الراصد القديم

2011/07/20

اغتيال سعاده و مصرع رياض الصلح


في عرض خاص برياض الصلح وتحت عنوان (( الجريمة السياسية )) بثت قناة الجزيرة في الدقيقة الخامسة بعد منتصف ليل الخميس – الجمعة أول تموز , برنامجا تاريخيا عن مصرع رياض الصلح رئيس وزراء لبنان في الأربعينات ومطلع الخمسينات , ضمنته حادثة ((إعدام)) أنطون سعادة – زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي من 16/11/1932 حتى 8 تموز 1949 على أساس ان مصرع الصلح كان من إفرازات ((إعدام )) سعاده .
وقد أعيد بث البرنامج الساعة 20 وخمس دقائق من يوم السبت التالي , وللمرة الثالثة ظهر يوم الأحد التالي , ويمكن لمن فاتته المشاهدة متابعتها على الانترنت .

وقد شاهـــــد معظم أعضاء الحزب البرنامــــج ومعظمهم لا يعرفون الكثير عن تفاصيـــل (( الإعدام )) والمحاكمة ولا عن تفاصيل مصرع الصلح . وكوني واحدا ممن عاصروا الواقعتين ولي فيهما تماس مباشر وغير مباشر , كعضو وكمسؤول في الحزب في ذلك الزمن , وجدت ان بعض الحقائق قد غابت وان بعض التعلقيات فيها تجن .

إن من مثل دور سعاده , كان فاشلا في ايصال الصورة الحقيقية الرائعة لموقف سعاده وتصرفه اثناء تنفيذ (( الإعدام )) الذي جاء على الشاشة باهتا ومغايرا للصورة التي جاءت عليها الصحف الصادرة صباح يوم 8 تموز 1949 وما تلاها فيما بعد . وهو ما سأتعرض إليه بالتفصيل في السياق .

ظهر على الشاشة أشخاص يمثلون الطرفين المعنيين بسعادة وبالصلح وهم مع حفظ ألقابهم كما ذكرتهم قناة الجزيرة :
- رياض الأسعد " حفيد الراحل رياض الصلح " – و د.هلال الصلح " قريب رياض الصلح ومؤرخ " – نصري المعلوف نائب ووزير سابق وصديق الصلح – كمال صليبي مؤرخ – زهير عسيران صحافي ومتقاعد وصديق الصلح – علي شعيب مؤرخ – توفيق مهنا (( عميد الإذاعة ونائب رئيس المكتب السياسي في الحزب السوري القومي))( وهو وحده يمثل الطرف المعني مباشرة بموضوع سعاده في البرنامج ).

الجميع دون استثناء لم يقدموا أية وثيقة أو لم يحددوا أية وثيقة تثبت قراءاتهم وتحليلاتهم للواقعتين وللتحليل . وبعضهم كان يتكلم وصوته آت من أعماق التاريخ بسبب التقدم بالعمر. يعتمدون على ما في ذاكرتهم ( عسيران والمعلوف ) . ولا بد من الإشارة إلى أن تسجيل هذا البرنامج تم منذ حوالي سنة . فلم يكن هناك مجال لتلقي أسئلة وتعليقات .

في الملاحظات العامة وقبل الدخول في التفاصيل من المفيد الإضاءة إلى ان اعتقال أعضاء الحكومة والشخصيات التي اعتقلتها سلطات الانتداب الفرنسي في راشيا , غالبا ما تغفل ذكر أسماء المعتقلين جميعهم وتقتصر على بشارة الخوري ورياض الصلح ومجيد ارسلان , مع ان المعتقلين كانوا اكثر من عشرة ليس بين يدي أسماؤهم وفي طليعتهم المناضل الراحل عبد الحميد كرامي ( والد رشيد وعمر ) ورئيس الجمهورية الأسبق كميل نمر شمعون , وعادل عسيران .

وفي المقدمة يأتي من يجري تجاهله دائما , الشهيد سعيد فخر الدين – شهيد الاستقلال الوحيد الذي استشهد في راشيا دفاعا عن الاستقلال ورموزه السياسية من المعتقلين المذكورين وله نصب تذكاري ينتصب اليوم شامخا في ساحة راشيا .وهو من أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي يوم استشهاده .


البرنامج :

جرى تقديم رياض الصلح في مطلع البرنامج على انه " أبو الاستقلال " وانه أبو التعايش والميثاق المتعارف عليه بين ((طوائف )) لبنان . وانه من اجل استقلال لبنان أعلن عام 1928 بأنني (( أفضل ان أكون في دولة لبنانية مستقلة . على ان أكون في إمبراطورية عربية تحت سلطة الاستعمار )).
ولان هذه الدراسة ليس هدفها تاريخ رياض الصلح السياسي والقومي , فلن نتوقف عندها أكثر من التعليق بأن كلام الصلح هذا ينفي عنه إيمانه بالوحدة العربية وبالقومية العربية الذي كان يربطه ويفسر علاقته الحميمة " بالزعماء " وبالدول العربية. لان المفروض بالزعيم الوطني والقومي ان يناضل ويفنى في سبيل الحفاظ على (( إمبراطوريته العربية الواقعة تحت سلطة الاستعمار)) حتى تتحرر , لا ان يلتصق بنعمة الاستقرار والراحة في دولة مستقلة مصطنعة ومجتزأة من وطنه العربي الكبير الذي يؤمن به .
ولنستمع إلى حفيده رياض الأسعد يقول مضيفا ان " خلاف رياض الصلح مع القوميين هو خلاف على العقيدة . لان الصلح كان قوميا بامتياز . وعقيدة القوميين تتنافى مع لبنان " فاذا كان رياض الصلح كما يقول رياض الأسعد " قوميا بامتياز " وهو على خلاف مع " القوميين " لان عقيدتهم تتنافى مع لبنان . والأسعد نفسه يقر ضمنا بأن القوميين هم أيضا قوميون لان اسمهم يدل عليهم . فيكون رياض الصلح " قوميا لبنانيا لا قوميا عربيا " كما يتحدثون عنه وكما يتفاخرون به . وهو لذلك يفضل ان يكون في دولة لبنانية مستقلة لا في إمبراطورية عربية تحت سلطة الاستعمار .
وهنا لا بد وان أؤكد انه ومن خلال متابعتي لتوجهات رياض الأسعد السياسية والوطنية والقومية . فانه رجل اثبت انه غالبا ما يكون موضوعيا . ولم اشعر في كل كتاباته وفي كل مواقفه ما يدل على انه متأثر او انه ورث (( عقدة بيت الصلح تجاه القوميين )) كما هو عليه منح الصلح وعليا الصلح كريمة رياض الصلح .
أعود إلى ((إعدام)) سعاده بقرار من المحكمة العسكرية الخاصة . المؤلفة من أنور كرم رئيسا والنقيبين طانيوس وعزيز الأحدب والملازم أول احمد عرب أعضاء . بعد محاكمة صورية استغرقت بضع ساعات من منتصف يوم الخميس 7 تموز . وشاملة المدة التي استغرقتها اعتقال سعاده بدءا من القصر الجمهوري في الشام حتى وصوله إلى لبنان ومحاكمته وإعدامه وفي فترة لم تستغرق اكثر من حوالي 32 ساعة بحسب تسلسل الحوادث وتعدد الروايات التي ذكرت حول الموضوع والموثقة في كتاب (( قصة محاكمة أنطون سعاده وإعدامه 8 تموز))لمؤلفه أنطوان بطرس .
عرض الفيلم بعض الصور عن المحاكمة , ثم ادخل عرضا لتمثيلية مصورة قام بها ممثل يؤدي دور سعاده من لحظة دخول هيئة تنفيذ الإعدام عليه في زنزانته إلى لحظة اطلاق الرصاص .
لا اعرف من هذا الذي مثل دور سعاده . ولكنني اعرف تماما بأن وجهه لم يكن يحمل أي معنى من المعاني الزاخرة في وجه سعاده . كان وجه الممثل باردا وتائها وبدا في كل اللقطات رجلا مستسلما لقدره , يملأ اليأس وجهه ويطغى على كل حركاته وملامحه . اما ملامح وجهه فباردة بلا حس ولا حرارة . سار الممثل بين الحرس بتثاقل وجمود . لا ابتسامة على وجهه المليء بالقنوط . بينما ذكر الذين رافقوا سعاده من زنزانته حتى إطلاق النار , كيف كان رابط الجأش طبيعيا حتى ان هشام شرابي علق بما معناه بأن سعاده كان يبدو وكأن أحدا غيره هو الذي سيعدم. وفي الصفحة 126 من كتاب أنطوان بطرس المذكور ورد ما يلي :
(( وكان سعاده طوال الفترة محافظا على رباطة جأشه يوزع ابتسامته على الجميع مصبحا ولم يفقد حجته واخذ يناقش المدعي العام تلحمة بالمسائل السياسية والقوانين وأصول الإجراءات)) . وفي الصفحة 127 يقول جبران جريج الذي لم يستطع وهو في زنزانته رؤية سعاده (( سمعت وقع أقدامه. هذه هي خطواته لا يمكن ان أخطئ معرفتها . هذا هو إيقاعها كأنه قادم إلى الحفلة الاجتماعية في منزلي ....في استعراض الرفقاء بمناسبة حزبية وكأنه ليس ذاهبا لتنفيذ الإعدام. بكى بعض الحراس المرافقين لسعاده الذي شرب فنجان قهوة بهدوء وثبات وكانت تسمع للقيد رنات كلما ارتطم بالقيد )).
هكذا كان وضع سعاده ورجولته فمن أين جاؤوا بتلك المشاهد السخيفة وبتلك الشخصية الواهنة ومن هم الذين تنطحوا لتمثيل فيلم عن سعاده , ولم يقرأ واحد منهم قصة ((إعدامه)) وما رافقها . عدا عن أخطاء تاريخية أخرى وردت في التمثيلية السيئة عند إطلاق النار على رياض الصلح فلم يكن هناك رشاش إطلاقا . كما سأبين. يجب ان يقوم بتمثيل مثل هذه الادوار عن سعاده والحزب أعضاء في الحزب متشبعين بعنفوانه وروحيته .
في العودة إلى تسلسل أحداث برنامج الجزيرة نسمع المؤرخ علي شعيب يتحدث عن إعادة انتخاب بشارة الخوري رئيسا للجمهورية فيقول(( الصلح ليس عنده خيار آخر إلا إعادة انتخاب بشارة الخـــوري )) دون أن يعطي التفاصيل المقنعة لهذا الخيار . فإذا كان النواب يريدون إميل اده فلماذا يجب على رياض الصلح إجراء انتخابات مزورة لإعادة انتخاب الخوري؟ هذا ما لم يفسره علي شعيب كفاية .
وفي هذا المجال يعطي زهير عسيران تفسيرا غريبا ومستهجنا لإقدام رياض الصلح على تزوير انتخابات 25 أيار 1947 الشهيرة والزائعة الصيت فيقول : ((لو تركت الانتخابات حرة , والاستقلال طريا والفرنسيين لهم نفوذ , لنجح اميل ادة والمؤيدون لفرنسا ))وبالطبع لم يسمع احد ولم نجد في التاريخ استقلالا " قاسيا " واستقلالا طريا يحافظ عليه بالتزوير , بحيث تربى أجيال الاستقلال على التزوير للوصول إلى (( الصح )).


مع العلم ان معظم الذين اسقطوا في تلك الانتخابات كانوا من الوطنيين ومن الذين لا يقلون وطنية عن " وطنية " رياض الصلح وبشارة الخوري . والحقيقة أن تزوير الانتخابات كان الهدف الأساسي منه هو إعادة بشارة الخوري للرئاسة لضمان إعادة رياض الصلح لرئاسة الوزارة .
يحق لكل أصدقاء رياض الصلح وأحفاده وبناته ان يدافعوا عن رياض الصلح وان يبرروا تصرفاته . ولكن دفاعهم لا يجوز ان يقتصر على ما قام به ضد الحزب السوري القومي الاجتماعي . لان هذا الرجل الوطني العظيم الكبير أبو الاستقلال تعرض لاتهامات اخطر بكثير مما اتهم به الحزب السوري القومي الاجتماعي . ولا يزال الاتهام موجودا في جميع مكتبات لبنان ولدى معظم الناس في بيوتهم . فقد صدرت عدة كتب تتهم رياض الصلح بالاتصال بالصهيونية والتعامل معها وخاصة في القضية الفلسطينية . ولم يتطوع أي حفيد او السيدة عليا الصلح للدفاع عن رياض الصلح فيما تطوعت للتهجم على الجمهورية العربية السورية بأساليب مستهجنة ناسية مساهمة السوريين في إعادة تمثال أبيها إلى مكانه في ساحة (( عالسور )).
من هذه الكتب الوثائقية كتاب ((عدو عدوي صديقي)) الذي جمعت وثائقه لورا ايزنبرغ وجاء فيــه :

(( وقد اخبر صحافي يهودي ( وهو من اشد المعجبين برياض الصلح ) وايزمان بأن الصلح مقتنع بأن للعرب في فلسطين ارضا كثيرة يستطيعون الاستغناء عن عن قسم منها في حين ان اليهود ( او هكذا يعتقد العرب على الاقل ) يملكون كميات كبيرة من الذهب وهذه المصادفة السعيدة يجب ان تشكل ..أساسا للوفاق الطبيعي بين العالمين العربي واليهودي )).
وفي مكان آخر (( رتب اثنان من اصدقاء الصلح . وهما الناشطان الصهيونيان حاييم مارغوليس واتياماربن – أفى , اللقاء بين الصلح ووايزمان . وقد عرض الصلح القيام بدور الوساطة بين الطرفين وحاول اقناع الفلسطينيين بقبول سياسة بريطانيا الصهيونية . وهو الاجتماع الذي استكمل فيما بعد عام 1921 في منزل اللورد روتشيلد ))
ويقول بن غوريون في كتابه(( أحاديثي مع زعماء عرب)) ان (( موشي شرتوك ( شاريت ) حينما قام بزيارة لبنان . اجتمع مع رياض الصلح الذي وعد بزيارة فلسطين من اجل استكمال المحادثات . وقد وصل فعلا إلى القدس في اواخر ايار او في اوائل حزيران من العام 1934 . واضاف بن غوريون انه اجتمع إلى الصلح بحضور اهرون حاييم كوهن الفارسي الاصل واحد المسؤولين عن القسم العربي في الدائرة السياسية. وقد اعرب الصلح عن عزمه على العمل من اجل تفاهم عربي يهودي . وذكر بن غوريون ان النقطة الاكثر اهمية بالنسبة للصلح , بالنسبة لطبيعة الاتفاقية التي يطلبها الصهيونيون , كانت اقامة علاقات بين الدولة اليهودية في فلسطين والاتحاد العربي المستقل الذي يشمل البلدان المجاورة )).
كما ان بن غوريون ذكر انه (( التقى الصلح في العام 1936 وكان عضوا في الوفد السوري الذي كان يفاوض الفرنسيين في مسألة انهاء الانتداب . واشتكى الصلح من ان اليهود يتذكرون العرب فقط عندما تندلع الاضطرابات )).


وبتابع كتاب انطوان بطرس المشار اليه في الصفحة 296 وما بعدها من كتاب عدو عدوي (( بأنه بعد تدهور الوضع في فلسطين تبنى الصلح موقفا علنيا معاديا للصهيونية رابطا أي صفقة سياسية بالمصالحة العربية – الصهيونية الشاملة . ولكنه كان يقبل الأموال التي يقدمها إليه الصهيونيون الأمر الذي أدى إلى نجاح عدد من المحادثات التي أجراها معهم )).
والأخطر من ذلك كله ما دوّنه بن غوريون في كتابه يوميات عن الحرب في 9 كانون الاول 1948 أي ستة أشهر قبل اتهام سعاده بالتعامل مع اليهود ما يلي (( ساسون وصل ( من باريس) . وحسب قوله ثمة فرص سانحة للسلام وان رياض الصلح مستعد للعمل من اجلنا. ليس لرياض الصلح أية فرصة للترقي – وصل إلى أعلى منصب يمكن أن يصل إليه مسلم . وليس له أمل خارج لبنان )) .

وأخيرا لا آخرا , ما دونه الأمير عادل ارسلان , السياسي اللبناني الصديق المقرب من رياض الصلح عن كامل الحسين , شيخ عشيرة الخالصة من عرب الحولة عند نهر الحاصباني الذي طاردته القوات السورية المسلحة للقبض عليه بتهمة التجسس لاسرائيل , فلجأ إلى الحدود اللبنانية فاطلق السوريون عليه النار فاردوه قتيلا بقيادة النقيب اكرم طبارة , الذي اعتقلته السلطات اللبنانية . ويتابع عادل ارسلان الكلام ويقول :
كان كامل الحسين يزود اسرائيل بمعلومات من الجيشين اللبناني والسوري ويحمل المزارعين في الحولة على بيع اراضيهم لليهود . وعن هذه الواقعة يذكر الامير عادل ارسلان في مذكراته ما يلي : (( ان القتيل جاسوس صهيوني ومن أصدقاء رياض بك الصلح والحكومة اللبنانية ظنت انها تستطيع عقاب ضابط سوري قتل جاسوسا في ارض كان الجيش السوري يحميها من جيش الصهاينة . ولم يسبق ان اعتقلت فرنسا ضابطا بريطانيا او امريكيا لقتله في ارضها جاسوسا المانيا ولا يمكن ان يعتبر هذا القتل جرما عاديا )). ( مذكرات الامير عادل ارسلان ج 2 ص 831 ).
تلك كانت بعض التهم الخطيرة جدا التي توجه لشخصية كبيرة بمستوى رياض الصلح , لم نسمع يوما أي رد او تعقيب عليها لا من الأستاذ رياض الأسعد ولا من عليا الصلح . فيما رياض الأسعد بذل مجهودا كبيرا (( ليكتشف مؤخرا مسألة مهمة جدا وهي ان المتهم الثالث ( في عملية اغتيال رياض الصلح اسبيرو وديع ) عميل انكليزي )). يشكل وجوده خطرا على سمعة انكلترا بضلوعها في عملية اغتيال رياض الصلح . وخاصة عندما نعلم (( ان الاغتيال تم امام الثكنات الانكليزية التي لجأ اليها القاتل )).
ويريد الأستاذ رياض أن يصل من هذا الكلام إلى ان بريطانيا هي التي اغتالت رياض الصلح. ففي رأيه (( ان الأداة قومية ولكن الجهات التي أعطت الدعم اللوجستي هي بريطانيا . والوثيقة المكتشفة تقول ان المتهم الثالث كان عميلا بريطانيا )).
وهنا لا بد من سؤال الأستاذ رياض الأسعد ما هي هذه الوثيقة وما هو مصدرها وما هو نصها , لنعرف مدى مصداقيتها . اذ لا يمكن الوثوق بوجود مثل هذه الوثيقة دون تحديد مضمونها ومصدرها . خاصة وان الأستاذ رياض الأسعد نفسه اكد لنا في الوقت ذاته انه راجع أرشيفات وزارتي الخارجية الفرنسية والانكليزية عن تلك الفترة فوجد انها لم تذكر شيئا ابدا عن مصرع رياض الصلح ولم تأت على ذكر رياض الصلح ابدا . فاذا كانت بريطانيا متكتمة وفرنسا مثلها , وهما الدولتان المعنيتان مباشرة بالحادث , فلا بد وان يكون مصدر (( الوثيقة )) المهمة جدا هو إما إسرائيل او أمريكا او الاتحاد السوفياتي . لذلك نتمنى على الأستاذ رياض ان ينشر هذه الوثيقة لإعطاء زعمه مصداقية بأنه (( اكتشف مؤخرا مسألة مهمة جدا )).
وسنرى بعد ان ننهي ما يتعلق بالزعيم سعاده ان الحقيقة تكذب ما جاء في رواية الأستاذ الأسعد لجهة كيفية هرب اسبيرو وديع ولجهة (( المساعدة اللوجيستية )) , عندما نتحدث عن وقائع عملية الاغتيال كما رواها اسبيرو وديع نفسه , ونشرتها انا شخصيا في جريدة الديار وفي مجلة البناء . ولم يظهر أي رد عليها ينفي او يصحح ما جاء في (( الديار )) يوم الجمعة 24 كانون ثاني عام 1992 في باب (( فكر وقضايا )).
في مراجعة ما قيل عن تسليم سعاده على شاشة الجزيرة نستمع إلى زهير عسيران يروي من خياله وذاكرته الهرمة ما يناقض كل ما رواه الأمير فريد شهاب مدير الأمن العام الذي قام باعتقال سعاده مع سائقه .......الذي روى هذا الأخير بحديث مسجل بصوته ونشر في الديار .......كيف تم استلام سعاده عند الحدود السورية . وشهادته مطابقة لشهادة رئيسه فريد شهاب تقريبا . فزهير عسيران يقول انه كان حاضرا تسليم سعاده هو ومدير الدرك العام وفريد شهاب (( وان سعاده صعق وتطلع بحسني الزعيم . ونحن عائدون إلى بيروت وقفنا بفندق مسابكي )). ثم يتابع بأنه علم من حبيب ابو شهلا ان الزعيم حسني الزعيم اتصل بفاروق الذي تشاور مع الخوري وعملوا محاكمة صورية , كنا ضدها , ولكن أسرعوا إرضاء لحسني الزعيم حتى لا ينكشف دور حسني الزعيم في المحاكمة.
بالطبع فان هذا الكلام , غير مترابط وغير متجانس . لان ما يهم حسني الزعيم كان اغتيال سعاده وليس إجراء محاكمته . وما يهم بشارة الخوري ورياض الصلح هو القضاء على سعاده على الحدود لا محاكمته ولذلك طلبا إلى فريد شهاب تصفيته عند الحدود وليس اصطحابه إلى بيروت .
اما كيف جرى التسليم فاصبح ثابتا بالوثائق والمستندات والشهادات بأن ابراهيم الحسيني اصطحب سعاده إلى القصر الجمهوري , بناء على موعد محدد ومسبق مع حسني الزعيم لإجراء لقاء بين الرجلين .
وفي باحة القصر الجمهوري كانت سيارتان للمخابرات السورية بانتظار وصول سعاده الذي ترجل من السيارة وادخل إلى احدى السيارتين اللتين توجهتا إلى الحدود السورية اللبنانية , دون ان يحدث أي لقاء بين حسني الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي وبين انطون سعاده . وهذا ما اكده إبراهيم الحسيني نفسه , معززا بأقوال فريد شهاب مدير الامن العام اللبناني الذي تسلم انطون سعاده قريبا من الحدود عند المصنع . كما اكدها سائق سيارة فريد شهاب , وهو على فراش الموت .
يقول الرقيب نمر صيداني وهو عنصر في الأمن العام اللبناني وسائق سيارة فريد شهاب ومرافقه الدائم انهم في نقطة بين مركز المصنع الحدودي اللبناني وبين الجديدة مركز الحدود السورية مع لبنان وصلت في عتمة الظلام سيارتان للمخابرات السورية وسلمتهما شخصا مكبلا اركن في المقعد الخلفي من السيارة . وخلاف ما رواه فريد شهاب من انه رفض القضاء على سعاده . فان السائق روى بأن فريد شهاب طلب منه اقتياد سعاده إلى جانب الطريق وإطلاق النار عليه وقتله . الا ان السائق رفض وأجاب فريد شهاب بأنه لا يعرف الرجل وليس بينهما اية عداوة. وهو بحكم كونه مسلما مؤمنا يرفض قتل النفس البريئة الا بالحق . وبعد جدل والحاح أعلن فريد شهاب للسائق بأن هذا امر يجب تنفيذه , أجابه السائق انه يعرف من هو هذا الرجل انه أنطون سعاده وهو لن يتحمل وزر اغتياله , وسينتقم منه أعضاء الحزب . وفي محاولة أخيرة اعلمه فريد شهاب انك اذا لم تغتاله هنا فان القوميين سيحررونه على طريق بر الياس شتورة . فرد السائق ان أحدا لا يعرف إن هذا الرجل معنا والقوميون لم يعرفوا باعتقاله بعد فكيف لهم ان يقيموا الحواجز . وإذا كنت مصّرا على اغتياله فبامكانك ان تطلق أنت عليه النار .
تابع فريد شهاب وسائقه السير نحو نقطة المصنع ونزل فريد شهاب متجها إلى سيارة جيب كانت متوقفة وبعدها عاد وأكمل المسير . وفي روايته يقول فريد شهاب ان (( ضابطا كبيرا )) رفض البوح باسمه كان في السيارة ودار بين الاثنين حديث يقول فيه فريد شهاب ان (( الضابط الكبير )) قال له : (( معي امر بتصريفو شو رأيك ؟ اجبته مباشرة وبحدة انا امانع بشدة نحن لسنا قتلة ....فأجابني على الفور انا كمان من رأيك )). ( مجلة سوراقيا االلندنية عدد 980 لعام 2002)
ورواية سائق سيارة فريد شهاب تبدو هي الصحيحة لأنه رجل كان على فراش الموت وهو غير مسيس . ويستنتج منها ان فشل فريد شهاب في اقناعه بقتل أنطون سعاده , منعه من ان يقوم هو نفسه بالمهمة بحيث لا يمكن ان يقبل بتوريط نفسه بعمل سيكلفه حياته حتما . وعندما ادلى بحديثه خطيا لمجلة (( البناء )) أراد تجميل صورته امام القوميين والرأي العام بأنه رفض تنفيذ الامر بتصفية سعاده . ولكن الحقيقة كشفها سائقه . وعندما التقى (( الضابط الكبير )) واعلمه برفض السائق اعلن انه هو نفسه لن يتحمل المسؤولية وكذلك فعل الضابط الكبير .
يفهم من كل الروايات الموثقة ان قائد الدرك العام الزعيم نور الديم لم يكن مع فريد شهاب لان رياض الصلح في بيته وامام فريد شهاب (( نهض وامسك الهاتف وتحدث إلى نور الدين الرفاعي وامره ان يتوجه إلى ثكنة الفياضية ليتسلم سعاده )) فمن هو (( الضابط الكبير )) ؟ وهو السؤال الذي لم يجزم بجوابه احد . ولكن لا بد من الاضاءة إلى ان هذا اللقب كان يطلق فقط ويستعمل للاشارة إلى قائد الجيش فؤاد شهاب في كل مرة يكتب احد عنه ولا يرغب في تحديد اسمه . مع اضافة ان هناك مصلحة لفريد شهاب في حماية فؤاد شهاب خاصة وان فؤاد شهاب كان حيا عندما ادلى فريد شهاب بافادته الخطية لمجلة (( البناء )).
بهذا القدر يمكن ان نختم البحث فيما يتعلق بتسليم انطون سعاده و ((اعدامه )) على ضوء ما ورد في الشريط التلفزيوني الذي بثته محطة الجزيرة وهو من اعداد الاعلامي محمد الضيقة. لتنقل إلى ما يتعلق باغتيال (( الزعيم )) اللبناني رياض الصلح في الشريط نفسه .
مجمل ما قيل حول اغتيال رياض الصلح يتلخص فيما يلي :
يقول زهيير عسيران ان الملك عبد الله اصر على رياض الصلح للحضور لامـر سري وهام ( في تموز عام 1951 ) وان الملك عبد الله بحسب , رياض الاسعد , قال لرياض الصلح عندما وصل عمان بأنه (( في آخر أيامي افكر باتحاد مع العراق . بتوحيد الجيشين والعرشين , وان يكون الملك عبد الله ملك الاتحاد وبعد وفاته يعود العرش إلى الملك غازي , لان ابنه الأمير طلال كان مريضا نفسيا وعقليا . وحسين بن طلال لا يزال صغيرا .
اما كمال الصليبي فقال ((ان الملك عبد الله كان يرغب في تكريس وحدة الضفتين )).
ونصري المعلوف صديق رياض الصلح افاد بأن نوري السعيد قال ان الذين دبروا المؤامرة لرياض الصلح لم يكن الحزب السوري القومي . انما الذين لم يكن يرضيهم مثل هذا الاتحاد ( بين الضفتين ) ويجب ان يقوم بالتنفيذ طرف ثالث .
جميع هؤلاء لم يؤيد اقواله باسانيد او وثائق او مراسلات .
من خلاصة هذه الأقوال نجد ان المؤرخ المعروف كمال صليبي يتحدث عن رغبة الملك عبد الله في توحيد الضفتين . اما الأقوال الاخرى حول توحيد العرشين, فان العرشين والجيشين مهمة تتطلب دورا اكبر بكثير من دور رياض الصلح في لبنان وسورية ومصر .
وهو امر يرتبط مباشرة بالانكليز وليس رياض الصلح بالرجل الصالح لهذه المهمة لدى الانكليز . واذا كان الكلام المنقول عن نوري السعيد صحيحا وهو غير منطقي فانه يكون مقبولا اذا كان المقصود عرقلة ضم الضفتين .
والخلاصة ان مسألة توحيد العرشين في ذلك الزمن لم تكن صلاحية أي من العرشين وقد جرى نوع من الاتحاد بينهما عقب الوحدة السورية المصرية الغي احدهما بمجزرة دموية مخيفة عبر انقلاب عسكري بدل وجه المنطقة وادخلها في اضطرابات لم تنته فصولها حتى اليوم في العراق .
لذلك فان ربط اغتيال رياض الصلح في عمان بموضوع توحيد العرشين, فيه تبسيط وسذاجة سياسية , لا تحقق الغاية التي رمى إليها اقرباء رياض الصلح لإضفاء اهمية على اغتياله تتعدى عملية اغتيال ثأرية , وتربط الاغتيال(( بسبب سياسي قومي )) كان رياض الصلح يسعى إلى تحقيقه حسب مزاعم الأصدقاء والاحفاد .
عملية الاغتيال كانت ولا تزال عملية ثأرية بامتياز بعد ان نتعرف على التفاصيل الاكثر توثيقا من تلك الروايات . حيث لا شك بأن اغتيال رياض الصلح كان وليد اغتيال انطون سعاده . ولم يكن لاي مسؤول حزبي علاقة به من حيث توجيه احد من اعضاء الحزب لتنفيذه . ولا يمكن فهمه الا بادراك ما كان يتفاعل في نفس كل عضو من الحزب تجاه رياض الصلح الذي كان على رأس جميع التحركات التي توجهت نحو تصفية سعاده وحل الحزب , بدءا من لقاء الكتائب – النجادة إلى مجلس الامن والدفاع , إلى الاشراف المباشر على متابعة تسليم سعاده ومحاكمته .
ميشيل الديك كان في الطليعة . فقد اخذ على نفسه عدم القيام بأي نشاط حزبي (( قبل ان يسترد القوميون كرامتهم )) بالثأر من رياض الصلح . بالإضافة إلى ما اشيع من ان العقيد أديب الشيشكلي, وهو المعجب بسعاده, سمع اكثر من مرة ينعي على اعضاء الحزب عدم الدفاع عن كرامتهم بترك رياض الصلح دون عقاب .
ميشيل الديك كان صاحب مطعم ومقهى في درعا القريبة من الحدود الاردنية بعدما تقاعد من عمله في الجمارك السورية . واصله من مدينة طرابلس . واسبيرو وديع يعمل سائق بين عمان ودمشق على سيارته الهدسون الزيتية اللون والعلاقة وثيقة بينه وبين ميشال الديك ومحمد اديب الصلاح وكيل الضابط في الجيش الأردني ومن اعضاء الحزب المتحمسين .
عرض ميشيل الديك فكرة الاغتيال على اسبيرو وديع الذي رحب بها واعلن استعداده بعدما اعلن عن نبأ زيارة رياض الصلح للاردن قريبا . وانضم اليها محمد اديب الصلاح عارضا فكرة ان يرتدي الثلاثة لباس رقباء في سلاح الطيران الاردني وهو يؤمن دخولهم إلى مطارعمان لاغتيال رياض الصلح عند مغادرته بعد انتهاء الزيارة .
وفي التفاصيل ان الثلاثة اجتمعوا في عمان في بيت محمد اديب الصلاح ووضعوا الخطة على ان يتم استبدال الملابس في المنزل قبيل مغادرة الصلح نحو المطار بوقت قليل . ولكن ولاسباب امنية , ربما , جرى تقديم ساعة المغادرة لمدة ساعتين على الاقل حيث فوجىء ميشيل الديك ورفاقه بموكب رياض الصلح متجها نحو المطار يتقدمه دراجتان ناريتان وفي موقع معين على طريق المطار اندست سيارة اسبيرو خلف سيارة الصلح بشكل عادي وهادىء ولم يعترضها احد لان السيارات الاخرى خلف سيارة الصلح لم تكن سيارة عناصر امنية بل سيارات الوفد المودع .
ابطأ اسبيرو وديع في السير , فابتعدت سيارة الصلح عن الموكب مسافة كافية بنظر اسبيرو الذي انطلق فجأة بسرعة فائقة حتى اقترب محاذيا سيارة رياض الصلح محاولا الالتصاق به , وبمحاولة سائق الصلح تفاديه اقترب من حافة المنعطف , وهناك اسند ميشيل الديك يمناه على يسراه وأطلق صيحة (( خذها من يد سعاده )) ولم تنته كلماته حتى كانت الرصاصات قد\ نفذت إلى حيث اراد لها ان تستقر . وفي اللحظة ذاتها مال سائق سيارة الصلح بسيارته نحو اليمين قليلا وتوقف حتى لا تسقط في المنحدر , وبدورها توقفت سيارة الهدسون محاذية لها ونزل ركابها مع مسدساتهم : فواجه محمد اديب الصلاح السيارات القادمة من الخلف , واسبيرو وقف أمام مقدمة سيارته باتجاه الموتوسيكلات , البعيدة الآن عن الموكب , وميشيل تفقد بيده مواضع الإصابة وتأكد من وفاة الصلح, في حين كان الجالس في المعقد الامامي وهو عبد العزيز العرب على الاغلب , كما روى اسبيرو , مخفيا رأسه بمحاذاة ( التابلو ) والدكتور بربير بالوضع ذاته في الخلف وقد مزقت احدى الرصاصات جاكيته ولامست بالكاد سطح ظهره .
استغرق الامر كله لحظات وثواني , انطلقوا بعدها بسرعة فائقة , متقابلين مع الدراجتين الناريتين العائدتين نحو الموكب لمعرفة ما يجري , ولتقوما مع السيارات الاخرى بمطاردة الهدسون , فادركوها متوقفة , غاب عنها ركابها في المنطقة .
تدرأ ميشيل بكومة يشاغل المطاردين برصاص مسدسه , مانحا رفيقيه وقتا كافيا ليبتعدا ويختفيا في الحرج القريب . ومن مكمنه راح يطلق النار ببطء , واطلق آخر رصاصة معه على نفسه , فهو لم يقتل الا برصاص عبد العزيزالعرب ولا برصاص غيره . الا بعد ان كان قد قضى هو على نفسسه اولا . وهناك وقف عبد العزيز عرب معلنا القضاء على ميشيل ديك .
اما اسبيرو ومحمد اديب الصلاح فغابا عن الانظار إلى ان وقع محمد الصلاح ارضا ولم يعد يستطع متابعة الجري , فجراحه من عملية فتق اجراها , ولم يمض عليها وقت كاف , تفتقت وبدأـ تنزف , فطلب محمد إلى اسبيرو الاستمرار بالهرب ريثما يشاغل هو المطاردين وتعطيل حركتهم , لان استمراره هو في الهرب اصبح مستحيلا . تابع اسبيرو سيره حتى غابت عنه اصوات الطلقات , وعلم فيما بعد ان محمد اديب الصلاح اطلق النار على نفسه ونقل إلى المستشفى والمحققون حوله يسمعونه يردد عبارات من نشيد الحزب (( سورية لك السلام سورية انت الهدى )) واغمض عينيه مبتسما كما وصفوه . وفي هدأة الليل صحا من االبنج ومزق الاربطة والسيروم ونزف حتى الموت .
تمكن اسبيرو من الوصول إلى اجمة وكان الظلام بدأ يسحب ضوء النهار فارشا سواده على المنطقة . وفجأة يسمع وقع اقدام . فاشهر مسدسه فاذا برجل من البدو ينتصب قريبا منه ويبادره (( عليك الامان )) فيعيد اسبيرو مسدسه إلى وسطه ويدعو الرجل إلى الجلوس وهو يعرف اكثرهم وعاداتهم . ادعى اسبيرو انه كان يصطاد فادركه الظلام وجلس يستريح منتظرا عودة رفاقه , البدوي , ابتسم بذكاء , وبادر اسبيرو قائلا وبدون مقدمات : لا تضيع الوقت انا اعرف لماذا انت هنا , انت حديث البلد , والمكان كله مطوق والبحث عنك جار , امامك فرصة وحيدة وغيرمؤكدة , وهي ان تسلك الممر الذي اتيت انا منه فليس فيه حتى الآن اية مراقبة . عانق اسبيرو البدوي وشده هذا إلى صدره علامة الصدق والمودة , وانطلق مهرولا طوال الليل حتى اجتاز منطقة الحصار , ولم يتوقف الا وطلوع الفجر يقشع خيوط الظلام . بقي في مكمنه النهار بكامله ولم يأت بحركة بعيدا عن رصد المناظير , او الدوريات المفاجئة . وفي الليل عاود السير .
في الزرقاء حصل على طعام من رفقاء له سد به جوعه . متابعا سيره الليلي وسكونه النهاري حتى وصل إلى منطقة آمنة قرب الحدود الشامية . اصطاد ارنبا في وضح النهار وأكله نيئا , وفي يومه الاخير صادفته دورية من شرطة الجيش الشامي اصطحبته إلى درعا .
وفي درعا التي يعرف معظم اعضاء الحزب فيها توجه اسبيرو بثيابه الممزقة إلى منزل اسماعيل الشرع رأسا . وبعد استراحة ونوم كاف وتبديل الملابس نقلته مجموعة إلى دمشق بسيارة احمد الصيدلي ومعهم نايف الرفاعي واسماعيل الشرع , وفي دمشق اتفق على ان يقيم في منزل ملائم من حيث الموقع والجوار فاختير منزل الاعلامي المعروف فاروق نصار وكان رئيس تحريرجريدة الحزب البناء ومراسلا لوكالة اسوشيتيد برس وتقاعد في بيروت ككبير مراسليها في المنطقة ولا يزال في بيروت .
اما اسبيرو فقد سافر بجواز سوري وباسم مستعار إلى البرازيل حيث للحزب فرع فيها وقد توفي منذ اكثر من خمسة عشر عاما .
الساعة حوالي السابعة صباح الثلاثاء 17/7/1951 في حمص كنت اقرأ خبر مقتل رياض الصلح في جريدة صباحية , وجرائد اخرى تحت ابطي انتظر الباص المتجه إلى دمشق , بعد ان استمعت إلى النبأ من محطة الشرق الادنى في المساء واذيع اسم القاتل (( ميخائيل ديب )) بدلا من ديك , ادركت انه ميشيل ديك الذي اعرفه جيدا , لان ميشيل كان اوقف معظم نشاطه الحزبي بعد استشهاد سعاده , ودأب يردد ((الا كرامة له , او لاي قومي , ولا معنى لاي نشاط حزبي , طالما ان رياض الصلح لا يزال حيا , وطالما ان اعضاء الحزب يملأون السجون , وعائلاتهم مشردة بفعل التدخل المستمر من الصلح الذي يمنع العفو عن القوميين ويحول دون تحسين ظروف الاسرى)) . وميشيل لا يحب الثرثرة ولذا لم يستطع احد خرق دماغه وقراءة ما كان يخطط له . كان يحب الصمت واكثر ميلا إلى الابتسام , منه إلى الضحك وكثرة الكلام , مقطب الجبين معظم الاحيان رغم طبيعته المرحة , وقبل يومين من الحادث كان يتناول الغداء عندنا في البيت ولم يظهر فيه ما كان يخطط له .
على موقف الباص في حمص كان بجانبي خفير بالجمرك لا اعرفه , صبح علي بالخير , وهز رأسه بحزن مشيرا إلى عناوين الجريدة , كمن يعبر عن اسفــه وحزنــه , وقال انا اعرف (( القاتل )) كان زميلي , واطال في سرد مناقبه وحسن سلوكه وسمعته العالية ومحبة زملائه له . اخرج من جيبه قطعة نقد معدنية وقال : انا مستعد ان امسك هذه القطعة بين اصابعي رافعا يدي في الهواء ليطلق ميشيل عليها النار دون ان اخشى اصابة اصابعي لاننا خبرناه قناصا يصيب هدفه بدقة تامة ومعجزة لم يجاره احد فيها .
ان العنوان لخبر مقتل رياض الصلح في جريدة(( البناء )) العدد 227 – 228 الصادر في 16 تموز 1951 . (( خذها من يد سعاده )) له قصة !
ففي اليوم التالي للحادث , وفي (( نادي الشرق )) الفخم في دمشق اثناء حفلة استقبال رسميةكان دبلوماسي من الخارجية السورية , وهو من المع الدبلوماسيين العرب في العالم , خلال الاربعين عاما الماضية وهو اديب معروف ومرموق , تربطه صداقة ومودة حارة بالحزب , لم تفتر يوما , ولم تضعف ابدا , في تلك الامسية في نادي الشرق , انتحى الاديب الكبير عمر ابو ريشة مع زميل له برئيس تحرير جريدة الحزب (( الجيل الجديد )) وأوصل اليه معلومات وردت فيها بعض التفاصيل (( التي قد تهمك وسأطلعك عليها , لأنها ليست من النوع السري , ولكنها لم تـــذع في نشـــرات الانباء )) وروى الحادث وفيه ما قاله ميشيل ديك لرياض الصلح (( خذها من يد سعاده )) ونزول ركاب الهدسون الثلاثة وتأكدهم من وفاة رياض الصلح وعودتهم إلى سيارتهم فكان سبقا صحفيا استحق بروزه في المانشيت .
أتمنى على الذين وردت أسماءهم في برنامج الجزيرة ان يصححوا معلوماتهم او ان يصححوا معلوماتنا حول ما جاء في تلك الحلقة بالاستناد إلى الوثائق والمستندات مع الاحترام الكلي لجميعهم .


بشير موصلي – محام

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر