2010/01/16

لا يفل الحديدَ إلا الحديدُ ...


لم تكن تركيا بحاجة لكثير وقت حتى تثأر لكرامتها المهدورة في تل أبيب ، فلا هي عمدت الى مشاورات داخلية وخارجية ولا إلى تشكيل لجان لبحث الأمر ولا إلى تقديم اقتراحات ومبادرات أو الدعوة الى قمم واجتماعات ...كان اوردوغان ومن خلفه الأمة التركية واضحون كل الوضوح (( يجب أن تعتذر إسرائيل لتركيا قبل حلول مساء الأربعاء وإلا...))

وقفت الصحافة التركية كلها والقوى الشعبية والأحزاب السياسية مؤيدة ومعارضة الى جانب الموقف الحكومي الذي يتماهى والموقف الشعبي والوطني ..والذي أشعر كل مواطن تركي ــ لا بل وكل إنسان يعرف معنى الدبلوماسية ومعنى إهانة دبلوماسي ــ بالإهانة وهو يشاهد ممارسة نائب وزير خارجية الكيان ضد السفير التركي الذي غُرر به أمام وسائل الإعلام وبلغة لا يفهمها وظـَّفها الدبلوماسي الإسرائيلي لازدراء السفير وبلده .....

ما الذي تملكه تركيا لتخافه اسرائيل ؟!! وليجعلها تنشغل واقفة على قدميها بعد التهديد التركي ، تنظر الى الساعة متمنية الا تتعجل عقاربها وينتهي اليوم قبل ان تنهي الاشكال مع تركيا ..كانت تعرف أن الكلمة التي خرجت من فم اوردوغان تخرج من فم كل تركي وعربي مسلم كذلك ....وأنه وإن رضي بالاعتذار الرسمي فشعبه سيطالب بأكثر من ذلك إن لم يتحقق لرئيسه ما أراد ...لذلك رضخت اسرائيل ورضخ نائب وزير الخارجية وقدم الاعتذار الذي يوازي الإهانة ، رغم أنه كان أعلن قل ساعات من ذلك أنه لن يعتذر .....

نحن أيها السادة كأمة عربية تنقصنا القيادات الجريئة التي تتسلح بشعبها لا التي تتسلح لقمع شعوبها وقهرهم ...فأمتنا وشعوبنا لا تنقصها لا روح التضحية ولا الإيمان المطلق بحقها ولا استعدادها للتحرك الفعال خلف قياداتها ...لقد لوحت تركيا بالقليل مما لديها من مصالح مع الكيان دون أن تستخدم شيئا من تلك المصالح ..لوحت فقط بسحب السفير وما يعنيه ذلك من قطيعة دبلوماسية سيلحقها مقاطعة شعبية اقتصادية وسياحية وسيلحقها ملاحقة في المحافل الدولية من قبل تركيا وبالتالي مزيد من العزلة على اسرائيل ..أما نحن فنقتل ونذبح بمعاول عربية أحيانا ولو بأيد إسرائيلية وسفراؤنا ما زالوا في تل أبيب وسفراء تل أبيب ما زالوا في ردهات قصور حكامنا يرسمون لهم السياسات ويستخدمون الفيتو على تحركاتهم .....فمتى يكون لممالك البراغيث على امتداد وطننا العربي اوردوغان عربي ..وصحافة ليست صفراء تطبل للزعيم وتروج لأحفاده وأنسابه وتقبض منه آخر النهار ثمن (حلمة كذابة ) تكفيها وتكفي كتبتـَها مؤونة نصف نهار ..إلى أن يأتي نهار آخر وزعيم آخر وتطبيل وتزمير آخر.

لن أضيف جديدا إذا ذكرت بأن تركيا اليوم تتهادى برسم سياستها واتخاذ مواقفها بدافع من مصالحها القومية ، وبدافع من البحث عن مكانة مميزة لها وسط التراجع العربي المشين ..والأوروبي المرتبط بمصالح تخضع للمد والجزر حسب الحاجات والأهواء ..نعم تركيا ترسم بهدوء وتتبع الرسم بخطوات عملية وتدخل إلى بيوتنا برضى وقبول ما دام غيرها من أربابنا يغلقون أفواهنا قبل بوابات بيوتنا ...وما داموا يحرصون على ابتناء الجدر والأسيجة ونقب الأرض وتغليف السماء من فوقنا ومن تحتنا ليشتد علينا الحصار أكثر وتذوي قضيتنا قبل أجسادنا أكثر .

الموقف العربي والعالمي والاسلامي الشعبي الداعم لخيار الرفض التركي للظلم وخيار الممانعة العربية والمقاومة الفلسطينية يلحظه كل فلسطيني يقدَر له الخروج من فلسطين ..ولحظه الفلسطينيون منا الذين أدوا هذا العام فريضة الحج والتقوا بالملايين من أبناء هذه الشريعة السمحاء في رحاب مكة والمدينة ...حناجر تلهج بالدعاء لكل من يقف في وجه الظلم وتلهج بأن يخسف الله الأرض بكل المساومين والمتصاغرين والأذلاء الذين يسلكون طريق الذل ..بل إن الأمر وصل بطرد ومعاقبة كل من كان يُعرَف بـِمُوالاته لنهج الاستسلام من ابناء فلسطين حتى ..... وبعض الذين عادوا بوجوه سوداء من مكة ...كانت بفعل ما لاقوه من توبيخ على مواقفهم وتماهيهم ومسؤوليهم مع الاحتلال والعدوان وعدم وقوفهم الموقف الوطني المطلوب خلال العدوان على غزة وأهلها

كل ذلك يثبت أن العزة والكرامة لا تموت وإن جفت منها بعض العروق وخلت منها بعض الأوردة ... هي باقية ما بقي الحق ضائعا وما بقيت نفوس على استعداد للدفاع عنها بالغالي والنفيس ....

لن يتعرض السفير التركي لإهانة مرة أخرى في تل أبيب ، ولن يتوقف عرض مسلسل (واد الذئاب ) الذي يغضب إسرائيل ..بل ستقدم الدراما التركية خلالا الأشهر القادمة مسلسلا جديدا يروي فصولا من المأساة الفلسطينية ...ولتشرب عندها إسرائيل وأعوانها العرب ماء البحر
بقلم: حسان نزال

0 تعليقات:

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر