2010/01/30

هل سيحدد العراق مصير العلاقة السورية الإيرانية ؟


ثمة مفارقة تبدو غريبة لأول وهلة في موقف النظامين الحليفين سوريا وإيران من النظام العراقي الحالي .... سوريا وإيران تتفقان في كل شيء تقريباً بإستثناء الموقف من حكومة المنطقة الخضراء.

فهذه الحكومة تحضي بكامل الدعم من طهران، ليس لأسباب طائفية فقط كما يتوهم البعض، وإنما لحسابات أخرى لا يصعب تلمسها، فإيران لا تدعم الشيعة فقط بل تدعم السنة الكرد والعرب الذين هم على علاقة جيدة بها، يضاف إلى هذا أن ثمة الكثير من الشيعة العراقيين الذين يناصبون النظام الإسلامي العداء .

في حين تتسم العلاقة بين دمشق وبغداد ليس بإضطراب كما كان يبدو سابقاً، وإنما بالعداء المستحكم، والذي يترجم إلى مواقف بالغة الحدة .

وهذا العداء لا يندرج ضمن المواقف الطائفية ، إذ أن قيادة سوريا ليست من القيادات المعادية للشيعة، فهي في الأغلب علوية، والعلويون أقرب إلى الشيعة إن لم يكونوا شيعة حصراً.

وهي إذ تحضي بتأييد بعض الشيعة والسنة العراقيين، فإنها أيضاً تواجه بعداء بعض الشيعة والسنة العراقيين أيضاً، لذا فإن تفسير الخلاف على أنه خلاف طائفي يبدو تفسيراً متهافتاً وقميئاً ، لا يصمد أما الوقائع والأحداث.

ومن أجل تتبع بدايات هذا الموقف الملتبس سنضطر إلى الرجوع ثلاثين عاماً إلى الوراء .

وقتها كانت الحرب العراقية الإيرانية قد إنطلقت .... ومع إندلاع الحرب وقف العرب بأغلبيتهم إلى جانب العراق، ووقفت سوريا، ربما لوحدها , إلى جانب إيران، فيما كان موقف ليبيا والجزائر محايداً إلى حد ما.

في تلك الفترة إحتضنت سوريا المعارضين للنظام العراقي، وكذا الرافضين للحرب، ودعمتهم، ونظمتهم في جبهات، مثل جود وجوقد، ولم يكن العرب كل العرب بوارد الإهتمام بأي معارض عراقي، لا بل كانوا يشددون الخناق على أي شخص تدور حوله شبه بكونه معارضاً ، بإستثناء ليبيا والجزائر واليمن الجنوبي ، حيث إحتضنت هذه الدول المعارضين اليساريين الهاربين من الملاحقة والمتابعة، علماً بأن الغالبية العظمى من هؤلاء كانوا من أصحاب الكفاءات ، بحيث أنهم خدموا في كل بلد من هذه البلدان ضمن إختصاصاتهم .

أما إيران فقد أهتمت بتنظيم العراقيين المبعدين بحجة التبعية الإيرانية، وبعض الشخصيات الإسلامية الهاربة إلى إيران بعد أن شن النظام حملة شعواء على التنظيمات والحركات الشيعية، وأثناء الحرب جندت الأسرى أيضاً، بحيث ما أن إنتهت الحرب حتى كان لدى إيران تنظيمات موالية تتحين الفرص للعودة للعراق، في حين أن العراق بدوره دعم مجاهدي خلق.

أثناء الحرب وبعدها لم ينتظم المعارضون، ولم يتحركوا بشكل علني، ولم يُقيموا مقراتهم ، إلا في بلدين هما سوريا وإيران، وعدن بالنسبة للشيوعيين.

وجاء دخول العراق الى الكويت ، ثم إخراجه منه بحرب مدمرة، ثم أحداث الإنتفاضة ، وشهدت رفحا وجود عشرات الإلوف من اللاجئيين العراقيين الذين لم تستثمر السعودية وجودهم ، فتناوشتهم دول الغرب ، أما من ظل في السعودية فقد أساءت السعودية معاملته .

في فترة إحتلال العراق للكويت حاولت الدول النفطية وتحديداً السعودية التأثير على بعض الشخصيات المعارضة ، لكن عملها إقتصر على تزويد هذه الشخصيات بملايين الدولارات مكتفية بشراء ولاء هذه الشخصيات التي لم يكن لها أي تأثير في الوسط العراقي المعارض ، والتي سينقلب ولاؤها فيما بعد لأمريكا، وستصبح السعودية تابعاً لما تقرره أمريكا ، تنفذ ما يقرره موفدوها، وكان آخر عمل تحشيدي كبير بإشراف سوري، هو مؤتمر بيروت .

بعدها إنتقل ثقل المعارضة إلى أمريكا وأوربا ، وإلى لندن تحديدا، وحتى إلى ما قبل حرب إحتلال العراق بإسبوعين كان حزب الدعوة والحزب الشيوعي العراقي ، والتيار القومي مع قيادة قطر العراق لحزب البعث ( التنظيم السوري) ضد الحرب ، وضد محاولات أمريكا إحتلال العراق، ولكن الدعوة والشيوعي تنكرا لإتفاقهما مع قيادة قطر العراق وأتجها إلى التعاون الكامل مع أمريكا ، بإدعاء أن الحرب قائمة قائمة ، وإن الإحتلال حاصل ، لذا لا بد أن يكون لهما موقع في العراق الجديد يستطيعون عبره ومن خلاله خدمة الشعب !.

القيادة السورية أعلنت موقفها مبكراً ضد الحرب ، وضد إحتلال العراق ، لكن هذه القيادة فقدت تأثيرها على المعارضة العراقية ، أو الجسم الأكبر من هذه المعارضة الذي غادرها ، وغادر نفوذها، والتحق بالزاحف على بغداد، ليستلم منه حكم البلد شكلياً .

وإذ فقدت القيادة السورية سطوتها وتأثيرها على معارضة الأمس التي كانت رهن إشارتها ، فإنها باتت تطمح إلى إستثمار قوى المعارضة الحالية للإحتلال ولعمليته السياسية، وكذا المقاومة.

ومن المؤكد أنها تمني النفس بأن ترث حزب البعث العراقي كله، وليس مستغرباً أن الجناحان المختلفان، والمتخاصمان في حزب البعث العراقي، يعملان وينشطان في سوريا .

سوريا بهذا المعنى تريد أن تكون لاعباً في عراق المستقبل ، بعد زوال الإحتلال ، وهي لن تكون لاعباً عبر حلفاء الأمس الذين خانوها ، لذا فهي تنسج حلفاء جدد .

أما إيران فقد دفعت حلفاءها وأتباعها إلى العمل مبكراً مع الأمريكان ، وهي الآن اللاعب الرئيس بعد الأمريكان ، ولا تريد أن يشاركها أحد بعد زوال ألإحتلال، حتى ولو كان هذا الشريك حليف عتيد كالحليف السوري .
صباح علي الشاهر

زواج نظيف المصري ... ضحك علي ذقون الغلابه


طالعتنا الصحف المصريه نقلا عن رئاسه مجلس الوزراء المصري خبرعقد قران رئيس الوزراء المصري الشايب أحمد نظيف من احدي السكرتيرات اللاتي خدمن معه في الوزاره في تقليد الاول من نوعه في الحياه السياسيه المصريه منذ سقوط الملكيه وقيام العصر الجمهوري الذي ما مازلت مصائبه المتتاليه يجنيها المواطن المصري الغلبان ويتمني في قراره نفسه عوده قيمه المليم والنكله بدلا من المائه والاف جنيه .

ويبدو بأن الحكومه المصريه قد رأت في خبر زواج ابنها البار "بار بالحكومه فقط" ان خبرا كهذا سوف يلقي بالبهجه علي قلوب المصريين مقلده في ذلك أوساط الاسر الملكيه العريقه عندما يتزوج ولي العهد الامير الفلاني من الاميره العلانيه صاحبه العصمه والشرفه بنت الامير كذا في حفل بهيج يحضره قاده دول العالم.

فمن سوف يحضر حفل زفاف نظيف بيه الذي برع في تنظيف جيوب المصريين المطحونيين منذ ان تولي وزاره الاتصالات المصريه وبرع في شفط ما في جيوب المصريين باختراعات مستشاريه العبقريه في جني فاتوه التليفون الارضي الغلبان أربعه مرات سنويا بدلا ان كانت مرتين فقط في العام مما عاد بالمليارات الضخمه علي خزانه الدوله او بالاصح علي خزانه الاخرين وما خفي كان أعظم.

وها قد تم مكافأته علي جني المحصول النقدي من جيوب المصريين بتعيينه رئيسا لوزراء مصر المحروسه وذلك لكي يشرف بعينه الخبيره وببصيرته النادره في لحس ما قد يتبقي في أيدي المصريين من جنيهات معدوده ولما لا فقد خرج علينا وزير ماليته العبقري بطرس غالي – محتكر عمليه سب المصريين بالدين تحت قبه مجلس الشعب - بقانون الضرائب العقاريه لتنغيص حياه المصريين متوها ان غالبيتهم يعيشون في فيلات وقصور وشقق علي النيل او علي كورنيش الاسكندريه وفي شرم والغردقه كما يعيش الوزير المصون او رئيسه نظيف بيه.

ومما يزيد الامر حسره ان بعض المصريين العاديين من طائفه الغلابه عبر عن أماله بضروره ان تمنح الحكومه "منحه ماليه" للموظفين الغلابه احتفالا بتلك المناسبه السعيده ناسين كما يقول المثل المصري " هي الحدايه بترمي كتاكيت" فحدايه الحكومه متخصصه في خطف الكتاكيت او متخصصه بخطف ما قد يرسو في جيوب المصريين من جنيهات قليله.

ومازلت الحكومه المصريه تثبت لنا انها في واد والشعب المصري في واد أخر وبما أني اتحدث عن شأن مصري بحت قد يتم روايته علي انه حدوته من حواديت الشاطر نظيف في الضحك علي ذقون الغلابه المصريين الذين فاق عددهم سكان دول الخليج بأكملهم مع مغتربيهم.

- يتجوز ولا ميتجوزش يا عم هم دول حاسين بينا

- اشمعني هوا

عكست تلك العبارات العفويه التي صدرت عن غالبيه المصريين ما يتمتع به النظام المصري من توهان في العقل وشرود في الذهن متوهما ان المصريين هم سكان مارينا ومرتادي شواطئ خليج نعمه بشرم الشيخ او منتجعات الريفيرا في فرنسا وايطاليا ناسين الملايين من سكان القبور وفي العشش والعشوائيات.

او ربما توهمت الحكومه المصريه بخروج مظاهرات شعبيه تطالب ببث حفل زواج ابن الحكومه البار في قنوات التلفزيون الارضيه معربين عن حقهم الدستوري في مشاركه نظيف بيه فرحته الابديه.

او ربما قد فتق ذهن الحكومه المصريه ان خبر كهذا سوف ينسي المصريين مشاكل المصريين اليوميه والشهريه والموسميه والسنويه وما أكثرها حتي اصبحت كلمه المشكله مرادفه للمصري في بطاقه هويته "مصري مشاكل"

ليس بخبر زواج رئيس الوزراء المصري ولا حتي بخبر زواج أعضاء الوزاره كلهم ولا حتي خبر زواج ابنائهم ولا احفادهم هو من سيبعث ببريق الفرحه في قلوب المصريين فكما يقول المصري البسيط " اللي في القلب هو اللي في القلب وايه هيغيره" والحكومه مكانها في قلب المصري في الركن الاسود المظلم الذي لن يغيره زواج ولا طلاق ولا حتي عمليه ختان لعضو من أعضاء الحكومه حتي ولو كان وزير ابن وزير
شريف اسماعيل

إلى الأبد، ابق يهودياً


كنت طفلاً في الحادية عشر من عمري عندما حدثت المحرقة، وما زلت أذكر كلمات أبي، ووصيته لي: إلى الأبد، أبق يا ولدي، يهودياً. هكذا وظف شمعون بيرس رئيس دولة إسرائيل الذاتي لخدمة العام اليهودي، وهو يتحدث أمام البرلمان الألماني في الذكرى التي يسمونها "الكارثة والبطولة" بينما جلس أعضاء البرلمان مؤدبين في حضرة الرئيس الإسرائيلي، ولم تبد منهم أي مشاغبة، أو رفض لهذا التحقير اليهودي لتاريخ ألمانيا، والأدهى من ذلك؛ أن أعضاء البرلمان قاطعوا شمعون بيرس بالتصفيق أكثر من مرة، بل وقفوا لدقائق مع نهاية الكلمة، وهم يصفقون، ويبايعون "شمعون بيرس" يهودياً تنكّس أمامه رؤوس الألمان، ويقسم قادتها السياسيون بين يديه يمين الخضوع لليهود.

كنت مندهشاً وأنا أتابع كلمة شمعون بيرس باللغة العبرية، وقد بثتها الإذاعة، والتلفاز الإسرائيلي، وكانت الدولة في غاية الفرح، بينما صدى حروف اللغة العبرية تتردد وسط برلين، في المبنى التاريخي "البندوستاغ"، وشمعون بيرس يقول: في مثل هذا اليوم قبل سبعين سنة نفذ النازيون الألمان جرائهم بحق اليهود أبناء جلدتي، وفي سنة 1951، اعترف المستشار الألماني بالمحرقة اليهودية، وبحق دولة إسرائيل بالتعويض، وها هي ألمانيا تدعو إلى هذا اليوم العالمي لإحياء الكارثة، كدليل على صداقتنا، وتواصل العلاقة الحميمة بين ألمانيا وبين إسرائيل، وبين أوروبا وبين إسرائيل، وما عليكم إلا الحلم الرائع للمستقبل.

أليس غريباً هذا التذلل الأوروبي لليهود؟ وهل حقاً هذه هي ألمانيا؟ وهل هذه هي حقيقة الشعب الألماني؟ فما الذي سحق عقول الأوروبيين، وذاكرتهم؟ وكيف انقلبوا على أنفسهم، وهم من قرأ تاريخ اليهود، ولامسوا بأعينهم ما قاله: "بار بوروخوف" ممن وضعوا الأساس لدولة إسرائيل، ورفعوا شعار: "بالدم والنار سقطت يهودا، بالدم والنار ستقوم يهودا". ومع ذلك يتنكر الأوروبيون لماضيهم، وينسون الحاضر، وهم يصغون للقاتل "نتانياهو" وهو يقول في الاحتفال المركزي للذكرى في بولندا: جئت من "أورشليم" لأقول لكم: إلى الأبد لن ننسى، ولن نصفح، ولن نسمح لم ينكر حدوث الكارثة، بأن يمحو ذاكرتنا.

إنه الخوف اليهودي على الذاكرة المزيفة التي زرعوها في عقول البشر لأغراض عقائدية، وهم حريصون على توظيفها باستمرار، ولاسيما بعد أن فضحت حرب غزة حقيقتهم، كما قال الكاتب الإسرائيلي "جدعون ليفي": إن ألف خطاب ضد اللاسامية لن يطفئ النار التي أضرمتها حملة "رصاص مصبوب"، ليس فقط ضد إسرائيل بل ضد العالم اليهودي بأسره. وهذا ما يستحث العرب والفلسطينيين لأن يبعثوا ذاكرتهم، وأن يرددوا صباح مساء: إلى الأبد سنبقى عرباً مسلمين، وإلى الأبد لن ننسى حقنا في فلسطين، ولن نسمح لم تآمر على حقوقنا، وأخرجنا من ديارنا، بأن يخرجنا عن ديننا، ومن ذاكرتنا، أو أن يدنس تضحياتنا.

fshamala@yahoo.com
د. فايز أبو شمالة

الحداثة نقضا للخرافة


من الثمار المرّة التي طرحتها وتطرحها شجرة الحياة في بلادنا، ذلك التأصيل العنفي/الإرهابي، والإصرار المميت على رعاية وسقاية التخلف المعرفي الشامل، عبر معاداة سلطة العقل والعقلانية، والعلم والعلمانية، وكأن هذه الأقانيم "عمل من رجس الشيطان"، وبالتالي لا يصح للإنسان مقاربتها أو تأصيلها في حياته. لهذا شكل ويشكل الانتقال من أرض المجتمعات التقليدية، إلى أرض مجتمعات الحداثة ودولها/الأمم، العديد من نقاط السلب والإيجاب الكاشفة راهنا، كما وعبر التاريخ، في استظهار لذاك الاختلاف البيّن والجوهري بين "المسلم العادي" والآخر "المتضلّع فقهيا"، حيث تبدو المسألة مختلفة في الشكل فقط؛ بين هذا وذاك، وأولئك "الجهاديين" حملة السواطير والسكاكين والأحزمة الناسفة، لكنهم في الجوهر، كلهم في العداء سواء؛ أكان تجاه الحداثة وكامل منتجاتها، أو تجاه العلم والعلمانيين، ولو لم يقرّوا علنا باستفادتهم الكبرى من منتجات الحداثة واستخدام بعضها لمصلحة مشاريعهم الآنية والمستقبلية.

وهكذا يجري استغلال وجود الحرية في الغرب من جانب هؤلاء، لصالح أهداف عقائدية؛ تهدف لإعادة انتظام البشر وسلوكياتهم، في أنساق من العبودية والقنانة التي أضحت تنتظم في إطارات حلقيّة أو تجمعات أو تيارات أو أحزاب دينية ذات طابع سياسوي أكثر أدلجة، لا تراعي، بل تعادي قيما كونية أساسية عدة، في سياق استمالة أعضائها نحو تلك القيم الإخضاعية التي تُعدّ شرطا لازما من شروط "الإيمان الديني"، كما أمسى يحددها البشر في سياق سلوكهم وممارساتهم الحياتية اليومية، بعيدا عن رعاية ورقابة النصوص المؤسسة التي تباعدت في سلوكها وممارستها العقدية، ولم تعد ملزمة لأحد في "أرض الجور والتخلف"، فما بالنا ونحن نتحدث ونعني أرض الحداثة كمرسى وميناء أخير لمسلكيات تبدو هجينة من ناحية، و"ملتزمة" من ناحية أخرى، حسب الناظر إليها من موقعه الديني العقائدي أو السياسوي المؤدلج، أو اللاديني.

في هذا السياق المحدّد، تبدو الانتهازية واضحة وضوح الشمس، في سلوك أولئك الذين يعتبرون وجودهم في أرض مجتمعات الحداثة ودولها، ضريبة "الجزية الدينية" المفروضة على أهل البلاد، حيث يجري التعاطي معهم كـ "ذميين". هذه المفارقة التاريخية غير المسبوقة، لا تتم للأسف في سياق إعادة اعتبار للعقل، أو إعمالا لفكر نقدي؛ لكنها للأسف تُعيد الاعتبار لإعمال بعض من النصوص المؤسسة، وإسقاطها إسقاطا متعسفا على واقع لا ينتمي إليه هؤلاء، قدر ما يريدون استعادة الهيمنة عليه "فقهيا"، بادعاء "أحقيتهم اللاهوتية" لفرض جوهر أيديولوجي مضاد للعقل، ومعاد للفكر، ومغاير للنقد ومسؤولية الفرد عن ذاته، وما يصدر عن هذه الذات من تصرفات وأعمال؛ هي في المآل الأخير لها وعليها في نفس الوقت.

هذا يضع "الإسلام" في الغرب على تماس مباشر مع الحداثة، تماس تناقضي يُباعد بين الفرد/الإنسان والمجتمع، وبين "المجتمعات الميكروية الصغيرة" المتديّنة.. والحرية، وبين الحرية والاستقلالية الفردية والمجتمعية، كما تمارسها المجتمعات الحداثية.. وتلك التي تجور على أفرادها، فتبقيهم أسرى الأنساق السلفية/الماضوية التي يُعاد تكرارها واجترارها، رغم ما أسفرت عنه من براهين ودلالات حملت معاني الإخفاق والفشل، وما أقيم بموجبها من مبان متصدعة ومتداعية؛ هي إلى الانهيار أقرب، وهي تغرق في جمودها وتكلسها، ما قاد إلى خلق أبعاد تناقضية جديدة/ أو متجددة؛ بين القيم الدينية المعزولة أو ذات الطابع الإنعزالي، وبين الحواضن المجتمعية الأصولية، كما عاشها "مسلمو الغرب" في بلدانهم الأصلية التي نشأوا وتربوا فيها، وتلك الحواضن الجديدة في بلاد الحداثة، حيث التناقض على أشدّه، في اعتمال لمسلسل من الصراعات العنيفة "المكبوتة" إلى حد ما، وسلسلة الحروب الأهلية؛ وهي تؤسس لتنافر شديد الوقع، يخفّف منه استيعاب الحداثة لطرائق المتدينين في التعاطي معها كونها دريئة هروب ولجوء، وعزلة وانعزال، مع ما يحمله هؤلاء من مخاطر إنشاء وإفشاء منطق صدامي، كنوع من أنواع الحروب الأهلية التي سبق للحداثة وأن تجاوزتها وطوتها تاريخيا، وأقلمت مجتمعاتها على نسق من التعايش والاندماج في داخلها. وذلك حين جرى ويجري استبعاد كامل عناصر التفجير، عبر التأسيس لحياة ديمقراطية أتاحت وتتيح تداولا سلميا للسلطة، وقد أثبتت أنها الأجدى والأنفع لسلوك دروب السياسة وإحيائها بعد موات، والحفاظ على مفهوم المواطنة في العقد السياسي والاجتماعي الذي ينظم حياة الناس، في بلاد تحترم حريات وإرادات الناس لذاتهم، لا لمصالح فردية منفعية ومصلحية وفئوية زبائنية، كما هو حال بلاد الجور والتخلف، وكما هو حال تفكير الهاربين منها إلى بلاد قدمت الحداثة لهم فرصة الحياة المدنية، لكنهم للأسف استمرأوا ويستمرئون "خياراتهم التكليفية والخلاصية"، كي يستمروا عالة على غيرهم، وعالة على دينهم حتى، وعلى بلادهم كذلك، تحت دعاوى الجزية والحسبة والغزو والفتح والاستعلاء المرضي، وإلى ما هنالك من دعاوى فصامية.

بين انفجار الهويات الدينية والقومية وفق أبرز تجلياتها الأيديولوجية الزائفة، وتصادمها ذاتيا وبينيا، وبين ادعاء الطهارة والقداسة الأيديولوجية للأصوليات الدينية، ومزايداتها كل في مواجهة الأخرى، تكمن مسيرة طويلة من سرديات الادعاء والتعالي والصلف والغرور الممزوجة بقدر عال من الفصام والأيديولوجيا المريضة، فأي ادعاء لـ "المسلمين" في الغرب عن طبيعة مجتمعاتهم ودولهم، البعيدة عن شوائب المجتمعات الغربية، تفضخها تلك الممارسات والسلوكيات التصادمية والانتحارية للفرد وللجماعة الدينية في "الفضاء الإسلامي"، حيث تحولت المجتمعات والدول إلى أشتات متواجهة ومتناحرة، في خلاف يستعيد إرث الماضي كله؛ بسردياته الخرافية والأسطورية، وتبجيلية ذاك التراث "المنتقى" و"المصفّى" الذي لم يجر الحفاظ إلاّ على سيمائه وسماته التقليدية، كمرتع للخلاف والاختلاف، وعدم الاتفاق إلاّ على أقل القليل من العبادات والتشريعات والطقوس التي تحولت هي الأخرى إلى عناوين رمزية، وكمؤشر لتصادم الذات مع ذاتها، والذوات المتشابهة مع المتشابه والمتنافر من الذوات ذاتها والذوات الأخرى، حتى بلغت الحروب الأهلية أمداء لم يعد معها من مجال لأي إصلاح، لا للنصوص الدينية ولا للبشر، فأي أمل باستعادة ألق الوحدة السياسية أو المجتمعية أو الأهلية في بلاد أسس الدين الواحد بطوائفه ومذاهبه لانقساماتها، وللفتن المتناسلة من فرقها وتياراتها وأحزابها التي لم تنجُ من التمزيق البيني الداخلي، استنادا إلى تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها من صارت بقوة القائلين بالتأويل الإسنادي /العنعني هي السلطان.



لهذا.. قلنا ونقول أن الإنسان منذور للانتصار لقيم العقل والتنوير والاستنهاض، أي لقيم العقل والعلم التي لا يمكنها الوقوع في حبائل الأصوليات المتناحرة والمتقاتلة في داخلها وفيما بينها، تلك القيم ليست قمينة بسلوك طرق الاستتباع للآخر، أو الخضوع لمنطق رفض العلمانية من قبل أعدائها المتسربلين بالدين وبأقنعة المقاومة، على ما صارت تجارة بعض متدينينا، وهم يلبسون ألبسة غير ألبستهم، فالمقاومة والإرهاب لا يمكن أن يلتقيا أو يتعايشا فوق سطح واحد، كما أن الحداثة بقيمها الكونية لا يمكن إخضاعها لإحالات ومجالات التفكير الخرافي أو الأسطوري، على أن المقاومة إما أن تكون وطنية بالضرورة، أو أن فئويتها والذهاب للأقاصي المذهبية، لن تكرّس سوى الاحتلالات الأجنبية، مضافا إليها تلك الاحتلالات المكشوفة للفضاء العام، واستبعاد السياسة، وإقصاء المختلفين، واستبعاد الحوار، وترذيل قيم التسامح؛ وجماع هذا كله تلك الوصفة المؤكدة لتخليق واقع تعصّبي تُدميه الحروب الأهلية، وتملأ فضاؤه العام معطيات صراع الهويات القاتلة المتذابحة والمتحاربة، من أجل إحلال الرموز التقليدية؛ بديلا لقيم الحياة المتجددة الأكثر حداثة، في مواجهة "الموات العظيم"، ذاك الذي أفشته وأشاعته البنى الخرافية وأساطيرها المؤسسة، في بنية مجتمعاتنا و سلطاتنا "الدولتية" الاستبدادية
ماجد الشّيخ

تقرير معلوماتي هام جدا عن الوضع الحالي في العراق


يعتقد الكثيرون ان الخطر الاكبر على العراق يأتي من الجانب الايراني فقط هذا الخطر والتدخل بات معروفا للعراقيين وللعالم في جوانبه المخابراتيه المتغلغله في كل مدينه من مدن العراق بالاضافه الى دور فرق الموت المدعومه ايرانيا من حيث التدريب والتجهيز والدعم التسليحي وتستظل هذه الفرق بمظلة حكومة الاحتلال واحزابها المواليه لايران لتنفيذ عمليات القتل والتفجير بحق العراقيين الابرياء
الدور الذي لا يقل خطورة بل يزيد على الخطر الايراني ولم تسلط عليه الاضواء هو الخطر الكويتي فمنذ احتلال العراق قامت منظمة ثأر الكويت بتجنيد عدد كبير من العراقيين الخونه وهم من مليشيات الاحزاب الطائفيه وعلى وجه التحديد مليشيات حزب الفضيله بالاضافه الى المرتزقه من دول اخرى ومدتهم بالاموال والسلاح لقتل العراقيين بالتنسيق مع المجلس الاعلى وقامت بعمليات تنسيق مشتركه مع المخابرات الايرانيه في عمليات تصفية كبار الضباط في الجيش العراقي والطيارين وساهمت مساهمه فعاله في تسهيل مهمة المخابرات الايرانيه وعناصر القاعده في الدخول الى بعض دول الخليج مثل اليمن والسعوديه من خلال اصدار جوازات كويتيه لهم عن طريق مكتب رجل الدين الايراني الشيرازي المقيم في الكويت وعملت على استقطاب المجرمين والقتله ومدتهم بالمال والسيارات لتنفيذ عمليات خطف لنساء العراق وتسليمهن للكويتين لاغتصابهن وامنت لهذه العصابات ملاذات آمنه في المزارع التي تقع على مقربة من الحدود الكويتيه العراقيه وزحفت الى داخل الاراضي العراقيه لاستقطاعها وسيطرة على مساحات شاسعه من الاراضي الزراعيه والمزارع في داخل الاراضي العراقيه
شرعت الكويت في الاونة الاخيره وبالتنسيق مع المخابرات الايرانيه بمخطط كبير وخطير من نتائجه اذا ما تحقق يؤدي الى تقسيم العراق ولم نسمع من جميع وسائل الاعلام بما فيها الفضائيات والصحف التطرق الى الدور الخطير الذي تلعبه الكويت في قتل العراقيين وتدمير العراق وحتى الحركات والقوى الوطنيه بما فيها فصائل المقاومه العراقيه لم تتطرق الى الدور الكويتي الخبيث وتحذر الكويتيين من مغبة تدمير العراق وقتل شعبه بطريقه شبيه بما تقوم به مليشيات ايران واحزابها الطائفيه ولدى فصائل المقاومه وسائل كثيره لردع الكويتيين من مغبة قيامهم بتدمير العراق فهناك الشركات الكويتيه المنتشره في مدن العراق وهي مرصوده من قبل مجاهدوا المنظمه ونتابع ما تقوم به من تدمير لمصالح الشعب العراقي ونتابعها خطوة بخطوه
الكويت مرعوبه من اي خطوه تصب في اتجاه لملمة لحمة الشعب العراقي ومرعوبه من أي صوت وطني داخل البرلمان العراقي يدعوا الى وحدة العراقيين لذالك ندعوا جميع فصائل المقاومه العراقيه وجميع الحركات الوطنيه وكل العراقيين الشرفاء من شمال العراق الى جنوبه للتصدي بقوه للمخطط الكويتي الايراني واجهاضه وندعوا كافة وسائل الاعلام من صحف وطنيه عراقيه وعربيه ومن فضائيات والمواقع الالكترونيه الوطنيه الى فضح الدور الكويتي المقبل لانه مخطط كبير وخطير وتدميري
لقد حصلنا على معلومات دقيقه تفيد ما يلي :
تم تشكيل غرفة عمليات كويتيه ايرانيه يمثل من الجانب الايراني فيها احد كبار ضباط الاطلاعات الايرانيه والقريب جدا من الخامنئي يدير هذه الغرفه رئيس جهاز الامن القومي الكويتي الشيخ محمد الخالد الصباح المخطط المعد للتنفيذ يقوم على
1. العمل بكل الوسائل على ابقاء اتباع ايران واحزابها الطائفيه على الامساك بالسلطه للمرحله المقبله وتشكيل حكومه شبيه بحكومة الاحتلال عام 2005
2. يدير هذا المخطط ويشرف عليه رئيس جهاز ما يسمى بالامن القومي الكةيتي الشيخ محمد الخالد الصباح وقد رصدت ملايين الدولارات لتنفيذ المخطط لتشكيل حكومه مقبله شبيه ىبحكومة الاحتلال عام 2005
3. - تم اختيار العميل ابراهيم بحر العلوم كضابط تنسيق ما بين غرفة العمليات وحكومة واحزاب الاحتلال
4. عملت الكويت على استقطاب اللوبي الامريكي واللوبي الصهيوني لتنفيذ هذا المخطط واوكلت مهمة الحشد والاتصال الى سفيرها السابق في الامم المتحده والذي عمل سابقا مديرا لديوان الامير وهو شيعي متطرف
5. حصلت الكويت من اجل تنفيذ المخطط التدميري للعراق نيابة عن ايران على عدة صفقات منها :
اولا :- ترسيم الحدود البحريه المتنازع عليها منذ سنين بين الكويت وايران وقدمت ايرات تنازلات للكويتيين

ثانيا : قدم عملاء الاحتلال تنازلات منها تسليم جبل سنام والمنطقه المحيطه به الى الكويتيين قبل ترسيم الحدود وقد وقع محافظ البصره على هذه الصفقه اثناء زيارته الاخيره الى الكويت بالاضافه الى حصول الكويت على استثمارات في حقول النفط لمدة خمسين عاما مع التعهد والتوقيع بعدم اثارة قضية حقول نفط الرميله التي تسيطر الكويت على نفطها مقابل دعم وابلقاء حكومة الاحتلال في السلطه لاربع سنوات مقبله
ولغرض تنفيذ خطوات المخطط الكويتي الايراني تم استدعاء المجرم الارهابي علي اللامي رئيس لجنة ما يسمى بقانون المسائله والعداله الى الكويت عن طريق ابراهيم بحر العلوم والتقى به رئيس جهاز الامن القومي الكويتي محمد الخالد الصباح وسلمه قائمه ايرانيه كويتيه للكيانات التي يتم اسبعادهم من الترشيح للانتخابات المقبله وعلى رأسهم الدكتور صالح المطلك وتفيد المعلومات ان ابراهيم بحر العلوم طلب من الكويت التأكيد والعمل على استبعاد صالح المطلك لانه في حالة فوز القائمه المتحالف لا نستطيع والقول لبحر العلوم من الحاق التاذى بالكويت ثأرا لصدام ان استلم علي اللامي القائمه سلمه الكويتون حقيبه من الاموال وتم اصدار بيان من قبله بحجب الكيانات الوطنيه والشخصيات وفي مقدمتهم الدكتور صالح المطلك وبتنسيق مع الجلبي وبعد ان اعلن البان نصح اللامي بالمبيت في بيت الجلبي وتم ايصاله بسياره مدرعه تابعه لاحد التجار الكبار المرتبطين بحكومة الاحتلال من خلال الصفقات التجاريه
والمعلومات التي حصلنا عليها ان عدد من قيادات الاحزاب الحاكمه في المنطقه الخضراء وبعض العملاء زاروا الكويت قبل سبعة عشر يوما بالتحديد وبعد ان التقى العملاء برئيس البرلمان الكويتي توجهوا الى بناية جهاز الامن القومي ليلتقي بهم محمد الختالد الصباح وحصلت المنظمه على بعض الاسماء
*- ابراهيم الاشيقر الملقب ( الجعفري)
*- عمار الحكيم / بعد ان التقى محمد الخهالد ذهب بزياره الى سوريه وتركيا
*- عادل عبد المهدي
*- الشيخ غازي الياور
*- الشريف علي بن الحسين
* محافظ البصره الذي وقع على صفقات التنازل لتسليم البصره الى الكويتين
* رئيس ديوان رئاسة حكومة المنطقه الخضراء نصير العاني
*- رئيس ديوان ما يسمى بحكومة اقليم كردستان
* كانت مساهمة جلال الطالباني من خلال حديث مطول لاحى الصحف الكويتيه يشي\د بدور الكويت
*- يتواجد ابراهيم بحر العلوم والعميل المعمم والده في الكويت للتنسيق في تنفيذ المخطط مع العرض ان جميع العملاء الذين يزورون الكويت ويلتقون بمحمد الخالد الصباح يتوجهون مباشرة الى ايران
نضع هذه المعلومات الدقيقه امام انظار كل العراقيين الشرفاء الغيورين على وطنهم وشعبهم وفي مقدمتهم فصائل المقاومه العراقيه لكي يقومون بدورهم في التصدي للمخطط الكويتي الايراني الخبيث الذي يمول بالاموال الكويتيه اتدمير العراق وقتل شعبه ومن ثم تقسيمه في المرحله المقبله من خلال اصدار بيانات تحذر حكومة الكويت من مغبة السير في المخطط الايراني لتمير العراق وان شركالتهم العامله في العراق وهي واجهات لتنفيذ هذا المخطط ستتعرض لضربات موجعه ومنظمة الرصد والمعلومات ستنشر لاحقا جميع اسماء الشركات االكويتيه المنتشره في كل محافظات العراق ونهيب بكل وسائل الاعلام الوطنيه العراقيه والعربيه لفضح المخطط الكويتي الايراني وعلى جميع الفضائيات الوطنيه اجراء مقابلات مع الشخصيات الاعلاميه الوطنيه وقادة الحركات والاحزاب الوطنيه لفضح ابعاد هذا المخطط التدميري
نحمل المسؤوليه الى :
الامين العام للجامعه العربيه السيد عمروا موسى
رئيس دولة قطر رئيس القمه العربيه
الزعيم معمر القذافي رئيس القمه ىالعربيه المقبل
الامين العام لمنظمة المؤتمر الاسلامي

منظمة الرصد والمعلومات الوطنيه

الحركة الصهيونية بين الماضي والحاضر


" يجب إقامة وحدة عسكرية تعمل تحت ستار محاربة الأجرام المنظم، ويمكن استعمالها في المستقبل ضد الخصوم السياسيين للسلطة".

هذا ما صرح به ايهود اولمرت قبل أكثر من 30 عاماً. وقال انه لو علم ان أقواله ستسجل لما تحدث بهذا الشكل . فتصدى له عضو الكنيست آنذاك توفيق طوبي قال:

- "نعم هذه هي حقيقتكم ذات وجهين، لغة بالخفاء، ولغة أخرى في العلن"

وقد نشرت عن ذلك بعض الصحف في 1977 -9 -6

هذا هو ايهود اولمرت، انه يفكر بالقضاء على خصومه السياسيين هنا فما بالك مع أعدائه العرب...انه دموي . ولو لم يكن كذلك لما اختاره شارون لينوب عنه قبل أن يغيب في غيبوبته .

ولو عدنا إلى الوراء لوجدنا انه كان صراع دموي داخل الحركة الصهيونية قبل قيام الدولة/ ولا حاجة لاستعراض هذا الصراع خاصة انه كتب عنه الكثير . ولكن هذا الصراع ومحاولة "مناحم بيغن" الاستيلاء على السلطة بالقوة إلى جانب نسفه لفندق الملك داود وغيرها، دفعت "بن غريون" إلى وصف مناحم بيغن بالشخصية الهتلرية :

- أن بيغن شخصية هتلرية من جميع الوجوه، فهو عنصري وعلى استعداد لإبادة جميع العرب .. ان بيغن يكره هتلر ولكن الكراهية لا تعني انه يختلف عنه ( هذا اقتباس من خطاب أرسله بن غريون إلى حاييم غوري في 1963 – 5 – 15 واقتبسه المؤرخ "بار زوهر" في كتابه " بن غريون – المجلد الثالث ".

هكذا فإننا ندينهم من خلال أقوالهم وممارساتهم المعادية لكل من حولهم ، والتي ترى في العداء للشعب العربي عاملاً حاسماً في توحيد اليهود، وقد قال هرتسل :

- "ان وجود العدو من المقومات الأساسية لتلاحم اليهود في شعب واحد".

من هنا يستطيع كل عاقل أن يستوعب تهرب الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من عمليات السلام المتلاحقة، ولعل الجميع يذكر اشتراط إسرائيل للسلطة الفلسطينية بعدم القيام بأية عملية تفجيرية لمدة شهر لكي تقبل باستئناف المفاوضات . ولكن عندما استطاعت السلطة الفلسطينية أن تسيطر على الوضع بادرت إسرائيل إلى عمليات التصعيد وقد زعمت آنذاك بأن:

المرحوم ياسر عرفات يستطيع أن يعمل من أجل تحقيق السلام ولكنه لا يريد، وعندما جاء أبو مازن زعمت أن أبو مازن يريد ولكنه لا يستطيع!!

ذلك لان السلام يحد من أطماعهم التوسعية . وقد عبر عن ذلك أغلبية القادة السياسيين والعسكريين في إسرائيل وبما اننا اليوم نعيش أحداث العدوان على لبنان نذكر بان الحركة الصهيونية طلبت من مؤتمر(السلام) الذي عقد عام 1919 ان يقرّ بإقامة دولة يهودية تكون حدودها الشمالية حتى نهر الليطاني . وهذا ما قاله الجنرال "بيني بيلد" قائد سلاح الطيران السابق ( الوزير الحالي) في مقابلة صحفية 1978- 6- 3 حيث قال:

- "أريد دولة تكفينا للأجيال القادمة ، أنا محتاج لنهر الليطاني لمصدر المياه في أراضي إسرائيل الغربية ولنهر الأردن حتى إيلات . ولمنطقة نويبغ وشرم الشيخ في خط مستقيم يصل العريش ولن يستطيع السوريون ولا الأردنيون ولا المصريون رفضه لأني سأخضعهم لذلك إخضاعا ، ولن أتكلف الكثير في إجبارهم على الموافقة على القليل الذي اطلبه ".

إلى أن يقول:

- ان العرب في إسرائيل سكان وليسوا مواطنين "

ونحن نعرف أن القادة في هذه البلاد تباروا في التعبير عن نيتهم في التخلص من سكان الدولة العرب فها هو " زبلون هامر " وزير (التربية) السابق في إسرائيل يصفنا " بالسرطان في جسم الدولة" وهو نفسه ما قاله الجنرال "بن غال" أما رئيس أركان الجيش الوزير" رفاتيل ايتان" الذي أخذته الأمواج فقد قال:

" نريد العرب صراصير داخل زجاجة ".

طبعاً لا نستطيع ان نستعرض كل تصريحات الصهاينة في هذه العجالة ويكفي أن نذكر تصريح الجنرال "أهرون ياريف" الذي قال:

- "ان إسرائيل تنتظر مأساة عالمية كبرى يكون العالم مشغولاً تقوم خلالها بطرد العرب من البلاد".

ولو عدنا إلى الجنرال " بيني بيلد " وقارنا تصريحه بتصريح "بن غريون" أول رئيس حكومة في إسرائيل الذي قال:

- بعد أن نكسر لبنان نقصف عمان كما اننا ننقض على شرق الأردن ونسقط سوريا وإذا واصلت مصر الحرب فاننا نقصف آنذاك بور سعيد والإسكندرية والقاهرة وهكذا نكون قد صفينا حساب أجدادنا مع مصر وآشور وآرام ".

واضح بان هذا الفكر المريض الخطير انعكس على الأجيال الحاضرة فها هو نائب رئيس الأركان يقول :

- "أن الملك عبد الله هو آخر ملك يحكم الأردن"

هكذا هم مع الصديق الذي وقع معهم معاهدة (سلام) فما بالك مع العدو؟!!!!

وها هو أيضا القادم من بعيد بعيد " افيغدور ليبرمان" وزير الخارجية الحالي يقول:

- " سندمر لبنان وننسف سد أسوان ونقصف طهران " طبعاً انه يريد ان يدمر السد العالي ويزور مصر أيضا إنها وقاحة لم يسجلها التاريخ البشري كله .

أنظروا كيف تتطابق مواقف الأمس مع مواقف اليوم .

انظروا كيف تتطابق مواقف العسكريين مع مواقف السياسيين .

ولعلنا نتذكر " يتسحاق شامير" رئيس الوزراء السابق عندما قال:

- اننا سنفاوض مئة سنة نكون خلالها قد فرضنا على الأرض ما نريد..ان الحدود الحالية تكفي الجيل الحالي، أما الأجيال القادمة فهي بحاجة إلى حدود أخرى .

ان أطماع الصهاينة لا تقف عند حد ويبدو ان هذا هو السبب في عدم إقرار دستور للدولة حتى اليوم .. ان الصهاينة متشبثين بأيديولوجيتهم حتى النخاع يتوارثونها جيلاً بعد جيل في حين.. في حين ان العرب ينسون ويتسامحون؟!! معتقدين بانه من الممكن التوصل إلى السلام مع الصهاينة وهنا نقول للحكام العرب أن ذلك مضيعة للوقت.. ضرباً من غباء .

ولو عدنا إلى العدوان على لبنان عام 1982 وقارناه بعدوان اليوم نجد ان الأهداف متشابهة ...... حكام إسرائيل لم يستخلصوا العبر بالرغم من المعاناة التي آلمت بالشعب الإسرائيلي نفسه، والتي قد تكون نقطة من معاناة الشعب اللبناني والتي سنحاول أن نستعرضها من خلال الماضي لنرى بما أختلف الأمس عن اليوم؟ فقد كتب "شلومو شميلتسان" :

- "أنا جريح معسكر التعذيب " بوخنفيلد" أطالب الحكومة بوقف القتل في بيروت، يا شارون لقد عانيت الأمريّن، فلا ترسل أبني ليسبب المعاناة لأحد ".

أما "يهوشوع زمير" فقد كتب في صحيفة "عال همشمار" 1982 – 7 – 1:

- بعد سقوط أبني فإن الأرض تميد تحت قدمي ... حرب ملطخة بدم الأطفال أوقفوا قصف المدنيين" .

وكتب "يوئيل ماركس"في صحيفة هارتس1982 – 8 -18:

- ان الإعلان بأن الهدوء سيسود لمدة 40 عاماً هو بمثابة نكتة بايخة".

الضابط "شوكي شيرف" قال:

- ان لزعماء إسرائيل الشجاعة الكافية لإرسال الجنود إلى الموت، لكنهم لا يملكون الشجاعة ليعترفوا انه لا يوجد حل عسكري".

ضابط أخر من وحدة المظلات امتنع عن ذكر اسمه كتب في صحيفة دافار" 1982 – 6 -28 :

- "اني لا أستطيع إلا أن أجرى مقارنة بين ما نفعله نحن وما فعله الآخرين في الحرب العالمية الثانية " .

أما الكاتبة الساخرة المعروفة "سلفي كيشت" فقد كتبت في صحيفة "يديعوت أحرونوت "1982- 8 -20 :

- "وتمتلئ قلوبنا هلعاً من مجرد الاعتقاد بأن الأمر لم ينته بعد، ولا تزال كلمات القديس شارون تدوي في بآذاننا مع قوله بان دمشق واقعة على بعد 25 كيلو متر من قواتنا.... انتصار إضافي كهذا ونصبح في خبر كان " .

وقد كتب "أهرون جيبع" في صحيفة دافار 1982- 8- 26 :

- "من الواضح ان الوحيدين الذين استفادوا من هذه الحرب هم الأمريكيون، ونحن دفعنا الثمن بالقتلى والجرحى" .

وجنباً إلى جنب قد صرح " بتريك سيل" معلق شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "الاويزوفر" اللندنية قال:

- أن موظفا أمريكيا كبيراً أخبرني بأن "هيغ "وشارون توصلا إلى أتفاق يتم بموجبه غزو لبنان لتصفية منظمة التحرير الفلسطينية وطرد الجيش السوري لتتيح أمريكا لإسرائيل العمل في الصفة الغربية؟!!! لان الحرب على لبنان جزء من مخطط إسرائيلي أمريكي واسع لفرض سيطرتها على المنطقة وضرب كل من يعارضهما في العالمين العربي والإسلامي ".

وهكذا نرى أن أهداف إسرائيل وأمريكا لم تتغير، وهي تصطدم بصخرة المقاومة التي تصرّ على مناطحتها لكسرها ؟!! ولكن الذي حدث لدى السلطات الإسرائيلية والأمريكية من جراء هذه المناطحة هو - ارتجاج دماغي - من هنا جن جنونهم فاستباحوا دماء شعبنا في كافة المناطق، وقد كانت قنابلهم المحرمة دولياً والتي قذفوا بها على شعبنا هناك.. بالأمس في لبنان .. وهنا اليوم في عزة، مرفقة بالحقد الأعمى..لقد كانت هذه القنابل ذكية فعلاً، فقد لاحقت حتى الأجنة داخل أرحام الأمهات الراقدة ليلاً داخل الملاجئ، إنها وصمة عار على جبين البشرية جمعاء على جبين الجبن العربي.. على جبين حكام الردة، وقد شهد شاهد من أهله، لقد صرحت النائبة السابقة في البرلمان الإسرائيلي" شلوميت الوني" في عيد ميلادها ال81 في تاريخ 2009-11- 29 :

- " ان أيادينا ملطخة بدماء أطفال فلسطين.. نعم نحن شريرون ما نفعله في الضفة هو قمة الشر وهو يفوق ما صنعه الآخرون باليهود .."

ولكنه عادت وأضافت قائلة:

- " فيما عدا النازيين "

وأخيراً نقول ان المقاومة التي هي بسبع أرواح سوف تعود لمنازلتهم بصلابة أكبر ما لم يتم حل كافة القضايا التي يعاني منها شعبنا العربي في كل مكان وخاصة حل القضية الفلسطينية التي هي لب الصراع في المنطقة .
هادي زاهر

حدودنا السياسية والعسكرية


- الأصل في سيادة الدول هو حقها في أن تمارس سيادتها كاملة على كافة المستويات داخل حدودها السياسية.



ولكن الأمر في مصر وعدد من الأقطار العربية ليس كذلك؛ بسبب تحكم الكيان الصهيوني وجبروته، وانكسار الإرادات الرسمية العربية أمام رغباتها المدعومة بالضغوط الأمريكية.



- وأكبر مثل على ما نقوله هو اتفاقية السلام المصرية مع العدو الصهيوني المشهورة باسم "كامب ديفيد" والموقعة في 26 مارس 1979م:

حيث أصرَّ الصهاينة فيها على التفرقة بين حدودها السياسية مع مصر وحدودها العسكرية، فإذا كانت الحدود السياسية المصرية الفلسطينية هي الخط الواصل من رفح في الشمال إلى طابا في الجنوب؛ فإن الكيان الغاصب أصرَّ على أن حدوده العسكرية "الآمنة" مع مصر هي خط آخر يقع على الغرب من الحدود السياسية المذكورة وإلى الخلف منها بمسافة حوالي 150 كم، أسماها الحدود الآمنة.



- ولم يسمح لمصر بوضع قواتها المسلحة إلا في شريط ممتد بموازاة قناة السويس وعلى الشرق منها بعمق متوسط 58 كم، وقيدت يدنا في ذلك أيضًا؛ حيث لم يسمح لنا في هذه المنطقة إلا بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة، تتكون من 22 ألف جندي مشاة مصري، مع تسليح يقتصر على 230 دبابةً و126 مدفعاً ميدانيًّا و126 مدفعًا مضادًا للطائرات عيار 37 مم و480 مركبةً؛ وهو ما يوازي حوالي ربع القوات التي عبرنا بها في أكتوبر 1973، قبل أن يقبل السادات إعادتها مرة أخرى في اتفاقية فض الاشتباك الأول الموقعة في 18 يناير 1974م.



أما باقي سيناء فلقد نزع سلاحها تقريبًا؛ حيث جردت المنطقة الوسطى منها بطول سيناء من أي قوات ماعدا 4000 جندي حرس حدود مسلحين بأسلحة خفيفة، وهي منطقة يبلغ عرضها حوالي 109 كم في المتوسط.



أما المنطقة الشرقية المجاورة لفلسطين وعرضها 33 كم، فلقد نزع سلاحها تمامًا، واقتصرت على الشرطة المصرية فقط (البوليس)، بالإضافة إلى 750 جندي حرس حدود سمحت بهم "إسرائيل" مؤخرًا في عام 2005م بموجب اتفاقية فيلادلفيا لمراقبة الحدود مع غزة ومنع التهريب والتسلل.



هذا بالإضافة إلى منع مصر من إنشاء أي مطارات أو موانئ عسكرية في سيناء.



وتخضع تحركاتنا في سيناء لرقابة قوات أجنبية تسمى "قوات متعددة الجنسية"، قوامها حوالي 2000 جندي، 40% منها قوات أمريكية، كما أن قيادتها الدائمة أمريكية؛ وهم يراقبوننا من خلال قاعدتين عسكريتين: واحدة في الجورة بشمال سيناء، والثانية بشرم الشيخ في الجنوب، بالإضافة إلى 30 نقطة تفتيش ومحطات إنذار مبكر، ولا سيادة لمصر على هذه القوات، فلا يمكن سحبها إلا بموافقة الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.



ولم تطبق المعاهدة ذات القيود على "إسرائيل"، إذ اكتفت بوضع مراقبين مدنيين قوامهم لا يتعدى 100 شخص في شريط حدودي، لا يتعدى عرضه 4 كم داخل فلسطين المحتلة؛ حيث رفضت "إسرائيل" وجود قوات أجنبية على أراضيها.



- وأسباب تجريد مصر من إمكانية الدفاع عن سيناء، واضحة، وتتحدد في الرغبة الأمريكية الصهيونية في وضع النظام المصري تحت ضغط دائم وخوف مستمر من إعادة احتلال سيناء مرة أخرى؛ وهو ما يسهل من عملية إخضاع إرادته، والتحكم في قراراته في مسائل متعددة.



- وهو ما أعلن عنه صراحة وزير الأمن الداخلي الصهيوني آفي ديختر في محاضرته في سبتمبر 2008م حين قال:

"سيناء عندما انسحبنا منها ضمنًا أن تبقى رهينة؛ هذا الارتهان تكفله ضمانات أمريكية من بينها السماح لـ"إسرائيل" بالعودة إلى سيناء، وكذلك وجود قوات أمريكية مرابطة في سيناء تملك حرية الحركة والقدرة على المراقبة، بل ومواجهة أسوأ المواقف، وعدم الانسحاب تحت أي ظرف من الظروف، وقد تعلمنا من سابقة 1967م دروسًا لا تُنسى، سيناء مجردة من السلاح ومحظورة على الجيش المصري الانتشار فيها؛ هي الضمانة الوحيدة وهي الضمانة الأقوى لاحتواء أي تهديد افتراضي من جانب مصر".

*******

- ومن ثم فإن حدود مصر السياسية لا تتطابق مع حدودها العسكرية، وسيادة الدولة المصرية عسكريًّا مقيدة في ثلث سيناء ومعدومة في الثلثين الباقيين؛ لتحل محلها سيادة أمريكية تحت مسمى متعددة الجنسية كما أسلفنا.



- ويرجع عدد من الخبراء عزوف الدولة عن تعمير سيناء بشريًّا على امتداد ثلاثين عامًا، إلى الخوف من وضع مواطنيها رهينة في يد "إسرائيل"، إن هي كررت العدوان على سيناء مرة أخرى؛ فالتوطين بدون حماية عسكرية هو خطأ كبير، وهو ورقة ضغط على الإدارة المصرية وليس على "إسرائيل"؛ وهو ما دفع جمال عبد الناصر بعد حرب 1967م مباشرة إلى إخلاء مدن القناة وتهجير مواطنيها إلى الداخل؛ خوفًا عليهم من الاعتداءات "الإسرائيلية" المتكررة.



أما ما تطرحه القوى الوطنية من ضرورة تعمير سيناء وتسليح سكانها لمواجهة أي عدوان صهيوني قادم؛ فإنه حلم جميل يستحيل تحقيقه في ظل هذا النظام، فهو وضع يمثل خطورة عليه بنفس القدر الذي يمثله بالنسبة لـ"إسرائيل"، فالجماهير المنظمة والمسلحة لن تقبل بها، وتتحملها أنظمة مثل النظام المصري الذي يحكم شعبه حكمًا بوليسيًّا.



كما تشير بعض التحليلات إلى أن هناك شروطًا سرية بين مصر و"إسرائيل" تمنع قيام مصر بتعمير سيناء، وأن الفراغ السكاني هناك هو شرط صهيوني، قبلته مصر ضمن سلسلة أخرى من البنود والاتفاقات السرية بينهما التي تمت تحت الضغط الأمريكي.



- ورغم أن المعاهدة قديمة ومعلنة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، إلا أن معظم المصريين وقواهم الوطنية لم يكتشفوا أزمة السيادة المصرية في سيناء إلا خلال العامين السابقين فقط، بعد إحكام الحصار على غزة وإغلاق السلطات المصرية لمعبر رفح؛ استجابة للضغوط الأمريكية "الإسرائيلية"، وما تمَّ أخيرًا من بناء الجدار الفولاذي الهادف إلى القضاء الكامل على الأنفاق.



ولقد تأكد للجميع الوضع الشاذ لسيناء في منظومة السيادة المصرية، من خلال منع السلطات المصرية لأي قوافل أو زيارات ورحلات سلمية تضامنية إلى سيناء؛ فأي مصري معادٍ لـ"إسرائيل" ونصير لفلسطين وللحقوق الفلسطينية ممنوع من الدخول إلى سيناء، ممنوع من عبور قناة السويس، يتم إيقافه قبل نفق أحمد حمدي أو كوبري السلام، ويُعاد مرة أخرى من حيث أتى.



وذلك في الوقت الذي يسمح للـ"إسرائيليين" بالدخول إلى سيناء والإقامة فيها لمدة 15 يومًا بدون تأشيرة، بموجب اتفاقية ثنائية تستثنيهم من أحكام قانون دخول وإقامة الأجانب.



هذا بالإضافة إلى حملات التفتيش الأمريكية الدورية من رجال السفارة والكونجرس لتفقد الحدود ومراقبتها، بدون أدنى اعتراض من السلطات المصرية.

*******

- إن السيادة الفعلية في سيناء هي سيادة الأمريكان والصهاينة إذا ما تعلَّق الأمر بأمن "إسرائيل"؛ وذلك بموجب نصوص صريحة في اتفاقيات السلام المصرية مع الصهاينة.

-----------

* Seif_eldawla@hotmail.com
======================================

إلى سيادة صاحب السيادة

أسود على إخواننا ونعال في أقدام الصهاينة
بقلم: م. محمد سيف الدولة

هل أصبحت الإمارات مرتعا لتصفية الحسابات ؟



قبل ساعات قليلة توارى جثمان البطل والفارس الفلسطيني والعربي والإسلامي إلى الثرى في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في دمشق ( مخيم اليرموك ) ولتنطق الصورة عن الحقيقة ، فاللاجئين الفلسطينيين هم التضحية والفداء من أجل الله ومن أجل الوطن .
ولكن هل أصبحت الإمارات مرتعا لتصفية الحسابات ؟ ، منذ شهور أصبحت الإمارات مرتعا لتصفية الحسابات السلوكية وميدانا واسعا ومرتعا للعمل البوليسي التجسسي ، ويبدو مع الإنفتاح لدولة الإمارات بعد رحيل الفارس العربي والوطني والقومي الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله أصبحت الإمارات على أيدي الحكام الجدد والورثة في خط ينافي خط فقيد الأمة العربية والشعب الفلسطيني بشكل خاص .
لقد انحاز الشيخ زايد ابن سلطان إلى غزة وإلى الشعب الفلسطيني ، ولقد انحاز وبدون أي رطوش إلى المقاومة الفلسطينية والبندقية الفلسطينية ، فكان الفقيد هو من كان له قوة القرار في دعم المقاومة ودعم الشعب الفلسطيني الفقير والصلب في مواجهته لكل حملات التركيع والإستسلام .
وتبدل الحال إلى حال آخر أصبحت الإمارات العربية الآن هي في جوقة التنسيق الأمني ضد المقاومة والمقاومين ، وذكرت بعض وسائل الأنباء أن هناك تنسيقا بين سلطة عباس وسلطة الإمارات في ترضيخ الإنسان الفلسطيني في الإمارات لقضايا أمنية تخدم سلطة عباس في رام الله .
نعتبر أن تصفية الشهيد محمد المبحوح هي علامات خطيرة على انتهاك التقاليد المعمول بها دوليا والقوانين أيضا من استغلال الدول الأخرى في عمليات خاصة تخدم مقتضيات الصراع ولأن العدو الصهيوني أجبن من أن يواجه مناضلي فلسطين ومجاهديها فإنه قد تعود على ملاحقة من قتلوا المغتصبين الصهاينة في مدن ودول العالم .
لقد شهد الصراع بين المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعدو الصهيوني عدة عمليات قامت إسرائيل بتنفيذها في عواصم مختلفة ، إما عن طريق إرشادات وسطية بينها وبين عملاءها وتقارير أمنية خاصة أو بالتصفية المباشرة الميدانية ، فلقد فقدت المقاومة الفلسطينية جل قادتها الأكارم في عمليات غدر موسعة وعمليات غدر خاصة بوليسية ، فقدت الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني رعيل من قادتها بدء من أبو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر وأمير الشهداء أبو جهاد وأبو إياد وأبو الهول وعاطف بسيسو والشهيد الشيخ التاريخي في الحياة النضالية للشعب الفلسطيني أحمد ياسين والرجل المتزن الصارم الرنتيسي ، وصيام ويحي عياش وابو عمار والأبطال الشهداء الثلاث في قبرص التابعين للقطاع الغربي ، وكثير من الشهداء في الحلقات الوسطى للقيادات الفلسطينية في عواصم غربية .
فقدت المقاومة اللبنانية الأمين العام السابق لحزب الله في غارة جوية أيضا ، وفقدت عماد مغنية المايسترو المخضرم في مقاومة الإحتلال .
عمليات فقدت الثورة الفلسطينية واللبنانية الرد عليها ردا قاسيا واكتفت بالتهديد والوعيد في حين أنه أصبح من الواجب ومثلما إسرائيل تهمل وتستهتر بالقانون الدولي والعلاقات الدولية واستغلال أراضي دول متعددة في عمليات خاصة تستهدف الجانب الآخر من الصراع فإن على الثورة الفلسطينية والمقاومة الإسلامية في لبنان أن تتعامل بالمثل مع هذا النمط من السلوك الغوغائي الذي يستخدمه الإحتلال ، فلا يجوز أن يخسر الشعب الفلسطيني والعربي المقاومة خيرة أبناءه في عمليات غدر لا تخلو من الجبن ، ونبقى ننتظر الثأر من هؤلاء الصهاينة الذين لا حرمة لأراضي أمام نشاطاتهم .
ولكن أيضا المذهل والعودة لبدايات المقال ، لقد شهدت الإمارات أكثر من نموذج للتصفية على نمط التصفية لممارسات سلوكية وهي في فنادق الإمارات ، وحدثت عدة قضايا أخرى ، وأخيرا تستخدم الإمارات الآن لتصفية الحسابات السياسية وفي فنادقها أيضا .
وهنا هل من نظرة تأمل لسياسة الإمارات .. وهل من تأمل لتقبل هذا الخبر المفجع بإغتيال أحد فرسان الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية وعلى أرض الإمارات .
تأملات تحتاج إلى إستفسارات وأسئلة وأجوبة ، ورحم الله فقيدنا ، فقيد المقاومة الفلسطينية ، محمد المبحوح .
بقلم / سميح خلف

الصعود الى الهاوية: أميركا..دولة مافيا!


لا شكّ في أنّ انتخاب اوباما لرئاسة الولايات المتحدة شكّل نقطة تحوّلٍ في السياسة الأميركيّة. ولكنْ يخطئ من يظنّ أنّ هذا التحوّل يتعلّق بالمحتوى الأساس والأهداف الرئيسة للإستراتيجيّة الدوليّة لأميركا، التي لا تزال تهدف إلى الهيمنة الأحاديّة على العالم أجمع. ذلك أنّ التحوّل في الإدارة يشمل الشكلَ وطريقةَ الأداء فقط؛ فالإدارة الأميركيّة (الرئاسة والحكومة والكونغرس والقضاء) ليست هي السلطة الحقيقيّة في النظام الإمبرياليّ الأميركيّ، وليست سوى واجهة وأدوات تنفيذ في يد السلطة الحقيقيّة، التي تعود إلى طغمةٍ ماليّةٍ احتكاريّةٍ عليا تُمسك بمفاتيح الاقتصاد ومراكز القوة العسكريّة والأمنيّة والسياسيّة ومراكز التأثير الإعلاميّة والثقافيّة والتعليميّة والدينيّة.
وقد يكون الرئيسُ الأميركيّ عضوًا في أطر هذه الطغمة، أو لا يكون. واذا كان هناك احتمال بأنّ جورج بوش الاب أوالابن أو كليهما في "نادي" الطغمة، فإنه شبهُ مؤكّد أنّ أوباما ليس كذلك، بل مجرّد كومبارس في مسرح الدمى الأميركيّ. وما "التداول الديمقراطيّ" بين حزبَي النظام الرئيسيْن سوى شكل لتنفيذ إرادة السلطة الفعليّة الإمبرياليّة ومصالحها. وقد يكون من المصادفة أن يُرمز إلى هذين الحزبين بالفيل والحمار، ولكنه من المؤكّد أنّ كرنفال الانتخابات الأميركيّة (الرئاسيّة والبرلمانيّة) ليس أكثرَ من سيرك فيلةٍ وحميرٍ وما بين هذين الصنفين من الحيوانات الأخرى... المدجّنة طبعًا.
تتمتع الإدارة الأميركيّة المنتخبة باستقلاليّةٍ نسبيّةٍ عن تلك السلطة الفعليّة (أي الطغمة الماليّة الاحتكاريّة العليا)، إنما تبقى هذه الاستقلاليّة خاضعة لما ترسمه لها الحكومةُ المعنية. والمحصّلة التي يمكن استنتاجُها من آليّة عمل النظام السياسيّ الأميركيّ هي:
1 ـ أنّ الطغمة المذكورة هي التي تقرِّر الإطارَ العامّ لسياسة الدولة، وتمرّر قراراتها بشكلٍ سريّ وشبه سريّ إلى الإدارة السياسيّة التنفيذيّة والتشريعيّة والقضائيّة المنتخبة، لأجل التنفيذ التفصيليّ والملموس.
2 ـ أنّ دور الناخب الأميركيّ يقتصر على أن يختار في الانتخابات مَن مِن ممثّلي الحزبين الرئيسيْن (أو غيرهما إنْ وُجد) سيتولّى تنفيذ سياسة الدولة، المرسومة سلفا من قبل الطغمة.
3 ـ وبصرف النظر عمْن يفوز في الانتخابات، فإنّ المشاركة "الشعبيّة" في الانتخابات، أو عدم المشاركة في الغالب، تعني ضمنًا الموافقة المسبّقة على السياسة العامّة للدولة، أي سياسة الطغمة المذكورة. والاختلاف في التصويت لهذا الحزب أو ذاك، أو عدم المشاركة في التصويت، يبقى محصورًا في "الاعتراض" على أشكال تنفيذ تلك السياسة، أو "الاقتناع" ببرامج تنفيذها من قبل الحزبين المتنافسين في خدمة الطغمة الماليّة. وهذا يعني عمليّاً وجودَ تأييد "شعبيّ" للسياسة التوسعيّة الأميركيّة ـ الصهيونيّة، وحصرَ الاعتراض في أشكال تنفيذ المواقف "الرسميّة" لتحسين أدائها وجعلها أكثر فعّاليّة و"قبولاً."
4 ـ إنّ كل لعبة "الديمقراطيّة" الأميركيّة ـ من حريّة الانتخابات للمجيء بهذا الحزب أو ذاك، وحريّة الإعلام في نقد الحزب الحاكم وشخصيّاته، وحريّة الحزب الخاسر في ممارسة دور "حكومة الظلّ" بلا محرَّمات (إلى درجة التلصّص على الرئيس مختليًا بفتاة تمارس الجنسَ الفمويّ معه)، وحريّة إسقاط الحزب الحاكم والمجيء بالحزب الاخر بواسطة صناديق الاقتراع، وغيرها من "الحريّات" التي تكلّف الخزينة مليارات الدولارات (التي يعاد تحصيلُها من الشعوب المستعمَرة)، لا يجمعها جامعٌ بالديمقراطيّة الحقيقيّة. إنها في الواقع محضُ تعبير عن حريّة الطغمة السالفة الذكر في ممارسة "الرقابة" على أداء الحزب الحاكم خدمةً لها، وفي انتقاده بواسطة الإعلام والمعارضة لتحسين أدائه، أو لتغييره حين لا يمكن تأمينُ تبعيّة الحزب الحاكم المطلقة للسلطة الفعليّة.
5 ـ إنّ مهمّة آليّة عمل النظام "الديمقراطيّ الأميركيّ" هي المحافظة على السلطة الفعليّة للطغمة، بواسطة التغييرات في أداء الحكم، في لعبة ازدواجيّة "الحكم ـ المعارضة."
6 ـ أنّ أيّ تغيير في الحكم لا يعني تغييرًا للسلطة الفعليّة. ولكنّ هذا لا يمنع أنّ التغيير قد يكون تعبيرًا عن تغيير في تكوين تلك السلطة أو أدائها أو استراتيجيّتها. ومن المحطّات التي تعبّر عن هذا التغيير:
أ ـ انتخاب الرئيس "الديمقراطيّ" الثاني، وودرو ويلسون، سنة 1913، حيث كرّس هذا الانتخابُ تخلّي السلطة الفعليّة عن سياسة "العزلة القاريّة" والتزام سياسة "الانفتاح العالميّ" والمشاركة في الحرب العالميّة الأولى.
ب ـ انتخاب أول رئيس كاثوليكيّ لأميركا الشماليّة جون كنيدي عام 1961 واغتياله بعد عامين. وهو ما جسّد النزاع المستميت بين الكتلة الماليّة الاحتكاريّة الكاثوليكيّة، والكتلة الماليّة الاحتكاريّة الأنغلو ـ ساكسونيّة/اليهوديّة، داخل السلطة الفعلية في تلك البلاد.
ج ـ انتخاب بوش الأب، الذي فاز في الانتخابات نهاية سنة 2000، ونال أصواتًا متقاربة مع آل غور، ولكنْ جرى إنجاحُه غصبًا بواسطة إعادة الفرز الإلكترونيّ. وكانت بوادرُ الأزمة الاقتصاديّة قد بدأتْ تطلّ برأسها على أميركا، وأخذ الدولارُ يفقد سيطرته بعد طرح اليورو في الأسواق سنة 1999، وبعد إسقاط يلتسين وظهور البوتينيّة التي اتجهت نحو تعزيز الاقتصاد القوميّ الروسيّ ووجّهتْ ضربتها إلى الرأسمال الماليّ اليهوديّ الروسي، الذي كان يضطلع بدور "طابور خامس أميركيّ ـ أطلسيّ" داخل روسيا. وعائلة بوش ونائبه تشيني وغونداليزا رايس وخليل زاده وحامد قرضاي مرتبطون بصناعة النفط والطاقة، وعلى علاقةٍ وثيقةٍ بعائلات السعوديّة والخليج وعائلة بن لادن ذاتها. وقد عبّر فرضُ انتخاب بوش بالقوة عن النزاع الحادّ بين الكتلة النفطيّة ـ الطاقويّة، والكتلة الماليّة ـ البنكيّة ـ البورصيّة ـ التجاريّة، داخل الطغمة الماليّة الاحتكاريّة العليا التي اعتقدتْ أنّ بإمكانها، عن طريق الهيمنة على قطاع النفط والغاز والطاقة، تعويضَ خسارة مواقعها في سوق النقود والأسهم والسندات الماليّة (بسبب ضعف الدولار) وفرضَ إرادتها على أوروبا والصين والهند وأفريقيا والعالم أجمع. وفي عهد بوش، انتهجت الإدارة الأميركيّة (ومن ورائها إسرائيل) سياسة عدوانيّة فظّة للتوسّع في آسيا الوسطى والقوقاز وشرق أوروبا من أجل الاستحواز على منابع النفط والغاز في حوض بحر قزوين، ولقطع الطريق على إمداداتهما الروسيّة إلى أوروبا وغيرها، ولتحطيم إرادة الشعب الفلسطينيّ، ولمهاجمة بلدان الشرق الأوسط بهدف السيطرة التامة على منابع وممرّات النفط والغاز. وفي عهد بوش أيضًا، جرى "نفخُ" أسعار النفط والطاقة أضعافًا مضاعفة، للتحكّم بالاقتصاد العالميّ ونهبِ اقتصاديّات مختلف الدول، بواسطة احتكار الطاقة من جهة، وطباعة مئات مليارات الدولارات الجديدة غير ذات التغطية من جهة أخرى. وليس من المصادفة انه في عهد بوش بالذات جرت أحداث 11 ايلول 2001 الدراماتيكية، التي هي أحداث مدبّرة من قبل الأجهزة المخابراتيّة والأمنيّة والعسكريّة الأميركيّة بهدف: 1) توجيه ضربة قاضية إلى القطاع الماليّ ـ التجاريّ ـ البورصيّ ـ التجاريّ، ممثَّلاً بالبرجيْن؛ 2) استخدام تفجير البنتاغون حجّةً لتعزيز قبضة الجيش وتحالفه مع المخابرات والكتلة الماليّة النفطيّة الطاقويّة؛ 3) استخدام هذه الأحداث، بالترافق مع فبركة مقولة "أسلحة الدمار الشامل لدى العراق،" لتبرير تكثيف الحضور العسكريّ والمخابراتيّ في الشرق الأوسط وغيره من بقاع الأرض، ولشنّ الهجوم على أفغانستان والعراق واحتلالهما، بغرض السيطرة المباشرة على منابع وممرات النفط الرئيسة في العالم.
وكان من نتيجة ذلك إصابةُ اقتصادات جميع الدول الدائرة في فلك أميركا بالجمود، الأمرُ الذي نتج عنه تدفّقُ الودائع على أميركا نفسها. فاختنقتْ مجاري الدورة الماليّة الاقتصاديّة الأميركيّة بالدولارات الورقيّة، التي طُبعتْ سابقًا من دون حاجة السوق الأميركيّة اليها، والتي أخذتْ تتكدّس في حقل التوظيفات والمضاربات العقاريّة باعتبارها "الأكثر ربحيّة وضمانًا." فارتفعتْ أسعارُ الأسهم والسندات والقروض غير المضمونة أضعافًا مضاعفة، وبشكلٍ مصطنع، كالبالون الفارغِ المنفوخ بالهواء، في القطاع العقاريّ، الذي تحوّل الى حقلٍ واسعٍ للتلاعب والمضاربات والصفقات المشبوهة. وقبل ان تنتهي ولاية جورج بوش "انثقب" هذا البالونُ، وتلقّت الكتلة الماليّة ـ التجاريّة ـ البورصيّة الضربة القاضية الثانية. ولكنّ هذه الضربة كانت من الكبر بحيث إنّ الكتلة الماليّة النفطيّة ـ الطاقويّة ذاتها وقفتْ أيضًا عاجزةً عن أيّ عمليّة إنقاذ جدّيّة للدورة الماليّة والاقتصاديّة الأميركيّة، التي دخلتْ في حالة ركود حتى اليوم. وهذا ما فتح الطريق أمام تحوّل جديد في تركيبة الدولة وتوجّهاتها الاستراتيجية العالمية، ونعني مرحلة التحوّل المافياويّ.
***
فمعلوم أنّ أكبر آلة لغسيل "الأموال القذرة" اصبحتْ توجد في أميركا. وقد قدمت إدارة بوش خدمة لا تقدّر لهذه الكتلة، تتمثل في "اكتشاف افغانستان،" الذي لا شبيه له في الحسابات الاستعماريّة سوى اكتشاف أميركا ذاتها.
فالقرصان الاستعماريّ كريستوفر كولومبوس كان ذاهبًا إلى "الأراضي المقدّسة" فاكتشف أميركا وهو يعتقد أنه وصل إلى الهند، وكان هذا الاكتشاف نقلة نوعيّة في التاريخ العالميّ للاستعمار لا تزال البشريّة تعانيه إلى اليوم. والقرصان الاستعماريّ الجديد جورج بوش كان ذاهبًا إلى "الشرق الأوسط الكبير" لأجل النفط والطاقة، ولكنّ الكتلة الماليّة المافياويّة في أميركا اكتشفتْ أنّ أفغانستان قد تكون أكبرَ مزرعة أفيون في العالم؛ وكان هذا الاكتشاف نعمةً من السماء هبطتْ على الكتلة الماليّة المافياويّة التي تحوّلتْ إلى الكتلة الماليّة الأولى في أميركا، متقدّمةً على الكتلة الماليّة النفطيّة ـ الطاقويّة، والكتلة الماليّة البنكيّة ـ البورصيّة ـ التجاريّة. هذا وقد دشّنت "الحربُ الصليبيّة المقدّسة" التي شنّها جورج بوش على "الشرق الأوسط الكبير" و"اكتشاف المزرعة الأفغانيّة" (والسيطرة التامة عليها) مرحلةَ تحوّل الكتلة الماليّة المافياويّة إلى "مركز القرار" الأساس في تركيبة السلطة الفعليّة في أميركا.
***
انتخاب أوباما يأتي من ضمن سياق التغيير في تركيبة الطغمة الماليّة الاحتكاريّة العليا في أميركا، وإنْ كان هو نفسه ليس عضوًا في أيّ من أنديتها. وهذا ما يجعله ريشةً في مهبّ الريح، صالحًا تمامًا لأن ينفِّذ ما يُطلب من إدارته، ولأن يغطّي ـ بوجهه الأفريقيّ الجميل وبسمعته كـ "رجل طيّب" و"مصلح اجتماعيّ" ـ التحوّل التدهوريّ الذي يجري في تلك التركيبة.
حاليّاً تتألّف هذه الطغمة من "حيتانٍ" تتحكّم بميكانيزمات الدولة والمجتمع الأميركييْن، من القوة النوويّة ـ الصاروخيّة إلى آخر صحفيّ مأجور؛ وما الرئيسُ والإدارةُ والحزبُ الحاكم (ومقابله المعارضة) سوى واجهاتٍ وأدوات تنفيذ. وتمتلك هذه الطغمة عقيدةً عنصريّةً، ماشيحانيّة/صهيونيّة، سوبرمانيّة، تؤلّه بها نفسها، وتنظر نظرة احتقاريّة واستغلاليّة إلى كلّ شعوب العالم، بما في ذلك الأميركيون واليهود العاديون الذين تقيس "صلاحَهم" وصلاحيّتَهم بمقدار ما يكونون مطايا لتنفيذ سياستها.
وفي العقود الأخيرة، ومع تعمّق الأزمة الاقتصاديّة للنظام الرأسماليّ العالميّ، وظهور أقطابٍ أخرى مزاحمةٍ للقطب الأميركيّ، كأوروبا وروسيا والصين، بدأت الطغمة تتحوّل من الاقتصاد الرأسماليّ الكلاسيكيّ (الإنتاجيّ والماليّ والخدماتيّ وحتى الخدماتيّ الطفيليّ) الى "الاقتصاد" غير التقليديّ، أي الاقتصاد "غير الشرعيّ": التهريب، وتزوير العملات والماركات المشهورة، والسرقات الكبرى، والصفقات المشبوهة، والمضاربات، والرشوة، والجريمة المنظّمة، وخصوصًا المخدِّرات (زراعةً وصناعةً وتجارةً). وبعد "اكتشاف" أفغانستان، اكتسبت الطغمة الماليّة الاحتكاريّة طابعًا مافياويّاً كاملاً كما رأينا. ولمّا كان النظامُ الرأسماليّ، في جوهره، ظاهرة استغلاليّة لصوصيّة ـ جرائميّة لا يهمّها سوى الربح، فقد "تطوّرت" الدولة الأميركيّة، بمنطق النظام الرأسماليّ ذاته، نحو التحوّل إلى دولة ـ مافيا، بالمعنى الحرفيّ للكلمة.
ولكنْ خلافًا للمافيا "الكلاسيكيّة،" التي هي رسميّاً خارج القانون، فإنّ المافيا ـ الدولة الأميركيّة تمتلك كلَّ صفات الشرعيّة الدوليّة، وكلَّ ميكانيزمات عمل الدولة، وإنْ كانت تمارس نشاطها المافياويّ تحت غطاء من السرّيّة الشكليّة. فإذا كانت المافيا الأولى تحتاج، مثلاً، إلى شبكة غير شرعيّة لتهريب المخدّرات من بلد الى بلد، فإنّ المافيا الثانية تمتلك الأساطيل البحريّة والجويّة والقواعدَ العسكريّة والبعثات الدبلوماسيّة وغير الدبلوماسيّة التي تتولّى نقل المخدّرات إلى آخر زوايا الأرض تحت غطاء شرعية الدولة الأميركيّة (ولكنْ دون الإعلان عن ذلك طبعًا).
في السابق كانت الإمبرياليّة تستخدم قوتها العسكريّة وجبروتها الاقتصاديّ وتفوّقها العلميّ لاستعمار البلدان، ونهب خيراتها، وفرض تسويق بضائع الدولة الاستعماريّة وعملتها وقروضها وتوظيفاتها و"مساعداتها." ولكنْ، بالرغم من الطابع اللصوصيّ لهذا الاقتصاد والسياسة الاقتصاديّة الإمبرياليين، فقد كان لهما طابعٌ "إنتاجيّ" وماليّ معين، مهما كان طفيليّاً وقسريّاً. أما اليوم، وبتحوّل الدولة الأميركيّة إلى مافيا، فإنّ "الاقتصاد" الذي تمارسه لا يخرج عن نطاق النهب والإثراء بواسطة التخريب الاجتماعيّ والاقتصاديّ والصحّيّ والأخلاقيّ الكامل، الذي يتمّ باسم القانون والشرعيّة والأخلاق والدين، وتنفّذه وتحميه أجهزةُ الدولة والجيوشُ العرمرمية.
إن المافيا الإمبرياليّة ـ الصهيونيّة التي وصلتْ الى قمة السلطة في أميركا لم تعد بحاجة الى الاقتصاد "الكلاسيكيّ" الأميركيّ ذاته، ومن ثم فهي لم تعد بحاجة إلى "الشعب" الأميركيّ ذاته إلا كمستهلكٍ للمخدِّرات والبضائع المغشوشة والأدوية المصنّعة خصّيصًا للأمراض التي تطلقها المختبراتُ العسكريّةُ الأميركيّة ذاتها، التي تسيطر عليها تلك المافيا. ومثلما قضى المستعمرون "البيض" الأوروبيون فيما مضى على 112 مليونًا من "الهنود الحمر،" واجروا عملية "استبدال" سكاني، وأقاموا الولايات المتحدة الأميركيّة فوق جماجم السكّان الأصليين، فإنّ المافيا ـ الدولة الأميركيّة لن تتورّع عن القضاء على أيّ شعب كان، وبأيّة وسيلة، بما في ذلك القضاء على الشعب الأميركيّ ذاته. وها إنّ نسبة انتشار المخدّرات، ونسبة الأمراض، خصوصًا العصبيّة والقلبيّة والسرطانيّة، تتفاقم في أميركا بالذات، وتتفاقم معها نسبةُ الوفيات. ولا شكّ في أنّ معاملة الطغمة الاحتكاريّة المافياويّة الأميركيّة للشعوب الاخرى ستكون اسوأ بكثير من معاملتها للشعب الأميركيّ.
واليوم، فإنّ من أخطر الممارسات التي تلجأ إليها هذه الطغمة الحربَ الجرثوميّة، المتمثلة في إطلاق شتّى الأمراض والأوبئة من المختبرات العسكريّة، بهدف إبادة الملايين من البشر، وتخريب أنظمة الوقاية الصحيّة، وتخريب الاقتصاد الزراعي، وتنشيط صناعة الأدوية "الخاصة" الباهظة الثمن، التي هي طبعًا في يد مَن أطلق تلك الأمراض والاوبئة. وفي الوقت ذاته تعمل تلك الطغمة على تطوير واحتكار أسلحة الدمار الشامل الأكثر فتكًا، من أجل القضاء على أيّ بلد تنوي القضاءَ عليه، حينما تجد ذلك مناسبًا وممكنًا، من دون أن تتلقى ضرباته الانتقاميّة.
بلغاريا
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب لبنانيّ مستقلّ
جورج حداد
.

المعادلة الصعبة للصراع الروسي – اليهودي ج6


إن التاريخ السوفيتي هو بمعنى ما تاريخ السيطرة اليهودية في غلافها البروليتاري وأيديولوجيتها الأممية. أما فقدان قيمة المال التقليدية لليهودية الأوربية فقد جرى التعويض عنه موضوعيا بقيمة الهيمنة السياسية والأيديولوجية غير المباشرة، وبتناقضاتها الظاهرية في الواقع الروسي. بمعنى سيادة اليهود وغياب المسألة اليهودية في الوقت نفسه. غير أن هذه الأخيرة أخذت بالظهور مع أول بوادر البيريسترويكا وركوب اليهودية الجديدة موجة "الانقلاب الديمقراطي". وهي مفارقة لم تعد مجرد جزء من التاريخ السياسي الروسي بل غدت حافزا مثيرا لسيكولوجية العداء الروسي الدفين تجاههم. ولكن ذلك لا يعني تجاهل الروس القدماء "للمسالة اليهودية". فقد كتب عنها دوستويفسكي في مذكراته، وتناولها بالتعليق الفيلسوف الديني الروسي فلاديمير سولافيوف وكذلك نيكولاي ليسكوف ونيكولاي بيرديايف. إلا أنها مع ذلك لم تشكل معضلة فكرية وثقافية وسياسية كبرى إلا الآن، بعد حصيلة التجربة الدرامية للمرحلة السوفييتية في التاريخ الروسي، ولم يعد تعقيدها جزءا من الماضي بقدر ما اخذ يصبح جزءا من معترك الوعي الاجتماعي وصراعاته الحالية.

إن انفلات الغيتو اليهودي في عالم الثقافة السوفيتية افلح لحد ما في تهشيم أطره الخاصة. ولكنه افرز في الوقت نفسه صحراء الثقافة التي أخذت زوابعها تستثير الآن مهمة البحث في ذاكرة الأجيال المنسية. وفي هذه العملية برزت إلى الوجود وتداخلت الصراعات الخفية لمعترك الحوافز والغايات والنوازع والآمال فيما بين القوى الاجتماعية والقومية التي كانت حتى الأمس القريب تتخندق كلها وراء متراس الاشتراكية السوفيتية. فالانقسام الجلي في الأوساط الثقافية الروسية بين "الروسي" و"اليهودي" يعكس خصوصية المسألة اليهودية ومصيرها في روسيا المعاصرة، ويعبر في الوقت نفسه عن الوعي العادي والنظري للروس في تأمل حقائقهم التاريخية وواقعهم المعاصر والقوى القائمة وراء أفراحه واتراحه. فقد كانت مجلة اغانيوك (القبس) منبرا لليهود في حين كانت مجلة "ناش سفريمينك" (المعاصر) و"مالادايا غفارديا" (الحرس الفتي) منبرين للروس، في حين كانت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين تصل إلى حد الشتيمة اللاذعة. وإذا كان "المعسكر اليهودي" عادة ما يعتاش على فتات الإثارة الصحفية فإن "المعسكر الروسي" عادة ما كان يمثله فطاحل الأدب الروسي المعاصر كراسبوتين وبيلوف واستافييف وغيرهم. ومن الصعب اتهام هذه الشخصيات بالتحامل والغبن. وذلك لان أسئلتهم المثارة حول دراما التاريخ الروسي المعاصر ودور اليهود فيها هي أسئلة الحق ووعي الذات لا غير. فالذي يقلق الوعي الروسي المعاصر هو السبب القائم وراء "عقدة اليهودية" التي لجمت لسان الروسي إلى الدرجة التي لم يعد يحق له طرح السؤال حول ما إذا كانت الماسونية اليهودية واليهودية الصهيونية وراء كل ما جرى أو إذا ما كانت تتحمل مسؤولية "الصعود والهبوط" التاريخية لروسيا.

فعندما كتب اليهودي ناتان ايديلمان رسالة مفتوحة في مجلة (دوغاف) اللتوانية حاول البرهنة فيها على أن سبب انغلاق التطور التاريخي للروس يقوم أولا وقبل كل شيء في شخصية الروسي البليدة وخشونة طبعه وبعده عن الثقافة والعلم، ليحمله بالتالي المسؤولية أمام الشعوب السوفيتية، فان الكاتب الروسي استافييف رد عليه بصراحة حادة معتبرا رسالته مجرد استفزاز يهودي وقح. وإذا كان هذا الصراع القائم بين النزعة الروسية للمثقفين وبين كتلة الهيمنة الإعلامية والإدارية اليهودية، قد اخذ يطفو على السطح فان أولى بداياته الخفية الكبرى ظهرت منذ أن نشر ايغور شافاريفيتش عام 1982 مقالا في مجلة "ناش سفريمنك" في الأعداد 6 و11 بعنوان "كراهية الروس" حول البرهنة فيها على انه جرت منذ ستينات القرن الحالي محاولات دؤوبة وحثيثة قاد اليهود اغلبها لإثبات أن كل مشاكل روسيا هي النتاج الملازم الشخصية الروسي العبودية وحبها للسلطة القوية واحتقارها للفرد، الإنسان، وتبريرها للإرهاب ونفسيتها الدينية المشبعة بأوهام الانتظار والخلاص. وعلى هذا الأساس حاولوا إقناع الجماهير والمثقفين بأنه لا مخرج لروسيا إلا بنبذ هذه الشخصية والتوجه كليا نحو الغرب. وقد وجد شافاريفتش في هذه الاطروحات سلاحا فعالا لتدمير روسيا. أما الاعتراض البسيط والمفند لهذه الآراء فيقوم في واقع كون التوتاليتارية والماركسية هما ذاتهما من نتاج الغرب. وبالتالي ألا يطرح ذلك مهمة تجاوز الغرب لا تقليده الأعمى من جديد؟ فالقضية بنظر شافاريفيتش لا تقوم في شخصية الروسي بل في ما اسماه "بالقوم الصغير"، أي في كل ما المح وأشار به إلى "أصحاب النزعة اليهودية"، أي تلك المجموعة المتميزة بالصفات السلبية التي تنقذ مهمة التدمير الدائم. أما هذا القوم الصغير في روسيا فقد تشكل تاريخيا منذ نهايات القرن الماضي الذي هيمن اليهود فيه، الذي جعل شافاريفتش يستنتج بان أيديولوجية هذا "القوم الصغير" تتطابق مع خصائص اليهود ونفسيتهم ونمط تفكيرهم. وان هذا "القوم الصغير "هو الذي أدى "بالقوم الكبير" (الروس) إلى الهاوية.

وقد أثارت هذه الاطروحات ردود فعل قوية في الأوساط اليهودية التي حاولت أن تجد فيها نقاط ضعف أساسية، منها أن هناك بين الروس أنفسهم من كان غربي النزعة والتوجه ومن كان يمقت الروس أنفسهم ويحتقرهم، كما أن هذه الأفكار لا تفسر لنا لماذا احتلت الأفكار الغربية مواقع قوية في روسيا.

إن الاطروحات السابقة وانتقاداتها تبقى في اغلب نوازعها وأدلتها جدلية أدبية. بمعنى أنها تصوغ متطلبات الروح القومي ونقيضها بمعايير الأحكام الجازمة. فهي لا تتعامل مع الوقائع وحيثياتها وقيمتها الفعلية بمعايير وأسلوب التحليل التاريخي الموضوعي والعلمي المجرد والفلسفي الشامل. غير أنها تعكس اتجاهية المزاج العام في الأوساط الثقافية والجماهيرية. لهذا فإنها تطرح في إجاباتها صياغة السؤال الجوهري عن الدور الذي لعبه اليهود في التاريخ الروسية المعاصر وما هو مصيرهم الخاص في آفاق الصيرورة الروسية الحالية؟

لليهودية كما هو معلوم قدم في الواقع الروسي. إلا أن اليهود كمجموعة كبرى أو كقوم لم يظهروا في روسيا إلا في القرن الثامن عشر إثناء ضم مناطق البلطيق وبيلوروسيا والمقاطعات البولندية للإمبراطورية الروسية. آنذاك أصبحت روسيا الدولة الأعظم من حيث عدد اليهود فيها. وكان تجمع اليهود في هذه المناطق نتاجا لعملية طويلة من تفاعل الأسباب الاجتماعية ـ الاقتصادية والسياسية والدينية في أوربا. أي حصيلة العملية التي أدت إلى خلق مجموعة الاشكناز ولغة الايدش. وقد اخذ هؤلاء الاشكناز بالانتقال تدريجيا نحو الشرق. ومع دخول هذه المناطق تحت السيطرة الروسية خضعت لنفس التأثيرات التي خضع لها المجتمع الروسي مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية انكسار هذا التأثير في موشور التقاليد اليهودية. ولعل أول هذه التأثيرات الجديدة كان مرتبطا بسن قانون "نطاق الإقامة" أو التوطين الإجباري لليهود في مناطق محددة. وقد كان لهذا القانون فعاليته المباشرة وغير المباشرة في استثارة تقاليد الغيتو النفسية والاجتماعية. أي تعزيز روح الانغلاق والعزلة المميزة للتاريخ اليهودي. مما أدى بدوره إلى غياب دورهم الاجتماعي ـ السياسي والثقافي في الحياة الروسية آنذاك.

إن انغلاق ميادين الحياة السياسية والإدارية والعسكرية أمام اليهود آنذاك دفعهم إلى ميدانهم التقليدي في التجارة والمال. على أن هذه الميادين لم تكن سهلة أيضا أمامهم في روسيا. غير أن القرن التاسع عشر ـ قرن التنوير، سرعان ما شمل اليهود أيضا. إذ أخذت تظهر حركات تنويرية نهضوية أول من ساهم فيها موشى مندلسون في ألمانيا وتبعه ليفنسون في روسيا. أما الشعار العام لهذه الحركة فهو كالآتي ـ "يهودي في البيت وإنسان في الشارع"!! وبغض النظر عن المبادئ الأولية لهذه الحركة إلا أنها كانت واقعية وتنويرية في مضمونها. لقد طالب اليهود بالتخلي عن العزلة والعيش حسب قوانين الحياة لا حسب قوانين التوراة، والكف عن اتهام الآخرين بمعاداة اليهود. وهذا يعني محاولة تخليص اليهود أنفسهم من شعور "التفوق" و"عقدة الذنب". وإذا كانت هذه العملية قد جرت بخطى وئيدة نسبيا في الغرب فإنها تعثرت في روسيا بفعل عدم قدرة اليهود آنذاك على الاندماج بالمجتمع الروسي الذي لم يقبلهم بسهولة. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الجوهرية التي دفعت بهم إلى الانخراط في الحركات الراديكالية المتطرفة بدءا من الاشتراكية حتى الصهيونية (كأسلوب ووسيلة للخلاص من الغيتو). ولم يكن ذلك نتيجة صدفة خالصة. فالراديكالية (الطبقية والقومية والدينية) شكلت أحد النماذج التي استجابت في الكثير من نوازعها وحوافزها لنفسية "العصمة" و"الرجعة" و"الخلاص".

لقد أدت محاولة خروج اليهودية من عالم الغيتو إلى العالم الأوسع (وبفعل خصوصية الواقع الروسي آنذاك) إلى انخراطهم في التيارات الثورية والراديكالية، الأمر الذي شكل بالنسبة لهم أسلوب التذليل الثوري السريع للعملية البطيئة المعقدة والمؤلمة للاندماج الاجتماعي والثقافي. وهو ما أدى لاحقا إلى ارتقائهم هرم السلطة والدولة السوفيتية. وفي وقت لاحق تذبذبوا مع تذبذب الحزب والدولة. وإذا كانت هذه الظاهرة قد طبعت بهذا القدر أو ذاك اغلب شعوب الدولة السوفيتية فان خصوصيتها عند اليهود تقوم في تناغمها الطبيعي مع روح التأقلم المميز لهم في الغربة. أي انهم حصلوا على أقصى ما كان ممكنا في ظروف المرحلة السوفيتية دون أن يولد ذلك عندهم شعور الانكسار الأخلاقي وتأنيب الضمير الوجداني. وقد كان ذلك أحد الأسباب الجوهرية لشحن روح العداء لليهود في روسيا ولجعل الروسي يقول بأنه لا يوجد يهودي طيب أو سيئ بل هناك مجرد يهودي، كما هو الحال في إحدى النكت الدارجة عن روسي اخذ يهتف في الشارع داعيا الناس إلى دفن اليهود في القبور. وعندما اعترض عليه أحد اليهود قائلا: إن هناك يهودا جيدين، رد هاتفا: "ادفنوا اليهودي الجيد في قبر جيد"!!

وإذا كانت هذه المعاداة الدفينة لليهود هي الخلفية الملازمة لروسية الروسي تجاه يهودية اليهودي فان بروزها إلى السطح في العقد الأخير مرتبط بقضايا إعادة النظر في وقائع وحقائق التاريخ الروسي المعاصر والمصير الفعلي لأقوامه "الصغيرة والكبيرة". أي أنها أصبحت القضية التي يساهم في استيعاب أسرارها الجميع بما في ذلك عقلاء اليهود أنفسهم. فقد نشر اليهودي غريغوري شورماك مقالا في مجلة (القرن العشرون والسلام) عام 1990 بعنوان (أنا يهودي روسي) حاول الإشارة فيه إلى الدور الإيجابي والسلبي لليهود في التاريخ الروسي ولا سيما بعد الثروة. وقد استند في اغلب اطروحاته إلى المعطيات والآراء المنشورة في كتاب (روسيا واليهود) الصادر في برلين عام 1924 حيث حاول الكثير من الكتاب اليهود آنذاك توضيح أسباب معاداة اليهود في روسيا.

وقد تمثل مضمون إجابتهم في إبراز ما اقترفوه بحق الشعب الروسي عبر دورهم الإجرامي في تاريخ روسيا للربع الأول من القرن العشرين. إذ لم يكن الروسي قبل الثورة قادرا حتى على افتراض أن يرى اليهود في رئاسة المؤسسات كلها. وان يرى الحاكم والجلاد منهم. ولم يكتف اليهود بمواقع السيطرة بل وعبثوا بكل مقدسات التاريخ الروسية ومآثره وذكرياته. فعوضا عن شارع القديس فلاديمير في بطرسبورغ (لينينغراد) اخذ الروسي يرى ويقرأ: شارع ناحيمسون. وينطبق هذا بالقدر ذاته على مئات بل آلاف الشوارع والمناطق والساحات وغيرها. ثم أن اليهود فقدوا، كما يقول شورماك، كل مشاعر الإنسانية باحتلالهم احسن وادفأ الأماكن والمواقع، إضافة إلى تأقلمهم، ومساهمتهم في كل أعمال القمع والإرهاب. وان اشد ما يثير الخجل في سلوكهم هو احتلالهم كل المواقع الحساسة في مؤسسات التوزيع والخزن. ولولا سلوكهم هذا لما ظهر هتلر في ألمانيا، كما يستنتج شورماك.

وبغض النظر عما في هذه الاطروحات من تبسيط للأمور وفقدان للرؤية العميقة لمغامرات التاريخ، إلا أنها تعبر عن مظاهر إعادة النظر بموقع اليهود ودورهم في التاريخ الروسي المعاصر. أي أنها ظهرت على خلفية المزاج الجماهيري والفكري المعاصر الذي استثارته البيريسترويكا لإرجاع "إنسانية الإنسان" للشخصية الروسية، إلا أنها أهملته في منتصف الطريق لإعصار "السوق ومضارباته الجديدة".

ففي ظل اضطراب القوى والمصالح وتشتت الغايات والأهداف وتشابه الوسائل عادة ما تنبعث نماذج الصراع القديمة. فالجموع تضطر للرجوع إلى تاريخها من اجل شحذ وعيها المعاصر بروح أسلافها. وفي هذه العملية عادة ما يتحول الوهم إلى واقع والواقع إلى وهم. وتتداخل الأمور للدرجة التي تهمل فيها معايير الأحكام الدقيقة. بينما تصبح الحقيقة مطلبا بعيد المنال. إلا أن "إبداع الاتهام" يعبر مع ذلك عن ثقافة المرحلة في محاولاتها استكناه ما يبدو لها جوهريا في كينونتها الحالية وآفاقها اللاحقة.

لم يحسم الواقع المعاصر بعد تاريخ الدراما الروسية، بل على العكس، انه فتح آخر فصولها الكبرى. وسوف تستثير صراعا من الصعب الآن التكهن بآفاقه. إلا أن ملامحه الأساسية آخذة في الظهور. ومن الممكن هنا استعراض وجهتي نظر نموذجيتين عن أسباب معاداة اليهود واليهودية في روسيا للتدليل على ذلك. الأولى صاغها اليهودي غريغوري بوميرانس الذي وجد في معاداة اليهود مجرد نتاج لما اسماه بولع الروس القومي النابع من شعورهم الحالي بأنهم قومية من الدرجة الثانية (خصوصا في الجمهوريات السوفيتية السابقة)، مما أدى ويؤدي إلى فقدانهم التوازن النفسي والروحي مع ما يرافق هذه الحالة من سيكولوجية البحث عن برهان بسيط معوض وجدوه بتذنيب الآخرين في مآسيهم. أما وجهة النظر الثانية فقد بلورها الشاعر الروسي ستانيسلاف كونياييف قائلا بان ما يميز الروح الروسية هو ولعها بالشمولية، أي كل ما يشكل مصدر قوة الروس وضعفهم في الوقت نفسه. فالروسي عرضة للتأثير الأجنبي، وبالتالي ضعيف المناعة أمام ما يمكن تسميته بغريزة حفظ الذات. وإذا كان الأمر كذلك فمن الصعب اتهام اليهود في كل مشاكل الروس. ولهذا ينبغي البحث عن سر معاداة اليهود في طبيعة النظام الذي ساهموا مساهمة فعالة في خلقه وديمومته. إلا أن ذلك لا يلغي مسئوليتهم أمام الدمار الذي تعرض له الشعب الروسي. فاليهود عادة ما يتحسسون من "معاداة اليهود" بقدر كبير من التطرف والحساسية المفرطة في حين يغضون الطرف عما يمس كرامة الروس أنفسهم، ويبقون على كل ما يمجدهم ويلغون كل ما من شأنه التقليل من قدرهم. وليس صدفة أن يجري إزالة (12) مادة من معجم دال الكبير للغة الروسية تتعلق بتعريف اليهود (طبعة 1955). ولم يهاجر اليهود بعد ثورة أكتوبر بينما يهربون الآن لا لشيء إلا لأنهم أحسوا للمرة الأولى بإمكانية العيش في "اسرائيل" مع التمتع في الوقت نفسه بإمكانية اضطهاد شعب آخر. وقد بنى كونياييف على اطروحاته هذه استنتاجه القائل بان خروج اليهود من روسيا ليس حلا لهم ولا للروس. وان بقاءهم يستلزم المشاركة الحرة والحقيقية في صنع الآفاق الجديدة وحل قضايا ارتباطهم القومي والديني بصورة ديمقراطية. وذلك لان الصهيونية هي أيديولوجية سلبية تسعى لتجميع اليهود على أساس استثارة معاداة اليهود وبالتالي لا تمتلك برنامجها الإيجابي. كل ذلك يستلزم، حسب نظر كونياييف، ضرورة مرور اليهود بنفس دروب الآلام التي يخوض الروس حاليا غمارها، وليس ترك الباخرة في مهب العاصفة طلبا للنجاة بالنفس لا غير.

هذه الجدالات تطرح أسئلة وتثير إشكاليات اكثر مما تقدم إجابات. ومن الصعب تقديم إجابة قاطعة عن هذه المسائل والإشكاليات إلا أن رسم صورتها العامة يساهم في إدراك الأبعاد المتنوعة والمستقبلية لهذه القضية في أبعادها المابعد روسية أيضا. وهو الإدراك الذي يتوقف على كيفية فهم حقيقة "المسألة اليهودية" في روسيا وآفاقها اللاحقة، وفهم مقدمات انتقال اليهود من حضيض الغيتو إلى هرم الفيتو. فالانتقال من عالم المنبوذين والمرفوضين إلى عالم الوقار والعزة قد ساهم في صياغة السبيكة الخاصة "لليهودي الروسي" ونموذجها الذي يمكن دعوته بصيرورة الهامشية الثقافية لليهود وفقدانهم حدود الروح الأخلاقي. ومن الصعب اتهام اليهود وحدهم بمثالب هذه الشخصية. فقد كان هذا النموذج وما يزال الأكثر شيوعا. أما أسسه الموضوعية فتقوم في أن الإنسان السوفيتي عاش في عوالم ثقافية عديدة دون أن يتقن ويتمثل أيا منها بصورة حقيقة ومتكاملة. إلا أن "مأثرة" اليهود هنا تقوم في انهم اكثر من ساهم في خلق هذه الهامشية الثقافية التي أخذت تنقلب الآن إلى أحد نماذجها وصورها المشوهة والمباشرة بصيغة معاداة اليهود المستفحلة. ومن الصعب توقع زوالها ما دامت الحالة الاجتماعية العامة ومسارها الأساسي خارج مجراهما الطبيعي، ولم تحصل كل قومية وفرد على موقعه المناسب استنادا إلى كفاءته الفردية والشخصية.

إن انتقال اليهود من عالم الغيتو إلى عالم الرئاسة والسلطة ومؤسساتها رافقه هجوم عارم لاحتلال المواقع الحساسة في افضل المدن وافضل الجامعات والمعاهد وافضل المناصب والمخازن، فنقلوا معهم كل إيجابيات وسلبيات الغيتو، أي رابطة الوحدة والتعاضد بين اليهود على أساس يهوديتهم. وقد أدى ذلك إلى خلق نفسية يهودية سوفيتية جديدة تتميز بغياب حدود الروح الأخلاقي وقواعده المقيدة في السلوك الاجتماعي. وهذا ما جعل اليهودي لا يشعر بالانتماء إلى الوطن الذي يقطن فيه. فهو كالغريب أو المحتل. وهو ينظر إلى حياته في "الغربة" نظرة عداء المائة متر إلى جريه. فحياته تبدو له كما لو أنها ـ مسافة قصيرة ينبغي قطعها بأسرع وقت، على عكس المواطن "الأصلي" الذي ينظر إلى حياته نظرة عداء المسافات الطويلة، الأمر الذي حدد أيضا التناقض المستعصي بين هذين النموذجين. فالروسي يجد نفسه أمام واقع يقول بان إمكانية سيره تستلزم إيقاف اليهودي، بينما اليهودي أمام واقع يقول بان الجائزة للفائز‍‍. وفي هذه المفارقة الخشنة لاحتكاكهما تتولد شرارة العداء المتبادل. فالروسي لا يحب العجلة لأنه في وطنه ولأنه أمام مشاق الطريق الطويل بينما اليهودي يشعر بالعجلة الدائمة لقصر الطريق ورغبته في اخذ كل ما يمكن أخذه في جولته السريعة في "الغربة". لهذا فهو لا يلاحظ إلا عيوب غيره. أي "عيوب" كل من يعيق جريه السريع. وفي هذا تكمن عقدة تطرفه في ملاحظته "ذنوب" الآخرين بحقه. أما في الواقع فان "عقدة الذنب" ما هي إلا الصيغة المقلوبة لشخصية اليهودي الهامشية وفقدانها حدود الروح الأخلاقي. وهو ما تشهد عليه مواقفه ومواقعه في تاريخ الأحداث العاصفة الكبرى في التاريخ الروسي الحديث. فإذا كان اليهود، على سبيل المثال، في طليعة الأيديولوجية الماركسية ومعاركها الحامية بعد الثورة وفي مجرى التاريخ السوفيتي، فانهم اصبحوا أثناء موجة "التغيير والديمقراطية" في طليعة المعارضة الصاخبة ضد تلك الأيديولوجيا. أما أجهزة الإعلام فإنها لم تتغير من حيث تركيبتها اليهودية، في مجرى التحولات وتغير الخيارات والغايات. وليس من قبيل الصدفة أن يدعو الروس أحيانا التلفزيون الروسي بكلمة (تل ابيبنا) تحويرا للكلمة الروسية تليفيدينيا (أي التلفزيون) لإبراز طابعه اليهودي الصهيوني وسيطرته على الإعلام الروسي الحالي.

أما انحلال الاتحاد السوفيتي وما رافق ذلك من تحولات عاصفة في الواقع الروسي فهو بمعنى ما الفصل ما قبل الأخير في دراما المصير اليهودي في روسيا. إذ أن "تهويد" روسيا عملية مستحيلة. في حين أن من الممكن خلق لوبي ـ يهودي ـ صهيوني فاعل ومؤثر. غير أن روسيا ليست أمريكا. والتيار الجارف في التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي والسياسي والثقافي سوف يعيد الأمور في نهاية المطاف إلى مجراها الطبيعي، فيحتل اليهود موقعهم المناسب لوزنهم الطبيعي باعتبارهم أقلية صغيرة في الواقع الروسي. إلا أن هذه العملية تفترض في ذاتها واقعية وإمكانية الصدام والمساومة. أي أنها متوقفة على كيفية سلوك اليهود والروس في حركاتهم السياسية المؤثرة حاليا والاتجاه السياسي والثقافي المسيطر في الدولة الروسية. وفي كل الأحوال فان ذلك سيؤدي إلى حل "العقدة اليهودية" من خلال رميها إلى ميدان الصراع العربي ـ اليهودي.

***

الصراع العربي – اليهودي (الفصل ما قبل الأخير "للمسألة اليهودية")


كشفت أحداث القرن العشرين في التاريخ الروسي عن أن "الأقوام الصغيرة" (العرقية) تفرز عند وصولها إلى هرم السلطة عناصر "رحيقها العرقي" في جسد "الأمم الكبيرة". وهو "رحيق" يتألف أساسا من عنصري المؤامرة والمغامرة، باعتبارهما المكونين الجوهرين المتراكمين من وجودها خارج معاناة المسار الفعلي لتاريخ الأمم الكبيرة.

فالمعاناة الفعلية للأمم في مجرى حل إشكالياتها الكبرى، تجعل من القيم والمفاهيم والأحكام الثقافية جزءا من كيانها الذاتي. وتضع بالتالي كل خطوة تخطوها على محك هذه القيم والمفاهيم والأحكام، باعتبارها معايير للفعل. مما يؤدي بالضرورة إلى تكامل وعيها الذاتي (عقلها النظري والعملي). ومنه تتبلور معالم الحكمة القومية (السياسية والاجتماعية والأخلاقية). في حين تبقى "الأقوام الصغيرة"، بسبب انعزالها الذاتي، خارج هذه المعاناة. وتبقى بالتالي خارج صيرورة الوعي الذاتي للأمم. مما يجعلها خالية من الحكمة، لان أفعالها مرهونة بالنفس الغضبية ومتطلباتها. من هنا جوهرية المؤامرة والمغامرة في "عقلها النظري والعملي". وهو "عقل" تخريبي وتجريبي في تعامله مع الآخرين. من هنا فقدانه لشعور الانتماء الحقيقي للروح الإنساني.

وقد مثل اليهود في روسيا هذا "القوم الصغير"، الذي دخل وترعرع واكتسب كيانه التاريخي فيها خارج تاريخها الفعلي. أي انه "تبلور" خارج المعاناة الفعلية للأمة الروسية الكبرى في مجرى بناء كينونتها السياسية والثقافية. وهو انعزال أدى إلى فقدان معنى قيم الواجب عند اليهود تجاه روسيا. وحالما جرى تحسسهم البدائي لهذا الواجب، فانه أدى إلى تجريب – تخريب هائل. ولعل أحداث 1917 و1991 وما تلاهما من تجريب وتخريب على التاريخ الروسي والأمة الروسية في مختلف الجوانب والمستويات والميادين خير دليل على ذلك.

لقد كان وراء هذا الدور أسباب عديدة. إلا أن التجربة التاريخية لروسيا تكشف عن وجود سببين جوهريين حددا في الأغلب قدرة "القوم الصغير" على التجريب والتخريب فيها وهما، ضعف الوعي الذاتي – القومي الروسي، وضعف الوحدة الاجتماعية – السياسية – الثقافية للدولة والأمة.

فقد تميز التاريخ الروسي، وبالأخص بعد إصلاحات بطرس الأول بدء من القرن الثامن عشر، بإرساء تقاليد كسر وهدم التقاليد القومية، التي أدت في مجرى مائتي عام إلى خلخلة وعيها الذاتي وإنهاك مناعته الذاتية وهلهلة الوحدة السياسية – الثقافية للدولة والأمة. ومع كل تداع مثير وانقلاب راديكالي فيها يتحول العنف والهدم المباشر وغير المباشر إلى وسيلة ملئ الفراغ، الذي تجسد بصورته النموذجية في صعود الكيان اليهودي إلى هرم السلطة في روسيا عام 1917 وفي عام 1991. فهي الأحداث التي كشفت، رغم تباين حوافزها ومقدماتها وغاياتها، عن ضعف مناعة الوعي الذاتي القومي الروسي، الذي تحول من محب للقيصر إلى قاتل شنيع له، ومن شعب متدين إلى شعب ملحد، ومن محب للاشتراكية ومناضل من اجلها إلى مدافع عن الرأسمالية وأنصارها، ومن "تقديس" الملكية العامة إلى "تقديس" الملكية الخاصة. وهو أمر يكشف عن أن النصرانية وتقاليدها في روسيا لم تكن دينا- ثقافيا، بقدر ما كانت عقائد لاهوتية وطقوسا. وإذا كان لهذه الظاهرة مقدماتها في كيفية انتشار النصرانية، وبالأخص في كيفية إخضاعها التدريجي (والراديكالي أحيانا) للسلطة القيصرية والسوفيتية والديمقراطية، فإنها تكشف أيضا عن أن النقص الجوهري في النصرانية نفسها، مرتبط تاريخيا بدمج (العهد القديم) بها وجعله مصدرا جوهريا في رويتها للعالم. وهو مصدر خرّب النصرانية وشوّه أبعادها الإنسانية عبر إدخال عناصر الانتقام والتدمير والدموية المميزة (للعهد القديم) فيها. وقد كان نيتشه (وقبله الكثير من الفلاسفة والمؤرخين) على حق، عندما أكد على أن سر الاضطهاد والدمار الثقافي الهائل، الذي لحق بأوربا جرى بسبب تهويدها من خلال النصرانية، التي جرى فرضها "دينا" على الإمبراطورية عام 394. حينذاك اصبح القتل والطرد والتشريد والحرق فعلا عاديا يلاحق الناس والمدن والذاكرة والتقاليد. بحيث جعلت من مخطوطات مكتبة الإسكندرية وقودا لحماماتها لمدة ستة اشهر! وبدت عذابات النصارى الأوائل زمن نيرون، العاب أطفال مقارنة بما قامت به الشعوب المتنصرة تجاه خصومها. فقد قدّست العبودية وأدخلت تقاليد العداء والحرق والتدمير لكل من يخرج عن طوق عناقها اللاهوتي. وهو السبب الذي يفسر لحد الآن إمكانية تأثير الصهيونية عبر مؤسساتها الماسونية والدينية أيضا في نسيج الرؤية الغربية والنصرانية. وهو تأثير لا يمكن تلافيه دون إنجاز القطيعة التامة والشاملة باليهودية وتقاليدها الموروثة من (العهد القديم).

إن القوة الوحيد تاريخيا وعقائديا وثقافيا، التي استطاعت نفي اليهودية بصورة شاملة وعلى كافة المستويات هو الإسلام. فإذا كان ثالوث اليهودية مبني على أساس الإله القومي والشعب المختار والنفس الغضبية، فان ثالوث النصرانية مبني على أساس الأب والابن والروح القدس. بينما ثالوث الإسلام مبني على أساس الإله المطلق والأمة الوسط والنفس العاقلة. ذلك يعني أن النصرانية ذللت ضيق اليهودية وعرقيتها على أساس وجداني يماثل علاقة الابن بالأب في روحية متسامية. بينا ذلل الإسلام المستوى الحسي والمباشر لليهودية، والمستوى الوجداني للنصرانية في موقفها من اليهودية عبر رؤية عقلانية معتدلة تنسجم فيها الأبعاد الحسية والعقلية والوجدانية (الحدسية) لنظام الوجود الإنساني في أبعاده الطبيعية والماوراطبيعية، وعلى مستويات الفرد والجماعة والدولة.

من الناحية التاريخية، تشكلت الصورية الذاتية للعرب بصورة لا تختلف عما هو عليه الأمر لدى الأمم الأخرى، بمعنى تبلور تلك الصورة في مجرى حلها لإشكالية وعلاقة الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة. وإذا كانت تجارب العرب ما قبل الإسلام تصب في إطار الصيرورة التاريخية للقومية العربية، فان اكتمالها الثقافي ارتبط بالعقيدة الكبرى التي دفعها الإسلام إلى ميدان فعلهم التاريخي. عندئذ ظهر العرب بوصفهم أمة دينية وسياسية، ارتقت في مجرى تطور الخلافة إلى أمة ثقافية. وارتبط هذا الارتقاء بمبادئ الرؤية العقائدية الكبرى التي قدمها الإسلام في نظامه التوحيدي. فقد جعلت التوحيدية الإسلامية الله مصدر الوجود والفعل وغايتهما، واعتبرته مبتدأ ومنتهى كل شيء.

وحددت هذه الرؤية جوهرية الله في الفعل (الفردي والجماعي)، أو جوهرية الواحد. فلا دعوة إلا إليه. وأدى ذلك إلى الترادف بين الله والحق، انطلاقا من أن واحدية الله تتضمن في ذاتها واحدية الحق. فالله "هو الحق" ومصدر الحكمة الشاملة في الوجود. ومن ثم ، فان الجماعة والأمة هما النموذج الأمثل لحكمته في الوجود الاجتماعي والروحي للإنسان.

إن تحول الجماعة والأمة إلى النموذج الأمثل للوجود الاجتماعي والروحي للإنسان هو التجلي العملي للتوحيد،لأنه يفترض في وجودهما(الجماعة والأمة) تجانس الرؤية التوحيدية في المسلم والمؤمن. فالجماعة هي جماعة المسلمين، والأمة هي أمة المؤمنين. وفي وحدتهما تتجلى معقولية المبادئ الإسلامية الكبرى وأركانه الإيمانية (من صلاة وزكاة وصوم وحج). وهذه بدورها ليست إلا الحدود الدنيا للكلّ الديني - الدنيوي للجماعة والأمة. فالحدود تشكل هنا، إن أمكن القول، الهيكل اللامرئي لروح الاعتدال، لأنها نفسها صارت معالم الجماعة في تمثيلها لحقيقة الواحد. فالجماعة هي الكل الواحد على مثال الواحد الحق.

وقدم الإسلام في مبادئه الأولى الواحد الحق على انه المثال الأعلى للمحاكاة الممكنة في "طريق الاستقامة". وربط هذه الإمكانية بالجماعة من خلال مطابقته حقيقة الجماعة والأمة مع الحق، والحق مع الاعتدال. فإذا كان التوحيد هو مبدأ الوحدة الاجتماعية (في الجماعة) والروحية (في الأمة)، فإن توليفها أدى بالضرورة إلى صياغة مبدأ "الأمة الوسط"، باعتباره النموذج العملي للروح الاجتماعي- الأخلاقي - الوحداني. لهذا خاطب أتباعه قائلا "كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس". فهو لم يحدد وسطيتها بمعايير المكان والزمان والعرقية أو ما شابه ذلك، بل بحدود الاعتدال الأخلاقي. من هنا دعوة القران لان تكون هذه الأمة أمة الخير، الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر. وهي دعوة مبنية لا على أساس أفضليتها كما هي، بل على أساس أفضلية "الأمة الوسط"، باعتبارها فضيلة. وأدى ذلك إلى وضع أسس التآلف الكبير للثقافة الإسلامية في مبدئها القائل، بان الجماعة تحفظ اعتدال الأمة، كما يبدع اعتدال الجماعة واحديتها الاجتماعية - الروحية بوصفها أمة.

إن وحدة الجماعة والاعتدال، باعتبارهما المكون الجوهري للواحدية الإسلامية أدت إلى إبداع ممثولها في واحدية الإسلام الثقافية. وذلك لان بناء الجماعة بالاعتدال المعقول أسّس لاحقا لفكرة الأصول وأسلوبها المناسب في وحدة المعقول والمنقول، باعتبارها الصيغة النظرية الشاملة لتجليات الاعتدال(كالرواية والدراية في الحديث، والاجتهاد والإجماع في الفقه). وبهذا تكونت إمكانية تحول الأمة إلى الكل المتنوع في تجارب الاعتدال الحق. وأدى ذلك إلى إبداع قيمة السّنة، باعتبارها الصيغة العملية للاعتدال (كالدين والدنيا في السياسة، والعادات والعبادات في الشريعة). أما توليفهما الدائم (النظري والعملي) فقد شق لنفسه الطريق إلى ثنويات الثقافة الإسلامية.

فقد نشأت الثقافة الإسلامية نفسها على مثال وحيها القرآني، باعتبارها تمثيلا للصراط المستقيم. فالصراط المستقيم وسط، والوسط اعتدال، والاعتدال عدل، والعدل حق، والحق هو النظام الأمثل. بصيغة أخرى، لقد تغلغل إدراك الاعتدال باعتباره النسبة الضرورية والمعقولة لوجود الجماعة والأمة في علاقتها بنفسها (المستوى الطبيعي) وعلاقتها بالله (الماوراطبيعي). وشق ذلك لنفسه الطريق في العبادات (الروح) والعادات (الجسد). ففي العبادات انطلقت الثقافة من الفكرة القرآنية القائلة، بان الله يريد بالناس اليسر ولا يريد بهم العسر. وحاولت أن تعطي لعلاقة الظاهر بالباطن، والروح بالجسد نسبتها الضرورية في الصلاة والصوم والحج والزكاة.

ذلك يعني أن الإسلام أشرك الجسد الفردي والجماعي في حركة متناسقة ودائمة وحّد فيها الروح والجسد، والزمان والمكان، وخلق من ذلك كلا واحدا مجسدا لنسب المثل العليا في الله الواحد، والجماعة الواحدة، والروح الواحد، والجسد الواحد. أي كل ما يبدع الوحدة في الجماعة وتنوعها في الأفراد. وبالتالي ليس الانتماء الحقيقي للوحدة (الإسلامية) سوى البحث الدائم عن النسب المتنوعة للنظام الأمثل. مما أدى إلى أن تبدع الثقافة الإسلامية مرجعياتها الخاصة، التي أثمرت سيادة روح النسب والنظام، والثنويات الكبرى التي ساهمت في خلق آلية الاعتدال (العدل) والانضباط (النظام). ففي أسلوب المعرفة أبدعت ثنوية (أو وحدة) المنقول والمعقول، والرواية والدراية. وفي نمط الحياة وحدة الديني والدنيوي. وفي نمط التعامل مع "وحي الثقافة" ووحدة التفسير والتأويل، والظاهر والباطن. وفي القانون وحدة الأصول والفروع، والاجتهاد والإجماع. وطبقّت ذلك على كل تجليات الحياة المادية والروحية. وشكلت هذه الثنويات – المرجعية، إلى جانب عشرات غيرها مثل الظاهر - الباطن، والطريقة – الحقيقة، والحكمة – الشريعة، والفلسفة والدين، والمنطق والبيان، العناصر الجوهرية للروح الثقافي الإسلامي.

وترتب على الحل الإسلامي لإشكالية الطبيعي والماوراطبيعي في مختلف جوانب ومستويات الوجود الاجتماعي للفرد والجماعة والدولة، والملكوت (الماوراطبيعي) الديني والقيم الأخلاقية تحول الثنويات المرجعية الإسلامية إلى عناصر جوهرية مبدعة للروح الثقافي. ومن المعلوم انه ليس كل مرجعية أو نظام للمرجعيات قادر على إبداع روح ثقافي خالص. لان الروح الثقافي الخالص هو فقط ذاك الذي يقدر على تجاوز العرقية ومتحجرات الأشباح الإنسانية (من دم ولون وارض) إلى ميدان العقائد المتسامية.

فقد تبلورت الثنويات المرجعية الإسلامية تاريخيا، كأجزاء مكونة لنظام توحيدي. وصنع هذا النظام واحدية ثقافية أبدعت اعتدالا في العقائد والأفعال والرؤية والمواقف من خلال نظام المرجعيات نفسه. وأدى ذلك بدوره إلى تفعيل التنوع ضمن الوحدة. وصب هذا التنوع بفعل الثنويات المرجعية المتكافئة من حيث أوزانها الداخلية، في اتجاه تأسيس معقولية البحث عن نسب فضلى، وبالتالي عن نظام امثل.

إن بلوغ الثقافة إدراك جوهرية النسب المعقولة للنظام الأمثل يؤدي إلى تسامي إدراكها وتنوع إبداعها في توحيد الوسيلة والغاية، والعلم والعمل تجاه النفس والآخرين. مما يؤدي بالضرورة إلى صيرورة الروح الثقافي المبدع، الذي يصنع على مثاله نماذج واقعية وواجبة للامة في رؤيتها عن نفسها وعن الآخرين.

ففي نموذجها الواجب هي "الأمة الوسط". وتجلى هذا الوسط واقعيا باعتباره سعيا للاعتدال. وإذا كانت الأمة الوسط تحتوي في مظهرها الأول على محاولة تذليل تطرف الصراع الأهوج بين اليهودية والنصرانية، ففي باطنها تحتوي على تذليل الغلوّ تجاه النفس والله، أي تجاه الطبيعي والماوراطبيعي في الفرد والجماعة.

فقد سعت الرؤية الإسلامية في مبدئها عن الأمة إلى توحيد الجميع باسم المبدأ الأعلى، معتبرة تضاد اليهودية والنصرانية انحرافا عن الحق. فالله هو الله، والأنبياء رسله لا هم يهود كما تقول اليهود ولا هم نصارى كما تقول النصارى. ومن ثم فلا أفضلية لأحد على آخر أيا كان (من دين أو جنس) إلا بالتقوى. وهو مبدأ وضعه القرآن في البداية ضمن توحيده العملي (الديني والدنيوي). حيث نظر إلى تجارب الأنبياء نظرته إلى تجليات متنوعة للإرادة الإلهية في نقل مسار البشرية إلى الصراط المستقيم، أي إلى الصلاح والخير بوصفهما كفتي الوحدانية. وهي رؤية حددت توحيدية الإسلام الصارمة في تمثلها وتمثيلها لهذا الصراط. إذ لم ينظر إلى "خاتميته" سوى نظرته إلى طريق الحق في تذليل الأنا الدينية الضيقة.

فالإسلام هو ليس اسما، بل هو فعل الانتماء إلى الله الواحد. لهذا اعتبر الإسلام أنبياء الماضي وعقلاءه وحكماءه أنبياءه وعقلاءه وحكماءه. وجعل من خير الماضي وصلاحه خيره وصلاحه. ووجد ذلك تعبيره المكثف في الحديث القائل بان خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام. فالإسلام بهذا المعنى هو كيان قادر على تمثل الفضيلة وصهرها في نظامه الخاص. مما فسح المجال أمام إمكانية اشتراك اتباعه لقوانين "الروح الموحد" و"الشراكة العامة". وجعل ذلك من إبداعاته في كافة الميادين إرثا مشتركا للجميع. وأدى هذا بالضرورة إلى اضمحلال روح الاستكبار فيه. لان اشتراك الشعوب والأقوام في بناء الروح الموحد هو اشتراك طوعي متكامل لم يتحدد بمؤسسة خارجية (دينية كانت أو دنيوية). لذا تحولت الشخصيات الكبرى للثقافة الإسلامية إلى رموز لشعوبها ولعالم الإسلام جميعا. وهي حصيلة نابعة من أن الإسلام قضى على روح الاستكبار الداخلي. فما إسلام بقومي أو اثني أو إقليمي. والتنوع فيه هو تنوع اجتهاداته. فهو لا يقمع القومي، بل يخضعه لروح العقيدة الوحدانية. من هنا يستحيل أن تظهر فيه نظريات قومية أو استعلائية أو عنصرية أو فاشية أو ما شابه ذلك. لقد أدى ذلك إلى انفتاح الثقافة داخليا على نفسها، وخارجيا على الآخرين. وأملى تسامحها العميق وتمثلها المنظومي لإبداعات الأمم أيا كانت بما يستجيب لمرجعياتها الكبرى.

كل ذلك يكشف عن أن تعمق الرؤية التاريخية عن الأمم ارتبط مع تراكم العناصر الثقافية المنظومة بالوحدانية الإسلامية. إذ لا تعني الوحدانية الإسلامية تاريخيا واجتماعيا سوى وحدة النوع الإنساني ومثالها في الواحد(الله). أنها كالحقيقة واحدة بذاتها متنوعة بالصور والتجليات. والتنوع فضيلة في حال سعيه إلى الخير العام. وهي فكرة سبق وان بلورها القرآن في آيته "انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. أن أكرمكم عند الله اتقاكم". أي أن للتعددية منطقها الطبيعي والتاريخي باعتبارها واقعا، ومنطقها الماوراطبيعي والمثالي باعتبارها واجبا. وهذان المنطقان يعكسان مستويين من الإدراك لماهية الأمم، أحدهما ديني(الأمة الدينية) وآخر دنيوي(الأمة الحضارية).

أسفرت منظومة المرجعيات الكبرى في الثقافة الإسلامية عن رؤيتين إلى نفسها والآخرين متناسقتين لا استعلاء فيهما ولا استكبار. تجلتا على أسمى وجه في إقرارهما بتنوع الرؤية الثقافية إلى الآخرين. وقد حددت هذه الرؤية الانعتاق الحضاري للثقافة الإسلامية. فهي لم تقر بتنوع الحضارات فحسب، بل وأرست مواقفها من هذا التنوع على أساس تمايزهن بالفضائل. فعندما حاولت المطابقة، على سبيل المثال، بين حضارة الأمة وخصلة من خصالها، مثل الفلسفة لليونان والعمارة للروم والسياسة للفرس والبيان للعرب والصناعة للصين والحرب للترك والعقل والشعوذة للهند، فأنها لم تسع في الواقع إلا لإظهار التمايز في الفضائل، وليس إلى إنكار ما لهذه الحضارة أو تلك من فضائل أخرى. إنها حاولت إظهار فضائل الأمم من خلال تأكيد تنوعها، وبالتالي قيمتها بالنسبة للتاريخ الإنساني ككل. لهذا أكد أبو حيان التوحيدي على أن "لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل منها في صناعتها كمال وتقصير". وهي صيغة تعكس قبول الثقافة الإسلامية لإمكانية تعدد الأنواع وتنوع اجتهاداتها الثقافية في ظل انتمائها للكل الإسلامي، أي إمكانية توليف "مميزات" وفضائل الأمم من فصاحة وبيان وأدب وسياسة وغيرها في كيانها الثقافي. وهي تعددية وانفتاح يتساويان مع إدراك جوهرية وقيمة الفضائل. لهذا لم تضع الثقافة الإسلامية نفسها وشعوبها فوق الآخرين ولا تحتهم، بل طالبت نفسها والآخرين بادراك وتجسيد القيم العقلانية – الأخلاقية للتكافؤ والمساواة.

وعليه، فان انتقال العرب في تطورهم التاريخي من أمة عرقية إلى أمة ثقافية كان نتيجة لازمة للكيفية الإسلامية التي عالجوا بها إشكالية وعلاقة الطبيعي والماوراطبيعي في الإنسان والجماعة، مما أدى إلى تكامل مكوناتهم الجوهرية في وحدة الإله المطلق والأمة الوسط والنفس الناطقة (العاقلة).

هذا التضاد الشامل بين ثقافتين ورؤيتين عن الحياة والمثال، هو الذي بلور تاريخيا وواقعيا شخصية اليهودية واليهودي، والإسلام والعروبة. فقد أدى استمرار اليهود في اليهودية إلى صيرورة أمة عرقية (عنصرية) ذات نفس غضبية، مثالها البطش (الجور) وسلوكها الاستحواذ والغلو، بينما أدت صيرورة العرب في الإسلام إلى تكوين أمة ثقافية مثالها الحق وسلوكها العدل والاعتدال. وهو خلاف منظومي حدد ويحدد واقع وآفاق وجودهما التاريخي.

كان مثال البطش وما يزال الصفة المميزة لليهودية بسبب سيادة نفسية الغيتو (الانعزال والانغلاق) التي لازمت تاريخ اليهود. فعدم القدرة والاستعداد على الانفتاح الحقيقي والاندماج الثقافي بالأمم وحضاراتها أدى إلى إنتاج وإعادة إنتاج نفسية الترقب الخائف وشعور الاتهام العدائي تجاه الآخرين. وهي نفسية تحاصر وتحصر تأويل اليهودي لأقوال وأفعال الآخرين بمعايير الترقب السلبي والاتهام الباطني. مما أدى إلى تكوين عناصر الحقد والغلّ، التي تتفجر مع كل إمكانية لتجسيدها. وفي حالة صعوبة أو استحالة تجسيدها العملي، فأنها عادة ما تتخذ صيغة الاستهزاء والسخرية بمقدسات الآخرين وقيمهم. وليس مصادفة أن تنتشر "آداب السخرية" الرخيصة بين "الكتاب والصحفيين والمثقفين" اليهود. ولعل مثال روسيا السوفيتية والحالية دليل واضح على ذلك. فاليهود يشكلون النسبة الغالبة بين "المهرجين" و"الساخرين" المعاصرين في روسيا.

وليست تقاليد الاستهزاء والسخرية المبتذلة المميزة لليهود سوى الوجه الملطف لنفسية الاستحواذ التي وجدت نموذجها الكلاسيكي في التقاليد الربوية. أي كل ما جعل من اليهودي والربوي، واليهودية والربا شيئا واحدا في ذاكرة ووعي الأمم جميعا. إذ يقترن وجود اليهودي بالربا. إي الاعتياش من جهد الآخرين بأرذل الطرق وأسهلها وأكثرها تدميرا وتخريبا. وهي نفسية طبعت وجود اليهودي وتعامله مع ثروات الآخرين المادية والفكرية والروحية. من هنا قدرتهم المثيرة في مجال سرقة المال وجمعه وتوظيفه. وليس "الإبداع الروحي" في اليهودية نفسها سوى السرقة الحاذقة لإبداع الآخرين من خلال توظيفه العملي ابتداء من التوراة وانتهاء بالفنون المعاصرة. لذا لا نعثر عندهم على موسيقيين عظام بل على عازفين محترفين، ولا على رسامين كبار بل على أصحاب موضة، ولا على مخرجين سينمائيين يعتد بهم، بل على ممثلين. وهي نتائج لسيادة نفسية الاستحواذ التي تجعل من الحصول على مردود مادي المهمة الأولى في "الإبداع اليهودي". أي أن مهمة اليهودي هي استغلال الإبداع والروح المبدع للآخرين من اجل توظيفه لخدمة المال والشهرة، باعتبار ذلك أسلوبا للحصول على المال والاستحواذ عليه. وهي حصيلة نابعة عن عجز اليهود واليهودية وعدم استعدادهم بعد للخروج من مأزق التحجر العرقي الذي اقفل عليهم إمكانية الارتقاء إلى مصاف الرؤية الثقافية عن النفس والآخرين.

وأدى بقاء اليهود واليهودية ضمن حيز العرقية المتحجرة (قوميا ونفسيا) إلى استفحال تقاليد الغلوّ. فاليهودية هي التجلي التاريخي النموذجي للغلو الظاهري والباطني. إذ لا نعثر في التوراة على دعوة للعدل والاعتدال. على العكس أنها مليئة بالغلوّ في المواقف والقيم والأحكام. فتطرفها الباطني ينبع من ثالوث الإله القومي وفكرة الشعب المختار والنفس الغضبية، أي كل ما يؤدي إلى إنتاج عناصر التقوقع الذاتي. أما انعكاسه الظاهري فيتجلى عادة في سلوك العداء والانتقام.

فحيثما يحل اليهود واليهودية تظهر "المسالة اليهودية" و"عداء السامية". وليس ذلك اعتباطا أو مصادفة، بقدر ما هو ملازم لروح الانغلاق اليهودي والترقب المتخوف النابع من الشك الدائم بالآخرين وسوء الظن بهم. فالخوف هو الحليف الدائم لليهودي. انه يمقت فكرة الواجب ويتمسك بالخوف، باعتباره القوة الوحيدة التي يثق بها وعروة اليقين التي تثير في أعماقه شعور الجمعية. وهو شعور بهيمي يعيد إنتاج النفس الغضبية، ويجعل من العدوانية أسلوبا "للدفاع عن النفس". وليست العداء في الواقع سوى الوجه الظاهر للخوف الباطن. وهذا أيضا أحد أسباب فشل الشيوعية في روسيا والمعسكر الاشتراكي الأوربي. فقد أدت الكثافة الكبيرة لليهود في الحركات الاشتراكية والشيوعية واحتلال المناصب الحساسة في الدولة، كما هو الحال على سبيل المثال في روسيا السوفيتية، إلى توسع وترسخ وتعمق عناصر العداء والكره في الفكرة والممارسة الشيوعيتين. إذ تحولت الشيوعية من فكرة إنسانية إلى ممارسة عدوانية في كثير من جوانبها، وتراجعت فيها مبادئ الأممية والانفتاح والحرية أمام سلوك القومية الحكومية الضيقة والانغلاق والقهر والإجبار. وسادت فيها عناصر الهجوم والمواجهة مع الآخر، بحيث استحال اغلب تراث الماضي إلى عدو دائم. فنحن لا نعثر في القاموس السياسي والدعائي الشيوعي على كلمة كثيرة التردد ككلمة العدو (مثل عدو الشعب، وعدو الدولة، وعدو السوفييت، وعدو الحزب، وعدو البروليتاريا، وعدو الشيوعية، وعدو الاشتراكية، وعدو الإنسانية…الخ) واحتلت نفسية التأويل المتحزب والبحث عن مكونات العداء لأقوال وأفعال كل شخص أو جهة لا تتوافق آراؤها مع ما هو سائد في الأيديولوجية الرسمية. فنتج عن ذلك واقعيا إفراغ الفكرة الشيوعية نفسها من قيم الانفتاح والإنسانية والتحرر، وتحولها إلى نقيضها، أي أنها أصبحت أيضا أيديولوجيا "الأقليات" القومية والدينية المشبعة بنفسية الثأر والانتقام. ونفس الشيء يمكن قوله عن سيطرة اليهود واليهودية في "الديمقراطيات" المعاصرة. فهي تعاني من ثقل النفس الغضبية اليهودية، التي شحنت الديمقراطية بعناصر الكراهية. لذا من الصعب العثور على ديمقراطية "غربية" بدون "عدو" دائم كالشيوعية فيما مضى والإسلام حاليا. إضافة إلى اعتبارها كل من يعارضها عدوا متهما أو مجرما! وهو سلوك يتناقض مع فكرة الديمقراطية نفسها، لان الديمقراطية تفترض كحد أدنى الإقرار بشرعية التنوع والاختلاف. ولعل تجربة "روسيا الديمقراطية" المعاصرة، وبالأخص في ميدان الدعاية والإعلام الخاضعين للسيطرة اليهودية – الصهيونية دليل ساطع على ذلك. حيث تميز تاريخ هذه "الديمقراطية" بمراحل متواصلة من البحث عن الأعداء بدءا بالشيوعية ثم مرورا بالتاريخ السوفيتي ثم التيار الوطني ثم القومي الروسي ثم النصراني وأخيرا الإسلامي.

وتحول العداء للإسلام والمسلمين الآن إلى حلقة جوهرية في سلسلة المخطط الدعائي "الديمقراطي"، الذي يعمل من اجل جعل العنصرية الصهيونية "عونا" للروس في تصديهم "للخطر الإسلامي". وهو "عون" يسئ للشخصية الروسية، لأنه يسعى للإيقاع بروسيا في شباك المخطط الاستعماري الصهيوني (المؤقت) لفلسطين. وليس هذا "العون" سوى الوجه الدعائي المزيف لحقيقة الروح الانتقامي اليهودي الذي لا يتورع عن استغلال كل وسيلة تخدم غاياته الضيقة35. إن العنصر الانتقامي في اليهودية هو الوجه المكمل لروح العداء الراسخ فيها.

ويشكل "تكامل" الأوجه المشار إليها في الشخصية اليهودية مصدر بطشها (أو قوتها البهيمية). إذ ليست الأوجه المتكاملة للشخصية اليهودية في الانغلاق والاستحواذ والغلوّ سوى الأوجه العملية للإله القومي (المغلق) و"الشعب المختار" (بالاستحواذ) والنفس الغضبية (المغالية، المتطرفة). وهو تكامل يعبر عن تطابق الصورة والمعنى بين اليهود واليهودية. وهنا بالذات يكمن مصدر قوتهم المادية وهشاشتهم المعنوية. فاليهود واليهودية كيانات خارج التاريخ الفعلي، أي انهما يعيشان ويفعلان وينموان ضمن حيز الانتماء التام لما قبل التاريخ الثقافي. إذ لم يتجاوزا مرحلة العرقية – الدينية (الأسطورية). وليست اليهودية المعاصرة سوى البقايا المتحجرة "للعهد القديم".

أما العرب فقد تجاوزوا في وجودهم التاريخي المراحل الأساسية الكبرى لتطور العرقية إلى الأمة الثقافية مرورا بالأمة الدينية والسياسية. وتمثلوا في صيرورتهم التاريخية والثقافية "الكلّ السامي" من كنعانيين وآشوريين وبابليين وفينيقيين وكثير غيرهم بعد أن صهروهم في بوتقة الإسلام الثقافي. أي انهم تمثلوا ومثلوا الكتلة الحضارية التي أبدعت القانون والقيم المتسامية. إن اختلال تناسب القوى الحالية لغير صالح العرب ليس سوى لحظة عابرة. فالقوة اليهودية الصهيونية المعاصرة تشبه قوة الديناصور، التي هي "ضمانة" انقراضه. بينما يشكل ضعف العرب المعاصر أحد مصادر القلق الروحي الذي يحفزهم لاستعادة وحدة المصادر الضرورية لقوتهم، لاستعادة حلقات تكاملهم الوجودي والمثالي، والتصّير في أمة كاملة هي الأمة الثقافية، التي قطعت في مجرى تطورها مراحل العرقية والدينية والسياسية والاقتصادية. وهي مراحل قطعها العرب في الخلافة، مما جعل منهم أمة عالمية رائدة. وبانقطاعها (السياسي والاقتصادي) تدهورت إلى ما هي عليه الآن. وفي مجرى القرن العشرين استطاع العرب استعادة أجزاء هذه المراحل بصورة متباينة (السياسية والدينية والاقتصادية). إلا أنها مراحل ليست متكاملة في حلقات سلسلة متوحدة. في حين يفترض تكاملها إعادة ترتيب وحدتها على أسس الإسلام الثقافي والسياسة القومية والتكامل الاقتصادي. فهي المكونات الضرورية لتكاملها في أمة ثقافية في العالم المعاصر. حينذاك ستنهار اليهودية الصهيونية. وهو انهيار ينقذ اليهود أنفسهم من "التيه الإسرائيلي"، الذي لم يعد شتاتا جسديا (جغرافيا) بل وشتاتا روحيا رغم التجمع الحالي في فلسطين المحتلة. فهو تجمع لا يمكنه التخلص من عناصر الانغلاق والاستحواذ والغلوّ، التي لا يمكن تذليلها إلا عبر الانتقال من الأمة العرقية إلى الأمة الثقافية. ومن ثم فان العرب (بعد تكاملهم في أمة من جديد) هم الملجأ الأخير لليهود أنفسهم من اجل إرساء أسس ولادتهم الجديدة بهيئة أمة عبرانية عبر تخطي "عقدة السامية" والعداء لها. أي أن الحل الحقيقي بالنسبة لليهود كامن في استعادة الأمة العربية لكيانها الثقافي المتكامل، باعتباره أيضا وسيلة قطع الحبل السري بين اليهود واليهودية، بإرجاعهم إلى عبرانيتهم ودمجها في "سامية ثقافية" متحررة من عقد "العهد القديم" ونموذجها الصهيوني المعاصر.

***























"البروتوكولات" – الصورة المركبة للصهيونية الفعلية
"البروتوكولات" وتقاليد "قواعد العمل" المغلقة.


هناك مؤلفات لا يزيدها مرور الزمن إلا إثارة، والبحث إلا لغزا، والتنقيب والتعقيب إلا تعقيدا. فهي تبدو كالحفرة لا يزيدها الأخذ منها إلا اتساعا. وهي مفارقة لها معناها التاريخي وقيمتها السياسية وأثرها الفعال في الصراع الدائر بين مختلف القوى. ولعل "البروتوكولات الصهيونية" من بين أكثرها شيوعا. إذ مازالت تثير من حيث عنوانها ومضمونها ومغزاها جدلا أضفى عليه الزمن المزيد من الاثارة والتعقيد. وسبب ذلك يقوم في أن "البروتوكولات" تشكل بمجملها الصورة المركبة عن الاستعداد الذاتي لليهودية – الصهيونية، ومن ثم فهي الصورة المركبة للصهيونية الفعلية.

من هنا إثارة الشك الدائم حول صحتها ومحاولات البرهنة على أنها منحولة وأنها وضعت على لسان "حكماء" هم في الأصل من أعداء اليهود. وبالتالي ليست "البروتوكولات" سوى حلقة في سلسلة العداء لليهود وجزءا من تقاليد "العداء للسامية". وهي شكوك لها أسسها الشكلية والواقعية دعمت على الدوام بالمال والإعلام كجزء من معترك المصالح السياسية والاقتصادية والثقافية على امتداد فترة طويلة، شكل القرن العشرين بيانها ولسانها الحادين.

فقد شككت اليهودية الصهيونية على مدار قرن من الزمن بصحة "البروتوكولات"، ووجهت اتهاماتها المتكررة والمتنوعة ضد مختلف الدول والاقوام والحزاب والافراد. ففي بداية الامر وجهت اتهامها ضد القيصرية الروسية، بعد ذلك ضد قوات الجيش الأبيض الروسي وبالاخص على أثر هزيمته في الحرب الأهلية، ثم ضد الحركات القومية في أوربا والهتلرية بالأخص، ثم ضد العرب وأخيرا ضد الحركات الإسلامية. وهو "تطور" و"تبدل" في الاتهام يعكس ثباتا يشير إلى أن الطرف القائم وراءه هو هو نفسه. مما يعني، بان الوجه الآخر للقضية يقوم في أن اليهودية الصهيونية كانت دوما، وفي الأغلب لحالها، وراء التشكيك بمضمون "البروتوكولات".

وفي الواقع ليس هناك من قضية "فكرية" صرفت عليها الأموال الكثيرة من جانب اليهودية الصهيونية كما جرى صرفها على التشكيك بحقيقة "البروتوكولات" ونفي التهمة عن اليهودية الصهيونية باعتبارها الكيان القائم وراءها. وبما أن اليهودي لا ينفق المال جزافا، كما انه لا معنى لصرف المال على قضية "كاذبة" لهذا يمكن التوصل إلى أن وراء التشكيك الدائم بصحتها هدفا، وضعته "البروتوكولات" نفسها بعبارة بسيطة ومقتضبة يقوم فحواه في مسعى اليهودية الصهيونية للسيطرة العالمية.

أننا نعرف الآن حجم الأموال الكبيرة التي جرى صرفها من جانب اليهودية الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، من اجل كسب قضية دريفوس عام 1894 في فرنسا، وبعدها بعقود قليلة قضية ديليس في روسيا. طبعا إن ذلك لم يكن معزولا أيضا عن شعور الانتماء لليهودية، الذي بدوره كان محددا بثقل تقاليد الشتات والغيتو.

وقد ربحت اليهودية الصهيونية هاتين القضيتين ظاهريا عبر القضاء وفعليا عبر الصحافة والأموال (الرشوة). ووظفتها بالطريقة التي تخدم مساعيها الفعلية نحو بسط سيطرتها. وأدركت أثر نجاحها الكبير آنذاك أهمية وفاعلية الصحافة بشكل عام والمأجورة بشكل خاص، بحيث تحولت مهنة الصحافة وملكيتها إلى مركز اهتمام اليهود بها إلى جانب البنوك. مما أدى تاريخيا وفعليا إلى نشر عدوى الصحافة المأجورة على النطاق العالمي. فكما انهم "أبدعوا" تاريخيا "منظومة الربا" كذلك أرسوا أسس "الصحافة المأجورة"، التي يمكن اعتبارها صناعة يهودية خالصة.

أدى نجاح اليهودية الصهيونية في الاستحواذ على الصحافة المأجورة والدعم المالي (الرشوة) وبالأخص تجاه قضية دريفوس وديليس، إلى تعايش الوهم والواقع بحيث توقعت إمكانية الفوز الدائم بالعصا الموسوية الجديدة. لاسيما وأنها حصلت بعد ثورة أكتوبر عام 1917 على قوة إضافية هائلة جرى تجريبها بصورة تامة في روسيا بحيث رفعت الرقابة إلى مصاف المطلق بعد أن ركزت كل أجهزتها المباشرة وغير المباشرة بيدها. حينذاك قتلوا كل من طالت يدهم وطاردوا الآخرين بما في ذلك بعد هروبهم من روسيا بينما عملوا على "شطب" كل الأسماء التي كان يشم منها رائحة "العداء للسامية" من مفكرين ومؤرخين وأدباء وعلماء وشعراء. بل نراهم حتى الآن كما هو الحال بالنسبة لمحاولات بعض الكتاب اليهود "المحترمين" إخراج بوشكن وغوغل من قائمة الأدباء الروس الكلاسيكيين وذلك للشك بكراهيتهم لليهود!! بل انهم اعتبروا المفكر والمؤرخ الروسي الكبير للفلسفة لوسيف أ. ن "معاديا للسامية" على اثر مقال كتبه بعنوان "ما هكذا تعذب الحقيقة وتجلد" تعليقا على ممارستهم في المرحلة السوفيتية تجاه تاريخ الفكر والمفكرين، وطالبوا بإخراجه من "ميدان الثقافة"!

والشيء نفسه يمكن ملاحظته اليوم تجاه كل أحرار الفكر والإبداع الإنساني. وهو غلو يستمد مقوماته من خلو اليهودية بشكل عام واليهودية الصهيونية بشكل خاص من تقاليد العدل الأخلاقي والاعتدال العقلاني. كما انه ارتبط وما يزال يرتبط بالهامشية التاريخية والثقافية والقومية لليهودية الصهيونية. لهذا حالما تستحوذ على "المركز" فإنها تعمل أولا وقبل كل شئ على تهميشه وإفراغ بؤرته الثقافية الحية من حملتها، أي العمل المقنن من أجل تدمير المعارضة. وبما انه يصعب تنفيذ ذلك على الدوام بصورة مباشرة، بفعل محدودية اليهودية الصهيونية وخوائها الأخلاقي، لهذا تحولت الصحافة المأجورة إلى العصا الموسوية الجديدة لالتهام كل من تعتبره عدوا لها. وشأن كل ما هو هامشي في التاريخ الثقافي العالمي، عادة ما يفقتد للإحساس العقلاني والوجداني بقيمة الحدود الذاتية. لهذا نراها بعد ان ربحت القضايا المشهورة عن دريفوس في فرنسا وديليس في روسيا وسيطرتها المباشرة على مقاليد الحكم في روسيا السوفيتية، بممارسة أشد أنواع العنف المنظم ضد تقاليد "العداء للسامية" في روسيا وبالأخص ضد "البروتوكولات" وكل من يمسها ماديا ومعنويا. بحيث أصبح العثور على نسخة منها دليلا كافيا للسجن والإعدام! بل نرى اليهودية الصهيونية تكرر محاصرتها لهنري فورد على كتابه "اليهودية العالمية"، الذي كتبه تحت تأثير "البروتوكولات" ودور اليهود في الثورة البلشفية وكذلك تفحصه لتاريخ الماسونية اليهودية. واستطاع المال اليهودي (عبر المصرفي شابيرو) والصحافة المأجورة (عبر الصحفي برنشتين) بإقامة دعوى ضده عام 1927، اضطروه لدفع غرامة على مهاجمته لهم واستخراج حكما يقضي بمصادرة كتابه من الأسواق ومنع طباعته! وكرروا العمل نفسه في برن (سويسرا) في عام 1933 و1935 ضد {بروتوكولات الحكماء الصهاينة}، حينذاك جرى تحويل "المحاكمة" إلى مسرحية عالمية من خلال استدعاء وإحضار "صحفيين من مختلف مناطق العالم"، كما جرى تسخير الأرشيف السوفيتي (الروسي) لخدمة هذا الغرض. ونجحوا في أول الأمر على استصدار حكم بتغريم الناشرين للكتاب، باعتباره كتابا "منحولا وبلا معنى"! إلا أن استئناف القضية في المحكمة العليا عام 1937 ألغى الحكم السابق، واعتبر "البروتوكولات" كتابا سياسيا، ومن ثم يتمتع بكل الحقوق التي تبيحها حرية الصحافة. وذلك لأنه لا يحرض على القيام بجريمة!

كشفت هذه المحاولات والأحداث المرتبطة بها عن سهولة الحصول على أحكام بالمنع والمصادرة والتبرئة والاتهام وما إلى ذلك حالما يتعلق الأمر بالأفراد. كما أن من السهل أحيانا، في حال امتلاك الوسائل المناسبة، تشويه سمعة الأفراد والأحزاب والأمم والدول لزمن محدود، إلا أن من المستحيل حبس الفكرة أو قتلها، لا سيما إذا كانت الأحداث والمعطيات اليومية على مدار قرن من الزمن لا تدحض ما فيها فحسب، بل وتقدم الدلائل "الفاضحة" على أن ما تقوله صحيح. كل ذلك يشير إلى أن القضية هنا ليست فيمن كتب الكتاب وكيف ومتى ولماذا، بل فيما إذا كانت الأحداث العالمية والإقليمية والمحلية، الظاهر منها والمستتر تصدّق ما فيه أو تكذبه.

ولو أجملنا ما تتضمنه "البروتوكولات" في عبارة واحدة، فانها تبدو كالتالي: السعي اليهودي الصهيوني للسيطرة على العالم من خلال المؤسسات والدول والأحزاب والمال والدعاية والأعلام عبر استعمال كل الوسائل! وهي عبارة وجيزة تحتوي على كل شئ! لاسيما وان هذه المساعي لا تخرج في الإطار العام عن تقاليد "القوة الغضبية" ومخالبها، التي تشكل اليهودية الصهيونية أحد صيغها النموذجية في العالم المعاصر. مع أنها ليست الوحيدة. وليس مصادفة أن تكون غريزة السيطرة ناتئة بصورة مثيرة في المؤسسات والدول التي يشكل اللوبي اليهودي الصهيوني قوة فعلية (كما كان الحال في فرنسا زمن نابليون، وفي انجلترة قبل وبعد الحرب الإمبريالية الأولى، وروسيا بعد الثورة البلشفية، والولايات المتحدة بعد الحرب الإمبريالية الثانية ولحد الآن). لكنها سيطرة يستحيل تنفيذها بصورة تامة. والقضية هنا ليس فقط في ان ليس كل ما يشتهيه المرء يبلغه، بل ولمناقضتها منطق الوجود والتقدم نفسه. لان السيطرة الشاملة هو تدمير للسيطرة نفسها. غير أن هذا الحكم المنطقي لا علاقة مباشرة له بالقوة الغضبية (الغريزة)، لكنه يجبرها من خلال عقلنتها التاريخية ووضعها أمام الحقيقة القائلة، بان كل تقدم حقيقي يفترض إدراك قيمة الحدود الذاتية. إلا أن "منطق" اليهودية الصهيونية من حيث الجوهر هو اقرب إلى "قواعد العمل" النفعية الخالصة. لذا فهي لا تنطوي على عظة، وبالتالي فلا حكمة فيها!

أما مفارقة "الحكمة" في عنوان "البروتوكولات"، فإنها ليست اكثر من استهزاء بحقيقة الحكمة التاريخية ومنطقها الأخلاقي القائل، بضرورة الارتقاء فوق معايير الغريزة والعقل الماكر من اجل تأمل حقيقة الوجود، باعتباره عدلا وإخلاصا للمعاني الخالدة. بعبارة أخرى، إن ماهية اليهودية الصهيونية تقوم في افتقادها للحدود الذاتية. لهذا لا يتعدى "منطقها" في الأغلب قواعد العمل النفعية. من هنا ولعها بما سمته تقاليد الإسلام الفلسفية بحب الجاه والرياسة، أي حب الاستكبار والاستحواذ. وإذا كانت هذه الخصلة من صفات النفس البشرية الضيقة، فان همجيتها التاريخية المعتقة في اليهودية الصهيونية ارتبطت بالوجود الهامشي لليهود واليهودية.

إن اليهودية الصهيونية هي مركّب هامشي بالمعنى التاريخي والقومي والثقافي. ومع أنها جزء من التاريخ العالمي، لكنها على ضفافه. من هنا امتلاءها بعناصر الانعزال والغلوّ. وليس تركزّ المال الربوي في الواقع سوى الصيغة الجلية والخفية لهذه الهامشية التاريخية. ولم تؤد مساعيها المعاصرة "للانفتاح" على مجاري "العولمة" إلا إلى تعميق الانعزال والتطرف. وهذان بدورهما ليسا إلا الصيغة الاجتماعية والسياسية لتقاليد الغيتو والشتات اليهوديين، اللذين وجدا تعبيرهما أيضا في وحدة التمركز المالي والهامشية التاريخية. إذ ليس التمركز المالي والهامشية التاريخية لليهودية الصهيونية سوى المظهر الاقتصادي والثقافي للغيتو والشتات، اللذين وجدا منفذهما الوحيد في ميدان السياسة عبر الراديكالية بمختلف ألوانها ومظاهرها. وليست "البرتوكولات الصهيونية" في الواقع سوى أحدى الصيغ النموذجية للنفسية الراديكالية. من هنا سيطرة "قواعد العمل" فيها.

فمن الناحية التاريخية ليست "البروتوكولات الصهيونية" نموذجا فريدا في تاريخ الراديكاليات الباطنية والظاهرية. بل نستطيع القول، بان "البروتوكولات" هي مجرد صيغة نموذجية للذهنية اليهودية الصهيونية في إحدى مراحل تطورها، كما تجسدت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر الأوربي. لهذا نعثر فيها على صدى التقاليد "الثورية" و"الميكيافيلية" مخلوطة في توليفة قوامها نفسية الشتات والغيتو، التي تشكل الحركة الصهيونية تجسيدها التام.

فقد تزامن ظهور "البروتوكولات" مع المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في بازل عام 1897، ومع ازدياد حدة "المسألة اليهودية" التي شكلت قضية دريفوس عام 1894-1899 أحد مؤشراتها "الأوربية" آنذاك. وهي مؤشرات مشابهة من حيث محتواها النفسي والعملي لما في الكتابات التي كانت تصدر تحت اسم "الكاتيخيزيس" الواسعة الانتشار نسبيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوربا. وهي كتابات ثورية راديكالية استمدت اسمها من "الكاتاخيزيس النصراني"، أي علوم الدين، وبالأخص أصول الإيمان، التي تقابل في التقاليد الإسلامية "بقواعد العقائد". وهي قواعد حاولت تجسيد العقائد "النظرية" في خطوات "مدروسة" ومقننة ومنظمة "لما ينبغي القيام به" من اجل بلوغ الغاية.

ووجد هذا "الفن" انعكاسه وتجسيده في مختلف الثقافات والمراحل التاريخية، وبالأخص في الفرق الباطنية منها. لكن إذا كانت تقاليد الباطنية القديمة اقرب إلى الرؤية الفلسفية واللاهوتية، فان "قواعد العمل" المميزة لأوربا القرن التاسع عشر اتصفت بأولوية "العمل الفعال" من اجل بلوغ الأهداف السياسية والقومية أولا وقبل كل شئ. كما ارتبط أيضا بتطور الرأسمالية وردود الفعل المتنوعة عليها. من هنا ظهور "الصيغة الثورية" كما هو الحال في {البيان الشيوعي} وغيره. كما نعثر على نموذج روسي لقواعد العمل الثورية في كتاب نيتشاييف {كاتيخيزيس المناضل الثوري} (1869) ، الذي اتسم بنزعة راديكالية متطرفة من النظام القيصري القائم، وبنزعة فوضوية ضد الرأسمالية الآخذة في الصعود على خلفية القنانة التي ألغيت رسميا قبل ثمان سنوات. وهو كتاب قال عنه انجلس، الممثل الألمع آنذاك للفكرة الثورية، بان كل فصوله ترمي إلى ما يرمي إليه الفوضويون، أي إلى تخريب كل ما هو موجود، وبالتالي إشاعة الاضطراب والتشوش في العلاقات السياسية والأخلاقية. كما ظهرت "صيغ قومية" "لقواعد العمل" هذه، كما هو الحال على سبيل المثال بالنسبة لما يسمى "بالكاتيخيزيس البولندي"، الذي ظهر للمرة الأولى عام 1863، بعد تعرض الانتفاضة الوطنية للبولنديين ضد السيطرة الروسية إلى الهزيمة. اذ نعثر فيه على نفس الهواجس المميزة لهذا النوع من الكتابات، أي "تقنين" قواعد العمل الهادفة إلى زعزعة السيطرة الروسية عبر القيام بكل الأعمال التي تؤدي إلى هذه الغاية، مثل التغلغل في أوساط الفئات العليا للدولة والمجتمع، وشراء الأرض واستعمال الكذب والغش والخديعة والتملق وغيرها من الأساليب مازالت تخدم الهدف النهائي. وليس هذا بدوره سوى دفع الرذيلة البرجوازية إلى درجاتها القصوى. كما يظهر في الاتحاد السوفيتي "كاتيخيزيس اليهودي السوفيتي"، الذي صور اليهودي كيانا معاديا للسوفييت والروس ويتجلبب بلباس الاشتراكية والشيوعية لأجل محاربتها، واستعمال المظاهر الروسية لأجل تخريبها.

وعندما ننظر إلى "البروتوكولات" من حيث المظهر، فإننا نرى في "قواعد العمل" المقننة بين سطورها تجسيدا نموذجيا "للميكيافيلية" المطوّعة، أي الأيديولوجية العملية التي حصرت آراء ميكيافيلي في أسلوب مباشر يقوم في إعلاء شأن القاعدة القائلة، بان الغاية تبرر الوسيلة. وضمن هذه الإطار يمكن تحسس المعنى المستتر "للبراهين" التي حاولت أن تقدمها الدعاية اليهودية الصهيونية عن إيجاد الشبه بين كتاب {حوار في الجحيم} لموريس جولي (ت – 1879) الذي صور حوارا متخيلا بين ميكيافيلي ومونتسكيو من اجل إدانة سياسة نابليون الثالث في فرنسا آنذاك، وبين"البروتوكولات". وإذا كان هناك بعض ملامح الشبه بينهما، فان ذلك ليس دليلا على أن ما فيها هو "مجرد سرقة" من "حوار في الجحيم"، بقدر ما انه يشير إلى أن البحث في "ميكيافيلي" موريس جولي عن مصدر "البرتوكولات" هو توكيد غير مباشر على ما في ذهنية ونفسية اليهودية الصهيونية من نزعة "ميكيافيلية". لان "البروتوكولات" أيضا من ألفها إلى يائها تعمل حسب قاعدة الغاية تبرر الوسيلة. بل أنها جعلت من هذه القاعدة مبدأ شاملا ومنظما "لقواعد العمل" الصهيوني.

ففي "البرونوكولات" نعثر على مختلف الصيغ التي تصب ضمن هذه القاعدة وتعيد إنتاجها، مثل الفكرة القائلة، بان الأسلوب الأمثل لبلوغ الغاية يقوم عبر استعمال "العنف والإرهاب، لا بالمجادلات النظرية المجردة، انطلاقا من أن كل امرئ مشتهاه السلطة والجاه". أو أن يجري تصوير الحرية السياسية على أنها "فكرة مجردة، ولا واقع حقيقيا لها". ثم يجري النظر إليها باعتبارها طعما للمصيدة ينبغي إتقان استعماله. أو أن يجري التوكيد على انه كلما كان "الخصم المراد البطش به قد أخذته عدوى فكرة الحرية المسماة ليبرالية" كان ايسر السيطرة عليه. أو أن يجري اعتبار المال "القوة التي نسخت قوة الحكام من أنصار الليبرالية". وبما أن الوسائل كلها مبررة من اجل بلوغ الهدف فلا مانع من استعمال أي منها إذا كان مناسبا للحالة المعنية. من هنا يصبح ممكنا على سبيل المثال استعمال "الأهواء والمعتقدات الرخيصة، وما خف وفشا من العادات والتقاليد والنظريات العاطفية" والعمل على إثارة "التطاحن الحزبي". وذلك لان "السياسة مدارها غير مدار الأخلاق، ولا شيء مشتركا بينهما، والحاكم الذي يخضع لمنهج الأخلاق لا يكون سائسا حاذقا". أما الصفات التي يقال أنها من "الشمائل القومية العالية، كالصراحة في إخلاص، والأمانة في شرف، فهذا كله يعد في باب السياسة من النقائص لا الفضائل". وهي فكرة وجدت استمرارها "الطبيعي" في رفع شأن القوة إلى مصاف الحق. من هنا توكيد "البروتوكولات" على أن "حقنا منبعه القوة". من هنا كل فعل فيها "معقول ومقبول"، لان "النتائج تبرر الأسباب والوسائل". وبالتالي، فان من الضروري مراعاة "ما هو أكثر فائدة وضرورة بصورة اكبر من مراعاة ما هو اكثر صدقا واخلاقية". وحدد ذلك موقف "البروتوكولات" مما أسمته الأخذ بعين الاعتبار ما يكون عليه "جمهور الدهماء من طباع خسة ونذالة"، والعمل على استعمال "العنف في الأمور السياسية، ولاسيما إذا كانت أدوات العنف مخفية". بحيث اعتبرت "هذا الشر هو الوسيلة الوحيدة لبلوغ الغاية المقصودة من الخير". كل ذلك حدد "شرعية" و"أخلاقية" "استعمال الرشوة والخديعة والخيانة، متى لاح لنا أن بهذا تحقق الغاية". إذ في "السياسة يجب على الواحد المسؤول أن يعرف كيف تقتنص الفرص فورا". وهو أمر يستلزم على سبيل المثال "الأخذ بعين الاعتبار، ما عند الأمم من ذهنية خاصة بها وخلقها ونزعاتها". واستغلال كل ذلك بما يخدم الهدف النهائي إلا وهو بلوغ السيطرة. وهي صفات استمدت "البروتوكولات" نموذجها من الجزويت وسعت إلى تجاوز نواقص سابقيهم بهذا الصدد. وهي صفات تمركزت حول القاعدة الأساسية المتعلقة بتبرير الغاية للوسائل. هنا تصبح كل الأفعال مباحة مثل "الاستيلاء على الرأي العام"، و"الإفساد بين الأحزاب، وتفريق القوى المجتمعة على غرض"، وإثارة "الهزات العنيفة والانشقاقات والضغائن والأحقاد"، والعمل على "إبقاء الحرب بين البلاد المعارضة لنا وجاراتها"، على أن يكون ذلك "بألطف مقال، وانعم كلام، وارفع طراز في تلفيق الفتاوى القانونية"، والعمل على تسميم عقول الأجيال الفتية "بالمبادئ والنظريات الفاسدة". فما غير اليهود هو مجرد "قطيع من الغنم، ونحن ذئابهم". وافضل وسيلة لذلك هو الصحافة والإعلام والتعليم. إذ "لكي يتم تخريب جميع القوى التي تعمل على تحقيق الانسجام الفكري والتضامن الاجتماعي، من الضروري تفكيك حلقات المرحلة الأولى من هذا وهي الجامعات"، أما "تدريس الآداب والفنون الكلاسيكية (منذ عهد اليونان والرومان) وكذلك تدريس التاريخ القديم، فينبغي رميه واستبداله بتدريس برامج المستقبل". ومن الاستعراض المكثف السابق يتضح جوهر "البروتوكولات"، باعتبارها نموذجا كلاسيكيا "لميكيافيلية" القوى الانعزالية والمنغلقة، وتمثيلا نموذجيا لقواعد عملها.

فمن الناحية التاريخية والثقافية عادة ما تشكل نماذج "قواعد العقائد" النظرية الصيغة المقننة لنمو العقل العملي (أو الروح الأخلاقي)، على عكس ما هو مميز لقواعد العمل، التي عادة ما تشكل الصيغة المقننة لتوقف العقل العملي (الأخلاقي)، وبالتالي اندفاع قيمة العمل بحد ذاته إلى المقدمة وتحوله إلى المحك المطلق للحقيقة. وهو تحول عادة ما يؤدي إلى نفس النتيجة بغض النظر عن بواعثه الأولية. وذلك لأنه يغلق أمام الأفراد والجماعات إمكانية الاندماج الطبيعي في المجتمع ومعاناة إشكالياته الكبرى بوصفها جزء من نمو الوعي الذاتي التاريخي للأمم. وهو السبب الذي يفسر سر انتشارها السريع والواسع وسط "الاقليات" والهامشيين والحثالات الاجتماعية. وفي افضل الأحوال تبقى من نصيب النزوع الباطني وتقاليده الضيقة.

من هذا المنطلق يمكن فهم أحد الأسباب الجوهرية الكامنة وراء ظهور "البروتوكولات الصهيونية" باعتبارها الصورة المركبة عن اليهودية الصهيونية في أحد مراحل تطورها. إنها جسدت قواعد العقائد العملية للسبيكة المتصيرة تاريخيا من تلاقح الراديكالية اليهودية والباطنية الماسونية والصهيونية في مجرى محاولات اندماج اليهود، بكل ما رافق ذلك من عسر وتشويه، بالثقافة الأوروبية عند صعود الرأسمالية الكولونيالية والدولة القومية.






































الماسونية اليهودية الصهيونية – الثالوث الراديكالي للشتات والغيتو.


كان القرن التاسع عشر الأوربي قرن الراديكاليات السياسية من فوضوية وعدمية وشيوعية طوباوية واشتراكيات متطرفة وحركات إرهابية وماسونيات متنوعة تراكمت في مجرى تأمل نتاج ونماذج الثورة الفرنسية. وهي راديكاليات اشترك اليهود فيها اشتراكا فعالا، لأنها شكلت أسلوبا لاندماجهم الواسع الانتشار آنذاك في الثقافة الأوربية. كما كانت في الوقت نفسه استجابة لتقاليد الشتات والغيتو ونفسيتها الاجتماعية المنغلقة.

وقد صبّ اليهود في هذه العملية المعقدة إفرازاتهم في خميرة التيارات الراديكالية المتنوعة. وليست "البروتوكولات" سوى نموذج ونتاج لتداخل "منطق" الراديكالية و"باطنية" الماسونية في اليهودية الصهيونية. وهو تداخل كان يعكس التمظهر التاريخي لتقاليد الشتات والغيتو اليهوديين، أي وحدة الانعزال والتشرذم. وهي صفات ميزت نفسية الماسونية والصهيونية والراديكالية على السواء.

فقد تمثلت اليهودية الصهيونية تراث الماسونية وراديكالية الحركات الثورية، وبالأخص عناصرها الكبرى في "قواعد العمل" مثل العمل السري، والتنظيم المبرمج لهدم النظم القائمة، واتباع أسلوب التغيير الجذري، وأولوية العنف والقوة، والاعتماد على القوى المهمشة والهامشية، وادعاء العالمية والكونية في البرامج والرؤية. ولعبت هذه القواعد الست دورا تقدميا عميقا في تراث الراديكالية اليسارية والحركات الثورية (الاشتراكية والشيوعية) في أوربا. وهي قواعد يمكن العثور عليها في كل كراريس وبيانات الحركات الثورية الاشتراكية والشيوعية الأوربية ابتداء من ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى ثلاثينيات القرن العشرين.

غير أن هذه القواعد الست العامة صارت من الناحية الرمزية بمثابة ايام العمل الست التي تسبق يوم السبت اليهودي, وذلك ضمن آلية فعل الشتات والغيتو لليهودية الصهيونية الناشئة منذ بداية النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إلى أيام العمل الستة العادية من اجل التحضير للسبت اليهودي. لكن إذا كان العنصر اليهودي المندمج والساعي للاندماج في الثقافة الأوربية قد افرز بالضرورة عناصر الراديكالية في الحركات الثورية، فان التيار الذي بقي ضمن حيز اليهودية العنصرية وتقاليدها التلمودية استثمر نفسية الراديكالية وقواعد عملها ضمن هيكل الماسونية ونزوعها المنغلق من اجل تنفيذ مساعيه الخاصة للسيطرة (العالمية).

طبعا أن النزوع للسيطرة العالمية ليس جديدا أو أمرا غريبا. فقد كانت الإمبراطوريات العظمى والأديان العالمية والحركات الأممية تسعى جميعا للسيطرة العالمية. ثم أننا نعثر في التاريخ عموما على مساع حثيثة للسيطرة العالمية على مستوى الدين والدولة والحركات السياسية. ولا يخلو العالم المعاصر من هذه الظاهرة، التي تكشف عن ضيق أفق في رؤية الدولة، وعن جوهرية الله (أو الفكرة) في الدين، وجوهرية الغاية (المتسامية) في الحركات السياسية الأممية. ومن الناحية التنظيمية يمكن العثور في تقاليد الكاثوليكية على محاولات تجسيد هذه السيطرة، كما سعى الكومنترن (الاممية الشيوعية)، بعد ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، إلى تجسيدها استنادا إلى الفكرة الشيوعية (خارج الدين والقومية). والشئ نفسه يمكن قوله عن حركة الإخوان المسلمين كما وضعها حسن البنا في سعيه لما اسماه بالدورة العالمية لاستعادة السيطرة الشرقية بشكل عام والإسلامية منها بشكل خاص.

وبغض النظر عن الفشل الذريع أحيانا لهذه المشاريع والمساعي، إلا أنها تبقى تحمل في ذاتها إدراكا عميقا لمعنى الوحدة وأهميتها الإنسانية. أما سبب فشلها فيقوم في محاولاتها تطبيق نموذجها بهيئة بديل جاهز. بينما تفترض حقيقة الوحدة تطورا تلقائيا يؤدي بالضرورة، في حالة استناده إلى رؤية ثقافية عقلانية (معتدلة) في بناء الدولة والمجتمع والفرد، إلى تلاق متناغم في تنظيم شئون الدول والأمم وتقاربها المتناسق. أما الماسونية فقد تمثلت أساسا نفسية الراديكالية وتقاليدها المغلقة مما اسبغ عليها وعلى قواعد عملها طابع المؤامرة والمغامرة.

تأثرت الماسونية ودانت من حيث نشوئها لتقاليد الفرق النصرانية، التي تشكل اغلبها منذ بداية الحروب الصليبية وغزو فلسطين. ولعل أكثرها تأثيرا بهذا الصدد هي فرقة (فرسان الهيكل)، التي تأسست في نهاية القرن الحادي عشر بعد احتلال القدس. وهي فرقة تميزت بالصرامة والعزلة. ولعبت هذه الفرقة بعد تحرير فلسطين عام 1291، ورجوعها إلى أوربا دورا كبيرا في تأسيس "دولة داخل دولة". حينذاك اخذ دورها المادي والمعنوي في الازدياد، مع الاحتفاظ ببنيتها المغلقة وتقاليدها السرية. فقد ازدادت ثروتها الخاصة من خلال انتقال ثروات المنتمين إليها. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن المنتمين إليها من بين أرستقراطية وأمراء أوربا آنذاك، فمن الممكن توقع نوعية وكمية الثروة المتجمعة عندها، مما حولها في نهاية المطاف إلى "إمبراطورية" موازية "لإمبراطورية" البابا والألمانية المقدسة. وبغض النظر عن تعرضها لتدمير هائل زمن فيليب الرابع (الملقب بالجميل) ملك فرنسا عام 1307، إلا أنها استطاعت الاستمرار عبر فروعها في أسبانيا والبرتغال واسكوتلنده وغيرها من المناطق حتى القرن السابع عشر. بعد ذلك اندمجت بالحركة الماسونية ونقلت إليها "تاريخها" السابق ورموزها مثل المثلث والكأس ونجمة داوود (الهيكل) وغير ذلك من الرموز. كما نقلت إلى الماسونية أيضا قواعد عملها. والشيء نفسه يمكن قوله عن فرقة روزينكرايتس (الوردة والصليب)، التي شكلت إلى جانب (فرسان الهيكل) أحد أهم الفرق التي دخلت الحركة الماسونية في وقت لاحق. فهي الفرقة التي لم يعق اهتمامها بالباطنية والتصوف والطلسمات من انتماء شخصيات أوربية لامعة اليها نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ليينتس وديكارت. لكنها خلافا لفرقة (فرسان الهيكل) لم تتدخل بصورة مباشرة في الشئون السياسية ودنيا المال. لكنها كانت تدعو إلى ضرورة تحويل العالم عبر تكوين دولة واحدة ودين واحد بالقضاء على البابوية والكاثوليكية.

لقد جعلت الماسونية من اهتمامها بالمستقبل مقدمة نقدها للواقع، ومن نقدها للواقع ذريعة للثورة عليه. وهي قيم إنسانية عميقة من حيث طبعها المجرد، إلا أن خطورتها التاريخية كانت تقوم في إمكانية تحجرها "العقائدي" من خلال تحويل قواعد عملها ومبادئها الكبرى إلى جزء من لعبة المقامرة والمغامرة التي عادة ما تؤدي إليها الراديكالية المغلقة. وهي لعبة تصنع على خلفية الانغلاق "الأرستقراطي" أوهامها عند الشباب، ومغامراتها الخطرة عند الرجال، ومقامراتها الرذيلة عند الكهول. وليس مصادفة أن تظهر حينذاك "الرؤى المستقبلية" و"التنبؤات" كما هو الحال في رسالة ناسترداموس إلى هنري الثاني و"تنبؤات" باراسيلوس وكثير غيرها.

وتراكمت هذه الحصيلة في مجرى تعمق الشحنة الراديكالية والعقلانية، التي بلغت ذروتها التاريخية في الثورة الفرنسية. فقد قدمت الماسونية شعار الحرية والعدالة والاخوة للثورة الفرنسية، كما كان رجالها الكبار مثل ميرابو ومارات ودانتون وروبيسبير وسان جوست وغيرهم من اتباع الماسونية. كما دخل فيها في وقت لاحق كبار رجال عصر التنوير والإبداع الأدبي والموسيقي والسياسي مثل فولتير وديدرو وروسو وغوته وبايرون وغاريبالدي وبتهوفن ومادزيني وغيرهم.

ذلك يعني أن الماسونية تمثلت في مراحل صعودها التاريخي الشحنة المتراكمة للروح الثوري والراديكالي في مواجهة تحجر وتكلس "النظام العالمي" للكاثوليكية وأنظمة الحكم الاستبدادية. لهذا كانت بدائلها تتميز بالدفاع عن "المطلق" و"العالمي"، باعتبارها الصيغة الراديكالية في مواجهة الواقع والسعي لتغييره. وهي مواجهة أدت تاريخيا، وبالأخص مع انتصار الثورة البرجوازية وصعود أهمية ودور راس المال ودخول اليهود المتأخر فيها كجزء أيضا من محاولاتهم للاندماج في الثقافة الأوربية، إلى تحولها من منظمة "بنائين أحرار" إلى "هدامين أحرار". كما تحولت حركة "الفئات الدنيا" إلى حركة "الفئات العليا"، أي من حركة العمال إلى حركة الأرستقراطية. مما أفرغها من مضمونها الاجتماعي الأول وأخلى توجهها السياسي من حوافزه الاجتماعية الأولى، بينما أبقى على "قواعد عملها"، التي غذّتها لاحقا الراديكالية السياسية والأيديولوجية في غضون القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

لقد جرى هذا التحول التدريجي والراسخ في كافة المراكز الأوربية آنذاك. وتغلغل لاحقا في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في روسيا فقد كرر أيضا المسار الأوربي، ولكن بصورة مقلوبة. وذلك لأنه انتقال بلا تاريخ اجتماعي. على عكس ما كان عليه الحال في أوربا. إذ لم تكن في روسيا حركة "بنائين أحرار" وماسونية ثورية وتقاليد برجوازية وتنوير. لقد أخذت روسيا النموذج الماسوني بصيغته الأرستقراطية الجاهزة. لهذا نرى أول من يدخل فيها القيصر الروسي بافل الأول، ثم أخذت بالانتشار ماسونيات عديدة ضمت الكثير من رجال الإبداع الروسي في العلوم والآداب والفنون مثل تروبسكوي وغلينكا وبيستوجيف وتورغينيف وبوشكن وكارامزين وسوفوروف وكوتوزف وريبين وغريبايدوف وباكونين وسبيرانسكي. وهي شخصيات اغلبها أرستقراطية المنشأ دخلت الماسونية في بداية مراحلها. بعبارة أخرى أنها وجدت في الماسونية عناصر التقدم والتنوير. فمن المعلوم أن الماسونية ليس لها "طرقها" وحركاتها الاجتماعية المغلقة، بفعل غياب تقاليدها التاريخية والتطور الرأسمالي. لهذا سرعان ما ذابت في التقاليد الأوسع للراديكالية الثورية التي ميزت تاريخ روسيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى ثورة أكتوبر عام 1917.

أدت غلبة الراديكالية السياسية إلى بروز أولوية محاربة القيصرية والأرثوذكسية الروسية وظهور نقائضها في الاشتراكية والإلحاد. وهي توجهات استجابت لنفسية اليهودية الصهيونية التي تبلورت ضمن تقاليد الراديكالية الثورية في أوربا القرن التاسع عشر وبلورت بعض معالم "نظمها الفكرية" وأيديولوجياتها العملية. وفي هذا يكمن أحد الأسباب التي تفسر سر الخلاف الجوهري بين "الاشتراكية الروسية" و"الاشتراكية الأوربية" (الماركسية بالأخص) في الموقف من القوى المحركة للثورة والقائدة للبديل الاشتراكي.

فقد كان التيار الروسي إلى جانب الفلاحين انطلاقا من اعتبارهم القوة الاجتماعية الأساسية في روسيا والمكون الجوهري بالنسبة للتاريخ الروسي، بينما كانت الطبقة العاملة هي القوة الرئيسية بالنسبة للتيار الغربي. وهو خلاف يتضح الآن معناه ومغزاه التاريخي والسياسي. فقد كان الفلاحون هم مصدر الطاقة التاريخية لروسيا وقوة استمرارها كدولة وقومية وتقاليد مشاعية (الجماعة والشراكة)، بينما كانت الطبقة العاملة من حيث الكم والنوع جزء لا يمثل تقاليد روسيا الكبرى. وهو واقع أدى بالضرورة إلى صعود العناصر "الهدامة"، أو إلى أن يكون الوعي السياسي والنفسية الاجتماعية لحاملي الفكرة الثورة اكثر استعدادا لتقبل العناصر الهدامة في الفكرة الراديكالية. لاسيما وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن القوة السياسية القائدة للطبقة العاملة وأحزابها السياسية وممثليها الراديكاليين كانت في اغلبها يهودية الأصل والمشرب والمنزع. وكان سبب هذا الاستعداد القائم فيها للتحزب يقوم في ثقل اليهودية المتربية بتقاليد الشتات والغيتو بشكل عام وفي روسيا بشكل خاص.

فقد كانت نهاية القرن التاسع عشر أيضا نهاية الماسونية التقليدية واليهودية التقليدية. وعوضا عن الأولى ظهرت الحركات الراديكالية والثورية الاشتراكية، التي شكل اليهود اغلب قياداتها. وتحولت اليهودية إلى يهودية صهيونية ظهرت ملامحها الجلية والمنظمة و"الرسمية" في مؤتمر بازل عام 1897. وفي هذا يكمن أحد الأسباب الجوهرية في استجابة اليهودية الصهيونية للحركة الثورية وسيادة روح المغامرة والمؤامرة فيها. مما أدى بالضرورة إلى إفراغ طاقتها من عناصر الاعتدال والوحدة، حتى في اشد حالات الدفاع عنها نظريا. ووجد ذلك انعكاسه في تعمق الانغلاق الذاتي مع دعوى بالانفتاح كما وجد انعكاسه الصارخ بعد الثورة البلشفية في مختلف ميادين الحياة. والشيء نفسه يمكن قوله عن التناقضات التي ميزت الاشتراكية السوفيتية وأدت لاحقا إلى انهيارها.

أما عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين، فقد كانت تتضح اكثر فاكثر ملامح "تكامل" الماسونية مع اليهودية وخضوعهما غير المباشر للصهيونية الآخذة في النمو. وهو "تكامل" أثار حينذاك في الوعي الحكومي والسياسي في روسيا تحسسا جديا حول الخطر الكامن فيه بالنسبة لمصير روسيا والنظام القيصري والديانة الأرثوذكسية. وهو تحسس تنامى في إدراك جسدته الفكرة الأكثر انتشارا بين التيارات القيصرية والروسية القومية والنصرانية الأرثوذكسية في شعارات (القيصرية، الأرثوذكسية، الجماعة والتنوير) كبديل روسي لشعارات الليبرالية والإلحاد والتنوير البرجوازي والاشتراكي، الذي تلمست فيه القوى القومية الروسية ثالوثا ماسونيا يهوديا صهيونيا. وهو أمر بمكن تحسسه في "العثور" على "البروتوكولات" ونشرها في روسيا عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين، باعتبارها "وثيقة" تكشف عن خطر الماسونية اليهودية الصهيونية على المصالح الجوهرية لروسيا والعالم اجمع.

فما وراء نشر "البروتوكولات" يمكن تحسس الهموم المباشرة وقلقها من الأهداف والأحقاد الدفينة للماسونية اليهودية الصهيونية. وهو السبب الذي يفسر محاربة الحكومة المؤقتة بعد ثورة شباط 1917 لها ومصادرتها ومنع طباعتها بسبب انتماء الكثير من قيادتها للماسونية، بينما جرى تحريمها وتجريمها بعد ثورة أكتوبر عام 1917 بسبب يهودية الأغلبية الساحقة من قيادتها.

لم يكن إدراك مخاطر اليهودية الصهيونية فعلا طارئا برزت معالمه بعد نشر "البروتوكولات"، كما انه لم يكن محصورا في روسيا لحالها، بقدر ما كان له تاريخ عريق في الثقافة الأوربية. فقد تشبعت الثقافة الأوربية منذ القدم، وبالأخص بعد اعتناق النصرانية دينا، بعناصر الكراهية تجاه اليهود واليهودية. وهي صورة لها أبعادها الدينية واللاهوتية، التي لبست ملابسها المتلونة أحيانا مع "انتشار" اليهود في الشتات الأوربي. وقد اغلق هذا الشتات أبوابه على اليهود في المدن الأوربية برتاج العداء الديني. واصبح اليهودي رديفا ليهوذا بوصفه الرجل الذي أودى بحياة معلمه و"الحواري" الذي اغتال نبيه والمريد الذي خان شيخه، كما صورته الأناجيل. ولم يغير من هذه الصورة دخول "العهد القديم" في "الكتاب المقدس" للنصرانية والنصارى. على العكس! انه أدى إلى استفحال نفسية العداء. وهي مفارقة يمكن حل عقدتها استنادا إلى ما في "العهد القديم" من نفسية عداء متأصلة ومستفحلة تجاه "الآخرين". فهو "عهد" لا أمان فيه لغير نفسية العداء وكراهية الآخرين. وليس اعتباطا أن نظهر في أوربا القروسطية الصدى الاجتماعي لشخصية "اليهودي القذر" في القصص والحكايات والخرافات الشعبية. وحيكت حول شخصية اليهودي هذا مختلف الأساطير التي أجمعت على إبراز صفات البخل والغدر واعطشه لسفك الدماء وإلحاق الأذى بالآخرين والتخريب والدمار وما شابه ذلك من الرذائل. وظهر ذلك بوضوح في أسطورة اليهودي الشبح الذي يتصيد مع كلابه الفلاحين والبسطاء بين فترة وأخرى في غابات أوربا. فقد جعله الفرنسيون يقطن في غابة فونتين بلو، والجرمانيون في "الغابة السوداء"، والإنجليز في غابة وندثور. وهو شبح يظهر بين الحين والآخر ليرسل الموت على الحيوانات والوباء والأمراض على الناس. أطلقوا عليه أسماء متعددة مثل يوتاديوس (قاتل الإله) باللاتينية، ويهودي البندقية (صلاتيل بن سعدي). ونعثر على ذلك في مسرحية شكسبير الشهيرة "تاجر البندقية". وتوجت شخصية اليهودي هذه في الأسطورة الإيطالية النمساوية عما يسمى بألفية الصقيع. وهي أسطورة تحكي لنا عن كيفية ضمور صناعة النبيذ في المناطق الجنوبية من جبال الألب، بسبب الرياح الباردة التي ولدها ظهوره، التي استمرت لمدة ألف عام. وهي أسطورة ترمز إلى أن ظهور اليهودي في أي مكان مثله مثل البرد القارس لمدة ألف عام يقتل كل حي ولا يترك خلفه إلا الخراب والدمار.

وهي أساطير تعكس في رمزيتها إلى جانب عشرات غيرها الكيان المغلق لليهودي ودوره التخريبي في ممارسة الربا، بحيث جعل منه في الذاكرة الشعبية لأمم القارة الأوربية شبحا متوحشا وموتا باردا. وهي صورة يسهل توظيفها سياسيا مع كل تأويل بسيط لأحداث هي بحد ذاتها عادية وطبيعية، كما هو الحال بالنسبة لنشر الوثائق المنسوبة إلى حاخامات اليهود (السندريون) الذين نصحوا يهود أسبانيا في عام 1485 الذين اكرهوا على اعتناق النصرانية غصبا، بان يعلموا أبناءهم مهن التجارة والطب ودخول الكنيسة من اجل إلحاق الضرر بالنصارى. إذ حتى في حال افتراض صحة ما تقوله هذه الوثائق، فانه رد فعل طبيعي على محاولة تنصيرهم بالإكراه. وهو إكراه يؤدي بالضرورة إلى ردود فعل لا تتسم غالبا بالعقلانية والخير.

غير أن الصورة السيئة عن اليهود واليهودية المتراكمة تاريخيا في الوعي الأوربي الشعبي والسياسي تحولت بعد الثورة الفرنسية، وبالأخص يعد دعوة نابليون لمجمع الحاخامات باللقاء به عام 1807 إلى علامة مؤشرة على مكامن الخطر الدفين و"السري" في هذه القوة المنغقلة، التي وجدت منفذها إلى "دكتاتور" رفيع المستوى ومؤثر في السياسة الأوربية والعالمية آنذاك. وبغض النظر عن التأويلات العديدة لهذا اللقاء، إلا انه يشير من الناحية التاريخية إلى الصلة التي كانت تلمح إليها الكتابات التي حاولت البرهنة على أن اليهود يبيتون خطة مشؤومة على النصارى (الأوربيين). وهي "خطة" كانت تتراكم فعلا في نفسية وذهنية الشتات والغيتو في مجرى العملية المتناقضة لكسر قيود الانغلاق عبر مساعي اليهود للاندماج في الحركة الاجتماعية والثقافية وضغوط الفكرة القومية في القرن التاسع عشر.

لقد كان تاريخ المسيحية كله حتى القرن التاسع عشر تاريخ تربية العداء لليهود واليهودية. وفي الاثناء ذاتها فان تاريخ اليهود واليهودية تكلسا وانغلقا على نفسيهما مما أدى بالضرورة إلى حالة توجس خفي صنعت بحد ذاتها "خطة" الخروج من هذا المأزق. وهي "خطة" لم يكن بإمكانها التخلص عند اليهود من ضغط تقاليد الانعزال الذاتي. وبالتالي فان كل محاولة للاندماج من جانبهم كانت تؤدي بالضرورة إلى إبراز أسلوب جديد من الراديكالية. وهي راديكالية كان يصعب تذليلها حتى ضمن تقاليد اليهودية بفعل غلوّ اليهودية نفسها. وهو مأزق جديد أدى على خلفية التطور الرأسمالي وتحول المال الربوي اليهودي إلى رأسمال برجوازي وكذلك صعود الحركة اليهودية الصهيونية إلى تراكم الرؤية "المستقبلية"، القائلة بان "خلاص اليهود" ممكن من خلال السيطرة والاستيلاء على الآخرين. وهي ظاهرة أخذت تلوح للعيان في مرى القرن التاسع عشر على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والإعلامية. حيث بدأت تظهر ملامح اليهودية المالية (في البنوك) والإعلامية (في الصحافة) والسياسية (في الحركات الثورية والراديكالية)، أي في المرافق الأساسية الكبرى للحياة الاجتماعية.

حينذاك اخذ العداء لليهود واليهودية يتأطر نظريا وسياسيا وإعلاميا. ففي بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحولت ألمانيا (ذات الكثافة اليهودية العالية نسبيا آنذاك) إلى ميدان الهجوم الفكري الكبير على اليهود واليهودية. وهي معركة اشتركت فيها مختلف القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. فقد عرض ماركس في {المسألة اليهودية} وباكونين في {جدل ضد اليهود} مواقفهما الفلسفية السياسية من "المسألة اليهودية". وظهرت أبحاث متخصصة تتناول نفسية وذهنية اليهود وخطرها بالنسبة للعالم كما هو الحال في الكتب التي ظهرت في روسيا مثل كتاب برافمان {الهقال} عام 1869، كما ظهر في نفس العام كتاب {التلمود واليهود} 1879. بينما نشر عثمان بي (الاسم المستعار للكاتب ميللينغين) كتاب {احتلال اليهود للعالم} عام 1873 الذي طبع في بازل وترجم إلى الروسية وطبع فيها عام 1784. وهو من بين أوائل الكتب التي تحدثت بصراحة عما اسمته بخطط اليهود للاستيلاء على العالم، كما وضعوها في اجتماعاتهم السرية، التي عقدوها في مدينة كراكوف عام 1840. وبنفس الاتجاه سارت ما أطلق عليه {رسالة كريميه} المطبوعة عام 1874، التي تتحدث عما أسمته بخطط اليهود للسيطرة على العالم وإمكانية فوزهم في مساعيهم هذه. وسبقتها في هذا الإطار أيضا {رسالة سيمونيني} للكاتب الإيطالي باريل. كما وضع جملة من الكتاب الاجتماعين والمؤرخين ورجال الدين العديد من الكتب حول الموضوع نفسه كما هو الحال بالنسبة لكتابات أ. توسيل، غوشينو دي موّسو، ادوارد درومون، ورجال الدين النصارى مثل الأسقف ميران والأب شابو. كما نعثر على نفس الظاهرة والتقييم والحوافز في الأدب الروائي. ولعل رواية هيرمن غودشه (الاسم المستعار جون ريتكليف) التي ظهرت في ستينيات القرن التاسع عشر تحت عنوان {بياريتس – روما} التي ترجمت إلى الروسية وطبعت بعنوان {كلام الحاخام} تتحدث في أحد فصولها بعنوان "المقبرة اليهودية في براغ" عن كيفية اجتماع رؤساء اليهود في إحدى المقابر اليهودية في براغ ومناقشة الخطط والأعمال التي ينبغي القيام بها من اجل إحكام السيطرة على العالم.

أما في روسيا فقد اتخذت هذه الظاهرة أبعادا خاصة بسبب الموقع المتميز لليهود في تاريخ روسيا منذ بدايات القرن التاسع عشر حتى بداية القرن العشرين. فهو القرن الذي اختمرت فيه اليهودية الصهيونية وأفرزت أحد اكثر أشكالها المريعة عرقيا وسياسيا وثقافيا، والتي شكلت "البروتوكولات" انعكاسها غير المباشر و"توثيقها" المضاد. إذ لم تكن "البروتوكولات" في الواقع سوى الحصيلة المتراكمة من مواجهات "قواعد العمل" وذروتها النظرية بين اليهودية الصهيونية والمعارضة لها. وهي معارضة متنوعة المستويات والأشكال والنماذج.

فقد اتخذت هذه المعارضة في روسيا شكلا نظريا فلسفيا وتاريخيا ولاهوتيا وسياسيا وأدبيا اشترك فيها الفلاسفة والمؤرخين ورجال الدولة ومؤسساتها وأدباؤها وشعراؤها. فقد تناول قضية مخاطر اليهود بصورة محترفة مجموعة من الكتاب الاجتماعيين مثل برشكو ، بورينين، فيكوفسكي، برويتشكوفيتش، تينياكوف، سطاليبين (أخو سطاليبين المشهور)، مينشيكوف وباشماكوف وآخرين. كما كتب بهذا الصدد مؤرخي اليهودية والدين اليهودي مثل برافمان {الهقال} عام 1869، لوتوستانسكي {التلمود واليهود} عام 1879-1880، نوتوفتش في كتاب {حقيقة اليهود} عام 1895. وفي العام نفسه وضعت وزارة الداخلية القيصرية تقريرا سريا موسعا بعنوان {أسرار اليهودية} تناول كل ما له علاقة بعمل ونشاط اليهود بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاء بالقرن التاسع عشر، جمعت فيه كل المعلومات المتعلقة بنشاطهم ضد الدول التي أقاموا فيها. وهو تقرير نشره سليوزبيرغ كملحق ضن كتاب {أسرار حكماء صهيون- تاريخ كتاب منحول} الذي جمعه وقدم له اليهودي ديليفسكي وطبعه في برلين عام 1923. وفي نفس الاتجاه سار بحث المؤرخ برجيسلافسكي {السر العظيم للماسونية}، الذي اعيد نشره عام 1909 بعنوان {إفشاء السر العظيم للماسونية الإفرنجية}36. كما وجد تحسس وإدراك الخطر الذي يمثله اليهود بالنسبة لمصير روسيا انعكاسه في الإبداع الأدبي لعمالقة روسيا كما هو الحال عند بوشكن وبلوك ودستويفسكي وكوبرين. وجرى التعبير عن ذلك في روايات خاصة كما هو الحال عند الكاتب بيسيمسكي في رواية {البحر الهائج} وكريستوفسكي ف. في رواية {الظلمة المصرية} الصادرة عام 1881، وفاغنر ن. في رواية {عمل اسود} الصادرة أيضا عام 1881، وروايات شابلسكايا {شياطين القرن} (1909) و{الحمر والسود} (1911)37.

وقد صبت هذه الكتابات والأبحاث في خميرة الصراع الفعلي بين التيار اليهودي الصهيوني الصاعد في روسيا آنذاك وبين تيار القومية المدافع عن القيصرية المتهالكة من ثقل مشاكلها الكبرى وضعف قدرتها آنذاك على تقديم نظام قادر على هضم التنوع الهائل فيها وتسريع اندماج الأقوام والأمم في الإمبراطورية وتوظيف قدراتها بما يخدم مصالح الجميع. وهي إشكاليات كبرى كان يصعب حلها ضمن نظام الحكم الملكي المطلق، كما أنها كانت مستعصية في ظل الصعود القومي للأمم.

وقد كانت "البروتوكولات"، التي ظهرت عند تخوم القرنين التاسع عشر – العشرين، محاولة لتوليف السيطرة العالمية (في روسيا) والاستقلال القومي. من هنا تشوهها الذريع. غير أن "البروتوكولات" لم تكن توليفا نظريا مستندا إلى رؤية فلسفية عن مسار التاريخ بمعايير التقدم والمثل المتسامية، كما كان الحال بالنسبة لبرامج الحركات الاشتراكية آنذاك، بل كانت "قواعد عمل" مناقضة لها جرى استجماعها من تأمل تقاليد وأفعال ونفسية وذهنية اليهودية الصهيونية. لكن ذلك لا يعني أن اليهودية الصهيونية غير قادرة على القيام بذلك. على العكس! أنها أسيرة الاستعداد الذاتي للعمل وفق منطق هذه القواعد وروحها، التي وضعت تحت عنوان ليس له صلة بالحكمة. فهي ليست حكمة، بقدر ما هي قواعد عمل صهيون!





























دخول "البروتوكولات" إلى روسيا و"الخروج" الثاني لليهودية الصهيونية


من البديهي القول، بان لكل مدخل مخرجا. وفي حالات مستعصية يغدو المدخل هو أيضا مخرج. وهي حالة لفت دخول "البروتوكولات" إلى روسيا وخروجها من حيز المجهول إلى حيز المعلوم. فسواء كانت فرنسا مصدرها أم روسيا، فان ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئا، إلا وهو أن دخولها وخروجها يعبر عن حقيقة واحدة يقوم فحواها في أن "البروتوكولات" هي العصارة المتراكمة لقواعد العمل المميزة لتاريخ الماسونية اليهودية الصهيونية. أنها تعيد من حيث ملامحها الظاهرية وغاياتها المقننة أسطورة "الخروج" اليهودي الأول من مصر.

ففي "الخروج" الأول نرى ملامح الصورة الأسطورية التي تسعى لتبرير و"تقديس" كل الافعال الممكنة لليهود. وبغض النظر عن فجاجة هذه الاسطورة، إلا أنها تنتمي في الإطار العام إلى تقاليد المنطقة "السامية" وتراثها الفكري والروحي. وهو أمر جلي فيما يسمى "بالوصايا الموسوية" التي ما هي في الواقع سوى "سرقة" محسنة لأحكام وقيم أهل الرافدين ومصر وتقاليدهما العريقة. والقضية هنا ليست فقط في أن "موسى" مصري من حيث الاسم والتربية كما يقول كتاب "الخروج" نفسه، بل وفي جملة قيمه العملية والأخلاقية. لكنه حالما ينتقل إلى قيم اليهودية الدينية، فانه يأخذ بالابتعاد عنها للدرجة التي تجعله غريبا ومغتربا عن القيم الإنسانية الكبرى لتراث المنطقة.

إن "دخول" اليهود إلى أراضي مصر كان بحثا عن حياة افضل. كما انه "عبور" طبيعي للعبرانيين بين أراضي المنطقة. من هنا عيشهم الطبيعي فيها، الذي جعلهم، كما تقول التوراة، يتكاثرون جدا بحيث امتلأت ارض مصر بهم. مما أدى بفرعون مصر الذي "يجهل" تاريخهم إلى أن يتخوف منهم ومن أن يتحولوا إلى أعداء قد يساعدون من يهاجم مصر. وهو "شعور" له معناه التاريخي، الذي لا تفسير واقعيا له، سوى سيادة شعور الانغلاق العرقي اليهودي. وذلك لان "موسى" الذي رموه في نهر النيل ومنه دخل إلى قصر فرعون وتربى فيه، "يكتشف" يهوديته في اللحظة التي يرى فيها مصريا يضرب عبريا. بحيث يؤدي به ذلك إلى الانتقام من المصري وقتله. وهو شعور معقول ومقبول، لأنه ينم عن إحساس بكراهية الظلم. لكن لماذا لا يظهر هذه الشعور تجاه المصري المعذب، أو لماذا يكون قتل المصري مقابل ضرب العبري؟ وكيف يمكن لنبي كبير أن يسلك طريق القتل لكي "يراه" الله! كما كيف يمكن لله أن ينسى "شعبه" و"يتذكر" ميثاقه مع إبراهيم واسحق ويعقوب بعد أن سمع أنينهم؟! وفيما لو تركنا "حكايات العجائز" هذه كما كان يقول ابن حزم، ونظرنا إلى أبعادها النفسية والعقائدية التي بلورت شخصية اليهودي الصهيوني، فإنها تبرز عبر ملامح ما يمكن دعوته "بالرشوة العرقية" التي يتعامل بها اليهود مع "يهوه" أو بالعكس. فالأمر سيان، لان الإله القومي هو كقومه، أو بصورة أدق انه قومه. ومن ثم لا ألوهية فيه بالمعنى الدقيق للكلمة. لهذا نراه "يوزع" عليهم "ارض الكنعانيين والحثيين والاموريين والغرزيين والحوبيين واليبوسين" مقابل "غربتهم التي تغربوا فيها". وهي علاقة تتغلغل العقيدة اليهودية من خلال مطابقة اليهودي مع إلهه. من هنا فكرة "شعب الله". أما في الواقع فان لجميع الآلهة القومية والقبلية "شعوبها". كما نقول إن لكل شيخ قبيلته.

لكن حالما يجري تطويع هذه "الخديعة" المعبرة في الأغلب عن عقدة النقص، بما يخدم تقديس الرذيلة، آنذاك يصبح استعمال كل الأساليب الواقعية والخيالية ممكنا من اجل بلوغ الهدف. وأسطورة الخروج الموسوية هي نموذج "كلاسيكي" لها. فدلائل النبوة الموسوية، التي شكلت أسلوب القناعة الذاتية باختياره نبيا لبني اسرائيل ليست إلا رؤية يده برصاء ثم رجوع لونها الطبيعي. وهي "معجزة" ترمز بصورة غير واعية إلى الأعماق الدفينة لحرباء النفس اليهودية، أما أسلوب تجسيدها الفعلي من اجل "الخروج" من ارض مصر، أو بصورة أدق من اجل تبرير الاستيلاء على ارض فلسطين، فانه يمتثل كل قيم الخراب والتدمير الممكنة. فهي "معجزات" تتكون من ثماني حلقات تصنع في كلها وفي أجزائها نفسية وذهنية الخراب والتخريب. إنها تبدأ بالدعوة لتحويل مياه النيل إلى دم بحيث لا يستطيع أهل مصر شربه ولا الأسماك العيش فيه. ثم ملء النيل بالضفادع. ثم تحويل كل تراب مصر إلى بعوض وذباب، ثم تمويت مواشي مصر، ثم إصابة جلود المصريين بالدمامل، ثم تسليط البرد والنار، وأخيرا انتشار الجراد فيها. وهي "معجزات" تعبر عن النفسية اليهودية في التعامل مع "الخصم" بحيث يصاب ليس فرعون لحاله، بل "كل ارض مصر وكل مواشي مصر وكل ناس مصر وكل نهر النيل، وان تحرق أرضها وناسها وتجمد! وهي نفسية وذهنية لا تتعارض من حيث الجوهر عما هو موجود في "البروتوكولات"! بل أن العلامة التي ينبغي أن تميز اليهود عن غيرهم، كما يطالبهم موسى، من اجل "تجنب" غضب "المعجزات" هذه هو "الدم على الأبواب". وعندما "عجز" فرعون عن مواجهة هذه "المعجزات"، فان آل اسرائيل طالبوا مقابل "خروجهم" من مصر "فضة وذهب وثياب" واعتبروا "سلب المصرية" هدية إلهية! وليست هذه "الأحداث" سوى المقدمة التي توصلهم إلى "ارض الميعاد". بحيث "تأخذ الرعدة سكان فلسطين" و"يندهش أمراء أدوم" و"يرتجف أقوياء موآب" لكي "يصمتوا جميعا كالحجر"!

إن هذه الصيغة "المقدسة" للخروج اليهودي من "الغيتو المصري" هي ذات الصيغة التي وجدت انعكاسها في "البروتوكولات" من حيث كونها أسلوبا في التعامل مع "الأعداء". فعندما يبلور أشير غيزنبرغ (آحاد عام) أيديولوجية "التجمع والاقتحام" عبر استلهام "الخروج" الأول، فانه يقع بالضرورة في رغبة استعادة "المعجزات" الموسوية، أي يقع بالضرورة أسير نفسية وذهنية الخراب والتخريب، التي تجعل من كل الدمار الملحق بالآخرين "هبة إلهية". مما يجعل من اليهودي كيانا غريبا ومغتربا على الكل الإنساني وبالضد منه. وبالتالي يجعل من مساعيه لإنهاك الآخرين والاستحواذ على "الفضة والذهب والملابس" و"سلب المصريين"، أي من يعيشون بين ظهرانيهم فعلا "مقدسا". وهي نفسية وذهنية تجسدت في "البروتوكولات" على اكمل وجه بمعايير الدنيوية المعاصرة. وهو السبب الذي يفسر أيضا ظهور الكثير من المؤلفات والأبحاث التي حاولت البرهنة على وجود خطط يهودية صهيونية من اجل السيطرة على العالم. وهي "خطط" لم تتعد في الواقع ما هو مميز "للاستراتيجيات" الملازمة لعمل كل القوى الساعية للسيطرة، وبالأخص عند تلك التي تفوح منها رائحة النفس الغضبية. إننا نعثر عليها في مساعي النفس الإمبراطورية والدكتاتورية، التي لا تعني "عالميتها" سوى ضيقها القومي أو العرقي. وهي ظاهرة ميزت في القرن التاسع عشر الصعود الأوربي الكولونيالي. وليس مصادفة أن تصيب هذه العدوى النفس اليهودية الصهيونية، التي ترعرعت في ظل القومية الرأسمالية ومساعيها "العالمية". مما جعل منها قوة "ميتافيزيقية" المظهر وكوسموبوليتية الدعوى، بينما كانت في أعماقها الدفينة أسيرة الشتات والغيتو.

من هنا لم يكن بإمكان اليهودية الصهيونية أن تجاري هذه الازدواجية الفعلية في تاريخ القومية البرجوازية دون "ارض". وهو الشعار الذي رفعته الصهيونية إلى مصاف المطلق. ومن هنا ادعاءها بأرض "فلسطين" و"ارض عالمية". وهو تناقض إلى جانب عشرات غيره، جرى ملاحظته من جانب المؤرخين والسياسيين والأدباء والشعراء والفنانين. وكتب عنه الكثير. إلا أنها كتابات كانت تتراكم، شأن كل أبحاث من هذا النوع، في مسلة الذاكرة التاريخية. وشكلت بالتالي رصيدا للرؤية النقدية والعقائدية تجاه الموقف من اليهود واليهودية الصهيونية. وحالما ظهرت "البروتوكولات" للمرة الأولى عام 1895، فإنها مرت دون أن يلحظها أحد. وهو أمر لا ينبغي تفسيره بالضرورة على أساس عدم جديتها أو انتحالها أو أن الاهتمام بها جاء بعد اهتمام النظام القيصري بها بعد أحداث ثورة 1905 من اجل تشويهها ونسبة كل ما جرى إلى "اليد اليهودية" وما شابه ذلك.

أننا نعرف تاريخ و"مصير" الكثير من الكتب والمؤلفات والوثائق، التي "امتحنها" الزمن أحيانا لقرون من اجل أن تثبت صحتها وقيمتها وأهميتها بالنسبة للماضي والحاضر والمستقبل. وفيما يتعلق "بالبروتوكولات" فيكفي المرء التمعن في مضمون ورمزية عبارات سرجي نيلوس (1862-1929)، الذي يرتبط باسمه نشر "البروتوكولات"، والتي قالها عام 1911 بمناسبة الطبعة الثانية من كتابه {عظيم في حقير} الذي ضمنه {برتوكولات الحكماء الصهاينة}، من انه "في الوقت الذي نصفي نحن الروس فيما بيننا حساباتنا الصغيرة بالحديد والنار، فان "سرائيل" روسيا وأوربا المتجلبب بلباس الحركة الصهيونية سوف ينتقل إلى فلسطين، ومن هناك سوف يرمي علينا بجحافل المغول والتتر. حينذاك سوف يحرق الأخضر واليابس، بينما يجنّب نفسه من دمارها". ومهما تكن نوعية التأويلات الممكنة حول هذه الفكرة، فان أكثرها رمزية لا يقلل من شدة واقعيتها. أما في البداية، قبل أن يطبعها سيرجي نيلوس، فإنها مرت في غضون عقد من الزمن بدهاليز الصراع السياسي والدولي، الذي لازم الأحداث التاريخية في روسيا حتى ثورة 1905.

فمن بين أول الوثائق الصادرة باللغة الروسية، التي أشارت وتحدثت عن خطط اليهود في السيطرة وتخريب روسيا، التي شكلت "البروتوكولات" صداها اللاحق، هو التقرير الذي أعدته وزارة الداخلية (الشرطة السرية) عام 1895. وهو تقرير حاول تقديم صورة تاريخية عن سلوك اليهود وعلاقتهم بالدول التي قاموا بينها بدءاً من الحروب الصليبية حتى القرن التاسع عشر. وفي العام نفسه (1895) طبعت "البروتوكولات" للمرة الأولى. وهي رواية نقلتها لسلي فري في كتابها الصادر عام 1933 {المياه تجري صوب الشرق}J. Fry. Water flowing Eastwards.)) عن ستيبانوف (فيليب بتروفتش) قالها لها عام 1927. فقد كان ستيبانوف قبل الثورة قاضيا في محافظة تولا. وأشار في روايته تلك إلى انه حصل للمرة الأولى على هذه "البروتوكولات" من سوخوتن (اليكسي نيكولايفتش) وهو أحد المتقاعدين، الذي قال له بأنه حصل عليها من إحدى المقربات له. ولم يذكر اسمها الصريح. بل اخبره بأنها حصلت على هذه الوثيقة قبل مغادرتها باريس وجاءت بها إلى روسيا. وطبع منها ستيبانوف حسبما يقول مائة نسخة. إلا أنها كانت سيئة الطباعة وصعبة القراءة. واضطره ذلك لاحقا لإعادة طباعتها ثانية. وأنجز ذلك لكن دون الإشارة إلى السنة والمكان ودار النشر. وساعده في حينها أ. إ. كيليبوفسكي، الذي كان يعمل مراسلا خاصا عند الأمير سيرجي الكساندروفتش. ودفعت إلى المطبعة عام 1897، وطبعت تحت عنوان {البروتوكولات القديمة والمعاصرة للقاء الحكماء الصهاينة}. وبين طبعتها الأولى، حسب اعتراف ستيبانوف ورواية ليسلي فري، وطبعتها الثانية عام 1897، نشر ليتفين – آفرون اليهودي المتنصر عام 1896 رسالة بعنوان {بين اليهود} أكد فيها على ما اسماه بحبك اليهود للمؤامرات من اجل السيطرة على روسيا والعالم. وان هناك امرأة عثرت على وثائق غاية في السرية تتعلق بهذا الأمر.

أما هذه السيدة التي يجري الحديث حولها، فإنها يوليانه غلينكا (1844-1918)، ابنة أحد الدبلوماسيين الروس، الذي أنهى خدمته سفيرا للدولة القيصرية في البرتغال. وكانت يوليانه غلينكا من محظيات الإمبراطورة الروسية ماريا فيودوروفنا. وقد عرضت عام 1902 على مينشيكوف (1899-1918) أحد الكتاب الاجتماعيين والسياسيين القوميين الروس الكبار، الذي اتسمت بعض كتاباته بهجوم حاد ضد اليهود في روسيا، بنشر "البروتوكولات" في جريدة "نوفيه فريميا" (العصر الجديد)، إلا انه رفض ذلك معللا موقفه من أنها اقرب إلى المنحولة منها إلى وثيقة لها تاريخ بدء من سليمان حتى الآن!

إلا أن "البروتوكولات" أخذت بالظهور عام 1903 في جريدة "زناميا" (الراية) في أعدادها الصادرة ما بين الثالث والعشرين من شهر آب حتى السابع من شهر أيلول. وهي جريدة كانت يترأس تحريرها كروشيفان أحد ممثلي التيار القومي الروسي. ونشرها تحت عنوان {بروتوكولات اجتماع الاتحاد العالمي للماسونية الإفرنجية والحكماء الصهاينة}، أو {برنامج السيطرة اليهودية على العالم}. لكنه لم يشر إلى مصدرها، واكتفى بالإشارة إلى أن اصلها من فرنسا. وفي عام 1905 ظهرت من جديد بطبعتين متقاربتين زمنيا، الأولى على هيئة كراس مستقل بعنوان {جذر مصائبنا} في مدينة كيشنيوف، نشرها دي بوتمي، وهو شأن كروشيفان أحد ممثلي التيار القومي الروسي. وأشار في مقدمتها إلى أن ترجمتها أنجزت بتاريخ التاسع من كانون الثاني عام 1901. أما الطبعة الأخرى فقد قام بها سرجي نيلوس، عندما أدرجها ضمن كتابه {عظيم في حقير}. وقد ادرج "البروتوكولات" تحت عنوان مستقل أصبحت تعرف به، ألا وهو {برتوكولات الحكماء الصهاينة}.

مما سبق يتضح، بان تاريخ طباعة ونشر "البروتوكولات" استمر ما بين عام 1895 و1905، أي لمدة عشر سنوات. وطبعت تحت عناوين متنوعة هي {البروتوكولات القديمة والمعاصرة للقاء الحكماء الصهاينة}، و{"بروتوكولات الاتحاد العالمي للماسونية الإفرنجية والحكماء الصهاينة}، و{برنامج السيطرة اليهودية على العالم}، و{جذر مصائبنا}، و{أعداء الجنس البشري}، و{بروتوكولات الحكماء الصهاينة}. وفيما لو استثنينا التسمية الرابعة والخامسة، التي تظهر فيها مواقف الحركة القومية الروسية من اليهود بشكل عام والصهيونية بشكل خاص، فان العناوين الباقية متشابهة من حيث الشكل والمحتوى. أما التسمية التي أطلقها سيرجي نيلوس على "البروتوكولات" وانتشارها اللاحق، فانه ارتبط بقيمة الرجل وأثره الأدبي والروحي وكذلك ضبطه وتدقيقه اللغوي للنص بحيث تحول إلى مرجع وحيد لكل الطبعات اللاحقة وتراجمه إلى اللغات الأخرى.

كما اشتركت جميع الطبعات المشار إليها آنفا إلى الإقرار، بان فرنسا هي مصدر "البروتوكولات" وموطنها الأول. وانه جرى الحصول عليها من قبل امرأة. وما عدا ذلك اختلفت وتباينت الإشارة إلى مؤلفها. فقد نسبت إلى كل من "المحفل اليهودي الماسوني في باريس"، ثم إلى "المؤتمر الصهيوني العالمي الأولى"، ثم إلى هرتسل، ثم إلى أشير غينزبيرغ (آحاد عام). وهي إضافات لاحقة سعت لتحقيق مصدر "البروتوكولات" في مجرى دراستها وتشريحها ونقدها، الذي رافق الجدل الكبير حولها منذ ظهورها ولحد الآن.

وبغض النظر عن هذه الخلافات، فان الطبعات الروسية الأولى ما بين أعوام 1895-1905 تشترك جميعا في الإقرار بان مصدرها العام هو تنظيم يهودي ماسوني صهيوني. واتخذ هذه "التنظيم" لاحقا هيئة "المؤتمر اليهودي العالمي" و"ممثلي صهيون من الدرجة الثالثة والثلاثين" حسب مقاييس الرفعة المتبعة في المحافل الماسونية. أما التدقيق الوحيد الذي ينبغي إدخاله على هذا الاستعراض التاريخي الموجز فهو الشك بمدى صحة وصدق وجود طبعة 1895. لاسيما وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإشارة الأولى لها ظهرت عام 1927. ولم تشر لها أي من الطبعات التي تلتها لا في روسيا ولا خارجها، ولا حتى في مذكرات الفرنسي دي شايل (المطبوعة عام 1921) التي تحولت إلى أحد المصادر الأساسية الناقدة لسرجي نيلوس. ثم إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن "بعض أوراق هذه الطبعة" قدمت من "الأرشيف السوفيتي" بصفتها "وثيقة" استعملت في التحضير لإدانة "البروتوكولات" والبرهنة على أنها وثيقة منحولة أمام محاكمات برن عام 1933، في وقت كان الأرشيف السوفيتي خاضعا خضوعا مطلقا للسيطرة اليهودية، فان احتمال تلفيقها يبقى كبيرا للغاية. وهو احتمال فيما يبدو حددته محاولات البعض إيجاد الصلة "التاريخية" بين تقرير الشرطة السرية الروسية المقدم عام 1895 المتعلق بدراسة تاريخ اليهود وعلاقتهم بالدول التي قاموا فيها لبيان أسبقيتها على المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في بازل عام 1897. ومن ثم تخليص الصهيونية وايديولوجييها من تهمة تأليفهم وإلقائهم إياها في المؤتمر، كما وردت في القصة المروية من جانب بعض المؤرخين، الذين أوردوا حكاية "الهجوم المباغت" الذي قام به بعض رجال الشرطة السرية الروسية على المؤتمر والاستحواذ على وثائقه، التي شكلت "البروتوكولات" واحدة منها.

إضافة لذلك لم يشر أي من الشخصيات الكبرى ذات الصلة "بالبروتوكولات" مثل كروشيفان أو دي بوتمي أو نيلوس إلى ستيبانوف. ذلك يعني انه "شخصية طارئة" جرى في وقت لاحق تحويلها إلى "أداة" في الدعاية اليهودية المنتقدة للتهم الموجهة ضدهم بتأليف "البروتوكولات". وبالأخص في تلك المحاولات التي سعت للتدليل على إيجاد الصلة بين راجكوفسكي (رئيس جهاز الشرطة السرية الروسية في الخارج ومقره في باريس) ويوليانه غلينكا التي "سلمت" "البروتوكولات" إلى ستيبانوف وسوخوتن. إذ قام ستيبانوف بطباعتها بينما سلم سوخوتن نسخة منها إلى دي بوتمي وأخرى إلى نيلوس، كما سيجري الحديث حوله لاحقا.

ان رواية ستيبانوف المشار إليها آنفا ومذكرات دي شايل الفرنسي الأصل38،المنشورة عام 1921 بعنوان {سرجي نيلوس والبروتوكولات}، هما المرجعان الاساسيان، اللذان استندت اليهما المحاولات التي تسعى للبرهنة على أن الشرطة السرية الروسية والحركة القومية الروسية بشخصية "اتحاد الشعب الروسي" (أو ما يسمى "بالمائة السوداء") هما مصدرا "البروتوكولات" والقائمان وراء ظهورها وطباعتها ونشرها والدعاية لها.

وبغض النظر عن كل الاحتمالات القائمة وراء هذه المصادر جميعا وتأويلاتها المتعددة والمختلفة، إلا أنها تظل مصادرا خارجية وجزئية في نفس الوقت، مازال تاريخ نشر "البروتوكولات" وإعادة طبعها والتعليق عليها قد جرى قبل ذلك بعقدين من الزمن، ومرت من خلال موشور أربعة أحداث تاريخية جسام في حياة الدولة الروسية وهي ثورة 1905 وثورة شباط 1917 وثورة أكتوبر 1917 والحرب الأهلية حتى عام 1921.

لقد شكلت هذه الأحداث الغربال الذي صفى "البروتوكولات" العديدة، وأبقى على نسخة سيرجي نيلوس، باعتبارها الوثيقة التي مازالت تثير الجدل عن أسباب ظهورها ومؤلفيها ومصيرها.


















سيرجي نيلوس (1862-1929) و"بروتوكولات الحكماء الصهاينة"


إن المفارقة التاريخية التي لفت شخصية وحياة سيرجي نيلوس وأدرجته في فلك الولادة والموت المستمرين بسبب ارتباط اسمه بنشر "البروتوكولات" تعبّر عن مفارقة الحقيقة التي تصورها العبارة القائلة، بان الإنسان يولد باكيا وأهله يتضاحكون!

لقد أراد سيرجي نيلوس في "بكائه التاريخي" أن يوقظ في الروس مشاعر الخطر مما اعتقدته مميتا بالنسبة لهم كدولة وقومية ودين وثقافة، الذي وجده في "البروتوكولات". لكنه عانى شأن كل ولادة شقية من استهزاء الآمنين. وهي معاناة سجلها في الطبعة الأخيرة من كتابه {عظيم في حقير} وعن جده واجتهاده من اجل نشرها منذ عام 1901 حتى افلح للمرة الأولى عبر دمجها في الطبعة الثانية من كتابه الآنف الذكر. وكتب بهذا الصدد يقول، بان الله وحده يعلم ما هي الجهود التي بذلها منذ عام 1901 حتى عام 1905 من اجل طبعها لكي يوقظ السلطة والمجتمع ويثير انتباههم للخطر الذي تجمعت سحبه في سماء روسيا منذ زمن طويل، والذي ينذر بوابل أمطار مدمرة على مدنها وقراها وسهولها، روسيا المترهلة قبيل عام 1905 والمصابة بالجنون بعده. واعتبر طباعة ما اسماه "بالمخطوطة المشؤومة" مهمته الشخصية والروحية أمام أولئك الذين عندهم عيون تبصر وآذان تسمع من اجل أن يتسلحوا بالقوة والإيمان. وهي نظرة تراكمت في مجرى حياته وانتقاله من النزعة الدنيوية المتطرف إلى نقيضها.

فقد ولد سيرجي نيلوس عام 1862 في محافظة ارلوف. وكان أبوه من مالكي الأرض المتوسطين. وينحدر أجداده من أصول ليفلاندية (بلطيقية)، حيث انتقل جده من هناك إلى روسيا واستقر فيها عام 1778. وبعد إتمام دراسته الابتدائية اكمل دراسته الجامعية في جامعة موسكو في كلية الحقوق. أتقن لغات عدة وهي الفرنسية والإنجليزية والألمانية. وكان واسع الاطلاع على الآداب الأجنبية. وبعد إنهاء الدراسة الجامعية عمل في مختلف مناطق الإمبراطورية. وشغل منصب محقق في منطقة ما وراء القفقاس. لكنه اضطر للاستقالة بسبب مزاجه الحاد واعتداده بنفسه. بعد ذلك غادر روسيا إلى الخارج وعاش سنوات في فرنسا يتنقل بين صالوناتها ومدنها. ورجع إلى روسيا بعد أن أصيبت عائلته بالإفلاس. وهي حالة جعلته يعيد النظر بحياته السابقة وكذلك إعادة صقل سجاياه الشخصية. فقد اتصف سيرجي نيلوس بصفات حميدة عديدة اعترف بها أيضا أولئك الذين ناصبوه العداء والخلاف. منها انه كان إنسانا لامعا وموسيقيا موهوبا وفنانا وكاتبا. كما كان حلو الكلام عذبه، إضافة إلى تميزه بالنظرة الثاقبة والمواقف الراسخة والأصيلة. ووصفه البعض بالأصالة الروسية في المظهر والملبس والعيش والسلوك. فقد كان قوي البنية بعيون زرقاء عميقة وكبيرة ولحية بيضاء، يرتدي الملابس الروسية القومية، مشروح القلب للجميع بتواضع وإخلاص. بل كان سريع الاستجابة إلى طلب كل إنسان، جوادا حتى في اشد الظروف قسوة. وهي صفات شكلت العناصر الجوهرية في بناء شخصيته الروحية والدينية كما تجلت بكامل وضوحها بعد رجوعه من فرنسا واستقراره النهائي في روسيا.

حينذاك انتقل بصورة نهائية إلى سلوك الإيمان الأرثوذكسي الفاعل، وأعلن التوبة أمام الشيخ يوحنا كرونشتادسكي. بعد ذلك أخذ بالتنقل الى مختلف المناطق الروحية الروسية. بحيث قضي اغلب سني حياته متنقلا بين الأديرة. وتمرس روحيا للمرة الأولى في دير "ترويتسه سيرجييفو لافره" (ثالوث ضريح القديس سرجي)، ثم انتقل لاحقا إلى دير "اوبتنه بوستينا" (دير خلوة الجماعة) الذي زاره وأقام به مرات عديدة. وفيه كتب {يا دير الجماعة المجيد!}. واستوحى كتابه {على ضفاف النهر الإلهي} من النهر المجاور له (نهر جيزدوره). ثم أعجبه دير أفيريسكي في مدينة فالداي، التي أقام بها مرتين الأولى عام مدة وجيزة، بينما اقام بها في المرة الثانية لمدة أربع سنوات.

وشكلت المرحلة الممتدة من بداية القرن العشرين حتى ثورة أكتوبر ذروة إبداعه الأدبي والديني والسياسي. وما بعد ثورة شباط ثم أكتوبر عام 1917 أصبحت حياته تشردا متواصلا بسبب الضجة التاريخية التي أثارها نشره "للبروتوكولات"، التي اعد آخر طبعة لها قبل الثورة بقليل. لكنها صودرت قبل نزولها للأسواق بعد ثورة شباط، ثم تعرض بعدها للمضايقة بسبب عدائه للماسونية، واستكملت ثورة أكتوبر هذه المواقف بسبب عدائه لليهود والصهيونية. وما بعد ذلك اتسمت حياته بالتشرد والاختباء. ثم تعرض للسجن والتوقيف لفترات قصيرة الأولى عام 1924 والثانية عام 1927 وتوفي في الرابع عشر من كانون الثاني عام 1929 أثر نوبة قلبية عن عمر يناهز الثمانية والستين. أما زوجته يلينا اليكساندروفنا اوزيروفا (1855-1938) فقد عانت نفس المصير. حيث جرى اعتقالها عام 1937 وماتت في معتقل كوليما عاما 1938.

واندثرت آثار سيرجي نيلوس في روسيا السوفيتية اندثارا تاما وحرمت كتاباته بشكل عام، وبالأخص كتابه {عظيم في حقير} بحيث وصل الأمر أحيانا إلى الحكم بالإعدام على من يعثر بحوزته على هذا الكتاب. وجرى اعتبار كل كتبه من بقايا "الثورة المضادة" و"المائة السوداء". وهي التسمية التي أطلقت على حركة "اتحاد الشعب الروسي" القومية التي اقترب منها نيلوس وجدانيا.

كانت كتابات سيرجي نيلوس الأدبية والدينية والروحية نموذجا للإخلاص الوجداني لروسيا وتقاليدها القومية والأرثوذكسية النصرانية. وصور ذلك بأسلوب بارع في كتبه الأدبية كما هو الحال في {عظيم في حقير} و{على ضفاف النهر الإلهي} و{القدرة الإنسانية والعجز الإنساني} و{المقدسات المحجوبة}39. وليس مصادفة أن تعتبره الدراسات السياسية القومية المعاصرة، أحد المع المدافعين عن "روسيا المقدسة"، أي روسيا الأصالة القومية والأرثوذكسية، انطلاقا من أن كتبه جميعا كانت تهدف إلى إيقاد الشعلة الروحية للدولة الروسية والقومية الروسية بالشكل الذي يجنبها الوقوع في فخ الماسونية اليهودية الصهيونية. ومن ثم تخليصها من الفتن الداخلية عبر إيجاد العروة الوثقى في النظام القيصري والديانة الأرثوذكسية والتعليم الوطني (التنوير على الطريقة الروسية). وهي مهمة شكل كتابه {عظيم في حقير} الصادر للمرة الأولى عام 1903 نقطة الانطلاق الكبرى في شهرته، التي توجت عام 1905 عندما ضمّن الطبعة الثانية منه {بروتوكولات الحكماء الصهاينة}.

فعندما طبع {عظيم في حقير} للمرة الأولى، فان النظرة إليه جرت ضمن سياق الرؤية الروحية الأرثوذكسية لسيرجي نيلوس عن كيفية تجلي العظمة الإلهية وجبروتها في الأشياء الصغيرة. وهي رؤية كانت تتضمن في الإطار العام تصوراته عن ضرورة الإخلاص الديني باعتباره أسلوب الخلاص، وإلا فان النهاية آتية لا ريب منها، أي أن الابتعاد عن صراط الارثوذوكسية الروسية سوف يؤدي إلى الهاوية و"نهاية العالم". وهي أفكار أعجبت حينذاك الأميرة يليزافيثا فيودوروفنا، التي حاولت أن تجعل من نيلوس المربي والمرافق الروحي للقيصر. إلا أن مساعيها باءت بالفشل بسبب الصراعات القائمة آنذاك داخل القصر وحول العائلة المالكة.

وعندما أعاد طباعته عام 1905، فانه ادرج فيه "البروتوكولات" مع شرح لمقصوده من وراء ذلك. واخرج الكتاب بعنوان إضافي هو كالتالي {عظيم في حقير، أو المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة}. وقد أثار هذا العمل بعد فترة وجيزة من صدوره وعلى خلفية الأحداث التي رافقت وتلت الحرب الروسية – اليابانية وثورة 1905 ردود فعل سياسية وفكرية خطرة وعنيفة. وهو تزامن له "قدره التاريخي"، مما أدى إلى ردود فعل متضاربة جعلت من كتابه هذا مصدرا للاتهامات المتبادلة والتأويلات المتضادة للقوى السياسية المتصارعة. فعندما قرأه القيصر نيكولاي الثاني يعد أحداث ثورة 1905، كتب معلقا عليه "أي أفكار فضيعة! أي خطط جهنمية! أي تنفيذ دقيق لها! إن كل ما حدث في عام 1905 يؤيد ما جاء فيها، ومن ثم فلا شك بصحتها. ففي كل مكان نعثر ونرى الأيدي المخربة لليهود". وهو تقييم أراد حينذاك أن يضعه في سياسة الدولة تجاه اليهود، لكنه تنازل عنه لاحقا عندما عرضت عليه دراسة قام بها بصورة سرية سطاليبين عن منحولية "البروتوكولات". حينذاك كتب القيصر بأنه لا يرغب في بلوغ الغايات النبيلة بوسائل غير نبيلة، وان الشيطان ليس رفيقا للعمل الصالح! لهذا طالب بسحبها من التداول، بل وطالب باتخاذ إجراءات قاسية ضد كل من تسول له نفسه العمل استنادا إلى ما فيها. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن من اغتال سطاليبين ومن اعدم القيصر وعائلته كانوا جميعهم يهودا!

ومن الناحية الظاهرية جاء إعدام القيصر نيكولاي الثاني وعائلته عام 1918 والأحداث التالية "تطبيقا" حيا لما هو موجود في "البروتوكولات"! كما أن العثور على "البروتوكولات" المدرجة في كتاب نيلوس {عظيم في حقير} إلى جانب {الكتاب المقدس} و{الحرب والسلام} لتولستوي عند العائلة القيصرية بعد إعدامهم أعطى لها بعدا خاصا. وهو واقع سوف يثير بعد انتهاء الحرب الأهلية في روسيا تأويلات حادة بما في ذلك على النطاق العمالي.

أما قبل ذلك، أي بعد الأحداث الدرامية لعام 1905 ، فقد أثار {عظيم في حقير} و{البروتوكولات} منه بالأخص الانتباه لما فيه من طرفي معادلة خطرة وجد فيها سيرجي نيلوس "إمكانية سياسية محتملة". وهي معادلة عادة ما كان يجري تجزئتها من جانب القوى المتصارعة، بحيث اعتبره التيار الثوري واليهودي الصهيوني ممثلا للاتجاه القومي الروسي المتطرف ولجماعة "المائة السوداء" منه بالأخص. بينما اعتبره التيار القومي الروسي والدولتي ممثلا لحقيقة المصالح الروسية وانتمائها الروحي. بل أن البعض اخذ يرى في دمجه {للبروتوكولات} في {عظيم في حقير} بعدا روحيا خالصا، انطلاقا من أن تفسير مضمون "عظيم في حقير" و"البروتوكولات" خارج عقيدة سيرجي نيلوس اللاهوتية النصرانية الأرثوذكسية يؤدي إلى ابتذالهما. ذلك يعني أن {للبروتوكولات} في {عظيم في حقير} بعدا روحيا استند إلى آراء نيلوس عن "نهاية العالم" و"القيامة" حسب مفهومها النصراني. وبالتالي فان وضعه لاسم "المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة" ينبغي فهمه ضمن هذا التأويل، لاسيما وان نبوء ته عن مصير روسيا ونهاية تاريخها ومجي "المسيح الدجال" التي وضعها في كتابه الآنف الذكر قد تجسدت إثناء حياته! ومن ثم لا ينبغي النظر إلى "البروتوكولات" على أنها دعاية رخيصة أو مباشرة ضد اليهود واليهودية.

إننا نعثر في هذه التأويلات على صيغة جزئية ومذهبية ضيقة. ففي كل منها نعثر على جزء من الحقيقة والواقع. إذ لم يكن "عظيم في حقير" من الناحية التاريخية كما ظهر في طبعة 1903 والثانية عام 1905 مرتبطا بأحداث عام 1905 (الحرب الروسية اليابانية والثورة). كما أن نيلوس لم يكتبه للعائلة المالكة، وبالتالي لم يكن محكوما برؤيتها وذهنيتها ومواقفها السياسية. لقد كان نيلوس من المؤيدين المخلصين للنصرانية الروسية الأرثوذكسية، كما كان يقترب وجدانيا من التيار القومي الروسي الذي يرى في القيصرية النظام الأكفأ والاشمل والأسلم لروسيا كدولة إمبراطورية متعددة القوميات والثقافات والأديان. أما التأويل الذي حاول أن يجد في {عظيم في حقير} بعدا روحيا لاهوتيا، فانه يلامس الحقيقة لكن من أطرافها. فالأبعاد الروحية اللاهوتية في {عظيم في حقير} حقيقة لا مراء فيها. وبالتالي يصعب فهم حوافزه بدونها. لكن هذا الحكم يبقى واقعيا ضمن حدود طبعة 1903. أما في طبعة 1905، عندما جرى تضمينه "البروتوكولات" وإضافة "المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة"، فانه يكون قد أضفى عليه بعدا سياسيا ومستقبليا ليست "نهاية العالم وقيام القيامة" سوى غلافها الروحي وأسلوبها اللاهوتي.

وهو أمر يتضح بجلاء في طبعة 1911، حيث نراه يبدل العنوان السابق جزئيا وتظهر فيه إضافات هي {عظيم في حقير. المسيح الدجال ومملكة الشيطان على الأرض}. ثم يدققها ويحورها أيضا في الطبعة الأخيرة التي لم تر النور عام 1917، التي أخرجها بعنوان {قاب قوسين أو أدنى}. أما حرفيا في النص الروسي، فإنها "هنا قريب على الأبواب". وهي تسمية استقاها من الإصحاح الرابع والثلاثين لإنجيل متى. فهو الإصحاح الذي يتحدث عن كيفية خروج المسيح من الهيكل وحديثه لحوارييه عن آخر الزمان الذي يتهدم فيه كل شئ ولا يبقى حجر على حجر، بوصفها المقدمة اليقينية لبداية القيامة ورجوعه الثاني. وعندما طالبوه بالاستزادة شرحا عن "علامة" مجيئه و"انقضاء الدهر"، فانه رد على ذلك قائلا، بأنه سيأتي قبله الكثير ممن يدعي باسمه، كما ستقوم حروب ودعايات حروب، وستتحكم أمم برقاب أخرى، وتنتشر الأوبئة والأمراض والزلازل، وسيظهر أنبياء زور. لهذا لا ينبغي تصديق أي منهم وذلك لكثرتهم، كما لا ينبغي الاهتمام بما يقوموا به من عجائب وغرائب. بل في هذا كله ينبغي رؤية علامة مجيئه. حينذاك سيعرفون "انه قريب على الأبواب".

وهي نظرة وضعها سيرجي نيلوس في الـتأويل السياسي لرؤيته اللاهويتة الروحية في مجرى تأمل تجارب روسيا ما بين عام 1905 و1917. فقد ظهرت مشكلة "كإمكانية سياسية محتملة" قبيل ثورة 1905، و"قريب على الأبواب" قبيل ثورة شباط وأكتوبر 1917. وفيهما نعثر على حدس "القيامة" اللاحقة التي شاهد بأم عينيه وعايش حروبها عام 1905 الروسية – اليابانية والحرب العالمية الأولى عام 1914-1917، كما شاهد بأم عينيه المجاعات والأوبئة المترتبة عليها، كما شاهد كثرة "الأنبياء" و"المخلصين" و"المنقذين" لروسيا من بين مختلف الحركات السياسية الراديكالية، التي شكل اليهود آنذاك الأغلبية الساحقة في قياداتها. وهو ربط تلمسه نيلوس للمرة الأولى عام 1905 وتحسسه بقوة قبيل عام 1917. ومن ثم لم يعن "انقضاء الدهر" و"نهاية العالم" بالنسبة له رؤية تشاؤمية بقدر ما كانت رؤية "مستقبلية" هي اقرب إلى التنبؤات اللاهوتية. إذ لم يكن سيرجي نيلوس سياسيا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كان أديبا روحيا. لهذا كانت لاهوتيته المتسامية تعبير عن واقعية خشنة، اعتقد أنها الأسلوب الأمثل لإثارة انتباه القومية الروسية بشكل عام والسلطة القيصرية بشكل خاص. وأوضح موقفه هذا بجلاء في الشروح التي قدمها "للبروتوكولات"، عندما كتب يقول، بانه لم يتوقف اعتباطا ولم تكن نيته عابثة وراء الاستفاضة في تقديم شواهد الكنسية وتاريخ رجالها وتأملات الفلاسفة فيما يتعلق "بانقضاء الدهر" والخطر القادم "على الأبواب". كما انه حاول مقارنتها بما يقول هو نفسه مع إدراكه قدر نفسه المتواضعة مقارنة بهم.

لقد أراد من وراء مقارنته للأقوال والأفعال والشواهد أن يوحد عقل ووجدان الروح الإنساني الجامع، كما قال هو. فقد وجد في "خروج المسيح الدجال" مقدمة لعودة المسيح الحق، أي مقدمة للإصلاح الحق. فالجميع تقول بنهاية العالم. ويعترف بذلك الوثنية والفلاسفة والكنيسة والشعراء. ولا يخلو كل عصر من مشاعر ورغبات بالخلاص والإنقاذ. فالروح يتنفس وفي أنفاسه يوعدنا بمجيء الخلاص، كما يقول نيلوس. والكنيسة أيضا تقول بانتهاء العالم ومجيء الخلاص. وهي فكرة وضعتها الفلسفة النصرانية بعبارة مفهومة وصيغة مقبولة عما أسمته بظهور المسيح الدجال، أي ذاك الذي "يأتي" كذبا باسمه، ممتثلا تقاليد ونفسية "إنسان الرذيلة" و"ابن المهلكات". وهو كيان يرتبط في فلسفة النصرانية ولاهوتها بآل اسرائيل. وفي عالم اليوم يشكل اليهود القوة المركزة العالمية "لإنسان الرذيلة" و"ابن المهلكات"، كما يقول نيلوس. فهو يتباكى في الشتات ويدعو نفسه بالمطرود والمطارد والمظلوم، بينما يسعى للسيطرة والاستكبار والتجبّر. كما انه يسعى للسيطرة على العالم الذي مازال لحد الآن مجزأ إلى دول قومية قوية. إضافة لذلك أن هذا العالم في حالة سياسية ليس بإمكان الغيتو العالمي المدعو بآل اسرائيل التلمودي، ان يتحمل وزر حملها. لهذا يخطط بالطريقة التي تجعل من غايته النهائية في السيطرة أمرا ممكنا. وهي خطة عثر عليها للمرة الأولى عام 1901 في مخطوطة سلمها له أحد المقربين منه وهي "بروتوكولات الحكماء الصهاينة". وهي خطة يكشف التاريخ المعاصر وأحداثه لمن له بصر وبصيرة عن جديتها التي ينبغي تأملها بعمق، كما يقول نيلوس.

من هنا كان "التقاء" نيلوس مع السلطة القيصرية بعد أحداث 1905 "أمرا طبيعيا". كما كان افتراقهما أيضا أمرا طبيعيا بعد ذلك. وذلك لأنه وضع حدسه تجاه الخطر القادم والقريب "على الأبواب" بالصيغة التي أوحت للسلطة والمعارضة على السواء بهراء أرثوذكسي. وذلك لان "انقضاء الدهر" يعني "يوم القيامة" و"نهاية العالم" بالنسبة للجميع. وهو أمر عادة ما لا تتقبله اشد السلطات تدينا وإيمانا!! كما انه يثير استهزاء الملحدين! وهي مفارقة تحسسها سيرجي نيلوس في محاولاته نشر "البروتوكولات" وفي الموقف منها بعد أن حاربتها السلطة والمعارضة بطرق ومستويات مختلفة. وهي حالة أثارت مشاعر نيلوس التي نعثر عليها فيما أورده دي شايل في مذكراته التي كتبها بعد لقائه به عام 1910، التي عرضها في مقاله {سيرجي نيلوس والبروتوكولات الصهيونية} المنشور عام 1921. والشيء نفسه ينقله لنا زجيفانوف في كتابه {سيرجي الكساندروفتش نيلوس} المنشور عام 1936 حيث ينقل لنا شكوى نيلوس عام 1913 يصدد عدم وجود آذان صاغية لما كتبه بصدد "البروتوكولات"، وانه هناك من يقرأها وآخرون ينتقدونها، بينما يستهزئ البعض الاخر بما فيها. والقلة القليلة منهم من يهتم بها بصورة جدية، أي أولئك الذين يرون فيها مضمون الخطورة القائمة في سعي اليهود للسيطرة العالمية.

وجد سيرجي نيلوس في "البروتوكولات" خطة مرسومة ببراعة ووضوح عن سير ومجرى المؤامرة اليهودية الماسونية العالمية التي تتمثل طبيعة ونفسية "ابن المهلكات" في دفع العالم المنحرف عن صراط الاستقامة نحو الهاوية. وهي مخطوطة أكد له الشخص التي سلمها له، الذي يدعوه نيلوس بالمرحوم اليكسي (نيكولايفتش سوخوتن؟)، بأنه استلمها من سيدة (يوليانه غلينكا؟) استطاعت سحبها (أو انتشالها) من أحد الرؤساء في المحفل الماسوني الإفرنجي بعد أحد اجتماعاته السرية في فرنسا، هذا الوكر اليهودي للمؤامرة الماسونية الإفرنجية كما يدعوه نيلوس. وهي مخطوطة كانت تحمل عنوان "بروتوكولات الحكماء الصهاينة"، التي رغب في أن يقدمها لكل من له عين وسمع وفؤاد. واستطاع طباعتها للمرة الأولى في الطبعة الثانية من كتابه {عظيم في حقير. المسيح الدجال كإمكانية سياسية محتملة}. حينذاك كان الحريق الروسي قد يلغ الذروة، الذي سمي مغالطة بالحركة التحررية، كما يقول نيلوس. وهي أحداث أقنعته ورسخت يقينه عن صحة "البروتوكولات"، وأنها ليست موضوعة أو منحولة.

ويستطرد نيلوس قائلا، بان إلقاء نظرة سريعة على "بروتوكولات اجتماع الحكماء الصهاينة" يوصلنا إلى أنها شبيهة بما تعودنا عليه من الأمور والأحكام والآراء العمومية. لكنها "عموميات" من طراز خاص ونمط غير مألوف. أنها تطفح بالحقد والغطرسة القاسية المغروسة في أعماقهم حتى نخاع العظم والمتموجة خفية وراء تاريخهم القديم، متغذية من أصولهم العرقية. والأرذل من ذلك هو تجلببها بلباس الدين. اذ نعثر في البروتوكولات على كل الروائح الكريهة التي يثرها السعي للأخذ بالثأر والانتقام المتباهي بقرب شفاء غليله.

كما أشار نيلوس إلى ما اسماه بالتناقض الجلي بين العنوان والمضمون. ففي عنوانها إشارة الى أنها "بروتوكولات" عن "اجتماع"، بينما هي اقرب إلى الخطاب الذي يلقيه شخص متنفذ. ثم أنها تنقسم إلى أجزاء ليست دوما مربوطة بصورة منطقية فيما بينها. مما يوحي بانطباع عام عن أنها أقسام أو أجزاء من كلّ واحد يفتقد إلى بداية واستطرادات داخلية أما أنها ضائعة أو لم يتم العثور عليها. ووجد نيلوس سبب ذلك في مصدرها اليهودي الماسوني، وفي عدم قدرتها على تجاوز ما قال به المسيح وأكدته تقاليد الكنيسة عن أن أعمال وأقوال "الدجال" هي تقليد مبتذل ومحاكاة زائفة لعمل المسيح الحق. كما أنها لا تخلو من خائن على نموذج يهوذا. وجعل نيلوس من هذه الرؤية اللاهوتية النصرانية أسلوبا لتحديد موقفه السياسي مما اسماه"بالإمكانية السياسية المحتملة" لظهور "ابن المهلكات" أو "آل اسرائيل" أو اليهودية الماسونية. فهي كلها مظاهر وأسماء معاصرة "للدجال".

من هنا موقف نيلوس القائل، بان يهوذا "الدجال" من وجهة النظر الدنيوية والإنسانية، الذي أفشى بسر مولاه لا يبلغ مرماه حتى في حالة سيطرته العالمية. لأنها سيطرة مؤقتة حتى في حالة شمولها التام. بعبارة أخرى، إننا نعثر في آراء نيلوس ومواقفه على محاولة رمزية لربط المكونات المتناقضة للإشكالية الفعلية القائمة آنذاك أمام روسيا، التي وجد فيها مقدمة "نهاية العالم" وبداية السيطرة اليهودية الصهيونية العالمية. من هنا قوله، بان العاذلين، وهم على حق، قد يقولون بان ما يقدمه لهم من وثيقة لا تتعدى كونها وثيقة بالهيئة، بينما لا أحد يعرف مؤلفها، كما لم يقل أي فرد أو جهة بتأليفه إياها. وهو اعتراض رد عليه نيلوس قائلا، بأنه لو كان إثبات صحتها قانونيا، لأدى ذلك إلى إماطة اللثام عن وجوه أولئك الذين يمسكون بخيوط المؤامرة الدموية العالمية. ثم لأدى ذلك أيضا إلى كشف المحجوب، وبالتالي خرق ماهية السر والمعنى القائم فيما اصطلحت عليه التقاليد النصرانية بظهور "ابن المهلكات". بينما تقتضي فراسة المؤمن رؤية ما يجري حوله من أحداث محلية وعالمية للتيقن من صحة ما فيها. لان من له سمع وبصر، فانه يرى ويسمع أمورا هي اقرب إلى الجلاء. بعبارة أخرى، لقد أراد سيرجي نيلوس القول، بان الأمور الجلية حالما تصبح مادة للجدل والشكوك، فإنها تكف عن أن تكون جلية. بينما هو يقدم للقارئ من أفراد وجماعات ومجتمع ودولة رؤية طبيعة القوة الآتية، الواقفة "على أبواب" روسيا والعالم من اليهود المندفعين بإيمانهم الكاذب والموجهين من قبل الكتبة والفريسيين.

وقف سيرجي نيلوس في مجاراته لهذا الأسلوب في التعامل مع القضية أمام حالة حرجة. وذلك لان الذهنية اللاهوتية في حال اخذ براهينها كما هي، فإنها تضع المرء بالضرورة أمام إشكاليات تأملية، بينما شكلت مسالة السيطرة ونموذجها المتميز في اليهودية الصهيونية ظاهرة تاريخية لها مقدماتها ونتائجها. وهي ظاهرة لا تتعارض من حيث الجوهر مع الرؤية اللاهوتية التي تنظر إلى بداية التاريخ ونهايته بمعايير الأخلاق المتسامية وفكرة الخلاص المبنية على قيم العدل المجرد. وهي فكرة تشاطرها من حيث الحوافز والغايات اشد الرؤى ميتافيزيقية وأكثرها واقعية. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم لماذا كان شديد اليقين، بان "نهاية التاريخ" أو سيطرة "ابن المهلكات" (اليهود) لا يعني سوى المقدمة التاريخية للرؤية المتفائلة، كما وضعها في عبارته القائلة، بان ما هو مستحيل بحق الإنسان ممكن بحق الله، وما هو مستحيل بحق العالم ممكن بحق روسيا!

ولم يقصد نيلوس بعبارة روسيا المؤمنة سوى "روسيا المقدسة"، أي تلك التي يستظهر وجودها عن إيمان عميق والتزام خالص بتقاليدها القومية الأرثوذكسية ونظامها القيصري. وبهذا فقط تصبح روسيا العروة الوثقى والملجأ الأمين والقلعة الحصينة للعالم أمام إعصار اليهودية الصهيونية القادم، كما يقول نيلوس. وهو إعصار تراكم في مجرى تجارب الغرب الأوربي، التي أدت إلى الابتعاد عن حقيقة النصرانية وتخريبها ماديا ومعنويا. مما أدى بها إلى ممارسة تجريب دائم واستبدال آلهة بأخرى وعبادة أصنام جديدة وهدم ما لم تنجز بنيانه بعد. وهو أمر يؤدي بالضرورة إلى فقدان الموازين، مع ما يترتب على ذلك من سحب للنظم الدستورية والنيابية والجمهورية ورميها إلى هاوية الحروب العالمية والخراب والفوضى. كل ذلك يضع أمام روسيا مهمة الاستيقاظ ورؤية الخطر الذي تمثله الماسونية اليهودية الصهيونية. فهي المسيح الدجال الذي يطرق أبوابها منذرا بالخطر المحيط بها. لاسيما وان الأسباب مفهومة والغاية معلومة، كما يقول نيلوس. لذا ينبغي على روسيا أن تتبين حقيقة الأمر وتستعد أمام الخطب. فمن المعلوم انه كلما ازدادت المصاعب والمصائب تشتد عزيمة الرجال، لان القلوب العامرة بالحياة والعزم لا يدخلها اصفرار الخوف والوجل.

ووضع نيلوس هذه المقدمة النظرية اللاهوتية الفلسفية في أساس موقفه المباشر من تاريخ "المسألة اليهودية" ومساعيها للسيطرة العالمة، بدءً مما قبل التاريخ وانتهاء بالغيب المجهول. حيث نظر إلى تاريخ السيطرة نظرته إلى "طبيعة" خاصة باليهودية الصهيونية نفسها. إذ اعتبر الكيان اليهودي كينونة دائمة للنفس الصهيونية، التي لم تعن بالنسبة له سوى الصيغة الملموسة "لابن المهلكات"، أي للخراب الدائم في الوجود التاريخي للأمم. من هنا يمكن فهم موقفه من أن مساعي اليهود للسيطرة العالمية هي ليست نتاج المرحلة المعاصرة بقدر ما أنها لها تاريخها العريق بدء من سليمان وانتهاء "ببروتوكولات الحكماء الصهاينة". أنها سلسلة واحدة ذات حلقات متراكمة ترسم بصورتها المجردة ما دعاه نيلوس "بالثعبان الرمزي". وهي تسمية أخذها من "البروتوكول الثالث". وهو ثعبان تشكل "الحكومة اليهودية" رأسه واليهود جسده. انه "ثعبان" يلتهم في زحفه أجساد الدول والشعوب والأمم. وينمو على قدر التهامه لها. وهي عملية مستمرة ما لم تنته دورته التامة بالرجوع إلى صهيون واحتلالها.

وهي مسيرة يسعى اليهود من خلالها لإحكام سيطرتهم على العالم. وشكلت أوربا بالنسبة لهم نقطة البداية. ومن خلالها سعوا ويسعون لتوسيعها وإحكامها على الآخرين. ولم تعد هذه السيطرة محكومة كالسابق بالقوة المباشرة، لأنه ليس عند اليهود ما يكفيهم من القوة البشرية لتنفيذ ذلك، بل بالمال والإعلام. ويستعملون لذلك كل الأساليب الممكنة والمتاحة من اجل إثارة المشاكل والصعوبات الاقتصادية وتخريب الدول وإفساد الأخلاق. ولا يتحرجون عن استعمال كل وسيلة وذريعة وبالأخص المال والنساء. ومن اجل ألا يعرف الأفراد والجماعات والأمم والدول بخططهم هذه، نراهم يلجئون إلى أساليب العمل السري والمؤامرة. وان تاريخ اليهود من أوله إلى آخره هو تاريخ المؤامرة والخديعة. فقد زحف "الثعبان الرمزي" في مجرى التهامه للأمم والدول ثماني مراحل قبل أن ينتقل إلى فلسطين،التي ستشكل بالنسبة لهم مصدر تصدير القلاقل والتخريب والاستحواذ والالتهام مع البقاء في مأمن من ردود الفعل المباشرة. وكانت هذه المراحل الكبرى "للثعبان الرمزي" هي كالتالي
المرحلة الأولى في اليونان عام 429 قبل الميلاد زمن بركليس.
المرحلة الثانية في روما زمن اوغسطس قبل ولادة المسيح.
المرحلة الثالثة في مدريد عام 1551 زمن حكم كارل الرابع.
المرحلة الرابعة في باريس زمن لودفيغ الرابع عشر
المرحلة الخامسة في لندن عام 1814 بعد سقوط نابليون
المرحلة السادسة في برلين عام 1871 بعد الحرب الفرنسية – البروسية
المرحلة السابعة في بطرسبورغ عام 1881
المرحلة الثامنة في اسطنبول كما تجسدت في حزب الاتحاد والترقي. وهي مرحلة ما قبل الانتقال إلى فلسطين.

ومن اجل بلوغ أهدافهم سعى الرأس اليهودي إلى عزل اليهود عن آخرين وتسميم عقولهم بسخافة "الشعب المختار" و"قيادته للعالم" وانهم "أبناء الله" وماعداهم حيوانات بأشكال بشرية. وعمق "القهال" انعزال اليهود بعد أن اتخذ أشكالا عديدة في ترسيخ وتنظيم الانعزال على شكل "هيئات" و"مجالس" و"مراكز" وما شابه ذلك. وجرى تربية اليهود على قاعدة "أن حياة الآخرين وأموالهم ملك لكم". إضافة لذلك أن المؤسسة الدينية لليهود تبرر كل الجرائم التي يرتكبونها أو يمكن ارتكابها عبر "تبرئتهم" منها كل رأس سنة! كما استعملوا "العداء للسامية"، الذي نصبوه هم أنفسهم فخا لصيد الآخرين. وجعلوا منه زيتا يصبونه على نار الصهيونية من اجل توثيق عرى اليهود واظهارهم شعبا واحدا مطاردا من اجل إثارة التعاطف معهم. وبهذا الأسلوب يصنعون عملاء متعاطفين معهم. كما "يربون" في نفس الوقت "كلاب" العداء لهم من اجل "جمع خراف اليهود في حضيرة صهيون". أما الآن وبعد أن جرى تشكيل "الاتحاد الصهيوني العالمي"، فانهم يكونوا قد أماطوا اللثام عن "عالمية" مساعيهم الخفية للسيطرة. واصبح استعمال الوسائل الأكثر فعالة في مد جذور السيطرة إلى كل مكان من خلال الذهب والعملة الذهبية العالمية، التي تجعل من الصراعات والحروب المحلية والعالمية روافد لمد خزائنهم بالمال والثروة. ولعل تاريخ روتشيلد مثال حي على ذلك. كما اصبح إنتاج "النظريات العلمية" عن الليبرالية والاقتصاد والاجتماع فخا جديدا. واخذوا يحولون ذوي الحاجة من الليبراليين قصيري النظر إلى خدم لصهيون كما حولوا النظام الجمهوري إلى أداة تعطي لجيش صهيون إمكانية الحركة الموجهة والمنظمة والعلنية عبر مختلف المؤسسات والحركات. من هنا الكفاح المرير الذي يقوم به هذا "الثعبان الرمزي" في الصحافة والإعلام، بحيث جعل منهما خدما مأجورين لهم وللدعاية الفجة لليبرالية. مع أن كل الوقائع تبرهن على غياب الديمقراطية الحقيقية في الجمهورية الليبرالية. وان كان ثمة مظاهر ديمقراطية فما هي سوى ستار للسيطرة على الغوغاء. والأغلبية عادة ما تسير وراء عملاء راس المال الصهيوني العاملين في أجهزة الدعاية والإعلام، حسب نظر نيلوس.

وفيما لو نظرنا إلى واقع اغلب الدول المعاصرة في أوربا يتضح لنا خضوع اغلبها لقرارات حكومة صهيون العالمية، كما يقول نيلوس. فهي تستعمل مختلف الأساليب لأجل إحكام سيطرتها على قرارات الدول مثل القروض المالية والمضاربات، وتحارب من تلمس فيه خطرا على مصالحها وتؤيد من يخضع لها عبر الرشوة والدعاية المنظمة من خلال شبكة عملائها العالميين. كما تستعمل "الأفكار العصرية" و"الجديدة" و"النظريات العلمية". كما تستعمل لأجل بلوغ أهدافها البورصة والتجارة والدبلوماسية. وهي عتلات تقع اغلب أدواتها بأيديها. كما تعمل في نشر اشد الأفكار تطرفا وتخريبا وتدميرا عبر اغتيال الروح والأخلاق الإبداع الحقيقي. وفي الحصيلة نقف أمام فاعلية "حكومة عالمية" بلا قلب ولا روح ولا ضمير، حكومة يهودية صهيونية صانعة لنفسية القنانة والعبودية الجديدة. وليست هذه الأفكار في نهاية المطاف سوى الصيغة المكثفة لما هو موجود في "البروتوكولات"، التي تعبّر عن مضمون ومغزى ماسونية اسرائيل التلمودية، كما يقول نيلوس. لهذا ليس مصادفة أن تتعامل معها الصحافة الروسية الخاضعة للسيطرة اليهودية ببرودة مريبة وتتجاهلها وتستهزئ بها. إلا أن ردود الفعل سوف تشق لنفسها الطريق، وذلك لان الأحداث التاريخية في كل مكان تؤيد وتبرهن صحتها، كما استنتج نيلوس. وقدم بهذا الصدد آنذاك بعض النماذج التي استقاها من الصحافة، واتخذ مما اسماه عينة من العالم القديم (روسيا) والعالم الجديد (أمريكا). حيث استعرض مقال كاتب روسي بعنوان {أسرار البرنامج اليهودي} المنشور في جريدة (الأخبار الموسكوفية)، الذي توصل بعد تحليل لأوضاع روسيا بعد ثورة 1905 ودور اليهود فيها إلى أن من الممكن التشكيك بصحة "البروتوكولات" وتقديم مختلف التأويلات للبرهنة على أنها وثيقة منحولة، إلا أن كل ما فيها هو "مفتاح لرؤية ما جرى ويجري في روسيا". أما المقال الآخر فقد كتبه أحد النصارى العرب في أمريكا في مجلة (الكلمة) الصادرة بالعربية في نيويورك، وترجم إلى الروسية وطبع في (الأخبار الموسكوفية) في العدد 277 الصادر بتاريخ 1-1-1910 . وكاتب المقال هو الأب رافائيل، الذي توصل بعد استعراضه للوقائع العديدة من تاريخ أوربا السياسي والشعارات المستعملة فيه ونشاط "الاتحاد الإسرائيلي العالمي" إلى أن "المؤامرة اليهودية ضد العالم ليست اختلاق، بل واقع مؤسف له".

مما سبق يتضح، بان نيلوس أراد القول، بان هناك وعيا متزايدا ومتناميا فيما يتعلق بادراك خطورة "البروتوكولات" بالنسبة لروسيا والعالم. وهما وعي وإدراك يستمدان مقوماتهما من الواقع لا من الوهم، لان "البروتوكولات" وثيقة واقعية وليست اتهاما مختلقا.


"الامتحان التاريخي" لماهية "البروتوكولات"


رمت ثورة شباط وحكومتها المؤقتة عام 1917 "البروتوكولات" في الحبس وحكمت عليها بالسجن المؤقت، بينما حكمت عليها ثورة أكتوبر للعام نفسه بالإعدام. ولم تتح لسيرجي نيلوس إمكانية الدفاع وحق البيان عن نفسه وعنها. وهي ظاهرة لها أسبابها ومقدماتها ونتائجها فيما يتعلق "بإحياء" "البروتوكولات" نفسها. فقد كشف "السجن المؤقت" عن أنها مصدر شك وقلق، بينما أدى إعدامها اللاحق إلى جعلها قوة يصعب المسك بها. وذلك لأنها تحولت إلى "فكرة" و"اتهام تاريخي" ليس إعدامها سوى دليل على أن ما فيها ليس مجرد هراء أو كذب أو تلفيق. لان الهراء لا يلبث وان يتبدد، وحبل الكذب قصير، والتلفيق سريع الزوال، والاتهام الفارغ لا يصمد أمام النقد.

لقد صادرت "الحكومة المؤقتة" بعد ثورة شباط 1917 الطبعة الأخيرة من {قاب قوسين أو أدنى}، كما لو أنها تحسست في العنوان نفسها. لهذا اعتقدت بان افضل وسيلة لعدم اتهامها بأنها "الدجال" (الماسوني) الواقف "على أبواب" روسيا هو أن يجري مصادرتها! أما بعد ثورة أكتوبر، فان افضل وسيلة لعدم اتهامها بأنها "الدجال" (اليهودي) الواقف على "أبواب روسيا" هو تكذيبها المطلق "للبروتوكولات" بمسحها من الوجود! وهو موقف وجد انعكاسه المباشر في الرواية التي تحكي لنا عن قول سيرجي نيلوس عندما ادخلوه على فيليكس دزرجينسكي قوميسار لجنة الطوارئ (أمن الدولة) والمسؤول عن تصفية كل اطياف المعارضة للسلطة السوفيتية

- إذا قتلتموني، فان ذلك دليل على صحة ما أقول!

- لهذا لا نقتلك!!

وبغض النظر عما إذا كانت هذه القصة صحيحة أم لا وكذلك الحوافز القائمة وراء تأليفها أو بثها، فان تشرده بعد الثورة وموته البائس عام 1929 وقتل زوجته في المعتقل عام 1938 تجري ضمن سلسلة واحدة هي إزالة آثاره من الذاكرة التاريخية السياسية للوعي الروسي عن الخطر الداهم لما اسماه نيلوس "بالمسيح الدجال" و"ابن المهلكات" و"الخارج عن القانون" الذي الصقه بالماسونية اليهودية الصهيونية، وكذلك تسفيه ما قاله وكتبه بهذا الصدد.

إن جملة هذه الوقائع تشير إلى حقيقة جلية تقول، بان تنصيب العداء لكتاب ما، أيا كان، هو دليل على التخوف مما فيه. والخوف هو نتاج ضعف، والضعف في الحالة المعنية ليس نتاج الاتهام أو النقد كما هو وارد في الكتاب، بل فيما إذا كان الاتهام يشير إلى نقطة الضعف هذه. وإذا كان رد الفعل قويا على هذا الاتهام، فان ذلك دليل على الوجود الفعلي لنقطة الضعف هذه، أي دليل على وجود ما يشير إليه "الاتهام". ذلك يعني أن خوف قيادة "الحكومة المؤقتة" بعد ثورة شباط من كتاب نيلوس هو نتاج لغلبة العناصر الماسونية فيها، بينما كان خوف قيادة السلطة السوفيتية بعد ثورة أكتوبر من كتاب نيلوس هو نتاج لغلبة العناصر اليهودية.

لقد تحسست هذه القوى "الهامشية" بالنسبة لحقيقة التاريخ الروسي ومرجعياته الثقافية والروحية الكبرى ملامح الاتهام الثابتة ضدها في كتاب نيلوس. كما أن وجودها الكثيف في السلطة كان يشير إلى ما في كتاب نيلوس من "نبوءة" وتحذير وضعها في رؤيته التاريخية اللاهوتية عن "الثعبان الرمزي". بعبارة أخرى، لقد كشفت الأحداث التاريخية بعد عام 1905 و1917 عن وجود ظاهرة سياسية وذهنية ثقافية اعتبرها نيلوس قوة تقف "قاب قوسين أو أدنى" من ابواب روسيا، هي الخطر المميت بالنسبة لها.

ذلك يعني أن سيرجي نيلوس لم يتهم جزافا، بقدر ما انه قدم رؤية كانت تسعى أساسا لكبح "المحتوم" من خلال تثوير الرؤية القومية المتجلببة باللاهوت النصراني الأرثوذكسي. ولم يسع هو من وراء ذلك لإدانة الثورة والثوار، مع انه استهزأ بفكرة "الحركة التحررية"، بل أراد القول، بان الذهنية المغامرة للقوى الهامشية (الماسونية اليهودية) بالنسبة لروسيا تعادل "انقضاء الدهر" و"نهاية التاريخ" الروسي. ووضع ذلك في الإضافة التي ألحقها بعنوان الطبعة الثانية (عام 1905) من كتابه {عظيم في حقير} بكلمات "كإمكانية سياسية محتملة". أي انه وضع فكرته وموقفه هذا قبل ثورة 1905. ذلك يعني انه لم يربط بين الحدثين، لأنهما لم يظهرا سوية بعد. لقد بحث نيلوس عن احتمال سياسي ممكن لمجرى الأحداث اللاحقة في روسيا، وجد سببه وقوته في الماسونية اليهودية. مع أن ثورة 1905 ظاهرة اعقد بكثير من أن يجري إرجاعها لسبب واحد أي كان هذا السبب. إضافة إلى كونها ظاهرة تاريخية روسية من حيث مقدماتها وإشكالياتها وأهدافها الكبرى. والشيء نفسه يمكن قوله عن إضافة "عودة المسيح الدجال" لطبعة 1911، أي فكرة الانتظار وتدقيقها الحاسم في مجرى الحرب الإمبريالية الأولى ورؤية المسار الذي يمكن أن تؤول إليه روسيا كما وضعه في عنوانه الجديد {قاب قوسين أو أدنى}.

عكست هذه الرؤية دون شك، واقع الأحداث التي عانت روسيا منها منذ بداية القرن العشرين. إلا أن تاريخها اعمق وأوسع من ذلك. واذا كان البعض يربطها من الناحية التاريخية بعام 1881 باعتبارها نقطة الانطلاق في تأطير وتأجيج الموقف المعادي لليهود في روسيا استنادا إلى كونه عام اغتيال القيصر الكسندر الثاني من قبل الإرهابيين اليهود، وبالتالي بداية المطاردات الشعبية لليهود في روسيا، فان ذلك مجرد بريق تاريخي لصيرورة عريقة نسبيا تجسدت في اليهودية الصهيونية كما ظهرت بوضوح بعد مؤتمر بازل الصهيوني العالمي الأول عام 1897. فهو عام ظهور "البروتوكولات" بالمعنى الرمزي والتاريخي.

مما لا شك فيه، أن السلطة القيصرية وأجهزتها الأمنية كانت تراقب بحذر النشاط اليهودي. فقد أدت مشاركة اليهود في اغتيال القيصر عام 1881 إلى جعل الإرهاب أسلوبا في العمل السياسي. وهي مساع جعلت من الراديكالية وأسلوب الاغتيال راية النشاط السياسي. إضافة لذلك أن الاشتراك الكبير والفاعل لليهود في الحركات الثورية آنذاك، الذي كان في جوهره شكلا من أشكال الاحتجاج على واقع عوام اليهود ومحاولة للاندماج السريع بالمجتمع، أدى على خلفية اليهودية التلمودية المغروسة في شرايين الشتات والغيتو إلى طفح راديكالي متشبع بنفسية الانتقام والتشفي. ووجدت هذه الظاهرة انعكاسها في محاولة السلطة القيصرية دراسة أساليب عمل اليهود المعارضة والمخربة للدول ومؤسساتها على امتداد قرون عديدة بدءاً من الحروب الصليبية وانتهاء بالمرحلة التي تناولها تقرير الشرطة السرية المقدم عام 1895 والمتعلق بهذا الجانب.

من هنا نستطيع القول، بوجود استعداد فعلي عند السلطة القيصرية فيما يتعلق بالموقف السلبي من اليهود في روسيا. ومن ثم تقبل "البروتوكولات" كما هي على أنها مخطط يهودي مركزي، وبالأخص بعد أحداث ثورة 1905. فهي الأحداث التي أعطت "للبروتوكولات" بعدا جديدا وكشفت عما فيها من خطورة فعلية بالنسبة للدولة. وهو تقبل يمكن تتبعه في مواقف القيصر الروسي نيكولاي الثاني ووزارتي الداخلية والخارجية، أي في الأجهزة ذات الصلة بأمن الدولة والسلطة وسياستها الداخلية والخارجية. فقد اعتبر القيصر "البروتوكولات" عندما عرضت عليه للمرة الأولى بعد أحداث عام 1905، "خطة جهنمية" وتنفيذا دقيقا لما فيها من برامج، كما أقر بصحتها. وكان ذلك رد فعل نفسيا، لكنه مؤيد بوقائع الأحداث وليس برؤية تاريخية سياسية. من هنا تأييده لمبادرة وزيره للخارجية آنذاك ف. ن. لامزدورف، الذي اقترح في مذكرته للقيصر أن توحد كل من روسيا وألمانيا والفاتيكان جهودها من اجل النضال ضد "الاتحاد اليهودي العالمي"، الذي تستغله فرنسا لأغراضها السياسية آنذاك. وردّ القيصر نيكولاي الثاني على هذا الاقتراح قائلا "من الضروري إجراء المحادثات فورا! إنني اتفق تمام الاتفاق مع ما هو وارد في هذا الاقتراح". وهي وثيقة نشرت من قبل وزارة الخارجية السوفيتية عام 1918. غير أن موقف القيصر تبدل بعد فترة وجيزة عندما قدم له سطاليبين تقريرا سريا بهذا الصدد حاول ان يثبت فيه أن "البرتوكولات" وثيقة منحولة. وبالتالي لا ينبغي أن تستند إليها الدولة في سياستها ومواقفها من اليهود في روسيا. ووافق القيصر على هذا الاستنتاج وطالب بسحب "البروتوكولات" وزجر من يتخذها أساسا للعمل في مواقفه من اليهود.

كل ذلك يعكس المواقف المترددة وعدم ثبات القيصر ومن ثم تغير مواقفه تحت تأثير تنوع واختلاف التقارير والمقترحات. وهو واقع جرى تأويله في وقت لاحق، وبالأخص من جانب اليهودية الصهيونية نفسها على أن "البروتوكولات" نفسها أعدت وقدمت بالطريقة المعروفة تاريخيا للقيصر نفسه وذلك بسبب ضعفه وعدم حزمه لأجل التلاعب به وبسياسته! وجرى تقديم هذا التأويل بالشكل التالي: بما أن القيصر ضعيف الشخصية وكان مولعا بالروحانيات والدين لهذا جرى وضع "البروتوكولات" في الطبعة الثانية من كتاب سيرجي نيلوس {عظيم في حقير}(طبعة 1903)، الذي سبق وان أثار إعجاب زوجته الأميرة يليزافيتا فيودوروفنا المولعة أيضا بالدين والروحانيات. وجرى دفع هذا التأويل إلى أقصى مداه عبر تحويل شخصية نيلوس نفسه إلى "بيدق" في شطرنج اللعبة السياسية الماكرة التي كانت تحيكها مختلف القوى المتصارعة آنذاك خلف كواليس العائلة المالكة. والمقصود بذلك الصراع الذي كان يدور في الخفاء آنذاك بين القوى القومية التي أرادت التخلص من فيليب الفرنسي، الرجل الدجال الذي اصبح طبيبا للعائلة المالكة ومقربا من القيصر مع انه ليس له علاقة بالطب. وهو يشبه بهذا المعنى راسبوتن، الشخصية التي ستكرر موقعه وتأثيره على العائلة المالكة في وقت لاحق (قبل الثورة). وبما أن الأميرة يليزافيتا فيودوروفنا كانت من المعجبات جدا بكتاب سيرجي نيلوس، لهذا جرى دمج {البروتوكولات} في كتابه {عظيم في حقير}، بعد اقتناع نيلوس نفسه، بان "البروتوكولات" وثيقة صحيحة جرى العثور عليها في الخزائن السرية للماسونية اليهودية في باريس. ذلك يعني أن القوى القومية التي خاضت الصراع مع أولئك الذين استغلوا فيليب الفرنسي للتدخل في شئون الدولة الروسية عبر العائلة المالكة هي التي الفت هذه الوثائق من اجل خدمة أغراضهم السياسية. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن يليزافيتا فيودوروفنا نفسها كانت تسعى إلى جعل سيرجي نيلوس مربيا ومرافقا روحيا للقيصر نفسه انطلاقا من يقينها بان نيلوس هو الشخصية الروحية والصوفية الأرثوذكسية الروسية المثلى للقيام بهذا المهمة. وهي "لعبة" كان يقف وراءها من وضع "البروتوكولات" نفسها، أي الشرطة الروسية السرية، التي استغلت ثورة 1905 على اكمل وجه! وهو تأويل يستند في اغلبه إلى المعلومات والتقييم الذي قدمه دي شايل في مقاله {سيرجي نيلوس والبروتوكولات الصهيونية} عام 1921.

يعاني هذا التأويل من نقاط ضعف جوهرية، أولها أن نيلوس حصل على هذه البروتوكولات عام 1901. وحاول طباعتها في غضون سنوات عديدة لكنه لم يفلح. ولم يدرجها ضمن طبعة 1903 لكتابه {عظيم في حقير}. وفي العام نفسه (1903) ظهرت "البروتوكولات" على شكل حلقات في جريدة "زناميا" (الراية). أما إدراجه إياها ضمن الطبعة الثانية من كتابه الآنف الذكر عام 1905، فقد جرى قبل ثورة 1905. ذلك يعني أن ما قام به لم يكن جزءا من "لعبة سياسية"، أو مهمة تحريضية مبنية على وقائع وأحداث ثورة 1905.

لقد كان إدراجه "للبروتوكولات" ضمن الطبعة الثانية من {عظيم في حقير} انعكاسا لتطور آرائه الروحية والسياسية، كما بينته سابقا. ولم يكن ذلك معزولا أيضا عن الشهرة والمكانة التي حصل عليها كتابه، بما في ذلك عند العائلة المالكة. وبالتالي كان يمكن استغلاله كوسيلة أو منفذ لتحقيق الفكرة التي كان شديد القناعة بها، ألا وهي أن الخطر الأكبر على النظام والدولة والقومية الروسية يكمن في الماسونية اليهودية. وإذا تلاقت آراءه وتصوراته مع توجهات التيار القومي الروسي بشخصية "اتحاد الشعب الروسي"، الذي يطلق عليه جزافا تسمية "المائة السوداء"، فانه أمر طبيعي للغاية.

غير أن هذه "النتيجة" الطبيعية لتطور آراء ومواقف الأفراد والأحزاب والمؤسسات في المرحلة التي اتسمت بغليان الصراع السياسي والعقائدي في روسيا ما بين 1905 و917، تحولت على خلفية ظهور "البروتوكولات" إلى جزء من صراع سياسي اشترك فيه مختلف الأطراف والقوى. مع أن "البروتوكولات" في جوهرها هي نتاج لتاريخ أوسع واعقد واكثر إشكالية، مرتبط أساسا بتاريخ السبيكة اليهودية الصهيونية المتراكمة في تقاليد ووحدة الشتات والغيتو. لهذا أجمع التيار القومي الروسي على أن "البروتوكولات" هي وثيقة صحيحة وضعها "حكماء صهيون" من اجل بلوغ السيطرة العالمية، بينما تنوعت محاولات التيار اليهودي الصهيوني لإثبات العكس. وجرى توظيف مختلف "السيناريوهات"، التي لا تتعدى في الأغلب كونها اعتقادات وتأويلات لا دليل قاطع عليها.

فإضافة إلى الصيغة الآنفة الذكر عن ضعف شخصية القيصر واستغلال شخصية نيلوس للتأثير على العائلة المالكة، هناك صيغة اكثر انتشارا وثباتا للبرهنة على أن مصدر "البروتوكولات" هو الشرطة السرية القيصرية (أوخرانكا)، التي جرى تشكيلها بعد اغتيال اليهود القيصر الكسندر الثاني عام 1881. واستندت هذه "الاوخرانكا" إلى تقاليد ما يسمى "بالشعبة الثالثة" التابعة للمكتب الإمبراطوري التي جرى تشكيلها عام 1826 بعد حركة الديكابريين (الديسمبريين). وهو اتهام أطلقه للمرة الأولى الفرنسي هنري ونت أحد عملاء الشرطة السرية الروسية، الذي كان يعمل لحسابها. حيث ادعى بعد ثورة شباط عام 1917، بان "البروتوكولات" هي من وضع رئيس جهاز الشرطة السرية في الخارج بيوتر ايفانوفتش راجكوفسكي (ت – 1911). وهو اتهام قال به الصحفي الروسي فلاديمر بورتسف، واضاف إليه اسم شخصية أخرى هو غولوفينسكي، الذي كان يعمل في الجهاز نفسه إلى أن بلغ لاحقا رتبة جنرال. ووقف إلى جانب هذه التهمة أيضا المؤرخ ميخائيل ليبختين، الذي اعتبر غولوفينسكي من "المؤهلين" للعمل مع الصحافة، ومن المحترفين نشر الآراء والدعاية التي تعمل من اجل تخريب المعارضة وإثارة الاتهامات المتبادلة. وانه أول من قام بوضع "البروتوكولات" استنادا إلى كتاب موريس جولي {حوار في الجحيم}، لكنه لم يفعل غير أن استبدل كلمة "فرنسا" بكلمة "صهيون" وكلمة "نابليون" بكلمة "يهود". وهو سبب عدم قبوله وذلك لظهور زيفه ورداءته وإمكانية اكتشاف مصدره بسرعة. لهذا جرى رفضه! وهو اتهام باطل لا أساس له ولا برهان. إذ يصعب توقع ذلك من إنسان "مؤهل" و"محترف" أن يقوم بعمل "كبير" من خلال استبدال مواقع كلمتين فقط من كتاب ونسبه لآخرين. إضافة لذلك لا يوجد أي دليل مادي ولا أية وثيقة تدل على ذلك لا عن قرب ولا عن بعد. ثم ليس هناك وجود مخطوطة أو حتى قصاصة صغيرة أو ما يشبه قصاصة للبرهنة على وجود هذه النسخة. ثم ليس هناك من إشارة إليها عند أي من تناول مسألة "البروتوكولات" حتى عام 1921. أما بالنسبة لراجكوفسكي، الذي عادة ما يجري التركيز عليه في كل الكتابات والأبحاث التي تحاول نسبة "البروتوكولات" إلى الشرطة السرية الروسية، فإنها تنطلق في اتهاماتها هذه من المهمة السياسية التي كان ينفذها، وبالأخص بعد أن اصبح رئيسا لجهازها في الخارج (باريس). لا سيما وان باريس كانت "وطن" "البروتوكولات" كما أشارت إليه كل الطبعات الروسية، بدء من طبعة عام 1903.

كان راجكوفسكي في شبابه من أنصار حركة "نارودنيا فوليا" (حرية الشعب). ويقال، أن دخوله جهاز الشرطة السرية جرى بعد اعتقاله عام 1879 بتهمة ملفقة وباطلة تتعلق بتأييده للحركات السرية الإرهابية. حينذاك وقف أمام مفترق طرق، أما النفي إلى سيبيريا وأما التعاون مع جهاز الشرطة السري. واختار الطريق الثاني. وهو اتهام لا دليل عليه أيضا، سوى محاولة رسم الملامح الشخصية لراجكوفسكي التي يمكن من خلالها تمرير "مؤامرته" في وضع "البروتوكولات" وتسويقها. وذلك لان مجمل نشاطه المهني يصب أساسا ضمن عقيدته السياسية والقومية، التي أوصلته في ظروف روسيا عند ثمانينيات القرن التاسع عشر (بداية عمله في وزارة الداخلية) حتى وفاته، إلى يقين سياسي يقول، بان الخطر الأكبر بالنسبة لروسيا كدولة وقومية يقوم في استفحال الراديكالية السياسية، التي لعب ويلعب اليهود فيها دورا رئيسيا. وتبين ذلك بجلاء في اشتراكه السياسي الفعال في الحركات القومية الروسية، حيث ساهم في إنشاء حركة "الجماعة المقدسة"، التي شكلت بؤرة "اتحاد الشعب الروسي". غير أن التجسيد العملي لعقيدته السياسية ظهر على أتم وضوح في نشاطه المهني، باعتباره رئيس قسم الشرطة السرية في الخارج. حيث ترأسه من عام 1884 حتى عام 1903. وعلى مدار تسعة عشر عاما كشف راجكوفسكي عن مقدرة كبيرة في مواجهة الحركات الثورية الروسية، بحيث اعتبره الكثير من أصدقائه وأعدائه أحد المع الشخصيات وأكثرها ذكاء فيما يتعلق بمهنته وإخلاصه للنظام القيصري. وبسبب عمله الدؤوب في تتبع رجال الحركات الثورية الروسية في الخارج، جرى إلصاق تهم عديدة به بما في ذلك تهمة تأليفه للمقالات والكراريس المنحولة من اجل إثارة الخلاف والبلبلة بين صفوف وأوساط الحركات الثورية السياسية الروسية العاملة في الخارج.

فمن الناحية التاريخية تزامن صعود راجكوفسكي في هرم وزارة الداخلية مع صعود وتنامي واستفحال موجة التيارات الإرهابية في الحركات الثورية، الذي شكل اغتيال القيصر الكسندر الثاني عام 1881 انعطافها الكبير، واستدعى بدوره ظهور "الاوخرانكا" (الشرطة السرية). وقد كان تعيينه رئيسا لجهازها في الخارج عام 1884 دليلا على موقعه المتميز بالنسبة لأمن الدولة آنذاك، وإدراكا منها بفعالية مساعيه وقدرته في مواجهة الحركات الإرهابية والراديكالية السرية. وهو أمر أدى بالضرورة إلى المواجهة بينه بين اليهود بسبب غلبتهم السائدة في الأجهزة السرية للحركات الثورية في الخارج. و مما يتهم به بهذا الصدد وضعه كراريس ينسبها للثوريين كما هو الحال بالنسبة لظهور ما يسمى "برسالة ايفانوف" عام 1887 في باريس، الذي أعلن فيها عن يأسه وشماتته بالثوريين في الخارج واعتبرهم إرهابيين وان اغلبهم من اليهود. وفي عام 1890 يظهر كراس {اعترافات مناضل ثوري قديم} يشّهر برجال الحركة الثورية الروسية العاملين في بريطانيا، ويتهمهم بالعمالة للمخابرات البريطانية. كما ظهرت عام 1892 رسالة منسوبة إلى بليخانوف يتهم فيها قيادة "نارودنيا فوليا" في نشرها كراس {اعترافات مناضل ثوري قديم}. وبعدها بقليل يظهر رد عليه بعنوان {رسالة بليخانوف} وهكذا دواليك.

ومع أن هذه الظاهرة ليست غريبة بالنسبة للحركات الثورية (وغير الثورية) في كل مكان، إلا أن الاتهام اللاحق وجه أساسا لراجكوفسكي، وبالأخص بعد ظهور "البروتوكولات" وطباعتها بفترة طويلة نسبيا (بعد ثورة شباط 1917). وهو اتهام مبني على أساس موقف راجكوفسكي المعارض بشدة لليهود. مما دفع بالبعض للقول، بان الكتاب الذي ظهر باللغة الفرنسية في باريس عام 1892 بعنوان {الفوضى والنزعة العدمية} لمؤلفه غ. بريفال هو من تأليف راجكوفسكي نفسه40. إذ يحتوي هذا الكتاب على جملة من الأفكار الجوهرية التي تتضمنها "البروتوكولات"، وبالأخص ما يتعلق منه بالثورة الفرنسية والليبرالية وأثرهما في صعود السيطرة اليهودية في فرنسا. وان القوة الوحيدة التي تقف حجر عثرة أمام سيطرة اليهود العالمية هي القيصرية الروسية، أو ما دعاه الكتب "بالقلعة الموسكوفية". وفي هذا يكمن سبب عمل اليهود وبناء شبكاتهم وتشكيل الأحلاف المعادية لروسيا من اجل هدم نظامها القائم.

أما في الواقع فان هذه الاتهامات تبقى مجرد فرضيات لا أساس لها غير "تاريخ" راجكوفسكي المعارض لليهودية الصهيونية ودفاعه الشديد عن الفكرة

القومية الروسية الإمبراطورية، كما تجلى ذلك في محاولاته تأسيس "العصبة الوطنية الروسية"، التي اشتركت إلى جانب التيار القومي الروسي بالعمل من اجل الإطاحة بفيليب الفرنسي لطبيب الدجال. إلا أن الصراع لم يتكلل بالنجاح لصالح التيار الذي وقف راجكوفسكي إلى جانبه، مما أدى إلى عزله لاحقا من موقعه واستدعائه إلى روسيا. وكان ذلك عام 1903. وفي العام نفسه طبعت "البروتوكولات" للمرة الأولى في جريدة "زناميا" (الراية). إلا أن هذه "المقدمات" والتوافق الزمني بين رجوعه إلى روسيا وظهور "البروتوكولات" ليس دليلا بحد ذاته على ضلوعه بالأمر. وذلك لأنه لا دليل على انه هو الذي كان وراء الكراريس التي ظهرت في أوربا، التي سبق وان جرت الإشارة إليها قبل قليل. والشيء نفسه يمكن قوله عن كتاب {الفوضى والنزعة العدمية} والأفكار الواردة فيه. وذلك لان اعتبار الثورة الفرنسية وصعود اليهود بعدها في فرنسا والترابط بين اليهود والماسونية في الثورة الفرنسية وبعدها ليست أفكارا جديدة ظهرت للمرة الأولى في الكراس الآنف الذكر. فقد أشار اليها قبله بزمن طويل وكتب عنه كل من غوشينو دي موّسو، وإدوارد درومون وغيرهم. أما بالنسبة لكيفية فعلها في روسيا فقد كتب عشرات الكتاب والمؤرخين والسياسيين الروس عنها قبل ذلك وبعده. كما لا يشكل دليلا على انه واضع "البروتوكولات" موقعه الجديد نائبا لرئيس قسم الشرطة الروسية بعد ثورة 1905 . إذ لا يعطي هذا المركز أي أفضلية كما انه لا يحتوي بحد ذاته على مقدمات "القدرة" غير المحدودة لتأليف الكتب والوثائق المنحولة ونسبها للآخرين. إضافة لذلك لم يجر العثور بعد ثورة أكتوبر على أية وثيقة تسند هذا الاتهام. لاسيما وان اليهود نشروا كل ما بإمكانه أن يخدم هذا الهدف. أما الفرضية القائلة بان راجكوفسكي هو الذي سلّم "البروتوكولات" إلى يوليانه غلينكا، وعبرها إلى سوخوتن ومن خلاله إلى نيلوس، فهي فكرة أوردها للمرة الأولى دي شايل نقلا عن نيلوس إثناء لقائه به عام 1909 ، كما نعثر عليها في مقاله المنشور عام 1921 بعنوان {سيرجي نيلوس والبروتوكولات الصهيونية}. وهي فرضية تستند فيما يبدو إلى ما أورده نيلوس نفسه عندما أشار في حاشية الفصل المتعلق بتقديمه "للبروتوكولات" في {عظيم في حقير} إلى انه استلم نسختها من المرحوم اليكسي. وبما أن الاسم الكامل له هو اليكسي نيكولايفتش سوخوتن، وله علاقة جوار مع راجكوفسكي وغلينكا، من هنا جرت محاولات ربط ظهورها في روسيا بنشاط الشرطة السرية الروسية بشكل عام وبشخصية راجكوفسكي بشكل خاص.

ومن اجل إعطاء صبغة علمية لهذا الاتهام، جرى ربط ظهورها أيضا بطبيعة الصراعات السياسية والعقائدية الدائرة آنذاك في روسيا بين التيار الإصلاحي الليبرالي الذي مثله الوزير فيتته ( (Vitteوبين التيار القومي الذي مثله حزب "اتحاد الشعب الروسي"، الذي انتمى إليه راجكوفسكي ودي بوتمي (الذي نشر "البروتوكولات" عام 1905 أيضا) والمتعاطف معه من جانب التيار الأرثوذكسي الروسي سيرجي نيلوس. فمن المعلوم أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وقفت إلى جانب الفكرة القائلة بصحة "البروتوكولات"، كما هو الحال بالنسبة لرجالها الكبار مثل يوحنا كرونشتادسكي (الأستاذ الروحي لنيلوس) والمطران فلاديمرسكي، والاسقف نيكون روشديستفينسكي. ثم أيدت الكنيسة ضرورة شرح خطورتها في خطب رجال الدين، بل أعطت تعليماتها للقيام بذلك دفعة واحدة في 368 كنيسة في مدينة موسكو، وجرى تنفيذه في يوم 16- مايس –1905.

كان الوزير فيتته ممثلا نموذجيا للسياسة الليبرالية الرأسمالية ضمن الدولة القيصرية الروسية قبل أحداث عام 1905. وسعى فيتته إلى التسريع بعملية التطور الرأسمالي وحارب الأرستقراطية الروسية التقليدية وملاكي الأرض الكبار. وأحرز الاقتصاد في السنوات الأولى من وزارته تقدما ملموسا وكبيرا. إلا انه اخذ يعاني من ركود حاد منذ عام 1898. لكن فيتته لم يغير من موقفه السياسي الاقتصادي الداعي إلى ثبات العملة ومحاربة التضخم. وهو أول من ادخل "العملة الذهبية" في التداول الاقتصادي داخل روسيا، التي تعرضت لاحقا لفشل ذريع. كل ذلك وجد انعكاسه أول الأمر في الوثيقة التي ظهرت عام 1895 تحت عنوان {أسرار اليهود} التي وضعتها وزارة الداخلية والمتعلقة بنشاط اليهود. وبعد خمس سنوات منها ظهرت "البروتوكولات". ومن تتابع هذه الأحداث جرى "استنباط" الحكم القائل، بان "البروتوكولات" هي من تأليف أولئك الذين عارضوا سياسة فيتته الاقتصادية والسياسية، واستخدموها أول الأمر لتسوية خلافاتهم معه عبر تأليب المعارضة عليه. وذلك لان {أسرار اليهود} و{البروتوكولات} يحتويان على مفاهيم مشتركة مثل الفكرة القائلة، بان الرأسمالية الليبرالية وشعاراتها المعلنة هي الأسلحة المجربة للسيطرة اليهودية، وان استعمال كلمة "الإصلاح" عادة ما يجري من اجل تخريب وهدم أسس المجتمع والدولة والكنيسة. وهي أفكار سبق وان وضعها إليا صهيون، اليهودي المتنصر، في مقالاته المعارضة لسياسة فيتته. فقد كان إليا صهيون يعمل في الجهاز الاقتصادي لوزارة فيتته (المالية). وفي مقالاته نعثر على الكثير من الآراء التي نجدها في "البروتوكولات". ومن هذه المقدمة جرى صياغة الفرضية القائلة بان مؤلف "البروتوكولات" هو إليا صهيون. في حين قال البعض، بان "توليف" هذه الأفكار قام به راجكوفسكي، الذي جمع بين آراء إليا صهيون ضد الوزير فيتته وبين آراء موريس جولي في كتابه {حوار في الجحيم} ضد نابليون الثالث. ومن ثم ليست "البروتوكولات" سوى حصيلة المعادلة التي يشكل أطرافها كل من راجكوفسكي و{حوار في الجحيم}.