2009/12/05

شيشرون الذبيح: ألمع خطباء الرومان


قال شيشرونَ قولاً
حبذا القول الفصيحْ
إن بيتاً بلا كتبٍ
جسدٌ من غير روحْ

هكذا استشهد أحد شعرائنا العرب بقول شيشرون الذي اقترن اسمه بالفصاحة والبيان المشرق. فمن هو ذلك الخطيب الأريب الذي ما زال يعيش في ذاكرة التاريخ بعد مضي أكثر من ألفي عام على وفاته؟

وُلدَ ماركوس توليوس شيشرون عام 106 قبل الميلاد وعاش في زمن تميز بالدسائس والحراك السياسي حيث كان الضعف والإنحلال قد تسربا إلى جسم الإمبراطورية الرومانية وآذنت شمسها بالغروب.

كانت ولادة شيشرون في مدينة أبرينوم لأسرة من الفرسان وقد تم إرساله إلى روما في سن مبكرة لتلقي العلم على يد خطبائها وفلاسفتها. فأنهى مقرراته الدراسية بتفوق حيث درس الفلسفة والقانون وتعلم كافة النواحي المتعلقة بفن الخطابة فأتقنها وأصبح أحد أقطابها.

في سن السادسة والعشرين بدأ عمله كمرافع في المحاكم القضائية. وبعد فترة من السفر والترحال حيث زار مراكز التعليم في آسيا الوسطى وأثينا، عاد إلى روما فلمع نجمه وانتـُخبَ رئيساً لمجمع خطباء الرومان.

في العام 75 ق.م. عُين مفتشاً عاماً للخزينة والإدارة وتم إيفاده إلى صقلية حيث أحبه الناس لعدله وطلبوا منه تمثيلهم في قضيتهم التي رفعوها بحق حاكم جزيرتهم (فريس) الذي كان قد نهب أموال الخزينة العامة. ومع أن فريس طلب من المحامي الأشهر هورتينوس كي يمثله في تلك القضية إلا أن شيشرون انتصر عليه انتصاراً ساحقاً من الجولة الأولى، مما اضطر فريس إلى مغادرة الجزيرة.

بعد ذلك ترقى شيشرون إلى مناصب أعلى وازداد نفوذاً وكـَبـُر في أعين الناس بحيث أصبح مستشاراً عاماً في العام 63 ق.م.

خلال تلك الفترة فضح المؤامرة الخسيسة للسناتور كاتيلاين وطرده من مجلس الشيوخ بعد أن شهّر بأفعاله القذرة ودسائسه الدنيئة. وقد خلد التاريخ تلك الخطبة المعروفة بـ (خطبة شيشرون ضد كاتلاين Sicero’s Speech Against Catiline ).

في أوج مجده وقوته أطلقت عليه ألقاب عديدة منها: أبو البلاد ومخلص الدولة من الفساد، لكن الأقدار كانت له بالمرصاد! إذ ما أن أكمل فترة خدمته في مجلس الشيوخ حتى اتهمه أعداؤه بإعدام زعمائهم في مؤامرة كاتلاين دون منحهم حق الدفاع عن أنفسهم ومحاكمتهم محاكمة عادلة. وقد هيج وكيل الشعب كلوديوس Claudius الناسَ على شيشرون بحيث اضطر للذهاب إلى منفاه الاختياري في تساولنيقا في العام 58 ق.م.

بعد حوالي السنة والنصف استدعي إلى روما، وكانت الأحداث تسير بوتيرة متسارعة للسيطرة على بلدان الامبراطورية الرومانية حيث كان يوليوس قيصر وبومبي Pompey على سدة الحكم آنذاك.

بعد اغتيال يوليوس قيصر ألـّف شيشرون وألقى سلسلة من الخطب ضد مارك أنتوني الذي كان مؤيدا لقيصر، وقد كانت تلك الخطب بداية النهاية لشيشرون. فعندما شكلت حكومة جديدة من ثلاثة أقطاب كان مارك أنتوني أحد الثلاثة فأمر بوضع إسم شيشرون على قائمة المتهمين. وبينما كان شيشرون يعد العدة للهرب أحاط به جنود أنتوني وقطعوا رأسه.

يعتبر شيشرون أحد ألمع الكتاب القدامى، أما خطبه فقد حافظت على مستواها الرفيع ولم يتمكن خطيب من مجاراتها نظراً لسلاستها وفصاحتها وأسلوبها المميز. كما ترك مجموعة من الرسائل التي تعطينا صورة حية عن المجتمع الروماني القديم الذي عاش فيه أبو الخطابة والخطباء شيشرون الأشهر.

والسلام عليكم

المصدر: موسوعات
الترجمة: محمود عباس مسعود

حماية المسجد الأقصى المبارك


هند الهاروني

بسم الله الرّحمن الرّحيم

و الصّلاة و السّلام على سيّدنا محمّد خاتم الأنبياء و المرسلين، صادق الوعد الأمين

قال الله تعالى:" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً (4) فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً (7)". صدق الله العظيم- سورة الإسراء رقمها 17.

و قال الله تعالى:" وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) ". صدق الله العظيم- سورة الصف و رقمها 61.

كما قال الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)" . صدق الله العظيم- سورة الصف و رقمها 61.

إنها أراضي طاهرة و مقدسة أقدم العدوّ الإسرائيلي على العدوان عليها و على المسلمين فيها و بالتالي على الأمة المسلمة بـأسرها و على الإنسانية عموما منذ أن قام باحتلالها و قتّل و سجن و هجّر و استباح الكثير تمّ ذلك أساسا منذ القرن 14 للهجرة و ها نحن في سنة 1430؛ سنة 2009 ميلاديا بلغ بهم الأمر إلى حدّ ارتكاب جريمة حرب الإبادة الفظيعة واستعمال المحرقة الفسفورية في قطاع غزّة بعد عزلها كلّيّا داخليا بقطعها عن الضفة الغربية و خارجيا عن بقية أرجاء العالم، أرض غزّة أرض طاهرة من أراضي فلسطين وها نحن شهدنا في هذه الأيام اعتداءهم أيضا على المسجد الأقصى و على المصلين فيه و على القدس الشريف، المسجد الأقصى المبارك هذا المكان الشّريف الذي اختار الله عزّ و جلّ و قرّر و حكم أن يسري منه خاتم أنبيائه و رسله سيّدنا محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و سلّم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى و ليكرمنا الله و يرحمنا استجابة لشفاعة سيدنا محمّد صلى الله عليه و سلّم لنا عنده عزّ و جلّ في رحلته إلى السّماوات العلى و ذلك بتخفيف عدد الصّلوات المفروضة في اليوم إلى 5 صلوات ؛ و أصبح العدد الجملي للرّكعات يساوي 17 ركعة و عدد سورة الإسراء هو 17.

فعلاقتنا نحن المسلمون بغزة و بالمسجد الأقصى و القدس الشريف و أرض فلسطين علاقة إيمانيّة، عقائديّة، دينيّة، وجوديّة، إنسانيّة واضحة و سليمة في عقلنا و في روحنا و في أجيالنا سابقة و حاضرة و قادمة بإذن الله إلى أن يرث الله الأرض و من عليها لا يكتمل إسلامنا بدون هذه القناعة و حماية هذه المقدّسات من أي اعتداء أو حفر أو هدم أو إتلاف أو تغيير معالمه لأغراض مبيّتة أو تدنيس أو فساد يعني عموما المسّ بحرمتها و بحرمة المسلمين فيها و في كل مكان من هذا العالم أيّ أنّ القضيّة تتعلّق بحق إلهي ، أداؤه واجب على جميع المسلمين و الله يحمي الإخوة المصلين الذين مازالوا يرابطون داخل المسجد الأقصى و يمدّهم بعونه و عون إخوانهم وهم يقاومون عدوان اقتحام هذا المسجد المبارك من قبل العدوّ على مرأى و مسمع الكون بأسره. ثمّ إنّ الله يحمي مقدّساته و يحمي دينه الإسلام لأنّ الخالق يحمي خلقه و لا يظلمهم و هو القائل سبحانه في حديث قدسيّ إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي ذر : " قال الله تعالى: "إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا " و نحن المسلمون لا نظلم بأن نحتل أرض غيرنا و نعتدي عليها و على أهلها أو نفكر مجرّد فكرة في تدنيس المقدّسات أينما وجدت و ندعو إلى التعايش مع غير المسلمين على أساس الاحترام المتبادل .

أمّا الإجابة على سؤال :" كيف يقول الله كلمته في النّصر و متى تحديدا و بمن من عباده و جنوده ؟" فإنّ الإجابة عنده وحده جلّ في علاه لأنّه عالم الغيب و الشهادة. ذكر الله في القرآن الكريم ميزة معيّنة من تحلّوا بها كان النصر حليفهم وهم المؤمنون الذين ينصرون الله لأنّ الله ينصر من ينصره.

و بالمناسبة لا يفوتني أن أدعو كلّ من يقرأ مقالي هذا أن يترحّم معي على شهداءنا الأبرار في قطاع غزّة و في فلسطين عموما و أن يساعد الأحياء (يحرمون و هم المتضررون من حقهم المشروع في الدفاع عن أنفسهم رغم محدودية إمكانياتهم المادّيّة للدفاع عن أنفسهم و يقوون بالعزيمة و الإرادة القويّة و التوكّل على الله) و أن يكثر من الدّعاء لإخواننا المعزولين ولمساعدتهم و التضامن معهم مع دعوتهم للتضامن فيما بينهم و نبذ الفرقة و الإنقسام بين الضفة و القطاع فيكفيهم و جود الجدار العازل المسلط عليهم لأنّ الأخ أو الجار القريب خير من البعيد، له إمكانيات الإغاثة و مدّ العون في أسرع وقت و لأنّه يعيش معه المعاناة نفسها... أتذكّر أميّ السيدة التركي الهاروني رحمها الله، أسأل الله أن يكتب لها الله جنّة الفردوس الأعلى، و الّتي كانت تذكّرنا بهذا المثل التونسي عن الحصول على الإغاثة في وقتها و في مكانها في ظرف معيّن :"جارك القريب خير من خوك البعيد".

ومن المحزن أيضا أنّ عمليّة إعادة الإعمار لم تتمّ إلى حدّ الآن فضلا عن أنّ غزّة تعيش في وضع "المغلّقة عليها أبواب المعابر من كلّ اتّجاه" و يقال عن أنّ الأنفاق هناك ممنوعة.

كما علمنا من قراءتنا للتاريخ أن بلدانا قد استعملت الأنفاق عند الحروب و كيف لا يكون للذي يملك الأرض وقد وقع عليه الاحتلال الحق في أن يتصرف في أرضه ... ؟ و هل يجب عليه أن يموت جوعا؟ ... كيف يعقل بأن يقع قطع الأكسيجين عن الإنسان و عندما يحاول جاهدا أن يجد و لو قليلا ليتنفسه و يبقى حيّا على وجه الأرض يمنع و الذي يمنعه يفتكّ أكسجينه زيادة على الأكسجين الذي يتمتع به ؟ فما هو رأي المهتمّين بالدّفاع عن الشّأن الإنساني في هذا الخصوص؟

"الأنفاق" و مرات أخرى تسمى الحفريات الإسرائيلية تحت المسجد الأقصى، مكان مقدّس يقع العبث به و هي عملية تهدد مبنى المسجد الأقصى لا سمح الله بالسقوط.

و من غير الله ندعو للنّصر وتحرير المقدسات و الأرض و العباد و عودة اللاجئين وتحرير المعتقلين من سجون الاحتلال و الحمد لله على علامات الفرج التي بدأت تظهر بتيسيره لتحرير عشرين أخت فلسطينية مجاهدة عانين كغيرهنّ من النّساء فضلا عن الرجال من ويلات سجون الاحتلال و عودتهنّ في هذا اليوم المبارك، الجمعة 2 شوّال 1430 إلى أهاليهنّ و بيوتهنّ هذا الخبر المفرح الذي لن ينساه أحد في هذه الأمة و في هذا العالم و لجميع المقاومين الشرفاء و كلّ الذين سعوا و ساهموا و و فقهم الله جميعا في هذا العمل نسوق تحيّة احترام و تبجيل و إلى الأمام حتّى تحرير آخر فلسطيني و فلسطينية و آخر عربي و مسلم هناك كهولا، كبارا و صغارا،أطفالا و نساء و تحرير فلسطين و استرجاع حقوقها.

إن الله و الأنبياء جميعهم براء من أعمال كهذه : فكيف للعاقل أن يجهل أنّ حفر مكان مقدّس بهذه الأهمّيّة و القدسيّة و الأقدميّة في الزّمن لا يؤدي إلى السقوط و لكن للّه جنوده يكفي الاتعاظ بأنّ البناء و الهدم لا "ينبت الحياة البشريّة إلى ما لا نهاية حتّى و إن تعدّى ذلك الأرض إلى السّماء أو البحر ..." و بأنّ أية عاصفة قوية أو فيضانات يرسلها الله كافية بأن تقضي على أمم و قرى في أيّة لحظة شاء و لا تستطيع أية قوّة أن تقف أمامها.

إنّّ العاقل هو من يجعل لنفسه هدفا نبيلا في الحياة و يتوخى الأساليب الصحيحة لتحقيق ذلك . ثمّ إنّ من يقول إنّه يطبق الدّيمقراطيّة في بلاده عليه ألا يقوم باحتلال بلد غيره إذ أنّ الدّيمقراطيّة هي حكم الشعب و الاحتلال هو سلب إرادة حكم الشعب نقيضين على أرض الواقع لا و لم و لن يتماشيا معا أبدا وتحت أيّ مسمّى أو اعتبار أو أيّة مواثيق محليّة كانت أو دولية و التي تؤكّد على حقّ الشّعوب في مقاومة الاحتلال.

لماذا فقط عندما يقع الاستيلاء أو التّعرّض سلبا إلى أي معلم تاريخي و لو كان متواضعا يقع التنديد بذلك و السعي على نطاق عالمي حرصا على تطبيق القانون الذي يحمي الآثار في تلك الأماكن و من قبل هيئات إقليميّة و دوليّة و لكن عندما يلحق الخطر الصهيوني الأكيد بمكان شديد القدسيّة و تتجه إليه جميع الأنظار في هذا العالم و هو المسجد الأقصى الذي سيسألنا الله جميعا عن المحافظة عليه و على الدفاع عنه فإنّ الحال و للأسف الشديد هو واقع ما يتعرض له المسجد الأقصى من عدوان صارخ .

نسأل الله أن يحرس إخواننا في غزة كبارا و صغارا رجالا و نساء بعينه التي لا تنام وأن يبعد عنهم أيّ عدوان جديد محتمل و يمدّهم بالعون و ييسر فرجهم و فرج جميع الإخوة الفلسطينيين و بلا شك أن يوقف العدوان على المسجد الأقصى.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد نبيّ الرّحمة و السلام العالميّين و على آله و صحبه أجمعين إلى يوم الدّين.

التطبيع مع الكيان اليهودي ماذا يعني؟؟ ولماذا يجب أن نرفضه؟؟


محمد أسعد بيوض التميمي

ان الكيان اليهودي الغاصب لفلسطين ليس من جنس المنطقة,فهوغريب عنها ومُتناقض بالمُطلق مع حقائقها الدينية والثقافية والبشرية والتاريخية والجغرافية، فهوكيان مُصطنع صنعته الصليبية العالمية المُتمثلة ببريطانيا العظمى يومئذ و فرضته على المنطقة ب(منطق القوة الغاشمة) ليكون خنجرا في قلب العالم الإسلامي,وليقطع أوصاله ولقد قامت هذ القوة الغاشمة بإقتلاع أصحاب الأرض الحقيقيين وتشريدهم وإستجلبت مكانهم مستوطنين من أصقاع الأرض بالبواخر والطائرات بجسور برية وبحرية وأخذت تلقي بهم في موانيء فلسطين البحرية والبرية سراً وعلانية,لذلك أطلق عليهم مُصطلح(شذاذ الأفاق)وهذا الكيان هو الكيان الوحيد الذي يُسمى سُكانه بالمستوطنين مثلهم مثل المستوطنين البيض في جنوب افريقيا وهما متماثلان أيضا بالإجرام,حيث تم إسكان هؤلاء المستجلبين بما يُسمى ب(المستوطنات)التي ما هي إلا خلايا سرطانية ونبت شيطاني شوهت وجه فلسطيننا الحبيبة الجميلة الوادعة المباركة,فاليهود ليس لهم مدينة تاريخية عريقة واحدة في فلسطين حتى ولا في العالم ك(القدس وعكا ويافا وحيفا واللد والرملة والخليل)وجميع مدن فلسطين العريقة التاريخية التي تستنشق في اسواقها وأزقتها وحواريها التاريخية عبق تاريخ المسلمين المجيد المفعم بالعزة والكرامة والممتد عبرأكثرمن ألف وأربعماية عام,فهي ذات طابع معماري عربي اسلامي واضح وضوح الشمس,فهل هناك مدينة يهودية تاريخية في فلسطين كان يسكنها اليهود وطابعها العام يهودي,فأقدم وجود لليهود في فلسطين لا يتعدى المائة والخمسين عاما ولقد حاول اليهود بكل ما أوتوا من خبث ودهاء ومكروكذب وخداع أن يُزيفوا التاريخ ليثبتوا أن لهم حقا تاريخيا أو دينيا في فلسطين ولكن حقائق التاريخ والجغرافية والديمغرافية الراسخة في أرض فلسطين التي تمتد جذورها في اعماقها غيرقابلة للتزييف والتزوير,فسرعان ما كان ينكشف كذبهم وتزويرهم وتزييفهم الرديء،فهذا الكيان الغريب ما هوإلا شجرة ملعونة زرعت بأيدي شيطانية خبيثة جذورها فوق الأرض تلفظها ارض فلسطين فما لها من قرار.

فالتطبيع مع هذا الكيان الغريب،يستهدف إزالة هذه الغربة عنه وجعله من جنس المنطقة ومن طبيعتها ومُنسجما معها وحتى يقرله القرار في فلسطين,وذلك من خلال العمل على إيجاد علاقات طبيعية معه تربطه مع حقائق المنطقة بعد أن حصل على الاعتراف الرسمي من الدول العربية،فالذين يهمهم أمرهذا الكيان ويحتضنونه يعتقدون بأنه لا يمكن أن يستمرويبقى في المنطقة طويلاً بل سيجتث من المنطقة مهما طال به الزمن إذا ما بقي في حالة تناقض معها ومرفوضا من أبنائها،ومصيره سيكون كمصيردولة الصليبيين التي استمرت في المنطقة ما يقارب من مائتي عام ،ولأن المنطقة رفضت قبولها ولم تهضمها ولم تنسجم معها لفظتها نهائيا إلى غير رجعة وإجتثت من فوق ارض فلسطين المباركة بأيدي(المجاهدين الموحدين لله رب العالمين من الأكراد الآيوبيين والمماليك)لذلك يجب أن تكون منطلقاتنا لرفض التطبيع واضحة لا لبس فيها وثابتة لا تتغيرأو تتبدل حسب الظروف والأحوال،لأن رفض التطبيع هو سلاح يجب التمسك به في هذه المرحلة التاريخية الخطيرة التي تمربها أمتنا بعد أن استطاع (حق القوة)أن يفرض على أمتنا ما يريد وبواسطة الحكام المؤتمرين بأمره,لذلك يجب علينا ان نعرف لماذا يجب علينا ان نرفض التطبيع مع هذا الكيان المجرم الغاصب؟؟حيث ان البعض يربط التطبيع مع الكيان اليهودي بالمفاوضات الجارية على المسارات العربية وخصوصا المسار الفلسطيني، وإن التطبيع يجب أن يكون ورقة ضغط في أيدينا لمساندة هذه المفاوضات واستخدامها عند الحاجة كما يقولون,بل إن البعض من الدول العربية يقول يجب ان يكون هناك تطبيع بالمجان من اجل كسب رضى اليهود وإبداء حسن النية تجاههم,والبعض الأخريقول(إننا يجب أن نحصل على بعض المكتسبات مقابل عملية التطبيع،ولا يجوز أن يكون هناك تطبيع بالمجان)فهؤلاء يريدون أن يقايضوا التطبيع مقايضة،فبمقدارما يحصلون على فوائد من التطبيع فإنهم مستعدون لتفعيل هذه العملية ..

وهناك بعض أخر ينطلق برفضه للتطبيع من منطلق الخوف من الغزوالثقافي اليهودي والحرص على ثقافتنا ومجتمعنا من هذا الغزو،معتبرين أن الثقافة والحضارة اليهودية أقوى من ثقافتنا وحضارتنا،وبالتالي لا نستطيع الصمود أمامها، وهذا برأينا إعتبار خاطئ،فاليهود أنفسهم في داخل الكيان اليهودي متناقضون حضاريا وثقافيا،ففي التاريخ لا يوجد حضارة متماسكة تعرف بالحضارة اليهودية فهناك بعض اليهود كأفراد نبغوا في بعض المجالات العلمية تم إبرازهم من قبل اليهود المُسيطرين على أضخم وسائل الإعلام في العالم بشكل يظهر وكأن اليهود هم وراء الثورة العلمية في العالم مع ان عدد العلماء العرب المسلمين الذين نبغوا وتفوقوا علميا في الغرب يفوق عد اليهود بكثير ولكن هؤلاء ليس وراءهم من يعمل على إبرازهم,فالدول الإسلامية التي جاؤوا منها لا تهتم بهم بل تحاربهم ,فاليهود ليسوا اصحاب حضارة إنسانية فليس لهم رسالة إلارسالة الفساد في الأرض ونشرالرذيلة,هذه هي ثقافتهم وحضارتهم،وهذه الرسالة أصبحت تغزونا بأساليب شتى وهناك من يدّعون الإسلام يقومون بها بواسطة القنوات الفضائية .

وهناك من يرفضون التطبيع من منطلق إقتصادي وخوفا من سيطرة إقتصاد الكيان اليهودي على إقتصادنا,فهل ممكن إذا كان التطبيع سيجلب لنا منافع إقتصادية ان نطبع كما يقول البعض لتبريرالتطبيع بأننا من خلال التطبيع ممكن ان نستفيد من الخبرات اليهودية في كثيرمن المجالات العلمية والزراعية.........

إلى هؤلاء نقول(انظروا ماذا فعل اليهود بالزراعة في مصر)نشروا فيها الأفات وقضوا على القطن طويل التيلة الذي تتميز به مصر والذي هو بمثابة بترول مصر,وكان ذلك بواسطة وزير الزراعة ونائب رئيس الوزراء المصري السابق يوسف والي وهذا الشخص كان من الشخصيات الغامضة التي ظهرت في مصر في عهد السادات وإستمر في عهد مبارك الى عهد قريب وكان مبارك لا يستطيع عزله ولم يتم عزله إلا بعد فضيحة كبرى تتعلق بإستيراد ادوية وعلاجات زراعية من الكيان الغاصب ادت الى سرطنة المنتوجات الزراعية وإنتشار الأفات الزراعية بشكل خطيرهذه هي خبرات اليهود الزراعية.

لذلك علينا أن ننطلق برفضنا للتطبيع مع الكيان اليهودي من عدة منطلقات ثابتة لا تتبدل ولا تتغير تحت اية حجة كانت :

أولا :المنطلق الشرعي،فاليهود باغتصابهم لفلسطين وتشريد وتقتيل شعبها يوميا وإعلانهم الحرب على المسلمين،أصبحوا ناقضين للعهد والميثاق مع المسلمين، بإعتبارهم أهل كتـاب وذمة،وبذلك أصبحوا محاربين لناومعاديين لأمتنا لا ذمة لهم ولا يجوزإعطائهم الأمن والأمان في الديارالتي إغتصبوها وأخرجوا أهلها منها .

فهؤلاء لا يجـوز أن نكافئهم على فعلتهم بأن نساهـم بجعلهم جـزءاً من المنطقة أو نعاملهم بالإحسان من خلال عملية التطبيع،فالله سبحانه وتعالى ينهانا عن ذلك يقول

(إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) [ الممتحنة - 9 ] ..

فلذلك لا يجوز أن نستبدل عهد وميثاق الإسلام الذي نقضه اليهود بأي عهد وميثاق آخرجديد,فكما قاتلونا وأخرجونا من ديارنا علينا أن نقاتلهم ونخرجهم من حيث أخرجونا لا أن نطبع معهم

(وإقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم )

فكل مطبع هو موالي لليهود ( ومن يتولهم منكم فأنه منهم )

ثانيا: يجب أن نرفـض التطبيـع مع اليهود من باب أنهم لصوص وسارقون ومغتصبون أرضنا وديارنا،لذلك يجب أن تكون نظرتنا إليهم على هذا الأساس بأن نحتقرهم ونزدريهم لنشعرهم بأنهم بأعيننا ليسوا أكثرمن لصوص وشذاذ افاق وقحين ،حيث إنهم إرتكبوا أسبقية في تاريخ البشرية بسرقتهم لوطن غيرهم،فلم يحدث في التاريخ أن شعبا سرق وطن شعب أخرإلا على يد اليهود,فكيف نقبل أن تكون علاقاتنا طبيعية مع هؤلاء اللصوص الذين جعلوا تاريخينا عبرالثمانين العام الماضية ما هو إلا قتل وتقتيل وعذاب وتشريد وظلم فادح وقهرلم يتوقف للأن وجعلوا من الشعب الفلسطيني أكبر ضحية في القرن العشرين؟!

فمن منا يقبل على نفسه أن يصادق أويصاحب أويدخل بيتـه من أقدم على سرقتـه أو قتـل أبنـاءه وصادر بيته ؟!! .. فكيف إذاً يكون الأمر مع هذه النوعية من اللصوص التي سرقت وطنا وشردت شعبه في الأرض وقتلت كثيرا من أبنائه ..

فالتطبيع مع هؤلاء هو إقرار لهم بإغتصابهم وسرقتهم لفلسطين,وهو بمثابة الصفح الجميل عن جرائم إرتكبها هذا الكيان ضد الشعب الفلسطيني وضد الأمة لم تعرف البشرية مثيلا لها ولا يملك احد الحق بالتنازل اوالصفح عن هذه الجرائم,فهل هناك أخس وأحقروأذل ممن يقبل ان يكأفيء من سرق داره ووطنه وقتل إبنه وأخيه وابيه وامه,فالتطبيع هو ذل وهوان وخسة ووضاعة وحقارة .

ثالثا: يجب أن يكون رفضنا للتطبيع مع الكيان اليهودي الغاصب أيضا من منطلق آخر وهو((إشعار هذا الكيان، بأن ما يسمى بإتفاقيات السلام الموقعة مع بعض الدول العربية وعمليات التطبيع التي تجري على الصعيد الرسمي والحكومي في العالم الإسلامي لا تعـبر عن ضمـير ووجـدان أمتنـا وموقفها تجـاه هذا الكيـان،وإن الحسابات الرسميـة هي غيرالحسابات الشعبية وحساب السراية غير حساب القراية))

رابعا :علينا ان نعلم ان اليهود بطبعهم لا يمكن ان يعيشوا حياة طبيعية ينسجمون فيها مع غيرهم من البشرمن الشعوب والأمم الاخرى,فهم بطبعهم خارج النسق الطبيعي للبشرية,ففي الدول الأوروبية وغيرها من الدول التي يعيشون فيها تجدهم يعيشون في أحياء منعزلة وخاصة بهم تسمى (الجيتو) يحيط بها الغموض والسرية لا يحبون أن يطلع أحد على أسرارها وما يدورفيها,وهم يمتهنون إمتصاص دماء شعوب تلك الدول من خلال السيطرة على التجارة والأعمال المصرفية وعلى البنوك القائمة على الربا الفاحش,وهم يعتبرون الامم والشعوب غير اليهودية حيوانات مخلوقة على شكل بشرمن اجل خدمة اليهود,فبسبب طبيعتهم هذه وعقليتهم الإنعزالية نقمت عليهم الشعوب الأوروبية وإضطهدتهم,فأكبروأدق تعبيرعن هذه الطبيعة و العقلية(بروتوكولات حكماء صهيون)والتي وضعها حاخامات اليهود في القرن التاسع عشروالتي قد تحقق كثيرمن بنودها بدقة وإحكام,فإلى الحالمين بالتطبيع مع اليهود فانتم بأعينهم حيوانات خلقت لخدمتهم,فالمُطبعون قد رضوا بأن يكونوا حيوانات مسخرة في خدمة اليهود .

ولابد لنا في هذا المقام أن نذكرموقـف الشعـب المصري العظيم من التطبيع الذي كان هوالقدوة والمثل في رفضه للتطبيع مع الكيان الغاصب لفلسطين،فبعد ثلاثين عاما من(كامب ديفيد)والشعب المصري يقف موقفـا موحداً بجميع فئاته ضد عملية التطبيع ومتناقضاً مع الموقف الرسمي وهولا زال يُصرعلى إحتقار اليهود الغاصبين القتلة بعدم التطبيع معهم،حتى أصبح هذا الموقـف مضرب المثل في هذه المرحلة التي نمر بها،فعلينا ان نقتدي بهذا الموقف المشرف،وبأن نعززعملية التنافر النفسي مع هذا الكيان الغريب،لا أن نعمل على إزالتها بعملية التطبيع فكما كان يقول المقبور السادات(يجب هدم الحاجز النفسي بيننا وبين الكيان اليهودي)فكل من يمارس التطبيع أويدعو إليه إنما هو سمسار للعدو وموالي له ويعمل لمصلحته ويعمل من أجل إستمرار هذا الكيان في ارضنا المباركة فلسطين الحبيبة التي كل ذرة تراب فيهاهي لنا لا لليهود الغاصبين,والمُطبع عدوا لله ورسوله والمؤمنين.

وإننا نقول إلى اصحاب المشروع اليهودي في فلسطين ان مشروعكم فاشل ومحكوم عليه بالزوال والتتبير,فلن يصبح من طبيعة المنطقة ومن جنسها ولن يتقبله ابناء الأمة مهما كانت القوة التي تعمل على ذلك,فستستمر فلسطين المباركة وشعبها الصامد والأمة بكاملها ترفضه حتى تلفظه كما لفظت دولة الصليبيين,هذه هي عقيدتنا وهذه هي نظرتنا الى هذا الكيان الشريروالذي لا ينسجم معه إلا الأشرار الذين هم من جنسه,فالخير والشر نقيضان متصارعان ولا يلتقيان والخيرهو المنتصر في النهاية بإذن الله

( وليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا )

لماذا رفض الملك عبدالله الثاني التدخل؟!



بقلم المحامي زياد أبو زياد

حين قرأت نبأ القرار الذي أصدره قائد الجبهة الداخلية في اسرائيل بمنع الشيخ عكرمة صبري من دخول المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر خطر ببالي ماذا لو كان قرارا قد صدر في أي بلد في العالم بمنع حاخام يهودي من التوجه الى كنيس لأداء الصلاة فيه. بل ماذا كان سيكون رد الفعل الاسرائيلي والعالمي لو أن جهة في السلطة الفلسطينية أصدرت قرارا بمنع مواطن سامري من التوجه الى حولون بأي حجة كانت؟ ألم يكن العالم سيقوم ولا يقعد محتجا على انتهاك حق التدين والتعبد مطالبا بالسماح بحرية ممارسة الشعائر الدينية معتبرا ذلك القرار لاساميا ولا يهوديا ومعاديا للانسانية؟

لقد سبق للشرطة الاسرائيلية ان استدعت الشيخ عكرمة صبري للتحقيق أكثر من مرة في الماضي، وكذلك الشيخ تيسير بيوض التميمي قاضي القضاة ورئيس مجلس القضاء الشرعي الأعلى، ولم نسمع أنها استدعت في أي يوم من الأيام شخصية دينية يهودية بنفس مرتبة أي منهما. فقد سبق للحاخام عوفاديا يوسف أن تفوه بعبارات عنصرية وتحريضية ضد العرب، ولكن أحدا لم يجرؤ على استدعائه أو مساءلته. وعندما أرادوا ذات مرة سماع أقواله استأذنوه وذهبوا الى مقره على خجل!

الشيخ عكرمة صبري ليس شخصا عاديا فهو مفتي القدس والديار الفلسطينية سابقا، وهو رئيس الهيئة الاسلامية وخطيب المسجد الأقصى حاليا، وهو أحد الشخصيات الدينية المرموقة في العالم العربي والاسلامي وله صفته الأعتبارية .

ومع ذلك فليس الموضوع هو الشيخ عكرمة صبري كفرد وانما هو أبعد من ذلك بكثير.

لقد دأبت السلطات الاسرائيلية في السنوات الأخيرة على اصدار أوامر بمنع بعض حرس المسجد الأقصى من دخوله لفترات تراوحت بين أسابيع وأشهر وكان الذين يتأثرون بمثل هذه القرارات هم بعض حرس المسجد الأقصى الذين يبدون حدية في التعامل مع المتطرفين اليهود الذين يحاولون الدخول الى ساحات المسجد الأقصى وأداء بعض الطقوس الدينية فيه.

وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة اتساع هذه الدائرة لتطال عددا أكبر من الشبان من غير حرس المسجد الأقصى، ثم اتسعت اكثر لتشمل بعض الشخصيات الوطنية كالأخ حاتم عبدالقادر عضو المجلس التشريعي السابق ومسؤول ملف القدس في حركة فتح، والشيخ رائد صلاح أحد قيادات الحركة الاسلامية في الداخل، واليوم تتسع الدائرة لتشمل خطيب المسجد الأقصى رئيس الهيئة الاسلامية العليا فماذا بعد ذلك؟!

يقول الشاعر "أول الغيث قطر ثم ينهمر ..."

منع الشيخ عكرمة صبري من دخول المسجد الأقصى يعني مباشرة منع خطيب في المسجد الأقصى من ممارسة عمله، واذا تلت هذا القرار قرارات أخرى شبيهة بحق غيره من الخطباء والشيوخ فإن النتيجة العملية لذلك هي أن اسرائيل ستصبح هي الجهة والمرجعية التي تقرر من يؤم الناس في الأقصى ومن يخطب يوم الجمعة، بل ومن يصلي ومن لا يصلي من خلال تحديد أعمار المصلين المسموح لهم بالصلاة، ومنع أو السماح لفئات معينة من أبناء الضفة من الوصول أو بالدخول الى الأقصى!..

هذه هي محاولة سافرة للالتفاف من وراء دائرة الأوقاف الاسلامية وادارة الحرم القدسي الشريف والاعتداء على صلاحياتها وسلبها منها دون أن يتم ذلك بقرار رسمي علني كما كان الحال ضد الأوقاف الاسلامية والمحاكم الشرعية في اسرائيل بعد عام 1948 التي تم ربطها بوزارة الأديان الاسرائيلية والتدخل في صلاحياتها وتكييفها وفقا للمصالح والسياسة الاسرائيلية.

بهذاالشكل يجب فهم قرار منع الشيخ عكرمة صبري من دخول المسجد الأقصى .

كل هذا يجري في الوقت الذي تزداد فيه حدة التحرشات التي تقوم بها فئات يهودية متطرفة ضد المسجد الأقصى والتي أثبتت تطورات الفترة الأخيرة بان هذه الفئات ليست فئات هامشية ولا تتصرف بمبادرات فردية وانما لها بعدها الرسمي الذي يساندها.

لقد نقل مصدر يهودي اسرائيلي مُطّلع انه عندما وقعت اشتباكات ومصادمات بين المسلمين واليهود الذين حاولوا اقتحام حرم المسجد الأقصى والصلاة في ساحاته في شهر تشرين أول الماضي إبان احتفال اليهود بعيد العُرش طلب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من الملك عبدالله الثاني ملك المملكة الاردنية الهاشمية التدخل لتهدئة الوضع، وان الملك عبدالله أبدى استعداده لذلك ولكنه طلب في المقابل من نتنياهو ان يصدر بيانا أو يدلي بتصريح يقول فيه ان ليست هناك نية لدى الحكومة الاسرائيلية لتغيير الوضع القائم status-quo في المسجد الأقصى ولكن نتنياهو رفض ذلك، فرفض الملك عبدالله التدخل مستاء من هذا الموقف الاسرائيلي.

وهنا يمكن القول بان رفض نتنياهو التصريح بأن لا نية لدى حكومته بتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي يعني بالمفهوم المقابل ان لدى هذه الحكومة نية مبيتة لتغيير الوضع في حرم المسجد الأقصى.

لقد نصت اتفاقية السلام الاردنية-الاسرائيلية على ان يكون للاردن دور خاص في ادارة المسجد الأقصى والأوقاف الاسلامية بالقدس. وبالتالي فإن على اسرائيل الألتزام باحترام ما ورد في هذه الاتفاقية , لأن رفض حكومة نتنياهو الادلاء بما طلبه الملك عبدالله الثاني يكشف نوايا هذه الحكومة ويشكل خرقا لهذه الاتفاقية لا نتصور ان الأردن سيمر به مر الكرام.

ما يجري في المسجد الأقصى يستدعي أولا ان نعي حقيقة ما يكمن وراءه وما يمكن ان يترتب عليه وان نستعد لمواجهة ذلك ، وثانيا ان نتساءل لمصلحة من يتم تصعيد الأمور في القدس والحرم القدسي وتأجيج نار الفتنة في الوقت الذي تتطلب الحكمة والمنطق تخفيف حدة التوتر واحترام الأمر القائم واخراج الأماكن المقدسة من دائرة الصراع السياسي سعيا نحو حقن الدماء وتحقيق التعايش القائم على العدل والاحترام المتبادل

الملك حسين، سيرة ذاتية سياسية


حســــن بني حسن

في آذار 1997 كتب حسين لنتنياهو رسالة عبرت عن حالته المزاجية. حملها علي شكري رئيس ديوانه في ذلك الحين.


جاء في الرساله ((انا قلق بصورة عميقة وصادقة من تراكم الاعمال المأساوية التي بادرت اليها كرئيس لوزراء اسرائيل. صنع السلام – الهدف الاكثر أهمية في حياتي – يبدو بصورة متزايدة كأضغاث احلام مراوغة وآخذة في الابتعاد. انا لا استطيع البقاء في صورة اللامبالي عندما تنزلق حياة الاسرائيليين والعرب بسرعة نحو هاوية الكوارث واراقة الدماء النابعة من الخوف واليأس)).


