الراصد القديم

2011/09/23

جنبلاط اتّخذ خياراً حاسماً لكنه خائف منه والموالاة « غير مرتاحة » الى تحالفه مع ميقاتي



من جديد تعود العلاقة بين رئيس « جبهة النضال الوطني » النائب وليد جنبلاط والاكثرية الحاكمة الى دائرة الشكوك وانعدام الثقة، بفعل المواقف المستجدّة التي يتّخذها الاخير إزاء التطوّرات الجارية على مستوى الملفّات التي تتصدّى لها الحكومة من جهة، وعلى المستويين الاقليمي والدولي ومجمل الوضع في المنطقة من جهة اخرى.

وعلى رغم النفي المتبادل الذي عبّر عنه الطرفان في الآونة الاخيرة بعدم وجود أيّ أزمة أو فتور في العلاقة بينهما، وخصوصا بين حزب الله وجنبلاط، فإنّ المؤكّد انّ هناك تباينا واضحا بين الجانبين في النظرة الى القضايا الداخلية المطروحة، وكذلك الى الوضع في المنطقة.

ويقول مصدر سياسيّ مطّلع لـ »الجمهورية » إنّ ما تعكسه المواقف علنا وفي مطاويها، هو أنّ جنبلاط يحرص على التأكيد أنّه كان وما زال في « الموقع الوسطيّ » الذي اختاره عندما خرج من فريق 14 آذار الى فضاء قريق 8 آذار، وتعاون معه حتى صار أكثرية وأسقط حكومة الرئيس سعد الحريري. وهو في هذا الموقع الوسطي على غرار رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، يرى في « الوسطيّة » ما يمكنه من تحييد نفسه وفريقه عن كلّ ما يجري من نزاعات سياسية داخلية، وفي المنطقة، وإن كانت له نظرته الخاصة الى كلّ ما يجري.

ولكن جنبلاط في حياديته هذه يبدو، في رأي المصدر نفسه، أنّه يقترب من فريق 14 آذار، أو على الأقلّ من تيار « المستقبل » الذي يشكّل حاليّا رأس حربة هذا الفريق، خصوصا بعدما تصالح سياسيّا في الآونة الاخيرة مع شخصيات سياسية منتمية الى هذا التيار او قريبة جدّا منه، وتنتمي الى 14 آذار، وفي الوقت نفسه عزّز علاقته برئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووطّدها بما يرقى بها الى حدود « التحالف » معيدا الى الاذهان العلاقة التي كان ينسجها مع الرئيس الراحل رفيق الحريري، والتي كانت موردا للاستفادة السياسيّة المتبادلة لهما، خصوصا عندما كانا يتعرّضان لهجمات سياسية وحملات من الآخرين. وقد بدا هذا « التحالف » واضحا من خلال التنسيق الذي تمّ بينهما من خلال وزرائهما في ملفّ الكهرباء الذي شهد كثيرا من الأخذ والردّ لنحو شهر في مجلس الوزراء حتى تمّ إقراره، إذ جاءت ملاحظات الوزراء الجنبلاطيّين منسجمة، وأحيانا متطابقة، مع ملاحظات ميقاتي ووزرائه. عِلما أنّ وزراء رئيس الجمهورية ميشال سليمان لم يكونوا بعيدين عن مواقف هؤلاء الوزراء.

ويلفت المصدر الى انّ هذا التنسيق او التوافق بين سليمان وميقاتي وجنبلاط في الموقف من ملفّ الكهرباء سينسحب قريبا على ملف تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إذ بات معروفا أنّهم يؤيّدون أن يسدّد لبنان حصّته من هذا التمويل، والبالغة 65 مليون دولار (30 مليونا مستحقّة منذ آذار 2010، و35 مليونا مستحقّة منذ آذار 2011) وحجّتهم في ذلك أنّه يجب الفصل بين المحكمة كمؤسّسة منشأة بقرار دوليّ، وبين الموقف السياسيّ منها، وذلك لكي لا يضع لبنان نفسه في مواجهة مع المجتمع الدولي الذي قد يلجأ الى فرض عقوبات عليه في اعتبار أنّ مجلس الأمن الدولي كان قد أقرّ نظام المحكمة والاتفاقية الخاصة بها تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة.

ويشير المصدر الى انّ مواقف سليمان وميقاتي وجنبلاط، وتحديدا الأخيرين المؤيّدة تمويل المحكمة يجعلهما قريبين من تيار « المستقبل »، حيث إنّهما يحرصان على عدم القطع معه، فميقاتي يريد بهذا الموقف ان يردّ عنه تهمة التيار وكلّ مَن يدور في فلكه داخل الطائفة الاسلاميّة السنّية وخارجها بـ »التفريط » بالمحكمة ودم الحريري الأب، وفي المقابل فإنّ جنبلاط هو الآخر يريد بموقفه هذا أن يردّ عنه تهمة الانسياق وراء الاكثرية التي تشكّك بصدقية المحكمة وتريد إسقاطها، بما يبقي له الباب مفتوحا أمام أيّ عودة يفكّر فيها الى التحالف مع تيّار « المستقبل »، وليس العودة بالضرورة الى فريق 14 آذار الذي كان ولا يزال يتكبّد خسائر سياسيّة ومعنويّة كبيرة يوميّا منذ الخروج الجنبلاطي منه، حيث كان جنبلاط يشكّل رأس حربته.

غير أنّ المصدر يعتقد أنّ جنبلاط وعلى رغم أنّه في ما يتّخذ من مواقف داخلية وخارجية تثير الريبة والشكوك لدى الاكثرية من جهة، و »تدغدغ » مشاعر المعارضة من جهة أُخرى، لم يتّخذ أيّ قرار بالعودة الى فريق 14 آذار حتى الآن، وهو يصرّ على البقاء في « الموقع الوسطي » الذي هو فيه، في انتظار ما ستؤول اليه التطوّرات التي تشهدها المنطقة العربية عموما، وسوريا خصوصا، إذ تسكنه في هذا الصدد هواجس كثيرة تتّصل بمستقبله ومستقبل فريقه السياسي ومستقبل طائفته في لبنان وسوريا، حيث إنّه يحبّذ أن تنأى هذه الطائفة بنفسها عمّا يجري حتى لا تكون ضحيّة لغلبة أيّ فريق على آخر.

خريطة طريق

وفي اعتقاد هذا المصدر انّ المحادثات التي كان جنبلاط أجراها في أنقرة قبل اسابيع مع رئيس الوزراء التركي رجب طيّب اردوغان وغيره من المسؤولين الاتراك الكبار جعلته يرسم، او يبدأ برسم، « خريطة طريق » لما سيكون عليه تعاطيه مع التطوّرات الجارية.

ويبدو انّه لم ينجز هذه الخريطة كلّيا بعد، في انتظار ان يحوط بكلّ المعطيات لدى هذه العاصمة او تلك، وزيارته الحاليّة لباريس ربّما تندرج في هذا الاطار، ومن المرجّح انّه الآن في صدد جولة عربية ودولية ثانية، بعد الجولة الاولى التي قام بها خلال الاسابيع المنصرمة وبدأها بباريس وشملت لاحقا دمشق والدوحة وموسكو والقاهرة وأنقرة وبنغازي، وربّما عواصم أخرى لم يُعلن عنها.

ويشير المصدر الى انّ ما دفعه للسفر الى باريس قبل ايّام هو مخاوف على أمنه، نجمت من تلقّيه معطيات في هذا الصدد وتمّ التكتّم عليها.

ويقول المصدر إنّ اطرافا في الاكثرية لم ترتَح كثيرا الى التنسيق الميقاتي – الجنبلاطي الاخير حول ملفّ الكهرباء، لأنّها وجدت في تأخير البتّ بهذا الملفّ المُقرّ أيّام الحكومة السابقة اصلا، ما يعوق اندفاعة الحكومة التي اتّفق اهلها عند تأليفها على مدّها بكلّ اسباب الدعم حتى تحقّق إنجازات تعوّض اللبنانيين ما فاتهم في السابق، الى درجة انّ الخلاف الذي استحكم حول الملفّ الكهربائي دفع رئيس مجلس النواب نبيه برّي الى القول امام زوّاره في الآونة الأخيرة: « إنّ الحكومة تتصرّف وكأنّها معارضة وإنّ المعارضة تتصرّف وكأنّها حكومة ».

فتور مع دمشق

إلى ذلك، لم يسجّل أيّ لقاء لجنبلاط في الآونة الاخيرة مع الامين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله، وكذلك لم تكن له ايّ زيارة لدمشق وإن كان بعض معاونيه يتولّون اتّصالات مع هاتين الجهتين.

وتحدّثت مصادر مطّلعة على موقف الاكثرية عن وجود شيء من الفتور حاليّا في العلاقة بين جنبلاط ودمشق، يتزامن مع استمرار التواصل بينه وبين قيادة « حزب الله »عبر موفدين.

غير أنّ مصادر واسعة الاطّلاع تكشف عن أنّ جنبلاط بات الى يمين فريق 14 آذار، لكنه داخل الحكومة. وفي اعتقادها أنّ الرجل قد اتّخذ خيارا ولكنّه « خائف منه ». وتضيف: « إنّ هذا الخيار لا يرضي حلفاءه في الأكثرية كثيرا، ولكنه من شأنه أن يؤدّي الى نتائج سياسية حاسمة. ولذلك هو خائف من هذا الخيار ».

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر