
بسم الله الرحمن الرحيم
إبراهيم عليه السلام رمز أيمان أهل العراق
مقدمة:-
كنا قد تحدثنا في الجزء السابق عن قصة نبي الله نوح عليه السلام والأقوام التي سبقته وعاصرته وتوقفنا عند انتهاء الطوفان . وخلصنا إلى نتيجة مفادها أن أهل العراق في ذلك الزمان كانوا مؤمنين بالله سبحانه وتعالى ، إلا إن إبليس لعنه الله قد اغوى بعضهم فكروا ؛ فبعث الله نوحا عليه السلام وهو أول أنبياءه لبني ادم . وحينما أصروا على كفرهم وعنادهم أهلكهم الله سبحانه وتعالى بالطوفان وانجي نبيه نوح ومن آمن معه.
إما في هذا الجزء فسنأتي على ذكر أهم الإحداث التي وقعت ما بعد الطوفان وكيف انتشرت ذرية نوح ومن آمن معه في شتى بقاع الأرض . قال تعالى ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) الصافات77 ، وتحولت إلى أمما وقبائل وشعوب ، كفر بعضها فانزل الله عزوجل أنبياءه إليهم ناصحين ومحذرين من عذابه الأليم . وكيف حق عليهم عذاب الله حينما أصروا على كفرهم وطغيانهم واستكبارهم . وكيف كان حال العراق ومدنه وأهله وملوكهم ، ومن هو النمرود وفي إي مدنية حكم وبأي زمان ، وفي إي مدنية ولد إبراهيم وبأي مدنية أوحى الله إليه بالنبوة ، وفي إي مدنية وفي إي زمان كانت إحداث قصته عليه السلام التي ذكرها القرأن الكريم .
انتهاء الطوفان :-
بعد أن رست سفينة نوح عليه السلام على جبل الجودي في نينوى وابتلعت الأرض مياه الطوفان وتوقفت الإمطار .قال تعالى ( وقيل ياارض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) هود 44. أمر الله تعالى نبيه نوح عليه السلام بالنزول من السفينة فهبط بأرض الموصل محفوفا بالبركات من الله هو ومن امن معه وذريتهم ممن سيكونون أمما مؤمنة ، وبعضهم سيكونون أمما يستمتعون بالدنيا وخيراتها ولكن لن ينالوا بركة الله لأنهم سينحرفون عن جادة الحق وسيغويهم الشيطان ويؤدي بهم إلى عذاب الله في الدنيا والآخرة.[1] قال تعالى (قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب اليم)هود 48.
أولاد نوح عليه السلام وذريتهم [2]:-
1- يافث : وهو اكبر أولاد نوح عليه السلام ، من ذريته خرجت أقوام عديدة منها ؛ يأجوج ومأجوج والصين والتتر والسلاجقة والترك والشركس والازكش والروس والإفرنج والألمان واليونان والروم .
2- سام : وهو أوسط أولاد نوح عليه السلام ، من ذريته خرجت أقوام عديدة منها ؛ العرب البائدة كعمليق وجرهم وعاد وثمود . بالإضافة إلى البابليين والأشوريين والكرد والفرس .
3- حام : وهو اصغر أولاد نوح عليه السلام ، من ذريته خرجت أقوام عديدة منها ؛ الهند والسودان والزنج والأفارقة ويقال كنعان أيضا .
4- يام : ويقال له أيضا كنعان وهو ابن نوح عليه السلام الذي غرق في الطوفان ، وكانت زوجته من المؤمنين فصعدت إلى السفينة ونجت ولكن انقطع نسبه [3].
وبعد حين من الزمان بلغت ذرية نوح ومن امن معه إعداد كبيرة فتلونت ألسنتهم وقد ورد في ذكر سبب تسمية بابل لان الألسن فيها قد تبلبلت فسميت بابل [4] وتغيرت لغات البشر فيما بينها فكان نوح عليه السلام يترجم بينهم . كما تبدلت بشرتهم وتباعدت مساكنهم ومنازلهم فتفرقوا في شتى بقاع الأرض وبنوا حضارات عظيمة تميزت بتقدم مازال مجهولا إلى يومنا هذا رغم الجهود الكبيرة والمضنية التي بذلها و يبذلها علماء الآثار والتاريخ .
من هذا نخلص إلى إن البشرية بعد الطوفان قد انتشرت في شتى بقاع الأرض ولم تعد مقتصرة على بلاد مابين النهرين[5] .
وجيل بعد جيل تمكن الشيطان الرجيم من إغواء البشر مرة أخرى ، فأوقعه في المعاصي والكفر والإشراك . فبعث الله عزوجل أنبياءه ؛ وقد ذكر القران الكريم قصص بعضهم بينما ظلت قصص البعض الأخر مجهولة إلى يومنا هذا .
تساولات مثيرة عن قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام :-
قصة نبينا إبراهيم عليه السلام لها مدلولات عظيمة تبين مكانة أهل العراق عن الله عزوجل . خاصة إذا ما قارناها بقصص قوم عاد وثمود ولوط ومدين والأيكة.
وقبل الولوج في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام ، لابد لنا أن نبين بعض الأمور الهامة والتي لم تنال نصيبها لحد ألان من البحوث والتحري . فالقران الكريم لم يبلغنا عن التفاصيل الدقيقة لقصة إبراهيم عليه السلام إنما قصها علينا كعبر ودروس نلهم منها الصبر والتضحية والعزم وقوة الإيمان. ولم يرد أيضا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا عن التفاصيل الدقيقة لقصة إبراهيم باستثناء بعض الأحاديث التي بينت لنا إن قصة إبراهيم وخاصة حينما أراد قومه إحراقه كانت في العراق . ومما وجدته أيضا في كتب التاريخ والسير وحتى في قصص الأنبياء ، إن قصة إبراهيم عليه السلام قد شابها الكثير من اللبس فتداخلت إحداثها ولم تكن متسلسلة تاريخيا إنما كانت مبنية لإظهار مكانة إبراهيم الخليل أبى الأنبياء عليه السلام ومدى قوة إيمانه وتحمله وصبره [6].
وحينما تذكر كلمة بابل أو حتى ارض بابل أو ارض الكلدانيين في كتب علماء المسلمين فهي لاتخص مدنية بابل الأثرية المعروفة والواقعة في محافظة بابل قرب الحلة والتي كان يجري في أرضها مهرجان بابل الدولي .. إنما المراد بذلك هو الأقرب إلى كلمة العراق من كلمة بابل . حتى تجد أن بعض المؤرخين والعلماء يقولون ارض بابل وما والاها.[7]
إن ما اتفق عليه أهل السير والتواريخ والإخبار في قصة إبراهيم عليه السلام هو إن جزء كبير منها كان في العراق أو بالأحرى في ارض بابل بين ولادته في مدينة أور وبين هجرته من بلدة حران وإقامته فيها ردحا من الزمن . إما الجزء الأخر منها فقد كان إحداثه في بيت المقدس و مصر والجزيرة [8].
ولكن لم يتفق علماء التاريخ والسير على كثير من التفاصيل ، ففي إي بلدة ولد عليه السلام ؟ ومتى عاش ومتى توفى ؟ ومتى نزلت عليه النبوة وفي إي مدينة ؟ واين جرت إحداث تحطيم إبراهيم للأصنام ؟ واين جرت محاولة الكافرين إحراق إبراهيم عليه السلام ؟ واين كانت محاججة النمرود لإبراهيم عليه السلام ؟ وما هي الإحداث التي جرت في بابل وماهي الإحداث التي جرت في حران ؟
ومن كان النمرود ؟ هل كان ملكا من أهل العراق أم انه من الحكام الأجانب الذين احتلوا بعض مدن العراق القديمة كملك الكوتيين - تريكان [9]؟ (حيث سقط الحكم الاكدي على يد الكوتيين فحكموا هؤلاء بلاد الرافدين لقرن من الزمان . فكانت أولى الفترات المظلمة التي عانت فيها بلاد الرافدين انقطاعها عن التقدم الحضاري) لاسيما وان الفترة التي يعتقد علماء الآثار والتاريخ بان إبراهيم قد عاش فيها وهي بحدود 2000 قبل الميلاد[10] كانت مليئة بالإحداث الجسام فقد تعددت الأقوام ولغاتها ومنازلها ومدنها (فكانت هنالك مدن كثيرة منها : أور – كيش – اتو – ماري – نينوى – أشور – الوركاء وهي نفسها أورك – أيسن – لارسا – نفر – بابل الأولى – اشنونا- بور سبا )وطبائعها وتطورت حضاراتها وتقدمت علومها وبرعت انجازاتها وبنيت فيها الجيوش فقامت حروب ومعارك ضارية ، حتى كان الطرف المنتصر يبيد خصمه المهزوم فيسحق مدنه عن بكرة أبيها [11]. إما إن كان النمرود عراقيا فمن هو ؟ هل هو نرام سين* - شار كليشاري - اوتوحيكال - اورنمو – شولكي* - امارسين* - شوسين* - ابي سين – سومو ابم – ريم سين- اشبي ايرا – لبت عشتار- أور ننورتا – ايرا ايمتي – انليل باني – سين ماكير - دامق ايشلو - حمو رابي ؟ أم انه من الملوك الذين اختفت أثارهم عنا بسبب عوامل الطبيعة والحروب ؟
رغم كل الجهود التي بذلتها لم استطع العثور على جوابا جاهزا وافيا لأسئلتي هذه . إلا إنني توصلت إلى فكرة جديدة لن أتردد في عرضها في هذا الجزء من بحثي عن مكانة أهل العراق عند الله عزوجل عبر التاريخ .خاصة وإنني قد كونتها بتحليل علمي دقيق مبني على حقائق تاريخية مؤكدة مسندة بمصادر موثقة عند أهل السير وعلماء التاريخ والآثار .
إحداث قصة نبي الله إبراهيم في العراق :-
إبراهيم عليه السلام هو ابن تسارخ(تارح) ابن ناحور ابن ساروغ (شاروخ)ابن راعو(ارغو) ابن فالغ ابن عابر ابن شالح (شالخ)ابن ارفخشد ابن سام ابن نوح عليه السلام. [12]
كان تارح من أهل بابل و وأنجب فيها ثلاثة أولاد هم ناحور وهاران وهو والد لوط عليه السلام كان قد توفى في أرض أبيه التي ولد فيها، وهي أرض الكلدانيين؛ يعنون أرض بابل. وإبراهيم عليه السلام الملقب بابى الأنبياء في إشارة إلى الديانات السماوية الثلاث وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية .
انطلق تارح ( ويقال له تارح وتسارخ وذكر في القران الكريم بأزر) بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين (بابل) إلى أرض الكنعانيين ( وهي بلاد بيت المقدس ) فأقاموا بحران[13]. وهي بلدة تقع أقصى مابين النهرين غربا . وقد اختلف أهل السير والتواريخ والإخبار في ملكها فمنهم من قال إن ملكها هو هاران أخ إبراهيم عليه السلام ومنهم من قال إن ملكها كان ناحور أخ إبراهيم عليه السلام ومنهم من قال إن ملكها كان هاران عم إبراهيم عليه السلام . وقد توفى فيها تارح عن عمر ناهز 250عاما . وكانت حران والشام وارض الجزيرة تابعة في ذلك الزمان إلى ارض الكلدانيين . وكان أهلها يعبدون الكواكب والأصنام، فكل من على وجه الأرض كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام. [14]
مدينة حران :-
حرّان مدينة قديمة جداً، تقع في أرض الجزيرة، قرب منابع نهر البليخ بين الرها ورأس العين. ولقد أطلق عليها أسماء عديدة، عبر العصور التي تتالت عليها، فهي عند اليونان " كران " وعند الرومان " كارياي " ودعاها بعض آباء الكنيسة باسم هيلنوبوليس Hellenopolis أي المدينة الوثنية[15]. وورد اسمها في الكتابات المسمارية باسم حرانو ومعناها الطريق. وكانت حران زمن الآراميين مركزاً لإحدى دويلاتهم وقد ورد ذكرها في التوراة باسم - فدان ارام Padam Aram - أي حقل آرام. وذلك بمناسبة نصح إسحاق لابنه يعقوب بالذهاب إلى فدان ارام ليأخذ لنفسه زوجة من هناك من بنات خاله أخي أمه رفقة[16]. وسماها العرب حران، وقال بعضهم أن أول من بناها هو بهاران أخو إبراهيم الخليل وسميت على اسمه[17].
اكتسبت حران أهميتها قديماً بسبب عاملين: أوّلهما وقوعها على طريق تجاري هام يصل بين آسيا الوسطى وبلاد الشام، وثانيهما كونها مركزاً هاماً وذا شهرة لعبادة الإله سين أي القمر الذي كان الآشوريون يظهرون كل احترام له فيقدمون له النذور والهدايا، وبخاصة بعد سقوط نينوى عام 612 ق.م إذ هرب قسم من الآشوريين إليها وأعلنوا فيها تتويج آشور أوباليت أخي الملك آشور باني بال ملكاً على آشور، إلا أن نابوبلاصر وكان على رأس جيش مؤلف من بابليين وميديين اتجه نحو حرب، فهرب أهلها قبيل وصوله، فسنحت للقائد الغازي الفرصة لنهبها واحتلالها[18].
كان لموقع حران التجاري قبل الميلاد أهمية كبرى في تنوع سكانها فلقد استوطنها مكدونيون جاءوا مع الاسكندر المكدوني، وقد أطلقوا على آلهة حران أسماء يونانية، كما استقر فيها سوريون وفرس وأرمن وعرب.. وبقيت هذه المدينة محافظة على وثنيتها حتى بعد انتشار المسيحية، وربما فضَّل أهلها ذلك حرصاً على ما تدره عليهم سمعتها الدينية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عدة قرى دعيت باسم حران منها: إحدى قرى حلب، وحران الكبرى، وحران الصغرى، قريتان من البحرين لبني عامر. وحران العواميد في غوطة دمشق[19].
إبراهيم عليه السلام وعبادة الكواكب :-
في هذه البيئة التي سيطر عليها تعدد الإلهة ونصبت فيها التماثيل لعبادتها أوحى الله عزوجل لنبيه إبراهيم عليه السلام أن الله واحد وانه المهمين وحده على هذا الكون ؛ قال تعالى :
(وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين) الأنعام 75ـ79.
دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه :-
لذلك عزم إبراهيم عليه السلام على هداية قومه وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى:
( واذكر في الكتاب إبراهيم، إنه كان صديقاً نبياً * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهديك صراطاً سوياً * يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصياً * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً * قال أرغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم تنته لأرجمنك، واهجرني مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربي، إنه كان بي حفيا * وأعتزلكم ما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) مريم41 – 48 .
وذكر الله تعالى لنا ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلي الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، وبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر؟ !
إبراهيم عليه السلام يدعوا قومه :-
ثم دعى إبراهيم عليه السلام قومه إلى عبادة الله عزوجل وترك عبادة الأصنام فإنها ليست سوى أباطيل وأكاذيب ونهاهم عما هم فيه ؛ قال تعالى:
( وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خيرا لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) العنكبوت:16ـ 17.
وقال تعالى في سورة الشعراء:
(واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعوكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) الشعراء 69ـ82 .
وقال تعالى في سورة الصافات:
(وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه ماذا تعبدون * أئفكاً آلهةً دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين * فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلي آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضرباً باليمين * فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين) الصافات 83ـ98.
يخبرنا الله تعالى عن دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه ، فقد أنكر عليهم عبادة الأوثان وحقرها وصغرها وتنقصها . فقالوا له أنهم وجدوا آباءهم على هذا الحال أي عبادة الأصنام والكواكب . فحاججهم عليه السلام بسؤاله لهم هل يسمعوكم إذ تدعونهم وهل ينفعونكم أو يضرونكم. فسلموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر شيئاً، فتبرأ وانتقص منها.فقالوا هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعباً؟ فرد عليهم بل أقول لكم ذلك جادا محقا، إنما إلهكم اله الذي لا إله إلا هو، هو ربكم ورب كل شيء لا شريك له، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
إبراهيم عليه السلام يحطم الأصنام :-
ثم أقسم عليه السلام ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها وليكسرها ويهنها بعد إن يولوا مدبرين إلي عيدهم فذهب إليها مسرعاً متخفياً ، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها، فقال لها على سبيل التهكم والازدراء ( ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون) الصافات91ـ92. فضربها بفأس بيده وحطامهاً كلها إلا كبيرها فقد وضع فاسه فيها (أي بكبير الإلهة) ، إشارة على أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار!.
فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) الأنبياء59. وهذا فيه دليل ظاهر على بطلان عبادتهم للأصنام فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء، لكنهم ومن شدة خبالهم وضلالهم قالوا من فعل هذا بإلهتنا ؟
فقالوا سمعنا فتى يذكر ألهتنا بسوء يقال له إبراهيم ، فهو المقيم عليها الكاسر لها. وكان حديثهم في الملأ الأكبر على رءوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل إبراهيم أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه .
فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا : قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فقال لهم بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون ، أي اسألوا الأصنام . وبجوابه هذا أرادهم أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.
فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها . أو أنهم الظالمون في عبادتها. حينها أدركت القوم حيرة سوء، ثم قالوا: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها..؟!
فعند ذلك قال لهم الخليل (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) الأنبياء:66ـ67 .
حادثة النار :-
وهنا وصل حال الكافرين بما لايطاق، فقد أحرجهم نبي الله إبراهيم عليه السلام في أسئلته ومحاججته لهم فقد أهانهم وأحقر الهتم وكشف أكاذيبهم وأباطيل مايدعون . فلابد من تصرف يخفون به فضيحتهم فعمدوا إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله؛ وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى ( قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيداً فجعلهم الأسفلين) الأنبياء 59 .
فظلوا يجمعوا الحطب لمدة طويلة حتى اذا ما جمعوا كما هائلا منه وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له "هيزن"، وكان أول من صنع المجانيق، فخسف الله به الأرض. ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك. فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً، ثم ألقوه منه إلي النار، قال: حسبنا الله ونعيم الوكيل[20]. فأمر الله النار إن لاتأذي نبيه عليه السلام (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) الأنبياء 69.
إبراهيم عليه السلام وسط النار :-
فصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لايقدرون على الوصول إليه ولأهو يخرج لهم . فقال تارح أبو إبراهيم عليه السلام لما رائ ولده على تلك الحال ( نعم الرب ربك ياابراهيم ). إما أم إبراهيم فقد نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته يأبني إني أريد إن أجئ إليك فادع الله إن ينجيني من حر النار حولك ، فقال نعم . فأقبلت إليه لايمسها شئ من حر النار . فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت . ويقال إن إبراهيم عليه السلام مكث في النار أربعين أو خمسين يوما[21].
أرادوا قوم إبراهيم أن ينتصروا لهم ولإلهتهم فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى ( وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين)الأنبياء 70 . وفي الآية الأخرى (الأسفلين) الصافات 98 . ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاماً، بل هي كما قال تعالى ( إنها ساءت مستقراً ومقاماً ) الفرقان 66 .
النمرود يطلب إبراهيم عليه السلام للمناظرة :-
عندها سمع ملك ارض بابل بخبر إبراهيم عليه السلام ودعوته إلى عبادة الله وحده ونبذ أي معبود دون الله . فبعث هذا الملك الذي كان يدعي الإلوهية في طلب إبراهيم عليه السلام ليحاججه[22] . وقد دار بينهما هذا الحوار الذي يقصه علينا القران الكريم :
قال الله تعالى :
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) البقرة 258
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم، ذكر دليلاً آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادّعاه النمرود وانقطاعه جهرة ، قَال (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ) أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها. وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء. فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإنّ الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد، أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.
فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت ؛ ولهذا قال (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
فأرسل الله عزوجل على هذا الملك ذباباً من البعوض فدخلت واحدةٌ منها في منْخَره فمكثت فيه زمنا طويلا ؛ عذبه الله تعالى بها فكان يُضْرَبُ رأسُه بالمرِازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها [23] . قال تعالى ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ) النحل 26.
هجرة إبراهيم عليه السلام إلى بيت المقدس :-
إما إبراهيم عليه السلام فقد هاجر إلى بيت المقدس في فلسطين ومنها إلى مصر ثم رجع إلى بيت المقدس فرزقه الله عزوجل إسماعيل من زوجته هاجر القبطية من أهل مصر ثم رحل بإسماعيل وهاجر إلى الجزيرة وبالتحديد إلى مكة المكرمة والتي لم تكن معروفة بهذا الاسم في ذاك الزمان ثم عاد إبراهيم إلى بيت المقدس فرزقه الله اسحق عليه السلام من زوجته الأولى سارة أبنت عمه هاران . وقد بنى إبراهيم وابنه إسماعيل الكعبة المشرفة في إحدى زيارات إبراهيم عليه السلام لزوجته هاجر وابنه إس
الرفيق
رافت علي
بغداد الجهاد
إبراهيم عليه السلام رمز أيمان أهل العراق
مقدمة:-
كنا قد تحدثنا في الجزء السابق عن قصة نبي الله نوح عليه السلام والأقوام التي سبقته وعاصرته وتوقفنا عند انتهاء الطوفان . وخلصنا إلى نتيجة مفادها أن أهل العراق في ذلك الزمان كانوا مؤمنين بالله سبحانه وتعالى ، إلا إن إبليس لعنه الله قد اغوى بعضهم فكروا ؛ فبعث الله نوحا عليه السلام وهو أول أنبياءه لبني ادم . وحينما أصروا على كفرهم وعنادهم أهلكهم الله سبحانه وتعالى بالطوفان وانجي نبيه نوح ومن آمن معه.
إما في هذا الجزء فسنأتي على ذكر أهم الإحداث التي وقعت ما بعد الطوفان وكيف انتشرت ذرية نوح ومن آمن معه في شتى بقاع الأرض . قال تعالى ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) الصافات77 ، وتحولت إلى أمما وقبائل وشعوب ، كفر بعضها فانزل الله عزوجل أنبياءه إليهم ناصحين ومحذرين من عذابه الأليم . وكيف حق عليهم عذاب الله حينما أصروا على كفرهم وطغيانهم واستكبارهم . وكيف كان حال العراق ومدنه وأهله وملوكهم ، ومن هو النمرود وفي إي مدنية حكم وبأي زمان ، وفي إي مدنية ولد إبراهيم وبأي مدنية أوحى الله إليه بالنبوة ، وفي إي مدنية وفي إي زمان كانت إحداث قصته عليه السلام التي ذكرها القرأن الكريم .
انتهاء الطوفان :-
بعد أن رست سفينة نوح عليه السلام على جبل الجودي في نينوى وابتلعت الأرض مياه الطوفان وتوقفت الإمطار .قال تعالى ( وقيل ياارض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) هود 44. أمر الله تعالى نبيه نوح عليه السلام بالنزول من السفينة فهبط بأرض الموصل محفوفا بالبركات من الله هو ومن امن معه وذريتهم ممن سيكونون أمما مؤمنة ، وبعضهم سيكونون أمما يستمتعون بالدنيا وخيراتها ولكن لن ينالوا بركة الله لأنهم سينحرفون عن جادة الحق وسيغويهم الشيطان ويؤدي بهم إلى عذاب الله في الدنيا والآخرة.[1] قال تعالى (قيل يانوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب اليم)هود 48.
أولاد نوح عليه السلام وذريتهم [2]:-
1- يافث : وهو اكبر أولاد نوح عليه السلام ، من ذريته خرجت أقوام عديدة منها ؛ يأجوج ومأجوج والصين والتتر والسلاجقة والترك والشركس والازكش والروس والإفرنج والألمان واليونان والروم .
2- سام : وهو أوسط أولاد نوح عليه السلام ، من ذريته خرجت أقوام عديدة منها ؛ العرب البائدة كعمليق وجرهم وعاد وثمود . بالإضافة إلى البابليين والأشوريين والكرد والفرس .
3- حام : وهو اصغر أولاد نوح عليه السلام ، من ذريته خرجت أقوام عديدة منها ؛ الهند والسودان والزنج والأفارقة ويقال كنعان أيضا .
4- يام : ويقال له أيضا كنعان وهو ابن نوح عليه السلام الذي غرق في الطوفان ، وكانت زوجته من المؤمنين فصعدت إلى السفينة ونجت ولكن انقطع نسبه [3].
وبعد حين من الزمان بلغت ذرية نوح ومن امن معه إعداد كبيرة فتلونت ألسنتهم وقد ورد في ذكر سبب تسمية بابل لان الألسن فيها قد تبلبلت فسميت بابل [4] وتغيرت لغات البشر فيما بينها فكان نوح عليه السلام يترجم بينهم . كما تبدلت بشرتهم وتباعدت مساكنهم ومنازلهم فتفرقوا في شتى بقاع الأرض وبنوا حضارات عظيمة تميزت بتقدم مازال مجهولا إلى يومنا هذا رغم الجهود الكبيرة والمضنية التي بذلها و يبذلها علماء الآثار والتاريخ .
من هذا نخلص إلى إن البشرية بعد الطوفان قد انتشرت في شتى بقاع الأرض ولم تعد مقتصرة على بلاد مابين النهرين[5] .
وجيل بعد جيل تمكن الشيطان الرجيم من إغواء البشر مرة أخرى ، فأوقعه في المعاصي والكفر والإشراك . فبعث الله عزوجل أنبياءه ؛ وقد ذكر القران الكريم قصص بعضهم بينما ظلت قصص البعض الأخر مجهولة إلى يومنا هذا .
تساولات مثيرة عن قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام :-
قصة نبينا إبراهيم عليه السلام لها مدلولات عظيمة تبين مكانة أهل العراق عن الله عزوجل . خاصة إذا ما قارناها بقصص قوم عاد وثمود ولوط ومدين والأيكة.
وقبل الولوج في قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام ، لابد لنا أن نبين بعض الأمور الهامة والتي لم تنال نصيبها لحد ألان من البحوث والتحري . فالقران الكريم لم يبلغنا عن التفاصيل الدقيقة لقصة إبراهيم عليه السلام إنما قصها علينا كعبر ودروس نلهم منها الصبر والتضحية والعزم وقوة الإيمان. ولم يرد أيضا في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا عن التفاصيل الدقيقة لقصة إبراهيم باستثناء بعض الأحاديث التي بينت لنا إن قصة إبراهيم وخاصة حينما أراد قومه إحراقه كانت في العراق . ومما وجدته أيضا في كتب التاريخ والسير وحتى في قصص الأنبياء ، إن قصة إبراهيم عليه السلام قد شابها الكثير من اللبس فتداخلت إحداثها ولم تكن متسلسلة تاريخيا إنما كانت مبنية لإظهار مكانة إبراهيم الخليل أبى الأنبياء عليه السلام ومدى قوة إيمانه وتحمله وصبره [6].
وحينما تذكر كلمة بابل أو حتى ارض بابل أو ارض الكلدانيين في كتب علماء المسلمين فهي لاتخص مدنية بابل الأثرية المعروفة والواقعة في محافظة بابل قرب الحلة والتي كان يجري في أرضها مهرجان بابل الدولي .. إنما المراد بذلك هو الأقرب إلى كلمة العراق من كلمة بابل . حتى تجد أن بعض المؤرخين والعلماء يقولون ارض بابل وما والاها.[7]
إن ما اتفق عليه أهل السير والتواريخ والإخبار في قصة إبراهيم عليه السلام هو إن جزء كبير منها كان في العراق أو بالأحرى في ارض بابل بين ولادته في مدينة أور وبين هجرته من بلدة حران وإقامته فيها ردحا من الزمن . إما الجزء الأخر منها فقد كان إحداثه في بيت المقدس و مصر والجزيرة [8].
ولكن لم يتفق علماء التاريخ والسير على كثير من التفاصيل ، ففي إي بلدة ولد عليه السلام ؟ ومتى عاش ومتى توفى ؟ ومتى نزلت عليه النبوة وفي إي مدينة ؟ واين جرت إحداث تحطيم إبراهيم للأصنام ؟ واين جرت محاولة الكافرين إحراق إبراهيم عليه السلام ؟ واين كانت محاججة النمرود لإبراهيم عليه السلام ؟ وما هي الإحداث التي جرت في بابل وماهي الإحداث التي جرت في حران ؟
ومن كان النمرود ؟ هل كان ملكا من أهل العراق أم انه من الحكام الأجانب الذين احتلوا بعض مدن العراق القديمة كملك الكوتيين - تريكان [9]؟ (حيث سقط الحكم الاكدي على يد الكوتيين فحكموا هؤلاء بلاد الرافدين لقرن من الزمان . فكانت أولى الفترات المظلمة التي عانت فيها بلاد الرافدين انقطاعها عن التقدم الحضاري) لاسيما وان الفترة التي يعتقد علماء الآثار والتاريخ بان إبراهيم قد عاش فيها وهي بحدود 2000 قبل الميلاد[10] كانت مليئة بالإحداث الجسام فقد تعددت الأقوام ولغاتها ومنازلها ومدنها (فكانت هنالك مدن كثيرة منها : أور – كيش – اتو – ماري – نينوى – أشور – الوركاء وهي نفسها أورك – أيسن – لارسا – نفر – بابل الأولى – اشنونا- بور سبا )وطبائعها وتطورت حضاراتها وتقدمت علومها وبرعت انجازاتها وبنيت فيها الجيوش فقامت حروب ومعارك ضارية ، حتى كان الطرف المنتصر يبيد خصمه المهزوم فيسحق مدنه عن بكرة أبيها [11]. إما إن كان النمرود عراقيا فمن هو ؟ هل هو نرام سين* - شار كليشاري - اوتوحيكال - اورنمو – شولكي* - امارسين* - شوسين* - ابي سين – سومو ابم – ريم سين- اشبي ايرا – لبت عشتار- أور ننورتا – ايرا ايمتي – انليل باني – سين ماكير - دامق ايشلو - حمو رابي ؟ أم انه من الملوك الذين اختفت أثارهم عنا بسبب عوامل الطبيعة والحروب ؟
رغم كل الجهود التي بذلتها لم استطع العثور على جوابا جاهزا وافيا لأسئلتي هذه . إلا إنني توصلت إلى فكرة جديدة لن أتردد في عرضها في هذا الجزء من بحثي عن مكانة أهل العراق عند الله عزوجل عبر التاريخ .خاصة وإنني قد كونتها بتحليل علمي دقيق مبني على حقائق تاريخية مؤكدة مسندة بمصادر موثقة عند أهل السير وعلماء التاريخ والآثار .
إحداث قصة نبي الله إبراهيم في العراق :-
إبراهيم عليه السلام هو ابن تسارخ(تارح) ابن ناحور ابن ساروغ (شاروخ)ابن راعو(ارغو) ابن فالغ ابن عابر ابن شالح (شالخ)ابن ارفخشد ابن سام ابن نوح عليه السلام. [12]
كان تارح من أهل بابل و وأنجب فيها ثلاثة أولاد هم ناحور وهاران وهو والد لوط عليه السلام كان قد توفى في أرض أبيه التي ولد فيها، وهي أرض الكلدانيين؛ يعنون أرض بابل. وإبراهيم عليه السلام الملقب بابى الأنبياء في إشارة إلى الديانات السماوية الثلاث وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية .
انطلق تارح ( ويقال له تارح وتسارخ وذكر في القران الكريم بأزر) بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين (بابل) إلى أرض الكنعانيين ( وهي بلاد بيت المقدس ) فأقاموا بحران[13]. وهي بلدة تقع أقصى مابين النهرين غربا . وقد اختلف أهل السير والتواريخ والإخبار في ملكها فمنهم من قال إن ملكها هو هاران أخ إبراهيم عليه السلام ومنهم من قال إن ملكها كان ناحور أخ إبراهيم عليه السلام ومنهم من قال إن ملكها كان هاران عم إبراهيم عليه السلام . وقد توفى فيها تارح عن عمر ناهز 250عاما . وكانت حران والشام وارض الجزيرة تابعة في ذلك الزمان إلى ارض الكلدانيين . وكان أهلها يعبدون الكواكب والأصنام، فكل من على وجه الأرض كانوا كفاراً، سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام. [14]
مدينة حران :-
حرّان مدينة قديمة جداً، تقع في أرض الجزيرة، قرب منابع نهر البليخ بين الرها ورأس العين. ولقد أطلق عليها أسماء عديدة، عبر العصور التي تتالت عليها، فهي عند اليونان " كران " وعند الرومان " كارياي " ودعاها بعض آباء الكنيسة باسم هيلنوبوليس Hellenopolis أي المدينة الوثنية[15]. وورد اسمها في الكتابات المسمارية باسم حرانو ومعناها الطريق. وكانت حران زمن الآراميين مركزاً لإحدى دويلاتهم وقد ورد ذكرها في التوراة باسم - فدان ارام Padam Aram - أي حقل آرام. وذلك بمناسبة نصح إسحاق لابنه يعقوب بالذهاب إلى فدان ارام ليأخذ لنفسه زوجة من هناك من بنات خاله أخي أمه رفقة[16]. وسماها العرب حران، وقال بعضهم أن أول من بناها هو بهاران أخو إبراهيم الخليل وسميت على اسمه[17].
اكتسبت حران أهميتها قديماً بسبب عاملين: أوّلهما وقوعها على طريق تجاري هام يصل بين آسيا الوسطى وبلاد الشام، وثانيهما كونها مركزاً هاماً وذا شهرة لعبادة الإله سين أي القمر الذي كان الآشوريون يظهرون كل احترام له فيقدمون له النذور والهدايا، وبخاصة بعد سقوط نينوى عام 612 ق.م إذ هرب قسم من الآشوريين إليها وأعلنوا فيها تتويج آشور أوباليت أخي الملك آشور باني بال ملكاً على آشور، إلا أن نابوبلاصر وكان على رأس جيش مؤلف من بابليين وميديين اتجه نحو حرب، فهرب أهلها قبيل وصوله، فسنحت للقائد الغازي الفرصة لنهبها واحتلالها[18].
كان لموقع حران التجاري قبل الميلاد أهمية كبرى في تنوع سكانها فلقد استوطنها مكدونيون جاءوا مع الاسكندر المكدوني، وقد أطلقوا على آلهة حران أسماء يونانية، كما استقر فيها سوريون وفرس وأرمن وعرب.. وبقيت هذه المدينة محافظة على وثنيتها حتى بعد انتشار المسيحية، وربما فضَّل أهلها ذلك حرصاً على ما تدره عليهم سمعتها الدينية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عدة قرى دعيت باسم حران منها: إحدى قرى حلب، وحران الكبرى، وحران الصغرى، قريتان من البحرين لبني عامر. وحران العواميد في غوطة دمشق[19].
إبراهيم عليه السلام وعبادة الكواكب :-
في هذه البيئة التي سيطر عليها تعدد الإلهة ونصبت فيها التماثيل لعبادتها أوحى الله عزوجل لنبيه إبراهيم عليه السلام أن الله واحد وانه المهمين وحده على هذا الكون ؛ قال تعالى :
(وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل رأى كوكباً، قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي، فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر، فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين) الأنعام 75ـ79.
دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه :-
لذلك عزم إبراهيم عليه السلام على هداية قومه وكان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام، لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى:
( واذكر في الكتاب إبراهيم، إنه كان صديقاً نبياً * إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً * يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهديك صراطاً سوياً * يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن عصياً * يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً * قال أرغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، لئن لم تنته لأرجمنك، واهجرني مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربي، إنه كان بي حفيا * وأعتزلكم ما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا ) مريم41 – 48 .
وذكر الله تعالى لنا ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلي الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، وبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر؟ !
إبراهيم عليه السلام يدعوا قومه :-
ثم دعى إبراهيم عليه السلام قومه إلى عبادة الله عزوجل وترك عبادة الأصنام فإنها ليست سوى أباطيل وأكاذيب ونهاهم عما هم فيه ؛ قال تعالى:
( وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه، ذلكم خيرا لكم إن كنتم تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) العنكبوت:16ـ 17.
وقال تعالى في سورة الشعراء:
(واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعوكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) الشعراء 69ـ82 .
وقال تعالى في سورة الصافات:
(وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه ماذا تعبدون * أئفكاً آلهةً دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين * فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ إلي آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضرباً باليمين * فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون * قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأسفلين) الصافات 83ـ98.
يخبرنا الله تعالى عن دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه ، فقد أنكر عليهم عبادة الأوثان وحقرها وصغرها وتنقصها . فقالوا له أنهم وجدوا آباءهم على هذا الحال أي عبادة الأصنام والكواكب . فحاججهم عليه السلام بسؤاله لهم هل يسمعوكم إذ تدعونهم وهل ينفعونكم أو يضرونكم. فسلموا له أنها لا تسمع داعياً ولا تنفع ولا تضر شيئاً، فتبرأ وانتقص منها.فقالوا هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا، وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعباً؟ فرد عليهم بل أقول لكم ذلك جادا محقا، إنما إلهكم اله الذي لا إله إلا هو، هو ربكم ورب كل شيء لا شريك له، فاطر السماوات والأرض، الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
إبراهيم عليه السلام يحطم الأصنام :-
ثم أقسم عليه السلام ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها وليكسرها ويهنها بعد إن يولوا مدبرين إلي عيدهم فذهب إليها مسرعاً متخفياً ، فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعاً من الأطعمة قرباناً إليها، فقال لها على سبيل التهكم والازدراء ( ألا تأكلون* ما لكم لا تنطقون) الصافات91ـ92. فضربها بفأس بيده وحطامهاً كلها إلا كبيرها فقد وضع فاسه فيها (أي بكبير الإلهة) ، إشارة على أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار!.
فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) الأنبياء59. وهذا فيه دليل ظاهر على بطلان عبادتهم للأصنام فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء، لكنهم ومن شدة خبالهم وضلالهم قالوا من فعل هذا بإلهتنا ؟
فقالوا سمعنا فتى يذكر ألهتنا بسوء يقال له إبراهيم ، فهو المقيم عليها الكاسر لها. وكان حديثهم في الملأ الأكبر على رءوس الأشهاد، لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه، ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه. وكان هذا أكبر مقاصد الخليل إبراهيم أن يجتمع الناس كلهم، فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه .
فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا : قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فقال لهم بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون ، أي اسألوا الأصنام . وبجوابه هذا أرادهم أن يبادروا إلى القول بأن هذه لا تنطق، فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات.
فعادوا على أنفسهم بالملامة، فقالوا: إنكم أنتم الظالمون، أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها . أو أنهم الظالمون في عبادتها. حينها أدركت القوم حيرة سوء، ثم قالوا: لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها..؟!
فعند ذلك قال لهم الخليل (أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) الأنبياء:66ـ67 .
حادثة النار :-
وهنا وصل حال الكافرين بما لايطاق، فقد أحرجهم نبي الله إبراهيم عليه السلام في أسئلته ومحاججته لهم فقد أهانهم وأحقر الهتم وكشف أكاذيبهم وأباطيل مايدعون . فلابد من تصرف يخفون به فضيحتهم فعمدوا إلى استعمال قوتهم وسلطانهم، لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله؛ وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى ( قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيداً فجعلهم الأسفلين) الأنبياء 59 .
فظلوا يجمعوا الحطب لمدة طويلة حتى اذا ما جمعوا كما هائلا منه وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له "هيزن"، وكان أول من صنع المجانيق، فخسف الله به الأرض. ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك. فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيداً مكتوفاً، ثم ألقوه منه إلي النار، قال: حسبنا الله ونعيم الوكيل[20]. فأمر الله النار إن لاتأذي نبيه عليه السلام (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) الأنبياء 69.
إبراهيم عليه السلام وسط النار :-
فصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لايقدرون على الوصول إليه ولأهو يخرج لهم . فقال تارح أبو إبراهيم عليه السلام لما رائ ولده على تلك الحال ( نعم الرب ربك ياابراهيم ). إما أم إبراهيم فقد نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته يأبني إني أريد إن أجئ إليك فادع الله إن ينجيني من حر النار حولك ، فقال نعم . فأقبلت إليه لايمسها شئ من حر النار . فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت . ويقال إن إبراهيم عليه السلام مكث في النار أربعين أو خمسين يوما[21].
أرادوا قوم إبراهيم أن ينتصروا لهم ولإلهتهم فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى ( وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين)الأنبياء 70 . وفي الآية الأخرى (الأسفلين) الصافات 98 . ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاماً، بل هي كما قال تعالى ( إنها ساءت مستقراً ومقاماً ) الفرقان 66 .
النمرود يطلب إبراهيم عليه السلام للمناظرة :-
عندها سمع ملك ارض بابل بخبر إبراهيم عليه السلام ودعوته إلى عبادة الله وحده ونبذ أي معبود دون الله . فبعث هذا الملك الذي كان يدعي الإلوهية في طلب إبراهيم عليه السلام ليحاججه[22] . وقد دار بينهما هذا الحوار الذي يقصه علينا القران الكريم :
قال الله تعالى :
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين) البقرة 258
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم، ذكر دليلاً آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادّعاه النمرود وانقطاعه جهرة ، قَال (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ) أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها. وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء. فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب فإنّ الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد، أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.
فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه، وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل انقطع وسكت ؛ ولهذا قال (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
فأرسل الله عزوجل على هذا الملك ذباباً من البعوض فدخلت واحدةٌ منها في منْخَره فمكثت فيه زمنا طويلا ؛ عذبه الله تعالى بها فكان يُضْرَبُ رأسُه بالمرِازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها [23] . قال تعالى ( قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ) النحل 26.
هجرة إبراهيم عليه السلام إلى بيت المقدس :-
إما إبراهيم عليه السلام فقد هاجر إلى بيت المقدس في فلسطين ومنها إلى مصر ثم رجع إلى بيت المقدس فرزقه الله عزوجل إسماعيل من زوجته هاجر القبطية من أهل مصر ثم رحل بإسماعيل وهاجر إلى الجزيرة وبالتحديد إلى مكة المكرمة والتي لم تكن معروفة بهذا الاسم في ذاك الزمان ثم عاد إبراهيم إلى بيت المقدس فرزقه الله اسحق عليه السلام من زوجته الأولى سارة أبنت عمه هاران . وقد بنى إبراهيم وابنه إسماعيل الكعبة المشرفة في إحدى زيارات إبراهيم عليه السلام لزوجته هاجر وابنه إس
الرفيق
رافت علي
بغداد الجهاد


Posted in:
0 تعليقات:
إرسال تعليق