يظيف حسين في رسالته ((انا لا استطيع قبول الذرائع المتكررة التي تسوقها وخلاصتها انك مجبر للتصرف كما تفعل بسبب الواقع المتردي الذي اضطر للاعتراف به وهو انني لا اجدك الى جانبي في محاولة الدفع نحو مصالحة نهائية بين كل احفاد ابينا ابراهيم. يبدو ان مسار تحركاتك يرمي الى هدم كل ما أؤمن به وكل ما سعت السلالة الهاشمية للوصول اليه حتى يومنا هذا)).


فما هو الذي سعت وتسعى اليه سلاله الملك الجدعونيه المنتسبه زورا للهاشميين؟؟




هذه الرسالة تنشر الان في كتاب جديد ستنشر طبعته العبريه قريبا بعنوان (الملك حسين، سيرة ذاتية سياسية) (من تأليف آفي شلايم وترجمة دفنا برعام).

الكتاب يكشف النقاب عن سلسلة طويلة من الاسرار من كواليس غرف قصور التعريص الملكيه في عمان.

اما ملخص الكتاب فيدور حول دور حسين في دعم الحركه الصهيونيه وعدم الثقه به من قبل اليهود مما سبب له الاما نفسيه كبيره .



المؤلف آفي شلايم البريطاني حصل على ثقة حسين الذي أعطى ضوءه الاخضر لمقربيه ومستشاريه وأمراء العرش واصحاب المناصب الكبيرة في القصر واجهزة المخابرات للتعاون مع المؤلف الذي يكشف الحقيقه التي تختلف عن مراسيم اطلاق البالونات وحمائم السلام السوداء الى عمق النفق المظلم للسلام الكاذب والوعود الصهيونيه .



يعرض الكتاب في جزئه الاول انه ((منذ عامين ونصف بعد نشوة وشهر عسل السلام الموقع بين الملك حسين واسحاق رابين، بدت الامور بصورة مغايرة تماما. تسلسل الاحداث من الجانب الاسرائيلي تسبب بغضب حسين: التهديدات والترحيل الجماعي لسكان الضفة الغربية الى المملكة التي اعتبرت مؤامرة اسرائيلية لزعزعة استقرار العرش الهاشمي، والاعلان بان الاردن هو فلسطين)) والدعوة للملك الاردني: ((فلتتبوء القيادة والا فانك ستكون الملك الاخير))، فمشروع البناء في جبل ابو غنيم وحفر نفق البراق.



كتب شلايم على لسان الملك المتوفي ان حسين شعر بأنه لا يستطيع الوثوق باسرائيل كحليف استراتيجي وشريك بالسلام. خيبة الامل الشخصية والغضب المتراكم من نتنياهو الذي (يهدم السلام عن قصد ونية مبيتة) احتلت مكان الصداقة الجريئة مع رابين.



(سيدي رئيس الوزراء) هكذا خاطب حسين نتنياهو، ((ان كان هدفك القيام بمناورة الفلسطينيين ودفعهم لانتفاضة عنيفة لا يمكن منعها، فلترسل جرافاتك الى الموقع الاستيطاني الذي تريده. فهل يمكن للفلسطينيين ان يبنوا علاقات ما في ظل الاهانة المنهجية والواضحة الى هذا الحد لشركائك كما تزعم؟. كيف سيكون بامكاني ان اعمل معك كشريك وصديق حقيقي في اجواء البلبلة المحيرة هذه، حيث اشعر بعزمك على هدم كل ما عملت على بنائه بين شعبينا وبلدينا؟ الاصرار في أمور جوهرية هو شيء، ولكني اتساءل حول جدوى الاصرار من اجل الاصرار.



على اية حال اكتشفت ان لديك حالتك المزاجية الخاصة، ويبدو انه لا توجد لديك حاجة لتلقي اية نصيحة من صديق. من المؤسف جدا لي ان علي ان اكتب لك هذه الرسالة، الا ان شعوري بالمسؤولية وقلقي قد دفعاني الى التحرك ازاء الوضع المجهول))



في جزء آخر من الرسال تطرق الملك حسين للرفض الاسرائيلي الحازم لاقتراحه الصعود الى متن المروحية الملكية والهبوط في مطار غزة . واضاف الملك، ((لنفترض انني كنت سأتوجه رغم ذلك الى غزة بفضل مكانتي ولكوني صديقا، فهل كنت ستأمر زملائي طياريكم في سلاح الجو الاسرائيلي، اولئك الذين رافقوني في طلعتي في اجواء اسرائيل التي اشتهرت باعتبارها طلعة السلام الاولى، تلك التي بدت وكأنها قد حدثت منذ زمن بعيد، لمنعي من الهبوط بالقوة؟ انا لا اعرف ابدا الى اي مدى كان القرار بهذا الصدد قريبا))



وهذا ما هدد به نتنياهو الملك حسين ان هو تجراء بفعل ذلك-- سيناريو غضب الملك بصدد مروحيته التي سيتم اسقاطها في اجواء اسرائيل-- وكذلك اللهجة الصارخة والاسلوب غير المسبوق الذي استخدم في تلك السطور، ولكن نتنياهو رد في صبيحة اليوم التالي. في رسالة نشرت في كتاب آخر،((الملك حسين – حياته السياسية)) من تأليف نايجل اشتون، رفض نتنياهو ادعاء الملك بأنه المسؤول عن الازمة في العملية السياسية.



ولكن نتنياهو استدرك ما فعله مع حسين فكتب حول الهجمة الشخصية الحادة عليه لحسين: ((انا أكنّ لك درجة هائلة من التقدير وانا اقدر صداقتك وفهمك. هذا هو سبب وجوب اعترافي بأنني مندهش من المستوى الشخصي الذي اتسم به هجومك علي. في كل علاقاتي مع القادة في الشرق الاوسط على المستوى الفردي او الشعبي انا لا استخدم في اية مرة من المرات تعبيرات من هذا النوع)).



وبعد ستة اشهر من ((حرب الرسائل)) قام نتنياهو بتوجيه الموساد لتصفية احد نشطاء حماس الذي كان في ذلك الحين مجهولا متدني الرتبة في قيادة الحركة، وهو خالد مشعل ، في مركز مدينة عمان المزدحم ضاربا بعرض الحائط اتفاقيه السلام الفاشله مع حسين الذي استشاط غضبا ورفض على اثرها مقابلة نتنياهو وهدد بارسال قوة عسكرية لاقتحام سفارة اسرائيل التي لجأ اليها عملاء الموساد وأخذهم كرهائن بالقوة.



الملك اصر على ان يقوم نتنياهو الذي صادق على العملية بانقاذ حياة مشعل وطالبه بارسال دواء وقائي للسم الذي حقن به فورا. الموساد حاول الاعتراض وكسب الوقت الى ان يموت مشعل وفي تلك الساعات الطويلة من التوتر كان من الممكن ملاحظة انتشار قوات الكوماندو الاردنية الخاصة حول السفارة بقياده ولده عبدالله الملك الحالي وكان ما اراد حسين.



اسباب النفور الذي شعر به الملك نحو نتنياهو كانت علاقته المشبوهه بليزا حلبي (نور) التي روت في مذكراتها الظروف التي اثار فيها مرض الملك حسين الخبيث. ((عندما ارتفعت حرارة جسمه مرة واحدة اطلقنا على ذلك اسم جرثومة بيبي، كنوع من الدعابة العائلية على حساب رئيس وزراء اسرائيل الذي اثار غضب زوجي بدرجة كبيرة)).
مروان المعشر السفير الاول للاردن في اسرائيل يستذكر لقاءه الاول مع نتنياهو بقوله ((اصر نتنياهو على ان نلتقي في مقصف الكنيست تحديدا وجلب معه عددا من اعضاء الليكود، وعلى الفور وجدنا انفسنا في جدل حيث أخذ نتنياهو يوضح لي سبب عدم ضرورة وصحة اقامة دولة فلسطينية مستقلة. اوضحت له موقف الاردن القاطع المنادي لاقامة الدولة الفلسطينية. عندئذ قال لي نتنياهو:( انا اعتقد انني افهم في المسألة الاردنية اكثر منك).السفير سارع لارسال تقريره مضيفا ملاحظة موجهة لمسامع الملك بأنه قد شخص لدى نتنياهو تعاليا وغطرسة.

2009/12/04

أراد أن يذكره التاريـخ .. !


الشيخ جمال الدين شبيب

مما ورد في كتب التراث أن أعرابيا جاء الى «مكة» - في صدر الاسلام - وتوجه من فوره الى بئر زمزم، وامام حشود العرب المسلمين الاوائل كشف عن عورته و.. بال في البئر! وحينما عنفوه ولاموه وضربوه، سألوه.. «لم فعلت ذلك»؟! فقال.. «أردت أن يذكرني الناس.. » !!
تذكرت هذا الاعرابي «البوّال» وما زلنا نذكره - و فعلته - حتى يومنا هذا ، بعد اكثر من الف واربعمائة عام على حدوثها!! وأنا أقرأ في صحيفة يومية هجوماً لاذعاً وربما موجعاً على شخصيات وجهات محترمة لمجرد وقوفها في المقلب الآخر انسجاماً مع قناعاتها وقيمها وتاريخها الناصع في الدعوة والجهاد وعدم انصياعها لترغيب وترهيب من يرغبون في اختصار الوطن والطائفة وحتى نسمة الهواء في شخصهم الكريم .. لو استطاعوا؟!
وأدركت بالبداهة أن اللجوء الى الافعال والاقوال - غير العقلانية يحدث حين يعجز المرء عن اقناع الآخرين بأهميته وقيمته وفائدته. فلا يجد الا فعلاً ممجوجاً، أو قولاً قبيحاً ليسري خبره بين الناس أياما وشهورا و.. دهورا!!
وأخطر ما في الأمر أن ينحدر بعض الصبية إرضاءً لسادتهم وكبرائهم إلى درك بالغ الانحطاط. عندما يحاولون تزوير الحاضر وتكذيب التاريخ لمجرد اختلاف حاد حاصل في ساحة ، كان الأجدر بأهلها أن يكونوا أكثر انسجاماً مع المبادىء فيوحدوا صفوفهم ويتابعوا النهوض بمشروعهم المميز. بدل التلهي بالإتكاء المرحلي على " الحيط " المايل..والاستيقاظ على صحوة ضمير - ولو جاءت متأخرة عشرات السنين - ليكتشفوا أنفسهم في أس طائفتهم ومذهبهم المهدد بخطر الاستلاب وأسعار السوق.
غداً سيكتب التاريخ وقلمه لا يرحم .. ويسجل ما كتبه ويكتبه أولئك الغلمان زوراً وبهتاناً في حق دعاة وعلماء وشخصيات ممن رفعوا رؤوسنا عالياً .. وما زالوا منذ وقفوا في وجه الاحتلال الاسرائيلي وقاوموا وضحوا وتحملوا الأذى من القريب والبعيد حتى أثمر النصر واندحر الاحتلال. فإذا بأعناق أهل النفاق تشرئب لتحطيم رؤوس فشل أسياد أسيادهم من الاسرائيليين والأمريكان في تمريغها بوحل الهزيمة.
ربما مشكلة أهل الدين والعلم والجهاد أنهم ثبتوا على نصرة الحق لا يخشون في الله لومة لائم.. ثبتوا على الحق الذي يرونه حقاً في الوقت الذي تذبذب في الآخرون حول باطلهم الذي يعرفون في قرارة أنفسهم أنه باطل .. يجمعهم الطبل والدولار .. وحتماً ستفرقهم يوماً العصا.!
ذنب هؤلاء العلماء العاملين المفترى عليهم بمناسبة وبدونها أنهم رفضوا الخوض في الفتنة وشرذمة الناس الى قبائل جاهلية وأحزاب مذهبية متناحرة يذبح بعضهم بعضا ويستحل بعضهم دماء وأعراض اخوانهم.. رفضوا << عرقنة لبنان>> واشعال ساحته بحروب طائفية ومذهبية مشبوهة .. ومدفوعة الأجر سلفاً.
لكن أكثر ما يمكن أن يحزن المرء رؤيته جوقة أهل الباطل بمالها وما كيناتها الاعلامية الضخمة توظف بعض المأجورين ممن مروا يوماً على ساحة عطرة فلم يزيّنهم مرورهم برائحة طيبة ! كالمار ببائع العطر فلا هو جلس ولا هو ابتاع بل راح ليبيع ما لايملكه .. شمة عطر لم يحافظ هو على طيبها في نفسه..!
..فإذا به وأمثاله من << المارة >> يستخدم مروره العابر تأشيرة دخول لنادي << الشتامين المستأجرين >> الذين سرعان ما ينتهي بهم الأمر الى سلة المهملات بعد أن يعود للناس صوابهم ويرشدوا الى مصلحة وطنهم الحقيقية التي تجبرهم على التسليم بمنطق الاعتدال والمشاركة في بناء الوطن وتحمل مسؤولية درء الأخطار عنه..
ولا أجد لأمثال هؤلاء الشتامين من مخرج إلا البراءة في الدنيا قبل الآخرة .. ومن يدري ربما يتبرأ منهم سادتهم وكبراءهم وبقرتهم الحلوب ويلعنونهم قبل صياح الديك في الدنيا .. وأكيد في الآخرة يوم يتبرأ الذين اتبعوا – بضم التاء- من الذين اتبعوا – بفتح التاء – .. فهل يرعوي هؤلاء فيحترموا أمانة القلم التي لوثت بما دبجته نوازع شهواتهم ، حتى سودوا حاضرهم بمداد الكذب والافتراء قبل أن يبدو لهم العذاب .. أو تتقطع بهم الأسباب .. ؟ فإن أبو فلهم ما أرادوا ..سيذكرهم التاريخ ولكن ..في كتابه الأسود.

اغتصاب فتـاة أمـام 21 أخـاً لهـا ‎


في أحد الأيام كنت أقود سيارتي عائداً
و أنا أسمع أخبار المجازر الجديدة في الراديو
و إذ بي أرى منظراً
قلت في نفسي
يا إلهي ما هذا !
أين أصبحنا في عالم الوحوش !
رأيت رجلا يغتصب فتاة بريئة
بكل قسوة وبدون رحمة
نزلت من السيارة مسرعاً
إلى تلك الفتاة لعلي أنجدها من ذلك
الوحش الكاسر ولكن الغريب
أني رأيت 21 رجلاً واقفين يتفرجون
على هذا المنظر المريع
قلت لهم على ماذا تتفرجون ؟!
ساعدوني لأنقذ هذه الفتاة المسكينة
قالوا لي اسكت ودع الرجل يكمل ما بدأ به !
قلت لهم اللعنة عليكم من أنتم
وكانت المفاجأة
قالوا نحن أخوتها
لم أصدق ولكن تمالكت نفسي
وقلت لهم ولماذا لا تدافعون عن أختكم
قالوا...
مصالحنا مع هذا الرجل و أخيه الأكبر !!!
ولا نستطيع أن نمنعه كما إننا نخاف منه !!!

وبعد لحظات عرفت من هذه الفتاة
ومن هذا الرجل الغاصب
ومن هؤلاء الاخوة ...
بل و نعرفهم جميعاً
ففتاتنا المغتصبة هي فلسطين الحبيبة

والمغتصب

الصهاينة و من أوجدهم

اما الإخـوة المتفرجون

فهم دولنا العـربية
و يبقى الأمل بـ
أبناء الإخوة ... الشعوب العربية المقاومة

الهجرة اليهودية والحلم الصهيوني


بقلم : الدكتور محمد هلال الميقاتي رحمه الله

الحلقة الأولى:

لقد كان تاريخ بني إسرائيل حافلاً بالكثير من الفساد والجرائم حين كَذَّبوا الأنبياء وقتلوا الكثيرين منهم حتى سُموا بقتلة الأنبياء، وقد قال الله تعالى : (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولَتعلُنَّ علواً كبيراً) سورة الإسراء. وهاهم الصهاينة في عصرنا الحديث يعودون إلى الإفساد بتجميع شتاتهم في فلسطين المحتلة والسعي إلى احتلال المزيد من الأراضي العربية، غير مكتفين بما اخذوه قبل، محاولين تحقيق حلمهم القديم، ألا وهو الدولة العبرية الممتدة من النيل إلى الفرات.



* حين أصدرت القيادة الصهيونية عصر يوم السبت 14 أيار 1948 بيان قيام الدولة العبرية على أرضنا العربية في فلسطين، كان عدد الغزاة الصهاينة 650 ألفًا مكنتهم القوى الاستعمارية من استيطانها واغتصابها بالقوة الغاشمة

يومها قال " ديفيد بن غوريون " كلمته الشهيرة " انه بالهجرة الجماعية أمكن إنشاء الدولة، وبفضل الهجرة وحدها يمكن ان نصمد" …

وقد صرح مدير قسم الهجرة في الوكالة اليهودية "أوردي غوردن" في 7/6/1990 أن 1.360.350 يهوديًا طلبوا

الهجرة إلى الكيان الصهيوني منذ كانون التاثي 1990.

والسؤال المطروح اليوم بإلحاح: هل بدأ العدو العدّ العكسي للانطلاق بمرحلة قيام دولته الكبرى وإكمال حلم الصهاينة الأوائل على يد من خلفهم من الإرهابيين؟

هذه الدراسة المقتضبة ستجيب عن هذا السؤال من خلال العرض التاريخي لحركة الهجرة اليهودية وموقعها في الفكرة الصهيونية والعدوانية ونتائجها التوسعية.



الاستراتيجية الصهيونية

رسمت الحركة الصهيونية أواخر القرن الماضي خطة عمل دقيقة في كيفية الانقضاض على أمتنا والفتك بأبنئها واغتصاب أرضها وتشييد الدولة الصهيونية فوق ترابها. ولكي يصل الصهاينة إلى مراميهم قسموا خطتهم إلى مراحل ، بحيث أذا ما تمكنوا من إنجاز مرحلة انتقلوا تصاعديًا إلى اخرى يكون حدها الأدنى ما كان في السابقة حدًا اقصى، وعلى هذا كان طرح الأهداف الصهيونية من قبل قادتهم. ففي المؤتمر الصهيوني المنعقد في دينة "بال" السويسرية سنة 1897 جاء في البيان الختامي " إن هدف الصهيونية هو إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام.

وكان الظرف الدولي يحتم على الصهاينة إخفاء هدفهم النهائي نظرًا إلى المعارضة العثمانية، وعدم تجاوب

وعدم تجاوب الأوساط الدولية مع طرح "هرتزل" الذي سبق أن اعلنه سنة 1896، وعَنْوَنَ طراسته به، وهو إقامة "دولة اليهود" على ارض فلسطين.
بّيْد أن الظروف الدولية بعد سقوط فلسطين في 9 كانون الأول 1917 بأيدي المحتلين البريطانيين الداعمين للمشروع الصهيوني مكّنت الزعيم الصهيوني "حاييم وايزمن" من الإفصاح لوزير خارجية الولايات المتحدة "لانسننغ" أثناء إنعقاد مؤتمر الصلح 1919 عن جزء الهام من الهدف الصهيوني، ففسّر له ما تعنيه كلمة " الوطن القومي اليهودي" قائلاً: " معناه جعل فلسطين كما ان انكلترا انكليزية و أمريكا أمريكية". ولكن خارطة فلسطين عند "وايزمن" التي يريد تهويدها نجدها اتسعت رقعتها الجغرافيه كثيراً، فهمي تشمل بحسب ما جاء في مذكرته التي رفعها إلى مؤتمر الصلح " كل فلسطين وجنوبي لبنان وجنوبي سورية حتى دمشق وخليج العقبة وخط حديد الحجاز حتى معان، وينابيع مياه الأردن في سفوح جبل الشيخ".
وإذا كان زعيم الصهيونية قد وضع خريطة "وطنه القومي" من دون أن يشرح في مذكرته كيفية تحقيقه، فإن الزعيم الصهيوني "فلاديمير جابوتنسكي" قدّم الهدف والوسيلة معًا حينما قال :" سنطرد العرب من فلسطين وشرق الأردن، سنقذف بهم إلى صحاريهم… وسنقيم الدولة اليهودية على ضفتي الأردن أولاً، ثم نمتد بها إلى ما وراء حدود فلسطين". كما ان زعيم الحركة العمالية الصهيونية " ديفيد بن غوريون" لم يتوانَ عن القول:" بأن الامبراطورية الإسرائيلية سوف تمتد من النيل إلى الفرات". وها هو "موشي مينوحين" احد تلامذة الصهيونية الأوائل قبل مفارقته لها يقول :"كانت الصهيونية تعلمنا في المدارس أن وطننا يمتد من الفرات إلى النيل".

يتبين إذاً ومن دون أن نتطرق إلى بروتوكولات المؤتمر الصهيوني الأول السرية أن أصحاب الفكرة الصهيونية

على اختلاف ميولهم كانوا أتباع نظرية واحدة تقوم على أساس إقامة ما يسمى دولة إسرائيل الكبرى، وأن المراحل العملية التي نفذتها الصهيونية ولا تزال تؤكد مدى تصميم الصهيونية العنيد للوصول إلى الأهداف الاستراتيجية التي وضعها قادتها الأوائل .



برنامج العمل الصهيوني

إن الدارس لتاريخ الحركة الصهيونية يرى ان برنامج عملها قام على ذراعين اثنين: الاستيطان والدبلوماسية،

وهذا ما يبيّنه بيان "بال" حينما ذكر ان هدف الصهيونية هو "إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين (ذراع الإستيطان) يصونه القانون العام (ذراع الدبلوماسية)".

1-الاستيــــطان: وأساسه تنظيم حركة الهجرة اليهودية إلى الأرض العربية للتمكن من إقامة المستعمرات الصهيونية فيها. وذراع الاستيطان كان يحتاج بنظر مفكري الصهيونية استخدام القوة لدعم عملية الاستيطان وجعل المستعمرات قلاع الصهيونية المنيعة .

2-الدبلوماسية: وتكون مترافقة مع عملية الاستيطان، والمقصود بها الاتصالات واللقاءات التي يجريها قادة الصهيونية مع الهيئات والشخصيات الدولية وحكومات الدول الكبرى من أجل دعم وتأييد الفكرة الصهيونية .

وعليه نشط قادة الصهيونية في الدبلوماسية والاستيطان حتى تمكنوا من انتزاع أرضنا العربية في فلسطين بالقوة والإرهاب، بعد حصولهم على وعد واعترافات بدولتهم الغاشمة، كان أبرزها:وعد "بــلفور"1917 المشؤوم وتكريسه بصك الانتداب الصادر عن عصبة الأمم 1922، وقرار هيئة الأمم المتحدة في سنة 1947 بتقسيم فلسطين .

نُشِر في أيلول 1994ر

عــرب الإنتظــار ؟


بسام الهلسه
* لكأن "صموئيل بيكيت" الأديب الإيرلندي المشهور كان يصف حال العرب الراهنة حينما كتب مسرحيته "في انتظار جودو".

وما يصف حال العرب هو موضوع وشخصيات المسرحية التي تمضي الوقت في انتظار شخص اسمه "جودو" تأمل أن يأتي ويخصلها مما هي فيه دون أن تفعل شيئاً، سوى تأكيد عجزها وخوائها وانعدام إرادتها.

وكما هو معروف حظيت المسرحية باهتمام كبير، وقدمتها فرق عديدة في العالم، ونال مؤلفها "بيكيت" جائزة نوبل للآداب أواخر الستينيات من القرن الماضي، لكن "جودو" و"الخلاص" لم يأتيا أبداً!

مثل شخصيات المسرحية ينهج العرب الرسميون منذ ما بعد حرب تشرين- أكتوبر 1973م سياسة انتظار عقيمة للخلاص الذي ستأتي به "الولايات المتحدة" لمشكلات المنطقة. وهي –سياسة الانتظار- النتيجة الطبيعية للخواء والعجز الناجمين عن انعدام الرؤية والإرادة.

لكن أميركا ليست مثل "جودو" الذي تتحدث عنه شخصيات المسرحية دون أن يظهر، فهي كالذي كتب عنه الشاعر "عبدالوهاب البياتي": "الذي يأتي ولا يأتي" تأتي لتصنع المشكلات وتترك للعرب انتظار حلها على يديها، بدعوى أنها القوة الأكبر التي "تمسك بـ99% من أوراق الحل في المنطقة" كما قال رئيس عربي مرة، أو بدعوى أنها "راعية عملية السلام" كما يقول معظمهم!

وبرغم المدة الطويلة التي مرت على هذه الحال، والخيبات والمآسي الكبيرة التي تجرعها العرب من أميركا، فقد ظلوا مواظبين على سياستهم التي تبدو وكأنها قدر لا يملكون رده!؟

و"السياسة" من حيث هي التعبير المكثف عن الإرادة والمصالح، تبدأ من وعي الذات العامة والسعي لتلبية تطلعاتها واحتياجاتها في الظروف والسياقات المحددة في كل مرحلة. وبهذا المعنى فهي نقيض ذهنية ووضعية "الانتظار" من حيث الحاحها على الفعل المستمر.. اللهم إلا إذا كان –الانتظار- مجرد مناورة مؤقتة لاستجلاء موقف غامض أو لحشد قوى.

ومع توفر "الإرادة الواعية" التي هي شرط مؤسس للفعل، فإن كل حالة أخرى –كالعجز مثلاً- تكون ظرفية يمكن تجاوزها –أو تقليل آثارها- بتعزيز عوامل القوة الأخرى.

لكن مشكلة العرب المنتظرين لـ"جودو" الأميركي، لا تكمن في حاجتهم لهذا الدرس البسيط في الفكر السياسي –وإلا نكون وقعنا في الإدعاء أو الغفلة- بل تكمن في مكان آخر يتصل بفهمهم لماهية "الذات" و"المصالح" التي نتحدث عنها ونؤكد على صفتها "العامة" (أي التي تعم الأمة والوطن)؛ فيما يؤكدون هم على صفتها "الخاصة" (الطبقة المستفيدة من الوضع القائم) أو حتى "الشخصية" (العائلة والمقربين).

ومع أهمية فهم ما سبق ينبغي الفحص والنبش في بنية ذهنية رسمية عربية، ومن معها من النخب والمحاسيب والأتباع، أدمنت على ما هي فيه واطمأنت له، إلى حد أنها فقدت كل رغبة في تجاوزه.. بل حتى في التساؤل عن بديله!

تبدل العالم كثيراً منذ العام 1973م، وتغير رؤساء كثيرون في الولايات المتحدة (نيكسون، فورد، كارتر، ريغان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابن، وأخيراً: أوباما..) لكن عرب الانتظار ظلوا كما هم أوفياء للعهد فلم يملوا كما فعلت "أم كلثوم" ذات أغنية: "أنا في انتظارك.. ملّيت"!

الايطاليون وجدل الاسلام والسياسة وادبيات صلاح محاميد


زينب سعيد


بعد الضجة التي أثارها قتل العامل المغربي لابنته سناء بسبب تجاوزها لمنطق الاخلاق العرفي المغربي وارتباطها بشاب ايطالي بطريقة غير شرعية، أثيرت قضية الاسلام من جديد في الوسط الايطالي السياسي منه والاجتماعي والثقافي، وعزا جل السياسيين السبب في القتل إلى الاسلام، مما جعل البرلمانية المغربية سعاد السباعي تصرح بأن الحجاب غير مذكور في القرآن، واقترح رئيس الحكومة والحزب الشيوعي السابقين والبرلماني حاليا, والمرشح لتبوؤ منصب الخارجية للإتحاد الأوروبي ماسيمو داليما "MASSIMO D ALEMA"اقترح أن يدرس الاسلام في المدارس للتعرف على الجوانب المجهولة فيه واتاحة الفرصة للايطاليين لمعرفة كنهه وخباياه حتى يصيبو في أحكامهم العرفية اتجاهه، وفي هذا المضمار بعث برسالة مكتوبة للكاتب الفلسطيني الدكتور صلاح محاميد صاحب كتاب "الاسلام والغرب" المنشور عن دار الأجراس بمشاركة الزيتونة بالبيضاء جاء فيها ".....سأقرأ كتبك باهتمام، مشاطرا إيّاك – بحميمية وقناعة- جهودك من أجل ترسيخ وتحسين التعايش البناء والجيد بين الشعوب، تحية حارة، مع صداقتي الخالصة.." في حين ذهب آخرون إلى إدانة القتل وعزو أسبابه إلى الاسلام كما صرحت رئيسة حزب اليمين دانييلي سانطانكي بقولها إن الرسول كان شاذا جنسيا لأنه تزوج من فتاة عمرها تسع سنين، هذا في الوقت الذي لم تحرك فيه الجمعيات المغربية ساكنا في اتجاه ما يجري، وقد ذهب فريق إلى الانفتاح على الانتاج العربي ومحاولة استكناه خباياه لمعرفة أسراره، ودراسة محتواه، للتعرف على الآخر عن قرب وفهمه وتقديمه بعرفه وبتصريحاته للثقافة الايطالية، ويدخل هذا في ما أقدمت عليه محافظة بلونو من انفتاح واهتمام بهذا الآخر حيث تم تقرير أحد كتب الكاتب الفلسطيني الدكتور صلاح محاميد الذي هو "الطفل الذي جلب السلام" ( للإستعلام: azzaytuna@yahoo.it ) في المقرر المدرسي وهو كتاب يحكي عن طفل فلسطيني مسلم متدين يجاهد للعيش وجلب السلام لأبناء شعبه فيحلق في استكناه خبايا الثقافات والمجتمعات ليجدها منكوبة بقناعاتها ورواسبها وعنجهيتها فيطرح حلولا لاحلال السلام بين بني البشر، وقال البابا في رسالة مكتوبة إلى الكاتب ، ردا على إهداء الكاتب مؤلفه له قال فيها: " يتشكرك الحبر الأعظم على الهدية وما تحويه من المشاعر الطيبة المستلهمة منه ......" .

بين النفي والقبول ، وبين الانفتاح والنفور يعاد مرارا طرح إشكالية الاسلام والأسلمة في وسط لا توازن للقوة فيه، منهم الكاره للآخر والحاضن له، ويبقى المهاجر عنصر الجدال بين الأطراف، ضحية بعض المواقف السياسية والاجتماعية يدفع ضريبة وجوده بصمت ورضى وأحيانا بتدمر خانع.

اما كيف حظي صلاح محاميد برضى النقيضين فهو يفيد: "إنها مهنة الفلسطيني الأزلية. لقد قدم اباؤنا منذ فجر التاريخ مفاهيم السلام زما زلتا في هذه الحقبة حيث تعاني بلادنا من أسوأ إجحاف سجله التاريخ".


الرجل الذي أحلم به رئيساً لمصر!


محمد عبد المجيد


الحياة لا تستقيم بدون أحلامٍ، والأحلامُ هي العلاجُ السحرّي لكلِ أنواعِ اليأسِ والكآبةِ والحزن!
خلال ثلاثة عقودٍ وأسرة مبارك تسرق أحلامَ المصريين، تماما كما تسرق منهم اللقمة!
باستثناء عدة مئاتٍ من المصريين الذين لا يزالون على العهد مُقاوِمين شجعان، في الإعلام والجامعات وأحزاب متناثرة وفنانين ومثقفين، فإنَّ الثمانين مليوناً لم يفيقوا بعد من غفوة شلّت الجسدَ والروحَ والعقلَ و .. الفؤادَ!
لم تنفع مع أهل بلدنا منابرُ المساجدِ والكنائس، ولا المقالات النارية التي تهُزّ الجبالَ هَزّاًً، ولا الكوارث في البحر والجو والبر، في المسرح وتحت جبل المُقطم وفي قطارات متهالكة كأنها أكفان لم تلتف بَعْدُ حول أجسادِ الفقراء والمطحونين الذين أصبح الموتُ لديهم مساوياً للحياة، وأحيانا تمنيات بعيدة المنال!
لم تنفع مع أهل بلدنا الكتبُ المقدّسة، وحكايات عن ثورات الأنبياء والرسل ضد الطغاة، ونقل الفضائيات إليهم في بيوتهم وقائع غضب الآخرين ..
لم ينفعهم الإيمانُ بالله، تعالى، ولا حرّك فيهم ساكناً مَلَكُ الموتِ يحصُدهم في الشوارع والطرقات والمستشفيات، ويتخفى خلف الفقر والمرض والوبائيات، وانتظرتْ السماوات السبعُ غضب شاربي مياه النيل حتى لو كان سببُ الغضبِ سُموماً قاتلة في طعامِهم وشرابهم وهوائِهم وتكاتف عدوٍ لئيم يتربص بهم في كل شارع وناصية وحارة، أعني القمامة، لكن المصريين تعلموا من وادي الملوك أن الصمت هو الذي يقوم بحمايتهم من سوط فرعونهم.
ومع ذلك فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بالحلم عن زعيم ينتشلنا من مستنقع لا قرار له، أو الاستمرار في العبودية المختارة تتقاذفنا أسرة مبارك كأننا كرة بلاستيك تمررها أقدام لاعبين يصرخ فيهم جمهور هستيري يظن أن كرامته تحددها الملاعب الخضراء، وأن التقدمَ هو حالة كروية ولو تحول المجتمع كله إلى أفواه جائعة، وبطون خاوية، وعقول فارغة، ونفوس مريضة.
وأنا لا زلت مُتمكسا بالحُلم عن زعيمٍ مجهول كما تتمسك عذراءٌ في خِدرها بفارسٍ أحلامِها الذي قد لا يأتي حتى يلج الجمل في سم الخياط!
أحلم برئيس يحب مصرَ، وترابَها، ونيلها، وتاريخها، وحاضرَها، ويحتفظ في مخيلته بتفاصيل مستقبلِها الذي يرسم كل خطوطه كفنان ماهر لا تبرح الريشة سبّابته وابهامه إلا لِماماً!
أحلم برئيس ليس كاذباً، ولا منافقا، ولا متعاظما، فإذا وعَدَ بأنْ لا يُجدد ولايته بعد الثانية، أوفىَ بوعده ولو خرج المصريون كلهم مطالبين إياه بولاية جديدة لأنهم يتامىَ مِن بعده.
أحلم برئيس يحترم شعبَه، ويعتبر كرامة كل مصري مِنْ كرامته، ولو سرق كفيلٌ أو مُهَرّبٌ على مراكبِ الموتِ أو بلطجي أو رجل يَحْميه أحدُّ الكبار مصرياً، فإنَّ الرئيسَ يأتيه بحقه قبل أنْ يقوم مِنْ مَقامه.
أحلم برئيس يتسلل آناءَ الليل وأطرافَ النهار إلىَ السجون والمعتقلات، ويبحث عن المظلومين، ويُفرج عن الأبرياء، ويطرد مِنْ رحمته كبارَ الضباطِ المتورطين في التعذيب والمهانة واذلال أبناء البلد.
أحلم برئيسٍ يحترم القضاءَ، ويجعل القضاة والمستشارين يُشرفون علىَ الانتخابات، ويُعطي توجيهاته بأنْ لا تقترب وزارة الداخليةِ مِنْ أيّ مصري يتم الحُكمُ عليه بالبراءةِ، فيعود إلىَ أهله قبل أنْ ينبلج فجرُ اليومِ التالي.
أحلم برئيس يُحب الفنَ الرقيقَ، ويستمع إلىَ الموسيقى الكلاسيكيةِ، ويحفظ بعضَ المعلقات، ويعرف قواعدَ اللغة العربية وأدابَها، ويستشهد مُرْتجلا بالمتنبي وأبي تمام وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل والجواهري ومظفر النواب!
أحلم برئيس لديه مشروع قومي ووطني وحضاري، ويعرف تضاريسَ مصر وجغرافيتها، ويقرأ لجمال حمدان، ويحفظ عن ظهر قلبٍ كل قطعة من أرض مصر، ولديه فكرة عن احتياجاتها البشرية والمائية والانمائية.
أحلم برئيس ينتزع مئات الآلاف من الأفدنة التي استولى عليها لصوصُ عَهدِ مبارك، ويُعيدها للمصريين في مشروعات انتاجية، زراعية وصناعية، ومدن سكنية ضخمة وراقية وجميلة تتسع للفقير والغني على حد سواء.
أحلم برئيس يغضب من المديح، ويزيح عن طريقه المنافقين، ويفتح صدرَه للنقد، ولا ينام الليلَ حتى يطمأن أنَّ بالوعة صغيرة في قرية نائية سقط فيها ثلاثة أطفال قد تم اغلاقها ومحاسبة رئيسُ الحي، وأنَّ المصريَّ الذي يستغيث به ولو كان في جوفِ كهفً يصل صوّته للقصر.
أحلم برئيس عبقري، وذكي، ورقيق القلب، ويفهم في الفلسفة وأصول الحكم، ويقرأ في العلوم الانسانية، ويحفظ عن ظهر قلبٍ الشِرّعة العالمية لحقوق الانسان، وتخجل منظمات حقوق الانسان أنْ تعاتبه ولو علىَ استحياء.
أحلم برئيس يتساوى لديه المسلم والمسيحي والبهائي واللاديني، والسني والشيعي، وأن المقياس الوطني لديه هي الكفاءة والمصداقية والنزاهة والعمل الجاد والمثابرة.
أحلم برئيس يلتهم الكتاب الجَيّدَ الذي تقع عليه عيناه، ويستطيع أنْ يتحدث حديثا راقيا وعقلانيا وموضوعيا، مرتجلا وليس من نص جامد أحمق وضعه له مستشاروه، عن الصحة والعلاج وحقوق الطفل ومناهج التعليم وحرمة البيوت وأسعار الكتب والملازم في الجامعة والدروس الخصوصية ونسبة التلوث في مياه الشرب.
أحلم برئيس يحلم بجيش وطني قوي، كل أفراده كأنهم خليّة نحل في التدريب والتعلم، وهم سَندٌ للأمة وليسوا عالة على اقتصادها، وأنَّ التعليمَ لا يتوقف مع اليونيفورم، وأنْ لا تكون لأي قوة في العالم سيطرة ولو غير مباشرة على جيش مصر، وأنَّ المصريين هم الذين يحددون حاجياتهم من السلاح، وأنه جيش يتحرك داخل أرض الوطن دون اتفاقات تلزمه بالتقزم والتحجيم ورغبات أمريكا وإسرائيل!
أحلم برئيس يخاف من أصغر عضو في مجلس الشعب، ويخاصم النومُ عينيه قبل أيّ استجواب تحت قبة البرلمان، ولو كان الاستجوابُ موجَّهاً إلى وزير في أقلّ الوزارات أهمية.
أحلم برئيس يَعْرض على الأمة مشروعا متكاملاً للقضاء على الأميّة في عدة سنوات.
أحلم برئيس لا يحكم مصرَ وهو على فراش المرض أو الموت، وأنْ يكون في كامل قواه العقلية والروحية والجسدية والنفسية.
أحلم برئيس يبدأ صباحَه بتصفح كل الصحف اليومية، المعارضة قبل القومية، ولا يعتمد على ما يختاره له مستشاروه، وتلتقط عيناه همومَ الوطن كله، ويتصل بنفسه بكل مسؤولي مؤسسات الدولة، وتلهب توجيهاته قوىَ النشاط فيها، وتضاعف أوامره عطاءاتهم، ويزيح عن الطريق المهمِلَ والفاسدَ، ولا تكون له أولويات، فكل مشاكل الوطن علىَ نفس القدر من الأهمية، محاربة المخدرات كالعلاج المجاني، كرامة المواطن في أقسام الشرطة كحقه في مياه غير ملوثة، حق الطفل في الحليب يومياً كأهمية العاطل في العثور على عمل.
أحلم برئيس لا تسجنه الشللية في القصر، ولا يحبسه المنافقون في الايحاء له بأنه الملهَمُ والزعيم، ولا يبحث عن الثناءِ والمديح في كل عمل يقوم به أو توجيهات أو أوامر.
أحلم برئيس يبدأ من الصفر في كل شبر من أرض مصر، من الشواطيء التي استولى عليها الأثرياءُ، والاحتكارات في البيع والشراء التي التهمت خيرات مصر، وإنشاء لجان حماية المستهلك، ووضع خطة مُحْكمة وذكية للفصل في مئات الآلاف من القضايا المُحنطة في المحاكم، فالعدالة البطيئة ظلمٌ بَيّنٌ، وخطة لوضع حلول لأكثر من مليون طفل من أطفال الشوارع، وانهاء فضيحة سُكان المقابر، وتخليص الوطن من العشوائيات، واعتبار القضاء على البطالة هي المَحَكّ لنجاح الرئيس أو فشله في إدارة شؤون الوطن.
أحلم برئيس لا يحكم باسمه أولادُه وأشقاؤه وزوجته وحواريّون ومستشاروه والملتصقون بسطوته وسيطرته، فكل الناس في عهده علىَ قدم المساواة، ويستطيع أصغر قاض استدعاء ابن الرئيس، وحتى الحُكم بحبسِه لو تجاوز السرعة المسموح بها لسيارته.
أحلم برئيس غير مختلّ النفس والروح، وفيه تواضع وإيمان ومحبة وتسامح، ويعتبر نفسَه الملاذ الآمنَ لكل مصري في الداخل أو في الخارج.
أحلم برئيس صادق مع شعبه، ولا يقيم معاهدات سرية مع خصوم مصر، ولا يتعاون مع إسرائيل، ولا يسمح لأي دولة باهانة رعاياه، ويصارح المصريين بكل تفاصيل الاتفاقات والمعاهدات التي تعقدها الدولة، ولا يُفرّط في استقلالها، ولا يبيع غازَها وبترولَها لأعدائها ..
أحلم برئيس لا يكره المصريين ولا يحتقرهم كما هو الحال مع الرئيس مبارك، فنجده في موقع اي حادث كبير، أو حريق، أو غرق سفينة، أو كارثة تسمم، أو زلزال ....
أحلم برئيس يجري، ويلهث، ويطير بمصر صوب كل مناحي التقدم والازدهار والرفاهية والتطور، ويتمكن من ازالة الفوارق بين الطبقات، وليس كما الرئيس مبارك الذي ينام ملايين من رعاياه وهم يتضورون جوعا، ويلعب العشرات بمليارات انتزعوها عنوة من خيرات مصر.
أحلم برئيس إنْ هددت مسؤولا في عهده بأن شكواك ستصل إليه يَخرُّ صريعا من الخوف حتى لو كان وزير الداخلية إنْ أهانك ضابط أمن، ووزير العدل إذا اختفت قضيتك في المحاكم، ووزير الصحة إذا سرق مجرمو الطب عضوا من جسد مريض يأتمنهم عليه تحت التخدير، فيخونوه رغم قسَم الشرف الطبي.
أحلم برئيس يُعيد التسامحَ للمصريين، وفي عهده يتساوى المسجدُ والكنيسة، ويحتفل كل مصري بأعياد أخيه في الوطن، ويعتبر كل من المسلم والقبطي أن حساب الآخرة شأن ربّاني، وأن الجنة لمن جاء اللهَ بقلب سليم، وأنَّ محبة المصري للآخر الذي يختلف معه في الدين والعقيدة هي أقصر الطرق لصناعة التسامح الذي يُرضي اللهَ تعالى.
أحلم برئيس تدعو له ربّة كل أسرة مصرية وهي تطعِم أولادَها، وتصحبهم للطبيب أو الصيدلي، وتتسوق حاجياتهم، وليس كما يحدث الآن فملايين من ربّات البيوت المصرية يرفعن أيديَهن إلى السماءِ، ويلعَنَّ مَنْ تسبب في هذا المشهد الكارثي والحزين لأم الدنيا.
أحلم برئيس ينتزع السلطة من الرئيس مبارك، ولا تصل به إلى القصرِ دبابة في حماية أمريكية أو مساعدة اسرائيلية.
أحلم برئيس يرفع مصرَ درجات في التعليم والإعلام والكتاب ودور النشر وحقوق الانسان وحرية الصحافة والصحة والمواصلات و ...
أحلم برئيس يوافق على مناقصة ضخمة لشركات نظافة تجعل مصرَ واحدة من أنظف بلادِ العالم الثالث، وتضع صناديقَ قمامة في كل شوارع وحواري وأزقة مصر، وتقوم بتفريغها مرتين في كل يوم.
أحلم برئيس يعرف كلمة السرّ، ويَدخل بها إلى نفوس وقلوب وعقول المصريين، ويدمرّ البرنامجَ الذي وضعه عهد مبارك في شرايين أبناء شعبنا فجعل سلوكيات المصريين بلطجة ورشوة وفساداً وبقشيشاً واكراميات واستغلالاً وكراهية وتعصّباً وتديّناً زائفاً وازدواجية تجمع الملائكة والشياطينَ في قلب واحد، فيُعيد الرئيسُ الجديدُ الوضعَ الطبيعيَّ للانسانِ السويِّ.
أحلم برئيس تتقدم مصرُ في عهده بالفن الجميل، والموسيقى َالراقية، والفيلم الجيّد، والكِتاب المثمر والمفيد، والتلفزيون الريادي ...
أحلم برئيس يأمر وزير إعلامه بطرد آلافَ العاملين والعاملات في القنوات المصرية كلها، الأرضية والفضائية، ثم يعيد توظيفهم على أسس جديدةٍ قائمة على الكفاءات الثقافية واللغوية والعقلية والعلمية والقدرة على العطاء والمعلومات العامة والأفكار المبهرة والمبدعة، وفي هذه الحالة لن يعود إلى الشاشة الصغيرة من المومياءات الحالية إلا حفنة تعَدّ على أصابع اليدين!
أحلم برئيس يغادر المواطنُ مصرَ في عهده ويعود إليها سبعين مرة في اليوم، فلا تجرح كرامتَه في المطارِ كلمة أو نظرة أو اشتباهٌ، ويرفع رأسَه أمام مدير أمن المطار.
أحلم برئيس لا يضيع خطابُ بريدٍ في عهده، ولا يُهمل موظفٌ شكوى أو طلباً، ويحتقر المصري كل من يتوسط لآخر، ويعتبر القضاءُ أنَّ أعداءَ الوطن في الداخل هم مهربو المخدرات، والبلطجية من المَسّجلين خطرين، والذين لا يحترمون أحكامَ العدالة.
أحلم برئيس لستَ مُضطراً في عهده أنْ تضع يدك في جيبك لتحصل علىَ حقك، ولا تضغط علىَ أعصابِك المزايَدة الدينية من مُكبّرات الصوت، وجدال النقاب، ومطاردة المفكرين، ولا يقبل القضاءُ دعاوىَ يرفعها متخلفون عقلياً لمطاردةِ من يُفكرّ، أو يختلف معهم ..
أحلم بواحد من الثمانين مليونا يقرأ كلماتي، ويفهم أنني أعنيه هو شخصيا، في أي موقع يحتله، في ثكنة عسكرية أو جهاز المخابرات أو أمن الدولة أو حزب معارض أو أكاديميا أو مثقفا أو إعلاميا أو عالِماً، أو سياسيا بارعا ومغموراً، أو إداريا ناجحا، أو سفيرا سابقا أو ...
أحلم بالبطل الذي ينقذ مصرَ قبل أنْ تصعد روحُ الوطن إلى بارئها، وأنْ يأخذ أرضَ الكنانة في أحضانه، ويلملم جراحَها قبل أن تتفكك أرضُها وينحسر نيلُها، ويستولى الآخرون على نصيبِها من المياه، وتتحول مصر إلى ساحة حرب داخلية نتيجة التعصب والكراهية.
أحلم برئيس يضع مبارك وأسرتَه وزبانية السلطةِ وداعمي الطغيان وخط الدفاع الأول عن الاستبداد في العقود الثلاثة المنصرمة من المستشارين والوزراء وكبار الإعلاميين ورؤساء تحرير صحف النفاق القومية ومثقفين وكُتاب وروائيين وأكاديميين ومحافظين خلف القفص في محكمة شعبية بتهمة محاولة اغتيال وطن، وتخريب أمة، ونهب دولة، واهدار طاقات، وتهجير أدمغة، وتفريغ مصر من خيراتها.
أحلم بانتفاضة أبطال العبور، أو عصيان مدني، أو ثورة العمال والطلاب، أو غضب الجوعى، أو ثأر الذين لم تعد كرامتهم تتحمل المزيدَ من المهانة، أو بطل بجوار الرئيس استيقظ ضميرُه فجأة إثر اكتشافه أنه يحب مصرَ حُبّاً حقيقيا، وليس كرويّا، وأنه الرجلُ الذي تنطبق عليه معظمُ شروط أحلامي!
ولكن كيف لي أنْ أحلم إذا كان عشرات الملايين من أبناء بلدي لا يعرفون الفارقَ بين الحُلم والكابوس، ويظنون الجحيمَ جَنة، وأنَّ الكاذبَ سيتحول إلى صادقٍ، وأنَّ القاتلَ أو أحدَّ ولديه سيقنع الملائكة بالتحليقِ فوق مصر من جديد!
ومع ذلك فلا أملك إلا الحلم، ترى من يشاركني أحلامي كاملة غيرَ منقوصة؟

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو النرويج

الجزائر شعب وتاريخ وحضارة وليست أحد عشر لاعبا بكرة!


د. أحمد الخميسي

أظن أن الجميع ولست وحدي قد أصيب بالدهشة من ذلك التحول الذي حدث في طبيعة مباراة كرة قدم عابرة، لتنقلب من لعبة إلي حالة العلاقات المتوترة بين مصر والجزائر بل والسودان على المستويين الرسمي والشعبي.

والذين يحاولون بالضجيج اختزال الجزائر في أحد عشر لاعبا بكرة، يكشفون بتلك المحاولة فقط عن طبيعة عقولهم هم، أما الجزائر فتبقى ذلك الشعب العربي العظيم الذي قدم المليون شهيد من أجل حريته، وضرب أبناؤه أروع أمثلة البطولة والتحدي في الكفاح من أجل الاستقلال وفي الكفاح الثقافي من أجل التعريب.

والغريب أنه في شهر نوفمبر هذا تحل الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاق جبهة التحرير الوطني عام 1954 التي تمكنت بعد ثلاث سنوات من طرح قضية الشعب الجزائري في الأمم المتحدة، ثم أعلنت بعد ذلك بعام واحد عن قيام حكومتها المؤقتة. وخلال المفاوضات مع الفرنسيين ألقى فرحات عباس رئيس الحكومة المؤقتة في وجوه الفرنسيين بعبارته الشهيرة : "أفضل أن نصبح عشرة ملايين من الجثث على أن نكون عشرة ملايين فرنسي".

في تلك السنوات البعيدة كانت الإذاعة المصرية لا تتوقف عن بث أنباء الثوار الجزائريين، وقامت مصر بتقديم الدعم لهم معنويا وماديا، بل وكانت القاهرة محطة للمفاوضات التمهيدية لتحرر الجزائر. وسمعنا أيامها أسماء أبطال عظام مثل أحمد بن بيلا، وجميلة بوحريد، وغيرهما، وكانت النفوس مشحونة في مصر كلها بحب الجزائر وتأييدها. وفي عام 1958 كنت أتابع الأخبار من الإذاعة، وشملتني غمرة الحماسة المصرية للشعب الجزائري البطل، واعتبرت نفسي وأنا في العاشرة من عمري كاتبا، فسودت ورقتين لا أذكر ماذا كان بهما وقلت لأخواتي : مسرحية عن الجزائر. وأجبرت أخواتي على القيام بالأدوار التمثيلية في صالة البيت كلما ساق القدر إلي بيتنا أحد أقاربنا، فيجلس مستمعا إلي صياحنا وزعيقنا ثم يهنئنا منصرفا ويتوب بعدها عن زيارتنا. إلي هذه الدرجة قام الإعلام المصري بدوره حتى شحن النفوس كلها بحب الحرية.

عام 1962 انتزعت الجزائر استقلالها، وجاء أحمد بن بيلا إلي القاهرة، وكان موكبه محاطا بالالآف من المصريين البسطاء. هذه هي الجزائر التي أعرفها، الجزائر التي قدمت أبناءها دون حساب من أجل كرامتها وتحررها، وهذه هي الجزائر التي أحس أن قلبي عامر بحبها. ولم يكن ليخطر لي أبدا، أن يتصور البعض أن الجزائر هي فرقة كرة قدم! فيشحن النفوس بكل ذلك التعصب والكراهية والتوتر، ويلطخ تاريخا طويلا وعريقا سجل فيه المبدعون المصريون موقفهم من الجزائر حين أخرج يوسف شاهين فيلمه "جميلة بوحريد" وحين كتب صلاح جاهين قصيدته الرائعة عن جميلة، وغير ذلك كثير. ولنتذكر الآن الأيام السابقة على مباراة مصر والجزائر في القاهرة، لنتذكر كيف كانت شاشات التلفزيون عندنا تعرض لشباب يتقدمون كأنهم في حرب، ويصرخون " شجع مصر"، لا يصرخون "شجع المنتخب المصري" لكن "شجع مصر"، كأن فرقة كرة القدم هي مصر.

أليس هذا أيضا اختزالا لحجم مصر العظيم ؟

لقد قام الإعلام بشحن النفوس عندنا إلي أقصى درجة، بحيث أصبح مجرد سقوط زجاجة من على سطح منضدة كفيلا بإثارة معركة، فما بالك بأهداف تدخل المرمى!

المسئول الأول عما حدث في تقديري هو وسائل الإعلام التي تصرفت دون أدني قدر من المسئولية، فجعلت من لعبة كرة القدم حدثا قوميا، وجعلتنا نسمع أصوات المذيعين المبتهلة من أجل الانتصار والفوز كأن ذلك غاية المراد. أظن أن على المثقفين أن يبذلوا أقصى جهد لوقف المهزلة، وقد أصدرت مجموعة من المثقفين الجزائريين المرموقين بيانا بديعا بهذا الصدد بعنوان " لا للشوفينية "، كما حذر اتحاد كتاب مصر من الانسياق إلي مخططات خارجية ترمي لتخريب العلاقات بين مصر والجزائر.

:::::

أحمد الخميسي. كاتب مصري

الحديث عن دولة في الهواء؟


محمد العبد الله



ترافقت احتفالات سلطة الحكم الذاتي، وبعض القوى السياسية، بالذكرى الحادية والعشرين لـ"اعلان الاستقلال" الذي تم في دورة المجلس الوطني الفلسطيني التاسعة عشر في الجزائر، مع إشهار الخطة المفاجئة "شكلاً وتوقيتا" بالإعلان عن خوض السلطة لـ "معركة سياسية ودبلوماسية من الطراز الأول" كما يقول "محمد دحلان" داخل الهيئات الدولية(الأمم المتحدة ومجلس الأمن) لـ"اصدار قرار بإقامة الدولة الفلسطينية بعدما استنفذت المفاوضات أغراضها من الناحية السياسية". ويبدو أن مصير الإعلان الأخير، عن وهم قيام الدولة، لن يكون أكثر قيمة وواقعيةً من الإعلان عن "الاستقلال"، لأن الرهان على تحقيق الحلم، لابد أن يستند إلى جملة حقائق ووقائع على الأرض، وهو مايفتقده الجانب الفلسطيني الرسمي. وهو ماعبّر عنه كبير المفاوضين "صائب عريقات" بحديثه مع اذاعة جيش العدو مؤخراً أثناء رده على أسئلة المذيع (الفكرة تقول بالتوجه إلى مجلس الأمن ليعلن هذا القرار وليشكل بذلك مظلة دولية كبرى لقرار كهذا). مضيفاً (الهدف من هذا التحرك هو ان نعيد الأمل إلى قلوب الفلسطينيين).



من الواضح أن طرح هذه الفكرة الآن، قد تزامن مع وصول قيادة السلطة إلى الحائط المسدود، وفشل كل رهاناتها على ماستحققه "معركة المفاوضات" التي استمرت لما يقارب العقدين من الزمن، وفقدانها الأمل بالدور الأمريكي "النزيه" مع القادم الجديد للبيت الأبيض. وما يعترف به "عريقات" في حديثه الأخير يؤكد ماكانت تعلنه قوى العمل الوطني السياسية والمجتمعية على مدى سنوات (سئمنا المراوحة "الإسرائيلية" في المفاوضات المستمرة منذ 18 عاماً ... منذ 18 عاماً ونحن نقول لشعبنا أنه فقط بالتفاوض والسلام ووقف العنف سنحقق حريتنا واستقلالنا ... بعد 18 عاماً ما زال عباس في حاجة إلى استئذان "إسرائيل" ليغادر إلى عمان، وإذا أردت أنا أن أغادر أريحا إلى القدس لإجراء مفاوضات، يتحتم عليّ الحصول على إذن "إسرائيلي" للمغادرة).أما الحديث عن جدية الفكرة وما إذا كانت "مجرد تهديد مثل تهديد عباس بالاستقالة" فيرد كبير المفاوضين موضحاً (نحن أضعف من أن نهدد "إسرائيل" ... أنتم الطرف الأقوى وأنتم قوة الاحتلال ... نحن شعب تحت الاحتلال ... عباس سئم أن تكون مهمته دفع الرواتب للموظفين وأن يكون مسؤولاً عن الصرف الصحي ... آن الآوان لتتبنوا حل الدولتين ... وإذا لم يتحقق هذا الحل، فستتحملون مسؤولية تفويت فرصة تحقيق السلام).

مع النشاط المحموم لقيادات السلطة وللقوى المؤتلفة في حكومتها ومؤسساتها، الهادف تسويق "الفكرة" داخل الساحة العربية والفلسطينية، يتبادر لذهن المواطن العادي سؤال بسيط ومحدد: ألم تعلن القيادة في 15 / 11 / 1988 عن قيام الدولة كما تضمنه "اعلان الاستقلال" ؟ فما الذي تجسد على أرض الواقع؟. كل ماعرفه شعبنا كان في الاعتراف المتتالي لأكثر من مائة دولة بالدولة الموعودة للفلسطينيين، والذي تجسد بافتتاح مكاتب للتمثيل الدبلوماسي، وتحويل بعض المكاتب الموجودة اصلاً لسفارات!. أما الحقائق على الأرض فكانت تؤكد في كل لحظة أن قوات الاحتلال تستبيح كل شبر داخل مااعتقد البعض أنه أراضي الدولة. فلا سيادة ولااستقلال مع وجود المحتل. ولهذا فالدعوة/الفكرة المطروحة الآن، تعيد انتاج الوهم مجدداً، بكل مايحمله ذلك للبنية المجتمعية الفلسطينية من مشاعر الاحباط واللامبالاة تجاه المشروع القديم/الجديد، الذي يقتل أمل الفلسطينيين بتحرير وطنهم. كما أن تطورات العقدين الأخيرين من عمر القضية الوطنية الفلسطينية، يؤكد أن تلك القوى المعبرة عن ذلك النهج الاستسلامي، عملت على النكوص والارتداد بمشروع التحرير الوطني، إلى أشكال استثنائية، برزت في صيغ مشوهة للكيان السياسي ومؤسساته المشكلة تحت هيمنة الاحتلال، وتحت مراقبته المباشرة. كما سيقود الحديث عن "الدولة الافتراضية" المتخيلة، إلى الغاء برنامج تحرير الوطن من الاحتلال، والاستعاضة عنه ببحث قضايا الخلاف على الحدود والمياه مثلاً. _ كما صرح مؤخراً المفكر العربي عزمي بشارة_

على الجانب الآخر، تصدت حكومة العدو الصهيوني، بكل تلاوينها الحزبية والايديولوجية، بعنف خطابي، تهديدي، لفكرة التوجه للمحافل الدولية للعمل على الدعوة لاقامة الدولة الفلسطينية، التي شجعت عليها لجنة متابعة المبادرة العربية. وقد جاءت تصريحات المجرمين الصهاينة، لتكشف عن حقيقة مواقفهم في رفض وصول أية أفكار تبحث عن مخارج لحالة الاستعصاء التي وصلت اليها السلطة وحكومة العدو، داخل الهيئات الدولية. وقد استند موقفهم على أن أية حلول تأتي من جانب واحد مرفوضة! ولكأن كل وجودهم الاستعماري/الاحتلالي، وكل اجراءاتهم على أرض الواقع لم تكن من جانب واحد. إنها تبريرات الوقاحة والقباحة في أبشع صورهما .

من الواضح أن تلك الضجة التي رافقت طرح الفكرة/المخرج، لاتعدو كونها محاولة لاعطاء دفعة جديدة من الحيوية والفاعلية لقوى السلطة للخروج من مأزقها الذاتي بعد الانتكاسات المتتالية التي عاشتها في الأسابيع الأخيرة، بدءً بتأجيل النقاش لتقرير "غولدستون"، وانكشاف الموقف الأمريكي من قضايا بناء المستعمرات، ورغبة عباس بالاستقالة، ورفض لجنة الانتخابات المركزية لقرار عباس باجراء الانتخابات في كانون ثاني/يناير القادم. لقد دأبت قيادة السلطة على معالجة كل الأزمات التي لاتعصف بمكونات مؤسساتها ووجودها، بل وبالقضية الوطنية للشعب الفلسطيني، بالعقلية التي صاغت اتفاق أوسلو، وحولته إلى نهج وخطة عمل استراتيجية. لقد أسقطت قيادة السلطة ومنذ عقود، الرهان على المقاومة المسلحة، كبند اولي على أجندة الكفاح الوطني الفلسطيني المتعدد الوسائل. وبالتالي، فإن الأزمة المستعصية منذ سنوات، هي نتاج عقلية ونهج من راهن على المفاوضات وعلى خيار"السلام"، في الوقت الذي تمارس فيه قوات العدو الاحتلالية، بطشها وقتلها وحصارها للشعب الفلسطيني، واستباحتها لكل الأرض الفلسطينية.

إن المخاوف المشروعة لدى القسم الكبير من جماهير شعبنا وامتنا من أن الهدف من طرح الفكرة/المشروع راهناً، يأتي من أجل دفع قوى الضغط الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بالعمل لإقناع حكومة العدو الصهيوني للعودة لطاولة المفاوضات، بالترافق مع بعض الاجراءات الشكلية/التجميلية من خلال رفع بعض الحواجز. كما أن الاندفاع بهذا الشكل من المراهنة على دعم دول أوربا وأمريكا اللاتينية للفكرة، لن يمنع عدداً من الدول الخمس الكبار في مجلس الأمن من رفض المشروع، وهو ماكشفت عنه تصريحات المسؤولين البارزين في الخارجية الأمريكية والفرنسية، خلال تأكيدهم على التمسك بالمفاوضات كمدخل لإقامة الدولة الفلسطينية. ولم تتأخر أوروبا بالإعلان عن رؤيتها للمشروع، وهو ماعبّر عنه وزير خارجية السويد "كارل بيليت" الذي تتولى بلاده رئاسة الاتحاد الأوروبي أن (الاعتراف بدولة فلسطينية يتطلب أولا أن تكون تلك الدولة قائمة، وبالتالي أعتقد أنه أمر سابق لأوانه).

أمام هذا المشهد، تزداد القناعة بأن اللحظة الراهنة تتطلب من كل القوى السياسية والمجتمعية الشروع الفوري بصياغة برنامج العمل السياسي/الكفاحي الذي يعيد التأكيد على الثوابت الأساسية للشعب "حقه في تحرير وطنه وعودة اللاجئين/المهجرين بفعل الاحتلال الاستعماري، إلى بيوتهم وأراضيهم"، وبناء أداة الفعل الجامعة "منظمة التحرير الفلسطينية الملتزمة بالميثاق القومي/الوطني"، وإعادة القضية الفلسطينية لحاضنتها العربية، على أساس كونها قضية عربية نضالية بامتياز.

أنجيلا ميركل


بقلم: عمرصبري كتمتو



لست أدري ما هو الذنب الذي اقترفه الفلسطينيون تجاه ألمانيا أو تجاه السيدة ميركل كي تعاقبهم هذه السيدة القوية بدعمها الأعمى وغير المحدود لإسرائيل. ففي خطاب لها أمام الكونجرس قالت ميركل : (إن أي تهديد لأمن إسرائيل هو تهديد لنا). ليس هذا فحسب بل أن حكومتها اتخذت مؤخرا قرارات عسكرية هامة لدعم هذا الكيان السرطاني الفاشي وذلك بتزويد الدولة العبرية ببارجتين عسكريتين مما سوف يثقل المواطن الألماني بضرائب جديدة تصل إلى 333 مليون يورو.

أتعاقبنا هذه السيدة على حادثة ميونيخ كي تمحي من الذاكرة الإنسانية جرائم المحرقة الألمانية النازية, والقضاء على عشرين مليونا من السوفييت, وثلاثة ملايين من الغجر, وستة ملايين من اليهود؟ لماذا هذا العداء تجاه شعب يناضل من أجل الحرية والتخلص من سرطان الاحتلال الإسرائيلي الذي هو النتيجة الطبيعية للجرائم التي ارتكبتها ألمانيا النازية ضد الإنسانية؟ لا عليك يا سيدة ميركل لأن الثمن لجرائمكم إبان العهد المشؤوم قد دفعه ولا يزال شعبنا الذي تعاقبينه بانحيازك التام والكامل لسرطان أنتم أنجبتموه اسمه إسرائيل.

يتحدث النازي الألماني هاينرك كريستن الحاكم المدني للساحل الغربي ولمنطقة ترونديلاغ في النرويج أثناء الاحتلال الألماني في مذكراته عن الانتقام من عملية فدائية قام بها مقاومان نرويجيان بتصفية ضابطين من الشرطة السرية الألمانية في منطقة ساحلية نرويجية قرب مدينة بيرغن واسمها تيلافوغ, يتحدث قائلا : (كان علينا أن ننتقم من هؤلاء القتلة بشدة كي لا يقوموا بعمل غبي كهذا مرة ثانية). بطبيعة الحال فان التسمية التي أطلقها إعلام المحتلين النازيين آنذاك على هذين البطلين النرويجيين المقاومين كانت (الإرهابيين النرويجيين).

أما عملية الانتقام الألماني من النرويجيين فكانت كالتالي: إحراق المنطقة السكنية بالكامل, إغراق جميع قوارب الصيادين بعد إتلافها, سجن كل السكان من نساء ومسنين وأطفال, إرسال كل الرجال بين الأعمار 16 و60 عاما إلى معسكرات الاعتقال النازي وكانوا 72 رجلا مات منهم31 داخل المعسكرات, وتم فيما بعد تصفية 18 آخرين.

هكذا كان الانتقام الجماعي الذي نفذته سلطات الاحتلال الألماني النازي عام 1942 تماما كما تفعل قوات الاحتلال الإسرائيلي حينما تقوم بعمليات انتقامية تجاه مناضلينا حيث يكون الانتقام جماعيا بنسف بيت الأسرة انتقاما من أحد أفرادها, أو نسف البيت بمن فيه من نساء وأطفال كما حدث في اغتيال الشهيد صلاح شحاده وآخرين, والقائمة طويلة.

نحن هنا لا نحمل السيدة ميركل وزر ألمانيا النازية, ولكنا نتساءل عن الذنب الذي اقترفه شعبنا الفلسطيني تجاه ألمانيا, بل أننا ناضجون بما فيه الكفاية بألا نتوقع منها أن تنحاز لنا أو تتضامن معنا, غير أننا نرجو منها الحياد في هذا الصراع كي لا ترتكب ألمانيا الذنب مرتين, مرة بعدائها لليهود, وأخرى بعدائها للفلسطينيين, فيكفينا أن ترتكب أوروبا الرسمية مثل هذا الذنب عندما كانت معادية لليهود لمئات السنين وحتى المراحل الأولى لصعود النازية وقبل استلام هتلر السلطة, والآن تعادينا بانحيازها لإسرائيل. فأنا لا أستطيع فهم معادلة التصويت ضد تقرير غولدستون أو الاستنكاف والتغيب عن التصويت من قبل دول أوروبية محترمة كالنرويج مثلا بينما تتحدث هذه الدول وتطنب الحديث عن حقوق الإنسان. غير أني سعيد جدا للصمت الذي وقع على قلوب بعض الكتاب الفلسطينيين والعرب الذين أضاعوا البوصلة مطبلين ومزمرين بأبواقهم وطبولهم لأوروبا الرسمية وأميركا التي حررت العراق من صدام حسين (دفاعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان), فلم يتحفونا بآرائهم منذ فترة, ولاشك أن بعضهم غاضب من يهودية وصهيونية غولديستون التي أفصح عنها بنفسه ليؤكد مصداقيته واحترامه للمهمة التي أنيطت به من قيل المجتمع الدولي.

والآن نعود للسيدة ميركل لنسألها وهي تتزعم الحزب الديمقراطي المسيحي, وابنة القس التي نشأت وترعرعت في كنف بيت يحترم المسيحية وقيمها, كما كان الحال بالنسبة لكونداليزا رايس, نعود لنسألها أين تقف هذه السيدة من قيم المسيحية الحقيقية, ولماذا تعادي شعبنا الفلسطيني؟ وكيف يتحمل ضميرها المسيحي نكران ما يجري من قتل ودمار يومي لنا بواسطة الآلة العسكرية الإسرائيلية كي تقدم لهم المزيد من أسلحة الدمار وكأن البلايين من المساعدات المادية العينية التي تقدمها ألمانيا لإسرائيل غير كافية, ويبقى المهم لها ولأوروبا الرسمية وأميركا محاربة أنفاق غزة كي لا يصل السلاح إليها فيتهدد أمن إسرائيل.

السيدة ميركل نموذج واضح للغرب الرسمي ونفاقه.



سفير فلسطيني سابق يقيم في النرويج

أفلاطــــــــون Plato


كان أفلاطون واحداً من ألمع فلاسفة اليونان والعالم على مر العصور. وُلِدَ في العام 427 ق.م في جزيرة إيجينا التي كانت ملكاً للأثينيين. والده أريستون كان من سلالة كودرس ملك أثينا، أما أمه بريكتيون فقد كانت تنحدر من سلالة المشرّع الإغريقي المشهور سولون.

في مقتبل العمر حصل أفلاطون على تعليم تقليدي وكان يقرظ الشعر ومتفوقاً في ألعاب الجمباز التي كان فتيان الإغريق يمارسونها لتقوية أجسامهم والمحافظة على رشاقتها.

اتصلت حياته بسقراط فمال إلى الفلسفة وهو في سن العشرين. ويقال بأنه أمضى وقتاً في التنقل ما بين اليونان وصقلية وإيطاليا ومصر وشمال إفريقيا.

باعه ديونيسيوس كعبد لكن أصدقاءه سارعوا إلى افتدائه وتحريره.

في عام 387 ق.م ارتحل إلى أثينا وأسس فيها مدرسته التي عرفت بالأكاديمية على مساحة من الأرض تبعد حوالي الكيلومترين عن المدينة. لا نعرف كثيراً عن سنوات أفلاطون الأخيرة التي يكتنفها الغموض، وهناك أخبار عن حياته في تلك المرحلة لم يتم التحقق منها.

يبدو أن جميع كتابات أفلاطون بقيت محفوظة دون أن يـُفقد أي منها، مع أن الكتابات الأولى التي كان يُظن أنه مؤلفها تبين فيما بعد أنها ليست له.

جميع أعماله هي على شكل حوارات بلغت الذروة من حيث العمق والروعة والصدق والإبداع. أما حوار فيدون فيتمحور حول سقراط الذي يشير إليه أفلاطون بمودة وإخلاص بأنه رجل تقي ومصلح ومواطن طيّب وملتزم وناسك يحيا في دنيا الأفكار المطلقة والقيم الخالدة.

أعظم أعمال أفلاطون هو كتاب الجمهورية The Republic الذي حدد فيه معالم الدولة المثالية. إذ كان يتوق إلى تدريب المواطنين كي يصبحوا فاضلين ويسعى إلى تحقيق السعادة الحقيقية للمواطن العادي. وبالرغم من إدراكه الضمني أن تلك النظرات المثالية يصعب تحقيقها في عالم يشوبه الفساد وتعتوره النقائص، لكنه مع ذلك احتفظ بتلك الفلسفة كمثال أعلى جدير بأن يعمل المرء في سبيل التوصل إليه وتحقيقه في ذاته.

في ذلك المجتمع المثالي رأى أفلاطون أن كل نفس بشرية تعمل ما يناسبها بحسب ما هي مؤهلة طبيعياً للقيام به. والمواطنون في رأيه ينبغي تقسيمهم إلى ثلاث فئات طبقاً لفضائل النفس الثلاث الأكثر بروزاً في الإنسان. هذه الفئات هي فئة الحكام الراسخين في فضيلة الحكمة وفئة المحاربين المتميزين عن سواهم بالجرأة والإقدام، وأخيراً فئة العمال المؤهلين للقيام بعملهم بإخلاص وامتثال تلقائي.

من الصعب تلخيص فلسفة أفلاطون بكلمات قليلة لأنها كانت متشعبة وتمس جميع نواحي الحياة لا سيما المنطق والعلوم الطبيعية والأخلاق.

تقبـّل أفلاطون فكرة الفضيلة التي نادى بها سقراط على أساس أن الفضيلة تعتمد على المعرفة وأن الحقيقة والخير متلازمان أبدا. وكان يقول أن المبدأ الأخلاقي خالد في جوهره ومتصل اتصالاً وثيقاً بروح الكون، وأن الشجرة والإنسان والزهرة كلها أشياء عابرة وإلى زوال في حين أن الفكرة العامة أو جوهر الشجرة والإنسان والزهرة لا يتغير ولا يفنى بفناء تلك الأشياء. وعليه فإن الفكرة وحدها تدوم كونها غير خاضعة للفناء.

على هذه الخلفية أسس مذهبه الفكري القائم على المُثل أو الأفكار العليا. فكما أنه يوجد عالم مادي تدركه حواس الإنسان لا بد من وجود عالم آخر لا يمكننا معرفته عن طريق الحواس الخمس ولا بد من طريقة أخرى لمعرفته والوقوف على أسراره.

وهكذا استنتج فيلسوفنا الكبير وجود حقيقة خالدة هي عالم المُثل التي تأثر بها الفلاسفة الأوروبيون ودمغت تفكيرهم على مدى قرون. من هنا نشأت الفكرة القائلة أن الإرادة التي يوجهها العقل أو العقل الذي توجهه الإرادة هو/هي العامل الأسمى في الحياة.

بأفلاطون اختمر الفكر اليوناني وبلغ أعلى درجة يمكن بلوغها، وتحولت الفلسفة من تجريدات نظرية إلى حقائق ذات أصول فكرية. ومن هذا المنطلق تم صياغة العالم الطبيعي والعلمي طبقا لأصول ومبادئ فلسفية.

توفي أفلاطون سنة 347 ق.م وقد ترك أثراً واضحاً على تلميذه أرسطو وكذلك على الفلاسفة الرواقيين Stoics وعلى المؤرخ الشهير بلوتارخ Plutarch والآباء المسيحيين وبعض فلاسفة العرب كالفارابي وابن سينا وابن رشد وفلاسفة النهضة الأوروبيين من أمثال زوينغلي Zwingli وبترارك Petrarch وبيكون Bacon وغاليليو Galileo وكلذلك على الفكر المعاصر كله. ذلك التأثير كان وما زال دائماً، بعيد المدى، حتى يوم الناس هذا.

والسلام عليكم

المصدر: موسوعات
الترجمة: محمود عباس مسعود

بانتظار صفقة التبادل


بقلم بهاء رحال

منذ أيام طويلة خيم خبر صفقة تبادل الأسرى على معظم الأجواء الفلسطينية وغطى مساحة عيد الأضحى المبارك بانتظار إتمام الاتفاق النهائي بين الطرفين بوساطة مصرية يسفر عن خروج المعتقلين الفلسطينيين من سجون الاحتلال وتسليم الجندي "جيلعاد شاليط" المحتجز لدى المقاومة في قطاع غزة ، هذه الصفقة التي تجري وسط حالة من الترقب والحذر الشديدين وذلك كونها تتم بعيداً عن وسائل الإعلام مما أدى الى عدم معرفة ما يدور في غرف المفاوضات من قبل المواطنين وذوي الأسرى والمهتمين بكيفية إتمام هذه الصفقة والشروط التي سوف تقبل بها حركة حماس وما سوف يتم التوصل إليه خلال الساعات القادمة ، خاصة وان هناك تفاؤل كبير في كثير من الأوساط الفلسطينية بان هذه الصفقة سوف تستطيع أن تكسر كثيرا من الرفض الإسرائيلي والقيود التي الذي ساد طويلاً عمليات التفاوض وذلك من خلال الإفراج أسرى القدس الشريف و ذوي الأحكام العالية الذين ظلوا خارج عمليات الإفراج وظلت إسرائيل تلوح بأنها لن تفرج عن أي شخص من هؤلاء اللذين تصفهم بالملطخة أيديهم بالدماء ، وأبقتهم في المعتقلات ولم يدخلوا في أي عملية إفراج وخارج حدود الاتفاقات .

ومع ظهور إشاعات كبيرة حول ما يمكن أن يتضمنه هذا الاتفاقات وأقاويل مفادها إبعاد ذوي الأحكام العالية عن ارض الوطن الى دول عربية وأخرى أجنبية في سابقة خطيرة لم تعهدها عمليات التبادل من قبل ورفض إسرائيل المستمر بالإفراج عن بعض الأسماء التي وردت وترددت كثيراً على وسائل الإعلام ،هؤلاء هم الذين يشكلون طليعة الشعب الفلسطيني وقد حكموا أحكاماً جائرة وباطلة وبفترات زمنية كبيرة لما قاموا به من تضحيات وبطولات على طريق الحرية والاستقلال، وخلو الاتفاق من الأسرى المقدسين الذين حاولت إسرائيل إبعادهم دائماً عن أية افراجات وهي تتعامل معهم بطريقة مختلفة ومتشددة وتحاول الفصل بينهم وبين أسرى الضفة الغربية وقطاع غزة وظلوا لا يجدون فسحة أمل لهم وعاشوا سنوات من العزلة ، فهل ستبقى القواعد التي تفرضها إسرائيل أيضاً في هذه الصفقة أم ستتغير وستتبدل وستفرض المقاومة شروطها وقواعدها الجديدة التي نادت بها وبالتالي سوف نرى إفراجاً عن ذوي الإحكام العالية وسنحتفل بخروج القادة الى بيوتهم وقد عادوا من مهماتهم الفدائية ليلتئم شملهم مع عائلاتهم وقد فرقهم السجن والمعتقل سنوات طويلة وعادوا الآن بفضل ما أنجزته ثورتهم .

وفي ظل هذا التعتيم الإعلامي الذي يسود أجواء المفاوضات إلا أن هناك ما يبشر بقرب إتمام عملية التبادل خلال الأيام القليلة القادمة ونجاح الوساطة المصرية التي بذلت دوراً كبيراً في هذا الجانب ولكن دون معرفة ما الذي سوف تحمله هذه الصفقة من اشتراطات وبنود وهل حقاً ستفرض رؤيا تفاوضية فلسطينية جديدة ؟ أم أن كل هذا الانتظار الطويل وهذا الحصار الأليم الذي احتملته غزة وكل ما سقط عليها من نيران أحرقت فرحتها وأرهقتها وبدلت شكل الحياة فيها سيفضي الى تبادل لا يحمل إلينا خبر الإفراج عن مروان ألبرغوثي واحمد سعادات وعبد الله ألبرغوثي وعباس السيد وعيسى عبد ربه وكل الأسرى والأسيرات الذين طالما رفضت إسرائيل الإفراج عنهم بوصفهم الملطخة أيديهم بالدماء.

بانتظار صفقة التبادل مر عيد الأضحى على الفلسطينيين الذين عاشوا على أمل أن تتم قبل العيد ولكن لم يفقد أهالي الأسرى هذا الأمل خاصة وان جميع المؤشرات تدل على أنها باتت قريباً ولا يفصلهم عن لقاء أبنائهم وإخوانهم سوى بضع أيام ، أمل يدق كل بيت أسير ، ورجاء من كل فلسطيني الى المفاوضين أن تشمل هذه الصفقة ذوي الأحكام العالية وقادة العمل الوطني والنضالي وأسرى القدس وأسرى فلسطيني 48.


أطفال الانفاق بغزة


ماهرابراهيم

أكدت مؤسسات حقوقية على خطورة الاستغلال السيئ للأطفال من أرباب العمل ومخالفة ذلك للقانون الفلسطيني والدولي، إضافة إلى الاستهتار الشديد من الأهل الذي يدفعون أبناءهم للعمل في مجالات خطرة جدا، رغم معرفتهم المسبقة للمخاطر المحدقة، وأشارت مراكز حقوقية وطنية ومنها «الجمعية الوطنية للديمقراطية والقانون بقطاع غزة» إلى التقاعس الواضح من الجهات الرسمية المعنية ومن منظمات حقوق الإنسان في منع عمالة الأطفال في الأشغال الخطرة وخاصة في الإنفاق التي تنتشر على الحدود الجنوبية لقطاع غزة مع جمهورية مصر العربية.. كما أكدت الجمعية الوطنية رفضها القاطع لهذه الظاهرة الخطيرة والمدمرة، ودعت للتصدي لها، مطالبه بإخراج الأطفال من السراديب المظلمة، وإعادتهم على نور العلم من جديد وتأهيل من يعانون منهم من مشاكل سلوكية ونفسية، أو من أدمنوا على تعاطي بعض أنواع العقاقير المخدرة.كما دعت منظمات حقوق الإنسان، والمؤسسات المعنية بحقوق الطفل بالعمل معها لتشكيل لوبي ضاغط، يضمن إنهاء تلك الظاهرة وطالبت الجمعية الوطنية، المجتمع الدولي بالتدخل لرفع الحصار عن قطاع غزة وفتح كافة المعابر التجارية، وإدخال كافة السلع البضائع، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى إغلاق الأنفاق تلقائياَ.

وتعتبر ظاهرة عمالة الأطفال في أنفاق رفح بقطاع غزة نموذجا سيئا يلخص مأساة العمال الأطفال ومعاناتهم، وقد أوضح تقرير أصدرته 009الجمعية الوطنية للديمقراطية والقانون بقطاع غزة في الأسبوع الأول من نوفمبر على إن عمالة الأطفال داخل الأنفاق في قطاع غزة يحرمها القانون الدولي، وتناهضها مؤسسات حقوق الإنسان،. وبين التقرير أن عمالة الأطفال الفلسطينيين لها أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد أفرزت أثارا خطيرة على المجتمع والتنمية كونها تضعف إمكانيات وقدرات جيل المستقبل، وتؤثر على تنمية الموارد البشرية وقدراتها التنموية. وشددت على ضرورة الحد من عمالة الأطفال بمختلف الوسائل.وكشف التقرير جملة من الحقائق المؤلمة إنسانيا والمخالفة للقانون أيضا، (أولها) إن الأطفال يعملون في نقل البضائع التجارية داخل نفق ضيق يصل طوله إلى أكثر من 700 متر وبعمق أكثر من 12 مترا تحت سطح الأرض. و(ثانيها) أن عمل الأطفال في الأنفاق بمعدل 12 ساعة يومياً. و(ثالثها) أن الأطفال يعملون في نقل البضائع من جميع الأصناف. و(الحقيقة الرابعة) أن التحصيل العلمي لمعظم عمال الأنفاق هي المرحلة الإعدادية، وأن نسبة كبيرة منهم منقطع عن الدراسة. و(الحقيقة الخامسة) أن معظمهم بدأ بالعمل منذ (1 ـ 2) عام، وتعود أسباب لجوء هذه الفئة للعمل داخل الأنفاق للفقر وسوء الحالة الاقتصادية. و(الحقيقة السادسة) أن معظم هؤلاء الأطفال العمال غير متخوفين من مخاطر العمل في الأنفاق الذي يهدد حياتهم ويعرضهم للخطر الكبير بسبب المشاكل المعقدة التي يواجهونها مثل انقطاع التيار الكهربي، وتسرب الغاز، وانهيار الأنفاق بجانب مشاكلهم من ناحية الأجرة مع صاحب العمل،

الشيطان الأصغر


فهمي هويدي


أرأيت الذي فعلته بنا وسائل الإعلام، حين لوثت مشاعرنا إزاء أشقائنا وخربت وعينا وأشاعت بيننا المرارة والبغضاء. ودفعتنا إلى مشارف القطيعة، وهي التي نفذت إلى حياتنا باعتبارها وسائل "للاتصال".


إذ ليس جديدا ذلك التوتر الذي يشيع بين الناس بسبب مباريات كرة القدم، لكن الجديد هذه المرة أن الفضائيات دخلت على الخط فأججت الحماس واستدعت إلى ساحة "المواجهة" قطاعات عريضة من المواطنين، لم تكن مباريات كرة القدم تمثل شاغلا أساسيا لها. وأقنعت الجميع بأن الفوز بالكؤوس والبطولات بات مسألة حياة أو موت بالنسبة للشعوب، بها تدخل التاريخ وبدونها تصبح بلا قيمة أو ذكر.



وقد أشرت قبلا إلى نص نشرته جريدة الأهرام قال فيه كاتبه إن فقراء مصر -لاحظ تخصيصه للفقراء- لم يعودوا يطلبون شيئا في حياتهم سوى أن تفوز مصر على الجزائر والتأهل لكأس العالم.


حدث ذلك في مصر بوجه أخص، لأن التليفزيون بقنواته الثلاث في الجزائر مملوك للدولة. وقد التزم الصمت إزاء ما جرى طوال الاسابيع الماضية، شأنه في ذلك شأن الصحف الرسمية وتعامل هؤلاء، وهؤلاء مع الأحداث بشكل خبري عادي، بعيدا عن الاشتباك والتراشق والإثارة، لكن الصحافة الخاصة المسموح بها هناك، هي التي أثارت الضجة، حين روجت للاكاذيب وتحولت إلى منبر لاشاعة التعصب والتشهير والبغض، للدقة فإن صحيفة أو اثنتين في الجزائر قادتا تلك الحملة الخبيثة سعيا وراء الاثارة أو التحريض والوقيعة.

وقد نجحت الصحيفتان للأسف الشديد في استدراج الإعلام المصري إلى الاشتباك الذي تدنى فيه مستوى التراشق، واستخدمت فيه أوصاف هابطة، واتهامات بذيئة، وهذه كانت عنصرا مهما في تعميق الشرخ وإشعال نار الفتنة.

ولأن الهبوط اسهل كثيرا من الصعود فإن بعض مقدمي البرامج تنافسوا في الاسفاف والتجريح واستبد بهم الانفعال حتى ذهبوا بعيدا في تجاوز الحدود المهنية والأخلاقية.


كان التليفزيون هو أهم أسلحة التعبئة والتحريض، لأنه الوسيلة الأسهل والأكثر جاذبية والأخطر في التأثير، ولذلك استحق أن يوصف بأنه "الشيطان الأصغر" الذي أشاع الفتنة وسمم مشاعر المواطنين العاديين، الذين لم تكن لديهم مشكلة يوما ما مع الجزائر، بل كانوا يذكرونها بكل اعتزاز وتقدير، وإذا بهم لا يطيقون ذكرها، بعدما شحنهم البث التليفزيوني بفيروسات النفور والمرارة.


لا أبالغ إذا قلت إن الإعلاميين هزموا المثقفين ونجحوا في أن ينقلوا الوباء إلى بعضهم. صحيح أن النداء الذي وجهه المثقفون في أواخر الاسبوع الماضي أثبت أن قاعدة عريضة منهم مازالت محصنة ضد السوقية والابتذال، ومن ثم مازالت محتفظة بوعيها وسلامة إدراكها، إلا أن هناك اختراقات محزنة لذلك الموقف ظهرت بوادرها في الاسبوع الماضي.



إذ صدمت حقا واستغربت جدا أن يقدم المحامون على احراق العلم الجزائري، وهو التصرف الذي استهجناه حين صدر عن بعض الغوغاء الجزائريين الذين أحرقوا العلم المصري،

ودهشت حين قرأت أن قسم اللغة العربية بكلية آداب عين شمس قرر وقف استقبال الطلبة الجزائريين لحين صدور اعتذار رسمي من حكومة بلدهم،

وتملكتني نفس الدهشة حين علمت أن أساتذة جامعة الأزهر طلبوا من الحكومة المصرية قطع علاقاتها مع الجزائر.



واختلطت الدهشة بالحزن حين قرأت مقالة مثقف محترم هو الدكتور يوسف زيدان التي نشرتها صحيفة "المصرى اليوم" في 25 /11 حين وجدت أنه تبنى فيها خطاب النفور والتحقير الذي انطلق منه مقدمو برامج التليفزيون،

إذ قال مثلا إن مصر انفقت من أموالها لكي تجعل الجزائريين عربا (رغم انهم قاتلوا الفرنسيين بشراسة دفاعا عن عروبتهم)،

ووصف الجزائريين الذين عرفهم في مرحلة الدراسات العليا بانهم "مثال للغباء والتعصب"،

كما وصف الجزائر البلد بأنها "الوجود القاحل"،

بل دعا إلى قطع العلاقات معها، معتبرا أن ذلك لن يضر مصر في الأجلين القريب أو البعيد.


إننا لانستطيع أن ندين الإعلام ونغلق الملف، لاننا ينبغي ألا نتجاهل السؤال:

ما هي طبيعة وحدود العلاقة بين الإعلام والسياسة فيما جرى؟.

حزب اللّه: الديموقراطيّة التوافقيّة... بانتظار إلغاء الطائفيّة السياسيّ


قدّم حزب اللّه في الوثيقة المنبثقة عن مؤتمره الأخيرة، رؤيته للوضع العالمي الراهن، وللدولة اللبنانية العادلة والقوية، والعناوين العامة للاستراتيجية الدفاعية، جازماً بلبنانيته وإيمانه والتزامه بولاية الفقيه

للمرة الأولى منذ زمن بعيد، يجتمع هذا الحشد الكبير من مندوبي وسائل الإعلام المحلية والأجنبية، لمحاورة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، في مؤتمر صحافي مخصّص لإطلاق الوثيقة التي توصل إليها المؤتمر العام الأخير للحزب، رغم أن نصر الله أطلّ على محاوريه من خلال شاشة في قاعة الجنان على طريق المطار.
في المقدّمة يبدأ الحزب بالإشارة إلى أن الوثيقة تهدف إلى تظهير رؤيته في «مرحلة سياسية استثنائية وحافلة بالتحولات» بين مسارين متناقضين: مسار المقاومة والممانعة في طوره التصاعدي، ومسار التسلط والاستكبار الأميركي ـــــ الإسرائيلي وامتداداته ووصوله إلى حالة من التخبّط والتراجع، مسجّلاً تراجع هيمنة القطب الواحد «لمصلحة تعددية لم تستقر ملامحها بعد». ورأى في هذه التحولات «بداية تشكّل مسار الأفول التاريخي المتسارع للكيان الصهيوني». في المقابل، أكد انه رغم هذه «التحولات الواعدة»، لا «يستهين بحجم التحديات والمخاطر التي لا تزال ماثلة».

الهيمنة والتسلط

الفصل الأول في الوثيقة حمل عنوان «الهيمنة والاستنهاض»، وتضمّن بندين؛ الأول عن «العالم والهيمنة الغربية والأميركية»، وفيه تشريح لدور الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية حيث تحوّلت إلى «صاحبة مشروع الهيمنة المركزي والأول» المستند إلى استراتيجية توسعية عالمية «لا حدود لأطماعها وجشعها»، مع اقترانها بمشروع اقتصادي رأسمالي متمثّل أساساً بشبكات الاحتكارات الدولية المدعومة بقوة فائقة عسكرياً.
وترى الوثيقة أن «مشروع الهيمنة والتسلّط الأميركي» سلك مساراً تصاعدياً منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، حتى بلغ ذروته «مع إمساك تيار المحافظين الجدد بمفاصل إدارة «بوش» الابن»، وانطلاق هذه الإدارة من أحداث 11 أيلول 2001 لتنفيذ رؤيتها للهيمنة المنفردة على العالم تحت شعار «الحرب الكونية على الإرهاب»، عبر: عسكرة علاقاتها وسياساتها الخارجية، الانفراد باتخاذ القرارات الاستراتيجية أو التنسيق فقط مع حلفاء يمكن الركون إليهم، حسم الحرب في أفغانستان بسرعة للتفرغ للسيطرة على العراق كنقطة الارتكاز الرئيسة لإقامة شرق أوسط جديد، مع العمل على إقامة تطابق بين «مقولة الإرهاب» و«مقولة المقاومة» لنزع الشرعية الإنسانية والحقوقية عن المقاومة لتبرير خوض الحروب ضدها.
وبعد المسار التصاعدي، رأى الحزب أن نتائج الحربين على العراق وأفغانستان والحرب الأميركية على المقاومة في لبنان وفلسطين بأدوات إسرائيلية «أدّت إلى تآكل الهيبة الأميركية دولياً وإلى تراجع استراتيجي في قدرة الولايات المتحدة على الفعل أو خوض المغامرات الجديدة»، دون أن يعني ذلك أن الأخيرة «ستخلي الساحة بسهولة».
«منطقتنا والمشروع الأميركي» كان عنوان البند الثاني، الذي عرض فيه الحزب نصيب «عالمنا العربي والإسلامي» من الحروب الاستعمارية، التي رأى أن «مراحلها الأكثر تقدماً بدأت مع زرع الكيان الصهيوني في المنطقة»، وذروتها هي «وراثة الولايات المتحدة للاستعمار القديم في المنطقة». وحدّد أبرز استراتيجيات أميركا للسيطرة على المنطقة بـ: ضمان استقرار الكيان الصهيوني قاعدة للمشروع الاستعماري والتفتيتي، تقويض الإمكانيات الروحية والحضارية والثقافية لشعوب المنطقة والعمل على إضعاف روحها المعنوية، دعم أنظمة التبعية والاستبداد، الإمساك بالمواقع الجغرافية الاستراتيجية ونشر القواعد العسكرية في المفاصل الحيوية، منع قيام أي نهضة، وزرع الفتن والانقسامات.

الفصل الثاني: لبنان

وتضمّن الفصل الثاني «لبنان» 7 بنود، أوّلها «الوطن» الذي توجّه فيه الحزب إلى المتشككين في لبنانيته بأكثر من عبارة جازمة: «لبنان هو وطننا»، «الوطن الذي قدّمنا من أجل سيادته وعزته وكرامته وتحرير أرضه أغلى التضحيات وأعز الشهداء». كذلك حدد رؤيته لهذا الوطن: نريده لكل اللبنانيين، ونريده واحداً موحّداً، أرضاً وشعباً ودولة ومؤسسات، ونرفض أيّ شكل من أشكال التقسيم أو «الفدرلة» الصريحة أو المقنّعة. ونريده سيداً حراً مستقلاً عزيزاً كريماً منيعاً قوياً قادراً، حاضراً في معادلات المنطقة ومساهماً أساسياً في صنع الحاضر والمستقبل كما كان حاضراً دائماً في صنع التاريخ... وأن تكون له دولة عادلة وقادرة وقوية ونظام سياسي يمثّل إرادة الشعب وتطلعاته.
وبعد «الوطن»، جاء بند «المقاومة»، الذي أشار فيه الحزب إلى أطماع «إسرائيل» بأرض لبنان ومياهه، وتهديدها الدائم له، عارضاً ظروف نشأة المقاومة، بعدما بدأت الاعتداءات الإسرائيلية منذ عام 1948 وصولاً إلى اجتياح عام 1982، بدعم أميركي كامل «وتجاهل إلى حدّ التواطؤ» من المجتمع الدولي، وصمت رسمي عربي مريب»، و«غياب للسلطة اللبنانية التي تركت أرضها وشعبها نهباً للمجازر والاحتلال الإسرائيلي من دون أن تتحمل مسؤلياتها وواجباتها الوطنية»، حيث لم يجد «اللبنانيون المخلصون لوطنهم» سوى استخدام حقهم في الدفاع عن أرضهم، عبر إطلاق مقاومة شعبية مسلحة لمواجهة الخطر الصهيوني والعدوان الدائم.
وعدّد الحزب إنجازات المقاومة، وأبرزها: تحرير الأرض والقرار السياسي من يد الاحتلال الإسرائيلي مقدّمةً لاستعادة الدولة وبناء مؤسساتها الدستورية، إعادة تأسيس القيم الوطنية وفي طليعتها: السيادة والكرامة الوطنيتان، ما أعطى لقيمة الحرية بعدها الحقيقي، فلم تبق مجرد شعار معلّق. تحويل هذه القيم إلى مدماك أساس لبناء لبنان الحديث، حيث حجزت المقاومة موقعه على خريطة العالم وأعادت الاعتبار إليه.
أما التحرير في عام 2000 والانتصار في حرب عام 2006، فوصفهما الحزب بالإنجاز الوطني الذي تحقق للمقاومة «بمؤازرة شعب وفيّ وجيش وطني»، ما «أسس لمرحلة جديدة في المنطقة عنوانها محورية المقاومة دوراً ووظيفة في ردع العدو وتأمين الحماية لاستقلال الوطن وسيادته والدفاع عن شعبه واستكمال تحرير بقية الأرض المحتلة».
وشدد الحزب على أن هذا الدور وهذه الوظيفة «ضرورة وطنية دائمة دوام التهديد الإسرائيلي ودوام أطماع العدو في أرضنا ومياهنا ودوام غياب الدولة القوية القادرة»، وأن الخلل في موازين القوى ما بين الدولة والعدو «يفرض على لبنان تكريس صيغة دفاعية تقوم على المزاوجة بين وجود مقاومة شعبية تسهم في الدفاع عن الوطن في وجه أي غزو إسرائيلي، وجيش وطني يحمي الوطن ويثبّت أمنه واستقراره، في عملية تكامل أثبتت المرحلة الماضية نجاحها في إدارة الصراع مع العدو وحققت انتصارات للبنان ووفرت سبل الحماية له». ورأى أن «هذه الصيغة، التي توضع من ضمن استراتيجية دفاعية، تمثّل مظلة الحماية للبنان، بعد فشل الرهانات على المظلات الأخرى، سواء أكانت دولية أم عربية أم تفاوضية مع العدو»، وأن اللبنانيين «معنيون بالحفاظ على هذه الصيغة والانخراط فيها، لأن الخطر الإسرائيلي يتهدّد لبنان بكل مكوّناته ومقوّماته». أما المقاومة، فعليها «السعي الدؤوب لامتلاك أسباب القوة وتعزيز قدراتها وإمكانياتها لـ: المساهمة في استكمال مهمة تحرير ما بقي من أرضنا تحت الاحتلال، استنقاذ من بقي من أسرى ومفقودين وأجساد الشهداء والمشاركة في وظيفة الدفاع والحماية للأرض والشعب.

الديموقراطية التوافقية

وفي البند الثالث الذي حمل عنوان «الدولة والنظام السياسي»، شخّص الحزب المشكلة الأساسية في النظام السياسي بأنها الطائفية السياسية، معتبراً أن شرط تطبيق الديموقراطية الصحيحة والتداول السليم للسلطة بين الموالاة والمعارضة هو إلغاء هذه الطائفية، وإلى أن يتحقق ذلك، وما دام «النظام السياسي يقوم على أسس طائفية، فإن الديموقراطية التوافقية تبقى القاعدة الأساس للحكم في لبنان، لأنها التجسيد الفعلي لروح الدستور ولجوهر ميثاق العيش المشترك». من هنا «فإن أيّ مقاربة للمسائل الوطنية وفق معادلة الأكثرية والأقلية، تبقى رهن تحقّق الشروط التاريخية والاجتماعية لممارسة الديموقراطية الفعلية التي يصبح فيها المواطن قيمة بحدّ ذاته».
والدولة التي يتطلّع الحزب «إلى المشاركة في بنائها مع بقية اللبنانيين» هي التي: تصون الحريات العامة وتوفر أجواء ممارستها، تحرص على الوحدة الوطنية والتماسك الوطني، تحمي الأرض والشعب والسيادة والاستقلال ويكون لها جيش وطني قوي ومقتدر ومجهّز ومؤسسات أمنية فاعلة وحريصة على أمن الناس ومصالحهم، القائمة على قاعدة المؤسسات الحديثة والفاعلة والمتعاونة التي تستند إلى صلاحيات ووظائف ومهمات واضحة ومحددة، تلتزم تطبيق القوانين على الجميع في إطار احترام الحريات العامة والعدالة في حقوق المواطنين وواجباتهم، التي يتوافر فيها تمثيل نيابي سليم وصحيح، وتعتمد على أصحاب الكفاءات العلمية والمهارات العملية وأهل النزاهة، بغضّ النظر عن انتماءاتهم الطائفية، وتضع آليات تطهير الإدارة من الفساد والفاسدين، تتوافر فيها سلطة قضائية عليا ومستقلة، تقيم اقتصادها أساساً على قاعدة القطاعات المنتجة وتعمل على استنهاضها وتعزيزها، تعتمد وتطبّق مبدأ الإنماء المتوازن وتردم الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق، تهتم بمواطنيها وتوفر الخدمات المناسبة لهم، تعتني بالأجيال الشابة والصاعدة، تعمل على تعزيز دور المرأة، تولي الأهمية المناسبة للوضع التربوي، تعتمد نظاماً إدارياً لامركزياً، تجهد لوقف الهجرة، وترعى المغتربين... وتتعهد بالعمل لـ«قيام دولة بهذه المواصفات والشروط».
وفي البند الرابع عن «لبنان والعلاقات اللبنانية ـــــ الفلسطينية»، عرض الحزب أوضاع اللاجئين الفلسطينيين ومعاناتهم في لبنان، داعياً السلطات المسؤولة إلى تحمّل مسؤوليتها وبناء العلاقات اللبنانية ـــــ الفلسطينية «على أسس صحيحة ومتينة وقانونية تراعي موازين الحق والعدل والمصالح المشتركة لكلا الشعبين، وألا يبقى هذا الوجود وهذه العلاقات محكومة للأمزجة والأهواء والحسابات السياسية والتجاذبات الداخلية والتدخلات الدولية».
وشدد في بند «لبنان والعلاقات العربية» على الحاجة إلى تضافر الجهود «لتجاوز الصراعات التي تشقّ الصف العربي». ولم يجد الحزب «غضاضة في تعميم عوائد الاستفادة من خيار المقاومة بحيث يطال مختلف المواقع العربية»، لإضعاف العدو وتصليب الموقف العربي، منوّهاً بدعم سوريا لحركات المقاومة في المنطقة، ورأى «ضرورة التمسك بالعلاقات المميزة بين لبنان وسوريا بوصفها حاجة سياسية وأمنية واقتصادية مشتركة»، داعياً «إلى إنهاء كل الأجواء السلبية التي شابت علاقات البلدين في السنوات القليلة الماضية والعودة بهذه العلاقات إلى وضعها الطبيعي في أسرع وقت ممكن».
وتوقف الحزب في بند «لبنان والعلاقات الإسلامية» أمام الاحتقان الطائفي والتوترات المذهبية «المفتعلة»، و«اختلاق التناقضات القومية»، وتخويف الأقليات والنزف المسيحي المستمر من المشرق العربي، معتبراً أن ذلك «حصيلة تقاطع لسياسات غربية متعمّدة، وأميركية تحديداً، مع ممارسات وتصوّرات داخلية عصبوية لامسؤولة، إضافة إلى بيئة سياسية غير مستقرة». وشدد على أهمية التعاون بين الدول الإسلامية في المجالات كلها، واصفاً إيران بأنها دولة مركزية مهمة في العالم الإسلامي، نتيجة إسقاطها نظام الشاه، ودعمها حركات المقاومة في المنطقة ووقوفها «إلى جانب القضايا العربية والإسلامية وعلى رأسها القضية الفلسطينية». ورأى أن اختلاق التناقض مع إيران «من بعض الجهات العربية»، لا يخدم إلا إسرائيل وأميركا.
وكان البند الأخير في هذا الفصل عن «لبنان والعلاقات الدولية»، الذي رأى فيه الحزب أن معايير الاختلاف والنزاع والصراع «تقوم على أساس سياسي ـــــ أخلاقي في الدرجة الأولى، بين مستكبر ومستضعف، وبين متسلّط ومقهور، وبين متجبّر محتل وطالب حرية واستقلال»، لذلك وضع الإدارة الأميركية «في موقع المعادي لأمتنا وشعوبنا»، واصفاً السياسات الأوروبية بأنها «تتأرجح بين العجز وقلة الفاعلية من ناحية، والالتحاق ـــــ غير المبرر ـــــ بالسياسات الأميركية من ناحية ثانية». وفي المقابل، نظر باهتمام وتقدير إلى «التجربة الاستقلالية والتحررية الرافضة للهيمنة في دول أميركا اللاتينية»، ورأى في ملاقاة تلك التجربة «باعثاً لآمال واعدة على المستوى العالمي»، معلناً في هذا السياق أن شعار «وحدة المستضعفين» سيبقى «أحد مرتكزات فكرنا السياسي في بناء فهمنا وعلاقاتنا ومواقفنا تجاه القضايا الدولية».

نعم للمقاومة لا للتسوية

الفصل الثالث والأخير كان بعنوان «فلسطين ومفاوضات التسوية»، وفي 4 بنود عن: قضية فلسطين والكيان الصهيوني، القدس والمسجد الأقصى، المقاومة الفلسطينية ومفاوضات التسوية. وقد أكد الحزب في هذا الفصل أن الصراع ضد المشروع الصهيوني ـــــ الاستعماري هو «قيام بواجب الدفاع عن النفس ضد الاحتلال والعدوان والظلم الإسرائيلي ـــــ الاستكباري الذي يتهدّد وجودنا ويستهدف حقوقنا ومستقبلنا، وهو ليس قائماً على المواجهة الدينية أو العنصرية أو العرقية من جانبنا»، مؤكداً حق الشعب الفلسطيني في المقاومة بكل أشكالها «وفي مقدّمها الكفاح المسلح»، لاستعادة «حقوقه الوطنية المشروعة في فلسطين بمعناها التاريخي وواقعها الجغرافي». وكرّر إعلان رفضه المطلق «لأصل ومبدأ خيار التسوية مع الكيان الصهيوني، القائم على أساس الاعتراف بشرعية وجوده، والتنازل له عما اغتصبه من أرض فلسطين العربية والإسلامية»، داعياً المسؤولين العرب إلى «إعادة النظر في الخيار التفاوضي» و«التخلّي الحاسم والنهائي عن عملية التسوية الوهمية الظالمة المسمّاة زوراً وبهتاناً «عملية السلام».

ولاية الفقيه

وفي حوار مع الصحافيين، رأى نصر الله أن «إلغاء الطائفية السياسية في لبنان من أصعب الأمور»، منتقداً المواقف من دعوة الرئيس نبيه بري إلى إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، ولافتاً إلى أن الدعوة هي لتأليف الهيئة لمناقشة الموضوع «وليست لإلغاء الطائفية»، لأن الحوار في هذا الشأن قد يستمر سنين.
وكرر أنْ لا عدوّ للحزب في الساحة الداخلية، مؤكداً الاستعداد للتعاون مع الجميع لإنجاح الحكومة الجديدة «وإنجاز أولوياتها بمعزل عن تحفّظ البعض أو موقفهم من بند المقاومة». وأعلن أن حزب الله سيقدّم «مطالعة خطية بشأن الاستراتيجية الدفاعية، لكن بعد انتهاء كل القوى من عرض أفكارها». ورداً على المطالبين بحصرية قرار السلم والحرب في يد الدولة، أكد التسليم بأن الدولة هي المسؤولة عن اتخاذ القرار السياسي، ولكن «لا يكفي أن أضع هذه المسؤولية وهذا الامتياز في «جيبة» الدولة وهي غائبة». وأسف في هذا الإطار لأن قرار السلم والحرب في المنطقة في يد أميركا وإسرائيل فقط «لا في يد الدولة اللبنانية ولا في يد المقاومة ولا يد العرب ولا المسلمين».
وأكد أن موقف الحزب «من مسألة ولاية الفقيه هو موقف فكري وعقائدي وديني، وليس موقفاً سياسياً خاضعاً للمراجعة»، وأعطى دليلاً على الجمع بين الإيمان بولاية الفقيه والانخراط في الحياة السياسية اللبنانية، بتمثيل الحزب في البرلمان والحكومات والمشاركة في الانتخابات النيابية، معتبراً أنْ لا تناقض بين هذا الإيمان «ومشاركتنا كشريحة لبنانية وازنة في بناء مؤسسات الدولة كما نظرنا إليها وتحدثنا عنها (في الوثيقة)».
وعن صفة «المعارضة»، قال نصر الله إن الوجود في الحكومة «لن يكون على قاعدة معارضة وموالاة، بل على أن يكون وزراؤنا وزراء لكل اللبنانيين ووزاراتهم في خدمة كل الشعب»، ولكن خارج الحكومة «يمكن أن تبقى الائتلافات والأطر السياسية، وهذا أمر طبيعي». وعمّا يحدّده الدستور بأن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وإمكان المطالبة مستقبلاً بضمّ لبنان إلى الدول العربية والإسلامية، قال: «كنا واضحين بأننا نعتبر لبنان وطننا، وأحب أن أقول إننا ممّن يشعر بأن هذا الوطن هو نعمة، ليس فقط رسالة بل هو نعمة، فهذا التركيب في الجغرافيا، في التنوّع والتعدّد، بما وصلنا إليه، أمكن تحقيق إنجازات كبيرة جداً وتاريخية. الآن إذا جئنا لنقول إنه نهائي أو لا، فإن الإمام موسى الصدر كان واضحاً جداً، وهو كان يتكلم باسم كل هذا الخط وهذا الطريق، عندما رأى أن لبنان وطن نهائي».
وأوضح أن ما يدعو إليه الحزب «ليس وحدة اندماجية، لا في العالم العربي ولا في العالم الإسلامي، بل اتحاد بين الدول العربية والإسلامية يحفظ لهذه الدول ولهذه الأقاليم ولهذه الأوطان خصوصياتها وشخصياتها وسياداتها، ويمكّن هذا الاتحاد من إضافة قوة بعضها إلى بعض».
ورداً على سؤال عن إمكان أن يؤدي حزب الله دوراً في معالجة الأزمة القائمة في اليمن قال إنه لا مانع «إذا وجد الأطراف أن لنا دوراً إيجابياً على هذا الصعيد، ولكننا لا نفكر في الأمر من ناحيتنا، علماً بأنه يكفينا الاتهامات الباطلة لنا بأننا نسلّح الحوثيين وندرّبهم وأن لنا شهداء بينهم. وكل هذه أمور لا أساس لها من الصحة».
أما في موضوع ملاحقة تجار المخدرات ومطالبة الحزب السابقة بمعالجة ملف مذكرات التوقيف في البقاع، فأعاد نصر الله التأكيد أن ملاحقة تجار المخدرات أمر ضروري لأنهم مجرمون بحق كل المجتمع لا بحق أفراد فقط. ولكنه دعا إلى تأليف لجنة برلمانية ـــــ وزارية ـــــ قضائية تنظر في نحو 30 ألف مذكرة توقيف في أمور لا علاقة لقسم كبير منها بملفّ المخدرات، وذلك بغية معالجة قسم كبير من هذه المذكرات المتصلة بمواضيع مرّ عليها الزمن أو هي لا تستأهل هذا الإجراء. لكنّه فصل ملف القتلة عن هذا الأمر.

■ انقر هنا لقراءة نص الوثيقة التي أذاعها الامين العام لحزب الله حسن نصر الله، بعد ظهر أمس، تقع في 32 صفحة، وتضم مقدمة و3 فصول وخاتمة.

أبرز عناوين «رسالة» 1985


يوم 16 شباط 1985، أعلن إبراهيم أمين السيد، بصفته ناطقاً باسم حزب الله، الوثيقة السياسية الأولى للحزب من حسينية الشياح في الضاحية الجنوبية لبيروت، على شكل رسالة إلى «المستضعفين في لبنان والعالم».
تلك الرسالة التي تضج بمفردات الحرب الأهلية اللبنانية، بدأت بتعريف الحزب عن نفسه تحت عنوان «من نحن وما هي هويتنا؟»: «إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسّست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسّد حاضراً بالإمام (...) الخميني».
وفي تلك «الرسالة»، أعلن الحزب عداوته «للنظام الكتائبي المجرم»، وللكتائبيين «العملاء»، وللمتحالفين «مع إسرائيل الذين حوصروا في دير القمر» (القوات اللبنانية). ووصف بشير الجميل بـ«الجزار» و«المقبور» الذي «نصّبت» أميركا شقيقه أمين من بعده. والأخير، فور وصوله إلى سدة الرئاسة، «أعطى الأوامر للجيش بقصف أحياء الضاحية المستضعفة على أهلها، واستدعاء قوات حلف الأطلسي للاستعانة بهم علينا، وتوقيع اتفاقية 17 أيار المشؤوم».
وحدّد الحزب أهدافه في لبنان بخروج إسرائيل منه، «كمقدمة لإزالتها من الوجود وتحرير القدس الشريف»، إضافة إلى خروج «أمريكا وفرنسا وحلفائهما منه»، فضلاً عن رضوخ «الكتائبيين للحكم العادل، وللمحاكمة على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين». ومن أهدافه أيضاً، أن يختار اللبنانيون «بكامل حريتهم شكل نظام الحكم الذي يريدونه، علماً بأننا لا نخفي التزامنا بحكم الإسلام وندعو الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة للجميع». وفي هذه النقطة بالتحديد، أعلن الحزب بوضوح في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أنه لا يريد أن يفرض الإسلام على أحد، «ولا نريد أن يحكم الإسلام في لبنان بالقوة كما تحكم المارونية السياسية الآن»، داعياً إلى «اعتماد النظام الإسلامي على قاعدة الاختيار الحر والمباشر من قِبَل الناس».
ورأى الحزب في وثيقته الأولى أن «كل طرح للإصلاح السياسي على ضوء النظام الطائفي العفن لا يعنينا فيه شيء، تماماً كما لا يعنينا تشكيل أية حكومة أو اشتراك أية شخصية في أية وزارة تمثل جزءاً من النظام الظالم».
وعلى رأس سلم الأعداء الخارجيين، وضع الحزب «أول جذور المنكر أمريكا (...) وحلفاءها من دول حلف شمال الأطلسي، والكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين الإسلامية المقدسة» الذين تجب محاربتهم من باب الدفاع عن النفس والأمة والإسلام. ومنذ ذلك الحين، كان الحزب يهاجم خيار المفاوضات مع إسرائيل، مصوّباً سهامه تجاه «الأنظمة النفطية»، محذراً حكامها من «المصير الذي لاقاه أنور السادات ومن قبله نوري السعيد».
وإذ حذر الحزب آنذاك من الفتنة السنية ـــــ الشيعية، معلناً أن المنظمات الدولية هي أداة بأيدي المستكبرين، دعا «جميع المستضعفين في العالم إلى ضرورة تشكيل جبهة عالمية لهم تضم حركاتهم التحررية».


 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر