الراصد القديم

2010/02/01

جذور الوصاية الاردنية


الملكة دينا نشرت كتابا خطيرا يثبت من خلال الارشيف الصهيوني ان الملك عبدالله
مؤسس الاردن وكبار قادة وزعماء العشائر الاردنية كانوا في الواقع عملاء واجراء
للوكالة اليهودية منذ العشرينات .

صدرت طبعات جديدة منه سرعان ما صادرتها المخابرات الاردنية من الاسواق العربية.


يقول مؤلف الكتاب الدكتور سليمان بشير ان بداية الاتصال المكثَّف للأمير عبد
الله بالوكالة اليهودية يعود إلى أوائل سنة (1932 م) وهي ذات الفترة التي شهدت
بداية ارتباط شيوخ العشائر الاردنية بها ايضا .

وقد كانت الدوافع وراء السعي لإقامة مثل ذلك الاتصال متشابهة وكان الأمير يتصرف
هنا كملاك كبير للأراضي و"كشيخ مشايخ" دفعه وضعه الاقتصادي الصعب إلى البحث عن
رؤوس أموال وخبرات فنية أجنبية لاستثمارها على أرضيه، أو حتى رهن تلك الأراضي
مقابل قروض معينة. http://www.arabtimes.com/Arab%20con/jordan/wesayah.jpg

وعلى الرغم من أن الوكالة اليهودية لم تشكِّل بالنسبة إلى الامير سوى أحد مصادر
التمويل والاستثمار في البداية، إلا أنه سرعان ما كانت لارتباطه المصلحي معها
أبعاداً ومضاعفات سياسية خطيرة.

فذلك الارتباط فتح آفاقاً جديدة أمام التحالف السياسي بين الأمير والحركة
الصهيونية ونما جزء من سعيه وراء توثيق ذلك التحالف خطوة أولى على طريق إقناع
زعامة الحركة الصهيونية من ناحية وسلطات الانتداب البريطاني من الناحية الأخرى
بقبول مشروعه "لحل" القضية الفلسطينية بتوحيد فلسطين مع شرق الأردن.

التحالف بين الملك عبدالله والوكالة اليهودية سبب خطرا – كما يقول المؤلف – على
الحركة الوطنية الفلسطينية ادى الى اجهاظها في السنوات 1936 و 1939 وكان هذا
التحالف بداية التحول باتجاه تقسيم فلسطين وضم الجزء العربي منها إلى شرق
الأردن فيما بعد.

أمَّا بخصوص بداية بحث الأمير عن متمولين لاستثمار أراضيه فإن وثائق الوكالة
اليهودية تؤكد أن هذه الأخيرة لم تشكل في البداية سوى إحدى الإمكانيات.

ويقول موشيه شرتوك في التقرير الذي كتبه عن محادثته مع ت. د. (تيسير الدوجي)
يوم (15/2/1932 م):

«سألته فيما إذا كان عباس حلمي (خديوي مصر سابقاً) قد أعطى عبد الله أموالاً
لهدف تطوير أراضيه أو لهدف مهاجمة ابن سعود في الحجاز. فقال إن ليس لديه جواباً
قاطعاً وإنه سيسافر إلى عمَّان للاستفسار».

(سيرة ومعلومات سياسية عن الأمير عبد الله وموقفه من الصهيونية) المصدر
السابق.

وفي تقرير عن مقابلة أخرى أجراها موشيه شرتوك مع ت. د. يوم (28/2/1932 م)
معلومات إضافية عن المفاوضات التي تمت بين الأمير وعباس حلمي في تلك الفترة.
ويفهم من هذا التقرير أن ت. د. قابل حامد الوادي أحد مساعدي الأمير وسأله عن
سبب سفره إلى سويسرا، فقال حامد إنه ذهب للتفاوض مع عباس حلمي حول إمكانية
تطوير أراضي الأمير. كما يفهم أيضاً أن عباس حلمي كان شريكاً للمتمول المصري
شيكور باشا صاحب "الشركة العقارية" و"شركة الأعمال المصرية". غير أن مهمة حامد
الوادي فشلت بسبب رفض الأمير العرض الذي قدَّمه عباس حلمي بإيجار أراضيه لمدة
تسعة وتسعين سنة مقابل (1000) ليرة في السنة، وقد كان رد الأمير أنه معني
بشراكة وليس بمجرد إيجار لأراضيه.

والظاهر أن الوكالة اليهودية قد ألقت على عاتق ت. د. أن يقوم في هذه المرحلة
المبكرة بالتمهيد لفكرة أخذ الأمير لها متمولاً في الحسبان، إذ يضيف شرتوك في
نفس التقرير:

«وحدثني ت. د. عن المواضيع التي تحدث فيها مع الأمير عند دعوة الأخير إياه
لتناول الغذاء على مائدته.... لقد دار الحديث حول اليهود عاملاً هاماً في
فلسطين، ووافق الأمير على فكرة كونهم يشكلون بقرة حلوب لعرب فلسطين»

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3051) بالعبرية›.

غير أن التقرير الذي كتبه موشيه شرتوك حول محادثة أخرى أجراها مع ت. د. يوم
(8/2/1932 م) يشير إلى أن الأمير قد أخذ في نفس الوقت بعض الشركات الأجنبية في
الحسبان أيضاً.

يقول موشيه شرتوك:

«أطلعني ت. د. على رسالة بعثها له عبود نجار، سكرتير الأمير عبد الله الخاص
ويقول عبود في هذه الرسالة إنه بعد فشل رحلة حامد الوادي إلى أوروبا بشأن أراضي
الأمير، طلب الأخير إلى حبيب لطف الله أن يثير اهتمام إحدى الشركات الإيطالية
بتطوير أراضيه».

‹أ. ص. م. ملف س. (5/3051) بالعبرية›.

وعلى هذه الخلفية بدأت الوكالة اليهودية تتحرك، وخلال أول زيارة قام بها رئيسها
حاييم أرلوزوروف للأمير في عمَّان يوم (14/3/1932 م) تمت مناقشة موضوع النشاط
الصهيوني والهجرة اليهودية إلى شرق الأردن. ويقول موشيه شرتوك الذي رافق
أرلوزوروف في تقريره عن تلك الزيارة:

«عندها انتقل النقاش إلى موضوع العلاقات بين اليهود وشرق الأردن. وأكد
أرلوزوروف للأمير أن شرق الأردن لا يمكن أن تتطور اقتصادياً بمعزل عن فلسطين
لأن فصل البلدين عن بعضهما أمر مصطنع. كما قال بأن التعاون الاقتصادي هو الخطوة
الأولى على طريق التعاون والوحدة السياسيين، وإن اليهود الذين طوَّروا فلسطين
يستطيعون الإسهام في تطوير شرق الأردن أيضاً. ورداً على ذلك قال الأمير إنه لا
يخاف من الهجرة اليهودية، غير أن مثل هذه المخاوف موجودة لدى عرب فلسطين. لذلك
يجدر بالوكالة وبالأمير نفسه أخذ هذه المخاوف وانعكاسها على شرق الأردن بعين
الاعتبار قبل الحديث عن التعاون الاقتصادي». ‹أ. ص. م. ملف س. (25/6313)
بالعبرية›.

هنا يظهر بوضوح أن الأمير وقع في هذه المرحلة المبكرة تحت تأثيرين متناقضين....
فمصالحه كملاك كبير للأراضي وأنه يقف على رأس النظام العشائري تدفعه من ناحية
إلى التعاون مع الوكالة اليهودية , غير أن مركزه يحتِّم عليه أخذ الأبعاد
والمضاعفات السياسية التي من الممكن أن تنشأ عن ذلك التعاون على المستوى المحلي
والفلسطيني والعربي أيضاً.

ذلك ما يفسِّر تريثه في البداية ورفضه الدعوة التي وجهها أرلوزوروف لزيارة
إحدى المستعمرات اليهودية في فلسطين.

ويشير شرتوك في تقريره إلى أنه في حين عبَّر الشيخ فؤاد الخطيب مستشار الأمير
الذي شارك في الاجتماع بأرلوزوروف (إلى جانب كل من الأمير نايف ووزير البلاط
ورئيس حرس الشرف وبعض شيوخ البدو) عن استعداده للقيام بمثل تلك الزيارة، فقد
«اعتذر الأمير وقال إنه لا يستطيع تجاهل الرأي العام والصحافة». ‹المصدر
السابق›.

وقد عبَّر الأمير لـ ت. د. عن مخاوفه بشكل أوضح يوم التقى به عقب اشتراك الأخير
في مؤتمر المعارضة الشرق أردني الذي عقد في عمَّان يوم )15/3/1932 م(ويظهر من
التقرير الذي كتبه موشيه شرتوك عن مضمون الحديث الذي دار في ذلك اللقاء كما
نقله إليه ت. د. أن أول ما كان يخشاه الأمير هو ردة فعل الحركة الوطنية الشرق
أردنية. يقول شرتوك:

«وبعد انتهاء المؤتمر زار ت. د. قصر الأمير الذي دعاه لمرافقته في رحلة لخرائب
"الموقر" الواقعة (60) كيلو متراً إلى الشرق من عمَّان. هنالك تذّمر له الأمير
من نشاط العشائر الموالية لابن سعود.

وبعدها تحدث الأمير عن انطباعه من زيارة أرلوزوروف له، ووافق على ما قاله ت. د.
بأن للنشاط الصهيوني في فلسطين تأثيرات اقتصادية إيجابية على أهاليها.

ولكن الأمير قال إن حكومته ستعارض أي اتصال سيقوم به مع اليهود ويضيف ت. د.
بأن علاقة الأمير بحكومته سيئة للغاية، لأن بعض أعضائها قوميون متطرفون يعارضون
دخول اليهود إلى شرق الأردن، ومنهم: توفيق أبو الهدى، سكرتير الحكومة، من
مواليد عكا، والدكتور خلوص أبو رحمة، مدير دائرة الصحة، وعودة القسوس، المدعي
العام، من الكرك، وباز قعوار، مدير البريد، وعادل العظمة».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3501) بالعبرية›.

وبالنسبة إلى الأمير فإن تردده نبع في هذه الفترة أيضاً من مخاوفه أن تؤدي
مشاريع التطوير الصهيونية إلى السيطرة السياسية للحركة الصهيونية على شرق
الأردن في نهاية الأمر.

ويظهر ذلك بوضوح في تقارير ‹جاد› (الذي هو ت. د. كما أشرنا سابقاً) من تلك
الفترة. يقول أهرون كوهين في أحد تلك التقارير الذي كتبه يوم (21/7/1932 م):

«وقد سمع جاد قول الأمير أكثر من مرة إنه متحمس أن يستوطن اليهود بلاده وأن
يطوروها صناعياً وتجارياً.... كما صرَّح أمام (المعتمد البريطاني) الكولونيل
كيش أكثر من مرة أنه لا يعارض اليهود. غير أن جاد يعلم أن الأمير يخشى بينه
وبين نفسه من أن يتحول اليهود إلى عنصر معارض داخل إمارته متى نجحوا في تثبيت
أقدامهم فيها.... ويظن جاد أن علينا أن نقتلع هذه الشكوك من قلب الأمير بضمانة
خطية».

‹أ. كوهين، معلومات جاد، أ. ص. م. ملف س. (25/4143) بالعبرية›.

ومن الناحية الأخرى فإن تطلعات التوسع الصهيونية لم تقتصر بدورها على البحث عن
إمكانيات استيطان الأرض فقط، بل أخذت الوكالة اليهودية تهتمَّ أيضاً بإمكانية
الحصول على امتيازات للقيام بمشاريع اقتصادية أخرى في شرق الأردن.

ويعطينا التقرير التالي الذي كتبه أهرون كوهين يوم (29/7/1932 م) بعض التفاصيل
عن هذه المشاريع التي قامت الوكالة بتكليف جاد بالسعي لتأمين حصولها على
امتيازاتها.

يقول كوهين:

«أثناء زيارة جاد شرقي الأردن نجح في تتبع تطور القضايا المتعلقة بنا، واطلع
على الرسائل التي وجّهتها الوكالة اليهودية إلى رئيس الوزراء حول إمكانية تشغيل
العمال اليهود في منشآت شركة النفط العراقية هناك. كما قام بالتحقيق في الأسباب
التي دفعت رئيس الحكومة إلى عدم الرد عليها واتضح له أن الكولونيل كوكس
(المعتمد البريطاني في عمَّان) قد أمر ذلك.

كما اجتمع جاد بطاهر الجيقة، رئيس بلدية عمَّان وسكرتير اللجنة التنفيذية
للمؤتمر الشرق أردني المعارض، وتحدَّث إليه عن المشاريع العامة التي تنوي بلدية
عمَّان القيام بها في الفترة القريبة.... واقترح جاد أن تؤخذ الشركات اليهودية
بعين الاعتبار كطرف مقاول. وقد وافق طاهر على الاقتراح وزوَّده بالمعلومات
التالية حول المشاريع العتيدة:

ا- تعبيد شبكة شوارع داخل عمَّان مساحتها (52) ألف متر مربع مع حفر شبكة مجاري
ووضع أنابيب المجاري قبل التعبيد.

ب- إنارة عمَّان بالكهرباء.

ج- تعبيد (500) كم من الطرق وعلى رأسها الطريق من جسر اللنبي إلى عمَّان.

وتنوي بعض الشركات التجارية الأجنبية التقدم بمقترحات ومناقصة من عندها لاستلام
العمل...... أمَّا جاد فيشجعنا على دفع الشركات اليهودية على تقديم مقترحاتها
بوساطته، وبعد التأثير على رئيس الحكومة بالموافقة على المقترحات اليهودية إذا
لم تكن أغلى من مقترحات الشركات الأخرى».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) بالعبرية›.

وبالفعل فقد باشرت الوكالة على الفور ببحث إمكانية حصول إحدى الشركات الصهيونية
على امتيازات تلك المشاريع.

وتتضمن الرسالة التالية التي بعث بها موشيه شرتوك إلى أرلوزوروف في لندن يوم
(2/8/1932 م) بعض المعلومات حول اعتبارات الوكالة السياسية عند تفكيرها
بالإقدام على تلك الخطوة.

يقول شرتوك في رسالته:

«. . وقد ضغط جاد كثيراً بما يخص مقاولات الشوارع والمجاري والكهرباء في عمَّان
بهدف تحصيل بعض أرباح الوساطة والكفالة من حكومة شرق الأردن. وقد اتضح لي من
الحديث الذي دار بيننا أن الحكومة الأردنية ستكفل المشروع لمدة (5-10) سنوات.
ولم أشأ إعطاءه جواباً سلبياً قبل التأكد من إمكانياتنا. وقد فكرت أن شراكة
"مركز العمل" مع الحاج طاهر قرمان (والتي هي شركة (إيفن فسيد)) أنسب مرشح
للظهور مقاولاً لمشروع الشوارع والمجاري. ومن جميع النواحي فإن دخولنا إلى شرق
الأردن عن طريق شراكة يهودية-عربية سيكون أفضل من الناحية السياسية وأسهل من
الناحية العملية من ظهورنا يهوداً فقط». ‹أ. ص. م. ملف س. (25/3489) بالعبرية›.


وخلال يومين فقط قامت الدائرة السياسية بالاتصال بمركز العمل التابع للهستدروت
وتقرر إرسال وفد يمثل "إيفن فسيد" إلى عمَّان لفحص المشروع عن كثب.

وقد قدَّم أهرون كوهين، الذي رافق ذلك الوفد نيابة عن الدائرة السياسية،
تقريراً عن تلك الزيارة التي تمَّت يومي (4-5/8/1932 م).

يقول كوهين في تقريره:

«اقترحت الدائرة السياسية على شركة (إيفن فسيد) أن تهتمَّ بمشروع الأشغال
العامة المزمع القيام به في عمَّان. وشركة إيفن فسيد هي شراكة بين مركز العمل
للهستدروت وبين الحاج طاهر قرمان. . . ويوم (3/8/1932 م) تمَّ ترتيب اجتماع بين
جاد ودافيد هكوهين، مدير إيفن فسيد نيابة عن مركز العمل، وذلك لدراسة الموضوع.
وبعد الاجتماع قام دافيد هكوهين بدعوة الحاج طاهر للسفر إلى عمَّان لنفس الغرض.
وقد طلبت إليّ الدائرة السياسية أن أنضم إليهما وإلى جاد وتمَّ تقديمي إلى
الحاج طاهر صديقاً لدافيد هكوهين ومترجماً له.

وصلنا إلى عمَّان في المساء والتقينا برئيس البلدية طاهر الجيقة الذي طلب إلينا
مراجعته في مكتب البلدية في صباح اليوم التالي.

وفي الصباح ذهبنا لمقابلة رئيس البلدية في مكتبه كما قابلنا مهندس البلدية
درويش أبو العافية.

وقد تمَّ تقديم دافيد هكوهين مهندساً، وتمَّ تقديمي مساعداً له.... قرأ علينا
رئيس البلدية خطة المشروع ووعدنا بإرسال نسخة عنها إلى مكتب قرمان في حيفا.....
والمشروع ينحصر في تعبيد (52) ألف متر مربع من الشوارع في عمَّان وحفر مجارٍ
بحجم (14) ألف متر مربع، وقال إن البلدية تقدّر تكاليف المشروع بـ (20-25) ألف
ليرة ستكون مستعدة لدفعها خلال خمس سنوات، وأضاف أن "فاكوم أوبل" الشركة
الأنجلومصرية، وشركة بترول العراق قد قامتا بتقديم مناقصة على المشروع. أمَّا
بالنسبة إلى مشروع الكهرباء فقد قررت البلدية تأجيله بسبب النقص في الميزانية».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/6313) بالعبرية›.

وفي (11/9/1932 م) قام كل من أهرون كوهين ودافيد هكوهين وش. مرجولين بزيارة
أخرى لعمَّان حيث التقوا بمحمود أبو العافية مدير دائرة المشاريع والإنشاءات
البلدية العامة في شرق الأردن الذي أطلعهم على خرائط مفصلة عن المشروع وأعطاهم
نسخة عنها.

ويقول أهرون كوهين عن تقريره حول تلك الزيارة:

«قبل مغادرتنا سألنا سكرتير البلدية إذا كنا سنقدم مناقصة بخصوص تكاليف المشروع
في المستقبل، وطلب ألا نفعل ذلك ألا بعد أن تنشر البلدية موضوع المشروع في
الصحف».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/6313) بالعبرية›.

ومع الاهتمام الواضح الذي أبدته الوكالة اليهودية في حصول الشركات الصهيونية
على امتيازات مثل هذه المشاريع فقد بقيت قضية الأراضي وإمكانيات التوسُّع
الاستيطاني والهجرة أهم ما تسعى إليه.

لذلك نرى أنها تركِّز جل جهودها في تلك الفترة على التفاوض مع الأمير بشأن
استئجار أراضيه الواقعة في غور الكبد إلى الشمال من جسر اللنبي.

وبالإضافة إلى ت. د. الذي لعب، وكما رأينا، دوراً هاماً في محاولة إقناع الأمير
بجدوى رهن أراضيه للوكالة اليهودية أو إيجارها، فقد شارك في تلك المفاوضات كل
من محمد الأنسي، مستشار الأمير ورئيس ديوانه في تلك الفترة، والمحاميان ي. آمون
وت. العدس اللذين توليا تحديد الجوانب القانونية للاتفاقية باسمهما نيابة عن
الوكالة اليهودية.

(بالنسبة إلى المحامين ي. آمون وت. العدس راجع رسالتهما إلى م. شرتوك يوم
(12/11/1933 م) التي يطالبان الوكالة فيها بدفع حساب أتعابهما في قضية أراضي
غور الكبد).

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3513) بالعبرية›.

ويتضمن ملف الوثائق المتعلقة باتفاقية أراضي غور الكبد الترجمة الإنجليزية
للرسالة التي بعث بها الأمير عبد الله إلى محمد الأنسي يوم (30/12/1932 م)
والتي يعلمه فيها بأنه قام بالاطلاع على مسودة اتفاقية إيجار الأراضي (التي
سُمِّيت: أوبشن) البالغة مساحتها (70) ألف دونم وعلى ملاحقها أيضاً.

ويؤكد الأمير في رسالته للأنسي أن ما ورد في الأوبشن «المزمع عقده مع السادة
نيومان وفاربشتاين يتناسب ومصالحي».

غير أنه اقترح في نفس الوقت تعديل أحد بنودها بحيث يصبح مبلغ الإيجار السنوي
المستحق (2000) ليرة فلسطينية.

وعلى أساس إدخال هذا التعديل خوّل الأمير محمد الأنسي بالتوقيع على الأوبشن
نيابة عنه.

‹أ. ص. م. ملف ك. (3/16)، ص (6) بالإنجليزية›.

وقد حدد البند الأول للاتفاقية شروطها كالتالي:

«في أعقاب دفع المستأجر مبلغ (500) ليرة فلسطينية للمالك، سيكون له حق التصرف
بأراضي غور الكبد الواقعة شرق الأردن والبالغة مساحتها (70) ألف دونم تقريباً.
وهذه الأراضي مسجلة باسم المالك في دائرة تسجيل الأراضي في السلط بموجب المادة
(4) بتاريخ (24/3/1922 م) الملف رقم (3/1/738) وكذلك بموجب خرائط دائرة تسجيل
أراضي شرق الأردن. والاتفاقية موقَّعة من قبل الطرفين لمدة (33) سنة من تاريخ
توقيعها وذلك مقابل مبلغ سنوي قدره (2000) ليرة فلسطينية مع حق المستأجر في
تمديدها لفترتين أخريين كل فترة (33) سنة أخرى بموجب نفس الشروط».

‹عن النص الإنجليزي للاتفاقية كما ورد في نفس المصدر، ص (1-4)›.

كما تمَّ الاتفاق على وجوب تجديد التوقيع على الاتفاقية مع بداية كل سنة جديدة.

والمهم هو أن كلاً من الأمير ورجالات الوكالة كانوا على علم تام بالخطورة
السياسية التي من الممكن أن تتبع عن انتشار خبر الاتفاقية. ويتضمن ملف
الاتفاقية المذكور الرسالة التالية التي بعثها محمد الأنسي إلى عمنويل نيومان
ويوشع فاربشتاين مع توقيعه على الاتفاقية يوم (3/1/1933 م) والتي يؤكد لهما
فيها أن كل ما سينشر في الصحف حول الاتفاقية سيكون بمقتضى أخذ الرأي العام بعين
الاعتبار فقط.

يقول الأنسي في رسالته:

«يشرفني أن أعلمكم باسم سمو الأمير عبد الله أن الأوقاف ستنشر في الصحف المحلية
خبر إيجار أراضي غور الكبد لمدة شهرين فقط. غير أنني أؤكد لكم باسم سموه أن نشر
الخبر لن يؤثر في جوهر الاتفاقية التي وقعت يوم (3/1/1933 م) وفي جوهر ملحقاتها
لأن القصد من عملية النشر هو أخذ الظروف الراهنة بعين الاعتبار فقط».

‹نفس المصدر، ص (5) بالإنجليزية›.

وسرعان ما تأكدت مخاوف الأنسي هذه والمخاوف التي قد كان الأمير عبد الله عبَّر
عنها في مناسبات سابقة من ردة فعل الرأي العام الوطني الشرق أردني والفلسطيني
المعارض للاتفاقية.

وقد انعكست ردة الفعل المعارضة في بدايتها على خلفية الصراع الذي دار منذ
العشرينيات بين الهاشميين من ناحية وابن سعود من الناحية الأخرى على زعامة
الحركة الوطنية العربية.

والمعلومات الواردة في تقارير الوكالة اليهودية حول حملة المعارضة منسوبة إلى
"جاد" ومثقال الفايز ومحمد الأنسي.

وكان أحد التقارير كتبه موشيه شرتوك بعنوان ‹معلومات جاد› في الفترة بين
(19-22/1/1933 م).

ويؤكد شرتوك في تقريره أن سكرتير الحكومة الشرق أردنية، توفيق أبو الهدى، هو
الذي كان أول من نقل خبر إيجار أراضي غور الكبد لزعامة حزب الاستقلال في
فلسطين.

وعلى الفور عقد الحزب اجتماعاً لبحث الموضوع وقرر إيفاد وفد للأمير يحثُّه على
التراجع عن هذه الخطوة.

كما تقرر أن يكون الوفد مؤلفاً من كل من المفتي وموسى كاظم الحسيني وأحمد حلمي
باشا والشيخ مظفر والشيخ محمود الدجاني.

كما تشير ‹معلومات جاد› إلى أن عوني عبد الهادي بعث باسم حزب الاستقلال رسالة
إلى الملك فيصل يطالبه فيها بالتأثير على أخيه.

وفي نفس الوقت قام الاستقلاليون بتنظيم مظاهرات احتجاجية على عبد الله في مدن
فلسطين المختلفة كما حدث في نابلس.

ومن الناحية الأخرى أشارت هذه "المعلومات" إلى أن زعماء الاستقلال انقسموا على
أنفسهم : بين مؤيدي السعوديين (كعجاج نويهض ونبيه العظمة وعزت دروزة وكامل
القصاب) الذين هاجموا عبد الله وأكدوا وطنية ابن سعود ....ومؤيدي الهاشميين
(كعوني عبد الهادي وصبحي الخضرا).

وفي أعقاب الرسائل التي بعث بها الأخيرين إلى الملك فيصل يطالبونه بالتأثير
على أخيه «لئلا يسلِّم عرب شرق الأردن للصهاينة».

فقد أدلى عبد الله بتصريح للصحف لم يتراجع فيه عن إيجار أراضي الغور ولم ينكر
أنه أجرى مفاوضات مع الصهاينة بشأنها. ‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) بالعبرية›.

أمَّا بالنسبة إلى وفد الاحتجاج الذي ترأسه المفتي وموسى كاظم الحسيني فقد وردت
عنه معلومات متفرقة في التقارير المختلفة. وهنالك تقرير غير موقَّع كُتِب في
(29/1/1933 م).

يقول التقرير الآتي:

«هنالك من يقول إن المفتي وموسى كاظم الحسيني لم يكونا حازمين في حديثهما مع
الأمير الأمر الذي أثار عدم الرضى عنهم. ويظن شباب الاستقلال أنهم مرتشين. ففي
حين استلم موسى كاظم قبل مدة وجيزة سيارة هديةً من الأمير. . . فإن المفتي
يتصرف بالأموال التي وقفت لقبر الملك حسين». ‹معلومات شرق الأردن، نفس المصدر،
ص (1) بالعبرية›.

ويضيف التقرير أن عبد الله طلب إلى محمد الأنسي ومثقال الفايز استقبال أعضاء
الوفد عند وصولهم إلى عمَّان.

وقد قال لهم مثقال بشكل واضح:

«نعم، نريد بيع وإيجار الأرض لليهود، فليست أمامنا أية طريقة أخرى..... كما قال
للمفتي: من الأفضل أن تُشرف على شؤون المسجد وأن تترك مستقبل البلاد
للآخرين..... وفي أعقاب ذلك ذهب المفتي لمقابلة الأمير في الشونة حيث كان يقضي
فترة العيد.

ويعطي التقرير المسجل التالي لما دار بينهم:

الأمير: ما هذه الضجة التي أثرتم ضدي في فلسطين؟

المفتي: وهل تظنون سموكم أنه بالإمكان أن تسكت البلاد على عملية رهن الأراضي
وفتح أبواب البلاد أمام اليهود؟ لقد كانت الضجة أمراً طبيعياً وردة فعل لهذا
الحدث السياسي الهام.

الأمير: من هم أصحاب هذه الضجة على أية حال؟

المفتي: القسم الأول هم من يسعون لإهانتك أمام الجمهور بسبب العلاقات
(المتوترة) بينك وبين ابن سعود. والقسم الثاني هم ممن يعتاشون بشكل مباشر على
الحرب مع اليهود، وأنت تعرفهم. غير أن ممثلي الرأي العام الجديين. . . يرون في
هذه الخطوة أمراً طبيعياً لأنهم يعلمون أن لا مستقبل لشرقي الأردن دون
الاستثمارات.

الأمير: هل يوجد إذن من يؤيد هذا العمل؟

المفتي: نعم. الناس المتنورون يرون فيه عمل رجل يعرف ما يواجهه ولا يهتمَّ
لصراخ الشارع.

الأمير: وما هو موقف المعارضة؟

المفتي: موقف راغب النشاشيبي هو أن لا مستقبل لشرقي الأردن دون إدخال العنصر
المنتج.

ومثل هذا العنصر لا يتوافر إلاَّ لدى اليهود».

‹نفس المصدر، ص. (2)›.

أمَّا تقرير موشيه شرتوك بعنوان ‹معلومات مثقال باشا الفايز حول قضية غور الكبد
في الفترة بين (25-26/1/1933 م)› فيتضمن تفاصيل أخرى حول ما دار بين الأمير
ووفود الاحتجاج.

يقول شرتوك:

«في لقاءاته الأخيرة حدّثنا مثقال عن الاجتماعين الذين عقدهما مؤخراً بشأن
أراضي غور الكبد.

الأول مع وفد "الشباب العربي" والثاني مع وفد المفتي وموسى كاظم وقد شارك مثقال
في الاجتماعين.

وأكد الأمير لوفد "الشباب العربي" أنه لا أساس لتخوفهم من إيجار غور الكبد لأن
شرق الأردن بلد ذات سيادة لا تقع ضمن وعد بلفور، وعلى أية حال فلا فائدة تُرجى
من إبقاء الأراضي غير مزروعة.

أمَّا مثقال فقد سأل يعقوب الغصين، أحد أعضاء الوفد وابن أحد تجار الأراضي في
يافا، عن الأموال التي جمعها أبوه من السمسرة على الأراضي وبيعها لليهود.

أمَّا وفد المفتي وموسى كاظم فقد تقدَّم إلى الأمير بمشروع أعدّه أحمد حلمي
مدير البنك العربي لاستغلال أراضي غور الكبد.

وقد ذكّر مثقال المفتي بكونه قد أجّر بنفسه أراضي الوقف الإسلامي لليهود (في
القدس) حيث موقع فندق "بلاس" الآن».

‹أ. ص. م. ملف س. (25 /3487) بالعبرية›.

ويذكر هذا التقرير أن الأمير قال للوفد ساخراً أنه «يعرف كيف يدبر شؤونه أكثر
منهم» كما يذكر أيضاً أنه ترك الوفد برفقة مثقال والأنسي ونمر باشا الحمود
وعبود نجار سكرتير ديوانه الخاص ويفهم منه أيضاً أن فؤاد باشا الخطيب، مستشار
الأمير، حضر بعد فترة وجيزة وأخبرهم بأن الأمير لم يؤجر أراضيه بعد وأنه على
استعداد لدراسة أي اقتراح تقدمه شركة عربية». ويضيف التقرير أن الوفد «قام بنشر
ما نشره فيما بعد بناء على ذلك».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) بالعبرية›.

وكان مشروع أحمد حلمي باشا الذي عرضه وفد المفتي أحد تلك الاقتراحات , ويذكر
تقرير موشيه شرتوك حول ‹معلومات جاد› المشار إليه سابقاً عن الفترة بين
(19-22/1/1933 م) أن المشروع البديل الذي قدَّمه أحمد حلمي قد نص على عدم دفع
أي مبلغ للأمير خلال السنة الأولى ودفع (2000) ليرة خلال السنين العشر الأولى
و(5000) ليرة خلال السنين العشر الثانية و(10) آلاف ليرة خلال السنين العشر
الثالثة، على أن تكون مدة الإيجار لثلاثين سنة.

كما يؤكد جاد في معلوماته أن أحمد حلمي أخبره بأنه يأمل في الحصول على (100)
ألف ليرة من أجل المشروع وذلك عن طريق عبد الحميد شومان وأغنياء آخرين من أبناء
الجالية العربية في أمريكا.

كما يشير جاد إلى كون عبد الحميد شومان صاحب أكبر عدد من الأسهم المشاركة في
البنك العربي، وأن أحمد حلمي قال له بأنه يأمل في تجنيد الأمريكيين المناصرين
للعرب من أجل إنجاح المشروع، وعلى رأسهم تشارلز كراين.

وتضيف "معلومات جاد" أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يهتمَّ فيها أحمد حلمي
بأراضي غور الكبد , فقد حاول بمساعدة شريكيه رشيد طليع ورشيد مريول قبل ذلك
بعشر سنوات تقديم خطة لاستغلال تلك الأراضي عندما منحت الحكومة الأردنية الأمير
غور الكبد، وقد نشرت صحيفة ‹ألف باء› الدمشقية هذا الخبر في حينه غير أن شريكي
أحمد حلمي ماتا أثناء الثورة السورية.

ويضيف التقرير:

«لن يتأثر الأمير بالضجة التي يقوم بها الاستقلاليون. وبالنسبة إليه فالأمر
بمجمله يتوقف على شروط الإيجار التي يعرضها اليهود من ناحية ومنافسه من ناحية
أخرى، هذا إذا وجد مثل هؤلاء وإذا وثق الأمير بهم. والأمير يعلم قدر رجال
الأعمال الفلسطينيين على حقيقته، وهو يحتقرهم في قرارة نفسه. ولن يسرع المفتي
في الذهاب إلى الأمير، لأنه يعلم أنه إذا احتجّ على إيجار غور الكبد فسيريه
الأمير طلبات امتياز التنقيب عن الحديد التي قدمها له من قبل إسماعيل وسعيد
الحسيني بمشاركة يتسحاك يهودا هكوهين. الأمير عنيد جداً وهو مستعد لقبول آراء
الأخوين لطف الله بهذا الصدد. ومن المعروف أن ميشيل لطف الله قد قال له ذات مرة
إن لا أمل له في تثبيت سلطته دون إيجاد مصادر استثمار خاصة، حتى ولو بمساعدة
اليهود». ‹نفس المصدر›.

وإذا صحت المعلومات الواردة في هذا التقرير وفي التقارير السابقة فإنها تفسِّر
ضعف موقف المفتي في مطالبته الأمير بالتراجع عن سياسة إيجار الأراضي للوكالة.

غير أن ما يفسّر تمسّك الأمير بموقفه هو حتماً إرتكازه إلى القاعدة الصلبة
المكونة من شيوخ العرب المؤيدين لتلك السياسة والتي وقفنا عليها في الماضي،
وذلك إلى جانب الآمال التي أخذ يعلقها الأمير على ارتباطه بالوكالة اليهودية
بالنسبة إلى إمكانية ضم فلسطين إلى إمارته كما سنرى.

وهنا على الأقل تبرز أهمية الدور الذي قام به مثقال الفايز وغيره من الشيوخ
الذين ارتبطوا بالوكالة في دعم موقف الأمير.

ويقول أهرون كوهين في تقريره عن زيارته إلى عمَّان في الفترة بين
(16-18/1/1933 م):

«إن الأمير أرسل في طلب مثقال أثناء زيارته له مساء (16/1/1933 م) وإنه (أي
كوهين) طلب إلى مثقال أن يستفسر عن موقف الأمير من قضية بيع الأراضي وإيجارها.
وفي صباح يوم (17/1/1933 م) رافق مثقال الأمير في زيارته حسن الخالد في القدس،
وفي طريق عودتهما قاما بزيارة محمد الأنسي. وفي المساء زار كوهين مثقال مرة
ثانية فأخبره بأن الأمير والأنسي يؤيدان بيع وإيجار الأراضي للوكالة كما ويؤيد
الأمير فكرة مثقال في عقد مؤتمر لشيوخ العشائر لبحث المسألة».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/6313) بالعبرية›.

ومن الناحية الأخرى فقد لفت جاد انتباه موشيه شرتوك (في تقريره المذكور عن
الفترة 19-22/1/1933 م) إلى الدلالة الرمزية لظهور الأمير في القدس برفقة مثقال
الفايز وزيارتهما حسن الخالد.

ويوضح جاد ذلك بقوله:

«إن موقف مثقال وارتباطه باليهود من الأمور المعروفة جداً».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) بالعبرية›.

ثم أن صلابة القاعدة السياسية التي ارتكز إليها موقف الأمير عبد الله تجاه
النقد الذي وجهته له الحركتان الوطنيتان الفلسطينية والأردنية، نبعت في الأساس
من الطابع العشائري والبطركي لحياة الإمارة السياسية في تلك الفترة.

وفي مناسبة سابقة قد كنا أشرنا إلى أن شيوخ العشائر الذين ارتبطوا بالمشروع
الصهيوني من منطلق مصالحهم كملاكين كبار هم الذين شكلوا في نفس الوقت العمود
الفقري لتلك الحياة السياسية.

هذا الأمر يفسر أيضاً دفاعهم عن سياسة الأمير في تأجير أراضيه، بل ودفعه
باتجاه تعميق ارتباطه بالوكالة اليهودية وجعل ذلك الارتباط سياسة الإمارة
الرسمية.

وقد ساعد النشاط الوطني المعارض لسياسة الأمير على بلورة الدعم السياسي له من
جانب الشيوخ وظهورهم مركز قوة هام يقف ورائه عن طريق تشكيلهم للوفود وعقدهم
مؤتمرات الدعم لتلك السياسة.

نورد هنا ملخصاً للتقرير الذي كتبه أهرون كوهين بعنوان ‹تقرير عن الزيارة إلى
عمَّان في الفترة بين (5-10 /2 /1933 م)› والذي يتضمن ليس فقط معلومات هامة عن
أشكال ذلك الدعم والاعتبارات الذي وقفت وراءه بل يعطينا أيضاً صورة واضحة عن
حياة الإمارة السياسية في تلك الفترة.

يقول كوهين في بداية تقريره:

«أُرسلت إلى عمَّان للوقوف على التطورات عشية انعقاد جلسة المجلس التشريعي وذلك
بعدما وصلتنا تقارير تشير إلى أن موضوع أراضي غور الكبد سيثار فيها. ثم يروي
كيف أنه التقى في أول يوم من زيارته كل من حمدي باشا الأنيس (ملاك كبير) وعلي
بك طوقان (عضو سابق في المجلس التشريعي) وسالم الهنداوي (ملاك كبير أيضاً)
وهاشم بك خير (صهر مثقال وعضو المجلس التشريعي) في بيت مثقال الفايز . وقد
أخبره هاشم بك خير بأن وفداً من الشيوخ برئاسة مثقال باشا قد ذهب إلى الأمير
وعبَّر له عن تأييدهم لحقه في إيجاره الأراضي لليهود. وكان من جملة أعضاء الوفد
كل من سعيد بك المفتي (ممثل الطائفة الشركسية في المجلس التشريعي) وعلي بك
طوقان وشهاب الدين بك سامي (عضو مجلس سابق في المجلس التشريعي) ونظمي عبد
الهادي (محام وعضو سابق في المجلس التشريعي أيضاً)».

أمَّا تفاصيل الحديث الذي دار بين الأمير والوفد فقد نقله توفيق بك النجداوي
إلى أهرون كوهين عندما قابله الأخير في اليوم التالي (6/2/1933 م).

ويفهم من رواية النجداوي (الذي وصفه كوهين بأنه "ملاك كبير") بأن مثقال هو الذي
تحدث باسم الوفد مشيراً إلى التعاون بين حزب الاستقلال الشرق أردني والحركة
الوطنية الفلسطينية بقوله : إن عادل العظمة «يتلقى التعليمات من القدس بشأن
إثارة قضية غور الكبد (في شرق الأردن)».

وكان رد فعل الأمير أن اتصل أثناء الاجتماع برئيس حكومته عبد الله السراج وطلب
إليه أن «يخرس عادل عظمة بالقوة» إذا ما حاول الأخير إثارة القضية وأن يخبره
بأن «من حق الأمير التصرف بأراضيه كيفما شاء».

بعدها «اقترح الأمير على أعضاء الوفد أن يكون سعيد المفتي المتحدث الرئيس ضد
عادل العظمة في المجلس كما اقترح إقامة تجمع سياسي ينتخب هيئة تنفيذية برئاسة
مثقال للقيام بعمل مناهض لنشاط الاستقلاليين».

وخلال اللقاء الذي أجراه كوهين في مساء ذلك اليوم في بيت إبراهيم هاشم مع كل من
هذا الأخير ومحمد ذباح (ملاك كبير) وسعيد المفتي ومحمد العصبلي و"آخرين" تمَّ
الحديث حول موقف ودوافع الوكالة اليهودية تجاه قضية الأراضي والارتباط بشيوخ
العشائر والدور الذي لعبه الإنجليز في هذا المجال.

وكان الموقف الذي طرحه كوهين هو أن الوكالة لن تقوم بنشاط استيطاني واسع في
أراضي شرق الأردن إلا إذا دعاها الشيوخ لذلك.

والهدف من وراء ذلك هو أننا بحاجة لتلك الدعوة لكي نثبت أننا لا نقوم باغتصاب
الأراضي وتشريد الأهالي عنها.

هذا من ناحية.... ومن الناحية الأخرى فقد سعت الوكالة لإقناع سلطات الانتداب
البريطاني أن أهالي شرق الأردن راضون عن نشاطها هنالك أيضاً.

وفي معرض رده على أسئلة سعيد المفتي ومحمد العصبلي أوضح كوهين سياسة الوكالة في
عدم القيام بأي نشاط لا ترضى عنه السلطات البريطانية الأمر الذي يقتضي من وجهة
نظره أن يقوم الشيوخ بإقناع تلك السلطات "برغبتهم" في النشاط الصهيوني داخل شرق
الأردن.

سنتطرق فيما بعد إلى الدوافع التي وقفت في تلك الفترة وراء معارضة السياسة
البريطانية توسيع النشاط الصهيوني في شرق الأردن وضم فلسطين إلى هذه الأخيرة.

غير أنه من الواضح هنا أن الوكالة هدفت من وراء ارتباطها بشيوخ وزعماء شرق
الأردن ليس فقط إلى توفير المناخ الملائم لتوسيع نشاطها داخل الإمارة فقط بل
أيضاً لإعطاء كل من الأمير وسلطات الانتداب ذلك النشاط صبغة الشرعية الرسمية.

هكذا يفهم رد سعيد المفتي على سؤال كوهين:

«إن الأمير ومؤيديه ينوون التخلص من الحكومة الحالية وتشكيل حكومة جديدة برئاسة
إبراهيم هاشم الموالي له خلافاً للحكومة الحالية الواقعة تحت تأثير (المعتمد
البريطاني، الكولونيل) كوكس».

وأضاف سعيد:

«إن وفداً ينوي التوجُّه إلى الأمير غداً ومطالبته بإقالة الحكومة الحالية، حتى
قبل موعد عقد الجلسة القادمة للمجلس التشريعي التي ستتمَّ يوم (29/2/1933 م)».

ويظهر من تقرير كوهين أن المشاورات التي تمّت خلال يومي (7-8/2/1933 م) قد
تركزت بالفعل حول مسألة إقالة حكومة الشيخ عبد الله السراج.

ففي مساء (7/2/1933 م) التقى بمثقال الفايز الذي أخبره إنه ذهب برفقة محمد
العصبلي لمقابلة الأمير بعد ظهر ذلك اليوم وإن الأخير قد وافق على وجوب إقالة
الحكومة.

وفي اليوم التالي التقى كوهين بنظمي عبد الهادي الذي قال له أيضاً إن الأمير
ينوي ليس فقط الطلب إلى إبراهيم هاشم تشكيل حكومة جديدة بل وتعيين محمد الأنسي
رئيساً لديوانه أيضاً (بدلاً من حامد الوادي).

كما أنه يبحث عن مرشح "ملائم" لوظيفة سكرتير الحكومة «لأنه من غير المعقول أن
يحتفظ توفيق أبو الهدى بهذا المنصب في حين يشغل هو منصب سكرتير حزب الاستقلال».


ويشير تقرير كوهين أيضاً إلى نشاط تلك الكتلة التي أخذت تتبلور حول مسألة الدعم
لموقف الأمير، خاصة فيما يتعلق بإرسال برقيات التأييد له.

وفي نفس الوقت فقد علم من نظمي عبد الهادي أنه:

«سيتمَّ قريباً عقد مؤتمر واسع لزعماء البلاد يتمَّ فيه انتخاب هيئة تنفيذية
تقوم بالتفاوض معنا (أي مع الوكالة) حول تلك الأمور. وأضاف إنهم ينوون شن حملة
شعواء على أعدائهم في فلسطين وإن الأمير ينوي تأسيس صحيفة تصدر ثلاث مرات في
الأسبوع وتقوم بالدفاع عن سياسته»

ونتيجة لهذه التطورات فقد ألغيت جلسة المجلس التشريعي ليوم (9/2/1933 م) وكان
السبب الرسمي هو عدم حضور عدد كافٍ من الأعضاء.

غير أن كوهين يضيف في تقريره: «شعرت أن يد الأمير وراء إلغاء الجلسة».

وقبل مغادرته عمَّان صباح اليوم التالي علم كوهين من هاشم خير أنه:

«لم تتمَّ تسوية الأمور نهائياً بعد ولكن الأمير يأمل أن يجد رجلاً مخلصاً
يتولى رئاسة الوزراء حتى نهاية الأسبوع الحالي». ‹راجع تقرير كوهين في أ. ص. م.
ملف س. (25/3487) بالعبرية›.

وهنالك معلومات إضافية عن الخطوات التي قرر الأمير اتخاذها لضرب المعارضة
الوطنية وقد أدلى بهذه المعلومات خلال المحادثة التي أجراها معه يوم (8/2/1933
م) والتي تضمنها تقرير كوهين بعنوان ‹معلومات جاد يوم (14/2/1933 م)›.

ويروي جاد كيف أن الأمير شكا له من نشاط عادل العظمة ومساعيه لتنظيم "عصابة"
داخل المجلس التشريعي بهدف دفع الأخير لاتخاذ قرار بمصادرة أراضيه وتوطين عشيرة
"العبادية" عليها وذلك بسبب قيام الأمير بإيجار أراضي غور الكبد لليهود.

كما شكا الأمير لجاد خيبة أمله من الوكالة اليهودية لأنها لم تقم بما فيه
الكفاية من أجل إقناع الإنجليز بتلك الخطوة.

ومرة أخرى نسب الأمير لسلطات الانتداب معارضة سياسته والوقوف وراء حملة الحكومة
ضده.

ومن الناحية الأخرى فقد صرح لجاد عن عزمه على طرد زعماء الاستقلال عادل العظمة
وحسين الطراونة والدكتور صبحي أبو غنيمة من البلاد.

والحقيقة أن هنالك بعض الغرابة في الدور الذي لعبه جاد هنا..... وحسب التقرير
كوهين فقد نصح الأمير بعدم الإقدام على خطوة إبعاد زعماء الاستقلال لأن عادل
العظمة وحسين الطراونة عضوين في المجلس التشريعي كما طلب إليه إمهاله بعض الوقت
ريثما يتحدث إلى عادل العظمة في ذلك.

وفي سياق التقرير يورد كوهين نص الحديث الذي دار بين جاد وعادل العظمة في اليوم
التالي (9/2/1933 م) ومنه يفهم أن جاد نصح عادل بعدم التعرض لسياسة الأمير داخل
المجلس التشريعي وحذره من أن "التمادي" في ذلك سيسبب له الكثير من "المتاعب
الشخصية".

أمَّا عادل العظمة فقد وافق على ذلك شريطة أن يدلي الأمير بتصريح يستنكر فيه
عملية إيجار الأراضي.

ويضيف جاد في نهاية "معلوماته" إن ذلك ما يفسر قيام الأمير بالإدلاء بذلك
التصريح.

ومن الناحية الأخرى فقد شكا له الأمير من استمرار الاستقلاليين بمعارضة سياسته
وقيامهم بتنظيم مظاهرة في السلط حيث هوجمت سيارته من قبل "بعض الزعران".

(معلومات جاد يوم 8/2/1933 م)، ‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) بالعبرية›.

ولعل الأمير خشي أن تفسر الوكالة اليهودية بيانه المذكور بأنه تراجع حقيقي عن
سياسته العملية بضغط من التحرك الوطني.

لذلك نجده يحمل محمد الأنسي الرسالة التالية إلى الوكالة اليهودية يوم
(15/2/1933 م) والتي ضمنَّها الإشارة إلى مظاهرة السلط وبيانه ونشاط المعتمد
البريطاني في عمان:

«أبعث بهذا إلى أصدقائنا بمشاعر الاحترام والتقدير. أنا واثق من تقديركم
لقرارنا الجدي بتنفيذ المشروع. كما أن معارضينا وقفوا على جدية ذلك القرار.
لذلك فقد عملوا على إحباطه. غير أنهم فشلوا في ذلك لأن العاصمة وجميع العشائر
والمدن بأكملها والطائفة الشركسية تؤيد ذلك المشروع. لذلك فقد قام المعارضون
بالتشاور مع ممثلهم في الحكومة، الذي تدعمه البعثة البريطانية، ومع أعضاء حزب
الاستقلال، وقرروا إرسال برقية سافلة لنا وللمندوب السامي. كما نظموا بعض أطفال
السلط في مظاهرة لم يشترك فيها أي من أبناء الشعب. ومع ذلك فقد ادعى المندوب
السامي وجود معارضة في الرأي العام ونصحنا شخصياً بإيقاف المشروع. وكان شعورنا
أنهم سيلجأون إلى حبائل أخرى إذا لم نستعمل بعض وسائل الحذر. لذلك فقد كان
علينا إفشال مخططاتهم عن طريق نشر البيان الأخير الذي لن يضر بنشاطكم لأنه ليست
لدينا أية أموال ولا يعقل أن نترك الأرض بوراً. لذلك نعلمكم أنه لم يصدر عنا،
أي عن الشعب، أي عمل يبرر مخاوفكم».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) عن الترجمة العبرية للرسالة›.

ومن الناحية الأخرى فلم تتوقف المعارضة الوطنية عن نشاطها داخل المجلس التشريعي
من أجل سن قانون يمنع بيع أو إيجار الأراضي للأجانب.

غير أن هذا النشاط قوبل بمعارضة الشيوخ الموالين للأمير وإحباطهم له في جلسة
المجلس يوم (2/3/1933 م).

ويدلنا على ذلك التقرير الذي كتبه أهرون كوهين حول ‹الزيارة إلى عمَّان يومي
(7-8/3/1933 م)› واللقاء الذي كان له مع مثقال الفايز.

يقول كوهين:

«ثم سألته (أي مثقال) عن نشاط عادل العظمة فيما يخص سن قانون يمنع بيع الأراضي
للأجانب. فقال إن ثلاثة أشخاص فقط وقَّعوا على عريضة عادل، وهم: حسين الطراونة
ومحمد السعد وحمد بن جازي (الذي ندم فيما بعد واعتذر للأمير). وعندما طرح عادل
مشروع قانونه في المجلس أجابه كل من متري زريقات ورفيفان المجالي بأنهما
سيتقبلان قدوم اليهود بصدر رحب. كما اتخذ هاشم بك خير ومحمد بك المحسن موقفاً
مماثلاً».

ويضيف كوهين في تقريره:

«وعندما قابلت هاشم بك خير أكد لي رواية مثقال وقال إن رفيفان ومتري وسعيد أبو
جابر (من السلط) وسعيد المفتي وآخرين هاجموا مشروع عادل. وأضاف هاشم إنه قال
لعادل: إذا وافقنا نحن زعماء هذا البلد على مشروعك، فإن عرب فلسطين سيعتبروننا
معارضين للأمير ومؤيدين لسياستهم المتطرفة، ونحن غير مستعدين لخيانة الأمير من
أجل إرضاء الاستقلاليين».

غير أن مهمة كوهين هذه المرة لم تنحصر في تأمين دعم الشيوخ السياسي للأمير، بل
أنه حاول أيضاً دفعهم باتجاه جعل التعاون مع الوكالة سياسة الإمارة الرسمية.

يقول كوهين في سياق تقريره:

«في المساء دعيت إلى بيت مثقال حيث التقيت بإبراهيم وهاشم خير ورفيفان المجالي
ومحمد المحسن ونظمي عبد الهادي وسعيد المفتي. وقد سألني هاشم خير: لماذا يذهب
اليهود إلى فلسطين على الرغم من معارضة أهاليها ولا يأتون إلى شرق الأردن؟
فأوضحت له أننا في فلسطين قد حصلنا على موافقة السلطات على الهجرة اليهودية،
بينما لا تزال السلطات في شرق الأردن تعارض ذلك. فقال هاشم إن هنالك إمكانية
لتغيير حكومة شرق الأردن، وما بقي على الوكالة عمله هو إزاحة (الكولونيل) كوكس
(المعتمد البريطاني) عن كرسيه».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/6313) بالعبرية›.

ويظهر أنه خلال زيارة كوهين تلك تمَّ التوصل إلى اتفاق مبدئي حول لقاء الملك
داوود الذي أشرنا إليه سابقاً بين رجالات الحركة الصهيونية ووفد الشيوخ وأعضاء
المجلس التشريعي الشرق أردني.

ومن الناحية الأخرى فقد بقيت سلطات الانتداب البريطاني تعارض دخول النشاط
الصهيوني إلى شرق الأردن في تلك الفترة.

ويقول أهرون كوهين في تقرير كتبه يوم (4/5/1933 م):

«قبل بضعة أشهر قام الأمير بإعلام كوكس عن بالتوقيع على اتفاقية إيجار الأراضي
لليهود. هذا الأخير نقل الخبر إلى المندوب السامي الذي عبَّر عن معارضته
الاتفاقية وطلب إلغائها. عندها طلب الأمير رفع القضية إلى وزارة المستعمرات
وبحثها هناك. غير أن ردَّ لندن جاء مصدقاً لموقف المندوب السامي. وفي نفس الوقت
علم أن وزير المستعمرات سيقوم قريباً بزيارة لفلسطين، لذلك طلب الأمير تأجيل
البحث في الموضوع إلى حين قدومه. ومرة أخرى كانت النتيجة سلبية الأمر الذي أدى
إلى تدهور العلاقة بين الأمير وكوكس».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) ص (2) بالعبرية›.

سنقف في موضع لاحق على الدوافع التي كمنت وراء موقف سلطات الانتداب.

أمَّا بالنسبة إلى لمعارضة الوطنية فقد واصلت نشاطها داخل المجلس التشريعي لسن
قانون يمنع بيع الأراضي للأجانب، وقد ناقش المجلس في جلسته يوم (15/12/1933 م)
مشروع الاقتراح الذي تقدم به عادل العظمة بهذا الخصوص.

ومثَّل رأي الحكومة سعيد بك المفتي عضو مجلس الوزراء فرفض إدراج مشروع
الاقتراح على جدول أعمال المجلس.

وقد فسّر ذلك بقوله أن لا حاجة في سن قانون من هذا النوع لأنه «يؤكد السياسة
القائمة حالياً والتي يمنع بموجبها بيع الأراضي للأجانب».

‹عن الترجمة العبرية لبروتوكول جلسة المجلس المحفوظة في أ. ص. م. ملف س.
(25/›6313.

وفشل المعارضة في المجلس التشريعي مرة أخرى ساعد الأمير في المضي قدماً وتجديد
اتفاقية غور الكبد (الأوبشن) لسنة أخرى في (11/1/1934 م).

وقد سبق ذلك سلسة من المفاوضات التي أجراها محمد الأنسي نيابة عن الأمير
وأهرون كوهين من الوكالة اليهودية والتي نتجت عنها بعض التعديلات على الاتفاقية
الأولى.

وملخص التقرير التالي لأهرون كوهين يحمل تلك التعديلات والاتفاق الذي تمَّ
بشأنها. يقول كوهين:

«طلب إليّ معالجة مسألة تجديد الأوبشن. وقبل فترة وجيزة اقترح الدكتور ب. جوزيف
أن يكون الأوبشن الجديد مسجل باسم: شركة تطوير أراضي فلسطين بدلاً من اسم
نيومان وفاربشتاين اللذين وقعا على أوبشن السنة الماضية. طلبت إلى محمد الأنسي
إطلاع الأمير على اقتراحنا ونقل ردّه عليه. وفي الرابع من الشهر الحالي نقل لنا
ردّ الأمير التالي:

1- لقد فقد نيومان وفاربشتاين حقهما في تجديد الأوبشن لأنهما لم يُعلنا عن
رغبتهما في ذلك خلال الشهور الثلاثة الماضية.

2- ولأن شركة تطوير أراضي فلسطين هي شريك جديد، فإن مفاوضات جديدة يجب أن تتمَّ
من أجل الحصول على أوبشن جديد. لذلك يجب دفع (500) ليرة مقابل فترة الأشهر
الستة الأولى.

ويوم (6/1/1934 م) ذهبت لمقابلة الأنسي الذي طالب هو الآخر بدفع مبلغ (100)
ليرة أتعاباً له على تجديد الأوبشن للأشهر الستة الأولى. وادَّعى بأن نيومان
وفاربشتاين وعداه في حينه بدفع (200) ليرة على أتعابه سنوياً. وبعد مفاوضات معه
اتفق على أن ندفع له (200) ليرة على أتعابه إذا حصل على موافقة الأمير على
تجديد الأوبشن لسنة كاملة مقابل (500) ليرة فقط فوافق. بعدها بيومين أخبرنا
الأنسي بموافقة الأمير، وتمَّ تحديد يوم (11/1/1934 م) موعداً لتوقيع على
الأوبشن الجديد. فسافرت يومها مع ي. ك. والتقيت بالأمير في بيت الأنسي الواقع
على أراضيه بالقرب من جسر اللنبي فوَّقع الأمير على ثلاث صيغ للأوبشن الجديد:
الأولى بينه وشركة تطوير أراضي فلسطين مباشرة، والثانية بين الأنسي والشركة،
بمصادقة الأمير، والثالثة اتفاق ثلاثي تنازل بموجبه نيومان وفاربشتاين عن حقهما
في الأوبشن لصالح شركة تطوير أراضي فلسطين. بعد التوقيع ذهب الأمير في جولة بين
الحقول، أمَّا الأنسي فدعانا لدخول البيت وشرب القهوة».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3487) بالعبرية›.

وقد كان لتجديد الاتفاقية لسنة أخرى مضاعفات انعكست على الوضع الداخلي في شرق
الأردن والعلاقة بين الأمير والوكالة اليهودية من ناحية والموقف الرسمي لسلطات
الانتداب البريطاني من الناحية الأخرى.

وأول ما تجدر الإشارة إليه هو اتخاذ هذه الاتفاقية طابع التحالف السياسي بين
الوكالة والأمير وفقدانها قيمتها الاقتصادية تدريجياً. وذلك يظهر بوضوح من خلال
الرسالة التي بعث بها موشيه شرتوك إلى الصهيوني البريطاني البروفيسور بروديتسكي
يوم (7/6/1934 م) والتي أوضح فيها أهمية الجانب السياسي من دوافع الوكالة على
الأقل وراء السعي لتجديد تلك الاتفاقية.

يقول شرتوك:

«أنت تعلم أننا قمنا بتجديد التعاقد لسنة (1934 م) مقابل (500) ليرة فلسطينية،
ولأننا وجدنا أن لا قيمة اقتصادية تذكر للأرض، فقد اتخذت العملية بالنسبة إلى
الأمير طابعاً سياسياً بالدرجة الأولى.

وبعد أن قمنا بعملية التجديد بفترة قصيرة استلمنا رسالة سرِّية من الأمير يشرح
فيها الصعوبات التي تعترضه مع اقتراب الانتخابات القادمة (للمجلس التشريعي)
وأنه بحاجة إلى تخصيص ميزانية إضافية لسد المصاريف السياسية لمصلحتنا المشتركة
بقدر أكبر مما تتيحه له إمكانياته المحدودة.

لذلك فقد طولبنا بإعطائه مبلغ (500) ليرة إضافية من أحد بنوكنا على حساب دفعة
إيجار السنة القادمة.

وعلى الرغم من أن ذلك قد ظهر كنوع من التمادي، فقد وافقنا على طلبه وطلبنا إلى
البنك الأنغلو - فلسطيني منحه قرضاً بفائدة بسيطة.

وكان ذلك يعني أن البنك قد منحنا المبلغ فحولناه إلى الأمير على حساب ميزانيتنا
السياسية للسنة القادمة وعلى حساب التبرعات الإضافية لمشروع استئجار الأرض التي
نستطيع الحصول عليها من ك. ك. ل. (الصندوق القومي اليهودي) ومن ب. ل. د. ك.
(شركة تطوير أراضي فلسطين)».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3515) ص. (5) بالإنجليزية›.

وقد أثار الطابع السياسي البحت للاتفاقية وعدم وجود أية قيمة اقتصادية للمشروع
بعض المشاكل الإدارية داخل الوكالة نبعت في الأساس عن الحاجة لإعادة تجديد
الجهة التي ستفي بالالتزامات المالية النابعة عنها.

ذلك على الأقل ما يتضح من (بروتوكول اجتماع ممثلي الوكالة اليهودية والصندوق
القومي اليهودي وشركة تطوير أراضي فلسطين يوم 6/12/1934 م).

ويظهر بوضوح من خلال كلمات ممثلي هذه الهيئات المختلفة أن الاعتبارات السياسية
أصبحت هي التي تحدد ليس فقط الجسم المموِّل للمشروع بل واختيار الوقت والظرف
السياسيين الملائمين لتنفيذه أيضاً.

تحدث الدكتور روبين عن الوكالة اليهودية فقال:

«من المعروف أن لا قيمة اقتصادية كبرى لهذه الأرض وأن قيمتها السياسية هي
الأساس. وإذا استطعنا بوساطتها الحصول على موافقة الأمير على دخولنا إلى شرق
الأردن، فذلك أمر حسن. ويبقى السؤال عن اختيار الوقت الملائم لذلك. فالرأي
العام العربي غاضب اليوم بسبب أراضي الحولة. ويجب أن نفكِّر فيما إذا كانت
اتفاقية الاستئجار في شرق الأردن لا تزيد من توتر الوضع». ‹أ. ص. م. ملف س.
(25/3492) ص (5) بالعبرية›.

وحول الحاجة إلى أخذ الظروف السياسية بعين الاعتبار ومراعاة الرأي العام الذي
من المتوقع أن يثور على الأمير، قال الدكتور ماهون:

«إذا كان الأمير غير مهتم بالرأي العام العربي فلماذا علينا الاهتمام به؟ سيضطر
العرب لابتلاع ذلك رغماً عنهم. فالفكرة المنتشرة بينهم الآن أن اليهود ليسوا
المتهمين الوحيدين في جريمة بيع الأراضي والزعماء العرب أيضاً الذين لا يحافظون
على أراضي الشعب». ‹نفس المصدر ص (7)›.

والمهم هنا أن هذه الاعتبارات السياسية أصبحت تحدد الجهة المسؤولة عن تمويل
المشروع من الأساس.

وحين طالب شرتوك بزيادة حصة الصندوق القومي وشركة التطوير في المصرف أجابه
أوسيشكين قائلاً:

«يدل التقرير الذي قدَّمه خبراؤنا الذين قاموا بفحص غور الكبد على أن هذه
الأراضي لا تلائم الاستيطان. لذلك فالقضية هنا سياسية وليست استيطانية. ومن هنا
يجب أن تتحمل الدائرة السياسية جميع المصاريف. أمَّا إذا كانت ميزانية السيد
شرتوك غير كافية فباستطاعته المطالبة بزيادتها». ‹نفس المصدر ص (8)›.

وبسبب الأبعاد السياسية الواضحة لهذه الاتفاقية والتي أدَّت بدورها إلى تعاظم
رد الفعل الوطني المعارض في كل من يافا وشرق الأردن، فقد أخذ الأمير يسعى إلى
البحث عن صيغة مباشرة لتنفيذ الاتفاق مع الوكالة حول غور الكبد.

وأثناء اجتماعه بالدكتور وايزمان في لندن في أواسط تموز سنة (1934 م) تمَّ
الاتفاق بينهما على أن تقوم الوكالة اليهودية باتخاذ شريك يهودي بريطاني يتمَّ
تسجيل اتفاقية غور الكبد باسمه في المستقبل.

ويقول أهرون كوهين في تقريره عن لقائه بمحمد الأنسي يوم (22/7/1934 م):

«على أية حال فإن م. أ. يحثُّنا على الإسراع في البحث عن شريك إنجليزي لامتياز
غور الكبد».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3051) بالعبرية›.

وقد استغل الأمير فرصة اجتماعه بوايزمان وطلب إليه أن يحاول بما له من نفوذ في
لندن التأثير على وزارة المستعمرات لإقصاء الكولونيل كوكس عن منصبه.

وعلى الرغم من أننا لن نبحث هنا في دوافع معارضة كوكس اتفاقية غور الكبد فإننا
نميل إلى الاعتقاد بأن الطابع السياسي الذي اتخذته هذه الاتفاقية والمضاعفات
التي وضع رجالات الانتداب البريطاني في حسبانهم أن تتمخض عنها بشكل يخرج
التطورات في فلسطين وشرقي الأردن عن دائرة سيطرتهم المباشرة هي ما دفعتهم إلى
معارضتها في البداية.

والظاهر أن أكثر ما كانت تخشاه تلك السلطات ردة الفعل الوطنية العربية في كلا
البلدين، الأمر الذي دفع بالأمير إلى العمل على طمأنة تلك السلطات بعدم جدِّية
خطورة التحرك الوطني.

وقد أشار محمد الأنسي في محادثته مع أهرون كوهين يوم (8/8/1934 م) إلى قيام
المندوب السامي البريطاني خلال زيارته الأخيرة شرق الأردن باستطلاع رأي بعض
موظفي الحكومة حول قضية غور الكبد ودخول اليهود إلى شرق الأردن.

وأحد هؤلاء كان علي بك طبارة مدير دائرة الأراضي الحكومية الذي، كما يقول
الأنسي، أكدّ له «إن نشاط اليهود الاستيطاني يعني توظيف رؤوس الأموال الأجنبية
الأمر الذي يعود بالفائدة على البلاد ويرحِّب به المواطنون».

أمَّا الأنسي فقد أكد بدوره لأهرون كوهين خلال تلك المحادثة نجاح الأمير في
ملاحقته الاستقلاليين، وأعلمه أن الدكتور صبحي أبو غنيمة قد اضطر بسبب تلك
الملاحقة إلى الهجرة إلى سورية، بينما يحاول عادل العظمة التصالح مع الحكومة.

‹أ. ص. م. ملف (25/3485) بالعبرية›.

وعلى الرغم من محاولات الأمير تصفية المعارضة فقد تميزت تقارير تلك الفترة
بالشكاوى التي كان يوجِّهها من سلطات الانتداب البريطاني التي لم تتعاون معه في
تقوية مركزه الداخلي الأمر الذي طالب الوكالة من أجله بمساعدته على إقصاء كوكس
وتغيير الموقف البريطاني الرسمي من مسألة غور الكبد.

«وعندما قابلت هاشم بك خير أكد لي رواية مثقال وقال إن رفيفان ومتري وسعيد أبو
جابر (من السلط) وسعيد المفتي وآخرين هاجموا مشروع عادل. وأضاف هاشم إنه قال
لعادل: إذا وافقنا نحن زعماء هذا البلد على مشروعك، فإن عرب فلسطين سيعتبروننا
معارضين للأمير ومؤيدين لسياستهم المتطرفة، ونحن غير مستعدين لخيانة الأمير من
أجل إرضاء الاستقلاليين».

غير أن مهمة كوهين هذه المرة لم تنحصر في تأمين دعم الشيوخ السياسي للأمير، بل
أنه حاول أيضاً دفعهم باتجاه جعل التعاون مع الوكالة سياسة الإمارة الرسمية.

يقول كوهين في سياق تقريره:

«في المساء دعيت إلى بيت مثقال حيث التقيت بإبراهيم وهاشم خير ورفيفان المجالي
ومحمد المحسن ونظمي عبد الهادي وسعيد المفتي. وقد سألني هاشم خير: لماذا يذهب
اليهود إلى فلسطين على الرغم من معارضة أهاليها ولا يأتون إلى شرق الأردن؟
فأوضحت له أننا في فلسطين قد حصلنا على موافقة السلطات على الهجرة اليهودية،
بينما لا تزال السلطات في شرق الأردن تعارض ذلك. فقال هاشم إن هنالك إمكانية
لتغيير حكومة شرق الأردن، وما بقي على الوكالة عمله هو إزاحة (الكولونيل) كوكس
(المعتمد البريطاني) عن كرسيه».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/6313) بالعبرية›.

ويظهر أنه خلال زيارة كوهين تلك تمَّ التوصل إلى اتفاق مبدئي حول لقاء الملك
داوود الذي أشرنا إليه سابقاً بين رجالات الحركة الصهيونية ووفد الشيوخ وأعضاء
المجلس التشريعي الشرق أردني.

ومن الناحية الأخرى فقد بقيت سلطات الانتداب البريطاني تعارض دخول النشاط
الصهيوني إلى شرق الأردن في تلك الفترة. ويقول أهرون كوهين في تقرير كتبه يوم
(4/5/1933 م):

«قبل بضعة أشهر قام الأمير بإعلام كوكس عن بالتوقيع على اتفاقية إيجار الأراضي
لليهود. هذا الأخير نقل الخبر إلى المندوب السامي الذي عبَّر عن معارضته
الاتفاقية وطلب إلغائها. عندها طلب الأمير رفع القضية إلى وزارة المستعمرات
وبحثها هناك. غير أن ردَّ لندن جاء مصدقاً لموقف المندوب السامي. وفي نفس الوقت
علم أن وزير المستعمرات سيقوم قريباً بزيارة لفلسطين، لذلك طلب الأمير تأجيل
البحث في الموضوع إلى حين قدومه. ومرة أخرى كانت النتيجة سلبية الأمر الذي أدى
إلى تدهور العلاقة بين الأمير وكوكس». ‹أ. ص. م. ملف س. (25/4143) ص (2)
بالعبرية›.

سنقف في موضع لاحق على الدوافع التي كمنت وراء موقف سلطات الانتداب.

أمَّا بالنسبة إلى لمعارضة الوطنية فقد واصلت نشاطها داخل المجلس التشريعي لسن
قانون يمنع بيع الأراضي للأجانب، وقد ناقش المجلس في جلسته يوم (15/12/1933 م)
مشروع الاقتراح الذي تقدم به عادل العظمة بهذا الخصوص.

ومثَّل رأي الحكومة سعيد بك المفتي عضو مجلس الوزراء فرفض إدراج مشروع
الاقتراح على جدول أعمال المجلس.

وقد فسّر ذلك بقوله أن لا حاجة في سن قانون من هذا النوع لأنه «يؤكد السياسة
القائمة حالياً والتي يمنع بموجبها بيع الأراضي للأجانب».

‹عن الترجمة العبرية لبروتوكول جلسة المجلس المحفوظة في أ. ص. م. ملف س.
(25/›6313.

وفشل المعارضة في المجلس التشريعي مرة أخرى ساعد الأمير في المضي قدماً وتجديد
اتفاقية غور الكبد (الأوبشن) لسنة أخرى في (11/1/1934 م).

وقد سبق ذلك سلسة من المفاوضات التي أجراها محمد الأنسي نيابة عن الأمير
وأهرون كوهين من الوكالة اليهودية والتي نتجت عنها بعض التعديلات على الاتفاقية
الأولى.

وملخص التقرير التالي لأهرون كوهين يحمل تلك التعديلات والاتفاق الذي تمَّ
بشأنها.

يقول كوهين:

«طلب إليّ معالجة مسألة تجديد الأوبشن. وقبل فترة وجيزة اقترح الدكتور ب. جوزيف
أن يكون الأوبشن الجديد مسجل باسم: شركة تطوير أراضي فلسطين بدلاً من اسم
نيومان وفاربشتاين اللذين وقعا على أوبشن السنة الماضية. طلبت إلى محمد الأنسي
إطلاع الأمير على اقتراحنا ونقل ردّه عليه. وفي الرابع من الشهر الحالي نقل لنا
ردّ الأمير التالي:

1- لقد فقد نيومان وفاربشتاين حقهما في تجديد الأوبشن لأنهما لم يُعلنا عن
رغبتهما في ذلك خلال الشهور الثلاثة الماضية.

2- ولأن شركة تطوير أراضي فلسطين هي شريك جديد، فإن مفاوضات جديدة يجب أن تتمَّ
من أجل الحصول على أوبشن جديد. لذلك يجب دفع (500) ليرة مقابل فترة الأشهر
الستة الأولى. ويوم (6/1/1934 م) ذهبت لمقابلة الأنسي الذي طالب هو الآخر بدفع
مبلغ (100) ليرة أتعاباً له على تجديد الأوبشن للأشهر الستة الأولى. وادَّعى
بأن نيومان وفاربشتاين وعداه في حينه بدفع (200) ليرة على أتعابه سنوياً. وبعد
مفاوضات معه اتفق على أن ندفع له (200) ليرة على أتعابه إذا حصل على موافقة
الأمير على تجديد الأوبشن لسنة كاملة مقابل (500) ليرة فقط فوافق. بعدها بيومين
أخبرنا الأنسي بموافقة الأمير، وتمَّ تحديد يوم (11/1/1934 م) موعداً لتوقيع
على الأوبشن الجديد. فسافرت يومها مع ي. ك. والتقيت بالأمير في بيت الأنسي
الواقع على أراضيه بالقرب من جسر اللنبي فوَّقع الأمير على ثلاث صيغ للأوبشن
الجديد: الأولى بينه وشركة تطوير أراضي فلسطين مباشرة، والثانية بين الأنسي
والشركة، بمصادقة الأمير، والثالثة اتفاق ثلاثي تنازل بموجبه نيومان وفاربشتاين
عن حقهما في الأوبشن لصالح شركة تطوير أراضي فلسطين. بعد التوقيع ذهب الأمير في
جولة بين الحقول، أمَّا الأنسي فدعانا لدخول البيت وشرب القهوة».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3487) بالعبرية›.

وقد كان لتجديد الاتفاقية لسنة أخرى مضاعفات انعكست على الوضع الداخلي في شرق
الأردن والعلاقة بين الأمير والوكالة اليهودية من ناحية والموقف الرسمي لسلطات
الانتداب البريطاني من الناحية الأخرى.

وأول ما تجدر الإشارة إليه هو اتخاذ هذه الاتفاقية طابع التحالف السياسي بين
الوكالة والأمير وفقدانها قيمتها الاقتصادية تدريجياً. وذلك يظهر بوضوح من خلال
الرسالة التي بعث بها موشيه شرتوك إلى الصهيوني البريطاني البروفيسور بروديتسكي
يوم (7/6/1934 م) والتي أوضح فيها أهمية الجانب السياسي من دوافع الوكالة على
الأقل وراء السعي لتجديد تلك الاتفاقية.

يقول شرتوك:

«أنت تعلم أننا قمنا بتجديد التعاقد لسنة (1934 م) مقابل (500) ليرة فلسطينية،
ولأننا وجدنا أن لا قيمة اقتصادية تذكر للأرض، فقد اتخذت العملية بالنسبة إلى
الأمير طابعاً سياسياً بالدرجة الأولى. وبعد أن قمنا بعملية التجديد بفترة
قصيرة استلمنا رسالة سرِّية من الأمير يشرح فيها الصعوبات التي تعترضه مع
اقتراب الانتخابات القادمة (للمجلس التشريعي) وأنه بحاجة إلى تخصيص ميزانية
إضافية لسد المصاريف السياسية لمصلحتنا المشتركة بقدر أكبر مما تتيحه له
إمكانياته المحدودة. لذلك فقد طولبنا بإعطائه مبلغ (500) ليرة إضافية من أحد
بنوكنا على حساب دفعة إيجار السنة القادمة. وعلى الرغم من أن ذلك قد ظهر كنوع
من التمادي، فقد وافقنا على طلبه وطلبنا إلى البنك الأنغلو - فلسطيني منحه
قرضاً بفائدة بسيطة. وكان ذلك يعني أن البنك قد منحنا المبلغ فحولناه إلى
الأمير على حساب ميزانيتنا السياسية للسنة القادمة وعلى حساب التبرعات الإضافية
لمشروع استئجار الأرض التي نستطيع الحصول عليها من ك. ك. ل. (الصندوق القومي
اليهودي) ومن ب. ل. د. ك. (شركة تطوير أراضي فلسطين)». ‹أ. ص. م. ملف س.
(25/3515) ص. (5) بالإنجليزية›.

وقد أثار الطابع السياسي البحت للاتفاقية وعدم وجود أية قيمة اقتصادية للمشروع
بعض المشاكل الإدارية داخل الوكالة نبعت في الأساس عن الحاجة لإعادة تجديد
الجهة التي ستفي بالالتزامات المالية النابعة عنها.

ذلك على الأقل ما يتضح من (بروتوكول اجتماع ممثلي الوكالة اليهودية والصندوق
القومي اليهودي وشركة تطوير أراضي فلسطين يوم 6/12/1934 م).

ويظهر بوضوح من خلال كلمات ممثلي هذه الهيئات المختلفة أن الاعتبارات السياسية
أصبحت هي التي تحدد ليس فقط الجسم المموِّل للمشروع بل واختيار الوقت والظرف
السياسيين الملائمين لتنفيذه أيضاً.

تحدث الدكتور روبين عن الوكالة اليهودية فقال:

«من المعروف أن لا قيمة اقتصادية كبرى لهذه الأرض وأن قيمتها السياسية هي
الأساس. وإذا استطعنا بوساطتها الحصول على موافقة الأمير على دخولنا إلى شرق
الأردن، فذلك أمر حسن. ويبقى السؤال عن اختيار الوقت الملائم لذلك. فالرأي
العام العربي غاضب اليوم بسبب أراضي الحولة. ويجب أن نفكِّر فيما إذا كانت
اتفاقية الاستئجار في شرق الأردن لا تزيد من توتر الوضع». ‹أ. ص. م. ملف س.
(25/3492) ص (5) بالعبرية›.

وحول الحاجة إلى أخذ الظروف السياسية بعين الاعتبار ومراعاة الرأي العام الذي
من المتوقع أن يثور على الأمير، قال الدكتور ماهون:

«إذا كان الأمير غير مهتم بالرأي العام العربي فلماذا علينا الاهتمام به؟ سيضطر
العرب لابتلاع ذلك رغماً عنهم. فالفكرة المنتشرة بينهم الآن أن اليهود ليسوا
المتهمين الوحيدين في جريمة بيع الأراضي والزعماء العرب أيضاً الذين لا يحافظون
على أراضي الشعب». ‹نفس المصدر ص (7)›.

والمهم هنا أن هذه الاعتبارات السياسية أصبحت تحدد الجهة المسؤولة عن تمويل
المشروع من الأساس.

وحين طالب شرتوك بزيادة حصة الصندوق القومي وشركة التطوير في المصرف أجابه
أوسيشكين قائلاً:

«يدل التقرير الذي قدَّمه خبراؤنا الذين قاموا بفحص غور الكبد على أن هذه
الأراضي لا تلائم الاستيطان. لذلك فالقضية هنا سياسية وليست استيطانية. ومن هنا
يجب أن تتحمل الدائرة السياسية جميع المصاريف. أمَّا إذا كانت ميزانية السيد
شرتوك غير كافية فباستطاعته المطالبة بزيادتها». ‹نفس المصدر ص (8)›.

وبسبب الأبعاد السياسية الواضحة لهذه الاتفاقية والتي أدَّت بدورها إلى تعاظم
رد الفعل الوطني المعارض في كل من يافا وشرق الأردن، فقد أخذ الأمير يسعى إلى
البحث عن صيغة مباشرة لتنفيذ الاتفاق مع الوكالة حول غور الكبد.

وأثناء اجتماعه بالدكتور وايزمان في لندن في أواسط تموز سنة (1934 م) تمَّ
الاتفاق بينهما على أن تقوم الوكالة اليهودية باتخاذ شريك يهودي بريطاني يتمَّ
تسجيل اتفاقية غور الكبد باسمه في المستقبل.

ويقول أهرون كوهين في تقريره عن لقائه بمحمد الأنسي يوم (22/7/1934 م):

«على أية حال فإن م. أ. يحثُّنا على الإسراع في البحث عن شريك إنجليزي لامتياز
غور الكبد».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/3051) بالعبرية›.

وقد استغل الأمير فرصة اجتماعه بوايزمان وطلب إليه أن يحاول بما له من نفوذ في
لندن التأثير على وزارة المستعمرات لإقصاء الكولونيل كوكس عن منصبه.

وعلى الرغم من أننا لن نبحث هنا في دوافع معارضة كوكس اتفاقية غور الكبد فإننا
نميل إلى الاعتقاد بأن الطابع السياسي الذي اتخذته هذه الاتفاقية والمضاعفات
التي وضع رجالات الانتداب البريطاني في حسبانهم أن تتمخض عنها بشكل يخرج
التطورات في فلسطين وشرقي الأردن عن دائرة سيطرتهم المباشرة هي ما دفعتهم إلى
معارضتها في البداية.

والظاهر أن أكثر ما كانت تخشاه تلك السلطات ردة الفعل الوطنية العربية في كلا
البلدين، الأمر الذي دفع بالأمير إلى العمل على طمأنة تلك السلطات بعدم جدِّية
خطورة التحرك الوطني.

وقد أشار محمد الأنسي في محادثته مع أهرون كوهين يوم (8/8/1934 م) إلى قيام
المندوب السامي البريطاني خلال زيارته الأخيرة شرق الأردن باستطلاع رأي بعض
موظفي الحكومة حول قضية غور الكبد ودخول اليهود إلى شرق الأردن.

وأحد هؤلاء كان علي بك طبارة مدير دائرة الأراضي الحكومية الذي، كما يقول
الأنسي، أكدّ له «إن نشاط اليهود الاستيطاني يعني توظيف رؤوس الأموال الأجنبية
الأمر الذي يعود بالفائدة على البلاد ويرحِّب به المواطنون».

أمَّا الأنسي فقد أكد بدوره لأهرون كوهين خلال تلك المحادثة نجاح الأمير في
ملاحقته الاستقلاليين، وأعلمه أن الدكتور صبحي أبو غنيمة قد اضطر بسبب تلك
الملاحقة إلى الهجرة إلى سورية، بينما يحاول عادل العظمة التصالح مع الحكومة.

‹أ. ص. م. ملف (25/3485) بالعبرية›.

وعلى الرغم من محاولات الأمير تصفية المعارضة فقد تميزت تقارير تلك الفترة
بالشكاوى التي كان يوجِّهها من سلطات الانتداب البريطاني التي لم تتعاون معه في
تقوية مركزه الداخلي الأمر الذي طالب الوكالة من أجله بمساعدته على إقصاء كوكس
وتغيير الموقف البريطاني الرسمي من مسألة غور الكبد.

وعلى الرغم من محاولات الأمير تصفية المعارضة فقد تميزت تقارير تلك الفترة
بالشكاوى التي كان يوجِّهها من سلطات الانتداب البريطاني التي لم تتعاون معه في
تقوية مركزه الداخلي الأمر الذي طالب الوكالة من أجله بمساعدته على إقصاء كوكس
وتغيير الموقف البريطاني الرسمي من مسألة غور الكبد.

وقد حاول محمد الأنسي توضيح هذه الصورة في اللقاء الذي كان لأهرون كوهين معه
يوم (28/10/1934 م).

وفي بداية اللقاء شكر محمد الأنسي كوهين باسم الأمير على الهدايا التي أرسلتها
له الدائرة السياسية (مجوهرات وساعة طاولة) بمناسبة قرب زواج ابنه الأمير طلال
من ابنة عمه الأمير جميل بن ناصر. وبعد ذلك رفع كوهين للأنسي استياء الدائرة
السياسية من بيان حزب "الشعب" الذي أدان خطاب الدكتور وايزمان بشأن دخول اليهود
إلى شرق الأردن وأوضح له أن صدور بيان من هذا النوع يشجع كوكس على الإدعاء بأن
الرأي العام في شرق الأردن غير راضٍ عن دخول اليهود إليها.

ورداً على شكوى كوهين قال الأنسي إن الأمير حاول طيلة سنة (1933 م) التخلص من
حكومة عبد الله السراج التي وقعت تحت تأثير كوكس.

وأضاف، إن المسؤول عن إصدار البيان هذه المرة هو كوكس ذاته الذي أخذ يؤثر على
حكومة إبراهيم هاشم أيضاً. ‹أ. ص. م. ملف س. (25/3485) بالعبرية›.

وإلى جانب قيام الأنسي بتحميل كوكس مسؤولية الرأي العام المعارض للأمير عن طريق
تشجيع الحكومة لمعارضة سياسته، فقد نقل لكوهين تذمُّر الأمير من كون الوكالة
اليهودية لا تسعى بما فيه الكفاية لإبعاد كوكس عن منصبه.

وحيال هذا الوضع بدأ الأمير يشك في جدوى تجديد الاتفاقية لسنة أخرى الأمر الذي
عبَّر لأهرون كوهين يوم زاره هذا الأخير في (12/12/1934 م).

ويشير تقرير كوهين عن تلك الزيارة إلى تذمُّر الأمير من أن نيومان وفاربشتاين
قد ادعيا في البداية بأنهما يمثلان شركة تجارية أمريكية وأنه لم يكتشف في حينه
بأن للدائرة السياسية ضلع مباشر في قضية غور الكبد.

كما شكا له أيضاً الضغوط التي يواجهها من جانب كوكس من ناحية والمعارضة
الشعبية من الناحية الأخرى.

ورداً على ذلك حاول كوهين طمأنة الأمير إلى أن وضعه الداخلي غير سيئ.

وأشار إلى الخطوات التالية التي قامت بها الوكالة عن طريق اتصالها بشيوخ
العشائر لدعم موقفه داخلياً، قائلاً:

«قلت له إنه من غير الصحيح أنه يواجه ضغوطاً عربية قاسية: فهاشم خير (وزير
الآثار) وسعيد المفتي (وزير إدارة الألوية) وعودة بك القسوس (المدعي العام)
يوافقون على دخولنا شرق الأردن. وقد قابلتهم وعبروا لي عن موقفهم هذا. كما (قلت
له) إنه من غير الصحيح أننا لا نقوم بأي عمل لمساعدته: فقد عقدنا حفلة استقبال
وتعارف في فندق الملك داوود في نيسان (1933 م) حضرها زعماء شرق الأردن والدكتور
وايزمان. كما ساعدنا مثقال الفايز على عقد مؤتمره الاقتصادي في تموز (1933 م).
ومنحنا بعض شيوخ العشائر قروضاً صغيرة على قدر إمكانياتنا. ودفعنا مبالغ أخرى
لبعض الصحف مقابل اتخاذها موقفاً إيجابياً مؤيداً للأمير».

‹أ. ص. م. ملف س. (25/6313) بالعبرية›.

وعلى الرغم من ذلك فقد ادعى الأمير أن تجديد الاتفاقية يجلب له المتاعب
والضغوط، وذلك علاوة عن عدم وجود أية قيمة اقتصادية للمشروع.

أمَّا كوهين فقد أكد الطابع السياسي لتجديد الاتفاقية بقوله للأمير:

«ولكن، ما هو الشيء الذي سيربطنا في المستقبل إذا قمنا اليوم بإلغاء الأوبشن
الذي قامت عليها علاقتنا؟ فوقف الأمير وأمسك بيدي وحلف بشرفه وشرف والده
المرحوم ملك العرب الحسين بن علي أنه لن يخون شعبه أبداً. كما أقسم برب
الأنبياء أن مصلحة شعبه تحتمَّ عليه التفاهم معنا».

‹نفس المصدر السابق، ص (5)›.

وإذا قد كنا وقفنا على الجانب "الرسمي" للضغوط التي واجهها الأمير والتي انحصرت
في تشجيع سلطات الانتداب الحكومة على معارضة سياسته، فمن الواضح أن مخاوفه
الحقيقية نبعت من استمرار نشاط المعارضة الوطنية ضدّه والاتصالات التي أجرتها
تلك المعارضة مع الحركة الوطنية الفلسطينية. فعلى الرغم من ملاحقة الأمير قادة
الاستقلال، نجد أن المعارضة تجدد نشاطها في منتصف كانون أول (1934 م).

ويتضمن تقرير كوهين عن اللقاء الذي تمَّ بينه وبين بهجت الصليبي في الفترة بين
(13-16/12/1934 م) بعض المعلومات عن ذلك النشاط.

يذكر الصليبي الاجتماع الذي تمَّ بينه وطاهر الجيقة وحسين الطراونة وعادل
العظمة (من زعماء الاستقلال) من ناحية وزعماء لواء عجلون (راشد الخزاعي وسليمان
السويدي) من الناحية الأخرى، حيث تمَّ الاتف

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر