الراصد القديم

2010/12/20

أمريكا لا تريد لنا أي شيء


بقلم : صلاح صبحية


في خضم الأحداث المتسارعة على الساحة الفلسطينية يقف الإنسان الفلسطيني
والعربي مندهشاً مما يجري ، فبينما نجد القرار الفلسطيني والعربي بعدم
استئناف المفاوضات مع الجانب الصهيوني إلا بتجميد الاستيطان ، والحديث
الفلسطيني عن مطالبة العالم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود
الرابع من حزيران 1967 وتسارع بعض دول أمريكا اللاتينية للاعتراف بهذه
الدولة وبحدودها ، نجد التحرك العربي الرسمي في الأمم المتحدة لا يرقى
إلى درجة الفعل الأمريكي اللاتيني ، فيصبح الحديث العربي في الأمم
المتحدة عن قرار يدين الاستيطان فقط دون المطالبة بوقف الاستيطان ، بينما
تـُرك موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية وبحدودها جانباً ، وهذا أن دلّ
على شيء فإنما يدّل على أنّ الجامعة العربية غير قادرة على خوض معركة
الاعتراف بحدود الدولة الفلسطينية في مجلس الأمن وكأنها ترسل رسالة إلى
اللجنة الرباعية تقول فيها بأنّ الجانب الفلسطيني لن يقوم بأي عمل
أحادي الجانب يؤثر سلباً على سير المفاوضات مستقبلاً ، دهشة واستغراب ،
دول تجاور الولايات المتحدة تعلن الاعتراف بحدود الدولة الفلسطينية ونحن
نصرخ من بعيد مطالبين الولايات المتحدة للاعتراف بحدود الدولة الفلسطينية
وهي تقول لنا وعبر الكونغرس لا وألف لا للقبول بحدود الرابع من حزيران
حدوداً للدولة الفلسطينية ، ولا نجرؤ بالتالي على طرح حدود الدولة
والاعتراف بها على مجلس الأمن ، حيث لم يكن طرح قضية الاستيطان على مجلس
الأمن إلا كون العرب يدركون بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية ربما تمرر
قرارا لمجلس الأمن تدين فيه الاستيطان بالموافقة عليه ، أو ربما تقبل
الولايات المتحدة بقرار يعتبر الاستيطان غير شرعي وغير قانوني وذلك
بامتناعها عن التصويت وهذا على ما يبدو هو الذي يسعى إليه العرب اليوم ،
وخصوصاً وأنّ الحديث الأمريكي عن ايقاف الاستيطان ليس بجديد ولأنّ
الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تحفظ ماء وجهها لدى العرب ، ولأنّ
الولايات المتحدة لا تريد للمفاوضات أن تتوقف ، أمّا إذا ما رفضت
الولايات المتحدة أي قرار بخصوص الاستيطان فأنها تكون قد أكدت على رسالة
أمريكية كثيراً ما أُرسلت إلى العرب وهي : أولاً أنّ البناء في
المستوطنات حاجة ضرورية للنمو السكاني الصهيوني ، وثانياً بأنّ الأرض
التي تبنى عليها المستوطنات ليست أرضاً محتلة وإنما هي أرض متنازع
عليها ، ثالثاً بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية ترفض قيام دولة فلسطينية
مستقلة بحدود الرابع من حزيران ، وأن الدولة الفلسطينية التي يمكن أن
تقبل بها واشنطن هي دولة مؤقتة قابلة للحياة بحدود ما هو واقع على الأرض
وبما يمنح الأمن للكيان الصهيوني في فلسطين ، ورابعاً أنها تعلن وقف
المفاوضات (وهذا ما لاتريده الولايات المتحدة أن يحصل) ، وهذا الموقف
الأمريكي يعرفه العرب جميعاً ، ويعرف العرب جيداً ماذا تريد منهم واشنطن
وهم بالتالي يعبرون عن ضعفهم أمام شعبهم العربي تحت عنوان لاحوّل ولا قوة
لنا إلاّ بما تريده واشنطن لنا نحن العرب .

فالولايات المتحدة الأمريكية تريد من العرب عموماً ومن الفلسطينيين
خصوصاً كل شيء يحقق أمن الكيان الصهيوني دون أن تعطي أي شيء
للفلسطينيين ، وكأنّ القضية لدى الولايات المتحدة ليست قضية حقوق شعب
يسعى إلى الحرية والاستقلال وإنما هي قضية مشروع استعماري استيطاني يجب
المحافظة على أمنه وسلامته من إرهاب العرب والفلسطينيين ، وهذا لن يتم
لواشنطن إلا من خلال إبقاء الفلسطينيين تحت رحمة الدول المانحة الذي يعني
الحل الاقتصادي لمشكلة الدولة الفلسطينية من خلال بناء مشاريع تنموية في
الضفة الفلسطينية تجعل الفلسطينيين صيداً ثميناً لهذا الحل الذي يحقق
لهم نوعاً من الاستقرار الاقتصادي ، ولكنه استقرار اقتصادي وهمي لأنّ
مفتاحه بيد الكيان الصهيوني والدول المانحة ، ومع هذا فأنه يوجد من
الفلسطينيين من هو منخرط في تفاصيل هذا الحل الاقتصادي لذلك فهم يسارعون
في كل ساعة وليس في كل يوم لإثبات جدوى هذا الحل رغم ما يقوم به الاحتلال
من تخريب لمثل هذه المشاريع ، وتخريب طريق الحرية واقتحام المصارف في
الخليل ما هو إلا الدليل على ذلك ، ومن هنا علينا أن ندرك جميعاً أنه لا
يمكن للعدو الصهيوني أن يكون مع قضيتنا ومصالحنا ويسمح لنا بإقامة بنية
اقتصادية تحقق لنا أهدافنا السياسية أو تعيد لنا حقوقنا لأنّ هذا العدو
الصهيوني ما وجد إلا لإزالتنا من الوجود فهل يمكن له أن يمنحنا ازدهاراً
اقتصادياً يثبت وجودنا على الأرض ونكون النقيض الدائم له ؟

ألم يكن الأجدر بنا أن نطرح كل تفاصيل قضيتنا الفلسطينية على مجلس
الأمن وليس فقط مشكلة الاستيطان أو مطالبة المجلس الاعتراف بحدود الدولة
الفلسطينية بل طرح كل حقوقنا كاملة حسب قرارات الشرعية الدولية دون تجزئة
لأنّ طرح قضيتنا حسب الحق التاريخي بحاجة إلى قيادات فلسطينية وعربية
تراهن على كل إمكاناتها الشعبية والمادية والسياسية وهذا وبكل أسف غير
متاح اليوم فلسطينياً وعربياً ، فمتى يخرج الفلسطيني والعربي من دهشته
التي يرى من خلالها قادته متمسكون بالحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية
والعربية بينما يجد الجانب الأمريكي الصهيوني يتمسك دائما بالحد الأعلى
لتطلعاته الاستعمارية في منطقتنا العربية ، وإلى متى نبقى نتوهم بأن ّ حل
قضيتنا بيد الولايات المتحدة الأمريكية التي ستأخذنا اليوم إلى مفاوضات
موازية ومن ثم مفاوضات متعامدة ومن ثم مفاوضات دائرية وأفقية وشاقولية ،
المهم ألا تسمح لنا الولايات المتحدة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة بحدود
الرابع من حزيران 1967 فأمريكا لا تريد لنا أي شيء .

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر