الراصد القديم

2011/09/14

في الأزمة السورية


د. كمال خلف الطويل

خلفية :

تقف سوريا الآن عند مفترق طرق لعلّه الأخطر في تاريخها ما بعد الاستقلال .. مدعاته حال الاستعصاء الذي وصلته الأزمة الوطنيّة الكبرى عبر

الشهور الخمس الفائتة , والتي ستفضي , بالضرورة , إلى واحدٍ من مخرجين : إما الإنزلاق إلى احتراب أهلي دموي عمره بالشهور بل ربما بالسنين ,

وكلفته مليون ضحية بين قتيل ومشوّهٍ ومقعد , أو , التوصّل إلى تسويةٍ تاريخيّةٍ كبرى - لطالما احتاجها الوطن السوري منذ أمد ليس بقصير

– عنوانها التغيير , ومتنها استبدال نظام بتشييد دولة ... دولة مدنية حديثة على قاعدة عقد اجتماعي جديد تتراضى عليه أطياف

المجتمع السوري , ووفق ثوابته الوطنيّة والقوميّة.


والحال أنّ سوريا بطبيعتها وطبائع مجتمعها بلد تسويات .. لكن السؤال المعلّق فوق الرؤوس هو : هل ننجز مساومة ً كهذه على خلفيّة

2000 ضحيّة , أم أنّ استحقاقها سينتظر إلى أن يرتفع العداد إلى عشرات , بل ربما مئات الألوف ؟؟



يتراءى للناظر أن أجواء كلٍّ من النظام والشارع تشي بغياب الإستعداد النفسي بعدُ للقفز إلى قطار التسوية بكلفة اليوم .


من هنا ضرورة إيصال كليهما لتلك القناعة الجمعيّة , ونحن مازلنا في شوط ماقبل الكارثة ... لسببٍ بسيط : وهو أنّ النظام لا يقدر بحالٍ من

الأحوال على العودة إلى طريقته في الحكم قبل 15 آذار , وأنّ الشارع غير متوفّر على قدرة إسقاط النظام بالقوّة ....من ثمّ فمنطق الأشياء

يقول : لا مندوحة عن الصفقة.

ولمّا كان النظام هو الحاكم والمسئول , فبدهي أن يكون المطالب بالمبادأة والحكمة والشجاعة الأدبيّة , قبل المواطن الفرد ومجتمعه الأوسع.



لذا فإن حزمة من السياسات الصادمة والإيجابيّة التي يمكن اقتراحها وتوقّعها من رئيس الجمهوريّة , وفي بحر رمضان الرّاهن , تضحي أمر

اليوم .


أمّا اشتراط ذلك بضمان سلوك الشارع فهو ليس من السياسة - وهي فن المخاطرة المحسوبة بامتياز - في شيء , وبعلم أنّ التظاهر السلمي كان

في الأساس وسيلة ضغط الشارع الوحيدة على النظام , بصرف النظر عمّا تراكب عليه أو وازاه من أعمال مسلّحة – لا صلة لها بجوهر ذلك

الحراك - وإن تسببت بتعقيد المشهد وتكاثر اختلاطاته المشوِّهة .




حزمة المقترحات:



كان لرئيس الجمهوريّة عشيّة الأزمة شعبيّةٌ واسعة لا جدال حولها.. لكن شهوراً خمسة من الأزمة صدّعت تلك الشعبيّة ... والّتي لازال في وسعه

استعادتها , أو جلّها , إذا مضى إلى مكاشفةٍ أمينةٍ مع شعبه في حديثٍ مباشر من العقل و القلب إلى العقل والقلب ... فحواها :

أنّنا جميعاً على المفترق سالف الذكر , وأمامنا تحدّي الفرصة الأخيرة الّتي يتوجّب علينا اهتبالها للتو واللحظة , وأنّ سوريا كلّها : دولةً

ومجتمعاً ...جيشاً و نظاماً ...شعباً واقتصاداً ..دوراً و قدْراً ..جغرافية وتاريخاً ..تحت التهديد , وأننا سنواجه معاً بكفالة حريّة المواطن , معطوفة

على تحرر الوطن , ذلك التهديد , وسنطوي معاً صفحةً أليمة آن آوان طيّها .



و بوازع مسئوليته الأولى كرئيس للبلاد فهو يعلن :



1- وقف النار الفوري على كامل الجغرافيا السوريّة , وعودة القوات المسلحة الى ثكناتها بالتدريج.


2- من يستمرّ بإطلاق النار سيواجَه بعمليات أمنية موضعيّة تتعامل معه جراحيّاً وبحزم .

3- تشكيل لجنة وطنيّةً من 50 عضو تضع مسودة دستور جديد خلال 3 شهور لتقدّم إلى مجلس النوّاب الجديد لمناقشتها ثمّ إحالتها للاستفتاء العام

بعد البت فيها.


4- إطلاق سراح كل المسجونين والمعتقلين السياسيين , وإصدار عفو عام وشامل عن كل القضايا السياسيّة , وإلغاء قانون 49.

5- رد الحقوق إلى أصحابها على الفور سواءً من مصادراتٍ أو استملاكاتٍ أو آثار ابتزاز , ما تقادم عليه الوقت منها أم ما استجّدّ خلال الأزمة.

6- القبض على المتسببين الفعليين بإيذاء الناس خلال الأزمة وإحالتهم إلى محكمة علنيّة , سواءً منهم من بدأها في درعا أم من شابههم في

محافظات أخرى لحقت بها .


7- معاملة كل ضحايا الأحداث , عسكريين ومدنيين , كشهداء للوطن , وتعويض أسرهم وفق تلك القاعدة , مع تخصيص أيام ثلاثة للحداد الوطني.


8- القيام بجولة شاملة عبر البلاد تبدأ بدرعا وتنتهي بدير الزور , تلي فترة الحداد .


9- طي ملف المفقودين وفق أليّة ملائمة وكريمة تحفظ حقوق المتضررين وأسرهم .


10- إنشاء هيئة وطنيّة للمصالحة والعفو تتعامل مع ملفات ما بعد 8 آذار 63 الجرميّة على الطريقة الجنوب إفريقيّة والمغربيّة .


11- تشكيل حكومة إنقاذ برئاسة رئيس الجمهوريّة , وتضم شخصيّات من المعارضة الوطنيّة , إضافة لتكنوقراط كفؤ , مع احتساب حقائب

الداخليّة والخارجيّة والدفاع على حصة البعث.


12- إلغاء سلطة الضبطيّة القضائيّة للمدنيين لأيّة جهة عسكريّة أو أمنية ، وحصرها بالنيابة العامّة وفق مذكرة توقيف لا يزيد عن أسبوعين

على ذمّة التحقيق ، ليصار بعدها إما إلى الإفراج أو الإحالة إلى القضاء الطبيعي .


13- الفصل الجماعي لمنتسبي سلكي الشرطة والقضاء من عضويّة حزب البعث.


14- بالمقابل , تبقى أحوال القوات المسلّحة على ما هو قائم لحين تحرير الجولان.. مع إعمال مبدأ أنّ وزير الدفاع مدني , معطوفاً على إلغاء

منصب نائب القائد العام لتضاف صلاحياته لرئيس هيئة الأركان العامّة .


15- إعادة ترميم " دولة الرعاية " بكل ما تتطلبه من استيفاء حقوق الفقراء وذوي الدخل المحدود.. من دعمٍ لأسعار السلع التموينيّة الأساسيّة

لمستحقيها , وتوفير طبابة مجانيّة , وتعليم مجاني بكل مراحله , وتأمين ضد البطالة , وإسكان زهيد الكلفة .


16- حظر الاحتكارات في قطاعات الاقتصاد والأعمال.


17- الدعوة إلى انتخابات نيابيّة عامّة مطلع 2012, وتكون من أولى مهام مجلس النوّاب الجديد مراجعة وإقرار مسودة الدستور الجديد ,

وإعادة النظر في قوانين الأحزاب والانتخابات والإعلام والإدارة ( الحكم) المحليّة والطوارئ والتظاهر والسلطة القضائيّة والجامعات والجمعيات

والعقوبات وغيرها.


18- تحقيق الاستقلال القضائي عبر إتباع سلك القضاء لمجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه رئيس محكمة النقض .. و بضمنه

النيابة العامّة و التفتيش القضائي .


19- إلغاء امتيازات أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية , بما فيها حزب البعث , وفك أي ارتباط بينها وبين أجهزة الدولة , أو بينها وبين

المنظمات الشعبية.


20- تشكيل مجلس للأمن القومي برئاسة الرئيس وعضويّة نوابه ورئيس مجلس الوزراء ووزراء الدفاع و الداخليّة و الخارجيّة ورئيس

المخابرات العامّة ورئيس هيئة الأركان العامّة ومدير المخابرات العسكريّة .. وله أمين عام متفرّغ .


21- فصل الفرع الداخلي عن إدارة المخابرات العامّة ليصبح تخصصها الأمن القومي البحت ( التجسس الخارجي و مكافحة التجسس الداخلي

وتقديرات المعلومات ).. ودمج هذا الفرع مع إدارة الأمن السياسي تحت عنوان : إدارة الأمن الوطني , وتتبع وزارة الداخليّة .


22- إتباع المخابرات الجويّة لإدارة المخابرات العسكريّة أمنيّاً , ولقيادة القوّات الجويّة إداريّاً .


23- إلغاء منظمة طلائع البعث , وتحويل اتحاد شبيبة الثورة إلى جناح شبابي لحزب البعث (شبيبة البعث) من سن السادسة عشر فما فوق .


24- إلغاء وزارة الإعلام , وإنشاء اتحاد الإذاعة والتلفزيون على منوال BBC , ومجلس أعلى للإعلام من شخصيّات يرشّحها رئيس

الجمهوريّة وخاضعة لإقرار مجلس النوّاب .


25- تحريم التمويل الأجنبي للجمعيّات , على كافّة أنواعها , وفق القانون .


26- إعادة تنظيم القطاع العام بهدف فصل الملكيّة عن الإدارة , وتطبيق مبدأ الربحيّة مصحوباً بشدّة المحاسبة .. مع عقد

مؤتمر للإدارة والإنتاج لمناقشة قضاياه واستخلاص دليل عمل للمرحلة القادمة.


27- توجيه أقصى الاهتمام إلى المنطقة الشرقيّة إنماءاً و دعماً , مع تخصيص ثلث عوائد إنتاجها للإنفاق على خطّة تنميّة عاجلة لها .


28- إحقاق العدالة الضريبيّة بالتشديد على التحصيل الصحيح من دخول الأغنياء , مع تحصينه من غوايات الفساد و الإفساد.

29- دمج المحافظات الحاليّة في محافظات أكبر هي : دمشق ، حلب ، حوران ، الساحل ، العاصي والفرات , يديرها محافظون برتبة وزير

يتبعون رئاسة مجلس الوزراء , مع إلغاء وزارة الإدارة المحليّة , ولتتم بعدها انتخابات الحكم المحلي في ربيع 2012 لانتخاب مجالس المحافظات

و المناطق والنواحي والقرى.


30- دمج الهيئة المركزيّة للرقابة و التفتيش مع الجهاز المركزي للرقابة الماليّة في جهاز واحد اسمه : الهيئة المركزيّة لرقابة

الدولة , وتتبع مجلس النوّاب.





حزمة الإجراءات هذه لا أقول كفيلة - بالقطع - , لكنّها مُيسّرة - بالترجيح – لتضييق فجوة الثّقة المهولة بين النظام والجمهور وتجسيرها ,

وصولاً إلى إغلاقها حقّاً وفعلاً.



والحريّ أن ينتهي تعبير *نظام* من التداول في القاموس السياسي السوري , كما سقط قبله حاجز الخوف , لنشيد معاً دولة تستوعب سلطةً

حاكمة تأتي بالانتخاب الحرّ والنزيه , ويتم تداولها بسلاسة الاستمرار والتجدّد , بدءاً من الانتخابات النيابيّة مطلع 2012 , ووصولاً إلى

الانتخابات الرئاسيّة مطلع 2014 .



رمضان – 2011 فرصة أخيرة , أو تكاد , تنتقل فيها سوريا إلى طور متألّق من تاريخها , تجمع بين جنباته محاسن نهجها الخارجي ومزايا

تسويتها الداخليّة , في سبيكة خلاص تحفظ نسيج المجتمع وتدعّمه , وتسدّ منافذ التاّمر ورعاته .


إنّ منجاة النظام الحقيقيّة – عكسما يظنّ بعض أهله – هي في " دولنة " السياسة , وفي تخليصه من رزايا تراكمت على وفي جسده , من لدّن أصحاب

المصالح , وأوصلت قطاعات , يتزايد اتساعها , من الجمهور الى حالة من النفور نحوه لايعسر تلمسها.


إن الطريق إلى التغيير هو في السَوس لا في الدّوس .

تعقيب : التصور الذي طرحته للأزمة في سوريا مقبول جدا ، بل يعتبر مخرجا واقعيا يتجاوز تحليل طبيعة النظام ـ وما يحمله من قدرة على التطور أو التغيير - ، خصوصا وأنه يقوم على اعتبار رئيس الجمهورية قادرا على الفعل والتقرير خارج مكونات النظام نفسه ، وهذا افتراض لم تتوفر أي مؤشرات على صحته ، لكن مع ذلك فإني أعتقد أن هذا التصور الذي تقدمه يقبله كثيرون ، بل ويتمنونه ، خروجا مما نحن فيه

لكن رمضان الكريم انتهى ولم نشهد أي خطوة من النظام أو رئيسه في الاتجاه الذي أشرت إليه ، أو في أي عنصر من العناصر التي طرحتها في رؤيتك

وهنا يصبح مطلوبا من أصحاب الرأي والقلم ، أن يتصوروا لأنفسهم دورا مع هذا العمى الذي أصاب مراكز القوة والقرار في النظام ، وأن يبادروا في ممارسة هذا الدور

وأعتقد أن موقفا حازما من أصحاب الرأي والقلم، خصوصا من أولئك الذي أبدوا دائما حرصا على النظام السوري ، وعلى دوره ، وعلى أن تمر سوريا من أزمتها بأقل الخسائر ، لأن صوت هؤلاء ورأيهم يجب أن يلقى صدىً وقبولا من قوى النظام السوري بأكثر مما يلقى رأي الآخرين الذين عرفوا بالمعارضة…

…لك تحياتي وتقديري




د. مخلص الصيادي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر