
نضال نعيسة
قامت ما تسمى ثورة الأرز على قاعدة معارضة سورية، وفرضية تورطها بجريمة اغتيال رجل الأعمال السعودي رفيق الحريري، في أوج الحملة البوشية على المنطقة، والتي-الحملة- كانت تبحث عن ذرائع للتدخل في شؤون المنطقة، ووجدت في جريمة الاغتيال ضالتها المنشودة وخير سند وحامل، وذلك لتحميل سورية مسؤولية تلك الجريمة، التي بينت الأحداث والتطورات حجم التلفيق، والتزوير الذي اكتنف التحقيقات، ما أفضى لاحقاً لانهيار المحكمة كلياً، وكانت زيارة رئيس وزراء لبنان المنتخب سعد الحريري، اعترافاً، وإقراراً، وإن غير مباشر، بانهيار تلك المحكمة، ونهاية حقب التضليل، وطي صفحة الماضي المرير، في علاقات شابها التوتر بين الدولتين. ناهيكم عن التراجع الواضح بالاهتمام الأمريكي بالشأن اللبناني، في ظل وجود ملفات أسخن وأدسم، كالأفغاني، والعراقي.
لقد قامت تلك الثورة، إذن، على تحالف ضم فرقاء متباينين، وطامحين حدد، تجمعهم مصلحة واحدة وهي العداء لسوريا، والاعتقاد، في حينه، بأن أيام "النظام"، قد أصبحت معدودة، وبات كل من هؤلاء يحلم بحجز مكان مناسب له في مرحلة ما بعد السقوط. غير أن بقية القصة بات معروفاً للجميع.
ضم ذاك التحالف فيمن ضم، وشكـّل قوامه الأعرض تيار المستقبل الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي سعد الدين الحريري، واللقاء الديمقراطي الذي يتزعمه النائب وليد جنبلاط، مع تيار الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية التي يتزعمه السجين السابق في زنزانة اليرزة سمير جعجع، لمدة أحد عشر عاماً، وبعض الشخصيات السياسية الأخرى التي راهنت هي الأخرى على سقوط وشيك للنظام في سورية.
زيارة سعد الحريري، الأخيرة لدمشق، تذيب جبلاً من الجليد طبع علاقته في السنوات الخمس الماضية مع سورية، وكل ما تمخض عن الزيارة عكس أجواء إيجابية وتصالحية تتجاوز كل مرارات الماضي وبغض النظر، دائماً، عمن كان مسؤولاً إلى وصولها لـ"مواصيلها" تلك، وكان هناك رغبة في إظهار ذاك الشعور وتلك المناخات في كل تفاصيل الزيارة وحيثياتها والتصريحات التي أعقبتها. ومع زيارة الحريري إلى سوريا، التي تعني فيما تعنيه إقراراً غير مباشر، أيضاً، وصريحاً، بتهافت كل ذاك الخطاب والمزاعم التي قيلت في زمن ووقت ما، وانهيارها، وعدم الرغبة في الرجوع إليها. فها هو إذن تيار المستقبل يخرج، كلياً، من معادلة ما سمي بثورة الأرز، وطبعاً قد لا يعني هذا، بالضرورة، الانخراط في تحالف مع السوريين. لكن ربما كان نوعاً من إعادة اكتشاف للثقل الاستراتيجي السوري الإقليمي في المنطقة، والتسليم به، ليس إلا، كونه الضمانة الأولى لنجاح العملية السياسية التي تلكأت طويلاً في لبنان، إثر محاولتها القفز على حقائق التاريخ والجغرافية وتجاوزها، والتي حكمت العلاقة بين الطريفين، بطريقة لا يمكن الفكاك منها.
ومن الجدير ذكره، بصدد تلاشي وخفوت زخم ما يسمى بثورة الأرز، أن زعيم ما يسمى باللقاء الديمقراطي كان قد سبق الحريري في الانسحاب من تلك الثورة ، معبراً عن إعادة انبعاث واكتشاف لميوله القومية والعروبية واليساروية والفلسطينية، بما يعني ضمنياً، ابتعاد ثورة الأرز عن كل هذا الخطاب، أي إدانة غير مباشرة منه لثورة الأرز. ويجاهد جنبلاط اليوم، وبشكل حثيث، لزيارة سوريا، كما تورد الأنباء، من دون أن يحظى حتى اليوم على أية موافقة رسمية سورية محتملة على هذه الزيارة، التي تبدو مرفوضة، جملة وتفصيلاً، سورياً، ضمن السياقات والظروف السورية الحالية.
التيار البارز الثالث والأخير في تلك الثورة، هو الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية التي يتزعمها السجين السابق سمير جعجع لا والذي لا يحظى بإجماع مسيحي في ظل وجود أكثر من ثلاثة أو أربعة تيارات مسيحية أفعل وأكثر قوة وقابلية داخل لبنان، ولذا فهو، مبدئياً، لا يمثل كل المسيحيين، وقوته لا يعتد بها على الأرض، نتيجة لوجود تباينات ومواقف متناقضة حادة منه، ومن تاريخه داخل الجسم اللبناني المسيحي، ولم يعد يشكل أي ثقل حقيقي ونوعي على الأرض. وأما بخصوص الشخصيات اللبنانية الأخرى من "الطامحين الجدد"، التي كانت ضمن تلك التحالف، فإنها، ومع انفراط عقد ذاك التحالف، فوجدت نفسها وحيدة ومعزولة ومن دون أي تأثير، وافتقدت للكثير من عوامل القوة والزخم، وحتى "المشروعية" السياسية، الذي بدا أنها تمتعت بها في يوم من الأيام.
كما قام ذاك التحالف على فرضية أو الدعوة للاستقلال أو الابتعاد عن النفوذ وما سمي بالوصاية السورية، لكن تبين أن لبنان وجد نفسه في أتون تبعية ووصايات جهوية إقليمية ودولية أفقدته البوصلة والقدرة على الحركة، وتجلى ذلك بالشلل الذي رافق تشكيل الحكومة اللبنانية نظراً لتعدد الأيادي والأمزجة والوصايات عليه، والمصالح الطامعة فيه، أي لم يكن هناك أي وجود لشيء اسمه استقلال في هذه الحال. وتبين أيضاً، أن لبنان الرسمي والشعبي لا يعرف العيش ولا يمكن له أن يحقق أي نوع من السيادة والاستقلال والقوة الحقيقة من دون اليد السورية، التي تمتد إليه اليوم، ويبدو معها أنه أقوى وأكثر أمناً واستقراراً، وحتى استقلالاً. لقد كانت نظرية الاستقلال اللبناني في الواقع ذهاباً في المجهول، وانفصالاً عضوياً عن الجسد الأم. ومع تلك العودة اللبنانية الرسمية ممثلة بزيارة ذات رمزية لا تخفى من السيد سعد الحريري، بالذات، انهار ركن آخر ودعامة وعامل من عوامل تلك الثورة الأرزية.
مع كل هذه التحولات البنيوية والنوعية العميقة، على ما سمي ذات يوم بثورة الأرز، فإن تلك الثورة تأكل ذاتها، وتودع تراثها وتقطع مع إرثها اليوم، وبشكل نهائي ومفصلي، على ما يبدو، وهذه هي، في الواقع، ثورة الأرز الحقيقية التي تعمل لمصلحة لبنان، وهي الوحيدة التي سيكتب لها النجاح، ومن دون أدنى شك.
قامت ما تسمى ثورة الأرز على قاعدة معارضة سورية، وفرضية تورطها بجريمة اغتيال رجل الأعمال السعودي رفيق الحريري، في أوج الحملة البوشية على المنطقة، والتي-الحملة- كانت تبحث عن ذرائع للتدخل في شؤون المنطقة، ووجدت في جريمة الاغتيال ضالتها المنشودة وخير سند وحامل، وذلك لتحميل سورية مسؤولية تلك الجريمة، التي بينت الأحداث والتطورات حجم التلفيق، والتزوير الذي اكتنف التحقيقات، ما أفضى لاحقاً لانهيار المحكمة كلياً، وكانت زيارة رئيس وزراء لبنان المنتخب سعد الحريري، اعترافاً، وإقراراً، وإن غير مباشر، بانهيار تلك المحكمة، ونهاية حقب التضليل، وطي صفحة الماضي المرير، في علاقات شابها التوتر بين الدولتين. ناهيكم عن التراجع الواضح بالاهتمام الأمريكي بالشأن اللبناني، في ظل وجود ملفات أسخن وأدسم، كالأفغاني، والعراقي.
لقد قامت تلك الثورة، إذن، على تحالف ضم فرقاء متباينين، وطامحين حدد، تجمعهم مصلحة واحدة وهي العداء لسوريا، والاعتقاد، في حينه، بأن أيام "النظام"، قد أصبحت معدودة، وبات كل من هؤلاء يحلم بحجز مكان مناسب له في مرحلة ما بعد السقوط. غير أن بقية القصة بات معروفاً للجميع.
ضم ذاك التحالف فيمن ضم، وشكـّل قوامه الأعرض تيار المستقبل الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي سعد الدين الحريري، واللقاء الديمقراطي الذي يتزعمه النائب وليد جنبلاط، مع تيار الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية التي يتزعمه السجين السابق في زنزانة اليرزة سمير جعجع، لمدة أحد عشر عاماً، وبعض الشخصيات السياسية الأخرى التي راهنت هي الأخرى على سقوط وشيك للنظام في سورية.
زيارة سعد الحريري، الأخيرة لدمشق، تذيب جبلاً من الجليد طبع علاقته في السنوات الخمس الماضية مع سورية، وكل ما تمخض عن الزيارة عكس أجواء إيجابية وتصالحية تتجاوز كل مرارات الماضي وبغض النظر، دائماً، عمن كان مسؤولاً إلى وصولها لـ"مواصيلها" تلك، وكان هناك رغبة في إظهار ذاك الشعور وتلك المناخات في كل تفاصيل الزيارة وحيثياتها والتصريحات التي أعقبتها. ومع زيارة الحريري إلى سوريا، التي تعني فيما تعنيه إقراراً غير مباشر، أيضاً، وصريحاً، بتهافت كل ذاك الخطاب والمزاعم التي قيلت في زمن ووقت ما، وانهيارها، وعدم الرغبة في الرجوع إليها. فها هو إذن تيار المستقبل يخرج، كلياً، من معادلة ما سمي بثورة الأرز، وطبعاً قد لا يعني هذا، بالضرورة، الانخراط في تحالف مع السوريين. لكن ربما كان نوعاً من إعادة اكتشاف للثقل الاستراتيجي السوري الإقليمي في المنطقة، والتسليم به، ليس إلا، كونه الضمانة الأولى لنجاح العملية السياسية التي تلكأت طويلاً في لبنان، إثر محاولتها القفز على حقائق التاريخ والجغرافية وتجاوزها، والتي حكمت العلاقة بين الطريفين، بطريقة لا يمكن الفكاك منها.
ومن الجدير ذكره، بصدد تلاشي وخفوت زخم ما يسمى بثورة الأرز، أن زعيم ما يسمى باللقاء الديمقراطي كان قد سبق الحريري في الانسحاب من تلك الثورة ، معبراً عن إعادة انبعاث واكتشاف لميوله القومية والعروبية واليساروية والفلسطينية، بما يعني ضمنياً، ابتعاد ثورة الأرز عن كل هذا الخطاب، أي إدانة غير مباشرة منه لثورة الأرز. ويجاهد جنبلاط اليوم، وبشكل حثيث، لزيارة سوريا، كما تورد الأنباء، من دون أن يحظى حتى اليوم على أية موافقة رسمية سورية محتملة على هذه الزيارة، التي تبدو مرفوضة، جملة وتفصيلاً، سورياً، ضمن السياقات والظروف السورية الحالية.
التيار البارز الثالث والأخير في تلك الثورة، هو الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية التي يتزعمها السجين السابق سمير جعجع لا والذي لا يحظى بإجماع مسيحي في ظل وجود أكثر من ثلاثة أو أربعة تيارات مسيحية أفعل وأكثر قوة وقابلية داخل لبنان، ولذا فهو، مبدئياً، لا يمثل كل المسيحيين، وقوته لا يعتد بها على الأرض، نتيجة لوجود تباينات ومواقف متناقضة حادة منه، ومن تاريخه داخل الجسم اللبناني المسيحي، ولم يعد يشكل أي ثقل حقيقي ونوعي على الأرض. وأما بخصوص الشخصيات اللبنانية الأخرى من "الطامحين الجدد"، التي كانت ضمن تلك التحالف، فإنها، ومع انفراط عقد ذاك التحالف، فوجدت نفسها وحيدة ومعزولة ومن دون أي تأثير، وافتقدت للكثير من عوامل القوة والزخم، وحتى "المشروعية" السياسية، الذي بدا أنها تمتعت بها في يوم من الأيام.
كما قام ذاك التحالف على فرضية أو الدعوة للاستقلال أو الابتعاد عن النفوذ وما سمي بالوصاية السورية، لكن تبين أن لبنان وجد نفسه في أتون تبعية ووصايات جهوية إقليمية ودولية أفقدته البوصلة والقدرة على الحركة، وتجلى ذلك بالشلل الذي رافق تشكيل الحكومة اللبنانية نظراً لتعدد الأيادي والأمزجة والوصايات عليه، والمصالح الطامعة فيه، أي لم يكن هناك أي وجود لشيء اسمه استقلال في هذه الحال. وتبين أيضاً، أن لبنان الرسمي والشعبي لا يعرف العيش ولا يمكن له أن يحقق أي نوع من السيادة والاستقلال والقوة الحقيقة من دون اليد السورية، التي تمتد إليه اليوم، ويبدو معها أنه أقوى وأكثر أمناً واستقراراً، وحتى استقلالاً. لقد كانت نظرية الاستقلال اللبناني في الواقع ذهاباً في المجهول، وانفصالاً عضوياً عن الجسد الأم. ومع تلك العودة اللبنانية الرسمية ممثلة بزيارة ذات رمزية لا تخفى من السيد سعد الحريري، بالذات، انهار ركن آخر ودعامة وعامل من عوامل تلك الثورة الأرزية.
مع كل هذه التحولات البنيوية والنوعية العميقة، على ما سمي ذات يوم بثورة الأرز، فإن تلك الثورة تأكل ذاتها، وتودع تراثها وتقطع مع إرثها اليوم، وبشكل نهائي ومفصلي، على ما يبدو، وهذه هي، في الواقع، ثورة الأرز الحقيقية التي تعمل لمصلحة لبنان، وهي الوحيدة التي سيكتب لها النجاح، ومن دون أدنى شك.


Posted in:
0 تعليقات:
إرسال تعليق