الراصد القديم

2010/10/28

طبيعة ومواجهة الوجود العسكري الصهيوني في البحر الأحمر



الجنرال يعقوب عميدرور



عناصر الدراسة
1. التطورات على خريطة المشهد الإستراتيجي والأمني في شرق إفريقيا.

2. قراءة جيو إستراتيجية وجيو سياسية وجيو اقتصادية للبحر الأحمر.

3. الأهمية السياسية والعسكرية للبحر الأحمر.

4. الإستراتيجية البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر.

5. مواجهة الوجود الإيراني في شرق إفريقيا وعلى الأخص في إريتريا.


المشهد الإستراتيجي والأمني
1. تشهد حاليا تطورات بالغة الأهمية والخطورة على حدّ سواء، وأهم هذه التطورات:

2. الحرب الأهلية في الصومال التي تواكبها تدخلات إقليمية إثيوبية كينية وإريترية،وأمريكية وأوروبية.

3. الصراع المركب في اليمن بين النظام المركزي في صنعاء والحوثيين المدعومين من إيران من جهة، وبين الجنوب والشمال حيث يصمم الحراك الجنوبي على إعادة تقسيم اليمن بين شمال وجنوب، ثمّ تصاعد ملحوظ في عمليات تنظيم القاعدة وما يستتبعه من تصعيد في التدخل الأمريكي.

4. الوضع في السودان الذي يقف على عتبة تطورات محورية الاستفتاء في عام 2011 على بقاء الجنوب جزء من السودان أو الانفصال عنه، وما ستترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على الأوضاع في شرق إفريقيا.

تطور العلاقات بين الدول الإفريقية المسيحية في شرق إفريقيا إثيوبيا وأوغندا وكينيا والاتجاه بها نحو التحالف الإستراتيجي.
واحتمال أن يتعزز هذا التكتل بولادة دولة جنوب السودان. سياقات هذه التطورات تأخذ شكل منحى بالنسبة للاتجاهات الخطيرة.

المنطقة تشكل بالنسبة لإسرائيل أهمية إستراتيجية واقتصادية وجيوبوليتيكية مهمة لموقعها على البحر الأحمر والمحيط الهندي.

حيث تشكل ممرا بحريا هاما بالنسبة للتجارة الإسرائيلية وبالنسبة للتعاطي الإستراتيجي مع مصادر التهديد المنطلقة من إيران ومن دول أخرى في المنطقة.

إسرائيل منتبهة إلى المخاطر التي تتفاقم جراء تعاظم دور إيران في المنطقة وكذلك الحركات المرتبطة بها، وهي لهذا اتخذت كافة الإجراءات لتعزيز وجودها الأمني في عدّة دول مثل كينيا وإثيوبيا وجيبوتي وعلى الساحل الصومالي.

هذا الانتشار العسكري الإسرائيلي البحري والجوي ينطلق من متطلبات المواجهة مع تعاظم الوجود الإيراني في شرق إفريقيا عموما وفي إريتريا خصوصا.


قراءة جيوإستراتيجية للبحر الأحمر
تتجلى أهمية البحر الأحمر في الآتي:

1. يتصل بالبحر الأبيض عن طريق قناة السويس ومع المحيط الهندي مضيق باب المندب ثم بحر عمان وخليج عدن.

2. يشكّل في وقت السلم أداة اتصال بالمحيطات والبحار والقرارات، وفي الحرب يشكل تهديدا مباشرا بالنسبة لإسرائيل عن طريق فرض حصار عليها لمنعها من التمدد إلى البحار والمحيطات التي توصل إلى آسيا وعلى الأخص جنوب شرق آسيا.

3. بالنسبة لإسرائيل تعتبر الرئة الثانية التي تطلّ على إفريقيا وآسيا وعبرها تصل التجارة الإسرائيلية إلى الأسواق الإفريقية وجنوب شرق آسيا إلى الهند وإلى اليابان وإلى سنغافورة وسريلانكا.

4. المداخل الجنوبية والجزر الواقعة في هذه المداخل تشكل في آن واحد إمّا مصدر تهديد لحركة المرور البحري الإسرائيلية أو للتجارة الإسرائيلية.

وكذلك حصار على إسرائيل كما حدث في حرب يوم الغفران 1973.


الوضع الجيوبوليتيكي
تقع على ساحل البحر الأحمر ست دول عربية الأردن مصر السعودية اليمن جيبوتي والسودان، ودولتين غير عربيتين إسرائيل وإريتريا.

من هذا المنطلق فإنّ البحر الأحمر من الناحية الجيو سياسية أكثر اتساعا من حدوده الجغرافية، هذا إضافة إلى أنّّه يفرض على الدول غير العربية تحديات أكثرها خطورة تلك التي تواجهها إسرائيل.

إضافة إلى ذلك فإنّ منطقة البحر الأحمر شهدت تغييرات في السنوات الأخيرة إمّا نتيجة للانتشار العسكري الغربي في الخليج وبحر عمان وخليج عدن أو في جيبوتي.

وإمّا بسبب فقدان إثيوبيا لموقفها على البحر الأحمر وانتقال السيطرة على مينائي عصب ومصوع إلى إريترياـ وإمّا على خلفية صراعات التي نشبت بين اليمن وإريتريا على خلفية إدعاء الملكية على جزر حنيش وكذلك الحرب بين إريتريا وإثيوبيا والحرب الأهلية في الصومال.


الأهمية الاقتصادية
للبحر الأحمر أهمية اقتصادية لا تقل عن أهميته الإستراتيجية باعتباره الممر الذي تصدر عبره إمدادات النفط المصدر إلى الأسواق الأوروبية وإلى الولايات المتحدة عن منطقة الخليج إحدى أهم مناطق الإنتاج النفطي في العالم.

وتقدر الكميات التي تصدر يوميا ما بين 15 إلى 20 مليون برميل نصيب المملكة العربية السعودية وحدها 10 ملايين برميل.

الأهمية العسكرية
تعود هذه الأهمية إلى عدة قرون إلى عهد الملك داوود وسليمان حيث استطاع أسطول الملك داود أن يجوب هذا البحر وأن يصل إلى اليمن ويقترن بمملكة سبأ الملكة بلقيس ثم إلى إثيوبيا لإقامة تحالف مع الأباطرة الإثيوبيين.

لكن هذه الأهمية ازدادت في العصور الحديثة مما أعطاه اهتماما أكثر من قبل الإستراتيجيات الغربية الكبرى الأمريكية والبريطانية والإيطالية والألمانية:

إمّا من أجل حماية تدفق النفط إلى أسواق الدول الصناعية في الغرب، وإمّا بسبب حماية حركة التجارة بين الغرب والشرق في طريقها إلى الأسواق في إفريقيا وآسيا.

الطبيعة الجغرافية للمسرح البحري في البحر الأحمر وما يشمله من مضايق حاكمة ومواقع إستراتيجية تسمح بالتحكم والسيطرة على التحركات العسكرية والسيطرة على التجارة لعدم وجود فصل بين المصالح الاقتصادية وبين التموضع في المناطق الإستراتيجية.


الإستراتيجية الإسرائيلية في البحر الأحمر
بعد حرب تشرين 1973 وعلى ضوء تطورات تلك الحرب ومواجهة إسرائيل خطر الحصار البحري بعد إغلاق باب المندب، اضطرت إسرائيل أن تتبنى إستراتيجية بحرية يمكن تلخيصها على النحو التالي:

1. نشر قوة بحرية قادرة على مواجهة أية تهديدات جديدة مؤلفة من قرويطات صاروخية وطائرات مروحية وغواصات في مواقع هامة في البحر الأحمر.

وعلى الأخص في مدخله الجنوبي وفي جيبوتي، واستخدام قناة السويس ولأول مرة لمرور الغواصات والقطع البحرية الإسرائيلية.

2. إقامة تعاون بحري كامل مع الأسطول الأمريكي الخامس في الخليج ومع الأساطيل الغربية الأوروبية الأخرى المنتشرة في الخليج وبحر عمان والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

3. ضرورة الاهتمام الفعلي والمتزايد بهذا الممر المائي ومواجهة التهديدات المنطلقة من المنظمات وعمليات تهريب الأسلحة والأفراد إلى قطاع غزة أو إلى شبه جزيرة سيناء أو على اليمن ومن ثمة إلى السعودية.

4. تشابك المصالح السياسية والإستراتيجية والاقتصادية بالبحر الأحمر مع دول مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول إقليمية مثل جيبوتي وكينيا ومصر.

5. حماية خطوط المواصلات البحرية من إيلات وإليها إلى الدول الإفريقية والآسيوية.

6. القيام بعمليات هجومية ضد إيران في المستقبل.


مواجهة الوجود الإيراني
الأهمية الكبيرة للبحر الأحمر تجعل إسرائيل تعتبر البحر الأحمر جسرا يصلها بالبلدان الإفريقية والآسيوية سياسيا واقتصاديا وإستراتيجيا.

وهي لهذا تتابع بقلق بالغ تنامي الوجود الإيراني في شرق إفريقيا ولكن بشكل خاص في إريتريا.

تنامي علاقات التعاون العسكري بين إريتريا وإيران ومنح قطع الأسطول الإيراني تسهيلات في مينائي مصوع وعصب ونصب صواريخ بحرية قادرة على تهديد الأسطول التجاري والحربي الإسرائيلي والأساطيل الغربية يفرض تحديا.

لأن هذا الوجود هدفه بالأساس مواجهة الوجود البحري العسكري الإسرائيلي الذي يحشد في البحر الأحمر وفي المحيط الهندي لمواجهة احتمال توجيه ضربة عسكرية جوية وبحرية ضد إيران عن طريق خلق وجود مضاد أو تحدي مضاد.

مع أنّ هذا الوجود سيهدد دولا عربية تقع على سواحل البحر الأحمر كالسعودية واليمن وحتى مصر دون أي تهديد للسودان بحكم العلاقات الحسنة بينه وبين إيران.

فإنّ إسرائيل هي التي ستتحمل العبء الأكبر في مواجهة التحدي الإيراني الذي ينطلق من إريتريا، وإلى جانبها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

للتذكير فقط، فقد قامت إيران بنشاطات ضد اليمن عن طريق تهريب الأسلحة ودعم الحوثيين من أجل إيجاد موطئ قدم في خليج عدن وفي الموانئ اليمنية، هذا في نطاق تعزيز مكانتها الإقليمية وانطلاقا من إستراتيجية الهيمنة.

أمن البحر الأحمر له أبعاد محلية إسرائيلية وأبعاد إقليمية ودولية، وأي تواجد لإيران في هذا البحر والتي تدعم منظمات الحوثيين في اليمن والحركات الجهادية في الصومال، سيزيد من حدّة التوتر الذي سيؤثر قطعا على مصالح هذه الأطراف ويعرضها للخطر.

وكان هذا الأمر محل تداول ونقاش مع الولايات المتحدة ومع دول أوروبية بريطانيا ومصر والأردن باعتباره يقع في المدخل الشمالي خليج العقبة وحتى مع إثيوبيا رغم أنّها لم تعد تعتبر دولة بحرية ولكنها معنية باحتواء إريتريا والوجود الإيراني فيها.

وقد فشلت كل الدعوات السابقة لجعل البحر الأحمر بحيرة أمن وسلام لجميع الدول التي تقع على شواطئه، إلا أنّ وجود إيران وطموحاتها الإقليمية جعلت من هذه الدعوات مجرد صيحة في واد ونفخة في رماد.

معهد أبحاث الأمن القومي
أكتوبر 2010

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر