الراصد القديم

2011/09/28

فورين بوليسي: ما الذي تغيّر فعلاً في الشرق الأوسط؟


Michael Singh - Foreign Policy
وسط الفوضى السائدة، يصعب تحديد ما تغيّر في منطقة الشرق الأوسط، ففي بعض الأماكن مثل ليبيا، كان التغيير شاملاً، فقد سقط القذافي وانتقلت القيادة إلى جماعة مختلطة تشمل المجاهدين والبيروقراطيين معاً، وفي مصر، يبقى التغيير سطحياً على نحوٍ مقلق، لكن في بلدان مثل سورية، لم يحدث أي تغيير مهمّ، فمازالت الاحتجاجات قائمة والنظام صامداً.

طغى الحدث الدرامي السنوي المتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني في نيويورك على الدراما التاريخية الحقيقية التي تطبع الشرق الأوسط راهناً، ويبدو أن المنطقة انقلبت رأساً على عقب، فالثورات تجتاج البلدان في أنحاء العالم العربي، وقد تدهورت العلاقات التركية الإسرائيلية بشكل جذري، ويبدو أن الاضطرابات هي سيّدة الموقف. لكن وسط الفوضى السائدة، يصعب تحديد ما تغيّر في المنطقة، ففي بعض الأماكن مثل ليبيا، كان التغيير شاملاً، فقد سقط القذافي وانتقلت القيادة إلى جماعة مختلطة تشمل المجاهدين والبيروقراطيين معاً، وفي أماكن أخرى مثل مصر، يبقى التغيير سطحياً على نحوٍ مقلق. صحيح أن مبارك رحل من السلطة، إلا أن القادة العسكريين الذين خلفوه عادوا وفرضوا “قانون الطوارئ” القمعي وهم يتابعون محاكمة أصحاب المدونات والناشطين أمام المحاكم العسكرية، لكن في بلدان مثل سورية، لم يحدث أي تغيير مهمّ، فمازالت الاحتجاجات قائمة والنظام صامداً. بالنسبة إلى المسؤولين الغربيين الذين يسعون إلى حماية أو تطوير مصالح بلادهم في الشرق الأوسط، لا بد من التمييز بين التغييرات السطحية والتغييرات الجوهرية، إذ لا تزال نتائج الثورات في مصر وليبيا وسورية وأماكن أخرى غير مؤكدة، لكن يمكن تحديد ثلاثة تحولات مهمة وقابلة للاستمرار في المنطقة.

أولاً، لم يعد من مجال للشك بأهمية السياسة الداخلية في العالم العربي، فقبل الثورات العربية، كانت الفكرة السائدة في الغرب تقول إن فهم السياسة المتبعة في بلد مثل مصر يعني فهم آراء ونوايا شخص واحد: حسني مبارك، فقد كان هذا الأخير قادراً على فرض إرادته على البلد عن طريق مزيج من القمع والتعاون، فكانت توجهات الرأي العام وآراء المعارضة مهمة لدرجة معينة لفهم المعطيات الأكثر عمقاً في البلاد، ولكنها لم تكن تؤثر فعلياً في السياسة المصرية، فكانت هذه الآراء غير موثوقة في السابق، ولكنها أصبحت خاطئة بالكامل اليوم، وقد برزت الآن جماعات سياسية متعددة ومراكز قوة حديثة ومسائل مستجدة مثل العلاقات الأميركية المصرية أو الإسرائيلية المصرية التي تحتل أهمية كبرى نظراً إلى رمزيتها وجوهرها في آن، من أجل التأثير في السياسة في مصر أو ليبيا أو تونس وتوقع مسارها، يجب أن يقوم الدبلوماسيون والمسؤولون بأمرٍ اعتادوا عليه في أماكن مثل أوروبا، ولكنه غريب بالنسبة إليهم في الشرق الأوسط، أي تطوير علاقاتهم مع أطراف جديدة عدا القصر الرئاسي وأوساطه المقرّبة، وفهم مصالح ودوافع وطموحات شريحة واسعة من المجتمع.

ثانياً، من المتوقع أن تكون الحكومات الجديدة التي ستنشأ في أنحاء العالم العربي أكثر عدائية تجاه الغرب وإسرائيل مقارنةً بالحكومات التي سبقتها، يرتبط الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، بالأنظمة القديمة في الشرق الأوسط، لذا تُعتبر هذه الأطراف شريكة في حملات القمع، إنه جزء من مشكلة تعاطي الغرب مع الأنظمة، فقد كانت الولايات المتحدة تدعم الحكّام الدكتاتوريين العرب خلال الحرب الباردة بهدف إعاقة التوسع السوفياتي، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تابع الغرب دعم هؤلاء الحكام بدل الضغط باتجاه تطبيق الإصلاحات الديمقراطية، فلم تستمر السياسات المغايرة، كتلك التي برزت في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حين اتخذت الولايات المتحدة مقاربة مختلفة، ما أدى إلى تلاشي الطموحات في المنطقة وتراجع الاحترام والتقدير تجاه الغرب أكثر من أي وقت مضى.

لم تتحسن صورة الغرب بعد السياسة الأميركية المتبعة خلال أحداث ربيع العرب، حيث ظهر الأميركيون وكأنهم أصدقاء مصلحة، فكانوا ينحازون إلى طرف معين بعد أن تتضح نتائج الصراع بدل التحرك وفق مبادئ الديمقراطية في جميع الأحوال. كذلك، يُعتبر السلام البارد الذي كان قائماً لفترة طويلة بين إسرائيل وبعض الدول العربية المجاورة تدبيراً بغيضاً كان يصب في مصلحة الأنظمة القمعية حصراً، وغالباً ما يتحمل القادة الإسرائيليون مسؤولية العزلة التي تواجهها إسرائيل في المنطقة، وذلك بسبب فشلهم في عقد السلام مع الفلسطينيين، لكنّ الواقع أكثر تعقيداً، إذ حافظ القادة المصريون مثلاً على السلام مع إسرائيل وحصلوا على منافع استراتيجية واقتصادية نتيجةً لذلك، ولكنهم لم يُقنعوا الشعب المصري يوماً بصحة هذا السلام، بل إنهم عززوا الخطاب المعادي للسامية وإسرائيل في وسائل الإعلام الرسمية كوسيلة لإلهاء الرأي العام عن المسائل المحلية.

ثالثاً، تكمن المشكلة الأساسية في واقع أن الشرق الأوسط سيتحول على الأرجح إلى منطقة أكثر خطورة وتقلباً في المستقبل، فخلال العقود الماضية، طغى نظام مستقر نسبياً على المنطقة وكان يتمحور حول معاهدات السلام بين العرب وإسرائيل والروابط الوثيقة بين الولايات المتحدة وأهم الدول العربية وتركيا، لكن لم تكن المنطقة تخلو من الصراعات بأي شكل، وقد سعت إيران والعراق ومختلف الجماعات الانتقالية إلى تحدي وضع المراوحة، لكن من دون جدوى. أما الآن، فقد تراجعت قدرة الولايات المتحدة أو رغبتها في فرض نفوذها على هذه المنطقة، وها قد رحلت القيادات والأنظمة التي كانت تحمي النظام الإقليمي أو تخضع للضغوط من أجل اتباع سياسات معينة، فبعد إدراك ضرورة التصرف باستقلالية، اتخذت دول مثل تركيا والمملكة العربية السعودية وإيران خطوات جريئة، علماً أن جميع هذه الأطراف هي على درجة عالية من التسلح وتضطلع بدور القيادة في المنطقة عموماً.

قد تنضم مصر إلى هذه المجموعة من الدول بعد إرساء الاستقرار فيها؛ صحيح أن الصراعات بين الدول ليست حتمية، لكن يرتفع اليوم خطر وقوع هذا النوع من الصراعات وتتراجع فرص تجنبها. فوق ذلك كله، تبرز المساعي الإيرانية لاكتساب أسلحة نووية، ما سيعزز الصراع على التفوق إقليمياً. من المتوقع أن تحصل تغييرات جذرية إضافية في الشرق الأوسط لكن لم تتحدد معالمها بعد، ولكن ستكون بعض التغييرات محدودة بحسب تطور الأحداث، ووفق الأوضاع الراهنة، من المتوقع أن يحقق ربيع العرب آمال صانعي السياسة الأميركية في إرساء الديمقراطية أو أن يجسد أسوأ مخاوفهم عبر تعزيز نزعة التطرف.

لكن من المؤكد أن ربيع العرب سيغيّر الشرق الأوسط بطريقة مختلفة بدأنا نستوعبها لتوّنا

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر