الراصد القديم

2011/09/18

السوريّ القومي والتاريخ الطويل مع العنف

المستقبل

بين القراءة "السريعة" لمحطّات تاريخية وواقع الانتهاك الصريح لاتفاق الطائف
وفكرة الدولة مروراً بالارتباط "الكلّي" بنظام الوصاية

نصير الأسعد

لـ"الحزب السوري القومي الاجتماعي" مع "العنف" تاريخ طويل. فهذا الحزب الذي يعتزّ رعيل ممن انتسبوا إليه أو ناصروه في فترات غابرة بأن له صفحتين أساسيتين مشرقتين، تتعلّق الأولى بتفكيره العلماني، وتتعلق الثانية بمساهمته في المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، مرّ في أطوار عدة، لكنه "مارس" الاغتيال السياسي عبر حقبات تاريخه.
ليس هذا النصّ لـ"تأريخ" المراحل التي مرّ بها "السوري القومي" لكنه للتذكير بعمليات اغتيال "ارتكبها" وبأعمال "عنف" أقدم عليها.
اغتيالات ومحاولة انقلاب من الخمسينات إلى الثمانينات
فاتحة الاغتيالات "المعروفة"، كانت اغتيال رجل الاستقلال ورئيس الوزراء رياض الصلح مطلع الخمسينات من القرن الماضي. ذُكر في ذلك الزمان أن الاغتيال كان انتقاماً لإعدام "زعيم" الحزب انطون سعادة بعد محاكمة سريعة ومتسرّعة. وذكر في ذلك الزمان أيضاً أن الاغتيال كان مبنياً على اتهام من القوميين للصلح بالتواطؤ مع حاكم سوريا آنذاك أديب الشيشكلي.
وفي الخمسينات من القرن الماضي أيضاً، اغتال الحزب الضابط البعثي في سوريا عدنان المالكي. وقال البعض في تلك المرحلة إن الاغتيال كان على خلفية "التنافس" و"الصراع" بين "الحركة القومية السورية" و"الحركة القومية العربية" بأجنحتها المختلفة. لكن الحزب تنصّل من العملية وألقى بالمسؤولية عنها على قرار منفرد اتخذه رئيسه آنذاك جورج عبد المسيح، علماً أن قيادات الحزب دخلت السجون السورية وبقيت فيها فترة طويلة.
وفي مطلع الستينات، وتحديداً في ليل رأس السنة 1961 ـ 1962، نفّذ الحزب محاولة انقلاب في البلد، ضدّ حكم الرئيس الراحل فؤاد شهاب. وكانت خطته تقضي بتسلّم المفاصل الأساسية للدولة مع تحالفات "مناسبة". لكن الانقلاب فشل ودخل قادة الحزب والعديد من كوادره إلى السجن، وبقوا فيه نحو سبع سنوات وخرجوا بعفو رئاسي وقّعه الرئيس الراحل شارل حلو، ليجدوا ترخيصاً رسمياً أعدّه لهم الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط الذي كان وزيراً للداخلية وصرّح للأحزاب اليسارية والقومية بالعمل العلني. وإذا كان "الحزب السوري القومي" قام بمحاولته الانقلابية تحت عنوان "الثورة القومية الاجتماعية"، ومع ان هذه "التجربة" كانت موضع مراجعة وتفاعل داخل الحزب خلال وجود قياداته في السجن وبعد خروجهم، فإن ذلك لا يمنع من القول إنه أقدم على "عمل" عنفيّ ضدّ النظام السياسي، وضدّ الكيان في نهاية المطاف.
.. وفي مطلع الثمانينات، وتحديداً في العام 1982، اغتال الحزب الرئيس المنتخب الراحل بشير الجميل. في بداية الأمر، وتحت وطأة الظروف السياسية آنذاك، تبرّأت القيادة الحزبية من الاغتيال و"سافرت" في معظمها إلى دمشق. لكن تباعاً ومع تبدّل الظروف، صار الحزب يفاخر بأنه اغتال الجميّل ويدرج الاغتيال في "خانة" المقاومة ضدّ العدو الإسرائيلي، وراح يشيد بـ"المنفّذ" حبيب الشرتوني إلى أن هرّبه من السجن في وقت توارى "المخطّط".
وفي العام 1989، ألقي القبض على مجموعة قوميّة في المياه الاقليميّة كانت مكلفّة اغتيال الجنرال ميشال عون "من البحر إلى الجوّ" خلال انتقاله إلى تونس للقاء اللجنة العربيّة حول الأزمة اللبنانيّة. إلاّ انّ هذه المجموعة أطلقت في وقت لاحق بعد الطائف وفي زمن الوصاية.
ان استعراض هذه المحطات البارزة، عمليات اغتيال ومحاولةً انقلابية، يهدف إلى "الربط" مع المقدمة التي تقول إن لـ"الحزب السوري القومي الاجتماعي" مع "العنف" تاريخاً طويلاً.
وإذا كان من غير الجائز "تبرير" أي اغتيال في إطار العمل السياسي السلميّ والديموقراطي، فإن "تفسيراً" لهذه المحطّات يقود إلى اعتبار أن عمليات الاغتيال ومحاولة الانقلاب نجمت عن حالات صراع سياسي محتدم في وقتها، لكنها حصلت لأن هذه "الثقافة" وهذا "الفكر" الحزبيين يجيزانها.
وعلى كل حال، فإن هذا الأمر هو جانب فقط من أي قراءة نقدية موضوعية لتجربة هذا الحزب منذ "النشأة" التي تفيد أنه تأثّر بتجارب "غير ديموقراطية" في الغرب، وظل فترة طويلة يرفض العمل الديموقراطي "الشعبي" و"الجماهيري" و"النقابي" تحت عنوان التركيز على "النخبة".


مرحلة التوجّه يساراً.. والانشقاق "السوري"
غير ان ما تقدّم لا يلخّص "الصورة".
بعد إعدام "الزعيم"، عاش الحزب بين لبنان و"الشام" فترات من الانشقاق الداخلي، وانوجدت "أجنحة" عدّة. بيد أن تطوراً بارزاً حصل في السبعينات من القرن الماضي يجدر تسليط الضوء عليه.
في تلك الحقبة، وبتأثير من عوامل عدّة منها تنامي المسألتين الوطنية والاجتماعية، ومعهما تنامي اليسار اللبناني، ومنها وجود "الثورة الفلسطينية" بقوة في لبنان ومنها سعي الحزب الى التخفّف من إرث تأييده في مرحلة سابقة لـ"الهلال الخصيب" و"حلف بغداد"، شهد "الحزب القومي" تحوّلاً يسارياً ساهم فيه عدد من قيادييه وكوادره. وكان سعي الحزب واضحاً للانتماء إلى "جبهة اليسار" والتموضع يساراً حيال كافة عناوين تلك المرحلة، وكان انضمامه إلى "الحركة الوطنية" وبرنامجها لـ"الإصلاح".
لم يمرّ التحوّل يساراً من دون "ثمن"، فشهد الحزبُ انشقاقاً "محافظاً" عن التوجّه "اليساري". وفي هذه الفترة بالتحديد "شُبكت" العلاقة بين "الجناح المحافظ" الذي كانت قيادته الرئيسية تقيم في دمشق وبين النظام السوري، فانضم هذا الجناح الى "الجبهة القومية" التي أسّستها سوريا ضامّة إلى "القومي"، "البعث" وبعض "الناصريين"، وكانت مهمّتها مناهضة "الحركة الوطنية" و"الثورة الفلسطينية" بقيادة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.. لأسباب سورية أي غير لبنانية.


محطة جديدة من "العنف": التصفيات الداخلية
منذ ذلك التاريخ، أي منذ ما قبل منتصف السبعينات، ومع اندلاع "الحرب اللبنانية"، غدا "الحزب السوري القومي الاجتماعي" حزبَين بالفعل، أحدهما يوالي النظام البعثي في سوريا موالاة تامة ويرتبط بأجهزة هذا النظام.
ومنذ ذلك التاريخ بدأ نوع جديد من "العنف"، هو "العنف القومي الداخلي". تجلّى ذلك بدايةً في اشتباكات خلال الحرب كان ينظّمها الجناح "السوري" ضدّ الحزب المنتسب الى "الحركة الوطنية" كما تجلى في "محاصرات" لمنازل قياديين كانوا يومها على علاقة بحركة "فتح". لكن مع مرور السنوات، وحيث دخل الحزب في موجات متعاقبة من التوحّد والانشقاق، وبتوثّق العلاقة بين "المجموعة السورية"، أي التابعة للنظام في دمشق، اتّخذ "العنف" منحىً متصاعداً.
صار همّ "المجموعة التابعة" إخضاع الحزب ككلّ، بالتزامن مع تراجع أدوار القيادات المؤسسة ثم مع غيابها، بحيث يصبح الحزب ركيزة لـ"المشروع السوري" في لبنان، ولم يعد يناقش في أمور "الإيديولوجيا" و"الفكر" و"الثقافة". وبدأ "العنف" يأخذ صيغة تصفيات جسدية لقوميين اجتماعيين آخرين. وفي فترة الثمانينات، كان اللافت اتهام قوميين عديدين، من بينهم قياديون حاليون في الحزب لقوميّ آخر هو النائب الحالي أسعد حردان بالوقوف وراء تلك التصفيات، حتى صار اسمه مرعباً داخل الحزب.. الذي تمّ إخضاعه بـ"الخوف". وأبرز التصفيات التي اتُّهم بها حردان، كانت تصفية عميد الدفاع في الحزب محمد سليم الذي كان قائد الجهاز المقاوم ضد إسرائيل في الوقت نفسه. واللافت أن تصفية سليم تزامنت، الى حدّ كبير، مع "القرار السوري" بإنهاء "جبهة المقاومة الوطنية"، ومع تصفيات نفّذتها فئات أخرى في ذلك الزمن ضد مثقفين شيوعيين.
هكذا إذاً، وبـ"لمحة" تاريخية سريعة، يتّضح أن للعنف تاريخاً في "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، بحيث يمكن القول أن هذا "العنف" مرّ بين الخمسينات والثمانينات من القرن الماضي بمرحلتين: الاغتيال لـ"الآخر" أولاً ثم التصفيات الداخلية.


حردان يُحكم قبضته
أطلّ الحزب إذاً على مرحلة ما بعد اتفاق الطائف. وقد مهّد أسعد حردان لـ"توحيد" الحزب بـ"الترهيب" تحت قيادته المطلقة، وهو في غياب أي من القيادات "التاريخية" سيطر على الحزب و"فاعليّاته" كافة. واستخدم في ظل سلطة الوصاية السورية على لبنان "نفوذه" فمارس "الترغيب" لاحتواء القوميين عبر توفير خدمات لهم. وفي ظل الوصاية، غدا "ثابتة" من "الثوابت السورية" في الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة.
على أن الأهم ـ والأخطر ـ ليس الدور "السياسي" الذي مارسه الحزب بوصفه "حليفاً" للنظام الأمني، حيث كان أسعد حردان يحمل باستمرار "كلمة السرّ" ويعرف ما هو المقبول وما هو غير المقبول، ويحمل "الرسائل" السورية إلى من ينبغي تطويقه أو تطويعه. إن الأهم والأخطر هو احتفاظ "الحزب السوري القومي" ببنيته العسكرية والأمنية منذ العام 1990 وحتى اليوم، بدليل ما اكتشف من سلاحه في الآونة الأخيرة وما يمكن أن يكون لديه بعد.


الاحتفاظ بالبنية العسكرية والأمنية رغم الطائف
إن ردّ الحزب على ضبط كميّات كبيرة من الأسلحة لديه بالقول أنها أسلحة من مرحلة العمل المقاوم، غير مقنع البتّة، ليس فقط لأن المعلومات المتوافرة تفيد أن قسماً مهماً منها جديد، بل لأسباب سياسية. وفي طليعة هذه الأسباب أن كل الأحزاب حلّت بناها العسكرية وتشكيلاتها الأمنية بعد الطائف وسلّمت سلاحها الى الدولة، باستثناء "حزب الله" لعنوان معروف هو "المقاومة".
لماذا استمرّ "القومي" في الاحتفاظ ببنيته وسلاحه؟ لماذا بقيَ لديه توزيع للمسؤوليات يلحظ مسؤولية أمنية هنا أو هناك؟
إنتهى دوره في "المقاومة" في أواسط الثمانينات أو بُعيدَها. واستمرّ السلاح مخزّناً لديه بـ"معرفة" من نظام الوصاية، ومن النظام الأمني السوري ـ اللبناني المشترك أي النظام "الحديدي" وبـ"موافقته".
في الفترة التي تلت الانسحاب السوري "الرسمي" من لبنان، تكشّفت وقائع عن تنظيمات ـ شبكات تابعة للمخابرات السورية، وردَت أسماء بعضها في مجرى التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. غير أن "الحزب" الوحيد الذي يبدو واضحاً انه حظي بـ"امتيازين" هو "القومي": امتياز الدخول إلى "جنّة" السلطة من جهة وامتياز الاحتفاظ بنوع من الميليشيا "الموازية" من جهة ثانية. وهذا الأمر مدعاة للتساؤل "البريء": ما الدور الذي كان معطى لـ"سلاح" هذا الحزب في زمن الوصاية السورية.. وما الدور الذي كلّف بلعبه في المرحلة التي تلت طالما انه سلاح مأذون سوريّاً أصلاً؟ ثم ماذا يمنع استخدام السلاح في اغتيالات بما أن ثمّة "سوابق" أدرجت تحت عناوين سياسية؟


العلاقة بين الإذن السوري بالسلاح
والمرحلة الإنقلابية الراهنة
ليس في هذا السؤال افتراء على حزب ضُبط بعض من مخزونه التسليحي، وواجب الحزب أن يجيب. لكن، وبعيداً عن شائعات من هنا أو معلومات من هناك، يقع على القضاء التثبّت منها، لا يبدو أن في اعتبار أن الحزب ادّخر "قرشه الأبيض ليومه الأسود" تجنّياً. فمن حقّ "التحليل السياسي" أن يربط بين احتفاظ "القومي" ببنيته العسكرية والأمنية أو بشطر أساسي منها وبين المرحلة السياسية الراهنة التي تشكّل ذروة الهجوم السوري المضادّ على انتفاضة الاستقلال. كما من حقّ هذا "التحليل السياسي" أن يفترض أن ثمة "خدمات" قدّمتها هذه البنية طيلة أعوام، ربّما تتكشف مع الوقت. وبهذا المعنى، إن الشرح "المعقّد" يقع على عاتق الحزب، لكن الشرح السياسي المباشر يُفضي إلى القول أن لهذا السلاح المخزّن، والذي استخدم بعضه في محاولة تفجير احتفال كتائبي، وظيفة في الانقلاب الذي تنفّذه قوى التحالف السوري ـ الإيراني راهناً، وفي "الفوضى" التي يخطط هذا التحالف لها لتصاحب الانقلاب والتي قد تبلغ محطات أشدّ خطورة.


المطلوب متابعة التحقيقات وصوغ الاستنتاجات
وفي جميع الأحوال، لا توصيف لهذه "الحالة" العسكرية ـ الأمنية التي ينوجد فيها "الحزب السوري القومي الاجتماعي" إلا أنها حالة خارجة على الدولة وعلى القانون، ولا توصيف للحزب إلا أنه خارج الطائف بدليل تأخّره عنه سبعة عشر عاماً ونيّف.
والمصلحة الوطنية اللبنانية تتطلب متابعة التحقيقات إلى النهاية والوصول إلى استنتاجات حول "العقوبة" التي يستحقها الحزب أو بعض قيادييه في جرم امتلاك "بنية موازية" خارج الدولة. والمصلحة الوطنية تعني هنا قطع أحد شرايين العملية الانقلابية قيد محاولة التنفيذ، وتعني قطع الطريق على الفوضى الأهلية، وتعني منع الصراع السياسي من أن يكون مسنوداً بالسلاح.. وتعني استعادة الحياة السياسية الى سياق طبيعي. والحال انها مصلحة حزبية داخل "القومي" نفسه، أن يماط اللثام عن مرحلة فُرضت على قسم كبير من القوميين فرضاً وبالترهيب، بما يسمح للحزب بالقيام بعملية "تأهيل" متحرّرة من الخوف والتخويف.
باختصار، إن مسألة من هذا النوع وبهذا الحجم من الخطورة يجب ألا تمرّ.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر