الراصد القديم

2011/09/09

الحكم والحزب والمحكمة


يخوض « حزب الله » مع المحكمة الخاصة بلبنان معركة خاسرة وغير مجدية له لن تمنع تحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم أخرى مرتبطة بها، وقد تهدد الأوضاع الداخلية ومصير حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وتظهر عجز الغالبية الجديدة عن ادارة شؤون البلد، الأمر الذي يشكل نكسة سياسية وشعبية كبيرة لحلفاء دمشق.

الواقع ان استراتيجية « حزب الله » في التعامل مع المحكمة الخاصة بلبنان لم تحقق له أي انتصار اذ انه فشل في تعطيل عملها ووقفها وفك ارتباط لبنان بها ولم يستطع منع صدور القرار الاتهامي، وأخطأ كثيراً حين رفض عرضاً سياسياً مدعوماً اقليمياً يؤمن العدالة وحقوق ذوي الضحايا ويجنب الحزب كحزب تداعيات القرار الاتهامي ويضمن الاستقرار ويعزز دور الدولة والجيش ويضع حداً نهائياً لاستخدام السلاح في الصراع الداخلي ».

هذا هو تقويم مصادر ديبلوماسية غربية في باريس معنية مباشرة بملف المحكمة الخاصة بلبنان

ولاحظت المصادر ان « حزب الله » يتعامل مع القرار الاتهامي الذي ادعى على أربعة من « مناصريه » بالتورط في جريمة اغتيال الحريري ورفاقه « على أساس انه قرار يخصه ويعنيه وحده ويستطيع التصرف به وبتداعياته كما يريد ووفقاً لمصالحه وحساباته، متجاهلاً حقيقة جوهرية هي ان جريمة الحريري والجرائم الأخرى المرتبطة بها تعني الدولة والحكومة وذوي الضحايا واللبنانيين عموماً وليس الحزب وحده، وتنعكس طريقة التعامل معها على علاقات لبنان مع مجلس الأمن والمجتمع الدولي نظرا الى وجود المحكمة.

والواضح من كل عروضه وطروحاته أن موقف « حزب الله » من القرار الاتهامي ضعيف وهش ويعكس ارتباكه ولذلك يرفض المواجهة القانونية مع المحكمة ويكتفي بخوض معركة سياسية – اعلامية معها متهماً اياها بالخضوع للمصالح الأميركية – الاسرائيلية من دون تقديم أي دليل يثبت ذلك، ومدافعاً عن المتهمين الأربعة الذين يصفهم بالمقاومين الشرفاء، فيتهّرب من المعركة الشرعية الوحيدة المقبولة داخلياً وخارجياً والتي يفترض أن يخوضها في قاعة المحكمة من طريق تكليف محامين مهمة الدفاع عن عناصره مستندين الى الحجج والأدلة القانونية وحدها وليس الى الاتهامات السياسية.

ونهج « حزب الله » هذا يضعف موقف المتهمين اذ انه يهدف الى تأمين الحماية لهم خارج الشرعية والقانون وقت يتمتع هؤلاء بقرينة البراءة الى أن تدينهم المحكمة أو تبرئهم نهائياً سواء حوكموا وجاهياً أم غيابياً.

ويحاول الحزب تقليل أهمية الأدلة الواردة في القرار الاتهامي وصلابتها، لكنه يتجاهل عمداً مسألة أساسية هي ان المدعي العام الدولي دانيال بلمار أعلن يوم صدور هذا القرار ان القصة الكاملة لجريمة اغتيال الحريري ستكشف في قاعة المحكمة، اذ ان بلمار يملك، استناداً الى تأكيدات هيئة المحكمة، كمية كبيرة من الأدلة الظرفية والمباشرة تشمل افادات الشهود وأدلة جنائية ووثائقية وأدلة الكترونية مثل التسجيلات الصوتية وكاميرات المراقبة وسجلات بيانات الاتصالات الهاتفية.

وهذه الأدلة كلها ستكشف مع بدء المحاكمة ».
وأفادت المصادر ان « مسؤولين أوروبيين وعرباً حرصوا على « تنبيه وتحذير » جهات لبنانية رسمية من أن أركان الدولة سيرتكبون خطأ فادحاً ينعكس سلباً على لبنان وعلاقاته مع مجلس الأمن ومع دول بارزة ومؤثرة اذا تبنوا مواقف « حزب الله » من القرار الاتهامي والمحكمة وفعلوا ما يريد، ذلك ان الحكم اللبناني لن يستطيع تجاهل القرار الاتهامي والأدلة التي يتضمنها بل انه مضطر الى التعامل معه والتعاون على أساسه مع القضاء الدولي بطريقة مناسبة ومقبولة.

فرفض التعاون سيعني، بالنسبة الى قضاة المحكمة ومجلس الأمن، أن الدولة اللبنانية تريد تأمين الحماية لمتهمين بالتورط في جريمة ارهابية كبيرة، وهذا موقف سلبي بالغ الخطورة يلحق الأذى بسمعة لبنان، وهو مرفوض دولياً واقليمياً.

كما ان رفض التعامل مع القرار الاتهامي والتعاون مع القضاء الدولي يعني ان الحكم اللبناني قرر عرقلة مسار العدالة واختار المواجهة مع المحكمة ومجلس الأمن وصار تالياً خارج سلطة الشرعية الدولية. وهذا تطور خطير في حال حدوثه ».
وقال لنا مسؤول أوروبي مطلع على هذه القضية: « الرئيس ميقاتي يدرك تماماً ان المواجهة مع المحكمة ومع مجلس الأمن ستلحق أضراراً بمصالح لبنان واللبنانيين وربما بمصالحه الخاصة، ولذلك أكد علناً أن حكومته عازمة على تنفيذ التزاماتها الدولية ومواصلة المساهمة في تمويل المحكمة.

لكن « حزب الله » يتصرف على أساس انه ليس معنياً بموقف رئيس الحكومة التي اضطلع بالدور الأساسي في تأليفها، ويتبنى نهج التحدي والمكابرة في قضية قانونية بالغة الأهمية والحساسية الأمر الذي يمكن أن يهدد السلم الأهلي من غير أن يمنع تحقيق العدالة.

موقف خصوم العدالة الرافض للمحكمة ليس مهماً في الواقع اذ ان العدالة ليست خاضعة لقاعدة الاجماع أو الغالبية بل انها خاضعة للمعايير القانونية الصلبة وحدها. وصدور القرار الاتهامي بأدلته المعلنة والسرية يعزز عمل المحكمة التي ستواصل مهمتها الى النهاية ».


عبد الكريم ابو النصر -النهار

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر