الراصد القديم

2011/09/11

الاستشراق والاستغراب والإستعراب


الطيب آيت حمودة
تباين الطبيعة في أديمها ومناخها وثروتها ، وتبدل أقاليمها من حيث التميز بالغنى والفقر ، يدفع المجتمعات للحراك والتنقل والهجرة بحثا عن ظروف أليق وأفضل ، وتلاقي البشر وتعارفهم داخل حيز جغرافي معلوم ، يتولد عنه مجتمع جديد بخصائص قيمية فيها المحمود والمذموم ، وقوله عز وجل في الآية 13 من سورة الحجرات ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ،وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ،إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ،إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ .) هو تشريع رباني ضامن للتواصل بين أبناء البشر للتعارف والتعاون . فالتطلع لمعرفة الآخر مهما تعددت أسبابه وأساليبه هو ديدن البشرية جميعها ، فانبهار (الأنا بالغير ) يُعد دافعا قويا للانفتاح ، ولا شك بأن إعجاب الغرب بالشرق يستدعي التلاقي ، ويدعو إلى رغبة في معرفة هذا الإنسان الشرقي بحضارته ، وإبداعه ، وأساليب تفكيره ، ومعتقده ، وتبيان العناصر المكونة لمجتمعاته ، وإمكانية التنفذ والنفاذ فيه ، فمن هنا كانت الحاجة إلى التخصص في دراسة الشرق فيما يُعرف بالدراسات الشرقية أي ( الإستشراق )، قد يكون هدف الإستشراق في البداية بريئا ، غير أنه تحول إلى أداة للإحتواء و الإلحاق ، بغية جعل الغرب هو قطب الرحى ومركز الإشعاع الذي تدور حوله الكواكب السيارة، ومن أجل ذلك كان لزاما على الغرب دراسة القرآن ولغته العربية ،التي لم تكن عندهم سوى أداة ، والعرب وسطاء لهم لفهم طبائع الشرق حسب تعبير المستشرق برنارد لويس .

*** الإستشراق بوابه يطل منها الإستدمار ...

بدأ الإستشراق ببدايات المد المسيحي الصليبي في العالم الإسلامي ، فكان سقوط غرناطة في أواخر القرن الخامس عشر (1492) مدويا ، وحاجات أوروبا النصرانية في تزايد بفعل النهضة وإرهاصاتها التي أينعت بفكر فلسفي عرف بعصر الأنوار ،فالانفجار الصناعي الغربي ومآلاته ، التي منها الحاجة إلى مواد الخام والأسواق وا ليد العاملة الرخيصة أينعت بتأسيس أول كرسي لدراسة اللغة العربية في أكسفورد 1633 ، ونفس الشيء حدث فيما بعد في باريس وليدن ....، فكان الإستشراق بوابة لتحقيق الحلم الغربي في جعل الشرق فضاء حيويا تابعا له ، يخدمه في السر والعلن ، بأسماء مهذبة ظاهرا ومقيتة خفيا ، ولعل في سخاء الأنجليز مع الشريف حسين ، و دهاء المستر همفر مع محمد عبدالوهاب ، ونصائح جون فليبي للملك محمد عبدالوهاب ما يُرسخ فكرة رغبة الغرب في احتواء الشرق ، كما أن حملة نابليون على أرض الكنانة لها وقع متفرد بين أهاليها من الوجهة الحضارية لما أحدثته من مثاقفة بين الشرق والغرب ، وإن كانت فيه محاولة تغليب المسيحية عبر بوابة دحض الإسلام من الداخل بفضل التمكن من اللغةالعربية ، والإنفتاح على عقيدة الإسلام وعقلية المسلمين .

***من الإستشراق إلى الإستعراب .

بعض المستشرقين استهجنوا نعتهم بالإستشراق ، فالأسبان المهتمون بتراث العرب المسلمين دراسة وتحليلا يستحسنون وصفهم (بالإستعراب Arabistas) ، لأن جهدهم موجه خصيصا لدراسة اللغة العربية وآدابها وتراث المسلمين بعمومه بشبه جزيرة ابيريا (الأندلس) ، دون عنايتهم بلغات الشرق كالفارسية والتركية والهندية ..... ومن هنا يتضح أن ( الإستعراب ) هو من مشمولات الإستشراق ، كما أن العرقنة ، واللبننة ، والليبنة والمصرنة هي بنات الإستعراب ومشمولاته . ومن هنا كان الواجب التمييز بين المستعربين والمستشرقين في إسبانيا. فالمستعربون هم الذين يهتمون بالدراسات العربية الإسلامية، وبخاصة الأندلسية منها، والمستشرقون هم الذين يهتمون بقضايا الشرق على العموم، وبخاصة قضايا الشرق الأقصى ، وقد أجاد ( ألبارو (Alvaro في وصف هؤلاء قائلا : إن المسيحيين منا قد نسوا لغتهم، وبين ألف شخص منهم لا يوجد واحد يحسن كتابة رسالة إلى صديقه باللغة اللاتينية، ولكن إذا طلبته للكتابة باللغة العربية أجاد كل الإجادة ،بحيث أن الكثيرين من إخواننا في الدين يحسنون اللغة العربية أفضل من العرب أنفسهم . وأعجبني قول أحد المستعربين الأسبان وهو ( خوليان ريبيرا) عندما قال : [....كل منجزات الأندلسيين المسلمين في العلوم والفنون والثقافة ينبغي أن تنتسب إلى إسبانيا قبل أن تنتسب إلى الشرق العربي أو الغرب الأوربي... ] وله نظرية عجيبة في إسقاط النسب العربي على أموي الأندلس تحتاج إلى وقفة منا مستقبلا .

*** الإستغراب كنقيض للإستشراق .

بدايات تعرف المسلمين على ( الآخر ) كان تواصلا غير ممنهج ، برزت أخباره في أدبيات ( المسالك والممالك ) التي نسميها أدب الرحلات ، فذاع بعضها ذيوعا كبيرا لما تحمله من وصف دقيق للأقليم المزارة في طبيعتها وأمكنتها ، وخصائص شعوبها العقدية والإجتماعية والثقافية ، فكان أمثال ( الكندي ) ، ( وابن بطوطة )، (واليعقوبي ) ، ( وأحمد بن فضلان ) (وقدامة بن جعفر) ، (وابن حوقل ) وغيرهم خير عون لمعرفة خفايا الغرب آنذاك لدى الخواص االمثقفة ، ولعل في رحلة(أحمد بن فضلان ) لبلاد الشمال الأوروبي في العقد الثالث من القرن العاشر الميلادي (921/924 م) والتي توجت بكتاب ( رسالة ابن فضلان ) الذي يحمل بين دفتيه وصفا دقيقا شيقا لرحلته إلى بلاد الخزر والترك والصقالبة والروس وبلاد الفايكينج في الإسكندنافيا ، تُعد أفضل الأعمال ، ورسالته يمكن عدها من طلائع ( الإستغراب ) لفهم الآخر المختلف ، وعلم الإستغراب وإن كان مـتأخرا زمنيا عن الإستشراق إلا أنه مشابه له في الوسائل والمناهج والطرائق ، مخالف له في الأهداف التي يمكن وصفها ( برد فعل ايجابي ) للإستشراق ، فغايات الإستغراب وضحها المفكر الإسلامي (حسن حنفي ) في كتابه ( علم الإستغراب ) [1] في الفصل المتعلق بالمركزية الأوربية قائلا :

[... مهمة علم الاستغراب هو القضاء على المركزية الأوروبية..] ، [...رد ثقافة الغرب إلى حدوده الطبيعية بعد أن انتشر خارج حدوده أبان عنفوانه الاستعماري ] . ، [...مهمته القضاء على أسطورة الثقافة العالمية التي يتوحد بها الغرب، ويجعلها مرادفة لثقافته، وهي الثقافة التي على كل شعب أن يتنباها حتى ينتقل من التقليد إلى الحداثة. فالفن فنه، والثقافة ثقافته، والعلم علومه، والحياة أساليبه، والعمارة طرازه، والعمران نمطه، والحقيقة رؤيته. مع أن الثقافات بطبيعتها متنوعة، ولا توجد ثقافة أم، وثقافات أبناء وبنات...] . ،[.. القضاء على ثنائية المركز والأطراف على مستوى الثقافة والحضارة. فمهما حاول رجال السياسة والاقتصاد القضاء على هذه الثنائية في ميدان السياسة والاقتصاد دون القضاء عليها مسبقاً في الثقافة فإن تبعية الأطراف للمركز في السياسة والاقتصاد قائمة...]. [..مهمة علم الاستغراب هو إعادة التوازن للثقافة الإنسانية بدل هذه الكفة الراجحة للوعي الأوروبي والكفة المرجوحة للوعي اللا أوروبي. فطالما آن الكفتين غير متعادلتين سيظل الوعي الأوروبي هو الذي يمد الثقافة الإنسانية بنتاجه الفكري والعلمي وكأنه هو النمط الوحيد للإنتاج. ..]. [.. تصحيح المفاهيم المستقرة والتي تكشف عن (المركزية الأوروبية )من أجل إعادة كتابة تاريخ العالم من منظور أكثر موضوعية وحياداً وأكثر عدلاً بالنسبة لمدى مساهمة كل الحضارات البشرية في تاريخ العالم، هو مفهوم ((العالمية)) كما هو الحال في ((الحرب العالمية الأولى)) أو ((الحرب العالمية الثانية))، وهي حروب أوروبية صرفة نشأت بين القوى الأوروبية بسبب أطماعها فيما بينها وأطماعها في غيرها...]. [...إعادة صياغة فلسفات التاريخ الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خاصة والتي صاغت التاريخ كله بحيث يصب في النهاية في الحضارة الغربية،...] .

***الإستغراب حلم أم حقيقة ؟ .

وإن كانت وجهة نظر (الدكتور حسن حنفي ) وجيهة من حيث المبدأ ، إلا أنها إلى التنظير أقرب منها إلى التطبيق الفعلي ، فلا يعقل لمجتمع ينشد السير القهقرى بالرجوع إلى ما كنا عليه في القرن الأول الهجري من باب ( خير القرون قرني ..( مسايرة الغرب أو الإستلهام منه وهو يسير بخطوات عملاقة في مجال الإبداع والإختراع ، وكلما مر يوم إلا وازداد الفارق بيننا بالقرون زمنيا تداركه من المستحيلات السبع .

**فلا أعتقد بأننا قادرون على الإلمام بعلوم الغرب وثقافاته المتشعبة وعلومه المتفرعة ، فكيف الحال التخلص من تبعيته التي تتعمق بمرور الزمن ، فحراكنا غدوا ورواحا ، وعلاجنا ومأكلنا وملبسنا وعمراننا وسلاحنا البري والبحري ، وإعلامنا السمعي البصري ، وحضارتنا اليوم ، كلها إبداع غربي ... و من إرهاصات ونواتج فلسفة الإغريق ، التي حاول ابن رشد التنظير لها فاتهم بالزندقة والإلحاد .. تاركا الحضوة لأهل النقل من أمثال مدرسة أبي حامد الغزالي .... فكيف السبيل التخلص من مركزية الغرب ونحن غارقون فيها بلا حد ولا مد ، والغريب في الأمر أن المسلمين يحلمُون اليوم بتميز حضاري لم يؤسسوا له ، فحتى العلماء الذين عاشوا تحت حماية الدولة الإسلامية في عز مجدها كابن سينا وابن رشد والفارابي ... وصفوا بأشنع الأوصاف في أدبيات المسلمين منها : أنهم فراخ الهند واليونان .... لكونهم مقلدين للعلم الوضعي السنسكريتي واليوناني ، وخوفي الأكبر أن يتحول الإستغراب المنشود إلى تغرب لانعدام آليات المقاومة المادية عند الدارسين المشارقة ، فهم لا شك سينبهرون بحياة الغرب وبهرجته المادية في بلاد ( الجن والملائكة ) ، ويتناسون الهدف الذي سخروا له ، ولعل في تجربة رافعة الطهطاوي وقاسم أمين وطه حسين ما يفيد .

** *من الإستغراب إلى التغريب ....

التغريب هو نزع ُ المشرقي لعباءته الدينية والثقافية واللسانية والتراثية ، بعد الاقتناع بالموروث الحضاري الغربي ، فيقع الإبدال والتغيير ، فبدل نقد الآخر ، يتحول النقد إلى الذات المرتهنة فيصبح الإستغراب بأداء سلبي ، تظهر فيه التبعية للغرب جلية في التفكير والمعاملة ، والأخذ بأساليب العمل وأنماط الحكم المدني ، واتخاذ الغرب ملاذا وقدوة في أمور الدنيا ، ولا شك في أن نظرة المشارق لعلماء العرب أيام نهضتها تشير إلا وجود تنافر ظاهر بين الفكر السلفي ، وفكر الذين استغربوا من أمثال رفاعة الطهطاوي ، وطه حسين ،ومحمد عبدو ،وجمال الدين الأفغاني ، وقاسم أمين ، وجورجي زيدان سابقا ، أو المسلمين الذين درسوا العرب من منظور فكر غربي ك(محمد عابد الجابري ) ، و(محمد أركون) وعبدالله العروي ، في نقدهم للعقل العربي .

** * وللأمازيغ في الإستعراب نصيبٌ .....؟؟!

الأمازيغ مثلهم مثل الأسبان فهم شغوفون باللسان العربي ، مدافعون عنه باعتباره لسان دينهم ، مدركون لعلائقهم المشتركة مع المشارقة ، غير انهم دعاة للتميز منذ القديم ، فكل منجزاتهم الحضارية والثقافية يجب أن تنسب إلى مغربهم لا إلى المشرق العربي ، وهو ما ظهر جليا في كتابات ابن خلدون وصاحب مفاخر البربر ، وابن بطوطة ...،وهو الهاجس نفسه الذي جعل ابن حزم فصيحا في إبراز التمايز بين المشرق والمغرب بقوله:

(( أنا الشمس في جو العلوم منيرة **** لكن عيبي أن مطلعي الغرب ))

((ولو أنني من جانب الشرق طـالـع ٌ ***لجد علي ما ضاع من ذكري النهب)).

، وما الوثبات المتكررة التي يقوم بها الأمازيغ حاليا سوى ترجمان صادق لما أراده الأجداد بمذهبهم المالكي ، وخطهم المغربي الجميل وقراءاتهم المتميزة للقرآن ، وهو منشد العرب عندما كانوا تحت هيمنة العثمانيين ،فالثورة العربية الكبرى هي قدوة للأمازيغ في التحرر من مرجعية الشرق ومحو لدائرة الإستحواذ ، واستبعاد لمظاهر التبعية والشمولية التي مركزها ونواتها عرب المشرق ، ومن هنا يمكن القول بأن مبتغى الإستغراب يقابله مبتغى الإستعراب في أسمى تجلياته ، فمختلف الملاحظات التي أبداها (حسن حنفي) في شمولية الفكر الغربي تجاه المشرق ، هي نفسها الملاحظات المسجلة حول مركزية العرب تجاه الأعاجم المسلمين من غير العرب .

خلاصة القول أن الاستشراق والإستغراب وجهان لعملة واحدة ، فالأول مدروس بعناية مستحكم النهج يدرك ما يريد وفق استراتيجية طويلة المدى، أثمرت بخلق التبع والهوامش الذين يدورون حول الغرب رغبة أو رهبة ، لما أبانه من سبق علمي مبهر ، أما الثاني (الإستغراب ) فهو عبارة عن ظاهرة صوتية مقبورة و محاولات يائسة لفك عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر،.. وهي لم تثمر، ولا يمكن لها أن تثمر كصنوها ( الإستشراق) لأن الشرق مجبول على الإنقياد للفكر الغربي ، وهو سوق إستهلا كية رائجة عنوانها (اتركوهم يبدعون ويخترعون وينتجون ، ونحن هاهنا للإستهلاك بفضل منحة ربانية تمكننا من شراء إبداعهم بالثمن الذي يريدون ، إنها منحة (النفط ) التي يمكن عدها من هذه الوجهة نقمة أكثر منها نعمة .

الإحالات ---------------------

[1] الدكتور حسن حنفي ، علم الإستغراب ، ص 36 ، الدار الفنية للنشر والتوزيع القاهرة ، 1991.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر