الراصد القديم

2011/09/17

حزب الله » بعد « ويكيليكس »ضحية غدر حلفائه!



عندما بدأت جريدة « الأخبار » بنشر وثائق ويكيليكس وركزت على ما يصيب بعض قادة وأحزاب 14 آذار هلّل السيد حسن نصرالله، ورفيقه المقاوم الجنرال ميشال عون امتداداًَ إلى الحناجر الذهب الأخرى، تعلن ثقتها المطلقة بصدقية ما تنشره، وتعتبره أساساً لا رد له ولا عليه. لتوزيع التهم وفتح الملفات وتأكيد « الجرائم » ومرتكبيها، والخونة إلى درجة أعلن فيها الأمين العام لحزب الله وعون… احتمال احالة هؤلاء (أي المتهمين المشهورين) على القضاء. لا اعتراض. و8 آذار لم يتوقفوا عن استغلال نشر هذه الوثائق (وهذا من حقهم السياسي) والتشهير ومحاولة ربط كل ذلك بحرب تموز والمحكمة والدولة والعمالة والتخوين.. والتهديد ورفع أصابع الشمع التي بدأت تذوب على أصواتهم ومناخيرهم.

ونظن ان تهافت السيد نصرالله وحلفائه، ومن دون أي تشكيك في هذه المعلومات، عائد إلى ان هؤلاء ظنوا انه بما أن حصرية النشر متصلة بـ »الأخبار » فعليهم ان يذهبوا بعيداً وطويلاً وعميقاً في الاطمئنان إلى ان انتقائية المعلومات ستبقى انتقائية، وإن الكلام (خلف الغرف المغلقة سيقتصر على « خصومهم » دون سواهم. إذاً نحن نتصرف بحرية في اختيار ما يجعلنا « ضحايا » (وقفا نبكِ) وأبطالاً (الا لا يجهلن أحدٌ علينا) و »يا ظالم لك يوم » خصوصاً ان هذا « الكنز » الاتهامي موجود في أيد أمينة أي المسؤولين في جريدة الأخبار، لكن هؤلاء الأخيرين « افلتوا » من الانتقائية المفترضة، ونشروا أقوالاً لمسؤولين من « عظام الرقبة » على لسان حلفاء… من أمل والتيار الوطني .. تمس جوهر العلاقة بحزب الله.
سواء ما قاله الوزير الناجح جداً من « أمل » خليفة أو آخرون.. فاذا بهذا والسلاح السري يرتد على أصحابه، فقرأنا ألسنةَ بعضهم تهمس إلى المراجع الأميركية بأن حزب الله سرطان.. الخ. وبأن السيد حسن نصرالله يظن نفسه « صلاح الدين الأيوبي » وبأن « سياسة الحزب ستدمر البلد ». هذا غيض من فيض ما أسرّته أصوات هامسة إلى بعض المسؤولين الأميركيين. وعندها قامت القيامة على الزميلة « الأخبار » (المفترض انها محسوبة عليهم)، فسحب حرس (الحزب) من مبنى الجريدة، وكذلك تدابير اخرى. جاءت الضربة من أهل البيت هذه المرة، ومن « شاهد من أهله ».. فسقط ضحايا أبرزهم الوزير خليفة (أحد أنجح وزراء الصحة)، الذي رفض الاعتذار وعاد إلى مزاولة مهنته وهو مبرّز فيها.

هذه ضربة أولى. مع هذا لم يفقد « حزب الله »، راعي 8 آذار بسطوِته وقدراته وسلاحه وعلاقاته، الأمل. فما زال الموضوع « تحت السيطرة » وما زال تدفق المعلومات يصّب في حضنه الامين، ما زالت حصرية التصرف بها « مضمونة » بإذن الله حتى جاءت الضربة الثانية الموجعة، لكن من المقلب الآخر؛ من جريدة « الجمهورية » هذه المرة. وكانت المفاجأة التعيسة: « اترانا وقعنا في الفخ؟ راحوا يقولون. أترانا ضحية مؤامرة؟ ألم يؤكد لنا أصحاب الشأن إن وثائق ويكيليكس معقودة علينا فقط؟ وعلى « امانتنا؟ » وصدّقنا (حزب الله صادق ككل الأحزاب الالهية والميليشيات التي تعاقبت علينا بخرابها منذ السبعينات وحتى اليوم)، وتضيف جماعة حزب الله « ألم يقولوا لنا « ضعوا أيديكم وأصابعكم وأناملكم المشهورة في المياه الباردة؟ ألم يقولوا لنا « ناموا واشخروا بالاتهامات والفجور » فكل شيء تحت السيطرة؟ أولم تجعلنا « تطميناتهم » نتخذ من هذه الوثائق سلاحاً سحرياً لا يرد… للتشهير « بالعملاء »! وماذا نقول اليوم؟ ها هي المعلومات مباحة ومتاحة. وها هي « الجمهورية » تقتحم المباح وتستخدم المتاح. وها هي الفضائح تلعلع من جديد (نافست لعلعلة حناجرهم وبناجرهم). فضائح تكمل ما بدأته « الأخبار » لكن هذه المرة من حيث انتهت الجريدة المحسوبة عليهم: التركيز على « صدقية » الحلفاء. وماذا اكتشفنا؟ ان حزب الله وحيد. وحيد جداً، معظم « أدواته » و »تلزيقاته » تعلن ولاءها له علناً، و »تقدس » « قديسيه » « بالأفواه الملآنة » و »تعاضده » وتؤيد « سلاحه » وتشيد بأمينه العام، وتتزّلف له بالآيات والتكبير، لكن عند الأميركيين ومعهم على « سرير » الاعتراف الأميركي الفرويدي « ينتفونه تنتيفاً » . يمزقونه تمزيقاً. من « جنرال المقاومة » ميشال عون، الى سائر « المستحلفين » ويتمنون ضربه وهزيمته. فمنبر « الجمهورية » أصدر ما أصدر من الوثائق، « وكانت النصال على النصال »، تحمّل الحزب « القائد » هذه الملمومات الجديدة. وهذه الهزائم الداخلية تحت عنوان المحافظة على هذه « التلزيقة » المفبركة المسماة قوى 8 آذار. وهنا يمكن ان نتخيل مدى الفجيعة التي أحسّها السيد نصرالله. وهنا يمكن ان نتخيل قوة المونولوج الداخلي الذي تفجرت فيه تداعياته: اذا كنّا على هذه القوة والجود والكرم والهيمنة والسيطرة وحبكت لنا المؤامرات ، أقرب الناس الينا و »أشرفهم » فماذا لو ضعفنا. لن يتركوا ستراً علينا. لن يعدموا وسيلة لضربنا… سينهشوننا نهشاً أي حلف هذا بلا أحلاف سوى في العلن؛ أي حلف هذا يُقبّل أيدي الحزب في العلن ويطعنه في ظهره أمام « الأعداء » (وليس أي اعداء » الأميركيين!) فيا للعار! ويا للفجيعة. بل أكثر. بمن ترى نثق بعد اليوم، إذا كان هؤلاء المفترض انهم « جماعاتنا » وقطعاننا ودجاجاتنا المستديكة… ونعاجنا وأدواتنا… غدروا بنا! هذا المونولوغ « التراجيدي » اختنق في سرائر حزب اللهّ واستُوعب على مضض. وعلى « عض الجرح ».

لكن المسرحية لم تنته عند « الجمهورية » فها هي جريدة « المستقبل » تكمل المشوار الذي بدأته « الأخبار » واستأنفته « الجمهورية » وتكشف خبايا لم تنشر. هنا الفضيحة مدوية، فما اسّره خلفاء « الحزب أمس بدا « غيضاً من فيض » نظراً إلى ما جاء على ألسنة الحلفاء امام المسؤولين الأميركيين، من رئيس المجلس النيابي إلى رئيس التيار، إلى الرئيس ميقاتي، وآخرين. لا نعرف بالضبط ما أحدث هذا النشر داخل صفوف 8 آذار. لكن الواقع ان 14 آذار لم يصل بهم الأمر إلى بعض ما قال حلفاء الحزب عينه ولم « ترتقِ توصيفات حلفائه » (السرطان، الورم، يجب استئصاله، ارتد بسلاحه إلى الداخل…) إلى انتقادات الخصوم من تيار المستقبل أو « القوات » أو الكتائب.. افلتت الأمور هذه المرة. لكن، وحرصاً على وحدة الصف (غير الموحد أصلاً إلاّ بالمنافع ومعادلة القوة والمال)، نقلوا المعركة إلى مكان آخر: فلنشتم 14 آذار ورموزه وسعد الحريري: أكثر: هذه الوثائق المنشورة « مزورة » وغير ذات صدقية، وسياسية (هذا ما يقولونه عن المحكمة) ومؤامرة أميركية إسرائيلية. لحسوا إشادتهم بويكيليكس « وبأساسها المتين » و »بدقتها » و »علميتها » ونقضوا كل ما نطقوا به عنها. أنها « أكذوبة » و »دسيسة » و »تلفيقة » تسعى إلى شق الصف « الممانع » والمقاوم (خدمة لإسرائيل طبعاًَ) وإلى اضعاف روح المقاومة، وإلى بث الفتنة الطائفية؟ والمذهبية؟ وتهديد السلم الأهلي! كل هذا بعدما كشفت « المستقبل » اسراراً من ويكيليكس. نقلت المعركة من مفاعيلها داخل 8 آذار إلى 14 آذار، وكأن هذه الأخيرة هي التي كتبت كل هذه الفضائح. وهي التي املت مضامينها على المسؤولين الأميركيين وهي التي صاغت تقاريرها! فجأة صارت ويكيليكس أداة اسرائيلية. رائع! وهذا ليس جديداً على هؤلاء فمن تأييد المحكمة وتمويلها إلى اعتبارها « اسرائيلية أميركية » وإلى تأييد ازالة السلاح غير الشرعي خارج المخيمات فإلى الثلث المعطل، فإلى ضرورة قيام حكومة وفاق، فإلى وعودهم بعدم الاستفراد باسقاط الحكومة، فإلى اعلان أمينها العام بضرورة اعدام كل عميل اسرائيلي… كل ذلك لحسوه بالألسنة ذاتها التي يخوّنون بها الآخرين. (دام ظل هذه الألسنة) . والواقع اننا لم نعد نفهم « هؤلاء » حول هذه « الحربائية » في المواقف. وهذه الثنائية في السلوك. وهذه التناقضات في الآراء. وهذه المعايير « المزدوجة » لم نعد نفهم شيئاً لا مما يفعله هؤلاء ولا مما ينطقونه. واذا كانت ويكيليكس اظهرت هشاشة مكونات 8 آذار وتنافقهم ونياتهم السود على بعضهم، واظهارهم ما لا يضمرون، وإضمارهم ما لا يظهرون… فان المصيبة الكبرى تتمثل في كون هؤلاء، بهشاشاتهم وانتهازيتهم وارتباطاتهم يتولون إدارة البلد ومصيره من خلال حكومة لفّقوها ولزقوها بقوة السلاح والتهويل والتهديد والعراضات « الصبيانية » من قبل غلمانهم ذوي القمصان السود (الغستابو) ومن خلال اعلام لم نر له نظيراً بالتحريض وقلب الحقائق لا عند الأنظمة العربية الدكتاتورية (ها هي تتساقط بإذن الشعب العربي العظيم) ولا عند سواها. والسؤال المهم الذي يطرح اليوم: كيف يمكن ان نثق بناس عادوا لا يثقون بأنفسهم. كيف يمكن أن يدير هؤلاء وبهذه العقليات المنهوشة بالإزدواجية وبهذه الذهنيات المضروبة بالفصام، وانقسامات الشخصية، والشيزوفرانيا والعنف والتضليل والجشع، بلاداً مثل لبنان متعددة، مفتوحة، مثقلة بالهموم الاقتصادية وبالمخاطر وبالتهديدات الخارجية (من إسرائيل وصولاً إلى ايران العزيزة! دام ظل مستفقهيها) صحيح اننا مررنا بتجارب مماثلة مع النظام الأمني المشترك بقيادة النظامين السوري والايراني، وصحيح اننا شهدنا حروباً ومجازر وقصفاً وخطفاً وكانتونات، لكن لم نشهد مثل هذه الظاهرة، في 8 آذار وحزب الله! بل لم نر بين أحزاب الله اللبنانية (وغير اللبنانية) منذ السبعينات وعلى الرغم من جنونهم وعنفهم ما يضاهي آخر العناقيد أي حزب الله توتراً وعنفاً والغاء وارتهاناً وقسوة وبذاءة واستكباراًُ وكذباً وغطرسة وخبثاً… ونظن ان هذه « الخصائل » الحميدة « لأشرف الخلق » و »انقى القوم » و »أطهر السرائر » و »أنصع البواطن » هي التي جعلت هذا الحزب « مستهدفاً » من حلفائه « المزعومين » و »الأجراء » و »المنتفعين » والوكلاء قبل خصومه. وهذا ما عبأ صدور بعض 8 آذار ضغينة عليه، وتمنياً بسقوطه، وحقداً على أمينه العام « يحسب نفسه صلاح الدين الأيوبي » ، أو « السرطان » أو « الورم »، أو « مدمر لبنان » ، أو سوق البلد « ليكون قاعدة إيرانية »… بحسب « ويكيليكس » . فيعني كل هذا ان حلفاء حزب الله ليسوا حلفاءه إلا ظرفياً. أو قسراً. أو اعتباطياً. أو انتظاراً. أو ضرورة. يعني ذلك وبعد ويكيليكس، ان هؤلاء الحلفاء إما ينتظرون الاشارة من الخارج لينفضوا عنه (كما سبق ان انفضوا عن صدام حسين والقذافي وعرفات وإسرائيل!) أو ينتظرون الظروف الخارجية للانقضاض على الحزب. ولست من الذين يشمتون، او يحرّضون، فهذا ليس شأني. ولكن بما اننا عشنا كل الحروب هنا على امتداد نصف قرن من حياتنا وتابعنا مسار بعض الزعامات والاعلاميين وتنقلهم في العمالة من جهة إلى أخرى فاننا نجد ان استعداد هؤلاء لفض الشراكة مع الحزب عادي جداً ومحتمل في أي لحظة (استعرضوا عشرات الاسماء من حلفاء الحزب اليوم تجدوهم كانوا اخصامه واعداءه أمس، اما مع عرفات او مع القوات اللبنانية او مع اسرائيل…) كأنه من ضمن اللعبة السياسية التي تضرب بعرض الحائط كل الالتزامات والاخلاقيات والمبادئ. والحقيقة ان ما علمناه من ويكيليكس سبق ان علّمنا اياه تاريخ هذا البلد. (ونظن ان بعض عملاء النظام السوري او حلفاءه باتوا يعدّون العدة… لتركه في حال مالت الموازين إلى الثورة. أوليس هذا ما حصل مع عرفات، وصدام والقذافي.. وحتى إسرائيل. أوليس هذا دليلاً على اهتراء التزام المبادئ والصدق عند بعض هؤلاء (ولا استثني بعضاً من 14 آذار صدقوني والذين يدورون في المناخات نفسها وميقاتي والصفدي دليلان ساطعان! انهم السياسيون ولكن ليس الشعب!).

ولهذا نرى ان ما كشفته ويكيليكس ليس فقط مسأله « غدر » او « طعن في الظهر » (بالنسبة الى حزب الله) ولكن اهتراء في منظومة القيم التي لا بدّ من ان ترتبط وبالحد الأدنى بكل عمل سياسي. لا شيء. من كل هذا. انتهازيون على مد عينك والنظر. مجرمون. متواطئون. عملاء. كذبة. منافقون. حقودون. سود السرائر. خبثاء. جيزويتيون. جشعون… مستعدون ان يرتكبوا كل شيء، وكل كبيرة ونقيصة، تضر بأهلهم وببلدهم مقابل السلطة أو المال أو الجاه. فحلفاء « حزب الله » بدوا من ملمومات ونوافل لا يثبتون على التزام، أو على قضية، سواء كانت « المقاومة »، أو « الممانعة »، او حتى محاربة اسرائيل، او بناء الدولة، او السيادة، أو الاستقلال… بدا ان كل هذه الأمور ثانوية بالنسبة اليهم. وبدا ان المصلحة الخاصة هي التي تحدد « انتماءهم » وما عدا ذلك فكلام بكلام، وتصويت بتصويت وتمثيل بتمثيل ولعب بلعب… لكن أولم يؤدِ كل ذلك إلى ما وصلنا اليه على ايدي هؤلاء وامثالهم على امتداد ستة عقود والحبل عَ الجرار ما داموا وبحكم المصادفات اولياء على امورنا… ومصائرنا!

تأملوا ان هؤلاء الذين باحوا « للأميركيين » بهواجسهم وأرائهم.. هم الذين يتحكمون بمصائرنا.. ابتداء بحزب الله (انه الضحية الكاملة هذه المرة) وصولاً الى ميشال عون!
أولا ينطبق هذا المثل المقلوب على حزب الله (العين غير بصيرة واليد طويلة) بدلاً من العين بصيرة واليد قصيرة؟!
بل ويمكن ان نقول لحزب الله بعد ويكيليكس « تبقى وحيداً وتندم » (بالإذن من الصديق الياس الديري!)



بول شاوول -ألمستقبل

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر