2009/12/26

تزييف العقل العربى بثقافة الاستلاب


سيد يوسف

تمهيد

كتب هذا المقال منذ عدة سنوات قبيل انتخابات الرئاسة المصرية 2005 وظن المرء أن أحوالنا السياسية قد تسير نحو الأحسن لولا أن الوهم كان هو سيد الموقف فما تزال أحوالنا الفرط كما هى وما تزال أمراضنا الاجتماعية والفكرية كما هى، وها قد فرضت أحوالنا السياسية على كاتب المقال أن يعيد نشر ما سبق فى أجواء مشابهة لما هو كائن مع بعض التعديل حسبما يقتضيه المقام ...كانت هذه المقدمة بمثابة اعتذار للقارئ المتابع وبمثابة أمل يرجو صاحبه أن تفيد منه أمتنا والله من وراء القصد.

إذا أردت شراء قميص فلماذا تذهب إلى محل لا يعرض سوى نوع واحد من القمصان، فى حين يبعد عنك قليلا كثرة من المحلات التى تعرض أنواعا متعددة وبألوان متباينة وبنفس الأسعار؟
لماذا تحرم نفسك من عدة خيارات بسبب الكسل؟ أو بسبب الخوف من التجربة؟ أو بسبب استمراء الواقع؟وكأن لسان حالك (ليس فى الإمكان أبدع مما هو كائن )!

هكذا الاستلاب...فكيف هو إذن؟ وما مجاله؟ وكيف نفهمه؟ وكيف نسيطر عليه؟ هذه تساؤلات مهمة سوف نعرض لها ههنا.

بداية استعمالنا لكلمة ثقافة ههنا هو استعمال مجازى يهدف إلى أن تلك الممارسات السلوكية التى نقوم بها أصبحت تمثل أشبه ما يكون بالعادة الاجتماعية الراسخة لدى قطاعات كثيرة من المجتمع مما يرجح استعمالنا لكلمة ثقافة ههنا ولو مجازا أو مؤقتا .

ويقصد بثقافة الاستلاب:

العجز عن رؤية البدائل المطروحة وكأنك تتساءل فى دهشة ما الذى يفعله هؤلاء بأنفسهم؟ ما الذى سلبهم حق الاختيار من تلك البدائل المطروحة أمامهم؟ هل أصابهم ما يشبه التنويم المغناطيسى فسلبوا القدرة على الرؤية ؟ كيف تم استلاب إرادتهم هكذا؟ كيف انغلقوا على رؤية واحدة جامدة ؟

تساؤلات توضح المفهوم:

كيف صاروا صرعى رؤية واحدة تستبد بهم فلا يرون غيرها؟ لماذا يشعرون بالأمان مع المألوف لديهم ولسان حالهم ( اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش)؟ لماذا يدافعون- بغباوة رائعة -عن أوضاع فيها هلاكهم وضياعهم السياسى والاجتماعي؟ لماذا يشعرون بالاضطرار للكذب على أنفسهم وخداعها...؟ لماذا تمر جرائم الوطن عليهم دون اهتمام أو حساب؟ لماذا يبحثون دوما عن كبش الفداء...لتبرير واقعهم ؟ لماذا يختزلون حل مشكلات الوطن الكبرى فى أشخاص معدودين...دون النظر إلى أبعاد المشكلة وأسبابها الحقيقية؟؟

أى قوة تلك التى سلبتهم الرؤية السليمة ؟ لماذا يسود فيهم إحباط شديد الوطأة فيخشون من مجرد فكرة التغيير؟ لماذا يسود فى حوارا تهم جو عام من الإحباط والشكوى وتبرير الوضع القائم؟هل هو خشية التغيير؟ هل هو استمراء الوضع الراهن؟هل هو الجبن والخوف؟!!

مثال(1):

فى انتخابات الرئاسة المصرية 2005 لم يجد الناس إلا المرشح القائم بالفعل على حكم البلاد بمصر انطلاقا من قاعدة ( اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش)، فما الذى أدى بالناس إلى ذلك؟

سيادة جو الإحباط الذى مورس بتعمد واستمرار بحيث صارت رؤية قطاع عريض من الناس للأحداث بأنه لا تغيير:..وللأشخاص باستحالة تغييرهم...بل وباليأس التام حتى صار هذا اليأس عاما بين قطاع عريض من طبقات المجتمع...بل وصل هذا الإحباط مداه حين فقد الناس-كثير منهم- القدرة على التصور الإيحابى على تحقيق تغيير نحو الأفضل أو حتى تحقيق ايجابيات ولو جزئية، وقد يتحول أمر اليأس وإحباط الآخرين إلى نوع من التعود الذى يشبه الإدمان وكأنه لا يرى إلا كل ما هو قاتم.

وما الذى أدى إلى هذا الإحباط العام؟

هذا تساؤل يفرض نفسه...لا شك أن الأزمات والمشكلات المزمنة قد ساهمت فى تعميق الشعور العام بالإحباط واليأس وساعد على ذلك أكثر كتابات المثقفين وتعميماتهم الانفعالية فى الوصف بدلا من معالجتهم الموضوعية بل واستغراقهم فى وصف الأوضاع المحبطة (يستخدمون ما يسمى بالمنهج التفكيكى للأزمات) مما ساهم فى خلق جو عام من الشعور باليأس والإحباط بل وتأسيس ما يسمى مجازا بثقافة الاستلاب التى بنيت على تفكيك ماضي الأمة ...مما أدى بالتالي إلى وجود ما يشبه الفراغ المعرفى وسيادة روح الشك فى كثير من الأمور السائدة على الساحة سواء العربية أو الإسلامية.

مثال (2):

يمكن اختبار تلك الثقافة فى مصر أيضا من خلال طرح نجل الرئيس المصري كمرشح للرئاسة مع ملاحظة ردود فعل الطبقة العريضة من غير النخبة...ودرجة اليأس والإحباط السائدة فى أحاديث تلك الطبقة العريضة...

فما سمات تلك الثقافة؟

تتسم ثقافة الاستلاب بعدة سمات يسهل التعرف عليها من خلال العرض السابق فمثلا:
* يشيع فيها جو عام بالإحباط واليأس، ويسهل فيها الانقياد لرأى المجموع دون نظر عقلى.
* الانطلاق من فكرة المألوف وعدم إعمال العقل( اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش).
* ندب الحظ على الواقع المرير دون محاولة إحداث تغيير ايجابي فعال.
* الرضا بالأمر الواقع خشية التغيير انطلاقا من المثل السابق.
* الانهزام النفسى تجاه الطغيان والقهر الذى تمثله السلطة أيا كان نوعها.
* الشعور بالتبعية الشديدة والاعتمادية على آخر قوى كالطفل يخشى الكلام دون أن يسترق النظر لوالده وكأنه يخشى العقاب.
* اعتبار الهوى ( بزعم أنه العقل) هو المرجعية التى تحكم تقييمه للأمور...
* ( لسان حاله ما هى حاجة بالعقل كدا) رغم أنه عقل ينقصه كثير من الضوابط العلمية والصقل الخبراتى.
* الانطلاق من فرضيات مسبقة نحو تفسير الواقع (ليس فى الإمكان أبدع مما هو كائن...).
* النظرة القريبة التى تهتم بإشباع الحاجات الأولية دون التعقل لما وراء ذلك من أهداف مهمة للأمة .
* التقلب الانفعالي والتذبذب سعيا وراء المصلحة الآنية .
* تفسير الأحداث والواقع بلغة متقاربة شديدة التسطيح والتكرار لأنماط ثابتة جاهزة وكأنها لا تقبل الجدل...
* الوقوع تحت تأثير اللذة العاجلة أو المنفعة مما يجعلهم صريعي الفكرة الواحدة والرؤى الثابتة التى لا تتغير...ومن ثم الجمود الفكرى أو التصلب أو التشنج الثقافي( إن كانت ثمة ثقافة حينئذ) .
* سيادة جو التبعية والإحباط والخوف والكسل وإن للكسل لذة يتحدث عنها العجزة والقاعدون بمهارة واقتدار!!!
* كما يشيع فى تلك الثقافة السلبية وبث روح الانهزام النفسى فى نفوس قطاع عريض من طبقات المجتمع.

ما المطلوب؟
والآن جاء السؤال الحتمى: كيف نحد من تلك الثقافة المتأصلة فى قطاعات كثيرة من جموع الناس؟

فى اعتقادى أن القضية تتحدد بموقفنا من قضية الوعى وتحمل نتائج إثارته...فلقد استبان لى أن الناس إذا رأوك مفكرا أثار ذلك إعجابهم أما حين تدعوهم إلى التفكير فإن ذلك سوف يجلب لك كثيرا من المتاعب وربما العداء بدعاوى كثيرة- تتعدد المسميات والنتيجة متقاربة لدرجة التطابق- لذا ففى يقينى أن تبنى استراتيجية طويلة المدى لتنمية الوعى لدى الناس بمنهج مدروس هو سبيل ناجع للحد من تلك الثقافة الهدامة.

كيف؟
هذه كلمات موجهة بالأساس للذين يناط بهم تغيير وعى الناس وعسى ...فإن أول الغيث الندى، على الوسائط التربوية من مساجد وإعلام ومدارس وجامعات ونوادي وأحزاب وجمعيات أهلية على كل دور- وفق ضوابط محددة شرعا وقانونا وعرفا- لكن ذلك لن يتسنى إلا بتبنى استراتيجية على أساس قومي...فهل يستجيب الفاقهون؟ كما على الفاقهين تغيير لغة خطاب الناس بحيث تنزل لمستواهم وفق منابر الإعلام المختلفة...وهناك جهود أخرى أرجو أن تتسع لها عقول وكتابات الفاقهين.

سيد يوسف

إسرائيل تفشل والعرب ينتصرون


جربت اسرائيل كل ما تمتلك من وسائل لثني هامة الشعب الفلسطيني في غزة وقواه المقاتلة وفشلت إسرائيل في كل محاولاتها واجتياحاتها وعدوانها في نزع ارادة الشعب الفلسطيني من عامل القوة إلى عامل الاستسلام وجرها إلى خندق الغثيان الوطني الذي تمارسه سلطة رام الله .

بقيت غزة كما هي غزة قلعة الصمود والتصدي ، غزة الارادة العربية الاصيلة والمقاومة العربية الاصيلة ، غزة قاتلة الغزاة ..


وبقي أطفال غزة من هم باقون على الحياة ومن استشهدوا هم رصيد من الأرصدة الهامة للشعب الفلسطيني وهم الوقود من أجل أن تعلو كلمة الحق على الأرض الفلسطينية بأن فلسطين عربية الوجه اسلامية العمق عالمية الوجود .

محاولات ومحاولات ومحاولات قامت بها وساطات تخدم مصالح العدو الصهيوني بالدرجة الأولى لإستدراج قوى المقاومة في قطاع غزة لخنادق الذل والعار الذي ارتكبته عصابات أوسلو ومازالت تسير عليه إلى يومنا هذا ...

وجوه ووجوه تقلبت والبرنامج واحد ، المفاوضات من تحت الطاولة وتصريحات متششدة ما فوق الطاولة ومازالت قوة الأمن في الضفة الغربية تستخدم كل براعتها بايحاءات من الطرف السياسي الذي لا أخجل أن اقول عنه انه طرف متصهين .

برنامج يأتلف في مصالحه ومراميه مع برنامج الحصار على غزة وعلى شعب غزة وعلى اهداف ومبادئ الشعب الفلسطيني الاستراتيجية .

غزة تحترم نفسها وشعبها يعرف كيف يحدد مواقفه وبالتأكيد أن الشعب الفلسطيني في غزة لن يكون أبدا ً أداة فوضى أو أداة تدخل في شؤون الدول العربية الشقيقة رغم الملاحظات المتعددة التي يحملها الشعب الفلسطيني حول تدخلات صارخة من شؤونه الداخلية وحول ضغوط مختلفة الوسائل على الشعب الفلسطيني في غزة لكي يركع لما يسمى الارادة الدولية والتي هي في حد ذاتها الارادة الصهيونية ونظرتها للحل السياسي الذي لا يخرج عن كونه حلا ً أمنياً يحمي نظرية الأمن الصهيوني ووجوده على أرض الأجداد .

الجدار العازل في الضفة الغربية هو جدار أقيم لحماية الكيان الصهيوني من المقاومة وتكاتف مع هذا الجدار ومراميه أنشطة عناصر الأمن الأوسلويه المتصهينه واليوم وبرغم أن الشعب الفلسطيني يكن كل احترام للاخوة في مصر شعبا وقيادة وهو يحترم خيارات الشعب المصري في قيادته وتسيير أموره وحماية أرض مصر الغالية مصر العروبة ، مصر عبد الناصر واحمد عرابي ومحمد علي، هذه هي مصر بوجههاالمشرق الذي لا نأمل يوما ً ان تغيب اشراقة مصر بمسؤولياتها عن الأمة العربية والشعب العربي .

مصر التي ادارت قطاع غزة بعد النكبة إلى أن احتلت اسرائيل غزة بهزيمة الجيش المصري ، هذا المنظور يجعل من مصر تحت طائلة المسؤولية الاخلاقية والسياسية والأمنية لحماية شعب غزة وليس حصاره .

جدار في الجنوب وجدار في الشرق وبحر في الغرب وعدو في الشمال أيضا ً ، لماذا هذه الحصارات على غزة وشعبها ؟ لو كان شعب غزة أتى من كوكب أخر وبمكونات لمخلوق أخر لقلنا أن شعب غزة لا تأتلف بنيته مع من هو موجود على الكرة الارضية ولكن الحقيقة التاريخية تقول أن شعب غزة المعطاء الذي لم يتوانى يوما ولن يتوانى أبنائه لحظة في خدمة المجتمعات العربية أينما وجدت ونظرية العرب ونظرية حاتم الطائي الكرم حين الضعف والكرم للضيف اذا عتبر اخوتنا العرب اننا ضيوف على حدودهم أو ضيوف على الكرة الارضية ، لابد ان تقال الحقيقة ، لماذا هذه الجدر ولماذا هذه القلاع ولماذا هذا الخوف من غزة وشعب غزة الذي لم ولن يوجه بنادقه إلا للعدو للصهيوني ، هذه القلاع التي لا يمارس بنائها إلا اليهود الصهاينة وكما ذكر القرأن الكريم ...نحن مسلمون وشعب مصر الأبي فلماذا تتجه تلك القيادة إلى حصار غزة ؟ أهل هي من أجل المعونات السنوية المشروطة ؟ فالكرامة هي الكرامة والجوع أهون من تهدر الكرامة وحاشى الله ان يموت شعب مصر من الجوع فالشعب المصري بتاريخه العظيم قادر على صنع المعجزات كما صنعها عبد الناصر وأحمد عرابي والقدماء .

إذا ً اسرائيل تفشل والعرب ينتصرون لإسرائل وينتصرون على غزة بالجدران الفولاذية التي تقام على حدود رفح .

ولكن نقول لن يبقى هذا الجدار، فلقد انهزم جدار برليف وانهزم جدار برلين ولن تتقسم وتنقسم لغة الضاد بين الشعوب ولغة التاريخ أيضا ً ، فهذا الجدار مصيره إلى زوال بأيدي الشعب المصري الأبي والقيادة الحكيمة التي يطالب بها الشعب المصري ، أما غزة فهي ستنتصر على الانتصار .

بقلم/ سميح خلف

جدار مصر الفولاذي يثير الجدل


واصلت مصر بناء جدارها الفولاذي على طول حدودها مع قطاع غزة، وسط تأهب أمني كبير، حيث دفع بثلاثمائة شرطي لحراسة المدكات التي تعمل على مدار الساعة، لدق الألواح الفولاذية في التراب، كما انتشرت عناصر من الشرطة على مباني مدينة رفح المصرية، تحسبا لإطلاق نار من طرف عناصر حماس على العاملين فوق المدكات، في الوقت الذي شوهدت فيه المصفحات والمدرعات التابعة للأمن المركزي المصري، وهي تتجه نحو الحدود، حيث تمركزت عند معبر رفح، وبوابة صلاح الدين، تحسبا لاندفاع مئات الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية، بينما تظاهر أنصار حركة حماس قبالة معبر رفح للاحتجاج على بناء الجدار.


منع مسيرة دولية

وكانت السلطات المصرية قد منعت يوم أمس الاثنين ناشطين دوليين، من تنظيم مسيرة "غزة نحو الحرية"، التي كانت ستنطلق من الأراضي المصرية نحو غزة، بمناسبة الذكرى الأولى للحرب الإسرائيلية على القطاع، وبررت وزارة الخارجية المصرية هذا المنع بأن بعض المشاركين "لم يستوفوا الأوراق المطلوبة، لذلك سيكون من الصعوبة التعاون مع هذه المسيرة".
وترى السلطات المصرية أن استمرار التهريب من مصر إلى غزة عبر الأنفاق عمل غير مشروع يسبب لها الكثير من المشاكل الأمنية بما فيها تهريب الأسلحة والأموال التي سبق لها أن ضبطت مبالغ كبيرة منها إضافة إلى الإرهابيين. أما على المستوي السياسي فمن الواضح أن استمرار تدفق الإمدادات إلي قطاع غزة يضعف من قدرة مصر على ممارسة الضغوط السياسية على حماس.
وكانت كارين أبوزيد، المفوض العام لوكالة الانروا لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، قد أكدت خلال ندوة أقيمت في جامعة القاهرة، أن الجدار صنع في الولايات المتحدة، من الفولاذ القوي الذي لا تؤثر فيه حتى القنابل، واصفة إياه بأنه أقوى من خط بارليف، الذي بنته إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس، بعد احتلالها لشبه جزيرة سيناء في حرب عام 1967.

جدار مصنوع في أمريكا

وحذرت أبوزيد من الانعكاسات الخطيرة للجدار على أهالي غزة، وخاصة أن 60 % من الاقتصاد الغزاوي قائم على الأنفاق، التي تستخدم لتهريب السلع من مصر إلى القطاع المحاصر.
وبالرغم من التقارير التي نشرتها الصحافة الإسرائيلية التي تؤكد حقيقة الجدار الفولاذي، وهو ما أكده أيضا جيفري فليتمان، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية، إلا أن الحكومة المصرية واصلت تجاهلها الكامل لما يجري على حدودها مع غزة، قبل أن يخرج وزير الخارجية أحمد أبو الغيط عن الصمت المطبق، بتصريحات يؤكد فيها حق مصر فرض سيادتها على حدودها.
عند اكتماله سيبلغ طول الجدار حوالي عشرة كيلو مترات، وسيبلغ عمقه بين 18 و20 مترا، وهو محصن ضد التفجيرات والخرق، وتأمل الحكومة المصرية أن يتمكن الجدار من سد جميع الأنفاق، إلا أن الخبراء يشككون في ذلك، ويؤكدون أن عمليات التهريب عبر الحدود لا يمكن إنهاؤها بشكل كامل، وهو ما فشلت فيه الولايات المتحدة على حدودها مع المكسيك، بالرغم من استخدامها كل أنواع التكنولوجيا المتطورة.

كارثة بيئية

ويخشى خبير المياه الفلسطيني، نزيه الوحيدي من أن يؤدي الجدار إلى التسبب بكارثة بيئية، قائلا إن "الجدار الفولاذي يعد أحد العوائق الاصطناعية والسياسية التي سيكون لها أثر بيئي خطير على تواصل حركة المياه في الخزان الجوفي واستمرارها، خصوصًا وأن الحفر سيصل إلى عمق 30 مترًا".
وفي مكالمة هاتفية مع إذاعة هولندا العالمية، قال القيادي في حركة حماس أحمد يوسف، إن بناء الجدار "سيكرس القطيعة بين مصر، والشعب الفلسطيني، الذي سيرى فيما يجري إشارات لتكريس حالة الحصار الظالم على قطاع غزة، في سياق التواطؤ الدولي لكسر إرادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وتطويعه لمسلسل التنازلات، التي يحاول الغرب فرضها على الشعب الفلسطيني".
ويؤكد أحمد يوسف أن للجدار عواقب وخيمة على الحياة في غزة قائلا إن "الأنفاق خيار مؤقت وبديل لحالة الحصار، وبالتالي فإن مثل هذا الجدار الفولاذي سيعيق إدخال المساعدات، على الأقل البضائع التي يحتاجها السوق الفلسطيني، والأنفاق التي أصبحت شريان حياة لم تكن خيارا، وإنما فرضت علينا".

منظمات دولية تحذر

أكبر سند لأهالي غزة جاء من طرف 16 منظمة أوروبية غير حكومية، أصدرت اليوم تقريرا في باريس، أكدت فيه أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، عاجز عن إعادة البناء بعد عام من عملية "الرصاص المصبوب" الإسرائيلية، كما يؤكد التقرير أن شعب غزة "غدر به المجتمع الدولي". ومن بين هذه المنظمات، منظمة العفو الدولية، أوكسفام، وتحالف منظمات هولندية، التي أكدت في تقريرها أن إسرائيل تحظر على سكان غزة، وأيضا الأمم المتحدة استيراد الأسمنت أو الزجاج، لاستكمال بناء البيوت والمدارس المهدمة، كما أكدت في تقريرها أن الحصار المحكم على القطاع، جعل 80 % من السكان يعتمدون على المساعدة الدولية، ووصف أحمد يوسف هذه المنظمات غير الحكومية بأنها "الشمعة الوحيدة التي تظهر في نهاية هذا النفق، فالنظام العربي للآسف مشغول بخلافاته الإقليمي".

الجدار لصد المهاجرين الأفارقة


أما ناصر اللحام رئيس تحرير وكالة معا الفلسطينية، في رام الله، فقد وصف في اتصال هاتفي مع إذاعة هولندا العالمية الجدار الفولاذي بالصدمة، قائلا "بعد خمس سنوات كنا نتوقع أن يرفع الحصار عن غزة، لا أن يشدد، كما أنه يستحيل على أي دولة في العالم أن تلف نفسها بجدار، سواء كانت إسرائيل أو أية دولة عربية، فليس هكذا يتم التعامل مع الحدود، التي هي سيادة معنوية، وليست جدران وفولاذ".
ولكن اللحام ينفي أن يكون الهدف من الجدار لمعاقبة حركة حماس، قائلا إن سبب بناء الجدار يعود إلى "ذعر إسرائيلي كبير جدا، بسبب تدفق عشرات الآلاف من الأفارقة نحو إسرائيل، والتي ناقشت الموضوع واكتشفت أنه على مدار السنوات يمكن أن يدخل الملايين، مما سيؤثر على الديمغرافية اليهودية، ويهودية الدولة، وخاصة أن الأفارقة مسيحيون ومسلمون، وخوفا من أن تصبح إسرائيل سوداء، وبالتالي توسلت إسرائيل لأمريكا، والتي بدورها ضغطت على مصر، التي اضطرت بعد لي ذراعها من أمريكا أن تستجيب لهذه الضغوطات، فمصر نفسها غير مقتنعة بما تفعل".
وبالرغم من الجدار سيبلغ طوله عشرة كيلو مترات، وسيحيط قطاع غزة، إلا أن اللحام يصر على أن الجدار سيشمل حتى الحدود الفاصلة بين مصر وإسرائيل قائلا "هذا هو المقصود، ولا شأن له بغزة نهائيا، وهو ما يعكس الذعر والفوبيا الإسرائيلية من المهاجرين الأفارقة".


عقاب جماعي

حتى الآن تحرص حركة حماس على أن تكون المظاهرات المنددة ببناء الجدار سلمية، ولم يحدث أي احتكاك بين الشرطة المصرية والمتظاهرين، ولكن لا يمكن ضمان ذلك مع استمرار بناء الجدار، وخاصة إذا تمكنت فعلا الألواح الفولاذية العملاقة من خرق الأنفاق، التي تعتبر الشريان الحيوي الوحيد للقطاع، ومن جانبه أكد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إن الجدار "لن يمنع السلاح الذي قد يأتي بطرق وأساليب مختلفة، لكنه سيمنع الغذاء والدواء والحليب، شريان الحياة في غزة الآن هو الأنفاق".
بينما يرى بعض المراقبين إن بناء الجدار هو مجرد عقاب لحركة حماس، بسبب عدم تعاونها مع مصر فيما يخص المصالحة الفلسطينية، وهو ما جعل رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس يؤيد مصر في بناء الجدار المثير للجدل.
__________________

ولَئِن أُغلقَ معبرٌ هُناكَ أو هُنا فمن ذا يغلِقُ مَعبَرَ السماء ياغزَّة ؟!

شريان الحياة


هند الهاروني-تونس

بسم الله الرحمان الرحيم

و الصلاة و السلام على سيدنا محمد صادق الوعد الأمين

تونس في 24 ديسمبر 2009-7 محرم 1431

حديث قدسي : عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، يا ابن آدم استقيتك فلم تسقني قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي".

قال الله تعالى :"وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ -البقرة :281

و قال سبحانه و تعالى :"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً"-الإسراء: 70.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ- الحجرات : 13.

قوله تعالى : " إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا " –الكهف : 30

قال رجل لعمر بن عبد العزيز :"اجعل كبير المسلمين عندك أبا، وصغيرهم ابنا، وأوسطهم أخا، فأي أولئك تحب أن تسيء إليه".

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :"من أصبح و همه الدنيا , فليس من الله في شيء , و من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم , و من أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منا " .

وقال عليه الصلاة و السلام في حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه :" مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " .- صحيح البخاري

كما قال صلى الله عليه وسلم :" ليس منا من بات شبعان وجاره جائع " وقوله أيضاً " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ". - الترمذي.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي ، العظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما ، قذفته في النار ". رواه أبو داود ( وكذلك ابن ماجه واحمد ) .



بعد السلام، يسعدني كثيرا أن أتقدم بتحية شكر و تقدير و احترام إلى كل من يحترم الذات الإنسانية أينما كان و في هذه المناسبة أخص بالتحية قافلة شريان الحياة و على رأسها السيد جورج قالاوي النائب في البرلمان البريطاني و المشرف على قافلتي شريان الحياة و التين سيتضاعف عددهما مستقبلا إن شاء الله و إلى الفريق الذي يصاحبه في هذه الرحلة إلى غزة و الذين نتمنى حقيقة أن نكون معهم و مثلهم في القيام بعمل رفيع كهذا منزلته عند العباد عظيمة و عند الله أعظم لكسر الحصار على غزة و تقديم نصيب من الاحتياجات الإنسانية تزامنا مع مرور سنة على عدوان الصهاينة الهمجي على العباد و النبات و الهواء و الماء و البناءات بالمحرقة الكيميائية، جريمة الإبادة الجماعية التي شهدت عليها الإنسانية بأكملها، كان ذلك أمرا يشبه الخيال و كنا نشاهدها مباشرة على القنوات الفضائية حقيقة و كنا نرى صور الشهداء و الأشلاء "بالجملة" و خاصة العدد الهائل من الشهداء الرضع فضلا عن الأضرار الأخرى التي لم تتمكن الفضائيات من تغطيتها نضرا للمخاطر الجسيمة التي كانت تواجهها آن ذاك.

و منذ تلك اللحظة وسيد الموقف هو المماطلة و المماطلة ظلم و عدوان و قد قال نبينا محمد صلى الله عليه و سلم : :" أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". فما بالنا إذا ما تعلق الأمر بحقوق شعب كامل و أرواح أبيدت و أخرى اعتدي عليها و لم توفى حقها بعد.

الشهداء رحمهم الله و أدخلهم فسيح جنانه و كان في عون عائلاتهم و المرضى و المحرومين من مسكن و بيت و مدرسة و علاج و حياة إنسانية كريمة و آمنة أي تتوفر فيها جميع الحقوق البشرية لهم الله ثم الضمائر الحرة لتمكينهم من حقوقهم المغتصبة كاملة أما الكرامة فهي و لله الحمد القيمة الدائمة لدى أهل غزة و بها سينتصرون بإذن الله على عدوهم المحتل الغاصب.

الحال الآن :

-شتاء بارد و قاس و ما يتطلبه ذلك من مستلزمات سكن و تدفئة و تغذية و علاج و غيرها من أبسط مقومات الحياة البشرية.

-شهدنا تأجيل تقرير غولدستون

-لم نشهد عملية إعمار القطاع

-لم تفتح المعابر في غزة

-عزل مع الجانب الفلسطيني في الضفة الغربية

-الحصار متواصل كما كان الحال قبل إقدام الكيان الصهيوني على جريمة الحرب في القطاع

- سيبنى جدار فولاذي عازل بين مصر و القطاع بالإضافة إلى الحصار مع قطاع غزة

-سمعنا عن غرائب أخرى يقوم بها الصهاينة : يتلاعبون بأجزاء بدنية للفلسطينيين الشهداء و الموتى

-الاستيطان يقوى

-المستوطنون لا يكتفون بترحيل الفلسطينيين من بيوتهم بل يؤذوهم و في نابلس شهدنا عملية اعتداء مستوطن على مسجد بحرقه

-إلى جانب غربة اللاجئين في تهجيرهم عن أرضهم أرض فلسطين

- والسجناء الفلسطينيين بالآلاف في سجون الاحتلال

-والأزمة الاقتصادية العالمية و غيرها ...

بالله على كلّ بشر منّا كيف يتواصل الحصار بجميع أنواعه على شعب فلسطين و بالخصوص على قطاع غزة، جدران و معابر مغلقة و شعب يموت موتا بطيئا فحتى هذه القافلة و غيرها من القوافل إنما هي مساعدة قيمة و لو أننا قا رناها :

-أ- بحجم الخسائر و الحصار القاتل للناس و الحيوانات و النبات في قطاع غزة لكانت هذه المساهمة القيمة تعتبر محدودة جدا أمام شدة المعاناة التي يعيشها شعب بأسره

-ب- و لمن يتفرج عليهم من ناحية أخرى و لا يقدم شيئا رغم استطاعته فإن مقاومة هذه القوافل تعتبر عملا "جبارا" و خطوة إنسانية و رافضة للعدوان و الاحتلال و معلنة عنه بخطوات عمليّة يحترمها الناس و يباركونها

-ج- و مقارنة بمدى تطبيق نصوص المواثيق الدولية على مستوى مدى احترام حقوق الإنسان فإن الكثير لم يطبق لينصف شعب غزة و القطاع ككل فضلا عن فلسطين عموما.

و لأن الإنسانية و رفض الاحتلال و مقاومته و التوق إلى الحرية قيما لا تفنى أبدا، فإن العزيمة جعلت الأصدقاء و الإخوة و الأخوات في قافلة شريان الحياة يتحدون المسافات الطويلة و تنطلق قافلتهم من بريطانيا عبر البر و تمر ببلدان أخرى حتى تتوصل إلى إيصال ما تمكنت من جمعه من مساعدات إلى غزة، ثمرة جهود مضنية لترى البسمة الصادقة و الفرحة ترتسمان على وجوه الغزاويين لأنهم شعروا حقيقة بأن هنالك من يقف إلى جانبهم و يزورهم في حصارهم الذي منع عنهم الزوار من خارج القطاع المعزول و المحاصر.

الرحمة هي أساس التعايش و المحبة و الإنصاف بين الناس و "ارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء" و لكم الله إخوتنا في غزة على ما تتحملونه من مشقة و الله لا يتخلى عن عباده المخلصين و بإذن الله تصل قافلة شريان الحياة و نتمنى على الله هذا المرة أن نراها تدخل القطاع دون أي تأخير فالناس في القطاع في حاجة ماسة إليها

في ذكرى الحسين بن علي


الاستاذ الدكتور كاظم عبد الحسين عباس
اكاديمي عراقي
تتجدد في كل عام وتتالق على المدى ذكرى ثورة الامام الحسين بن علي عليه السلام ليس محض ذكرى عطرة بل وتتجدد كنبع صاف لمعاني الثورة الحقيقية لرجل عربي قرشي هاشمي مسلم حمل الاسلام الصافي وراثة في كل كيانه المولود من رحم حبيب الله وافضل خلقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم وبطولة وعلم علي صاحب ذي الفقار وداحي باب خيبر, وعطر النبوة واصالة النجابة والطهر في بنت الرسول فاطمة الزهراء عليهم جميعا سلام الله وتبريكاته.
ان ذكرى استشهاد سبط رسول الرحمة هي تخليد لبطولة نادرة في الدفاع عن بيضة الاسلام ونقاءه كما اراد له الله سبحانه وكما جاء محفوظا برسالة الباري سبحانه وسنة نبيه واحب خلقه محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى اله وصبه ومن والاه . فلقد رسم ابا عبد الله الحسين عليه السلام ملامح الثائر الشجاع ضد التحريف والارتداد عن رسالة جده المفدى ورفض باباء وشمم وكبرياء الخضوع للطاغوت والاستكانة للظلم والظالمين كما رفض القنوط والاحجام عن اداء دور المسلم المؤمن متمثلا معاني قول سيد الكائنات واخلق خلقه( من راى منكم منكرا فليقومه بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان ) فقاتل ببسالة وثبات وهو يصرخ في عالم الارتداد ( ان كان دين محمد لم يستقم الا بقتلي فيا سيوف خذني) .وكان خطابه هذا يمزق اذان من بايعوه واخلفوا البيعة وراسلوه وخانوا شرف الكلمة فانفضوا عنه ليتركوه وحيدا مع نفر من عائلته واخوته وصحبه ممن ثبتت افئدتهم على الايمان حتى نالوا رضا الله بحسنى الشهادة وتقبل الله سبحانه منهم حمل امانة الايمان به والخلود في سبيله.
لقد غدر بابي عبد الله الغادرون وحيل بينه وبين نخوة الرجال غير انه ما تراجع قيد انملة عن رسالته المقدسة وايمانه الراسخ في الدفاع عن الاسلام الحنيف حتى تعطرت ارض كربلاء بدمه الزكي الطاهر ودماء اهل بيته وصحبة الابرارلتكون واقعة الطفوف تلك انطلاقا مباركا لروح متوثبة تتجدد على المدى رفع بها شان الشهيد وصحبه تماما كما رفع شان غاية الشهادة .
ان ثورة الحسين بن علي العربي القرشي الهاشمي لايمكن ان ينظر اليها الا نبراسا للثوار ودربا للاحرار وليس مسارا للانتفاع والتجارة والتسيس الاجرامي الطائفي والاستخدام الدوني للمارب الاحتلالية والتوسعية على حساب العرب والعروبة والاسلام والمسلمين . فالحسين هو ابن امة العرب وفخر مقامها وعزة وجودها وليس سلعة تتلاقفها الاتجاهات المدمرة للامة العربية كما تفعل ايران الفارسية التي لا يمكن لها مهما ادعت ان تفهم دور الحسين وعبقرية ثورته ولا تمثل العرب الاحرار الثوار لها . واذا كانت النزعات الفارسية للانتفاع غير الشريف قد ادخلت على قضية الحسين عليه السلام وثورته الظافرة ممارسات وشعائر يطبعها وتتمرغ في اطيان الجهل والغباء والتخلف اخترقت بواسطتها عقول واحاسيس ومشاعر محبي سيد شهداء الجنة لتجعل منهم مطية سياسية تحقق من خلالها اغراضها التي لاتتوافق مع الدين الاسلامي الحنيف ولا مع اخلاق الاسلام النبيلة الفاضلة فان مرحلة ما بعد احتلال العراق قد اسقطت ورقة التوت عن عورات ايران الفارسية الطائفية ووضعت منهجها ومشروعها في طريق الموت بعون الله. وهاهم ابناء كربلاء وبقية محافظات القطر ينتفضون في مواكبهم الحسينية وتظاهراتهم العارمة مستنكرين العدوان الايراني على العراق ويفضحون اهداف ايران وغاياتها واطماعها غير المشروعه .
سلاما سيد الشهداء في ذكرى يوم شهادتك الخالد
سلاما ارضا عربية طاهرة تحتضن طهر وعبق عطر مرقدك الشريف
سلاما عليك وعلى ابيك وامك وجدك الى يوم الدين
سلاما في ذكراك على خلفاء الامة رفاق ابيك عمر وعثمان وابو بكر وامهات المسلمين رضوان الله عليهم جميعا .
وسلاما على ثوار العراق في المقاومة العراقية البطلة السائرين في طريق تحرير مرقدك الشريف من براثن الاحتلال الامريكي المجرم وشراذم الفرس الذين لوثوه بالزنا والمخدرات والكحول.
سلاما على ذكرى حفيدك الشهيد صدام حسين الذي اعز ذكرك وعمر مدينتك فجعل منها عروس مدن العراق ..
وستبقى ثورتك العظيمة وشجاعتك النادرة ملهما لنا ودربا لانحيد عنه .

تيفين 2012...خطة نهوض الجيش الاسرائيلي قبل مواجهة حزب الله


علي شهاب

تمخض الجيش الاسرائيلي دروس وعبر حرب تموز 2006 عدوانا على غزة!

تكاد تصريحات قادة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية تُعلن صراحة أن "الرصاص المسيل" هو "بروفة" مصغرة للحرب المقبلة ضد حزب الله في لبنان: حملة جوية سريعة وقاسية توقع أكبر عدد ممكن من القتلى في الساعات الأولى يليها توغل بري متدحرج بالاستناد الى نظرية "الوثبة العسكرية"، على أن عنصرا إضافيا ستعتمده فرق المظليين – في المواجهة المقبلة مع حزب الله – من خلال القيام بعشرات عمليات الإنزال في بقع آمنة (وراء خطوط الحزب) تمهيدا لتنظيف مناطق منصات الصواريخ.

وفي حين يسود الشارع العربي حالة من الشعور بالعجز واليأس نتيجة الدور غير المدروس لوسائل إعلام عربية في طريقة تعاطيها مع المشهد في غزة، فإن التقييم السياسي – الاستراتيجي لما يحدث يختلف تماما عما تبثه القنوات التلفزيونية. منذ الساعات الأولى للعدوان الاسرائيلي، ظهرت إشارات في الضفة الغربية وأراضي 48 تدل على أن أفق خيارات المقاومة الفلسطينية ليس مسدودا.

هي نفسها إشارات تخوفت منها مراكز الأبحاث الاسرائيلية أثناء دراستها لسيناريوها المواجهات المقبلة بعيد حرب تموز 2006.

من الضروري النظر الى ما يحدث في غزة من المنظار الاقليمي ومحاولة تحديد مراسم التغيير الحاصل في وجه المنطقة. وما الغضب العارم في الأردن ومصر الا أحد أوجه هذا التغيير الذي ستبدأ اولى معالمه بالظهور مع لحظة وقف إطلاق النار في غزة، تماما كما أفضت حرب تموز الى نتائج استراتيجية درستها مراكز الدراسات الغربية جيدا الى حد ربط نتائج الحرب على حزب الله بتراجع النفوذ الأميركي في أفغانستان لصالح المقاومة هناك!

في المقلب الأخر، كان أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله يسرد رؤيته للمرحلة المقبلة بطريقته الخاصة: قال أنه لا يتحدث عن انقلاب في مصر، ....

وبغض النظر عن قدرة الجيش الاسرائيلي الفعلية على تطبيق خلاصات ما توصل اليه بعد مرور 3 سنوات على حرب تموز، وما يخبئه السيد حسن نصر الله في جعبته من مفاجآت في كل المواقع والمراحل، فإن أولويات التسلح التي أعادت تل أبيب تحديد أولوياتها تكشف النوايا الاسرائيلية في الحروب المقبلة.

قبل حرب تموز، ارتكزت مصاريف وزارة الحرب الاسرائيلية على نظم الإتصالات، دمج النظم ونظم معارك شبكية مركزية على حساب التدريبات على الحروب والمعارك البرية.

في 3 أيلول الماضي، أعلن قائد هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي الجنرال كابي أشكنازي، عن خطة الأستحصال العسكري المتعددة الأبعاد والممتدة لخمس سنوات "تيفين 2012" .

تقوم الخطة الجديدة على تعزيز القوة البشرية المساندة للتكنولوجيا "وذلك كمجهود لحماية اسرائيل من المدى الواسع للتهديدات الأمنية التي تفوق الحرب ضد الفلسطيينيين"، بحسب دراسة مطولة صادرة عن معهد "جينسا" الاسرائيلي.

من ضمن الخطة التي تبلغ تكلفتها 60 مليار دولار، "سيتم عكس الجهود السابقة لتعزيز عديد الجيش الإسرائيلي بفعالية، مع إعطاء الأولوية لبناء قيادة القوات البرية".



وتتضمن الخطة توفير "المؤنات اللازمة لتطوير الآليات البرية العسكرية والدبابات عبر استخدام أنظمة حماية فاعلة متطورة اسرائيليا. بناء على ذلك، سينتج جيش الدفاع الإسرائيلي سنويا أعدادا كبيرة من دبابة القتال الرئيسية، ميركافا الجيل الرابع ، المصنعة محليا"، علما أن انتاج هذه الدبابة كان مهملا لفترة طويلة نسبيا من الوقت بسبب نقص التمويل.

إضافة الى ذلك، سيستحصل الجيش الاسرائيلي على حاملات الجند المجنزرة والمدرعة نمير (Namer) والتي ترتكز على هيكل شاسي (shasses) الميركافا، ونظام "تروفي" لحماية الآليات ضد الصواريخ المضادة للدروع.

وتقوم فلسفة التسليح الاسرائيلي على تقدير "التهديدات الواسعة" التي تواجهها اسرائيل "للمرة الأولى منذ عقود ومن جهات مختلفة"، حيث يعدد الخبراء والباحثين "الإرهاب، الحدود الشمالية، ايران ومخزون الأسلحة الجديدة لدى سوريا".

اذا يمكن تلخيص اولويات الجيش الاسرائيلي بحسب الخطة الجديدة على أنها:

- تعزيز القوات البرية.

- تحسين أداء سلاحي الجو والبحر.

بناءً على هذه الأولويات، تسعى اسرائيل للحصول على 100 مقاتلة من طراز "اف 35" الجيل الخامس صنعتها شركة "لوكهيد مارتن" الأميركي بدلا من مقاتلات "اف 16" التي يعتمد عليها سلاح الجو حاليا.

وفي سياق تعزيز سلاح الجو، تدرس اسرائيل شراء عدد غير محدد من طائرات النقل العملاقة "هيركوليز سي 130" التي صنعتها شركة "لوكهيد" ايضا، فضلا عن الخطط المستمرة لتطوير اسطول الطائرات من دون طيار.

أما على صعيد القدرات البحرية، فيأمل الجيش الاسرائيلي في الحصول على الحصول على سفينتين جديدتين متعددتي الأغراض، مزودتين بدفاعات صاروخية وقدرات بحر- بر، فضلا عن سفن قتال ساحلية "littoral combat ship" التي طورتها "لوكهيد مارتن" وثلاث شركات أميركية أخرى، على ان تزودها هيئة الصناعات العسكرية الاسرائيلية بصواريخ طراز "باراك" المضادة للصواريخ.

كما يتوقع سلاح البحرية أن يحصل على غواصتين إضافيتين من طراز دولفين "dolphin" " ألمانيتي الصنع مزودتين بنظم دفع لا يعتمد على الهواء، علما ان هذه الغواصات، التي صنعتها شركة "howoldtswerkem - deutsche werft AG" (HDW) الموجودة في مدينة كييل "KIEL"، تُعتبر من أكثر الغواصات غير نووية تقدما في العالم.

الى ذلك، تسعى البحرية الاسرائيلية للحصول على اسطول من 7 مراكب سريعة مخصصة للدوريات في إطار برنامج أميركي للمبيعات العسكرية الأجنبية (FMS) وتمويل داخلي مشترك مع وزارة الدفاع الأميركية.

من بين هذه المراكب، هناك 4 من طراز "سوبر ديفورا" (دبور) من الجيل الثالث، وثلاث مراكب "شالداغ" (SHALDAG) تضم نظام دفع ألماني - سويدي يتيح لها العمل في المياه الضحلة قرب الشاطئ.

وسُتستخدم هذه المراكب بشكل أساسي لتعزيز الدوريات الاسرائيلية قرب السواحل.

على صعيد اخر، زادت وزارة الحرب الاسرائيلية موازنة تطوير نظم الإتصالات والسيطرة، وتقنيات الكومبيوتر والمعلومات المعروفة باسم C4I، بالتوازي مع توسيع صلاحيات هيئة الأركان العملاتية خلال الحرب؛ وهذه الخطوة هي إحدى خلاصات حرب تموز.

ويبقى "أمن الإتصالات" أحد نقاط الضعف الرئيسية التي عانى منها الجيش الاسرائيلي خلال المواجهات مع حزب الله. في هذا السياق، يسعى الجيش الاسرائيلي للإعتماد بالكامل على شبكة الياف بصرية عالية السرعة تٌعرف باسم "غولد افمت" لتطال الحركة على الأرض ، وصفوف الجو والبحر مع حلول العام 2012، من خلال استخدام تقنية Wimaxاللاسلكية على مساحة واسعة، وذلك لدمج المعلومات في شبكة تسمح للجندي بمشاركة المعلومات مع دبابة أو طائرة".



وفي ما يخص بمخزون الذخائر الذي "تدنى الى مستوى خطير حتى ما قبل المعارك مع حزب الله عام 2006"، فقد وافق البنتاغون على الاستجابة لطلبية اسرائيلية من أربع طرود أسلحة في سلسلة مبيعات تقدُر قيمتها بـ 1.2 مليار دولار، على أن تتضمن هذه الطرود مئات الملايين من غالونات الفيول، وقنابل "بايفواي" الموجهة بواسطة الليزر ، وقنابل "BLU-109" الخارقة ، وذخائر الهجوم المباشر المشترك(JDAM) وقنابل "GBU-28"المدمرة للتحصينات، فضلا عن أعداد كبيرة من صواريخ جو- جو طراز "رايثون" raytheonAIM-9M side winder " وصواريخ جو- جو المطورة ومتوسطة المدى (AMRAAMS)، اضافة الى ما يقارب 3500 صاروخ عامل بموجات الراديو طراز "إي جي أم 114" بمختلف الأجيال ومئة صاروخ بالستي اعتراضي طراز "باتريوت".

هذا التعزيز في الترسانة يترافق مع عمل دؤوب على أنظمة الدفاع الصاروخية من نوع "ارو" شمال الأراضي المحتلة، الذي نٌشر في قاعدة "بولموشيم" الجوية قرب مستوطنة "أشدود" الساحلية وفي موقع أخر غير معلن شمال الأراضي المحتلة أيضا.

وفي حين يجري العمل على نظام دفاعي أخر يستهدف اعتراض الصواريخ على إرتفاعات أعلى من تلك القصيرة والمتوسطة المدى، طلبت تل أبيب من واشنطن تزويدها بنظامي "ترمينال" لصد الصوارخ على ارتفاعات شاهقة و"ايجيس" المحمول على السفن.

البعث في ميزان الشريعة ﴿ الجزء الاول ﴾


الرفيق رأفت علي

بسم الله الرحمن الرحيم

( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور ٍ)

صدق الله العظيم


المقدمة :

واجه حزبنا حزب البعث العربي الاشتراكي في سنوات مسيرته الجهادية الممتدة على سبعة عقود من الزمان الكثير من المؤامرات ؛ منها ما استهدف قيادته ، ومنها ما استهدف رجاله المناضلين ، ومنها ما استهدف الحزب بوحدته التنظيمية . الإ ان اهمها واخطرها هي تلك المؤامرات التي حاولت اجتثاث فكر البعث المؤمن المجاهد وشيطنته .



فحزبنا حزب البعث حزب معطاء ابن هذه الامة المعطاءة المجيدة ابن الامة العربية التي انجبت الرسل والانبياء عليهم السلام اجمعين وخاتمهم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم . وابن هذا الشعب العظيم المعطاء شعب العراق الكريم السبّاق في بناء اولى الحضارات التي عرفتها الانسانية على سطح المعمورة وانجب العديد من القادة العظام والمفكرين المبدعين وكانت ارضه مسرحا لاحادث عظام جميعت بين تبليغ الرسالات السماوية وبين بزوغ فجر الحضارة والتطور . فلو سقط للبعث شهيدا لأضاء الدرب لعشرات الشباب.



اما لو استطاع اعداء البعث ، اعداء العروبة والاسلام اجتثاث فكره (لاسامح الله) فلن يبقى لحزبنا أي وجود . فمالاحزاب سوى فكر يلتف حوله الناس اعضاءا وانصار. وحتى على مستوى الافراد فهل يمكن للمرء ان يعيش بدون فكر . واذا ما استطاع .. فهل هو ذاك انسان من يحيى بدونه ؟!



ولهذا فقد دأب العدو الصليبي والصهيوني والصفوي على شيطنة فكر البعث وتشويه صورته وقلب الحقائق لتضليل الاخرين . محاولات الاجتثاث والشيطنة يمكن إن نقسمها إلى ثلاثة انواع بناءا على مصدرها . فالاولى كانت من قبل نظام الدجل والشعوذة في ايران والثانية كانت من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيونية المسخ والثالثة وهي الاهم والاخر كونها جاءت من قبل بعض ابناء جلدتنا للاسف الشديد . حيث اتخذت مسار وادوات اهم بكثير من سابقاتها فلم تكن مجرد تشويه وشيطنة لفكر البعث انما شيطنة وتشويه للفكر القومي العروبي عموما . معتمدين على فتاوى تفصل العروبة عن الاسلام . هذا النوع من محاولات اجتثاث وشيطنة الفكر القومي العروبي عامة والبعثي خاصة لم تسيئ للبعث والعروبيين فحسب بل اساءت ايضا للعروبة والاسلام .



فتاوى تكفير البعث استندت إلى ثلاثة ركائز مهمة . الاولى تناولت مفهوم الحزب والحزبية والتحزب ، والثانية تناولت فكر البعث ونظرته للاسلام و القومية والاشتراكية واما الثالثة فقد تناولت حكم البعث.



اولا : مفهوم الحزب والحزبية والتحزب :



أ‌- مفهوم الحزب عند البعض :

كثيرا ما تحدث اصحاب الفتاوى التكفيرية على إن وجود الاحزاب بحد ذاته هي مخالفة لما جاء في كتاب الله القران الكريم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . فبنظرهم فان قيام الحياة الحزبية في الامة سيؤدي إلى تفرق الامة وفتنتها وابتعادها عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . كما بينوا إن قيام الاحزاب ستؤدي إلى التحزب الخاص والعمل على مصلحة الحزب فقط دون مصلحة الامة . وان حكمت تلك الاحزاب فستحكم بهوى ومصالح مؤسسوها ومفكروها وقادتها واعضاءها . وبذلك يكون حكمها بغير ما انزل الله عزوجل .



كما استند اصحاب الفتاوى التكفيرية بعدم جواز قيام المسلمين بالاحزاب بان للامة حزب واحد لاغير وهو حزب الله عزوجل وانهم هم الغالبون ، والمراد بحزب الله هنا هم انصار الله عزوجل المؤمنين به قولا وعملا . قال تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) المائدة 56.



وحقيقة فان هذه الحجج ، حجج صحيحة وواقعية ولكن وبنفس الوقت قد تنطبق على كثير من الاحزاب إلا انها ابعد من إن تنطبق على حزب البعث العربيي الاشتراكي .. ومن اجل التعرف على سبب استثنائنا لحزب البعث يتوجب علينا فهم الاسباب التي ادت إلى ظهور الاحزاب عموما وحزب البعث خصوصا .



ب‌- الحزب بين الواقع والحاجة :

ان تعقد الحياة وتنوع اشكالها وتراكم مشاكلها كانت السبب وراء ظهور الاحزاب .. فحينما تواجه الامم محنة كبيرة تأخذ طابعا زمنيا مستمرا كالاستعمار او التخلف او الظلم او الفقر ...الخ ؛ سرعان ما تظهر لنا طليعة من الامة تأخذ على عاتقها مواجهة تلك المحنة ؛ فتبدء بدراسة الواقع واساس المشكلة. فأن كان معرفة السؤال نصف الجواب فهنا تمثل معرفة المشكلة وابعادها واساسها ونتائجها الاولية والعرضية .. نصف الحل .. فكل جماعة من طليعة الامة او الشعب ستكون لها رأيا خاصا بها حسب قناعات اعضاءها وواقعهم الخاص . وهكذا سنجد مشكلة واحدة ولكن وبالوقت نفسه سنجد عدة حلول وافكار غالبا ما تؤدي إلى نشوء العديد من الاحزاب ولكل واحد منهم طريقته الخاصة في التعامل مع تلك المشكلة . ولذا فان الاحزاب في جوهرها ما هي إلا فكر يلتف حوله الناس اعضاءا وانصار ثم يكون له تنظيما خاصا به وقيادة وبرنامج عمل وقانون داخلي . إلا انه وفي الوقت نفسه الذي تعاني منه الامة من واقعها العسير وظرفها المرير ستزيدها بعض هذه الاحزاب مشاكل ومرارة . حيث ستتجار بعض تلك الاحزاب بقضايا شعوبها وامتها فتحول الوسيلة الى غاية، ناكرة بذلك كل شعاراتها البراقة ومتملصة من وعدها السخية.



ورب سائلا يسال فيقول : وإن كانت الاحزاب نتاج الواقع الانساني ونتاج حاجة الانسان للتغلب على مشاكله ، إلا إن ذك لايعطي ولا يظفي على الاحزاب أي صبغة شرعية اسلامية ؟ فاين هي شرعية حزب البعث ؟



ت‌- شرعية الاحزب:

إن شرعية قيام الاحزاب هي إن تعمل وفق القواعد والشرائع التي انزلها الله عزوجل لعباده . وعقيدة الولاء والبراء في جوهرها إن يكون العمل لله عزوجل ولرسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومن اجل نصرة دينه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أوثق عرى الإيمان هو المولاة في الله
والمعادة في الله والحب في الله والبغض في الله ) صحيح البخاري .



وبالتالي فما المانع في قيام الاحزاب لو جاءت متوافقة مع كتاب الله وسنة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم . ما المانع من قيام حزب البعث . إن كان يوالي الله سبحانه وتعالى ويوالي رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فكرا وموقفا ونهجا ؟!!



ولهذا فان البعث يستمد شرعيته من لب وجوهر رسالة العرب الكبرى ومن لب وجوهر وفحوى ومضمون ديننا الاسلامي الحنيف.



ث‌- شرعية حزب البعث :

لقد نشأ حزب البعث في ثلاثينيات واربعينيات القرن المنصرم حين كان واقع الامة العربية الاسلامية في غاية الضعف والوهن والتخلف تتجه فيه امتنا يوما بعد اخر إلى مزيد من المشاكل والابتلاءات حتى عم الكفر والاشراك والتخلف والفساد والجور والظلم والعدوان والاستغلال شتى ارجاءها .



فمنذو غزو هولاكو لبغداد الرشيد عاصمة الخلافة الاسلامية سنة 1258م لم يحظى العرب والمسلمون بدولة ذات سيادة وحصانة وتحضر وازدهار وعدل. ورغم طيلة تلك الفترة لم تقام دولة شاملة لكافة ارجاء امتنا العربية الاسلامية او حتى لجزء كبير منها بل جاءت متقطعة هنا وهناك . فلم تستطيع الدولة العثمانية من ملئ فراغ العرب المسلمين . بل إنها لم تستطيع الحفاظ على منجزات الدولة العربية الاسلامية بل كانت السبب وراء سقوط اجزاء واسعة من امتنا الاسلامية العربية تحت نير الاحتلال البرطاني والفرنسي والايطالي فحمل البعض الاسلام ما ليس له ، واعتبره السبب وراء تخلف العرب وتمزق امتهم .. !!!



هكذا اصبح حال امتنا رهن بايدي اعداءها من صليبيين وصهاينة وصفويين فتداعت عليها الامم كما كما تتداعي الأكلة إلى قصعتها. وكانت النتيجة إن تخلت الامة عن حمل رسالتها الخالدة الخاتمة رسالة العرب الكبرى رسالة الاسلام الحنيف فعم العالم باسره الكفر بدل الايمان وعم الظلم والجور بدل العدل والحق والانصاف .



ففي الظروف التي كانت فيها ثقة الأمة بأفرادها وقادتها قد تزعزعت وأوشكت ان تنهار، فالقيادة القديمة التي أولاها الشعب ثقته في بدء مرحلة النضال السلبي عجزت عن مجاراة الشعب في نضاله وأخذت تساوم الأجنبي على إنهاء هذا النضال وافتتحت عهد السياسة الإيجابية قبل الأوان واستطاعت ان تقيم الدليل بأقصر مدة ممكنة على نفعيتها وانتهازيتها وضعف كفاءتها.1 . ظهر البعث العربي ليعلاج مشاكل الامة وليحقق لها نهضتها .



ج‌- فكر حزب البعث العربي الاشتراكي :

حزب البعث العربي انفرد من بين كل احزاب الامة العربية والاسلامية برؤيته الفكرية وبتطلعاته واماله وخططه وبرامجه . فعلى العكس من الكثير من الاحزاب والقوى والشخصيات القومية و الاسلامية نهل البعث من الاسلام منهل كبير فكان الوحيد الذي جمع بين العروبة والاسلامية بهذا القدر وبهذه المسؤولية وبهذا الوعي والشمولية . حتى فاق في استناده للاسلام الحنيف وفي رؤيته لسبل نهوض الامة تلك الاحزاب التي كانت تدعي وتسمي نفسها اسلامية. فحزب البعث العربي الاشتراكي هو حزب رسالة العرب الكبرى.. حزب الرسالة الخالدة الخاتمة ، رسالة الاسلام الحنيف . ففضلا عن تمسك البعث واستناد فكره إلى الاسلام والى الايمان فقد بنى البعث نظرته للقومية العربية وللاشتراكية ولبقية جوانب الحياة على هذا الاساس ايضا على اساس الاسلام الحنيف .



1- البعث والاسلام الحنيف :

حزب البعث العربي الاشتراكي كان الحزب الوحيد الذي انفرد بربط فكره القومي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي بالاسلام الحنيف وبنظرة حديثة مفعمة بالحياة والتجدد ومفعمة بروح التحدي والثورة على واقع الامة المرير ليحقق لها نهضتها التاريخية فتستعيد دورها الحضاري والمحوري في العالم . ولتتحمل مسؤوليتها وتقوم بامانتها التي اتمنها الله عزوجل عليها على اكمل وجه فتحمل من جديد لواء الاسلام رسالته الحضارية العظيمة إلى سائر بقاع المعمورة .



ولهذا فقد اعتبر مؤسس البعث احمد ميشيل عفلق رحمه الله واسكنه فسيح جناته سر ديمومة البعث نابعة من الاسلام الحنيف ، فيقول رحمه الله في كلمة القاها أثناء حفل تقلده وسام المؤرخ العربي من قبل اتحاد المؤرخين العرب في 23/ 8 / 1987 بهذا الصدد مايلي :



(( تعرفون بان حزبكم , هذه الحركة القومية ، حركة البعث العربي الاشتراكي انطلقت من مصدر أساسي من نبع أساسي من نبع روحي هو الإسلام العظيم ، الذي أضاء لنا الطريق ، ولقد حمل هذا الحزب منذ بدايته البسيطة المتواضعة هذا القبس الروحي ، هذه النفحة التي ميزته وطبعته إلى زمن طويل ومستقبل بعيد, وهذا هو سر تجدد حيوية هذا الحزب ، وحزب البعث لا يمكن أن يفهم ألا أذا أدركت هذه الناحية , وإلا إذا اعتبرت أساسية ، بل الأساس الأول لانطلاقته ولتصوره للقضية القومية وتاريخها ودورها ومستقبلها ، وفي البعث اقترنت العروبة بالإسلام اقترانا مصيريا..))2



في معرض اجابته على اسئلة صحيفة الجمهورية في 27/4/1980، يقول مؤسس البعث رحمه الله :

(( س / ونظرة الحزب إلى الإسلام، كيف كانت منذ البداية؟

ج / نظرة الحزب إلى الإسلام هي هذه: انه حي في هذا العصر أكثر من أي شيء آخر، عصري، ومستقبلي أيضا، لأنه خالد يعبر عن حقائق أساسية خالدة، لكن المهم هو الاتصال بهذه الحقائق لكي تؤثر وتكون فاعلة ومبدعة. فكان رأي الحزب نتيجة التفكير ونتيجة المعاناة معا، ان هذا الاتصال لا يكون بالنقل الحرفي، ولا بالتقليد وإنما بان تكتشف هذه الحقائق من جديد، من خلال ثقافة العصر ومن خلال الثورة والنضال .. )) . 3



2- نظرة البعث إلى الالحاد :

((س / إذن الحزب لم يكن مع الإلحاد؟

ج / أبدا.. هذه كتاباتنا، على قلتها، ومنذ "ذكرى الرسول العربي" عام 1943 وقبل ذلك، أقول في ذكرى الرسول العربي -واعتقد في الصفحة الثانية- "يجب أن تتحد الصلاة مع العقل النير مع الساعد المفتول، لتؤدي كلها إلى العمل العفوي الطلق الغني القوى المحكم الصائب"، فهذه قناعاتي الفكرية العميقة، بان الفكر النير وحده لا يكفي بل لابد أن يتحد مع الصلاة ومع الساعد المفتول (تعبير عن الشجاعة، عن حيوية الإنسان وإرادته). قبل ذلك، ماذا أقول في ذكرى الرسول العربي.. قلت "نحن أمام حقيقة راهنة هي الانقطاع بل التناقض بين ماضينا المجيد وحاضرنا المعيب. كانت الشخصية العربية كلا موحدا، لا فرق بين روحها وفكرها، بين عملها وقولها، بين أخلاقها الخاصة وأخلاقها العامة، وكانت الحياة العربية تامة، ريانة، مترعة يتضافر فيها الفكر والروح والعمل وكل الغرائز القوية، أما نحن، فلا نعرف غير الشخصية المنقسمة المجزأة، ولا نعرف إلا حياة فقيرة جزئية، إذا أهلها العقل فان الروح تجفوها، وان داخلتها العاطفة فالفكر ينبو عنها: إما فكرية جديبة، أو عملية هوجاء، فهي أبدا محرومة من بعض القوى الجوهرية، وقد آن لنا أن نزيل هذا التناقض فنعيد للشخصية العربية وحدتها، وللحياة العربية تمامها.. )) . 4



ويقول مؤسس البعث رحمه الله في حديث اخر في آذار 1956:

(( ... ونحن لا نرضى عن الالحاد، ولا نشجع الالحاد، ونعتبره موقفا زائفا في الحياة، موقفا باطلا وضارا وكاذبا. اذ ان الحياة معناها الايمان، والملحد كاذب: انه يقول شيئا ويعتقد شيئا آخر... انه مؤمن بشيء... مؤمن ببعض القيم. ولكننا ننظر للالحاد كظاهرة مرضية يجب ان تعرف أسبابها لتداوى، ولا ننظر اليه كشر يجب ان يعاقب لان ذلك لا يخفف الالحاد بل يزيده، فعندما نبحث عن الاسباب، نستطيع ان نزيل الالحاد .. )) . 5



3- البعث والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم :

يقول مؤسس البعث رحمه الله في خطاب القاه على مدرج الجامعة السورية في 5 نيسان عام 1943:-

(( ان حياة الرسول وهي ممثلة للنفس العربية في حقيقتها المطلقة لا يمكن ان تعرف بالذهن، بل بالتجربة الحية لذلك لا يمكن ان تكون هذه المعرفة بدءا بل هي نتيجة. فالعرب منذ ضمور الحيوية فيهم، اي منذ مئات السنين يقرأون السيرة ويترنمون بها ولكنهم لا يفهمونها لان فهمها يتطلب درجة من غليان النفس قصوى، وحدا من عمق الشعور وصدقه لم يتوفر لهم بعد، وموقفا وجوديا يضع الانسان امام قدره وجهاً لوجه، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك. )).



ويردف قائلا رحمه الله :

(( حتى الآن كان ينظر الى حياة الرسول من الخارج كصورة رائعة وجدت لنعجب بها ونقدسها، فعلينا ان نبدأ بالنظر اليها من الداخل، لنحياها. كل عربي في الوقت الحاضر يستطيع ان يحيا حياة الرسول العربي، ولو بنسبة الحصاة الى الجبل والقطرة الى البحر. طبيعي ان يعجز اي رجل مهما بلغت عظمته ان يعمل ما عمل محمد. ولكن من الطبيعي ايضاً ان يستطيع اي رجل مهما ضاقت قدرته ان يكون مصغراً ضئيلا لمحمد، ما دام ينتمي الى الأمة التي حشدت كل قواها فأنجبت محمدا، او بالاحرى ما دام هذا الرجل فردا من افراد الامة التي حشد محمد كل قواه فأنجبها. في وقت مضى تلخصت في رجل واحد حياة امته كلها، واليوم يجب ان تصبح كل حياة هذه الامة في نهضتها الجديدة تفصيلاً لحياة رجلها العظيم. كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمدا.)) .6



4- البعث والمسلمون الاوائل :

يقول مؤسس البعث رحمه الله في آذار 1956 بهذا الصدد مايلي :

(( إنكم بلا شك تعرفون بعض الأشياء الأولية عن الإسلام، وارجوا ان تكونوا عارفين لكل الأشياء. أول ما تعرفونه عن الإسلام ان هذه الحركة التي نادى بها فرد واحد في البدء، وآمن بدعوته افراد قلائل، واحدا بعد الآخر، وافراد أكثرهم ضعفاء بالنسبة إلى مجتمعهم، وانهم جاهروا بهذه الدعوة وتحملوا الأذى والضغط وتحملوا الشيء الكثير مدة لا تقل عن ثلاث عشرة سنة في مكة حتى الهجرة، وبعد الهجرة ينتقل الإسلام إلى دور من القوة النسبية: إذ لم يعد المسلمون تلك الفئة المحصورة في بحر من الأعداء، بل كونوا لأنفسهم جماعة كلها مؤمنة.



فهل يحق لمن لم يعرف الاضطهاد، ولمن لم يرض ان يكون من الفئة القليلة المجاهرة بالحق في وجه الفئة الكبيرة الضالة.. هل يحق له ان يتكلم باسم الإسلام وان يعتبر الإسلام ملكه الخاص ؟... وانه هو المدافع عنه ؟ ..



انا لا اعتقد ذلك، لا اعتقد ان ذاك الحق يمكن ان يعطى فعلا الا للمضطهدين.. الا لذوي المبدأ والشجاعة الذين يجاهرون بعقيدة يؤمنون بها ويرون فيها الخير للمجموع، وان كان اكثرية الناس حولهم وجملة الاوضاع المحيطة بهم هي ضدهم، تؤذيهم، وتضغط عليهم، وتكافحهم. هؤلاء لهم الحق لان المبادئ والدعوات سواء أكانت دينية او اجتماعية او قومية او فكرية.. المبادئ والدعوات معيارها العمل وليس معيارها الكلام، فالكلام لا يكلف شيئا. الكلام سهل سواء أكان شفهيا او مكتوبا، لا يكلف اكثر من الجهد اللازم لكي نتفوه بهذا الكلام او نكتبه على الورق.



ولكن قيمة المبادئ هي عندما تمتحن بالعمل. فاذا قبلنا بهذا المقياس تنقشع من على اعيننا غشاوات كثيرة، ونكتشف زيفا كثيرا وتضليلا كثيرا او جهلا وغرورا عند الذين يتوهمون ويدعون بانهم انصار المبادئ ودعاة المبادئ، ولكنهم لم يختاروا الطريق الصعب بل اختاروا السهولة والسير مع التيار الناجح، وان يكونوا مؤيدين ومدعومين بكل ما في المجتمع من وسائل الراحة والحماية، وان لا تهدد راحتهم او مصالحهم او كبرياؤهم بأي أذى.. نكتشف بان هؤلاء ليسوا هم اجدر من يدعي الدفاع عن المبادئ او الانتصار لها .)) .7



7- البعث وثورة الاسلام العظيمة :

يصف مؤسس البعث رحمه الله واسكنه فسيح جناته في 5 نيسان عام 194 ، ظهور الاسلام الحنيف بانه ثورة على الواقع الفاسد :



(( هل يفكر الشباب ان الإسلام عند ظهوره هو حركة ثورية، ثائرة على أشياء كانت موجودة: معتقدات وتقاليد.. ومصالح؟.. وبالتالي هل يفكرون بأنه لا يفهم الإسلام حق الفهم الا الثوريون؟. وهذا شيء طبيعي لان حالة الثورة هي حالة واحدة لا تتجزأ، وهي حالة خالدة لا تتبدل، فالثورة قبل ألف سنة وقبل ألفي سنة وقبل خمسة آلاف سنة، والآن وبعد ألوف السنين: الثورة واحدة، لها نفس الشروط النفسية، ولها نفس الشروط الموضوعية أيضا إلى حد كبير. فمن الغريب العجيب، وهذا ما يجدر بكم ان تفكروا فيه وتتأملوه، ان المدافعين الظاهرين عن الإسلام الذين يتظاهرون بالغيرة أكثر من غيرهم وبالدفاع عن الإسلام، هم ابعد العناصر عن الثورة في مرحلتنا الحاضرة، لذلك لا يعقل ان يكونوا فهموا الإسلام. ولذلك من الطبيعي جدا ان يكون اقرب الناس إلى الإسلام فهما وتحسسا وتجاوبا هو الجيل الثوري، الجيل الثائر على القديم الفاسد طبعا. وهذا ما لا نراه، أي ان الجيل الثائر ليس كله ولا اكثره معترفا بهذه الصلة بينه وبين الإسلام، في حين ان الذين يدعون هذه الصلة ويتشبثون بها هم أعداء الثورة، هم ممثلو الاوضاع القديمة التي يجب ان تزول لكي تنهض الامة العربية.)).8



7- البعث لايدعي الكمال :

يقول مؤسس البعث رحمه الله واسكنه فسيح جناته في حديثه مع وفد البعث من لبنان عند زيارته لمقر الحزب في دمشق، نيسان 1955بهذا الصدد مايلي :



(( اياكم والنظرة الجامدة التي لا تفهم سر الحياة وكنه الحياة، فليس من عمل جدي يؤثر في الواقع ويخلق منه واقعا جديدا الا ويكون هذا العمل عملا فيه ما في البحر الواسع المتحرك من شوائب، فاذا اردتم عمل حزبكم تاريخيا فليكن كالبحر لا كالساقية الصافية، فمن السهل أن تكون حركتنا ساقية صافية ولكنها لن تروي أمة ولن تصنع تاريخا. ففي الحزب كثير من النقص، وبين ما تحقق وبين ما نرجو أن يتحقق فارق كبير، ولكننا نستطيع أن نقترب من مثالنا اذا نحن تابعنا السير، اذا ضاعفنا الهمة، لا اذا وقفنا وحولنا حيويتنا الى نقد جامد وتفكير نظري، فالحياة لا تعرف التوقف وتيار الحياة تيار مبارك طاهر مهما تكن الشوائب التي تعلق به . )) .9



8- السياسة عند البعث امتحانا للايمان :

(( نحن حزب سياسي، لا جدال في ذلك، ولكن السياسة وسيلة، وقد أردنا أن نقول منذ البدء لشعبنا وللجيل العربي الجديد اذ عرّفنا حركتنا بأنها حزب سياسي أردنا أن نقول لهم هذا هو الواقع فلا تتلهوا بالخيال ولا تنسحبوا من مواجهة الحقائق القاسية، فالسياسة هي أكثر الأمور جدية في المرحلة الحاضرة. ولكننا اذا قصدنا ان نلح على واقعية نظرتنا في مواجهة الواقع في كل معناه ومواجهة المسؤوليات العملية بكل قسوتها، فليس معنى هذا ان السياسة غايتنا. السياسة هي امتحان لمثاليتنا: هل هي مثالية العاجزين الذين يرصفون الاوهام، أم هي المثالية الحية العملية لمن يريد أن يخلق وان يعمل. لذلك جعلنا السياسة امتحانا للايمان والمثالية، ولكنها لم تكن غاية في حال من الاحوال. حركتنا هي حركة بعث بأوسع ما في هذه الكلمة من معنى -بعث في الروح والفكر والاخلاق والانتاج والبناء وفي كل هذه المؤهلات والكفاءات العملية. )). 10



ملاحظة : يتبع بأذن الله تعالى ، الجزء الثاني عن شرعية الفكري القومي للبعث .





الهوامش :

1- مبرر نشوء البَعث ، كلمة القائد المؤسس في حفلة البعث الانتخابية 20 /حزيران/ 1947 ، نشرت في جريدة البعث العدد 200 و201.

2- نفهم الماضي من خلال تحملنا لمسؤولية الحاضر ، كلمة القائد المؤسس أثناء حفل تقلده وسام المؤرخ العربي من قبل اتحاد المؤرخين العرب في 23/ 8 / 1987.

3- حوار حول الدين والتراث ، أجرته جريدة الجمهورية، ونشر على صفحاتها في 27/4/1980.

4- المصدر نفسه .

5- نظرتنا إلى الدين ، آذار 1956.

6- ذكرى الرسول العربي ،خطاب القائد المؤسس الذي القاه على مدرج الجامعة السورية في 5 نيسان عام 1943.

7- نظرتنا إلى الدين ، آذار 1956.

8- ذكرى الرسول العربي ،خطاب القائد المؤسس الذي القاه على مدرج الجامعة السورية في 5 نيسان عام 1943.

9- نظرتنا الحية للحزب، حديث مؤسس البعث مع وفد البعث من لبنان عند زيارته لمقر الحزب في دمشق، نيسان 1955.

10- المصدر نفسه .

مجتمعات العالم العربي و السلوك الحيواني


حسن عثمان*

لو تفكّرنا قليلاً في نظام حياتنا وسلوكنا اليومي، وأجرينا مقايسة بسيطة مع النظام الحياتي الحيواني، سنكون جداً منصفين وواقعيين إن وصلنا لنتيجة هي : تساوي سلوك الكثير من مجتمعات العالم العربي مع السلوك الحيواني. وطبعاً سنكون جداً متأسفين لهذه النتيجة، لكن تسليط الضوء عليها والإشارة لها ضرورة ملحّة لتدارك ما وصلنا إليه من الوضع المذري الذي نعيشه. وإن كان العقل هو ما يميز الكائن البشري عن الكائن الحيواني، فيمكننا القول بكل بساطة بتدني نسبة عالية جداً من أفراد مجتمعات العالم العربي لدرجة الحيوان في حال عدم الاستفادة من عقولهم بما يتناسب مع التطور ودرجة الرقي والتعقيد الخلقي الممنوح لها. لقد أصبح من المعروف والمسلّم به في الغالب أنّ مجتمعات العالم العربي، هي الأقل استخداماً لعقلها استخداماً يميزها عن المجتمعات الحيوانية. والآن وبغض النظر عن السبب الموجب لذلك سواء أكان مرتبطاً بالدرجة الأولى بحكومات هذه المجتمعات وسياساتها (( الديمقراطية )) أو مرتبطاً بالحصار والغطاء الديني المفروض على متبعيه من قبل ما يُسمى علماء و رجال الدين، هل يمكننا أن نقول أننا أصبحنا ننتمي للمجتمعات الحيوانية ؟.

إن كان التفكير واستخدام العقل هو لتأمين الغذاء والمسكن فقط، واللذان يهدفان في النهاية لحماية النوع لا لا غير، فنكون هنا قد تساوينا مع الكائن الحيواني من حيث تأمين هذه المتطلبات، لكن هنا يكون قد تفوق علينا الكائن الحيواني باعتباره قد سخّر كل ما لديه من إمكانات فيزيولوجية وجسمانية متاحة له. في حين أنّ الإنسان أهمل ما أُعطي له ( العقل) والذي من المفروض عليه أن يعمل وفقاً لدرجة التطور الممنوحة له. بصيغة أخرى يمكننا القول أنّ الإنسان في هذه المجتمعات لم يعد يرتقي، أو لم يعد يعمل أكثر مما يقوم به الحيوان. فالغذاء والشراب، والترفيه كذلك هو ما يقوم به الحيوان يومياً. وهذا الحد النهائي الذي يمكنه انجازه وفقاً للإمكانيات الخلقية الممنوحة له. إذاً هنالك مشكلة لدينا ولا يمكن من حيث المنطق أن تكون هذه المشكلة مرتبطة بالحيوان. وببداهة نقول أن المشكلة هي في إنسان هذه المجتمعات مهما كان موقعه الإجتماعي.

وحتى إن حاولنا المقايسة من حيث نمط وأسلوب جمع الغذاء وتنظيم المجتمع على هذا الأساس سنرى أنّ هناك بعض المجتمعات الحيوانية تتفوق علينا بذلك، ونأخذ مثالاً على ذلك النظام الحياتي لحشرات النحل والنمل. إذاً يمكننا في بعض الأوقات وللأسف أن نقول أننا وصلنا إلى ما دون درجة الكائنات الحيوانية من ناحية الرقي.

أعتقد لو أنّ الخالق أراد من الكائن البشري أن تكون حياته بشكل مجتمعات العالم العربي (غذاء، نوم، تكاثر) لكان خصّه بنظام معين أفضل من الذي يعيشه الآن، ولساواه مع مجتمع النمل والنحل بالحد الأدنى على سبيل المثال. أو أنه لو أراد أن يكون التفكير محصوراً ببعض البشر سواء أكانوا حكومات مدنية أو دينية لنزع الخالق عقول البقية الباقية من البشر. و إن كان الكثير من حكّام دول العالم العربي يعتقد ( الدينيين والمدنيين) أنّ الحياة البشرية تنحصر في تأمين الغذاء والمسكن ( والذين غير متوفرين.. حتى.. ) فقد أخطأوا كثيراً. وإن ظنّوا أنّ الحياة البشرية متوقفة على وجودهم أيضاً قد أخطأوا. وإن وجدوا أنّ العقل البشري يتوقف عند حدود تفكيرهم فهم مخطئين ومبالغين في الخطأ أيضاً. إذ لا يمكننا ككائنات بشرية باعتبارها من أرقى كائنات الطبيعة أن نتوقف عن التفكير عند حدود الغذاء والمسكن. كما أنه لا يجب أن نستسلم لظروف الحياة ( تسلط سياسي، ديني ) التي نعيشها و أن تشغلنا عن التفكير للوصول للإبداع والحياة الجميلة المنتجة بكل تفاصيلها، والتي تتناسب بالدرجة الأولى معنا كأناس لنا صفة المجتمعات لا التجمعات.

لنبحث عن ما يميزنا وما نتميز به عن سوانا. ماذا سنجد..؟ للأسف لن نجد غير البلادة الذهنية، التي جعلت الجهل لباسنا، وأصبحنا مسبحة عناوين أحجارها التخلف، تدحرجنا يد المجتمعات الغربية، وحتى المجتمعات الأبعد منا في شرقيتها. لن أقول بأنّ لنا تاريخ كذا، وحضارة كذا وو... ولكن يمكننا القول أننا كائنات بشرية يحق لها كما لغيرها أن تتجه وتُحرّر فكرها باتجاه الإبداع، باتجاه ما يناسبنا كبشر عقلاء وهو ما يبعدنا عن دائرة التجمعات الحيوانية، التي استغلت كل ما تملكه من تطور دماغي، و جسماني لديها.

لقد وجِدَ ما في الطبيعة لنستفيد منه ونسخره لخدمتنا من حيوان، نبات ....الخ، ولكن إذا نظرنا إلى أنفسنا ومجتمعاتنا سنجد أننا (وللأسف أقول) أننا أصبحنا وإن لم نقول كائنات حيوانية، نقول كائنات بشرية من الدرجة الثانية، نعمل لخدمة مجتمعات أخرى. أي مُسخرين بصورة مباشرة وغير مباشرة لخدمة شعوب أخرى سواء خدمة روحية (أنفسنا وثقافتنا) أو خدمة مادية (ما نملكه من ثروات في بلادنا). على الرغم من أنّ هذه الشعوب في تلك المجتمعات لا تمتاز عنا إذا نظرنا إليها إلا بأنها شعوب مجرّدة من النزاعات والنزعات الطائفية والمذهبية والقبلية فيما بينها بشكل عام. وإن لاءها بالدرجة الأولى لبلادها ومجتمعها، وشعوبها استخدمت الدين بما يتناسب ويصب في خدمة راحتها النفسية، ولم تلبسه قبعة لا يمكن نزعها، ولا يمكن التفكير بما يتجاوزها، شعوب آمنت بنفسها ككائنات اجتماعية عاقلة يحق لها أن تستمتع بمقتنيات الطبيعة بما يتناسب والتطور الفكري والعقلي الذي تمتلكه. في حين بالمقابل تتفوق في مجتمعنا النزعة الفردية على روح الجماعة والمجتمع.

كما أريد الإشارة إلى تشابه آخر في سلوكنا مع الكائن الحيواني. فلقد أظهر الخالق الكائنات الحيوانية أصناف وأنواع بناء على اختلاف أشكالها وألوانها وبنيتها الجسمية والفسيولوجية .... في حين أنه ميّز البشر بخلق واحد وطبيعة واحدة وفسيولوجية واحدة، إلا أنّ مجتمعاتنا أبت إلا أن تنحدر رقيّاً لتشكل من أفرادها قطعاناً بشرية، تجهد في تصنيفها وتبويبها عرقياً و دينياً ( طائفياً ومذهبياً ) وعشائرياً و و و ....أيضاً يمكننا أن نضيف هذه السمة في مجتمعاتنا إلى السلوك الحيواني علماً أنها صفة غير إرادية عند الحيوان، في حين أنها صفة إرادية عند إنسان العالم العربي. وهي أن دلت على شيء إنما تدل على الانحطاط العقلي والفكري، والتخلف في طريقة منهج التفكير في تنظيم المجتمع المدّعى لديهم. و هي من أهم الأسباب التي تفقد المجتمعات هيبتها وتغرقها في غياهب وظلمات التخلف والتشتت.

لا أريد أن يُفهم من كلامنا السابق مدحاً بالغرب و ذماً لمجتمعاتنا التعيسة. ولا أطالب ولا أريد أبداً قانوناً أو شرعاً أو تخطيطاً غربياً لنهضة مجتمعاتنا. ولكن كل ما نتمناه ونسعى له هو الاستيقاظ من خمولنا ومن إدماننا القبلي، التبعي، و الخروج من النظام القطيعي الغنمي الذي يسيطر علينا، والنهوض من حالة انتظار العصا الملوحة من أحدنا لتشير لنا بالاتجاه هنا وهنا وهنا ..!!؟

ألم يحن الوقت لنسأم هذه العصا، ونمل روتين الأيام التي نعيشها روتين الأكل والنوم ؟.

ألم يحن الوقت لنتقيأ روتين الصحف والمجلات، روتين التلفاز والمذياع ؟.

ألم نضجر بعد الرسوم والموز والتفاح .... والأثاث والسيارات ؟.

كم سخيفة هذه الحياة التي نقضيها بحثاً عن الطعام و إشباع الشهوات.

كم تافهة هذه الحياة التي نقضيها جرياً أمام الملوك والأمراء.

كم تافهة هذه الحياة التي نغادرها بدون أختام... بدون تاريخ رنّان .... ومن دون مجد نورثه للأبناء والأحفاد.

هل يا ترى اعتدنا التلويح بالعصا، و لون واحد للعصا؟ أرجو أن يكون لا ......

هل البترول أحد نتائج الطوفان؟


بسم الله الرحمن الرحيم
طوَفان في الطوفان
لم ينل الطوفان الدراسة الكافية لأسبابه، وأحداثه، ونتائجه؛
وقادني البحث في بلع الأرض لمياه الطوفان هذه الدراسة قبل أكثر من عشرين عامًا
وكتبتها قبل الحرب على العراق في عام 1991م .
ولخصتها في هذه الأبواب:
- لماذا ارتبط الطوفان باسم نوح عليه السلام؟
- كيف كان حالة الأرض قبل الطوفان؟
- كيف تم الاستعداد للحدث العظيم؟
- دلائل أسماء الآلة التي نجا عليها نوح عليه السلام والمؤمنون
- كيف بدأ الطوفان..؟
- كيف انتهى الطوفان..؟
- كيف بلعت الأرض ماءها ؟
- وكيف أقلعت السماء.
- وكيف حافظت الأرض على حجمها بعد أن هدأ التنور؟
- ما بعد الطوفان (1) تغيير مناخ الأرض
- ما بعد الطوفان (2) بدو وحضر
- ما بعد الطوفان (3) تكون البترول
- جدول بالتغييرات ما بعد الطوفان.
قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت.
نوح هو بمنزلة الأب الثاني للبشرية بعد آدم عليهما السلام، وجاء اسمه من التناوح؛ أي التقابل؛ يقال للجبلين إذا تقابلا يتناوحان، وشجرتان تتناوحان، وليس بعد التقابل من تلاقي.
ولقد قابل نوح عليه السلام بإيمانه ورسالته كفر قومه وشركهم ألف سنة إلا خمسين عاما؛ فكان اسما على مسمى، وهو أول الرسل أولوا العزم.
نوح عليه السلام هو النبي الوحيد الذي صرح بعمره في القرآن الكريم.
وكان عمرا طويلا.. بل صراعا طويلا.. بين الإيمان والكفر، كان عليه السلام جادا في دعوتهم.. بكل ترغيب وترهيب.. بكل ما أوتى من أساليب.. وعلى الرغم من مضي السنين وامتداد العمر.. حتى قال له قومه: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) هود.
وقال له تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) هود.
ويرفع نوح عليه السلام تقريرًا إلى الله عز وجل عن المهمة التي وكل بها مئات السنين، شملت معظم السورة المسماة باسمه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14).... إلى أن يختم تقريره...).
(وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) نوح.
وليس بمستغرب أن تجعل كل آيات سورة نوح عليه السلام عن مسيرته في الدعوة من البداية إلى النهاية، فاسمه دال على طول التناوح مع قومه.
يكشف هذا التقرير الحكمة من إطالة الله سبحانه وتعالى عمر نوح عليه السلام..
إطالة لم تتحقق لغيره من البشر..
تقرير فيه الحكم من بشر على بشر ..
مشفوع بخبرة المئات من السنين تحققت لفرد واحد من البشر..
حكم يتعلق بعبودية العباد لرب العباد، التي من أجلها خلق الإنسان وأوجده على هذه الأرض..
قال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) النساء ..
فيه بيان لما يصلح البشر..
أيصلحهم إغداق الخيرات عليهم؟ أم يصلحهم الفقر والحرمان؟
أيصلحهم الاستقرار؟ أم يصلحهم التنقل والترحال؟
لقد كان في قول نوح عليه السلام: (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) مفتاحا للشيء الكثير.. حديث طويل.. ولبيان ذلك لابد من دراسة ما حدث في الطوفان الأحوال التي سبقته، وما حدث بعده، دراسة مستوفيه للحدث.

تحصين الجولان والاستيطان وتجميد التسوية والمفاوضات


ماجد عزام*



تحضين الجولان , هكذا يصف متطرفوا اليمين , القانون الذي أقرته الكنيست , بالقراءة الأولى الأسبوع الماضي , والذي يمنع أي انسحاب إسرائيل , من مناطق تم ضمها بشكل رسمي من قبل الدولة العبرية،-مقصود بالطبع الجولان و القدس-، الا عبر استفتاء شعبى وأغلبية ملموسة ، 51% او موافقة 80 نائب فاكثر من الكنيست , أو الذهاب إلى انتخابات عامة , في غضون 180 يوماً , من توقيع أي اتفاق سلام , يتضمن انسحاباً من المناطق السالفة الذكر.



في نفس الأسبوع , أقرت الحكومة الإسرائيلية , خطة دعم المناطق ذات الأولوية الوطنية , التي ضمن 91 مستوطنة , اكثر من نصفها , تقع شرق الجدار الفاصل , فى عمق الضفة الغربية , وتزعم إسرائيل , أنه سيتم التخلى عنها او تفكيكها , في أي تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين.




إذا ما وضعنا القانون إلى جانب الخطة , وتمعنا جيدا , نرى مشهدا , يعبر بدقة , عن الواقع السياسي، والحزبى الانى في إسرائيل , كما عن حقيقة نوايا وتوجهات حكومة نتنن اليمينية , عموما يمكن شرح أو توضيح المشهد بابعاده وخلفياته على النحو التالي:



- يؤكد مشروع القانون فى الشكل ,مدى الفوضى والعشوائية , التي تعصف بالدولة العبرية من الجانب التشريعي الدستوري , الدولة التي تفتقد إلى دستور ، والتي تعاني منذ تاسيسها , من نظام سياسي وحزبي غير مستقر , عاجزة نتيجة اسباب عدة , ذاتية وموضوعية عن , إصلاح الأمر , تسيبى لفنى مثلا , عبرت بدقة بدقة , عن هذا الواقع بقولها ", في دولة ديموقراطية , ينتخب الشعب الحكومة , للبت فى المشاكل وحلها وليس لاعادة مسوؤلية الحسم والقرار اليه مرة اخرى " هذا يذكرنا أيضاً بالعبارة الشهيرة للمستشار القانوني للحكومة مينى مزوز" فى دولة تسوية شخص مثل ليبرمان ما كان ليصبح وزيراً" والتى نجد تاكيدا عليها فى المشروع السالف الذكر.



- القانون يفضح كذلك , الواقع المزرى والبائس , لحزب العمل، صوت زعيم الحزب أهود باراك وثلاثة آخرين من نوابه مع القانون , بينما وقفت الغالبية ضده , ان برفع الايدى او-بالارجل- عبر التغيب المتعمد لبعضهم عن الجلسة , هذا جرى , رغم أن باراك نفسه , كان قد وصف القانون , قبل التصويت بساعات , بالاشكالى , لاحتوائه على ثغرات دستورية وقانونية , يتعلق بكيفية صنع القرار السياسي , ناهيك عن انه يعطى الانطباع للعالم , , بعدم جدية إسرائيل , فى السلام مع الفلسطينيين , والسوريين على حد سواء. -والأهم فى القانون طبعا , , يتمثل بمغزاه السياسي والاستراتيجي , إسرائيل تفتقد الى الإرادة السياسية , أو الجدية اللازمة , للتوصل إلى اتفاق سلام , مع السلطة الفلسطينية , أو مع الحكومة السورية , تجاه هذه الأخيرة , لا تقدم الحكومة الحالية اكثر , من العادلة اليمينية التقليدية والمتطرفة , سلام مقابل سلام , دون الحديث , عن اى انسحاب من هضبة الجولان , أما تجاه الفلسطينيين , فالمعادلة أكثر وضوحا ربما , تسوية دون القدس ودون حق العودة للاجئين , مع اقتطاع نصف الضفة الغربية , للكتل الاستيطانية والجدار الفاصل والمناطق الامنية-غور الاردن- وما يتبقى ليس اكثر من, حكم ذاتي بلدى موسع، يمكن غض النظر عن تسميته دولة , هي في الحقيقة مزحة , كما قال أحمد قريع للتلفزيون الفلسطينى الاربعاء الماضى-9كانون اول- أو دولة ميكى ماوس , حسب التعبير الشائع لرئيس الوزراء الفلسطينى السيد سلام فياض .



- خطة المناطق ذات الأولوية القومية , تساهم بنصيبها ايضا , كشف أو فضح المواقع السياسي والحزبي فى اسرائيل الان , وهي تؤكد في المبدا على أن هذه الحكومة هي حكومة المستوطنين بامتياز-استبدلوا الكيبوتسات فى قيادة الدولة- والحكومة الاكثر يمينية في تاريخ الدولة العبرية , وانها في الحقيقة , حكومة الليكود- إسرائيل بيتهم- وشاس- بينما لا يمثل حزب العمل , سوى ورقة التوت , او قناع تجميل , وجه الحكومة البشع والبغيض , للعالم , هنا أيضاً تذبذب اهود باراك كعادته فقد وضعت وزارته الخطة , التي وافق شخصياً عليها , ولكنه صوّت ضدها في مجلس الوزراء , وهو الموقف , الذي اثار استغراب نتن ياهو , ولم يجد له تفسيرا حسب زعمه .





- تفضح الخطة كذلك , قرار التقليص , أو الكبح المؤقت للاستيطان , الذي أقرته الحكومة الذي أقرته الحكومة نفسها منذ أسبوعين , الوهمى , والخالي من أي مضمون , والذى سيزيد عدد المستوطنين , خلاله بمقدار عشرة الاف على اقل تقدير , حسب اعتراف الوزير بينى بيغن , ما يؤكد حقيقة , انه هدف فى الاساس , ليس الى تجميد الاستيطان وانما إلى خداع العالم , وتخفيف الضغوط والعزلة الدولية المتزايدة ضد الدولة العبرية.





- غير أن أخطر , ما في الخطة , كونها تتضمن 91 مستوطنة , نصفها تقريباً تقع شرق الجدل الفاصل , وفى عمق الضفة الغربية , وتزعم إسرائيل أنه سيتم تفكيكها في أي تسوية مستقبلية مع الفلسطينيين , مقابل ضم الكتل الاستيطانية الكبرى فقط إليها، لا يمكن تصور , أن تدفع الحكومة , 30 مليون دولار , للمستوطنين عبثا , وبالتالي فإنها غير جادة في الانسحاب , أو تفكيك المستوطنات لا النائية , ولا حتى العشوائية ,و التى تعهدت الجحكومات الاسرائلية المتعاقبة بتفكيكها , وفى السياق فانها غير صادقة فى السعى , الى تسوية مقبولة , على الفلسطينيين , والمجتمع الدولى على حد سواء , الذى يعتبر المستوطنات كلها-ليس وفق التصنيف الاسرائيلى المريب -غير شرعية وتجب ازالتها.



- فى الحقيقة نحن أمام تحصين للجولان والاستيطان , وتجميد للتسوية والمفاوضات , على المسار الفلسطيني , كما على المسار السوري , وما عدا ذلك , مجرد تفاصيل وهوامش , او بالاحرى مجرد الاعيب وحيل , تهدف إلى الخداع وكسب الوقت , لفرض الوقائع على الأرض , وإفراغ اى مفاوضات ممكنة , من محتواها وجدواها , ,واحباط الفلسطينين لاجبارهم , على الرضوخ للامر الواقع , المفروض بقوة الاحتلال , الامر الذى لم ولن يقبل به , الفلسطينيون والعرب على حد سواء .





* مدير مركزشرق المتوسط للدراسات والإعلام

أسوأ عدو لإيران


رونين بيرغمان -"نيوزويك

حتى في أوساط المسؤولين الأمنيين القساة في إسرائيل، لطالما عُرًف مير داغان بطباعه الحادة. يتذكر أحد الجنود أنه عندما كان متدربا عسكريا، كان يجول في المعسكر في الساعات التي لا يعمل فيها ويغرز سكينا في الأشجار وأعمدة الهواتف مثل مؤدّ في السيرك.

وقد حصل على أحد أوسمته الأولى عندما كان عنصرا شابا في فرقة الكوماندوز بغزة، لأنه انتزع قنبلة حية من يدَي مقاتل عدو. وكان داغان، صاحب الشعر الطويل والواثق من نفسه، يحضر أحيانا كلبه الأليف من نوع \"دوبرمان\"، باكو، معه في الغارات.


واستمر ميله إلى حل المشاكل بالقوة حتى بعد تقاعده من الجيش. كان يقود فرقة خاصة حول تمويل الإرهاب عام 2001 عندما أخبره رجاله أنهم اكتشفوا بنكا أوروبيا يُستعمَل لتمرير المال من إيران إلى حماس. يروي مشارك في الاجتماع طلب عدم الإفصاح عن هويته خوفا من إثارة غضب داغان، أن الأخير سأل ضباط الاستخبارات: \"لدينا العنوان، أليس كذلك؟ احرقوه!\" فخرج ضباط الاستخبارات المذعورون من القاعة احتجاجا. (رفض داغان التعليق على هذه الرواية).


بعد ذلك بوقت قصير أُحضًر داغان لبث الحياة من جديد في الموساد، جهاز الاستخبارات الإسرائيلي المشهود له. بعد ثماني سنوات، وعقب سلسلة من النجاحات التي حققتها الوكالة في عمليات سرية، أصبح مدير الاستخبارات الأكثر نفوذا في البلاد وصاحب المدة الأطول في الخدمة.

يحترمه رجاله كثيرا (وهو شعور لا يكنونه لجميع رؤسائهم، وفقا لاستطلاع أجري أخيرا داخل الموساد بحسب المصادر)» حتى القادة المدنيين في إسرائيل يصغون إلى نصائحه الاستراتيجية. لكن النقاد يقولون إن ثمة ثمنا للنفوذ الذي حققه: لقد أعاد داغان، البالغ من العمر 64 عاما، توجيه الموساد بصورة منهجية للتركيز في شكل شبه حصري على ما يعتبره هو (ومعظم الإسرائيليين) التهديد الأساسي للبلاد» إيران. فهو يرى كل التحديات التي تواجهها إسرائيل تقريبا في مجال الأمن القومي من ذلك المنظار.


تسبب تركيز الحكومة الإسرائيلية الشديد على طهران بالاحتكاك مع إدارة أوباما التي تسعى إلى الحوار مع إيران والدفع باتجاه اتفاق مع الفلسطينيين. ليس هناك خلاف علني: يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه يدعم الجهود الآيلة إلى وقف البرنامج النووي الإيراني عن طريق الدبلوماسية، شرط فرض عقوبات قاسية في حال عدم إحراز تقدم. غير أن التهديد بشن هجوم إسرائيلي أحادي الجانب لايزال مطروحا على الطاولة, وبينما يمكن أن يشكل ذلك التهديد ورقة قوية في أيدي الأميركيين في المحادثات مع طهران، فقد يتسبب هجوم فعلي بانتقام إيراني من القوات الأميركية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.


لا يطالب داغان بهجوم سريع. في الواقع، لقد عاد أخيرا عن توقعاته السابقة معتبرا أن الجمهورية الإسلامية قد لا تتمكن من امتلاك الوسائل الضرورية لصنع أسلحة نووية وإطلاقها قبل سنة 2014. غير أن تركيزه القوي على إيران يعزز على الأقل نزعة نتنياهو الصقورية. يصف ضابط استخباراتي فرنسي طلب عدم الكشف عن هويته في معرض حديثه عن السياسة الإسرائيلية الداخلية، داغان بأنه \"ريح خلفية\" تدفع بنتنياهو نحو العمل العسكري.


مع تزايد التهديد الإيراني وإلحاق الفضيحة وحرب 2006 مع حزب الله في لبنان أضرارا بالقادة السياسيين في إسرائيل، أصبح داغان من الشخصيات الأكثر نفوذا في البلاد. عينه رئيس الوزراء السابق أرييل شارون رئيسا للموساد بعد مرحلة شهد فيها الجهاز تراجعا، وقد فعل الكثير ليعيد إليه سمعته في مجال الفعالية القاسية. يُعتبَر رجاله مسؤولين عن اثنين من أبرز النجاحات التي حققتها الدولة اليهودية

أخيرا: اغتيال العقل المدبر الذائع الصيت في حزب الله، عماد مغنية، في دمشق العام الماضي، واكتشاف معلومة استخباراتية أساسية أدت إلى قصف مفاعل نووي سوري في الخريف من العام نفسه. عندما تسربت أنباء في سبتمبر الماضي عن أن الوكالات الاستخباراتية عثرت للتو على منشأة لتخصيب اليورانيوم في مدينة قم الإيرانية لم يكن يُعلَم بوجودها من قبل، نُسًب الفضل بهدوء إلى رجال داغان، على الرغم من أن الأميركيين هم من أعلنوا الأمر. يتوجه نتنياهو من حين إلى آخر إلى مكتب داغان للحصول على المعلومات، بدلا من أن يقصده داغان لتزويده بها. (رفض ناطق باسم نتنياهو التعليق أيضا).


لقد أثارت هذه المحاباة غضب خصومه في المؤسسة الاستخباراتية في إسرائيل. فهم يعتبرون أن تركيزه على إيران أدى إلى تحويل الموارد عن تهديدات أكثر فورية. يسأل ضابط في الاستخبارات العسكرية طلب عدم الإفصاح عن هويته في معرض انتقاده لداغان: \"لماذا إيران أكثر خطورة من سوريا؟

لدى [سوريا] جيش ضخم عند الحدود مع إسرائيل، وأسلحة كيميائية يمكن أن تدمر هذا البلد\". يعتبر بعض الخبراء الاستراتيجيين الإسرائيليين أنه يجب التودد بقوة أكبر إلى دمشق من أجل تشجيع الرئيس بشار الأسد على قطع روابطه مع طهران. أما داغان فيصر من جهته على أن محادثات السلام مع نظام الأسد مضيعة للوقت ما دامت إيران الشريك الأساسي لسوريا.


قد تكون شخصية داغان القوية تعويضا مفرطا عن طفولته التي انطبعت بالخطر والحرمان. فقد ولد عام 1945 على أرضية سيارة شحن باردة جدا تشق طريقها من سيبيريا إلى بولندا. وهربت عائلته، وشهرتها الأصلية هيوبرمان، إلى إسرائيل عندما كان في سن الخامسة، على متن سفينة كادت تغرق بسبب هبوب عاصفة. وقف مير على سطح السفينة مرتديا سترة نجاة وفي يده برتقالة، وبداخله اقتناع بأنه لم يبق له الكثير في هذا العالم.


ترك داغان الثانوية لمحاولة الالتحاق بوحدة الكوماندوز المرموقة في الجيش الإسرائيلي، لكنه لم يفلح. (في مقر الاستخبارات العسكرية، يتذمرون من أن داغان لايزال يشعر بالاستياء بسبب هذه الإهانة). في نهاية الأمر، التحق داغان بوحدة المدرعات حيث تعزز إحساسه بالمخاطر الوجودية التي تهدد بلاده. تذكر في حديث مع صحافي عام 1999: \"وجدنا أنفسنا فجأة في سلسلة من الحروب المتواصلة\".


في عام 1970، اختار شارون الذي كان آنذاك رئيس القيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، داغان البالغ من العمر 25 عاما لقيادة وحدة من نخبة القوات الخاصة تنتشر في قطاع غزة. وفقا لروايات صحافية إسرائيلية، تنكر داغان وبعض رجاله في إحدى المرات بثياب فلسطينية ودخلوا غزة على متن قارب صيد والتقوا مجموعة من المقاتلين في منظمة التحرير الفلسطينية وقتلوهم جميعا.

ساعدت أساليب الكوماندوز غير التقليدية التي طبقتها الوحدة المعروفة بـ\"سايريت ريمون\" أو وحدة مكافحة الإرهاب، على خفض الهجمات الإرهابية داخل إسرائيل إلى حد كبير، لكن بعض رجال داغان تحدثوا لاحقا عن ارتكاب فظائع: فبحسب أحد المزاعم، كانوا يطلقون النار على الفلسطينيين في ظهرهم ثم يدعون لاحقا أنهم حاولوا الهروب. لكن لم تُوجَّه قط تهم إلى داغان، وقد دافع عن نفسه في صحيفة يديعوت أحرونوت عام 1999، فأصر على أن السنوات التي قضاها في وحدة ريمون لم تكن \"مرحلة شبيهة بالغرب الجامح... لم نعتقد قط أن قتل النساء والأولاد مسموح\". لكنه أضاف: \"كانت أوامر فتح النيران مختلفة آنذاك. كانت القيود أقل\".


في ذلك الوقت، كان الموساد يقف على مشارف المرحلة التي بلغ فيها أوجه. رأى الجواسيس الأميركيون في المساعدة التي قدمتها الوكالة أمرا لا غنى عنه خلال الحرب الباردة.

(ذُهًل عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أيه) عندما نجح الإسرائيليون في تزويدهم بصاروخ ميغ ــ21 سوفييتي لمعاينته في منتصف الستينات من القرن الماضي). بحلول مطلع السبعينات، عندما أصبحت المنظمات الإرهابية الفلسطينية أكبر تحد للموساد، كانت الوكالة قد اكتسبت شهرة بسبب براعتها الفتاكة» فقد أجهز عملاؤها على مقاتلين من منظمة التحرير الفلسطينية في مختلف أنحاء العالم بينهم الكثير من المسؤولين عن مقتل الرياضيين الإسرائيليين في ألعاب ميونيخ الأولمبية.


غير أن تأثير الوكالة تراجع في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي مع اشتداد العنف داخل الأراضي المحتلة (التي تقع ضمن مسؤولية الـ\"شين بيت\"، أي جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، والجيش). عندما أصدر رئيس الموساد آنذاك، داني ياتوم، أوامره بتنفيذ محاولة اغتيال عام 1997 فأرسل عملاء إلى عمان لحقن زعيم حماس خالد مشعل بسم قاتل في أذنه فشلت الخطة فشلا ذريعا، وأُرغًم المدير على الاستقالة.

وقد تغاضى خلف ياتوم، إفرايم هاليفي، عن بعض المخاطر. فبدأ الجواسيس الأوروبيون والأميركيون يتذمرون من أنه لم يعد للإسرائيليين الكثير ليقدموه في التبادل الاستخباراتي الدولي. وعلى الرغم من أن موازنة الوكالة هي سر من أسرار الدولة، فإن مصدرا في وزارة المال يقول إن التمويل في عهد هاليفي تراجع بنسبة 25 بالمائة.


جلب داغان مقاربته القاذفة للهيب إلى الموساد عام 2001، بعد وقت قصير من اندلاع الانتفاضة الثانية. كان داغان قد عمل في حملة شارون في العام السابق، لكن رئيس الوزراء لم يسع إلى أن يظهر له الامتنان فحسب، بل أراد أيضا شخصية مناقضة للمديرين الخجولين اللذين توليا رئاسة الوكالة في التسعينات في القرن الماضي. كانت لداغان خبرة عسكرية وافية، لكنه لم يكن قد عمل قط في الموساد، مما جعل من الأسهل عليه إجراء تغيير جذري. وقد سارع إلى إجراء إعادة هيكلة داخلية شاملة في الوكالة، وبدأ يشتبك مع الوكالات الاستخباراتية الأخرى في إسرائيل.


أكسبته مقاربته هذه أعداء. في عالم الاستخبارات، المعركة الأولى والأكثر ضراوة هي حول الموازنات. يتنافس داغان على النفوذ والموارد الضئيلة مع الاستخبارات العسكرية في إسرائيل وجهاز الشين بيت وسواهما. وفي قبضة وقحة على السلطة، بدأ مدير الموساد يصدر أوامر لمرؤوسيه من أجل عرقلة الوكالات الأخرى. وقد عين داغان شخصا اسمه الحركي \"السيد أية \"، ومهمته إحباط الخصوم في الاستخبارات العسكرية. ووفقا لمصادر في الموساد والاستخبارات العسكرية طلبت عدم الإفصاح عن هويتها في معرض مناقشتها للاحتكاكات بين الوكالات، أصبح التوتر لا يطاق إلى درجة أن ضباط الاستخبارات العسكرية بدأوا يتجنبون الذهاب إلى مقر الموساد. وكانوا يسخرون من السيد أيه عبر مناداته باسمه الحقيقي.


وكان داغان يبني أيضا عداوات داخل الموساد. فقد كان يفتش المراكز الميدانية من دون سابق إنذار ويصرخ في وجه العملاء: \"ماذا فعلتم لي أخيرا؟\" وكانت نوبات غضبه تطلق موجات من الاستقالات. يقول مصدر تحدث معه عن الموضوع إن المدير كان يرد ساخرا: \"فليرحلوا. يمكننا أن نبدأ من الصفر\".

اختصر داغان كثيرا لائحة الأهداف التي وضعها الموساد، معلنا أن الوكالة سوف تخصص معظم مواردها لتهديدين فقط: إيران والإرهاب من الخارج, أي في شكل أساسي تنظيمات حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي المدعومة من إيران. قال: \"يجب أن تكون اللائحة قصيرة. إذا واصلنا الادعاء بأننا نستطيع فعل كل شيء، فلن نفعل شيئا في نهاية المطاف\".


سرعان ما بدأ تركيز داغان القوي على عدد محدود من التهديدات يؤتي ثماره. فقد اكتشف العملاء الأميركيون والإسرائيليون في نهاية عام 2002 أن إيران تعمل مع العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان على بناء منشأة تخصيب في نطنز. سُرًّبت المعلومة إلى مجموعة إيرانية معارضة تُعرَف بالمجلس الوطني للمقاومة، فنشرتها عام 2003، مما تسبب بغضب دولي عارم. لاحقا، بدأ المشروع النووي الإيراني يتعرض لحوادث ظلت من دون تفسير وأدت إلى تأخير عملية التخصيب.

بدأ علماء يختفون، واحترقت مختبرات، وسقطت طائرة على صلة بالمجهود النووي بطريقة غامضة. تقول مصادر استخباراتية طلبت عدم الإفصاح عن هويتها في معرض حديثها عن عمليات سرية، إنه كانت للموساد يد في الكثير من هذه الحوادث. مع تضاعف نجاحات داغان، تضاعفت موازنته أيضا. يقول ضابط كبير في الموساد تقاعد أخيرا لكنه يفضل عدم الكشف عن هويته في معرض حديثه عن الوكالة: \"كل ما نريده نحصل عليه\" الآن.


لكن مع توسع قاعدة نفوذ داغان، بدأ بعض الإسرائيليين يقلقون من اكتساب مدير الموساد تأثيرا سياسيا أكبر من اللازم. لقد طور داغان روابط وثيقة مع صانعي السياسات من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة خلال سنوات بوش وتشيني، ويقول منتقدوه إن التقديرات الاستخباراتية التي يضعها الموساد تُضبَط لتتناسب مع الآراء الشخصية للمدير، تماما كما اتُّهًم مستشارو بوش بانتقاء أدلة تتناسب مع أجندتهم.

وفي شكل خاص، يرجّع موقف داغان المتشدد من سوريا صدى تحذيرات المحافظين الجدد في حقبة بوش من أن نظام الأسد يكن ولاء مطلقا لطهران. يتذكر ضابط استخبارات أوروبي كان يتمركز في إسرائيل قبل سنوات عدة أن رئيس الموساد كان ينتقد بشدة الزملاء الذين يدافعون عن الحوار مع دمشق. يقول: \"تكوّن لدي انطباع بأنه يشعر بأنه يعكس سياسة البيت الأبيض\".


لكن هذا لا يمنع أن كثرا يشاطرون داغان نظرته القاتمة عن التهديد الإيراني. فقد وقفت وكالات الاستخبارات الألمانية والفرنسية والبريطانية إلى جانبه عندما اعترض على تقدير الاستخبارات الوطني الذي أصدرته سي آي أيه عام 2007 وقللت فيه من شأن البرنامج النووي الإيراني. وفي إسرائيل، حيث ارتبط التأثير السياسي دائما بالشجاعة العسكرية، ليس مفاجئا أن صوته يلقى آذانا مصغية في دوائر السلطة. لقد جرى تعيينه لجعل الموساد أكثر عدوانية، ونجح في ذلك. يبقى أن نرى إذا كانت عدوانيته أكثر خطورة لإسرائيل أو لأعدائها في المدى الطويل.

2009/12/25

البرلمان الإيراني يعترف : بأحتلال البئر النفطي العراقي ويطالب بمليار دولار كتعويضات


اعترفت إيران السبت بسيطرتها على بئر في حقل الفكة النفطي الواقع في منطقة الحدود العراقية لكنها أصرت على أن الحقل يقع داخل أراضيها، مقللة من شأن هذه الحادثة، فيما طالب مجلس الشورى الإيراني العراق بتعويضات عن (خسائر الحرب تبلغ ألف مليار دولار).





وقالت قيادة القوات المسلحة الإيرانية في بيان نقلته عنها قناة العالم الناطقة بالعربية (قواتنا موجودة في الأراضي الإيرانية، وبناء على ترسيم الحدود الدولية، فإن هذا البئر ملك لإيران).






من جانبه، أعلن رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى الإيراني أنه (وفقا إلى تقديرات الأمم المتحدة فإن الجمهورية الاسلامية الايرانية تطالب العراق بتعويضات عن خسائر الحرب تبلغ ألف مليار دولار).



وقال حسين ابراهيمي لوكالة مهر للأنباء إن (ايران قد تغاضت في الماضي عن الكثير من قضايا العراق، فمن حقنا الحصول على ألف مليار دولار من العراق بسبب الحرب التي شنها على إيران، لكننا حتى الآن لم نطرح مطلقا هذه المسائل)



وفي السياق ذاته، أعلن متحدث باسم السفارة الإيرانية في العراق أن طهران تريد حلا دبلوماسيا لنزاعها مع بغداد بشأن بئر النفط.



والتقى سفير إيران لدى بغداد حسن كاظمي قمي مع مسؤولين من الحكومة العراقية لمناقشة الموضوع، وأبلغ السفير الجانب العراقي أن لجنة مشتركة تضم مسؤولين نفطيين وعسكريين من البلدين مسؤولة عن تسوية مثل هذه المشاكل.



وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن نحو 11 جنديا إيرانيا استولوا على البئر رقم 4 في حقل الفكة ورفعوا عليه العلم الإيراني، وقالت شركة النفط العراقية المملوكة للدولة في مدينة العمارة بمحافظة ميسان جنوب شرقي العراق إن الحقل يقع داخل الأراضي العراقية.





وطالبت بغداد طهران بسحب العناصر المسلحة منددة بالحادث باعتباره انتهاك للسيادة العراقية.

وقال الناطق باسم الحكومة العراقية، علي الدباغ، إن البئر هي بئر عراقية وتقع داخل الأراضي العراقية، مطالبا بسحب الجنود الإيرانيين.



وواصل أن البئر عندما حفرت في نهاية السبيعينات حفرت بعلم من السلطات الإيرانية آنذاك لكن العلامات الحدودية التي كانت قائمة اختفت بسبب الحرب العراقية الإيرانية.





وأضاف قائلا (إن الحدود البرية لا خلاف عليها وليس هناك ما يثبت أن بئر الفكة في أراض إيرانية)، مستغربا إثارة المشكلة في هذا الوقت بالذات.



وقال الدباغ إن من المبكر تصعيد المشكلة في هذا الوقت، داعيا إلى انتهاج الخيارات الدبلوماسية مع طهران لأن (هناك مصالح مشتركة تجمع البلدين).



وهذه هي أول حادثة خطيرة تشهدها العلاقات بين البلدين منذ غزو العراق عام 2003 وإطاحة النظام السابق الذي خاض حربا طويلة ضد إيران ما بين 1980 و 1988.



وقال رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الأدميرال، مايكل مولين، في لقاء مع الصحافيين عند زيارته لبغداد إنها قضية سيادية، ويجب أن تعالج من قبل القادة العراقيين.

لكن ناطقا باسم وزارة الخارجية الإيرانية، اتهم قوى خارجية بالعمل على الإضرار بالعلاقات الثنائية بين البلدين.



وحاول رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، علاء الدين بوروجيردي، التقليل من أهمية النزاع قائلا ادعاء أن إيران احتلت بئرا عراقية أمر مرفوض بقوة.



وأضاف قائلا إن المسألة تعالج عن طريق القنوات الدبلوماسية، محملا وسائل الإعلام الأجنبية مسؤولية الحملة الدعائية الحالية.

ماهية الحروب الصليبية ( 2 ) " الظروف التاريخية والدوافع


محمد سيف الدولة
ا
هذه هى الحلقة الثانية فى سلسلة الحروب الصليبية التى نتناولها من خلال كتاب" ماهية الحروب الصليبية" للدكتور قاسم عبده قاسم. وكنا قد تناولنا فى الحلقة الاولى جذور الايدولوجية الصليبية. وفى حلقة اليوم سنتناول باذن الله الظروف التاريخية التى سادت كل من اوروبا والامبراطورية البيزنطية والعالم العربى الاسلامى. وكذلك الدوافع والاسباب التى حركت كل قوى واطراف العدوان .* * *مشروع العصر: مثلت الحرب الصليبية انعطافا خطيرا فى تاريخ الغرب الاوروبى من حيث مجالها الجغرافى او اطارها الزمنى او اعداد الذين شاركوا فيها. وهى اول حرب يخوضها الاوروبيون تحت راية ايدولوجية واحدة. وكانت افرازا للتفاعل بين الكنيسة والاقطاع. فكانت الكنيسة تهدف الى السيادة المطلقة على العالم المسيحى منافسة فى ذلك الامبراطورية. وكان فرسان الاقطاع يتوقون الى توسيع سلطانهم واملاكهم، ولم يكن هذا ممكنا دون الصدام مع الملكية وكان الحل فى الحملات الصليبية. اما البرجوازية الناشئة ممثلة فى المدن التجارية الايطالية فكانت تهدف الى السيطرة على تجارة البحر المتوسط وتجارة العالم . اما الفلاحين فكانت الحملات الصليبية بالنسبة لهم ، محاولة للتحرر من حياة البؤس والشقاء الذى كانوا يعيشونه فى ظل النظام الاقطاعى .وبذلك مثلت الحملة الصليبية مشروع العصربالنسبة للكثيرين .* * *حال اوروبا عشية الحرب :منطقة جغرافية لم تتشكل بعد على المستوى السياسى .وكانت مجرد منطقة ريفية بالقياس بكل من العالم البيزنطى والعالم العربى الاسلامىفلقد كان الطابع الريفى مسيطرا وكان هناك ادراك بضيق الاراضى الاوروبية .وكانت البلدة والقرية هما النموذجان السائدان .بالاضافة الى عدد قليل من المدن التجارية الايطالية على البحر المتوسط مثل البندقية وجنوا وبيزة .وكانت الناس تحت رحمة الطبيعة الى حد كبير : فيضانان و ومجاعات واوبئة كانت قد ضربت اوروبا قبل الحملة الاولى بعشرة سنوات .وشهدت اوروبا بدءا من القرن الحادى عشر ثلاثة قرون من الابداع فى القرون الوسطى ، فلقد كان تبللور المؤسسات السياسية والاقتصادية والدينية والاجتماعية الذى بدأ مذ خمسة قرون ، هو الاساس الذى قامت عليه الحضارة الاوروبية فى العصور الوسطى وشهدت هذه المرحلة عدد من الشخصيات البارزة مثل وليم الفاتح ملك انجلترا وهنرى الثالث وغيرهم من الحكام الجنود الذين يبحثون عن السلطة ، كما عاش فى القرن الحادى عشر معظم البابوات الاصلاحين الذى كان ابرزهم جريجورى السابع الملقب بالشيطان المقدس ، الذى كان خليفته هو البابا اربان الثانى صاحب الدعوة الشهيرة الى الحملة الصليبية .كان التوسع والتنظيم من اهم سمات القرن الحادى عشر .* * *الفلاحون :كانوا اناسا متعبون يعملون فى ازالة الغابات واستصلاح اراضيها .و كانت الاراضى الزراعية لا تزال ضئيلة المساحة بالنسبة الى مناطق البرارى والغابات والاراضى البور.يعيشون فى اكواخ حقيرة وطعامهم فقيرا وبسيطا من انتاج حقولهم ، وملابسهم من انتاج جلود حيواناتهم ، يأكلون اللحوم الطازجة مرة واحدة فى اعياد الميلاد ويحتفظون بالباقى مقددا ومملحا لباقى السنة .وكان القساوسة فى الريف فى معظمهم اميون ، يقدمون الى الفلاحين معلومات مشوشة عن المسيحية يسودها التعصب والتزمت .وكان القروين يجمعون بين التدين العاطفى والايمان بالخرافات والمعجزاتوكان الفلاح مقيدا بالتزامات قاسية تجاه السيد الاقطاعى ، وتحول بالفعل الكثير منهم الى اقنان وفقدوا حريتهم . وفيما يلى أحد وثائق القنانة فى ذلك العصر :" ليكن معلوما ، لكل من يجيئون بعدنا ، ان رجلا فى خدمتنا يدعى وليم ، شقيق رينالد ، الذى ولد لابوين من الاحرار ، قد تحرك مدفوعا بحب الرب صوب غاية يحسبها له الرب حسنة . اذ وهب نفسه قنا للقديس مارتن فى مورموتيه ، ولم يكتف بان يهب نفسه فقط ، بل وهب جميع ذريته من بعده لكى يظلوا الى الابد فى خدمة رئيس الدير والرهبان فى هذا المكان بشروط واضحة . ولكى يتم التاكيد على هذه الهبة وتوضيحها وضع حول رقبته حبلا ، كما وضع اربع قطع من النقود على مذبح القديس مارتن اعترافا بالقنانة ، وكرس نفسه للرب العظيم . وقد راى ما حدث ، وشهد عليه اولئك الآتية اسماؤهم .. "و كان القن مربوطا بالارض لا يمكنه الرحيل عنها ، كما لايستطع ان يستبدل سيده .ولم تقف الكنيسة ضد ظاهرة الاقنان ، بل استفادت منها بصفتها من اكبر ملاك الاراضى الزراعية وكان الاقنان يحتلون مكانة فى البناء الاجتماعى بين الفلاحين الاحرار وبين عبيد الارض من الارقاء .وكان الاقنان يشكلون قطاعا هاما من سكان الريف الاوروبى عشية الحملة الاولى .وكان النظام الاقطاعى بجناحيه الفرسان والقساوسة يعيشون من ناتج عمل الفلاحين .وكان للاقطاعين السيطرة السياسية والقضائية على الفلاحين بما فيها حق جمع الضرائب منهم .ولذا كان الفلاحون فريسة للخوف الدائم والاضطراب المستمر والافتقار للامن ، فمن ناحية يقعون تحت وطأة الطبيعة بمجاعاتها واوبئتها ، ومن ناحية اخرى وقعوا تحت وطئة السادة الاقطاعيين الذين جعلوهم وقودا لحروبهم الاقطاعية .ولانهم قد تشبعوا منذ فترة طويلة بافكار الوعاظ الجوالين ، فانهم قد وجدوا فى دعوة البابا فرصة للخلاص الدنيوى والاخروى .وهكذا كانت الاوضاع الاجتماعية المحبطة والجو الفكرى المشبع بالخرافات والتعصب الدينى من اهم الدوافع التى حركت المقهورين من ابناء الغرب الاوروبى الى المشاركة فى الحملة الصليبية الاولى ، وهو ما ادى الى الحملة الشعبية وهى الحملة التى ازعجت البابا الذى لم يرى فى هؤلاء القوى المناسبة لتحقيق اهداف الحملة .لقد كان الجوع الذى عض بانيابه معظم انحاء الغرب الاوروبى فى سنة 1095 وراء خروج اعداد غفيرة من الفلاحين والمعدمين خلف قادة العصابات التى شكلت تلك الحملة الشعبية او ما سميت بحملة الفلاحين .* * *الفرسان :كان للعوامل الاقتصادية والاجتماعية الجافة اهمية كبيرة فى تفسير الدور الكبير الذى لعبه الفرسان الاقطاعيون فى الحركة الصليبية .ان من اهم خصائص القرن الحادى عشر الميلادى فى اوروبا الغربية هو بلورة النظام الاقطاعى الذى كانت مؤسساته آخذة فى التطور والنمو منذ القرن الثامن الميلادى .وقد قام النظام على ثلاثة عناصر هى :اولا ـ عنصر شخصى يربط السيد الاقطاعى بتابعه ويتمثل هذا العنصر فى رابطة الولاء الشخصى الذى يدين به التابع لسيده وقد اصطلح على تسميته السيادة والتبعيةثانيا – عنصر فعلى وهو حيازة الاقطاع فى مقابل تقديم الخدمة العسكرية المناسبة فى جيش السيد الاقطاعىثالثا- لا مركزية القضاء وقد اتاح هذا العنصر حقوقا قضائية للسادة الاقطاعيين على حساب سلطة الملك المركزية و تتلخص الفكرة الاقطاعية فى انه " لا ارض من دون سيد اقطاعى "وبذلك ظهر هرم اقطاعى على قمته الملك الذى له سلطة اسمية على كبار السادة الاقطاعيين .يليه مباشرة عدد من الامراء الاقطاعيين ، لكل منهم اتباعه ، ولكل تابع تابع ، الى نصل الى الفارس العادى الذى يملك ارضا بالكاد تعوله وتكفيه .ولكل عضو فى الهرم الاقطاعى التزاماته وواجباته تجاه سيده وتجاه اتباعه .وكان الهدف الاساسى من التنظيم الاقطاعى هو التعاون فى الحرب .وكانت الحرب هى الحرفة الاساسية للفارس الاقطاعى ، وكانت هى مهنة الرجل الراقى ، يقضى الشطر الاكبر من حياته متدربا على القتال او مشتبكا فى معركة حقيقية .وكان من عادة فرسان الغرب الاوروبى منح الهبات السخية للاديرة التى اسستها العائلة او تاسيس اديرة جديدة باعتبار ان ذلك وسيلة للتكفير عن الخطايا .ولذلك كانت الدعوة الى الحملة الصليبية وما يصاحبها من غفران مصدر اغراء لابناء هذه الطبقة .ولم يكن الفارس يعيش فى مستوى افضل كثيرا من مستوى الفلاحين فى ارضه .وكانت الاقطاعات اقل من عدد الفرسان الطامحين الى الحصول على الارض وقد عرفت هذه الظاهرة باسم الجوع الى الارض وقد تسببت فى كثير من الحروب الاقطاعية التى مزقت اوروبا تماما .وقد جاء فى الخطبة الشهيرة للبابا اربان الثانى اثناء الدعوة الى الحملة الاولى ما يلى :" هذه الارض التى تعيشون عليها محاطة بالبحر من كل جانب ، تحوطها سلاسل الجبال ، وتضيق باعدادكم الكبيرة ، وهى لاتفيض بالثروات الكبيرة ، وانما تكاد تعجز عن توفير الطعام لمن يقومون بزراعتها . وهذا هو السبب انكم تشنون الحرب ضد بعضكم بعضا " وكانت هناك اسباب أخرى وراء ضيق الارض فى اوروبا ، فلقد دابت طبقة الفرسان على اتباع عدة وسائل للحفاظ على اقطاع العائلة دون تفتيت مثل أن حق الارث قاصر على الابن الاكبروكان الابناء الصغر بناء على ذلك ، ينتهى بهم المطاف الى الانضمام الى الكنيسة او الالتحاق بتبعية احد السادة الاقطاعيينوكان هناك ايضا نظام الملكية على المشاع ، او ما يسمى بملكية الاخوة ، وهو النظام الذى تم ابتكاره لمنع تفتيت الارض ايضا ، وهو ما ادى الى ان يتشارك الاعمام وابناء اخوتهم فى الملكية التى تضيق عليهم ، مما دفع الكثير من الورثة الى الالتحاق بالاديرة والكاتدرائياتوفى القرن الحادى عشر كان الانضمام الى الحملة الصليبية فرصة حقيقية للهرب من نظام ملكية الاخوة وتحقيق الاستقلال عن العائلة .لقد جاءت الحملة الصليبية متنفسا لطبقة الفرسان التى كان عددها ينمو باستمرار بدون نمو فى الارضعلى اى حال كانت ثمة اهداف ومطامع دنيوية عديدة وراء مشاركة ابناء هذه الطبقة فى الاشتراك فى الحملات الصليبية تبلورت كلها حول الرغبة فى التوسع وملكية الارض .* * *البرجوازية الناشئة :على الرغم من ان غرب اوروبا فى القرن الحادى عشر ، كان منطقة ريفية الطابع ، الا ان كان هناك عدة مدن ايطالية احتفظت بعلاقتها التجارية مع القسطنطينية وخرجت سفنها تجوب البحار .وفى منتصف هذا القرن كانت البندقية قد بنت اسطولها البحرى القوى واخذت جنوا وبيزا زمام المبادرة فى الهجوم على اساطيل المسلمين التى كانت قد دابت على مهاجمة موانيهما والاستيلاء على سفنهما وتحولت الى جمهوريات مستقلة غير خاضعة لسلطة الكنيسة وفرضت نفسها على تجارة البحر المتوسط وكان لها دورا هاما فى الحملة الاولى فى مقابل السيطرة على موانىء شرق المتوسطكانت هذه الجمهوريات تحاول ان تفوز بالثروة الطائلة التى نعم بها العالم الاسلامى* * *الكنيسةكانت الكنيسة الكاثوليكية قد تورطت فى الشؤون العلمانية البعيدة عن المجالات الدينية الى حد بعيد :فملكياتها الكبيرة من الاراضى الزراعية ، يقوم بحمايتها عسكريا وكلاء علمانيين و السادة الاقطاعيون يعينون الاساقفة ومقدمى الاديرة داخل اقطاعاتهم واماراتهم ، فكانوا يعملون لديهم مستشارين ورجال ادارةوكذلك كان التنافس بين العائلات الكبيرة على الفوز بمنصب البابا وجعله عرشا وراثياوادى تداخل الكنيسة مع النسيج الاقطاعى ادى فى النهاية الى أن صارت الوظائف الكنسية تباع وتشترىولقد اضر كل ذلك بالوظيفة الروحية للكنيسة الى حد بعيدولقد ادى ذلك فى مرحلة ما الى ضعف البابوية وهوانها وبدءا من بدايات القرن العاشر الميلادى بدأت تتبلورعلى مستوى اوروبا حركة اصلاحية داخل الكنيسة ، هدفت الى عدم تدخل النبلاء فى اختيار البابا وقصر هذه المهمة على الكنيسة وحدها ، كما سعت الى زيادة سلطة البابا على الكنيسة فى كل مكان ، مما ادى الى بداية الصدام مع سلطات الدول وملوكها فى اوروبا .ولقد وصل هذا الصراع الى ذروته فى عهد البابا جريجورى السابع 1073 م ، الذى قام بما سمى بالاصلاح الجريجورى او الثورة الجريجورية واهتم بتدعيم سلطة الكنيسة الى ابعد الحدود واصدر مرسوما يحدد هذه السلطة يتكون من 26 نقطة كلها تدور حول مفهوم سمو البابوية على الدولةودخل معارك كبيرة ضد الملك الالمانى لمنعه من التدخل فى تعيين كبار رجال الكنيسة وقام بخلعه ووقع عليه قرارا بالحرمانوكان هذا نموذجا للصراع الذى دار بين الكنيسة والدولة . وقد وجدت الكنيسة فى الدعوة الى الحروب الصليبية وسيلة وفرصة لتحقيق السمو البابوى على الامبراطورية ، فهذه الدعوة تضعها فى مكانة المدافع عن الاراضى المقدسة ، وتقربها من الوجدان الدينى لدى مختلف فئات الشعب ، ويمكنها من توظيف الميول الحربية لدى الفرسان بعيدا عن الملوك المنافسون لها على السلطة والسيادة على اوروبا . كما ان الحملات على الشرق ستكون بعيدة عن الاراضى التى تسيطر عليها الملكية فى اوروبا ، فى ارض لا يملكونها وليس لهم عليها نفوذ .* * *اذن كان التوسع فى الخارج هدفا مشتركا للجميع : الكنيسة والفرسان والفلاحون والمدن التجارية فى ايطاليا .* * *الوضع فى الامبراطورية البيزنطية :عندما مات باسيل الثانى الامبراطور البيزنطى سنة 1025 م ، كانت الامبراطورية شاسعة .ولكن كان هناك مشاكل من المسلمين على الحدود الشرقية ومن السلاف فى منطقة البلقان ومن الروس ايضا .هذا بالاضافة الى الاعداء الجدد من البشناق والنورمان والاتراك السلاجقة اما البشناق فهى قبائل بدوية من اصل تركى ، حاربت البيزنطيين فى البلقان وحققت انتصارات كبيرةاما فى الجبهة الايطالية فكان العدو هو النورمان الذين غزوا صقلية وجنوب ايطاليا وهددوا وجود الامبراطورية ذاتها اما الاتراك السلاجقة الذين ظهروا فى القرن الحادى عشر ، فقد كانوا علامة على بداية مرحلة جديدة فى تاريخ العالم الاسلامى وفى تاريخ الامبراطورية البيزنطية ايضا .وهم قبائل بدوية من الاتراك الغز وقد اعتنقوا الاسلام على المذهب السنى فى القرن العاشرثم تاقلموا مع المعطيات الحضارية فى العالم الاسلامى ودخلوا بغداد بناء على دعوة من الخليفة العباسى 1055 م لصد مؤامرة لبسط سلطة الخلافة الفاطمية الشيعية على عاصمة الخلافة العباسية السنية ، وبذلك حلوا محل البويهيين فى الهيمنة على الخلافة العباسية الضعيفة .وبدأ نفوذهم فى التصاعد واشتبكوا فى عدة حروب مع البيزنطيين الى ان انتصروا عليهم فى معركة مانزكرت الشهيرة عام 1071 م . ونجحوا بعدها فى التوغل فى آسيا الصغرى منذ 1073م واستولوا على انطاكية عام 1085 م وكانت هذه المعركة تعبيرا عن حالة التردى فى اوضاع الامبراطورية التى كانت جيوشها تتكون من المرتزقة من كل لون . وكان اقتصادها منهارا وخزانتها خاوية والحروب الداخلية مشتعلة .وفى مواجهة هذا طلبت القسطنطينية العون من بابا روما اربان الثانى الذى وجد فيها فرصة لاعادة توحيد الكنيسة تحت قيادته بعد الانشقاق الذى تم عام 1054م .وفى 1095 م دعا البابا الى مجمعا فى ايطاليا وطلب من الحاضرين تقديم كل مساعدة ممكنة للامبراطورية الشرقية . وكانت هذه مقدمة هامة للدعوة اللاحقة بعدها بعدة شهور الى الحملة الصليبية الاولى .* * *العالم العربى الاسلامى :عشية الحروب الصليبية كان التمزق السياسى والتناحر العسكرى مخيما على العالم العربى :فقد كان المسلمون فى المنطقة العربية موزعين ومنقسمين فى ولائهم السياسى بين الخلافة العباسية السنية فى بغداد والخلافة الفاطمية الشيعية فى القاهرة .وكانت بلاد الشام موزعة بين عدة امارات صغيرة على راسها حكام عرب او سلاجقة ، تتبادل مشاعر الحقد والشك والعداء السياسى والعسكرى مما حال دون توحدها فى مواجهة الغزو الصليبى وكانت الخلافة العباسية فى بغداد ذو سلطة اسمية فقط انتقلت فيها من نفوذ البوهيين الشيعة الى السلاجقة الاتراكونجح السلاجقة فى الاستيلاء على معظم انحاء فلسطين من الفاطميين بما فيهم القدس عام 1071التى استعادوها عام 1098م قبل ان يفقدوها على يد الصليبيين عام 1099 م .وساد صراع آخر بين سلاجقة الشام وسلاجقة الروم حول السيادة على حلبكانت المنطقة العربية فى أخريات القرن الحادى عشر نهبا للمعارك بين الحكام الكثيرين الذين اقتسموا حكم مدنها واقاليمها بصورة فسيفسائية مربكة .والخلافة الفاطمية كانت قد دخلت مرحلة التدهور السياسى بعد ان سيطر الوزراء على الخلفاء وحولوهم الى دمى يحركونها كيفما شاءوا . وضاع نفوذهم فى الشام اما مدن الشمال فى آسيا الصغرى واعالى بلاد الشام فاخذت تنتقل من حكم البيزنطيين الى حكم المسلمين وبالعكس ، فخربت وتدهورت بشكل كبير .لقد كانت كل هذه الكيانات متورطة تماما فى الحروب والمنازعات على مدى قرن كامل قبل قدوم الصليبيين . وعندما قدموا لم يكن لدى حكام المنطقة سوى ميراث طويل من الشك والمرارة تجاه كل منهم للآخر ومن ثم مضت قوات الصليبيين كما تمضى السكين فى الزبد . وفى طيات الموجة الصليبية الاولى غرقت هذه الامارة الصغيرة واحدة تلو الخرى . وكان سقوط مدينة نيقية فى ايدى قوات الحصار المشتركة من الصليبيين والبيزنطيين صدمة ونذير خطر لجميع القوى الاسلامية . ولكن الانانية وضيق النظر جعل تلك الصدمة وذلك النذير بلا فائدة .* * * * * Seif_eldawla@hotmail.com

لقراءة الجزء الاول انقر الرابط ادناه
http://www.alrassedonline.com/2009/12/1_8569.html

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر