الراصد القديم

2011/09/22

بكركي في ذكرى النداء الأيلوليّ


الجمهورية 2011/09/21

شارل جبور

في 20 أيلول من العام 2000 أطلقت بكركي نداءها الشهير "إلى كلّ من يهمّه الأمر في لبنان وخارجه لعلّه يسارع إلى الإسهام في عملية الإنقاذ"، هذا النداء الذي أطلق أوسع ديناميّة داخلية أدّت، بعد تقاطعها مع ظروف دوليّة وعربية مؤاتية، إلى إخراج الجيش السوري من لبنان.

لا يمكن الحديث عن الاستقلال الثاني من دون العودة إلى الوثيقة الأيلوليّة، وهي من الوثائق المؤسّسة لهذا الاستقلال على غرار عامّية أنطلياس أو رسالة البطريرك الياس الحويّك في العام 1918 إلى عموم اللبنانيّين من أجل اللقاء والعودة إلى لبنان التاريخيّ حتى قبل إنشاء لبنان الكبير. كما لا تخرج هذه الوثيقة عن سياق المسار التاريخيّ للكنيسة المارونية كرافعة تاريخية لمعنى لبنان ومساهمتها الأساسية في بلورة هذا الخيار-النموذج الذي بدأت حركات التغيير في العالم العربي تحذو حذوَه.

وأهمّية هذا الوثيقة تكمن في تصويبها المباشر على الهدف المتمثّل بـ"أن يعاد انتشار الجيش السوري في لبنان تمهيدا لانسحابه نهائيّا عملا بالقرار 520، وباتّفاق الطائف"، ومحاولتها تحييد حزب الله عن هذه المواجهة عبر إشادتها بـ"حكمة من حرّروا الجنوب بما بذلوه من دماء ذكيّة في سبيل التحرير، بدافع من حميّة وطنية صحيحة. وقد مهّدوا السبيل للدولة لتبسط سلطتها على جميع أراضيها عملا بالقرار 425 الذي تحرّر الجنوب دون تطبيقه عمليّا".

والأهمّ أنّ بكركي لم تكتفِ بإطلاق معركة إخراج الجيش السوري، إنّما واكبتها خطوة بعد خطوة، من رعايتها لقاء "قرنة شهوان" إلى الانفتاح على الشريك الوطنيّ بدءا بالنائب وليد جنبلاط واللقاء اللبناني للحوار وصولا إلى الرئيس رفيق الحريري على قاعدة أنّ الاستقلال لا يمكن إنجازه إلّا من خلال الشراكة المسيحيّة-الإسلاميّة.

هذه الشراكة التي كانت في أساس الاستقلال الأوّل وميثاق العام 1943 مرورا باتّفاق الطائف وصولا إلى انتفاضة الاستقلال. وليس تفصيلا أن يكون المكوّن السُنّي هو الشريك في الميثاق والوثيقة والانتفاضة، وإذا كان ضعف المكوّن الشيعيّ حالَ دون مساهمته في الاستقلال الأوّل، فما الذي حال إذاً دون هذه المساهمة في اتّفاق الطائف الذي عارضه والانتفاضة التي حاول إجهاضها سوى رؤيته الاديولوجية والإسلامية التي يشكّل لبنان ساحة من ساحات جهاده لتحقيقها؟

كلّ الاستراتيجيّة السورية كانت قائمة على عاملي التخويف و"فَرِّق تَسُدْ" بغية إبقاء سيطرتها على لبنان، وقد جاءت الوثيقة الأيلوليّة لتضع حدّا نهائيّا لهذه "اللعبة" المكشوفة التي مكّنت دمشق من إحكام نفوذها على بيروت بقولها: "لقد كانت هناك تصريحات تقول إنّه إذا انسحب الجيش السوري من لبنان، قامت فتنة فيه، أو إنّ وجوده أصبح جزءا لا يتجزّأ من السلم اللبناني، أو إنّه ينسحب إذا طلبت منه الحكومة اللبنانية الانسحاب. ومعلوم أنّها حُجج واهية لا تثبت أمام المنطق السليم: لن يكون فتنة في لبنان، إن لم يعمد أحد إلى إضرام نارها، واللبنانيّون ما اقتتلوا يوما إلّا لأنّه كان هناك من يبذر بذور الفتنة في ما بينهم".

هذه "البذور" بالذات التي ورثها حزب الله عن سوريا يسعى جاهدا لإعادة زرعها في الجسم اللبناني في محاولة يائسة لضرب أبرز ما تمّ تحقيقه في انتفاضة الاستقلال، وهي الشراكة التي أخرجت سوريا من لبنان بغية إعادة إنتاج المناخات الطائفيّة الانقسامية التي وحدها تسمح لمشروعه البقاء على "قيد الحياة"، لأنّ وحدة اللبنانيّين التي حقّقت الاستقلال لا بدّ من أن تحقّق، عاجلا أم آجلا، السيادة بنزع سلاحه الإيراني المنشأ والأهداف.

ولعلّ أيّ تقارب مع هذا المكوّن الشيعيّ تحت أيّ عنوان يشكّل استهدافا صريحا للسيادة والاستقلال، فضلا عن أنّ أخطر وأسوأ ما يخطّط له اليوم هو استخدام مواقف البطريرك الماروني لتظليل هذا المكوّن الانفصالي وإحداث الشرخ مع المكوّن السُنّي الميثاقي لإدامة السلاح غير الشرعي وإبقاء لبنان ساحة نفوذ أو ورقة مساومة...

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر