر الإداري رقم 2 /2003 بحل مؤسسات عراقية كاملة أنشئت منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وفي ظل حكومات عراقية ممثلة في الأمم المتحدة جميعها (الجيش والشرطة) والأوامر الخاصة بقطاع الأعلام رقم 14 و65 و66 لعام 2003 والأمر 17/2003 الخاص بمنع المحاكم العراقية من سماع الشكاوى ضد القوات (متعددة الجنسيات) والشركات العاملة معها (الأمنية وغيرها) ورعايا دول التحالف (دول الاحتلال) كما أصدر الأمر رقم 43 الخاص بتأسيس المحكمة الجنائية الخاصــــة لمحاكمــــة أعضاء الحكومة الشرعية العراقية (المعترف فيها بالأمم المتحدة كحكومة شرعية تمثل الشعب العراقي في المحافل الدوليــــة) في مخالفة صريحة لحق الشعوب في مقاومــــة المحتل (ميثاق الأمم المتحدة 1945 ) ولاتفاقية جنيف الرابعة في المادة 70 (لا يجوز لدولة الاحتلال أن تقبض على الأشخاص المحميين أو تحاكمـــهم أو تدينهم بسبب أفعــال اقترفوها أو آراء أعربوا عنها قبل الاحتلال أو أثناء انقطاع مؤقت للاحتلال، باستثناء مخالفـــات قوانيـــن وعادات الحرب) كما أقر وأصدر قانون أدارة الدولة الانتقالي والذي مــــن خلاله سوف يتم كتابة القانون الأساسي (الدستور) وهذا يعني أن الأساس الدستوري والــقانـــوني لما سيشرع لاحقــــا سيتم من خلال هذه المؤسسات المشرعة بموجـــب قانون أدارة الــــدولة الانتقالي (وهي مؤسسات غير شرعية وغير مشروعة) انظر أوامر سلطة الائتلاف المؤقتة (Coalition Provisional Authority ).
وبهذا فأن الاحتلال أنشأ سلطات غير دستورية وغير قانونية وفقا للمعايير الدولية وفرضها على الشعب العراقي في ظل ولاية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483/2003 ومن ثم القرار 1500 و 1511 /2003، وعليه فأن كل التشكيلات التي تم تأسيسها لاحقا والتشريعات (الدستورية والقانونية)سيكون منبعها التشريعي هو مؤسسات أنشأها المحتل (وفقا لتواجد قوات أجنبية في دولة محتلة أراضيها غير شرعي وغير مشروع)-(أنظر اتفاقية جنيف الرابعة1949 .
واستنادا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة ولقاعدة ((ما بني على باطل فهو باطل وما يخرج من رحم الباطل فهو باطل أيضا)) فقد خالف مجلس الحكم المعين من الحاكم المدني للمحتل وغير الشرعي في 1حزيران/يونيو 2004 وأصدر ملحق قانون أدارة الدولة الانتقالي تم بموجبه تشكيل سلطة عراقية (حكومة عراقية معينة) لإدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والتي تعتبر كل قراراتها باطلة وغير شرعية وغير مشروعة لكونها امتدادا غير قانوني لسلطة الاحتلال ومخالفة لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة، خاصة وأن القوات العسكرية الأجنبية (قوات الاحتلال الأمريكي والقوات والمتحالفة معها) ما تزال تحتل الأراضي العراقية ولا توجد أي اتفاقية للانسحاب أو الاستسلام بين هذه القوات الأجنبية المحتلة وبين المقاومة العراقية الشرعية رغم أن مقاومة المحتل كانت وما زالت مستمرة ولم تتوقف أطلاقا.أنظر (المادة 51/الفصل السابع- ميثاق الأمم المتحدة .كما أن من أعراف وقواعد الحرب على القوات المحتلة أن تبرم اتفاقية استسلام مع ممثلي الدولة المحتلة أراضيها عند انتهاء العمليات العسكرية وكما حدث في فرنسا والمانيا واليابان خلال وبعد الحرب العالمية الثانية عام 1945.
وقد تم أيضا تشكيل كيان يسمى الجمعية الوطنية الانتقالية استنادا لاتفاق بين سلطة غير شرعية هي قوات الاحتلال وبين سلطة عينها الاحتلال هي مجلس الحكم باتفاقية سميت ((بالعملية السياسية )) أبرمت بين (بول بر يمر وجلال الطالباني ) ذكر فيها مايلي (ستجري انتخابات أعضاء المجـــلس الانــــتقالي من خلال عملية شفافة وعلنية وديمقراطية من خلال مؤتمرات انتخابية في جميع محافظات العراق البالغة (18). وستشرف سلطة الائتلاف المؤقتة في كل محافظة على عملية تشكيل 'لجنة مُنظِمة' من العراقيين. ستتكون هذه اللجنة من 5 أعضاء يعينهم مجلس الحكم و 5 أعضاء يعينهم مجلس المحافظة وعضو واحد يتم تعينه من قبل المجلس المحلي عن كل من المناطق الخمسة الأكبر ضمن المحافظة).
فبأي سند قانوني سمح المحتل وأعوانه المعينين لأنفسهم بتأسيس مبدأ جديد للانتخابات غير شرعي وغير مشروع في ظل الاحتلال وبأشراف الاحتلال المباشر، ومن ثم أنيط بهذا الكيان مهمة تكييف الأوامر والقوانين الرئيسية المؤثرة في البنية التأسيسية للدولة العراقية والصادرة من الحاكم المدني المحتل في العراق بصيغة قوانين تسمى لاحقا أنها صادرة عن سلطة تشريعية عراقية (متناسين أنها امتداد لأوامر المحتل رغم علمهم بتواجد قوات الاحتلال وسيطرتها على العراق بتغيير المسمى من قوات احتلال إلى قوات متعددة الجنسيات !) وهي قوات احتلال فعلية أجنبية داخل العراق، والخطر في هذا التشكيل أنه سيأخذ زمام شرعنة أوامر المحتل وجعلها أمرا واقعا على الشعب العراقي بحجة صدورها من هيئة تشريعية عراقية (ذات سيادة) ومنها أيضا تشكيل لجنة لكتابة ما سمي بالدستور، وفعلا تم تمرير قانون أدارة الدولة الانتقالي وبكافة مواده الملغومة لاحقا في تقسيم العراق ولما يسمى بمبدأ الفدرالية والذي كتبه ووضعه الأميركي اليهودي نوح فيلدمان وبلجنة عراقية معينة من قبل الحاكم المدني (بول بر يمر ) وبعد ذلك تم إصدار قانون للانتخابات العراقية بالرقم 16 لعام 2005 أنتقل بموجبه أعضاء مجلس الحكم المعين وأحزابهم من الجمعية الوطنية إلى شغل الكراسي النيابية غير المشروعة وغير الشرعية في مجلس النواب غير الشرعي بتواجد قوات الاحتلال داخل العراق .
((بطلان الدستور)) - فيما يتعلق بما سمي بالدستور لاحقا فقد كتب في ظروف غير شرعية أو مشروعة (تواجد قوات أجنبية داخل العراق) وبلجنة غير منتخبة/ لجنة كتابة الدستور (امتداد لأعضاء مجلس الحكم وأعوانهم بانتخابات تشرف عليها قوات الاحتلال. واستنادا لمبادئ وقانون أدارة الدولة الانتقالي باعتباره القانون الأساسي المفروض على الشعب العراقي في ظل مجلس الحكم المعين وغير الشرعي، فأن عملية الاستفتاء عليه كانت مزورة وباطلة استنادا إلى المادة 61/3 منه والتي تنص على (يكون الاستفتاء العام ناجحا ومسودة الدستور مصادقا عليها عند موافقة أكثرية الناخبين في العراق وإذا لم يرفضها ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات أوأكثر أي بمعنى ((جمع سكان وليس جمع مكان)) يتم جمع ثلثي السكان الناخبين في ثلاث محافظات مجتمعة بسكانها حتى وأن كانت الجغرافية متباعدة بينها وغير متجاورة، مثلا متباعدة-(نينوى والسليمانية والنجف الأنبار ودهوك والبصرة- أو متجاورة بغداد وصلاح الدين وديالى) حقيقة النص كان صريح جدا ... النص يقول ثلثي ثلاث محافظات ولو أراد المشرع المحتل في حينها (نوح فيلدمان) ومستشار المشرع غير الشرعي في (لجنة كتابة الدستور) لوضعوا النص على أنه ((ثلثا كل محافظة من ثلاث محافظات)) وليس ((ثلثي ثلاث محافظات)) (بالتزوير). التفسير لهذه القاعدة الدستورية غير الشرعية الموضوعة حول الاستفتاء على الدستور في قانون إدارة الدولة للفترة الانتقالية حينها يكون باحتساب الأصوات بثلثي ثلاث محافظات (مجموع سكان ثلاث محافظات مجتمعا ) وليس وباحتساب الأصوات في ثلثي سكان كل محافظة على حدة كما عملوا به زورا وبهتانا، النص كان صريحا جدا ونحن نستذكر أن هذا النص قد وضع في حينها حماية لثلاث محافظات كردية وقد صرح في حينها هوشيار زيباري بأننا نخاف من دكتاتورية الأغلبية حيث أنهم استخدموا دكتاتورية الأغلبية وحاولوا وضع هذا النص حماية للمحافظات الكردية ولكن يبدو أن السحر قد انقلب على الساحر حيث أن ثلثي ثلاث محافظات يعني مجموع الناخبين في ثلثي ثلاث محافظات مجتمعا وليس كل محافظة على حدة كما يحب البعض أن يصور الوضع داخل العراق حينها فثلثا ثلاث محافظات أي أن إجمالي ثلثي سكان ثلاث محافظات جملة وتفصيلا، قد نبعد محافظة ديالى وندخل محافظة النجف أو محافظة الديوانية لأن النص لم يميز في هذه النقطة بين المحافظات كما ذكرنا من حيث المذهب أو من حيث الملة أو القومية لم يشمل هذا وإنما كان صريحا ودقيقا، ونتائج ماسمي بالاستفتاء وما أعلنته المفوضية المستقلة للانتخابات هي أن محافظة ديالى صوتت 54' بأربعة وخمسين بالمائة ومحافظة صلاح الدين 72' باثنتين وسبعين بالمائة ومحافظة الأنبار 96' بستة وتسعين بالمائة لو جمعنا هذه الأرقام 54 + 72 + 96 =220 ، ستكون النتيجة هي (رفض الدستور) من ثلثي ثلاث محافظات عراقية، ومن منطلق لا اجتهاد في موضع النص فليس هنالك مجالا لتأويل هذا النص على غير ما جاء به وهو ثلثا ثلاث محافظات والآن الوضع يقول أن ثلثي إجمالي ثلاث محافظات قد رفضوا الدستور وبالتالي فإن هذا الدستور من الناحية الدستورية بالمعايير الشرعية والمشروعة أصلا قد فُند ولم يحصل على الأغلبية ورفض من قبل الشعب العراقي بمعايير تشريع المحتل وأعوانه والمعايير الشرعية الدولية .عليه فأن الدستور باطل وما يخرج من رحم الدستور هو باطل أيضا فلا مجال للمجادلة في القوانين والعملية السياسية لأن الأساس باطل (الاحتلال) والعهد باطل (الدستور) والكيان باطل (الجمعـــية الوطنية العراقية) ونتيجة الاستفتاء باطلة (بالتزوير) .

' مدير المركز الوطني للعدالة
المملكة المتحدة لندن

غاريبـــــــــالدي Garibaldi


ولد جوسيبي غاريبالدي سنة 1807، وكان بطلا قوميا وعسكريا في الكفاح الذي أدى إلى تحرير إيطاليا من الحكم الأجنبي وضَمِنَ لها مكانها ومكانتها بين أمم أوروبا الحديثة.

في ريعان شبابه وبواكير رجولته عمل غاريبالدي في سلك البحرية، وفي سن السادسة والعشرين تأثر بآراء وأفكار الفيلسوف والسياسي المحنك جوسيبي ماتزيني وبعض المتحمسين من جبهة التحرير الإيطالية، فقرر تكريس حياته لتلك الغاية النبيلة.

صدر عليه حكم بالإعدام في العام 1834 بسبب ضلوعه في انتفاضة فاشلة في جنوا فهرب إلى فرنسا ومن بعدها إلى أمريكا الجنوبية حيث عرف على نطاق واسع بأنه قائد لامع في نضال جمهورية أورغواي الحديثة ضد الأرجنتين.

في عام 1848 سمع بانتفاضة سكان شمالي إيطاليا ضد النمسا فيمم عائداً إلى بلده ليكافح ببطولة ضد المحتل، لكن إيطاليا مع ذلك بقيت تحت الاحتلال. وعندما فشلت تلك الثورة لجأ غاريبالدي إلى جنوا ثم إلى تونس، وسافر من بعدها إلى الولايات المتحدة.

خلال بضع سنوات من إقامته في الولايات المتحدة زار أمريكا الجنوبية عدة مرات. وفي عام 1854 عاد إلى أوروبا فاستقر في مزرعة صغيرة على جزيرة كابريرا Capreraفي البحر المتوسط.

في عام 1859 عندما ثار الطليان ثانية لاستعادة حريتهم تحت راية ملك سردينيا، شرع غاريبالدي بالعمل الجاد، وقد تواصلت أعماله البطولية بشكل مذهل حيث تمكن من استعادة صقلية التي انتزعها من ملك نابولي Naples بمساعدة كوكبة من المتطوعين الشجعان. وهذا الانتصار تبعه انتصارات أخرى أهمها زحفه المظفر على مدينة نابولي. وفي هذا الصدد يقول المؤرخ المشهور مايرز "إن الروح البطولية التي تمتع بها البطل المغوار غاريبالدي حولت مملكة سردينيا إلى مملكة إيطاليا."

بعد ذلك أوكل غاريبالدي كل الصلاحيات لملك سردينيا فيكتور عمانوئيل وعاد ليستقر في مزرعته على الجزيرة الصغيرة. لكن غاريبالدي لم يكن راضياً كل الرضى عن إنجازاته إذ كان يطمح لأن يرى روما وقد أصبحت من جديد عاصمة إيطاليا فقام بمحاولتين لاستعادتها. وفي محاولته الثانية لاسترداد المقاطعات البابوية سنة 1867 دحرته القوات الفرنسية التي هبت لنجدة البابا وأودع غاريبالدي السجن، لكن أفرج عنه فيما بعد وسمح له بالعودة إلى بيته ومزرعته.

إبان الحرب الفرنسية الألمانية التي نشبت عام 1870 قاد سرية من المتطوعين الفرنسيين في بورغندي وعند انتهاء الحرب انتخب عضوا في المجمع الفرنسي. وأخيرا تحققت أحلامه بتوحيد إيطاليا من أقصاها إلى أقصاها، وقد عادت روما عاصمة لها.

انتخب سنة 1874 لعضوية البرلمان الإيطالي وكان ذلك آخر منصب شغله في حياته.

(لقد أعجب مترجم هذه السطور بالبطل غاريبالدي وفي سنة 2000 أثناء زيارته لمدينة أسيزي الإيطالية، وبينما كان يقف أمام باب أحد المنازل قيل له أن البطل غاريبالدي عاش في هذا المنزل بالذات لفترة من الزمن.)

رحم الله أبطال كل الأمم فهم رافعو الحيف وملهمو الإنسانية على مر العصور.

المصدر: موسوعات
الترجمة: محمود عباس مسعود

تطور تاريخي بطيء في الصراع؟


الياس سحاب


مع ان المشهد العام للصراع العربي ـ الإسرائيلي يبدو منذ ثلاثة عقود ونيف، اي منذ توقيع اتفاقيات كامب دافيد، مشهداً ساكناً لا حراك فيه، خاصة في مجال العمل العربي الرسمي للأنظمة، السائر وراء المفاوضات كمن يلهث وراء سراب سياسي، فإن إمعان النظر عميقاً تحت سطح الأحداث، الى مجريات الحياة العربية العامة في المجتمعات العربية، كما داخل المجتمع الإسرائيلي، يجعلنا نحس بحراك تاريخي في الصراع، شديد البطء في حركته، لكنه حراك يسير حتماً، ومهما طال به الزمن، باتجاه تغيير المعطيات الحالية للصراع، التي كانت تبدو لنا في كثير من الاحيان وكأنها جامدة لا تتحرك، ابدية لا تتغير.
وأول ما يمكن اكتشافه عند الغوص بالنظرة التحليلية من سطح الاحداث، الى أعماقها، هو تلك الفجوة التاريخية التي تتسع شيئاً فشيئاً، بين وضع الصراع في مجال السياسة الرسمية لأنظمة الحكم العربية، من اقصى المشرق الى اقصى المغرب، ووضع هذا الصراع نفسه في المدى الواسع للبيئة الشعبية العربية، من المحيط الى الخليج.
لقد ورط النظام العربي الرسمي نفسه، وورط معه المنطقة العربية بأسرها، في حالة إلغاء للإرادة السياسية العربية، ولروح مقاومة المخططات الخارجية الزاحفة الى المنطقة، سواء أكان شكل هذه المقاومة عسكرياً أم سياسياً ام دبلوماسياً ام اعلاميا ام ثقافيا، وقبع هذا النظام العربي العام في موقع سياسي جامد لا يتحرك، ولا يفعل سوى توهم ان يأتي حل الصراع، منحة وتعطفا وتنازلا من الحلف الاستراتيجي الاميركي ـ الصهيوني، اي من الطرف الآخر في الصراع.
صحيح ان العقود الثلاثة التي مرت على هذا المسار لم تشهد تحركات شعبية عربية في اتجاه معاكس ومواز في الحجم والقوة لاتجاه الانظمة الرسمية، لكن الشعوب العربية كانت في اسوأ أحوالها في موقف المتفرج غير المقتنع بما يجري في المسار الرسمي للصراع، محتفظاً للحركة الصهيونية ولكيانها الاسرائيلي، بموقع العدو التاريخي سياسياً وثقافياً وعسكرياً وعاطفياً ووجدانياً، ومنتظراً لمسيرة الانظمة العربية الرسمية ان تصل الى الحائط التاريخي المسدود، الامر الذي يدفعها الى واحد من طريقين: اما السقوط بالاهتراء وانتهاء الصلاحية، او التحرك ولو بأبطأ ما تكون الحركة، بحثا عن اتجاه آخر في مواجهة الصراع المفروض والحتمي، والذي لا فكاك منه ولو في منام هذه الانظمة الرسمية.
لنلق نظرة سريعة على المشهد العام للصراع، في سنواته الثلاث الاخيرة، منذ العام 2006 وحتى يومنا هذا، الذي نقترب فيه من نهاية العام 2009.
يجب ان يكون المرء كامل السذاجة السياسية، حتى يقتنع بأن هدف إسرائيل في إطلاق عدوانها الشامل الكاسح على لبنان في صيف العام 2006، كان استرداد الجنديين اللذين اسرهما حزب الله، وذلك على الأقل بدليلين اثنين:
ان الحرب توقفت، ولم تستعد اسرائيل جثث الجنديين الاسيرين الا بعد ذلك، وبالطريقة التي حددها الامين العام لحزب الله منذ البداية (التفاوض وتبادل الاسرى).
ان وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة السيدة كوندوليسا رايس سارعت منذ الايام الاولى للعدوان الى الكشف العلني عن الهدف الحقيقي والمحرك الرئيسي للعدوان الاسرائيلي: «استيلاد شرق اوسط جديد».
كذلك، يجب ان يكون المرء كامل السذاجة السياسية، حتى يصدق ان سبب العدوان الاسرائيلي الوحشي على غزة (2008ـ2009)، كان مجرد الرد على بضعة صواريخ بدائية اطلقت على بلدات في جنوب اسرائيل.
فبين العدوان على لبنان، والعدوان على غزة، اكتملت صورة الشرق الاوسط الجديد الذي كانت تبشر به السيدة رايس، انه شرق اوسط خال من اي نزعة عربية الى المقاومة، بغض النظر عن مدى اكتمال نضج هذه المقاومة. المهم خنق الرغبة في المقاومة، وعدم اعطاء هذه الرغبة اي فرصة، ولو محدودة، بالقدرة على الصمود، حتى لا يستفحل امر رغبة المقاومة هذه، فتلتحم بالوضع الشعبي العربي العام، الذي اثبت على مدى ثلاثة عقود، حتى في أقصى حالات جموده السياسي، عدم اقتناعه النهائي بمنطق الانظمة العربية الرسمية في مسيرة الصراع المفتوح. انه شرق اوسط جديد تتكامل فيه انهزامية الشعوب مع انهزامية الانظمة الرسمية.
طبعا، في مقابل فشل خطة الشرق الاوسط الجديد الاميركية ـ الاسرائيلية هذه، لم يتحول الامر بالضرورة، فورا وآليا، الى ولادة الشرق الاوسط العربي المرجو والبديل. لكن التاريخ يفضل عادة السير بأبطأ سرعة ممكنة، ولا يغير نهجه هذا الا في المنعطفات الثورية الكبرى.
لنلاحظ ايضاً ان فرص تحول مسيرة الصراع ليست مرهونة فقط بالفشل الواضح في كسر ارادة المقاومة (مهما كان مستوى هذه المقاومة)، بل هي مرهونة ايضاً بذلك الجنون المتصاعد المسيطر على قيادة الحركة الصهيونية في إسرائيل، والذي يصر ّخلافاً لرغبة السيد الاميركي، على استحالة تحول الكيان الصهيوني الى جزء طبيعي من هذه المنطقة من العالم، خاصة على صعيد شعوب المنطقة.
إن تضافر هذين العاملين، قد وصل الى نقطة حساسة، يهيأ لي انها بدأت، تحت سطح السياسة الرسمية العامة، تدفع الصراع، وان ببطء شديد، في اتجاه يخرج به تدرجاً من الجمود المسيطر منذ ثلاثة عقود. وهذه الحركة الجديدة، على بطئها، قادرة في مواقع عربية معينة، على إحداث زلازل سياسية تغير صورة الاوضاع، حتى على سطح الحياة السياسية، وليس فقط في أعماقها.

الله يجيرنا من الأعظم


نضال نعيسة



صديقي العزيز، وتقريباً الوحيد في هذه الأيام، وهو من أصدقائي الوحيدين الباقين، الكاتب والصحفي السوري أبيّ حسن، صاحب الكتاب الرائع "هويتي من أكون"، وقد تمنعت عن التعليق على الكتاب، برغم روعته، لأسباب كثيرة لسنا في واردها، ويعرف بعضها صديقي أبيّ ولكنه قد لا يعرف بعضها الآخر، وناهيكم عن ذلك تجمعني مع الصديق، أبيّ، أيضاً، قضية زمالة بـ "الاتهام" بالعمالة لإسرائيل،( تصوروا إسرائيل، ما غيرها، ما شافت غيرنا رغم جيوش وفيالق الفاسدين الجرارة في الوطن العربي والمهجر المستعدين لأن يبيعوا أي شيء)، التي كالها، وفبركها لنا أصحاب المشروع القومي وجوهر التهمة أنه في عصر الأنترنت كسرنا طوق الحصار "القومي" المزمن على الفكر وحرية النشر، وأوصلنا أصواتنا المخنوقة، تاريخيا، خارج الأطر والمنظومات والآليات التقليدية، ولأن أحداً ما خارج المنظومة القومية ارتكب جريمة كبرى، بنظر القوميين، وتصدق علينا وقرأ لنا أحد المقالات، ونشره في غير مواقعهم الأمنية والمخابراتية والمفبركاتية، (وربما، أيضاً، بسبب غيرتهم وحسدهم، وقل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق، لأن أحداً ما لم يعد يقرأ لهم مقالاتهم القومية الناضحة بالوهم والتي تتحدث عن كائنات مميزة وخرافية غير مكتملة الوعي والنضوج الحضاري والوطني والإنساني يسمونها في أدبياتهم بالعرب ويريدون توحيدها في سجن كبير، لا من أجل أي شيء آخر سوى ألا يـُبقوا أياً كان خارج تسلطهم وتحت بساطيرهم)، نقول اتصل هذا الصديق العزيز ليبلغنا خبر خسارتنا للقضية في مرحلة الاستئناف، في الدعوة التي رفعناها ضد الجريدة التي نشرت الفبركة، بما يوحي بتبنيها ويعزينا ونعزيه، بآخر الفتوحات القضائية العادلة، بعد أن كنا قد حصلنا على حكم ابتدائي بتعويض قدرة مائة ألف ليرة سورية، حوالي( 2000$) وتعويض معنوي كبير، وهو الأهم، والأعلى، قضى بالبراءة من التهمة وكان وكيلنا القانوني الذي ترافع في هذه القضية هو الأستاذ المحامي الكاتب والصديق المحترم الأستاذ ميشيل شماس.



وقبل الاطلاع على حيثيات الحكم الذي لم، ولن أطلع عليه ما دام حكماً كلاسيكياً وتقليدياً كما سوابق عهده ي المنظومة، إياها، ونحن لسنا بخارجها بأية حال، ينال من التنويرين وأصحاب الفكر النهضوي والحر من أيام المعتزلة وحتى أيامنا هذه أيام "المبتذلة"، ففجيعتنا ما تزال هي هي، وهذا القرار لم يأت بجديد طالما أن تغييراً جذرياً وبنيوياً لم يطرأ على مجمل منظوماتنا القضائية والفكرية والثقافية والسلوكية التي ما زلنا نرزح في جلابيبها و"شراويلها" وطرابيشها العصملية، ونراوح في مكاننا بين جدرانها لمئات القرون، ونجتر أنفسنا وعلاقاتنا بطريقة أو بأخرى. فقرار خسارتنا للقضية لم يفاجئنا لأنه لم يأت بجديد، (فحتى اليوم لم نربح ولا قضية، وكل القضايا التي خضناها، كانت، تاريخياً خاسرة، وكل الحمد والشكر لله)، ولو أن قراراً مغايراً كان سيفاجئنا أكثر لو أتى بجديد وكان غير تقليدي، أو لو ربحنا الدعوة بشكل نهائي وعادت لنا حقوقنا وكرامتنا المسفوحة على صفحات إعلامنا الوطني الذي من المفترض أن يؤازرنا ويقف معنا لا أن يساهم، هو الآخر، في طعننا. وفي حقيقة الأمر، لسنا بحاجة لقرار لإثبات براءتنا، كما أن أي ادعاء آخر لا يمكن له أن يديننا، وهذا ما يدل على أن القرار لا قيمة له من الناحية العدلية والقضائية، فالنهار لا يحتاج إلى حكم قضائي لإثبات أنه نهار فهو نهار من دون أن يقول أحد ما عنه أنه نهار. وكل ما نطلبه من المولى جل وعلا أن تقف الأمور عند هذا الحد، وألا تقام ضدنا دعوى تشهير وذم وقدح للنيل من مقام الصحيفة وتعريض سمعتها للخطر جراء جرجرتها من قبل "شوية" عملاء إلى ردهات القضاء، ومن ثم أن تطالب تلك الصحيفة والقائمين عليها، بتعويض لو بعنا ما فوقنا وما تحتنا لما وفيناها حقها، ولم لا فكل شيء جائز؟ أوليست هذه سابقة لتجريم وتكفير كل تنويري وصاحب فكر حر، وهل سيعطى هذا الحكم الضوء الأخضر لأصحاب فتوى "الاتهام" ومشايعيهيم للمضي قدماً في تنفيذ فتاويهم، ورسالة هامة وصارمة لكل من تسول له نفسه التنويرية الآثمة أن يفكر في أن يكون تنويرياً في يوم من الأيام؟ وهل بتنا اليوم، في وضع الاستعداد، والتأهب، لتنفيذ مضمون فتوى التخوين والتشهير من أحد الرعاع، وبمباركة قضائية، هذه المرة؟ وسؤالنا، التحذيري الأخير حين تصمت كل هذه الأصوات الطيبة والتنويرية، وتخرس، من الذي سيدافع عن الأبناء، وعن الأجيال القادمة ضد مد الظلام والظلاميين؟ عادلة.



هذا الغيث من ذاك المطر، و"ذاك الفجل من هذا البصل"، ولاشيء جديد، وحين يكون هناك شيء جديد، لن يكون هناك من أصله، وخطؤنا الوحيد، ربما كـَمـَنَ باللجوء إلى العنوان الخاطئ، والزمن والتوقيت الخاطئ ، وربما الآثم، وطلب الحماية من غدر الوحوش الضارية والغادرين الذين يستسهلون كرامة وشخصية وسمعة الآخرين، ممن لا شيء عنده يعطيه. واليوم، وفي ضوء نظام قضائي عادل، كهذا، بات بإمكان أي كان أن يسب ويشتم ويتوجه باتهاماته، ضد أي كان، وذات اليمين وذات الشمال، ويكفر ويخوّن، ويهدد ويتوعد، وينافق ويكذب ويفبرك على الرأي، أن يفعل كل هذا، وبمباركة قضائية. وللتذكير، ففي الأمس القريب خضنا معركة "حضارية"، جداً، وأيضاً، مع جماعة سلفية هدرت دمنا، وكفرتنا....ولا نرى في حقيقة الأمر، كبير فرق بين المعركتين، فعلى أي جانبيك تميل أيها المسكين؟ والشكوى لغير الله مذلة.



وهذه القصة ذكرتني بقصة طريفة من التراث لأحد المحكومين الذين تفنن سجانوه وجلادوه، بجلده وتعذيبه وقتله على مراحل، فكان يأتي القرار الأول مثلاً بقلع أظافره، فيرد عليه، ودون أن تذمر، موجهاً كلامه لزميل سجين، الله يجيرنا من الأعظم، ومن ثم يأتي حكم آخر بنتف شاربيه، فينفذ ويردد بكل هدوء مرة أخرى، الله يجيرنا من الأعظم، وهكذا مع حكم قطع اليد الأولى ثم الثانية والجلد...إلى، وفي كل مرة كان يقول له زميله، وهل هناك من أعظم، فيقول له انتظر لترى، وفي المرة الأخيرة أتى الحكم القضائي العادل الأخير والقاضي بـ" يخوزق قبل أن يعدم، ويقطع رأسه، ويجرجر بجحش معقور أزعر في درب أوعر".



فهل علمتم ما هو الأعظم؟ ولنحمد الله أن الدنيا "لسه بخير "، ونردد مع صاحبنا الله يجيرنا من الأعظم، و"يا ما في الجراب يا حاوي"، و"الدايم" الله وعظم الله أجركم يا "خيي" أبيّ حسن. ولله يا محسنين.

حدود العلاقات الندية اليابانية - الأميركية وآفاقها


ماجد الشّيخ


تمثل جولة الرئيس الأميركي باراك أوباما الآسيوية – 12/20 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري – وفي مقدمتها اليابان، محاولة للعمل على إعادة أو استعادة الدور القيادي لواشنطن، وتخفيض حدة الخلافات مع الحلفاء التاريخيين في المنطقة، وذلك عبر البحث في أصداء الأزمة المالية والاقتصادية العالمية والعلاقات الدفاعية والإستراتيجية مع دول القارة، وكذلك عبر التركيز على محورية هذه الدول في اقتصاد القرن الـ 21، ومواجهة التحديات المشتركة مع التشديد على دور القيادة الأميركية كمحرك للتعافي الاقتصادي.



يأتي ذلك على خلفية ارتدادات الهزة التي مثلها فوز الحزب الديمقراطي الياباني في انتخابات آب (أغسطس) الماضي، والتي بدأت تتكشف تباعا، بدءا من إعلان طوكيو ندّيّتها مع واشنطن، ورغبتها نقل وإلغاء قواعد عسكرية أميركية، وذلك في جرأة غير معهودة، هي المرة الأولى منذ نصف قرن، حيث تنوي طوكيو مجابهة واشنطن بشأن مستقبل قواعدها العسكرية في اليابان. فضلا عن إعلان وزير الخارجية الياباني كاتسويا أوكادا ردا على تصريحات لوزير الدفاع الأميركي، "أن اليابان دولة ديمقراطية تحترم إرادة شعبها، ولهذا لن تقبل ما تقوله الولايات المتحدة لمجرد أنها الولايات المتحدة".

مثل هذه المواقف الجريئة، تنسجم ووعود الحزب الانتخابية، وما صدر عن قادته في أعقاب إعلان فوزهم الانتخابي، فقد أعلنت حكومة يسار الوسط التي شكلها يوكيو هاتوياما، أنها تزمع إقامة علاقات ندية مع واشنطن، وفي السياق أبدت رغبتها نقل قاعدة فوتينما الجوية الأميركية، الواقعة في منطقة عمرانية على جزيرة أوكيناوا الجنوبية، إلى خارجها، وذلك تنفيذا لوعود أطلقتها قبل الانتخابات التي أطاحت الحزب الليبرالي الديمقراطي (المحافظ) الذي استمر يحكم البلاد منذ العام 1955. كذلك يسعى الحزب إلى إدخال تعديلات على اتفاق مبرم مع واشنطن عام 2006، بشأن مراجعة الوضع المتميز الذي يتمتع به 47 ألف جندي أميركي ينتشرون في اليابان. كما تسعى طوكيو الآن إلى إنهاء مهمتها للدعم اللوجستي في أفغانستان في كانون الثاني (يناير) المقبل، وفتح تحقيق حول معاهدات سرية أبرمت بين طوكيو وواشنطن خلال أعوام الحرب الباردة.



باختصار.. تريد طوكيو في عهد الحزب الديمقراطي، واستجابة لوعوده لناخبيه، مراجعة كامل العلاقة التي ربطت اليابان بالولايات المتحدة، وإن لم يكن نقضها بالكامل، ولكن على الأقل مراجعة ما أملته سياسات الخضوع اليابانية، استجابة لما كانت تفرضه الولايات المتحدة، إلاّ أن ثمة معوقات قد تحول دون انعطاف كامل في السياسة اليابانية، نظرا لموازين وتوزع القوى داخل الحزب الديمقراطي، بوجود جناح يساري قوي، وآخر أكثر ليبرالية، وأكثر ميلا لعدم التصادم مع واشنطن. ولهذا السبب تنشأ ضرورة إجراء تعديلات في طبيعة العلاقات اليابانية – الأميركية، تلك التي فات زمانها، وسط عالم يتأزم على وقع مسببات أخرى اقتصادية ومالية بالدرجة الأولى، تتطلب تحالفات من نوع جديد، واستدارات في السياسة لم تعد تخضع لحسابات معطيات سابقة، نشأت في كنف ظروف الحرب الباردة.



وعلى هذا الأساس، لم تعد واشنطن تسعى إلى "تصفيح" هيمنتها في البيئة الأمنية والسياسية الآسيوية، حيث الوجود الفاعل لليابان والصين والهند وروسيا، بقدر ما تسعى إلى مواءمة وموازنة سياساتها الجديدة في المنطقة، في ضوء الوقائع الجديدة التي حتمتها الأزمة المالية العالمية، التي بدأت أميركية، وتوجه واشنطن للاستدانة وطلب تمويل خططها من الصين، حيث كانت (واشنطن) وحتى وقت قريب تتوجه لليابان بسياسات؛ دأبها الدفاع عنها في مواجهة ما كانت تسميه "التهديد الصيني"، وهذا وضع يحتّم تغييرا في بوصلة التحالفات، واتجاها أميركيا نحو تأدية دور سياسي يفيد أكثر العملية الاقتصادية الجارية للإنقاذ المالي، على حساب ذاك الدور العسكري الذي كانت تنيطه واشنطن بذاتها، وتنقله بالتبعية لطوكيو الراغبة الآن في تغيير أولوياتها جديا.

من ضمن هذه الأولويات، يشكل تقليص حجم الإنفاق العسكري الياباني، المهمة الواجب القيام بها، في ضوء التحسن التدريجي والمتنامي للعلاقات بكل من الصين وروسيا وحتى كوريا الشمالية، لا سيما وأن طوكيو بصدد تخفيض اعتمادها الأمني والعسكري على الولايات المتحدة جراء ذلك، حتى وهي تؤدي أو تستمر بتأدية دور عسكري ثانوي أقل تبعية للولايات المتحدة.

لكن التغيير في بوصلة التحالفات والاتجاه نحو تخفيف المغالاة في السياسات الأميركية، يجئ اليوم مترافقا مع خلاصة دراسة أعدها المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، أفادت أن واشنطن قد تبدأ بخسارة موقعها على الساحة الدولية من دون مساعدة حلفائها في الخارج. وأكدت الدراسة أن اعتماد الرئيس الأميركي على تلك الجهات الخارجية سوف يتزايد شيئا فشيئا، لعدم توافر بدائل أخرى، لذلك يبدو الموقف الياباني الجديد من المعاهدات التحالفية والتعاون العسكري مع واشنطن، ضربة أخرى من ضربات تنامي نفوذ الآخرين، وتراجع نفوذ القوة والهيمنة الأميركية، حيث بات "من الصعب عليها أن تُمارس قوتها وتؤثر في الآخرين" بحسب مدير مركز دراسات شاتهام هاوس البريطاني روبن ليبليت.

لقد كتب هوتوياما في "نيويورك تايمز" قبل الانتخابات التي حملت حزبه إلى السلطة "أن عصر العولمة بزعامة أميركية يوشك على الرحيل، ونحن أمام نظام متعدد الأقطاب" راغبا في رؤية "مجموعة دول آسيوية" تتشكل على المدى البعيد، الأمر الذي يعني نهاية دور اليابان كحليف أول للولايات المتحدة في شرق آسيا. فهل تكون السياسة اليابانية الجديدة في العهد الديمقراطي الجديد هذا؛ ترجمة لسياسة تعدّد الأقطاب، وهل تصريحات قادة الحزب الديمقراطي الياباني مؤخرا، باتت تعبّر عمليا عن تلك الرغبة اليابانية الدفينة في رؤية بلادهم قُطبا دوليا مستقلا، على عكس ما كانته طوال تاريخها الحديث: قُطبا تابعا؟

فلسطين تحيي الذكرى الـ75 لاستشهاد شيخها عز الدين القسام


القسام ـ خاص:

تمرّ في مثل هذا اليوم العشرين من شهر نوفمبر/ كانون أول من كل عام ذكرى استشهاد أحد أعلام الجهاد في فلسطين، ورمز من رموز الأمة، إنه الشيخ المجاهد عز الدين القسام الذي لقي ربه عام 1935 بعد أن أبلى بلاء حسناً في ساعات الوغى ضد الاستعمار البريطاني.



ورغم مرور أكثر من 74 عاماً على ذكرى رحيل هذا الأسد الهصور إلا أن الله كرّمه بأن جعل من خلفه آلاف القساميين الذين أقسموا بالله أن يواصلوا طريق الجهاد والمقاومة رافعين لواء الحق ورايات الجهاد أمام الاحتلال الصهيوني الذي لا زال جاثماً على أرض الرسالات ومسرى النبي الأمين محمد عليه الصلاة والسلام.



نعم لقد رحل الشيخ المجاهد عز الدين القسام، لكن ذكراه باقية منغرسة في القلوب والعقول كما هو شجر الزيتون منغرس في تربة فلسطين.. رحل ولكن فكره وجهاده ثابت في قلوب آلاف المجاهدين.. رحل بعد أن مرغ أنف المحتلين بالتراب..



فهكذا هو التاريخ يكتب بأحرف من ذهب في سجلاته سير الأبطال والقادة والمجاهدين ممن تبقى أسماءهم محفورة في وجدان الأمة، هؤلاء المجاهدين الذين تتناقل سيرهم وبطولاتهم وتضحياتهم الأجيال ويتعلمها الأطفال ويسير على نهجها الصادقون الأطهار.



وشتان شتان بين هؤلاء المجاهدين الأشداء وبين من باع نفسه بثمن بخس دراهم معدودة، وجعل من نفسه أداة وألعوبة في أيدي أعداء الأمة، يستغلونه ويستعملونه في خدمة مصالحهم وأطماعهم ومخططاتهم، وحين يجدون غيره يتخلون عنه تاركين للتاريخ أن يلعنه في كل حين.



لمحة عن مولده ونشأته

وعند الحديث عن سيرة شيخ فلسطين عز الدين القسام فإننا نتحدث عن رجل فريد من نوعه عاش كل حياته لله، وأرخص روحه في سبيل الله ودفاعا عن راية الإسلام وكرامة المسلمين، فهو رجل جمع الله له بين العلم والعمل، وصاحب مواقف عظيمة يتردد صداها في جنبات السماء، بل إن الله عوضه أحسن تعويض فصار ينادى باسمه اليوم، ويرفع ذكره، ويتشوق الناس لأعمال الأبطال المجاهدين الذين ينهجون على نهجه.



فقد ولد شيخنا القسام في بلدة تسمى "جبلة" القريبة من اللاذقية في سوريا عام 1879 م، ودرس في كُتّابها القرآن الكريم والحديث الشريف وتعلم العربية والكتابة حتى صار عمره 14 عاما، ثم ذهب إلى الأزهر ليدرس العلوم الشرعية كما جرت عليه العادة في ذلك الوقت ومكث في مصر 9 سنوات ينهل من العلم ويتعرف على أحوال المسلمين هناك، ثم ليعود بعدها إلى بلاده سوريا ويبدأ بمهنة التدريس للصغار في الصباح وللكبار في المساء، فكان رحمه الله يواصل ليله بنهاره من أجل التعليم والتربية.



وخلال تلك الفترة كان الاستعمار الإيطالي ينهش في جسد الأمة الليبية -التي تخلد حتى الآن شيخها عمر المختار كأحد أعلام الجهاد في العالم العربي- وكان لا بد للقسام من دور وهو الذي نشأ وترعرع على حب الجهاد والاستشهاد، فكان يخطب في الناس ويبين لهم سوءة الاستعمار، وكان يقود المظاهرات بنفسه، حتى أنه قد روي عنه أنه باع بيته في جبلة واشترى بثمنه السلاح والعتاد ليدعم إخوانه المجاهدين في ليبيا.

وحين اشتعلت الثورة في سوريا ضد الغزاة الفرنسيين، رفع "القسام" راية المقاومة ضدهم في الساحل الشمالي لسوريا، وكان في طليعة من حملوا السلاح، وهو الأمر الذي جعل الفرنسيون يدركون خطره منذ البداية، فحاولوا استدراجه عن طريق إرسال وفد يفاوضه ويعرض عليه المال والمنصب، لكن هيهات لمن باع نفسه لله أن ينخدع بمثل هذه الأمور الدنيوية الزائفة، فرفض ذلك بشدة، وبناء عليه تم الحكم عليه من الفرنسيين الذين كانوا ينهبون خيرات سوريا بالإعدام غيبيا لأنه كان متحصن بالجبال يعد العدة للجهاد.



ولما شعر القسام أن الخطر بدأ يداهمه، وأن الفرنسيين أخذوا يضيقون عليه الخناق للوصول إليه بأي وسيلة، تسلل إلى دمشق وقاومهم في معركة عنيفة مشهورة أطلق عليها "معركة ميثلون"، حيث حاول فيها أهل الشام الوقوف في وجه الفرنسيين، لكن العدة والعتاد كانت لصالح الفرنسيين المدججين بشتى أنواع الأسلحة.



انتقاله إلى فلسطين

وحين أدرك القسام أن سوريا سقطت وأن دمشق أصبحت بيد الفرنسيين، قرر الانتقال سراً إلى حيفا في فلسطين عام 1922، فهو الذي لا تقف أمامه حدود مصطنعة، وهو الذي كان يتبنى بيت الشعر الذي يقول "وأينما ذكر اسم الله في بلد ...عددت ذاك الحمى من صُلب أوطاني".



وفي فلسطين استطاع الشيخ عز الدين القسام كسب قلوب الناس بسرعة كبيرة، وأصبح خطيباً في مسجد "الاستقلال" وهو أكبر مساجد حيفا، حيث التف الناس حوله لما رأوا من أسلوب جديد في الخطابة، وأخذ القسام يعلمهم أصول دينهم ويزرع فيهم معاني الجهاد وحب الاستشهاد والذود عن الأوطان.



وإضافة إلى أثره الكبير في توعية الناس وإصلاح أحوالهم من خلال خطب الجمعة ودروس العلم في المساجد، فقد كان للقسام دور بارز في الاختلاط بالناس، حيث التحق بالمدرسة الإسلامية في حيفا، ثم بجمعية الشبان المسلمين هناك، وأصبح رئيساً لها عام 1926. وكان القسام في تلك الفترة يدعو إلى التحضير والاستعداد للقيام بالجهاد ضد الاستعمار البريطاني، ونشط في الدعوة العامة وسط جموع الفلاحين في المساجد الواقعة شمالي فلسطين.



مواقفه

كثيرة هي مواقف القسام التي تنم عن شخصية فذة، فمن ضمن مواقفه التي يسجلها التاريخ له أنه أشيع في إحدى المرات عام 1929 أن اليهود يريدون إحراق مسجد الاستقلال، فاقترح بعض الوجهاء أن يطلبوا المساعدة من الإنكليز، لكن الشيخ القسام رفض رفضا قاطعا وقال إن دمنا هو الذي يحمي المسلمين ويحمي مساجد المسلمين وليست دماء المحتلين.



وكذلك، فقد كان القسام يرفض بشدة أي حوار أو معاهدة مع الإنكليز وكان دائما يقول "من جرّب المجرّب فهو خائن" فقد جرّب بعض العرب الإنكليز ضد العثمانيين وكانت كل وعودهم كذبا، وفي إحدى خطبه، كان يخبىء سلاحا تحت ثيابه فرفعه و قال: "من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليقتن مثل هذا". وفي إحدى خطبه وجه حديثه للمصلين قائلاً: "هل أنتم مؤمنون؟ ويجيب نفسه لا، ثم يقول للناس إن كنتم مؤمنين فلا يقعدنّ أحد منكم بلا سلاح وجهاد".



كان يركّز على أن الإسراف في زخرفة المساجد حرام، و أن علينا أن نشتري سلاحا بدل أن نشتري الثريات الفاخرة. كان يصل إلى جميع الناس من خلال عمله كمأذون شرعي وكخطيب. وكان يختلف كثيرا مع الشيوخ لأنهم كانوا لا يهتمون سوى بأمور العبادة من صلاة وصوم بينما كان اليهود يخططون ويشترون الأراضي. فكان يرى أن لا فصل بين الدين والسياسة، وأمور السياسة كانت واضحة بعد أن نال اليهود وعد بلفور. كما كان في شجار مع المستعجلين من أبناء تنظيمه الذين يريدون الثورة في حين كان القسام يعدّ ويتريّث ليضرب في الوقت المناسب فلبث سنين وهو يعدّ للثورة.



الإعداد للثورة على المحتل

اتصف الشيخ "عِز الدين القسام" بقدرة فائقة على التنظيم واختيار الأعضاء، والقيادة وسبل الإمداد والتسليح، والعمل على ربط الجانب الجهادي بالجانب الاجتماعي، فكان يهتمُّ بتحسين أحوال الفقراء ومساعدتهم، ومكافحة الأُميَّة بينهم، وتعميق الوعي بينهم، وقد ساعده على ذلك عمله مدرسًا وخطيبًا وإمامًا ومأذونًا، الأمر الذي هيَّأ له الاتصال بالجماهير واختيار من يصلح منهم للعمل معه في مناهضة المحتل.


وعنى"القسام" بالتنظيم الدقيق للخلايا السرية التي أعدها لمجاهدة الإنجليز، فهناك الوحدات المتخصصة، مثل وحدة الدعوة إلى الثورة، ووحدة الاتصالات السياسية، ووحدة التدريب العسكري، ووحدة شراء السلاح، ووحدة التجسس على الأعداء، وكانت نفقات هذه المجموعات تعتمد على اشتراكات الأعضاء المؤمنين بالعمل ضد المحتل الغاصب.


بداية أعمال الجهاد

وبدأت عمليات الإعداد تُؤْتي ثمارها، فشهدت المنطقة أعمالاً بُطولية عظيمة، وشهدت في أوائل سنة 1935 جنين ونابلس وطولكرم سيلاً من عمليات صيد الضباط الإنجليز، ونسف القطارات والهجوم على معسكرات الجيش البريطاني، وقتلِ المتعاونين مع الإنجليز، وكانت هذه العمليات تتم في جنح الظلام، وفي فترات متعاقبة غاية في الدقة والتنظيم والسرية، الأمر الذي أقلق القوات الإنجليزية، وبث في قلوبهم الفزع والرعب، وكان من أثر ذلك أن سرت روح الحماسة بين الناس، وقويت فكرة الجهاد بعد أن ازداد أعداد اليهود المهاجرين إلى فلسطين، ومحاباة السلطات البريطانية لهم، ومساعدتهم على التمكين والاستمرار.


"القسام" يعلن الثورة

ولم يخفَ على الإنجليز ما يقوم به "القسام" من إعداد الرجال للجهاد المقدس، وأنه ليس بعيدًا عن الأحداث التي بدأت البلاد تشهدها، فراقبت تحركاته وضيَّقت عليه، فلم يجد "القسام" بُدًا من إعلان الثورة على المحتل، وأن يكون هو على رأس المجاهدين فاتفق مع أحد عشر مجاهدًا على الخروج إلى أحراش (يعبد) في جنين، وأعلنوا الثورة على الإنجليز، والاستعداد للعمل الجهادي، وتشجيع أهالي المناطق المجاورة على الثورة.


لكن سلطات الإنجليز كشفت أمر "القسام" وعرفت مكانه من جواسيسها، فسارعت إلى قمع الثورة قبل اتساع نطاقها، فأرسلت في 15 نوفمبر 1935 قوات عسكرية ووقعت معارك عنيفة بين المجاهدين والإنجليز استمرت أيامًا تكبد فيها الأعداء خسائر فادحة في الأرواح، وفوجئ "القسام" ومن معه بأن القوات الإنجليزية تُحاصرهم في 19 نوفمبر 1935 وتقطع سبل الاتصال بينهم وبين القرى المجاورة.


استشهاد "القسام" بعد معركة غير متكافئة


ولم يكن أمام "القسام" ورجاله سوى ثلاثة خيارات، إما الاستسلام المهين أو الفرار استعدادًا لمواجهة أخرى، أو التصدِّي للعدو مهما كانت التضحيات وعدم التكافؤ، واختار "القسام" ومن معه الدخول في معركة ولو كانت غير متكافئة، ودارت معركة رهيبة لمدة ست ساعات بين النفر المؤمن والقوات المحتلة، قُتِل فيها من الإنجليز أكثر من 15 مغتصبا، واستشهد الشيخ "القسام" مع اثنين من رفاقه في 20 نوفمبر 1935 واعتقل الأحياء- بما فيهم المجروحون- وقُدِّموا للمحاكمة التي حكمت عليهم بالسجن لمدة تتراوح بين عامين وخمسة عشر عامًا.


وقد أصاب الحادث فلسطين كلها بالألم والحزن، وخرج أهالي (حيفا) ووفود من مختلف أنحاء البلاد يشيعون جنازة الشهداء المهيبة، وتحول "القسام" إلى رمز للجهاد والنضال، وصارت تجدد في النفوس معنى التضحية والاعتزاز بالبطولة، وقد أطلقت حركة (حماس) اسمه على جناحه العسكري باسم " كتائب الشهيد عز الدين القسام " التي تواجه المحتل الصهيوني بعملياتها الاستشهادية، كما أطلق على الصواريخ التي تطلقها كتائب القسام على المغتصبات الصهيونية.

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر