الراصد القديم

2011/09/27

خلفيّات الموقف الجنبلاطي من البرزاني إلى عبد اللّه


ليس بسيطاً ولا أحادي البعد موقف وليد جنبلاط من مشروع الكهرباء، وهما ــــ موقفاً ومشروعاً ــــ يهددان بتحول الحكومة إلى تصريف أعمال بلا استقالة، وفق معلومات مؤكدة.

وبحسب العارفين ووقائع الجلسات والاتصالات العلنية والسرية، يمكن رصد ثلاثة أبعاد على الأقل للموقف المذكور: البعد الأول مرتبط بذهنيات المسؤولين وسلوكياتهم الإدارية والدولتية، ويمكن عزوه إلى نهج حكم عمره عقدان من الزمن. وهو بُعد تمتزج فيه العوامل النفسية بالنفعية بالعُرفية، بما يشبه «العادات السرية». فمنذ عشرين عاماً لم تطبّق وثيقة الوفاق الوطني، لجهة كون الوزير هو رأس وزارته، وهو الشريك الكامل الشراكة، دستورياً وميثاقياً في السلطة التنفيذية. فعلها مرتين ألبير منصور ومن بعده جورج أفرام. فدفع الأول الراحل الثمن، ولا يزال الثاني الباقي يدفع ربما حتى اليوم. باستثناء ذلك، تكرس على مدى عقدين عرفٌ مستبيح لمقتضيات الميثاق، مفاده أن الوزير شبه موظف. وفي «دولة البوجي» صار أقل من موظف... إلى هذا العرف أضيفت تشوّهات واختلالات كثيرة: لا إنفاق كبيراً للدولة من دون محاصصة، ولا تلزيمات مالية من مستويات معينة بلا مقاصة مذهبية وطائفية وعشائرية وزبائنية. فجأة يأتي من يحاول كسر أعراف «عريقة» عمرها من عمر دين الستين ملياراً، ومن عمر الحسابات الضائعة والوطن المفقود... هنا تبدأ مشكلة خطة الكهرباء، إذ كيف لأناس لهم من دهرهم ما تعوّدوه، أن يقبلوا بتغيير قواعد اللعبة فجأة، ومن دون تمهيديات وانتقاليات؟

ثمة بعد ثان للموقف الجنبلاطي، قد لا يكون بأهمية وتثقيل ما سبق أو ما يلي، لكنّ العارفين يؤكدون أنه موجود. إنه الجانب الشخصي للقضية، ولو هامشياً. ففيما كان المشروع الكهربائي يتقدم، كان ثمة بحث مواز في اعتمادات خاصة لوزارة الأشغال. وفي النهاية أقرّ لها مبلغ 225 مليار ليرة. غير أن وزراء الفريق الأكثري داخل الحكومة حرصوا على تفنيد الخطوة وتشريحها حرفاً حرفاً. فرغم موافقتهم انطلاقاً من ضرورة القيام ببعض الأشغال قبل موسم الأمطار، عمد هؤلاء إلى مناقشة الوزير العريضي واستجوابه في كل ناحية من أدائه، ما أظهره في موقع المحاسَب، وبيّنوا أن الخطوة غير قانونية، وأن الإنفاق المذكور لا يخضع للأصول، وأن المناقصات الجارية لا تنطبق عليها الأنظمة المرعية. وهي غالباً ما تصطدم برفض ديوان المحاسبة والعودة إلى مجلس الوزراء لكسر قرارات الأخير... باختصار عرّى الوزراء التغييريون أداء وزارة الأشغال، وهو ما ترك ذيولاً ورواسب نفسية. حتى إنه عند احتدام النقاش في جلسة أول من أمس، وصل الأمر بزميل حزبي للوزير العريضي إلى القبول بالتصويت على المشروع. وهو طرح شكلي مفخّخ، لأنه يعني طبعاً إقرار الخطة حكومياً وإسقاطها برلمانياً. لكنه قصد بذلك تخطّي العريضي. وجاراه في الأمر أكثر من موقف «مؤشر»، وصولاً حتى إلى رئيس الحكومة الذي ظلّ موضوعياً طيلة «المعمعة». غير أن هذا الجانب الشخصي لم يلبث أن ساد ربع ساعة الوقت المستقطع والاتصالات التي أجريت خارج قاعة الجلسة مع المرجعيات، فأسهم على نحو حاسم في العودة إلى التصعيد، والكلام العالي لجنبلاط نفسه.

يبقى البعد الثالث والأهم لموقف سيد كليمنصو والمختارة، وهو البعد السياسي، إذ يؤكد العارفون أن إقرار خطة الكهرباء الآن يعطي حكماً انطباعاً بأن الوضع اللبناني عموماً والحكومي خصوصاً بألف خير، وأنه يتقدم وينجز حيث أخفق الآخرون طيلة عقدين. كذلك فإن سير جنبلاط في خطوة كهذه يعني أنه راض عن هذه التركيبة ومبارك للوضع القائم، الأمر الذي لا مصلحة لجنبلاط فيه إطلاقاً. ففي حساباته المكتومة، بين وضعية سورية غير مستقرة وهجوم «الاستعمار القضائي» الجديد على لبنان عبر المحكمة الدولية، غبي من يتخذ مواقف واضحة في ظل مرحلة رمادية.

ويتذكر العارفون أداءً جنبلاطياً مماثلاً في حقبة مشابهة. كان ذلك في مثل هذه الأيام بالذات سنة 2004. ذهب أبو تيمور إلى اللواء محمد ناصيف، وأبلغه التزامه التمديد لإميل لحود. حتى إنه تعهد بإعلان ذلك رسمياً. وهو ما أكده فعلاً بعد أيام في احتفال في عين تراز. لكن فجأة خرج مسعود البرزاني من كردستان، وأعلن جولة له على عواصم القرار «لحسم مسألة كركوك». فاستنفرت اللواقط الجنبلاطية: كركوك تعني أن واشنطن على الخط، وأن مسألة الأقليات عادت إلى الطاولة، وأن كل «الستانات» عادت مشاريع ممكنة... فسقط عهده بالتمديد، وكرت سبحة الزمن الفيلتماني...

أثناء جلسة الكهرباء المنعقدة في بيت جنبلاط، أكثر مما كانت في بيت الدين، كان الحريري يحظى بمكرمة مصافحة سيده السعودي للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر: عامل جديد طرأ على المشهد. من يدري ما هي خلفياته، وما قد تكون نتائجه؟ في الانتظار يمكن كل ظلام الأرض وسواد الوجوه أن ينتظر.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر