الراصد القديم

2011/09/20

الدولة اللبنانية: « لا دولة »


بغضّ النظر عن تفاصيل الحياة السياسية اليومية اللبنانية، يبدو ان شعوب لبنان تسير في اتجاه معاكس تماماً، لمحاولات الشعوب العربية الانتفاضية والثورية توقاً الى الحرية والكرامة الانسانية والى تأكيد وجوب وجودها السياسي.

ويبدو ان الكلّ في لبنان بدأ يُعدّ العدّة لمواجهة هذا الخطر الداهم عليه من الخارج، اي خطر الانتفاضات والثورات، وذلك حفاظاً على النوع والعنصر والثقافة والطائفة والمذهب لكل مكوّن من مكوّناته. ويبدو ايضاً، ان الاتجاه هذا، يسير بشكل حثيث نحو تسلّط رجال الدين الكبار أكثر فأكثر، وامساكهم زمام الامور، كلّ في طائفته، والعمل على إعادة تشكيل بنية لبنان الاجتماعية والسياسية، على اساس طوائفي جديد، يلحظ تقدّم سيطرة أكبر لرجال الدين على شكل ودور هذه الدولة، أي يجعلهم ناطقين رسميين بإسمها، دون مواربة او خجل، ويهمّش دور الاقطاب السياسيين الحاليين.

الداعي الى هذا الكلام، هو ما يحدث حالياً في لبنان، وذروته على الساحة المسيحية. من اعادة تنشيط « اللقاء الارثوذكسي »، واقتراحاته الاخيرة، وأهمها ضرورة انتخاب ابناء كل طائفة ومذهب نوابهم، الى اللقاء الكاثوليكي الاخير الساعي الى فرض اسماء معيّنة في انتخابات مجلسه الاعلى، الى انشطار مواقف اقطاب الموارنة السياسية بشكل عامودي، والأهّم هو، مواقف البطريرك الماروني الراعي الاخيرة، والردود عليها. وهذا كله بسبب المستجدّات والمتغييّرات في المنطقة، والبناء عليها، لرسم صورة مستقبلهم كأقليّات والحفاظ عليها كخصوصيّة دينية وثقافية وسياسية وديموغرافية.

ينطبق هذا الامر على كل الطوائف والمذاهب اللبنانية الاخرى، كونهم كلهم أقليّات متعايشة مع بعضها بالإكراه، ضمن عقد اجتماعي قسريّ يضمن حقوق كل اقليّة منهم. فعند الشيعة، الامر محسوم، ولواء القيادة السياسية الاساسية، معقود ل » اللفاّت والجبب » المؤمنة بعقيدة ولاية الفقيه، وهي تهمّش بالتالي كل من هو هو خارج معتقدها من الشيعة، او تجعل من بعضه صفّاً ثانياً وثالثاً تحركّه وتستخدمه عند حاجتها له. امّا مواقف المفتي قبّاني الاخيرة ، وهو القيّم على دار الافتاء والطائفة السنيّة، والردود عليه من جماعته، فهي خير شاهد على الانجرار والانجراف في هذا الطريق، ربّما ليس ( وأكيد) قناعة ً منه، بل شعوراً بضعفه وضعف موقف طائفته بعد الانقسام الحاصل داخلها، وغياب من يُفترض به قيادتها عن الساحة اللبنانية الى أجل غير معروف، وعدم قدرته بالتالي شخصياً على بلورة رؤوية سنيّة رائدة ، في ظلّ القوّة الشيعية المهيمنة. اما الطائفة الدرزية، فإنها تشذّ عن هذه القاعدة، كون مركزيتها السياسية ليست بيد رجال الدين، بل يتملّكها زعيمها المدني الاقوى وليد جنبلاط.

يحيلنا هذا، الى الاستنتاج ان هذه الدولة الحالية، والتي تسير وتحاول التطوّر باتجاه تكريس زعمائها الدينيين المنطلقين من رؤوى دينية ومذهبية، كزعماء سياسيين يسقطون مفاهيمهم الغيبية على الدولة وبنيانها، ما هي الا دولة دينية، ولكن برؤوس متعددّة ( كالحيّة بسبع رؤوس)، تأخذ تشريعاتها من الاديان.

ان الدولة الدينية لا يمكنها ان تكون دولة سياسية، هي دولة « اللادولة ». إذ ان كل ما نراه ونسمعه حالياً من مواقف سياسية رسمية، وردود افعال عليها، ومن انتقادات على الدولة والردود عليها، يأخذ مباشرة طابع انتقاد للطائفة او المذهب المعني، او انتقاد لمجموعها، والامثلة أكثر من ان تُعذّ وتُحصى.

ان حلّ هذه المعضلة التاريخية المزمنة في لبنان، لن يستقيم الا تدريجياً، بالترابط والتزامن مع حلحلة معضلات الدول المجاور، نظراً للتربط التاريخي والجغرافي والثقافي، وهي بدأت فعلاً في المحيط، وبعد ان يقتنع الانسان اللبناني المسيحي والمسلم ان بناء دولة سياسية حقيقية، لا يمكنها ان تقوم اذا لم ينعتق هو شخصيّاً من دولته الدينية هذه، حينها فقط تنعتق الدولة الدينية لتصبح دولة سياسية مكتملة، لا تدافع عن اي دين، بل تدافع عن نفسها كونها دولة، وتحفظ في آن، حقوق المواطنين الدينية والثقافية الفردية.

هناك غياب شبه تام لمنظّمات وتيّارات واحزاب مدنية في لبنان، ولا يكفي وجود افراد يعون هذه المسألة من اجل اجراء اصلاحات سياسية جوهرية، تنقلنا من حال الى حال أفضل، المطلوب هو سحب الشرعيّة الدينية عن كل ما يخصّ الشأن العام، ورفع الغطاء عن المتكلمّين بإسمهم، ودرس الشعارات كافة قبل تردادها وتبنّيها، ونقدها عند الحاجة. فلا شعار دولة الحرية والاستقلال يجعلها قريبة المنال، ولا شعار المقاومة والممانعة يجعلها كذلك. كلا الفريقين القائدين يكرّسان ويقوّيان اسس الدولة الدينية المتعددة الرؤوس، ونحن نمنحهما القوة اللازمة لتجديد قبضتهما على رؤوسنا وكتم انفاسنا. ان تكريسنا لحقوقنا السياسية والدفاع عنها خارج اطار كل الطبقة الحاكمة، هو المدخل نحو التصالح مع الذات، وبناء الدولة المدنية، اي يجب ان نعيد النظر بكل مفاهيمنا ومواقفنا>



د. جمال القرى

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر