الراصد القديم

2011/09/08

الثورة المصرية والعسكر في أول مواجهة على الأرض


تجمع المؤشرات التي تحملها القاهرة وتجلت في الأيام القليلة الماضية انتظارا لمليونية 9 سبتمبر/أيلول التي تحمل عنوانا عاما "تصحيح المسار"، على أن العلاقة بين المجلس العسكري وحكومته اللذين يديران البلاد وبين قوى الثورة قد دخلت طريقا لا تؤمن عواقبه، ولا تستبعد المواجهة ووقوع مصادمات عنيفة، خاصة أن أبرز ما يضيء هذه المؤشرات صعوبة التكهن بمدى قوة أي منها وفعاليته، لتظل في حالة من الالتباس والتعقيد إلى أن تختبر على الأرض، حيث تعد هذه المرة الأولى التي تواجه فيها الثورة -وإن بشكل موارب- العسكر.

بدأ اطلاق الدعوة لمليونية جمعة "تصحيح المسار" في أوائل شهر رمضان الماضي، وبدأت المطالبات التي سوف تحملها هادئة ومتوازنة: وقف المحاكمات العسكرية للمدنيين ورفض وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور، وإلغاء القانون الذي يجرم الإضرابات والاعتصامات، لتتصاعد غضبا برفض الحكم العسكري ومطالبته بتسليم إدارة البلاد لسلطة مدنية وإقالة د.عصام شرف وحكومته.

وأخيرا كان البيان الأهم لاتحاد شباب الثورة الذي جاء يحمل أبعادا وملامح تحذيرية واضحة لإدارة البلاد من عسكرا وحكومة "حقناً للدماء انسحبوا من الميدان، نريده في 9 سبتمبر ميدان محرر بلا شرطة عسكرية أو داخلية وعلى شرف الاستقالة".

ولا تزال قوات الأمن المركزي تحتل الحديقة التي تتوسط ميدان التحرير وعشرات من عربات الأمن المركزي ودبابات، فضلا عن عشرات من المخبرين وضباط أمن الدولة الذين يرتدون الزي المدني ويحيطون الميدان من كل جانب.

وطالب البيان الذي نشر على صفحة الاتحاد بموقع "فيس بوك" د.عصام شرف، بتقديم استقالته فورا واتهمه بالفشل في تحقيق التغيير الجذري الذي تعنيه كلمة ثورة، وأنه أصبح "أهم أدوات هدم الثورة بصمته على كل ما يحدث، بما يعد خيانة للثورة ولدماء الشهداء"، ورأى أن شرف دمية في يد المجلس العسكري وشارك في قتل الثورة وخيانتها وضياع أهدافها.

والمواجهة مع العسكر هو الأمر الذي لم يمر مرور الكرام بالنسبة لمجلسهم حيث أصدر أكثر من بيان أقواها البيان الأخير، الذي جاء حادا يحمل بين كلماته تحذيرا لجمعة "تصحيح المسار"، اذ جاء فيه "أن أي تجاوز ضد وحدات القوات المسلحة أو معسكراتها أو المنشآت الحيوية المصرية، سوف يُقابل بمنتهى الشدة والحزم".

وناشد جميع أبناء الشعب المصري إلى اتخاذ الحيطة والحذر من أية عناصر وصفها بـ"الهدَّامة" قد تُقدم على أية تصرفات من شأنها الإضرار بصورة مصر وشباب الثورة أمام العالم "تحقيقاً لأهداف عناصر داخلية تحاول إجهاض الثورة أو عناصر خارجية تستهدف الأمن القومي المصري".

توافق القوى الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمين مع العسكر في رؤيتها لرفض جمعة تصحيح المسار، له مؤشراته القوية سابقا، أما اللحظة الراهنة فقد حملت مؤشرات إضافية منها تراجع العسكر عن الإصرار عن إعلان وثيقة المبادئ الحاكمة للدستور، وإصرارهم على قانون مجلسي الشعب والشورى الذي ترفضه كل القوى السياسية والثورية دون القوى الإسلامية الذي قبلت به مع بعض التعديلات البسيطة.

وقد أعلنت القوى الإسلامية عدم مشاركتها في الجمعة، ورأى د. محمد سعد الكتاتني الأمين العام لحزب الحرية والعدالة "أن الهدف من المليونيات التي تم تنظيمها منذ نجاح الثورة هو الضغط لتحقيق الأهداف الكبرى للثورة، وقد أدت بالفعل إلى تحقيق العديد من المطالب".

هكذا يجتمع المجلس العسكري والإسلاميون على أن الثورة تمضي في مسارها الصحيح وحققت مطالبها، في مقابل القوى الثورية الشبابية والأحزاب اللبرالية أيضا التي ترى أن الثورة قد أجهضت على يد العسكر وحكومة شرف.

لكن بعيدا عن التوافق العسكري الإسلامي جاءت أحداث الجلسة الثالثة لمحاكمة مبارك، ثم أحداث مباراة الأهلي مع كيما أسوان في دور 32 في بطولة كأس مصر لكرة القدم، لتدفع الأمور دفعا إلى الصدام بالمجلس العسكري وحكومة شرف، حيث تجاوز عدد المصابين في كلا الحدثين 200 مصاب.

في أحداث المحكمة حمت قوات الشرطة البلطجية لينقضوا على أسر الشهداء خارج المحكمة ويصيبوهم إصابة خطرة، وفي داخل المحكمة سمحت لمناصرين للرئيس المخلوع رفعوا صورة له وعلت هتافاتهم ليتلاحموا بالأيدي والسباب مع محامي أسر الشهداء، الأمر الذي أكد الصورة عن هزلية محاكمة مبارك وعصابته لدى عامة الشعب الذي يتابع بدقة مجريات المحاكمة.

"التواطؤ" كان أكثر وضوحا في وقائع أحداث مباراة الأهلي وكيما أسوان، فما أن هتف المتظاهرون ضد الرئيس المخلوع ووزير داخليته حبيب العادلي حتى انقضت عليهم قوات الأمن المركزي وتم إطفاء الأنوار "وهاتك يا ضرب بالعصي والشوم"، كما قال أحد الشهود.

المؤشرات على الحدة والغضب الذي ستنطلق منه جمعة "تصحيح المسار" لا يتوقف عن هذه الأحداث، اذ أنها مؤهلة لاستقبال الآلاف من جماهير كرة القدم والمتعاطفين مع أسر الشهداء والناشطين السياسيين المحاكمين عسكريا، ومن يرون في محاكمة مبارك مهزلة واستهزاء بعقولهم ومشاعرهم، والمتضررين من الفوضى والانفلات الأمني والارتفاع الجنوني في الأسعار وأزمة البنزين، ومتظاهري ومعتصمي المطالب الفئوية كالعمال والمدرسين والسائقين وغيرهم، فالاعتصامات الفئوية للعمال تكاد تكون يومية في مختلف أنحاء البلاد، وأخيرا قرر أكثر من 22 ألف عامل بغزل المحلة الإضراب عن العمل يوم السبت 10 سبتمبر مطالبين بحد أدنى للأجور، وزيادة حافز الإثابة إلى 200%، أما المدرسون فيتظاهرون يوميا أمام مقر وزارة التربية والتعليم وإدارات التعليم في مختلف محافظات مصر.
محمد الحمامصي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر