الراصد القديم

2011/09/16

لبنان البعثي



« لبنان الى جانب النظام في سورية، وضد الانتفاضة السورية »، هذه هي صورة بلدنا في الخارج، وانت اذ تسمع من يُشهرها في وجهك وتحاول صد الفكرة او تغييرها، تعود بعد لحظات لتوافق محدثك العربي او غير العربي على هذه الحقيقة. فمحدثك هذا يملك من الخبث ما لا يتيح لك المناورة، وفي جعبته من القرائن التي لا يصمد في وجهها مقال كتبته عن انحيازك الى السوريين في وجه نظامهم الجائر.

الحكومة اللبنانية تقف الى جانب النظام السوري، وغالبية وان طفيفة في مجلس النواب كذلك، وكذلك أيضاً الرؤساء الروحيون للطوائف الثلاث الرئيسية، إضافة الى رؤساء طوائف متوسطة القوة وضعيفتها. الإعلام اللبناني في شقيه المرئي والمكتوب يقف الى جانب النظام في سورية، فمن أصل ست محطات تلفزيونية محلية تنحاز أربع الى النظام السوري، ومن بين خمس صحف رئيسية ثلاث على الأقل مع النظام فيما الرابعة حائرة بين موقع أصحابها السياسي المعادي للنظام السوري وبين انحياز محرري الخبر السوري الى هذا النظام، فيظهر خبرها متفاوتاً بين يوم وآخر.

هذا المشهد المرتسم في وعي المراقب غير اللبناني قد يكون تعسفياً، لكنه لا يخلو من صحة، لا بل انه بديهة قمنا باستبعادها واهمالها في غمرة انشغالنا بالحدث السوري. ثم ان أشكال التضامن المختلفة التي بادر لبنانيون كثر للقيام بها لدعم الانتفاضة السورية شاب الكثير منها قدر من سوء فهم للانتفاضة. فشعار التحرك الأخير في ساحة سمير قصير في وسط بيروت كان: « مصلحة لبنان ان يقف الى جانب الانتفاضة السورية »، وفي هذا الشعار التباس فعلي، وكأن الانحياز الى الضحية لا ينعقد الا في حال توافر مصلحة فيه. ثم ان ظاهرة الشبيحة اللبنانيين الذين يتولون التصدي لفعاليات التضامن المتواضع مع السوريين هي أيضاً امتداد لصورة لبنان كما وصلت الى العالم العربي والغربي، ذاك ان القدرة على حشد الشبيحة فاقت حتى الآن القدرة على حشد المتضامنين، وهذا أمر لاحظه ذلك المراقب غير اللبناني الخبيث ولكن الدقيق.

اما الأهم والأخطر على هذا الصعيد فهو ما صار معروفاً في أوساط خارجية عديدة عن ان لبنان يتولى القاء القبض على نازحين سوريين، وعن ان الاجهزة الأمنية اللبنانية قامت بإعادة تسليم عدد من الناشطين السوريين الى أجهزة النظام في سورية. هذا الكلام يتردد بكثرة خارج لبنان، وهو ولّد صورة سوداء قاتمة ليس عن حكومتنا وأجهزتنا الأمنية فحسب، انما أيضاً عن « بيئة غير متضامنة مع ضحايا يتعرضون لأبشع أنواع القتل »، لا بل ان في الخارج ثمة من يرى ان الأخبار عن الممارسات اللبنانية غير التضامنية مع السوريين يجب ان توثق عبر « يو تيوب » وان تُبث الى جانب صور انتهاكات الشبيحة في سورية.

نعم يشكل الفصل الأخير من مشهد انحياز لبنان الى نظام البعث في سورية ذروة في قتامة الموقع اللبناني، فبالنسبة للرأي العام العربي والعالمي تشكل فعلة من هذا النوع انخراطاً مباشراً في ماكينة القتل المشتغلة في المدن السورية، وهذا يُهدد على نحو فظيع بقية ضئيلة من سمعة كان لبنان يتغنى بها، لجهة صون حق النازح في الحماية.

والمُهدد هنا ليس نظاماً سياسياً او حكومة تابعة للنظام في سورية، ولا أيضاً أجهزة أمنية وعسكرية لبنانية، ولا اعلاماً يعرف الجميع توجهاته، بل المهدد صورة لبنان، كل لبنان. فمن لم ينتفض على حكومته وقواه الأمنية بسبب قيامها بتسليم ناشط سوري الى جلاديه، متورط مباشرة في عملية قتل هذا الناشط، في حال قتله من أعيد تسليمه اليهم.

هذا ما قاله ذلك المراقب الخبيث، ومن المرجح ان يكون محقاً.



حازم الأمين -لبنان الآن

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر