الراصد القديم

2011/09/13

هل يملك ميدفيديف وبوتين ما «يبرّر» مواقفهما؟



> تكشف روسيا، وإلى حد ما الصين، أسرار مواقفها المتحفّظة إزاء الثورات العربية التي تعمّ المنطقة، وبخاصّة منها الثورة في كل من سورية وليبيا واليمن، من خلال بياناتها العلنية بين فترة وأخرى حول مستقبل علاقاتها مع هذه الدول.

آخر هذه المواقف، في الواقع، كان ما قاله علناً وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في شرحه الهدف من دعوة وفد المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا الى زيارة موسكو في الفترة المقبلة. قال لافروف إن موسكو تريد أن تناقش مع الوفد مستقبل العقود والاتّفاقات: (النفطية أساساً، وربما التسليحية أيضاً) مع النظام السابق في ليبيا، برئاسة العقيد معمّر القذّافي.

وعملياً، لم يكن موقف حكومة الصين مختلفاً، وإن لم يتحدّث عنه المسؤولون فيها بالصراحة والعلنية اللتين تحدّث بهما لافروف وغيره من المسؤولين الروس.

سبق ذلك، كما هو معروف، تحفّظ روسيا على معظم قرارات مجلس الأمن حول ليبيا منذ البداية، حتى أنها لم تستخدم حق النقض (الڤيتو) ضد القرار الخاص بحماية المدنيين فقط، بعد أن صدر موقف مجلس الجامعة العربية الذي تحدّث صراحة عن هذه النقطة. وفي المراحل اللاحقة كلّها، كان الروس يتحدّثون في مجلس الأمن وخارجه، تارة عن رفضهم مستوى العمليات التي تقوم بها طائرات حلف الأطلسي ونوعيّتها، وتارة أخرى عن أن القرار لم ينص على مثل هذه العمليات. وفي كل حال، كانت موسكو تحاول إقامة علاقات «متوازنة» مع القذّافي من ناحية، ومع «المجلس الو?ني الانتقالي» من ناحية ثانية، الى درجة أنها دعت وفدين من الطرفين الى محاولة إيجاد «تسوية» بينهما في مرحلة من المراحل. ولم يغيّر المسؤولون الروس موقفهم في النهاية إلا بعد هروب القذّافي وسقوط النظام بصورة كاملة.

هذا الموقف من ليبيا يعيد الى الأذهان، عملياً، موقف روسيا من العملية التي استهدفت غزو العراق في العام 2003، إذ كان الموضوع يومها واحداً ووحيداً، هو ضمان المحافظة على العقود والاتّفاقات التي عقدتها موسكو مع صدّام حسين، وهو ما اتّفقت المعلومات كلّها في وقت لاحق على أنه تم بموافقة من واشنطن وبغداد معاً. كما أنه يلقي الضوء، وإن لم يكن بصورة مباشرة بعد، على الموقف التي تلتزم به روسيا، ومعها الصين أيضاً، تجاه الثورة في سورية ونجاحهما حتى الآن في الحيلولة دون قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات سياسية واقتصادية ضد النظ?م السوري. هل هذا منطقي، أو أقلّه طبيعي؟

لا ينكر أحد أن السياسة ليست عملاً خيرياً، وأن الدول بدورها تأخذ مصالحها في الاعتبار عندما تقرّر موقفاً ما تجاه هذه الدولة أو تلك، في هذه المنطقة أو تلك.

أكثر من ذلك، فليست الولايات المتحدة ولا دول أوروبا الغربية من ناحيتها مؤسّسات مماثلة لمؤسّسة «كاريتاس» الدولية، بل هي تراعي مصالحها الخاصة ومستقبل هذه المصالح، سواء في موقفها من ليبيا أو من سورية أو غيرهما، لكن ما يبقى بعد ذلك كلّه أنها تهتمّ في الوقت ذاته بحقوق الشعوب ورغباتها، في التحرّر من أنظمة لا صفة لها سوى أنها استبدادية، فضلاً عن أنها في ما يحدث على الأرض الآن، تقتل شعبها وتشنّ عليه حرب إبادة جماعية. وبالنسبة الى روسيا، فأياً كانت مصلحتها مع النظام السوري (وقبله مع النظام الليبي) اقتصادية ومالية بح?ة ـ وحتى استراتيجية كما يقال عن القاعدة البحرية الروسية على ساحل اللاذقية أو في طرطوس ـ فما يبقى في الذهن العربي، فضلاً عن التاريخ، أن قادة روسيا الحالية وقفوا ضد الشعب السوري، وإلى جانب نظام يقتل شعبه بمختلف أنواع الأسلحة منذ أكثر من ستة شهور حتى الآن.

هل يملك ميدفيديف أو بوتين، بل هل تملك موسكو نفسها، وكان لها (يوم كانت سوفياتية) تاريخ طويل في الدفاع عن حقوق الشعوب في التحرّر، ما تستطيع به تبرير موقفها هذا من أجل مصالح أقلّ ما يقال فيها إنها «ضيّقة» و«صغيرة» و«بائسة»، إذا ما قيست بثورات الشعوب على حكّامها من أجل الحرّيّة والكرامة ورغيف الخبز؟ >


المشاهد السياسي

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر