الراصد القديم

2010/01/06

العرب وصراع الحضارات


بعد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والجرائم التي ارتكبتها خلالها، وقف الرأي العام العالمي وخاصة الأوربي موقف الإدانة والاستنكار لهذه الجرائم بعد أن كان تاريخياً منحازاً لإسرائيل. ومع كل عدوان تسعى الصهيونية للتغطية على جرائمها بإثارة الفتن والنعرات والدسائس في أوساط بعض المسيحيين في الدول الغربية وعبر ممارسات استفزازية ضد الإسلام والمسلمين كان من نتيجتها خلق بعض الأجواء المتوترة بين الطرفين. هذا ما حصل بعد العدوان على لبنان عام 2006، و العدوان على غزة، عندما ظهرت في هذا البلد أو ذاك بعض الشعارات والرسوم المسيئة للرسول والإسلام والمسلمين ولقيت حينها الاستنكار من جميع الفعاليات في هذه البلدان، وأخيراً في الاستفتاء الذي جرى في سويسرا لمنع بناء المآذن الذي ترافق مباشرة مع مطالبة بعض القوى الأوربية بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين. وبالطبع لم يكن لهذه الدسائس أن تنجح لولا أنها تلقى استجابة لدى بعض الأطراف من الجانبين الذين لا يدركون حقيقة وأهداف هذه الدسائس. وعلى ضوء هذا الواقع قامت بعض مراكز الدراسات والأبحاث التي تسيطر عليها الصهيونية، بالحديث عن مخاطر المسلمين على الغرب المسيحي، فقد نشرت إحدى المراكز في كندا مثلاً، أن نسبة المسلمين في دول أوربا الغربية ستصل إلى 40 % من عدد السكان عام 2025، وهي الآن لا تزيد عن 3 % أي حوالي 15 مليون مسلم يتوزعون في أكثر من 25 بلداً، من أصل 500 مليون عدد سكانها. وكتبت الباحثة البريطانية اليهودية جيزيل ليتمان أسم أوربا على شكل أرابيا ) ( Arabia)) كدليل على خطر العرب والمسلمين على أسلمة أوربا، وحذرت من مخاطر هذه الأسلمة على الحضارة الأوربية. ( جريدة الحياة 26 / 12 / 2009 )

وبحسابات بسيطة يمكن أن تتوضح تلك المبالغات والأهداف الحقيقية منها.

فإذا كان عدد المسلمين 15 مليون فإن نصف هؤلاء من الأطفال والمراهقين والنصف الآخر تنحصر اهتمامات الأغلبية الساحقة منهم بالأمور المعيشية والحياتية شأنهم شأن الأغلبية الساحقة من الأوربيين، هذا إلى جانب الخلافات المذهبية والعرقية والقومية بينهم، ولا يبقى ممن يهتم بالقضايا العامة أكثر من 10 % كما أشار إلى ذلك رئيس رابطة المسلمين في أريزونا بالولايات المتحدة في محاضرة له بدمشق خلال شهر أيار الماضي. حيث يعيش المسلمون فيها ظروفاً مشابه.

في الجانب الآخر تصدر بين الحين والآخر بعض الفتاوى الاستفزازية من قبل رجال دين مسلمين دون تكليف من المراكز والمؤسسات الدينية المعتمدة، وهي تصب في تخريب العلاقات الاجتماعية وتشكل إحراجاً للمسلمين هم في غنى عنها، كالفتوى التي أصدرها الدكتور رمضان القطان أستاذ الفقه في جامعة القاهرة يوم 10 / 12 / 2009 والتي يعتبر فيها تهنئة المسيحيين بأعيادهم من المحرمات، وتلاه الشيخ يوسف القرضاوي المعروف بموضوعيته بفتوى أخرى تجعل المشاركة في احتفالات المسيحيين بأعيادهم من البدع المحرمة. وبغض النظر عن التبريرات التي تستند إليها مثل هذه الفتاوى، فإن أحداً لم يسمع مثلها من أي مسلم خلال 14 قرناً من عمر الإسلام. خاصة وأن الإسلام يجيز زواج المسلم من المسيحية ويحق لها أن تبقى على دينها، فهل يحرم على زوجها أو أولاده منها تقديم التهاني لها بالعيد أو مشاركتها في مناسكه ؟ أو يحرم على الجار تقديم التهاني لجاره وهم يسكنون متجاورين ويتشاركون في الأفراح والأحزان خاصة في القرى والأرياف التي تسكنها عائلات مسلمة ومسيحية ويتشاركون في كل شيء؟ . كذلك بالنسبة لفتاوى أقل أهمية وليس لها معنى كالفتوى التي تحرم على المرأة ارتداء حمالة الصدر وتعاقب عليها بالجلد كما حصل لإحدى السيدات في الصومال، أو لبس البنطلون كما في حالة الصحفية السودانية لبنى الحسين. . أو محاولات منع الرقص الشرقي أو السامبا...الخ ونعتقد أن اغلب هذه الفتاوى تصدر في البلدان العربية دون البلدان الإسلامية الأخرى. صحيح أن العرب هم أكثر حرصاً على الإسلام والمسلمين وهم الذين حملوا رايته ونشروه لكنهم أيضاً الأكثر حرصاً على سمعته.

وفي تقديري إن هذه الفتاوى مردها إلى عدم لعب المؤسسات الدينية الإسلامية دورها في ضبط هذه الأمور والرد على الفتاوى التي لا تتلاءم مع الشريعة. كذلك في عدم تسمية العلماء والفقهاء الذين يحق لهم إصدارها.

هذه الحوادث إلى جانب الدور السياسي للسياسات الغربية لعبت دوراً في تأجيج المشاعر الدينية بين بعض المسيحيين والمسلمين ظهرت وكأنها نوع من الصراع الحضاري. ( بالطبع لا يمكن الحديث عن صراع بين المسيحية والإسلام كما يحاول البعض إعطاءه هذه الصورة ) الذي يتلاءم مع النظرية التي أطلقها صموئيل هنتنغتون عن صراع الحضارات.

الخ.كن الآن وفي ظل ميزان القوى الذي يميل بقوة لصالح الغرب الحديث عن صراع حضاري أو حوار حضاري بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، وهما ليسا الحضارتين الوحيدتين في العالم بل هناك عدة حضارات أخرى تقف على الحياد كالصينية والهندية واليابانية، وحضارات القارة الأفريقية...الخ .

وفق نظرية هنتنغتون فإن الصراع سيتحول من صراع اشتراكي – رأسمالي، إلى صراع ديني. ولكن هل يمكن في الوقت الراهن الحمرجعية واحدةا الصراع، ومن هي القوى الداخلة فيه ومن هي مرجعيتها ؟ وهل للمسيحيين عالجوهري. العالم مرجعية واحدة مخولة أن تصارع أو تحاور باسمهم ؟ وهل للمسلمين مرجعية واحدة تدير هذا الصراع ؟ هذا هو السؤال الجوهري . ففي صراع النظامين الاشتراكي والرأسمالي، مثّل الاتحاد السوفييتي مرجعية النظام الاشتراكي بينما مثّلت الولايات المتحدة مرجعية الرأسمالية. وضعفت فعالية النظام الاشتراكي عندما خرجت منه الصين وكونت لنفسها مرجعية خاصة بينما لم تنجح محاولات بعض الدول الأوربية بتشكيل مرجعية خاصة بها. وقد حول توازن القوى النسبي والرعب النووي هذا الصراع إلى نوع من الحرب الباردة هي أقرب إلى الحوار المتوتر منها إلى الصراع.

على صعيد الحضارات المعنية، أو الثقافات إن شئنا هناك المسيحية الموزعة بين الكاثوليكية والبروتستنتية والأرثدوكسية ( روسيا واليونان ) وما بينها من خلافات عرقية وقومية. وهناك المسلمين السنة والشيعة وعديد المذاهب الأخرى وما بينهما أيضاً من خلافات مذهبية وقومية وعرقية، أما مسيحيو الشرق فهم جزء من حضارته وثقافته. وفي محاولة لبدء حوار بين الحضارتين عمد البابا يوحنا بولس الثاني قبل وفاته إلى عقد السينودس الذي تمثلت فيه أغلبية هذه الطوائف من الجانبين، ولكن سرعان ما دب الخلاف بينهم على المرجعيات الممثلة لها. ولم يعر أحد التوجهات التي صدرت عن هذا السينودس أي اهتمام خاصة وأن السياسة لعبت دوراً في مثل هذه الحوارات وكان عدم التكافؤ هو الذي يحكمها.

وبالتالي فإن هذا الحوار سيبقى يأخذ شله المتوتر إذا لم تحدد مرجعيات معتمدة له وطالما بقي الخلل في ميزان القوى قائماً. إذ أن جدلية الحضارة كما في السياسة يحكمها ميزان القوى الذي يشكل الأساس في الصراع أو الحوار. وفي ميزان القوى بين الشرق المسلم والغرب المسيحي مع حيادية الحضارات الأخرى فإن الحديث عن صراع أو حوار حضاري لن يكون إلا من قبيل تعزية النفس والاعتداد بالذات، حيث يشعر الغرب بتفوقه العلمي والثقافي فضلاً عن التفوق السياسي، مقابل شعور المسلمين بالتفوق التاريخي الذي لم يعد كافياً لحسم الانتصار لصالحهم حتى لو جرى التمسك بالمباديء الأخلاقية التاريخية، وهي مزايا تتمتع بها كل الديانات، لكن ما يميز المسيحية والإسلام هو أنهما جاءتا من نفس المنطقة وعاشتا معاً حنباً إلى جنب وساهمتا سوياً في بناء حضارتها. قبل أن تنتقلا إلى خارجها.

إن قراءة تاريخنا قراءة صحيحة يقودنا إلى نقاط مضيئة لا تحصى يمكن أن تساعد في بناء المستقبل رغم وجود نقاط مظلمة أيضاً. فالمسيح جاء من رحم هذه المنطقة ، وضحى بحياته من أجل سعادة البشر كما تشير التعاليم المسيحية ، والرسول الكريم جاء من رحم نفس المنطقة وكان يقف بعلمه وثقافته ، ببساطة وتواضع ورحابة الصدر ، يحاور الصغار والشباب والكبار ، والرجال والنساء ، ويجيب على أسئلتهم ويوجههم ، وينير لهم دربهم ، ولم يتوانى عن مواجهة جميع المخاطر في سبيل نجاح العقيدة فضلاً عن مقدرته العظيمة على توحيد الأمة وبناء عزتها . وعلى نفس الدرب سار الخلفاء الراشدون من بعده .

وخلال الحروب الصليبية رفض المسلمون تسميتها بهذا الاسم بل بحروب الفرنجة كي لا تبدو وكأنها حروباً من أجل الدين .

والآن أين موقع الحضارة العربية الإسلامية من الحضارات العالمية ؟ وكيف استطاعت هذه الحضارة أن تنتصر ؟ والجواب في غاية البساطة.

لقد كانت حضارة آخذة، استفادت من الحضارات والثقافات التي امتزجت بها واستوعبتها ثم أخذت تعممها، وأكثر من ذلك كما يقول الياس مرقص " لقد تكونت الثقافة العربية والإسلامية بالأخذ بروح مبدئية وبتصميم، من الثقافات الأخرى التي سبقتها في المنطقة وخارجها. وشكل ( العرب ) ثقافة كبيرة جداً ليس فقط في تقنيات الإنتاج وطرق الحياة بل في الفلسفة والعلوم والآداب والفنون. ( مجلة الوحدة العدد 3 لعام 1984 ).لكن وعينا الآوالمعلومات، سائل الاتصال والمعارف والمعلومات، أصبح أدنى من الوعي السائد آنذاك، وتوقف عند الماضي غير آبه بالمستقبل. وأصبحنا نتنكر للمفاهيم التي وضعناها لخير البشرية كالتحرر والعدالة والمساواة والأخوة والتسامح ونصرة المظلوم والعفو عند المقدرة والمحاسبة عن التقصير والتحرر من العبودية والاستغلال.الخ. .

يجب الأخذ بالحسبان أن العالم يعيش جغرافياً في خمسة قارات ثلاث منها وهي الأصغر بالمساحة، أوربا وأمريكا وأوقيانيا لا يزيد عدد سكانها عن سكان الصين وتدين الغالبية الساحقة منها بالمسيحية، وتستحوذ على التنوع المناخي والموارد الاقتصادية التي تستطيع مع تطورها العلمي أن توفر لسكانها مستوى معيشي يغري الآخرين بالمغامرة من أجل الهجرة إليها وهي لا تفرط بمواردها بل تستغل موارد الغير. أما القارتين الأكبر بالمساحة وعدد السكان، أسيا وأفريقيا رغم تنوعها الحضاري ومواردها الكبيرة فإن الكثير من سكانها لا زالوا يعيشون في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية بائسة.

الاستعمار، الرأسمالية، الإمبريالية والعولمة، مصطلحات تتابعت من أجل خلق نظام استغلالي عالمي أمن للشعوب الغربية حياة سياسية مستقرة بعد صراع شديد مع قوى مختلفة وهي حياة تستهلك الإنسان وتقتل مشاعره لكن أصحابها قانعون بها. لقد أسست لها في الداخل ثقافة بنيت على العدالة والمساواة والحرية، لكن سياستها في الخارج اتسمت بالاستغلال والحروب ونهب موارد الشعوب التي صدرتها لهم أنماطاً من الاستهلاك والبذخ الترفي. لقد صنعت الرأسمالية الغربية المتقدمة بعلومها، الهاتف والسيارة والطيارة والكومبيوتر، ولكنها بالمقابل صنعت السلاح الفتاك والقنبلة النووية، وصنعت معها وسائل الردع التي تحميها وسيطرت على العالم لا بعلومها فقط بل بسلاحها أولاً. وأصبح الفارق في ميزان القوى بينها وبين الآخرين كبيراً جداً ولم يبقى أمام الثقافات الأخرى سوى استحضار الماضي للمواجهة كي تعزي نفسها بنوع من التفوق الداخلي .

لقد وصف ماو تسي تونغ الرأسمالية في المؤتمر السادس والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1956 " بأنها نمر من ورق “. ورد عليه خروتشوف سكرتير الحزب آنذاك " بأنها نمر من ورق له أنياب نووية “. وقد أدركت الصين فيما بعد هذه الحقيقة بعد أن عجزت عن دخول الأمم المتحدة واسترداد مقعدها في مجلس الأمن إلا بعد أن أصبحت قوة يحسب حسابها، وأن موقعها الحضاري لن ينافس الآخرين بالعدد والمساحة بل بالقوة الاقتصادية والعسكرية.

إن فكرة الغزو الثقافي والحضاري لن تحسمها إلا موازين القوى المتكافئة، والذي يملك المشروع الحضاري بكل مكوناته هو الذي يستطيع أن يهيمن ولن يجدي الآخرين الشكوى والبكاء. والتجربة التاريخية العربية في بداية انطلاقها خير شاهد على ذلك. فالغزو الثقافي هو جزء من المصالح المادية والسياسية التي تحكم العلاقة بين الثقافات، ويصبح من الطبيعي أن تغزو الثقافة الأقوى الثقافات الأضعف خاصة مع تقدم وسائل الاتصال، تماماً كما غزت اللغة الإنكليزية العالم واستطاعت أن تزيح عدداً من اللغات من التداول. لكن الحوار يبقى أيضاً ممكناً عندما يتسم بالموضوعية والصدق ويعتمد على الحجج والبراهين الدامغة وعدم اختراع مقولات تغطي العجز وتدفع للصراع . لقد كانت صورة الثقافة العربية والإسلامية لدى المثقفين الروس في القرنين السادس عشر والسابع عشر سيئة جداً بسبب ما وصل إليهم منها، ولكن مع الحوار والإطلاع أصبح هؤلاء المثقفين وغالبيتهم من المسيحيين من أكثر المدافعين عنها. بينما تسعى الولايات المتحدة التي يشكل المسيحيون فيها أغلبية السكان لفرض هيمنتها الحضارية على جميع الحضارات بمن فيها الحضارة الأوربية المسيحية أيضاً. وقد عبر ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق في مؤتمر دافوس الاقتصادي عن ذلك بالقول " إن جميع الحضارات يجب أن تكون في خدمة الحضارة الأمريكية وخاضعة لها، وكل حضارة لا تخضع لهذا المبدأ يجب أن تنتهي كما انتهى غيرها “. وقد مارست هذا الفعل عندما قضت على حضارة الهنود الحمر كي لا تترك أثراً للماضي يؤثر على مستقبلها رغم أن المؤسسين الأوائل جاؤا من الحضارة الغربية إما هرباً من الاضطهاد أو بالطمع ببناء دولة . وهي الآن لا تعترف بأن احتلالها للعراق وأفغانستان تحت حجة القضاء على ( الإرهاب ) و تحقيق الديمقراطية التي تفتقد إليها الدول العربية والدول الإسلامية أدت إلى تأجيج الصراعات المختلفة فيها وهي تعتقد أن النمو والتقدم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر صراعات أهلية مرت هي بها، وبعدها يمكن للمجتمع أن يميل نحو السكينة والبناء. إذن من الصعب أن نربط موضوع الحضارات بصراعات دينية، وإلا استحضرنا لهذه الصراعات جميع الشعوب التي تمارس حقوقها الدينية وفق ما تشاء في الوقت الذي تعمل بنشاط لبناء مستقبلها.

ويعتبر النموذج التركي من أفضل الأمثلة على مشروع الحوار الحضاري.فتركيا المسلمة عضو في حلف شمالي الأطلسي وهي تسعى رغم كل الذلك، ل إلى دخول عضوية الاتحاد الأوربي وتحظى بموافقة مبدئية على ذلك، ويتعلق رفض بعض الدول لها إلى أسباب سياسية في ظاهرها على الأقل بينما لا يخفي بعضها العامل الديني. بينما تسعى إيران بلد الثورة الإسلامية الأول في العصر الحديث إلى استعادة مجد الإمبراطورية الفارسية على أساس قومي ولها مشروعها السياسي الذي يختلف أو يتناقض في بعض جوانبه مع المصالح العربية المفتقدة لمشروع موازي يجعل الحوار المتكافيء ممكناً بين الطرفين، بينما تلتقي إيران أيضاً مع الولايات المتحدة في الحرب على طالبان المسلمة في نفس الوقت الذي تدعم فيه بقوة حماس. ولكن من يلوم إيران على مشروعها السياسي سوى الضعفاء الذين يعجزون عن امتلاك مشروعاً مشابهاً.

إذن نحن أمام أوراق مختلطة ومفتقدة للعناوين الرئيسية لنظرية هنتنغتون. وفي تقديري أن كل ما تريده الحضارة الغربية الأوربية هو نوع من الاعتدال الديني مسيحياً كان أو إسلامياً ليتلاءم مع القوانين التي صاغتها لصالح مجتمعاتها بعد صراعها المرير مع سلطة الكنيسة وجبروتها. أما ما تريده الحضارة العربية والإسلامية هو الإنصاف والعدل والاعتراف بالجميل وإحقاق الحق على الجميع. ضمن هذه المعادلة يصبح الحوار هو الوسيلة الوحيدة بين الحضارتين عندما تتوفر لكل منهما مرجعية واحة يوكل إليها أمر إجراء هذا الحوار خاصة إذا استطاعتا أن تجر إليه الحضارات العالمية الأخرى، التي لا تتفق أيضاً في أمورها السياسية. وعندما ندرك أن الصهيونية العالمية ستسعى لتخريب العلاقات بين الشعوب طالما بقي الصراع العربي الإسرائيلي قائما.

إن الحضارة كما وصفها محمد عزيز الحبابي هي كالشجرة التي غرست جذورها في الأرض وكلما ارتفعت أغصانها في الهواء كلما تعرضت لموجات من الرياح أقوى.

لقد قال المرحوم أنطون مقدسي عن دور العرب الحضاري " إن العرب تبدلوا عما كانوا عليه قبل قرنين وكان هذا التبدل كبيراً في جوهره ,استخدمت فيه الآلة استخداماً على نطاق واسع لكن هل أصبح وعينا ونظامنا الاجتماعي في مستوى الآلة التي نستخدمها ؟ أي هل نتجاوب معها بعقل ابن البادية أم بعقل القرن الواحد والعشرين؟ وهل ارتفع الطالب الجامعي إلى مستوى الشهادة الجامعية ام انزلها إلى مستواه ؟ . لقد تحول العرب من رعية إلى مواطنين، ولكن هل تبدلت نظرتهم إلى الحاكم، وهل تبدلت نظرة الحاكم لهم ؟ ( مجلة الوحدة العدد 3 لعام 1984 ).

لقد رحل صاحب نظرية صراع الحضارات بعد أن اعتذر عن بعض منها في مؤتمر جدة لحوار الحضارات قبل عدة سنوات لكننا لا زلنا نختلق القضايا التي تعيد هذه النظرية للاستحضار دوماً.



دمشق هاتف 6804281 منير درويش

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر