الراصد القديم

2011/06/25

حياة العشق عند الامبراطورة الروسية كاترين


د. رضا العطار
من غرائب التاريخ، ان اكبر رجل فرنسي امتلك قلوب الفرنسيين ورفع شأنهم لكنه، لم يكن فرنسيا بل كان ايطاليا. وكذا الحال في روسيا، فإن اكبر من ملك زمام الأمة ونال اكبر مكانة في قلبها كان امرأة المانية ... ولكن هذين الاجنبيين نابليون في فرنسا وكاترين في روسيا كانا يمتازان بالميزة الكبرى التي رفعتهما الى مقامهما السامي، وهي ان كلا منهما اندمغ في الأمة التي تولى حكومتها فصار منها قلبا وقالبا، يخدمها بعقله وقلبه.

كانت روسيا في منتصف القرن الثامن عشر تحكمها الامبراطورة يصابات، ابنة بطرس الاكبر. ولم يكن لها خلف شرعي لكي يرث العرش. فأخذت تبحث عمن يليها، واخيرا عقدت ولاية العهد على ابن اختها الامير بطرس عام 1743 وكان فتى في السابعة عشرة خلوا من جميع خصال الملوك. يقضي نهاره في الشراب ولا يجالس سوى اوباش الناس وحثالاتهم. وكان ابله، يتسلى بالسخافات. يجمع الكلاب ويعمل منها صفوفا ويعاملها وكأنها جنود. ويجمع الفئران ثم يأخذ في تعليمها وتأديبها، فإذا اخطأت عقد لها مجلسا عسكريا وحاكمها ثم حكم عليها بالاعدام.

وبحثت الامبراطورة يصابات عن زوجة له وطلبت له اخت الامبراطور فردريك الثاني الالماني. فرفض طلبها، رأفة بأخته ان تقع فريسة لهذا الوغد الابله. وشفقت عليها من ان تعيش في ذلك الوسط الروسي، وكانت روسيا اذ ذاك معدودة بين البلاد الهمجية في العالم. والحق انها كانت في ذلك الوقت اقرب الى آسيا في العادات والاخلاق والانظمة منها الى اوربا.

واخيرا اهتدت الامبراطورة الى اميرة المانية فقيرة تدعى صوفيه. وكانت فتاة في السادسة عشرة من عمرها بروتستانتية المذهب كسائر اهل بلادها. فلما كانت عام 1744 عقد زواجها على الامير بطرس، بعد ان غيرت مذهبها واسمها، فصارت ارثودكسية وصارت تدعى كاترين.

وعاشت مع زوجها جملة سنين وهو يناكدها وينغص عليها عيشها، لا هم له سوى كلابه وفئرانه وشرابه. ولا يأنس الا باخوان الكأس يصاحبهم ويماسيهم وهو في سكر متواصل. وقد تعلم منهم صنوفا من السفالات وكثيرا ما اعنت زوجته وهي فتاة ساذجة قد نشأت على الصرامة الالمانية يساومها ممارسة هذه السفالات فتأبى وتستغيث. وكان طبيعيا جدا ان تفتح كاترين عينيها بأزاء هذا الحيوان الذي صار زوجها. تشم بارقة حب في اولئك الامراء الذين يترددون على القصر. وكانت قد انكبت على دراسة اللغة الروسية حتى اتقنتها وصارت لا تخرج امام الشعب الاّ في ملابس و مظاهر روسية، فأحبها الناس.ومالت اليها القلوب وكان من بين المترددين على القصر رجل تبدو على وجهه امارات الرجولة يدعى اورلوف، فسمحت ان يتقرب منها ونشأ بينهما عشق وغرام دام سنوات عدة.

ولم تبلغ كاترين الثلاثين حتى كان لها جملة اولاد. يشك الكثيرون في انهم كانوا اولاد زوجها. لعلاقتها العاطفية الحميمة مع باوروف هذا من جهة ولان الشجار بينها وبين زوجها لم يكن ينقطع يوما. وماتت الامبراطورة يصابات وارتقى بطرس العرش وهنا يذكر المؤرخون بان عملين عظيمين قد انجزا ابان العهد الجديد. ولكن في الحقيقة ليس لبطرس ادنى فضل.

فانه عندما ارتقى العرش، حدث وهو في جمع حافل من هؤلاء الاوباش الذي كان يجمعهم حوله للشراب ان دخل عليه ضابظ غيور حريص على العرش وعلى مصلحة البلاد فوجده سكران فأخذ يعظه ويحثه على خدمة بلاده ويذكر له مجد آبائه وقدم له خلال ذلك مشروعين للأصلاح وامتزجت حماسة خطبة الضابط بحرارة الخمرة حتى تناول الامبراطور المسودتان القانونيتان ووقع عليهما وهو لا يدري ما يفعل.

كان احدهما يقضي بالغاء مكتب المعلومات السرية التي آذت الناس كثيرا والثاني يرد الى النبلاء بعض حقوقهم التي كانت قد انتزعت منهم

ولكن بطرس عاد ثانية الى شرابه وعادت اله عصابة السوء التي كانت تساقيه. لكن لم تسكره الخمرة بقدر ما اسكره السلطان، فبدأ يستبد بزوجته اكثر ويقذف السباب عليها جهرا امام الناس في الحفلات الكبرى. فمن ذلك انه اعلن مرة ان ابنها البكر ليس ابنه وانما هو من نسل عشاق الامبراطورة. فكانت هذه التهمة وحدها كافية لطلاقها وقتلها. فأخذت تبحث عن طريق للخلاص منه والحفاظ على حياتها.

هكذا دبرت هي مع عشيقها اورلوف مؤامرة لخلعه. فسارعت الى جواد وامتطته وسارت الى الثكنة التي يقيم فيها الجنود الروس في بطرسبرغ وناشدتهم المعاونة على خلع الامبراطور وكان هؤلاء الجنود يكرهون بطرس لميله الشديد الى الالمان ولانه جعل حرسه الخاص مؤلف من الالمان، يؤثره على الروس. فتقدم اليها الضباط بجنودهم واقسموا لها يمين الولاء وخرج الجميع في اثرها حتى قبضوا على الامبراطور بطرس وساقوه اسيرا الى احدى القلاع، ثم ذهب اليه اورلوف وقبض على حنجرته وبدأ يضغط عليها الى ان خرج الدم من اذنيه ومات. لم تكن الاميرة كاترين ترغب في كل ذلك ولكنها لم تجد بدا من الرضى بعد ان بلغ السيل الزبى. وصارت كاترين منذ ذلك الوقت امبراطورة روسيا دون منازع. وعندما كانت كاترين في الثكنة تستنجد بالجنود، خرج اليها ضابط جميل الوجه والقوام ووقف امامها في ادب واحترام ثم اشارالى ان خوذتها ليس عليها ريشة. وفي الحال انتزع ريشته وتقدم ووضعها برفق على خوذة الامبراطورة. وليس من شأن هذا العمل ان ينسى في تلك الظروف الخطيرة ولذلك تذكرته الامبراطورة بعد قتل زوجها واستدعته اليها. وكان هذا الضابط يدعى بوتكين. وكان يختلف عن اورلوف من حيث علو ثقافته، وضحالة اورلوف ووحشيته. فقد كان رجلا مهذبا انيقا، يحب قراءة الكتب بينما لم يكن في اورلوف من الصفات التي تحبها الامبراطورة سوى جرأته ورجولته وشجاعته. فأنعمت على اورلوف وغمرته بألطافها حتى تركها راضيا مسرورا. واستأثرت ببوتكين وتبين لها بعد ان عرفته، ان حبها الماضي لم يكن سوى شهوات متوثبة، اما هذا العشق فهو حب دائم متواصل، ذاك كان فيه حرقة الجوع وانانية الطمع. اما هذا، فكله عطف واستسلام وحنان.
من كتاب الحب في التاريخ لسلامه موسى.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر