الراصد القديم

2010/12/20

الصين عندما تحكم العالم

تأليف: مارتن جاك /عرض ومناقشة: محمد الخولي

صدر هذا الكتاب في ربيع عام 2010، وقد احتفلت بصدوره أوساط المحللين والنقاد، وخاصة بالنسبة لما طرحه المؤلف من توقعات وتكهنات، راهنت في مجموعها على صعود الصين إلى مكانة سامقة في دنيا العولمة خلال عقود قليلة من القرن الواحد والعشرين.

وأثنت جريدة «إندبندنت» البريطانية على مقدرة المؤلف في مجال العرض التفصيلي الموثّق بالأرقام والبيانات الإحصائية لمعظم طروحات الكتاب، فيما ذهبت صحيفة «غارديان» في لندن إلى أن الزمن وحده هو الكفيل بإثبات ما يتوقعه المؤلف بصدد صعود الصين إلى المكانة رقم واحد في عالمنا.وإن أضافت قائلة إن هذا الكتاب يتميز في كل الأحوال بقدر محمود من التنبؤ المحسوب والبصيرة الثاقبة، وهو ما جعل الكتاب في رأي صحيفة إنجليزية أخرى هي «نيوستيتسمان» مصدرا لا غنى عنه لأي باحث أو محلل يريد أن يفهم ما يدور حاليا في الصين المعاصرة، خاصة وقد جاءت تحليلات المؤلف متعمقة في ظاهرة التحديث التي مازالت الصين تعيشها في الوقت الراهن.

من ناحية أخرى يتوقف المحللون عند عام 2027 حيث تكاد تجمع تنبؤات الاقتصاديين على أن الصين سوف تتفوق على أميركا بل وتتجاوزها بوصفها أكبر اقتصاد في العالم، فيما يمضي الكتاب خطوات أبعد حين يتطرق إلى أن هذه المكانة لن تقتصر وقتها على التأثير الاقتصادي أو المالي بل سوف تتعدى إلى التأثير الثقافي والمعرفي والإبداعي.لعل أخطر ما يواجه القارئ في هذا الكتاب هو عنوانه الفرعي الذي يقول بغير مواربة: نهاية العالم الغربي ومولد نظام عولمي جديد.

من هنا فليس الأمر بمقتصر على أن الصين تتهيأ ـ كما تتصور فصول الكتاب ومضامينه ـ لكي تصبح القوة الأولى في العالم، ربما بحكم مسيرتها الاقتصادية التي تتميز بقدر مرموق من الدينامية وحيوية الحركة وقدرة الإنجاز، ولكن الأمر أخطر من مضمار الاقتصاد بكثير.

الأمر يتعدى إلى حيث تصبح الصين ـ في عُرف المؤلف ـ هي محور القوة في عالم المستقبل، لا في ميدان الاقتصاد والإنتاج ومعدلات العملة النقدية والفوائد والديون والقروض وحسب، بل في مجالات التأثير الثقافي والإنجاز المعرفي والتغيرات والمؤثرات السلوكية.

وهو أمر يراه المؤلف جديرا بالتحقق في السنوات التي تأتي من هذا القرن الجديد ولدرجة قد يجوز معها أن نقول بغير مواربة: أيها السادة، اطلبوا العلم، وبالذات في الصين: تتعلمون لغتها ـ الماندارين بالذات - وتتفتحون على ثقافاتها وتتدارسون عوائدها وأعرافها وعقائدها، وتستظهرون تاريخها العريق الطويل بوصفها مهاداً لواحدة من أقدم حضارات الإنسان.

نحن إذن أمام متغيرات، صاعقة، كما قد نصفها، ويستعرضها المؤلف في كتابه المؤلف من بابين أساسيين يحويان 12 فصلا ويصفها المؤلف منذ مفتتح هذا الكتاب على النحو التالي: تغيير الحرس. والمقصود هو أن يحل الحرس الجديد محل الحرس القديم، وبديهي أن الحرس القديم يحمل اسمه المتعارف عليه وهو: الغرب بصفة عامة ثم أميركا بالذات.

الولايات المتحدة التي يعترف المؤلف على الصفحات الاستهلالية بأنها ظلت القوة المهيمنة في العالم منذ عام 1945 ـ انتهاء الحرب العالمية الثانية ـ حيث كانت طيلة الحرب الباردة التي سادت النصف الأخير من القرن الماضي، تتمتع باقتصاد يفوق بكثير اقتصاد منافسها العقائدي وقتها ـ الاتحاد السوفييتي فيما كان حجم هذا الاقتصاد الأميركي يبلغ ضعف نظيره السوفييتي.

الموعد هو 2025

لكن الدهر متقلب الأهواء والدنيا لا تدوم لأي طرف بغير انقطاع، ها هو المؤلف يورد خارطة علمية في الفصل الأول تحوي إسقاطات رياضية تتنبأ بحجم اقتصادات الدول بين عامي 2025 و2050 وعليك خير.

في عام 2025 ستكون أميركا هي البلد رقم واحد من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي ويليها مباشرة الصين وبعدهما كل من اليابان والهند وألمانيا وروسيا وانجلترا على وجه الترتيب.

ماذا إذن عن عام 2050؟

سوف يتغير المقياس ليُفيد بأن البلد رقم واحد في عالم نصف القرن الحالي من حيث الناتج المحلي الإجمالي سيكون اسمه ـ ولا فخر ـ هو الصين، وسوف يليها الولايات المتحدة ومن بعدهما كل من الهند والبرازيل والمكسيك ثم روسيا، واندونيسيا (المسلمة)، فتأمل!

من هنا يطرح المؤلف فكرته التي تترجم هذا التغيير في الحرس بمعنى القوة رقم واحد على مسرح العالم، حيث يتحول بالفكرة إلى ما يصفه بعبارة: نهاية العالم الغربي.

في هذا السياق يتناول المؤلف في الباب الأول من كتابه أفكارا وأوضاعا وتحولات تاريخية يتابع فيها صعود الغرب (الأوروبي) منذ زمن النهضة الأوروبية (الرينسانس) وما أفضت إليه جهود القارة الأوروبية مع منتصف القرن 19 من بسط وإقرار نفوذها على أصقاع شاسعة من شرقي آسيا.

وربما كان في هذه الحقيقة الظاهرة ما دفع المؤرخين والمحللين إلى استبعاد أقطار وشعوب تلك المنطقة ـ الصين بالذات ـ من مضمار الحداثة والتقدم بالمفهوم الأوروبي.

لكن الحقيقة ـ كما يجهد المؤلف في توضيحها ـ أن الإمبراطورية الصينية كانت لها قدراتها ووسائلها ومواردها، ولكن كانت لها أيضا أنماط سلوكياتها التي اختلفت بالقطع عن نظيرتها الأوروبية.

كان حكام صين ـ ذلك الزمان ـ يقيمون في بلادهم مشاريع عملاقة، ولكن في مجال الري والزراعة بالدرجة الأولى، من أجل تلبية احتياجات سكان كانوا يعدون بمئات الملايين

ولهذا كان تركيزهم ـ كما يوضح المؤلف (ص27) - ينصّب على أولويات تختلف عن أولويات الثورة الصناعية في أوروبا: القمح والحبوب قبل الفحم ثم الملح والنحاس قبل التماس موارد الطاقة أو الأخشاب أو الحديد.

بل إن حكام الصين كانوا يصدرون عن تاريخ طويل وعريق في حضارة بلادهم، وحين كانت أوروبا تتخبط في دياجير العصور الأولى من التاريخ البشري ـ جهلا وتخلفا - كانت الصين قد بدأت تتخذ شكلها المتعارف عليه تاريخيا منذ القرون البعيدة التي سبقت ميلاد السيد المسيح عليه السلام.

في تلك الفترات الباكرة استطاعت الصين تطوير أساليب الزراعة ولدرجة يقول معها المؤرخون (ص75) إن الإنسان الصيني توصّل إلى الزراعة وإلى حصاد محاصيل الأرز والذرة الرفيعة في شمالي وجنوبي الصين منذ 12 ألف سنة من عمر الزمان، وبهذا سبقت الصين إبداع وحضارة بلاد ما بين النهرين (العراق القديم) التي عرفت الزراعة المستقرة منذ 8 آلاف سنة.

ما بعد ثورة 1949

بهذا الميراث الحضاري الطويل استطاعت الصين أن تصمد لكل الصدمات التاريخية إلى أن شهدت الثورة الكبرى بقيادة زعيمها «ماو تسي تونغ» عام 1949 التي رسمت السبيل أمام التصنيع والتحديث بكل ما واكب ذلك من اجتهادات وأخطاء.


أيضا بكل ما حصّلته الصين في مرحلة «ماو» (1949 ـ 1978) من عبرة ودروس مستفادة جعلت تلك الحقبة أقرب إلى تعويض عن صدمات القرن التاسع عشر، وأعادت بناء الوحدة الوطنية في الصين، ومهدت السبيل أمام ما يصفه المؤلف بأنه بداية الانطلاق أو الإقلاع إلى مرحلة ما بعد «ماو» التي بدأت مع نهاية عقد السبعينات الماضي وما برحت متواصلة حتى كتابة هذه السطور.

هذا التواصل الذي تجسّد في تقدم مطرد على جبهات اقتصادية شتى وَضَع الصين بحق ـ وكما يؤكد كتابنا ـ لا على أعتاب الحداثة فقط بل في خضم محيط الحداثة ذاته. من هنا يحق للمؤلف أن يتحول إلى الباب الثاني والأخير من الكتاب لكي يطلق عليه العنوان التالي: عصر الصين.

ولأن الصين، وأي دولة في زماننا وعالمنا، لا يمكن أن تحوز مقاليد التقدم والحداثة والمنعة على أساس الدعايات ولا الرسائل الإعلامية ولا التصرفات أو المهرجانات المظهرية، فقد كان منطقيا أن يبدأ هذا الجزء الثاني من الكتاب (ويحوي 6 فصول) بفصل بالغ الدلالة يحمل بدوره عنوانا يقول: الصين بوصفها قوة اقتصادية عظمى.

وكان منطقيا أيضا أن تفضي هذه المكانة الاقتصادية السامقة إلى أن تصبح الصين، في رأي مؤلف الكتاب، قوة عالمية صاعدة، ومن ثم مؤهلة لكي تحكم العالم أو على الأقل تحوز من أسباب المنعة والنفوذ ما يجعلها القوة رقم واحد في زمن العولمة الراهن وفي غضون سنوات آتية من سفر المستقبل.

تغيير مذهل

هنا يحكي المؤلف من واقع تجربته الشخصية المباشرة عن زيارتين قام بهما لمكان واحد هو مقاطعة «غوانغونغ: في شمال منطقة هونغ كونغ من أعمال الصين».

كانت الزيارة الأولى في أغسطس عام 1993: يومها شق المؤلف مسيرته بصعوبة بالغة في طريق شبه ريفي موحل أحيانا ومترب أحيانا. حاشد بكل صنوف البشر، راجلين أو على متن دراجاتهم الهوائية الرخيصة العتيقة، لا فرق في المسير بين نساء يلهثن وبين ماشية يقدنها على جنبات الطريق.

لكن كان هناك أيضا ما سجلته ذاكرة المؤلف من سيارات الصفوة الجديدة الفارهة من أحدث الماركات العالمية، بقدر ما لمح المؤلف أيضا معالم تغيير في المكان كله، بنايات تهدم، وأخرى ترتفع وأراض تمهد إلى حيث يمتد البصر، وفي عبارة واحدة يقول: كان المكان أقرب إلى موقع للإنشاءات الجديدة.

مضت سنتان وعاد المؤلف لزيارة المكان نفسه، راعه أن اختفت الفوضى وانتهى الخليط الغريب الذي سبق وأن رآه، شاهد الانضباط والترتيب والتنسيق، هذه المنطقة أصبحت الموقع المحوري (ص152) لنهضة الصين الصناعية.

ويصفها المؤلف على النحو التالي: «لقد كانت المنطقة إحدى بنات أفكار زعيم الصين الإصلاحي «دينغ شياو بينغ»، امتلأت بالمصانع، معظمها يمتلكها سكان هونغ كونغ ومهمتها هي تصنيع وإنتاج السلع المجهزة من أجل التصدير إلى السوق العالمية، هذا إذن هو الأسلوب وهو أيضا الموقع الذي بدأ فيه التحوّل الاقتصادي للصين الجديدة».

هل معنى هذا أن أصبحت الصين بلدا واسع الغنى جمّ الثراء؟

المؤلف يجيب موضوعيا بالنفي على طول الخط ثم يضيف قائلا: الصين ليست بلدا غنيّا، وهي بلد مزدحم بالسكان ولكنه يحقق معدلات بالغة الارتفاع في النمو، وكأنما تعمل الصين إلى تغيير العالم على مرأى ومسمع منا.

علاقات مع أفريقيا

بيد أن هذه الانطلاقة تميزت أيضا بقدر لا ينكر من الانفتاح على شتى أجزاء العالم.إلى أفريقيا جاءت الصين تلتمس الحصول على المواد الأولية اللازمة لصناعاتها العفية، وفي مقدمة هذه الاحتياجات كانت الطاقة النفطية بطبيعة الحال، وتلاها استئجار مساحات شاسعة من أراضي القارة السمراء الصالحة للزراعة من أجل إنتاج الحبوب الغذائية المطلوبة لتلبية احتياجات الغالبية العظمى من سكان الصين.

على أن علاقات الصين مع أفريقيا سجلت تحولا بديهيا وذكيا أيضا بعيدا عن علاقات القارة مع القوى الأوروبية ـ الإمبريالية سابقا: لقد جاءت العلاقات الجديدة لتجسد اتفاقات على مشاريع مشتركة وبروتوكولات تقضي بمنح قروض وتقديم ائتمانات ميسورة لصالح الشريك المحلي الإفريقي.

على مستوى الشرق الأوسط ترتبط الصين بعلاقات وثيقة مع أطراف منتجة للنفط في المنطقة وبخاصة إيران فيما تدأب بكين على تحسين علاقاتها مع كل من روسيا والهند وسائر أقطار جنوب شرقي آسيا.

الثقافة أيضا

وها هو المؤلف يتوقع المكانة نفسها بالنسبة لمدينة بكين، عاصمة الصين التي قد تصبح محور اهتمام الدنيا مع اطراد صعود الصين بوصفها القوة رقم واحد في دنيا العولمة خلال السنوات المفضية إلى نصف القرن أو إلى أواخره أيضا.

ويختتم المؤلف سطور كتابه الحافل بالفصل الثاني عشر ـ الأخير الذي يكتسب أهميته ـ في تصورنا ـ من تأكيده على أن مصطلح الحداثة أو التحديث لم يعد مقصورا على المفهوم أو التطبيق الأوروبي على نحو ما ساد فكريا منذ أيام القرنين 19 و20.

إن المؤلف يتوقع أن يواكب صعود الصين الاقتصادي قدرتها على أن تمارس تأثيرها بالإشعاع والنموذج والقدوة الحسنة على ثقافات عالمها وأنماط سلوكه، ومن ثم فلن يقتصر الأمر على أرقام وصادرات وإحصاءات بل يتعدى الأمر إلى التأثير في مجالات الفن والفكر واللغة والتفاعل الثقافي والتبادل المعرفي.

لن تقتصر الصين إذن على أن تطرح في أسواق عالمها منتوجاتها المتنوعة من الآلة إلى السيارة إلى سجادة الصلاة، بل إنها تستعد لكي تزود هذا العالم، عبر السنوات المقبلة، بنجوم الرياضة ونوابغ عازفي الموسيقى ومخرجي وممثلي السينما ومَن في حكمهم من مبدعين.

يومها يَحق للكتاب ومؤلفه أن يقولا للناس عبر الحدود والمسافات: ألم نقل لكم.. استعدوا: الصينيون قادمون؟

الكتاب: الصين عندما تحكم العالم

تأليف: مارتن جاك

الناشر: بنغوين برس، نيويورك، 2010

عدد الصفحات: 550

عرض ومناقشة: محمد الخولي


0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر