الراصد القديم

2010/01/06

ليبيا ستحتفل بمناسبة مرور 2988 عاما علي معركة.. لم تقع


انتصار شيشنق علي رمسيس الثاني. أكذوبة

د. علي فهمي خشيم

بتاريخ 15/1/2008 نص التقرير الإخباري الذي أذاعته وكالة (ا. ف. ب) من طرابلس عن احتفال ليبيا (لأول مرة) بمرور 2987 عاما علي اعتلاء الزعيم الأمازيغي شيشنق عرض مصر.

وبقدر الإعجاب بالدقة المتناهية في تاريخ هذا الاعتلاء والسعادة بإضافة تقويم آخر إلي تقاويم أمتنا العظيمة، حتي أصبح لكل مدينة تاريخها الخاص بها، يأسف المرء لهذا الجهل ـ فلنقل التجهيل التاريخي الشنيع، ونجرؤ علي القول بأنه يبلغ حد الفبركة والتزييف الفظيع. وأري من واجبي أن أصحح الغلط وأصوب الخطأ في هذه العجالة، وعذري أننا دائما علي عجل!

يقول التقرير ما نصه:
شهدت طرابلس ليل الأحد/ الإثنين وللمرة الأولي في تاريخها احتفالا بمناسبة مرور 2987 عاما علي اعتلاء الزعيم الأمازيغي شيشنق الأول عرش مصر. وتزامن هذا الاحتفال مع احتفال الأمازيغ في البلاد وشمال أفريقيا برأس السنة. وخلافا للتقويم الميلادي والهجري والتقويم الليبي الذي يبدأ سنة وفاة الرسول محمد لا يرتبط التقويم الأمازيغي بأي حادث ديني بل بحدث تاريخي وهو ذكري انتصار القائد الأمازيغي شيشنق الأول علي الفراعنة في فترة حكم رمسيس الثاني، وتوحيده ليبيا مع مصر والنوبة وبلاد الشام، ومنذ ذلك الانتصار التاريخي أصبح ذلك اليوم رأس السنة الجديدة بحسب تقويم خاص للأمازيغ في شمال أفريقيا.. الخ

ولا بد هنا من توضيح ما يلي

أولا: لا صلة علي الإطلاق بين شيشنق ورمسيس الثاني. ببساطة لأن ما يفصل بينهما أكثر من مائتي سنة من الزمان. إذ عاش رمسيس الثاني أوائل القرن الثالث عشر ق.م وكان شيشنق في النصف الأول من القرن العاشر.

ثانيا: لم تكن ثمة أية معركة انتصر فيها القائد الأمازيغي علي الفراعنة هذه أكذوبة كبري يجب أن تفضح علي رؤوس الأشهاد.

ثالثا: لم يوحد شيشنق مصر وليبيا والنوبة والشام. هذه أكذوبة أخري.

والذي حدث حسب المدونات التاريخية المسجلة ما يلي:

حاولت القبائل التي عرفت في التاريخ باسم الليبيين غزو وادي النيل مرتين بعد أن بدأت الصحراء ـ التي كانت خضراء يوما ـ في الجفاف وطرد أهلها، بحثا عن مصارد المياه. الأولي في عهد الفرعون مرنبتاح حوالي سنة 1230 ق.م وردوا علي أعقابهم كما هو مسجل في (لوحة النصر) الشهيرة التي خلفها مرنتباح والثانية في عهد رمسيس الثالث وليس الثاني بعد الغزوة الأولي بنحو عشرين عاما. ولم يوفقوا أيضا. بعض القبائل ـ مثل الشروق و الشكمل و البدرشا ـ عبروا البحر إلي سردينيا وصقلية وإتروريا في إيطاليا (يقال إن أسماء هذه المواقع من أسماء القبائل الليبية). بينما عمد الباقون إلي التسلل إلي وادي النيل وانخرطوا شيئا فشيئا، في الحياة المصرية والتحق عدد منهم بالجيش المصري كما اندمجوا في الحياة الدينية والمدنية وصاروا من ضمن النسيج المصري يومذاك. باختصار: تمصروا. (وهنا يحق لنا القول إن الوحدة الاندماجية التي طالما حلمنا بها تحققت بين أهل الوادي وأهل الصحراء.. سلميا.. فتم المراد!).

مع مرور الزمن صارت قبيلة المشوش التي ينتمي إليها شيشنق ذات سطوة وصولة وتحول زعيمها الذي يدعي في النقوش المصرية رئيس المشوش العظيم رئيسا لكهنة أمون ـ المقبور المصري/ الليبي المشترك. كان اسم الرجل شيشنق وهو اسم عروبي (سامي) مشترك عرف في بلاد الرافدين أيضا: سيسنقو ومن نسله بويواوا الذي أنجب نمرت نمرود الذي ولد له شيشنق باسم جده الأعلي، وهو الذي صار بالوراثة كاهن أمون الأكبر، وزاد علي هذا المنصب كونه قائد عام الجيش المصري .

كان آخر ملوك (فراعنة) الأسرة 21 ضعيفا خوارا، فلما مات كان شيشنق جاهزا للقفز علي العرش الفرعوني العتيد، وهذا ما فعله. وبهذا نشأت الأسرة 22 من الأسر الفرعونية الثلاثين في تاريخ وادي النيل.

لم تكن هناك معركة انتصر فيها الزعيم الأمازيغي علي رمسيس الثاني.. إذن. ولم يكن شيشنق ذاته أمازيغيا بل شيخ قبيلة ليبية تدعي (المشوش) وتبرهن تماثيله التي نحتت له ومومياؤه المحفوظة حتي الآن وكل ما يتصل به، وبأسرته من بعده علي أنه كان فعلا قد حقق الوحدة بين ليبيا ومصر، وهي التي لم نستطع نحن تحقيقها.

نعم. لقد عاصر شيشنق هذا سليمان بن داوود (سليمان الحكيم) ونفهم من التوراة أن سليمان صاهره بالاقتران بابنته، فلما قضي انقسم ملكه (الذي لم يدم مع ملك أبيه داوود أكثر من ستين عاما) قسمين: يهودا والسامرة. وكان لا بد لشيشنق أن يتدخل في فلسطين، حماية لملكه وتأييدا لحليفه يربعام ضد خصمه رحبعام فاكتسح بيت المقدس وأكثر من عشرين مدينة في فلسطين حتي بلغ حدود لبنان حاليا. وهذا حديث يطول. لكنه ـ قطعا ـ لم يوحد بلاد الشام ووادي النيل والنوبة و.. ليبيا. والأخيرة نقطة مهمة جدا، إذا لم تذكر الآثار شيئا عن صلة شيشنق بليبيا، ولم تسرد شيئا عن تاريخه الأمازيغي ولم يكن اسم ليبيا ذاته مستعملا ولا معروفا.

وأذكر هنا شيئا طريفا، فقد كنت منذ بضع سنوات في زيارة للجزائر، وتصادف الاحتفال برأس السنة (الأمازيغية). الإذاعة تطنطن والصحافة تشنشن.. بماذا؟ بانتصار شيشنق العظيم علي سي رمسيس الثاني.. وأين؟ في الجزائر (ولنضع عشر علامات تعجب؟؟؟؟..).

والحق أنه لم يحدث قط أن عبر الجيش المصري صحراء مصر الغربية، الصحراء الشرقية عند الليبيين اليوم: ولم يكن سي شيشنق في الجزائر، ولا حتي تونس ولا طرابلس، يوما. فما الذي جعل رمسيس الثاني ينهزم أمام جبروت شيشنق؟ الذي جعله كذلك ما نعرفه من تزوير التاريخ وتزييف الحقائق والوقائع واستغلال الجهل الذي عم وطم.

إني لست ضد البحث في الماضي ـ مهما كان بعيدا سحيقا ـ بل إنني شخصيا كتبت عن شيشنق وغيره كتبا كثيرة. فلا أحد يطعن في اهتمامي بماضي أمتي العظيمة في شتي أقطارها. تشهد بهذا كتبي (نصوص ليبية) و(قراءات ليبية) وروايتي (إينارو) وترجماتي لأعمال يوليوس الجزائري، التونسي، الطرابلسي، وكتابي (سفر العرب الأمازيغ) وصنوه (لسان العرب الأمازيغ) ومؤلفي (آلهة مصر العربية) و(البرهان) وسلسلة مقارناتي اللغوية بين العربية العدنانية وبقية اللهجات العروبية القديمة.

لكن مذهبي أن نبحث عما يجمع ولا يفرق وننبش في ما يوحد اللحمة ولا يمزق النسيج، ويربط ما بين شعوب أمتنا في قديمها العتيق لكي نصمد في وجه ما يحيط بنا وما يخطط لنا، ونحن في غينا سادرون.

كنت أود، ونحن نذكر الماضي ونذكر به، أن يكون الاحتفال بذكري انحدار حنبعل القرطاجي، الكنعاني، العروبي علي روما كالصاعقة وانتصاراته علي الرومان في موقعة ساغونتوم ، أو نحيي بالفخر ذكري سبطة (أسبوتي) المقاتلة الشجاعة في جيش حنبعل العظيم. فإن لم يكن هذا ولا ذاك فلنذكر كاباون اللواتي، الذي صد بجماله ونباله جحاف الوندال الزاحفين علي وادي النيل بعد تدميرهم روما واسبانيا (الأندلس سميت كذلك باسمهم) واكتساحهم الشمال الأفريقي. ردهم كاباون زعيم قبيلة لوات علي أسوار لبدة، وهزمهم، كما رد الظاهر بيبرس جيوش المغول الزاحفين علي وادي النيل الذي كان ـ وللأسف لا يزال ـ مطمعا للغزاة.

هذه ، وغيرها كثير، حقائق تاريخية إن رغبنا في إثارتها كانت مبعث وحدة وليست سببا في الفرقة. وكيف لنا أن نصدق تقريرا تنشره صحفنا عن وكالة أجنيبة علم الله مبعثها وغايتها؟ وكيف لنا أن نقبل تزييف التاريخ وإثارة النعرات بهتانا وزورا؟

أما ما جاء من تعليقات تضمنها التقرير فإن للسلطات الليبية أن توضح ما غمض وتبين الحق الذي طمس.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.


* كاتب من ليبيا مقيم في بريطانيا

نقلا عن القدس العربي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر