الراصد القديم

2011/09/26

انتكاسة إيران سببها موقف الصين المستجد

Meir Javedanfar - Center for American Progress

يُفترض أن يقلق القادة الإيرانيون من الأنباء الأخيرة عن تراجع حجم استثمارات الصين في قطاع النفط والغاز الإيراني، حتى إن هذا التطور قد يكون أسوأ من الأحداث الحاصلة في سورية لأنه يؤثر مباشرةً في الاقتصاد الإيراني الذي يكسب معظم إيراداته من تصدير الطاقة.

من الخطأ أن نعتبر أن السياسة الخارجية الإيرانية عرفت أياماً أفضل من وضعها الراهن، فمع مرور كل شهر ومع وصول موجات الصحوة العربية إلى بلدان جديدة في الشرق الأوسط، تدرك إيران أن شعبيتها ونفوذها يتقلصان في المنطقة.

حتى تركيا التي وجّهت حديثاً ضربة دبلوماسية واستراتيجية قاسية لإسرائيل عبر طرد سفيرها بدأت تتجاهل إيران، فسرعان ما تحولت بهجة الإيرانيين بسبب الأزمة الأخيرة في العلاقات الإسرائيلية التركية إلى موجة غضب عارمة بسبب إعلان تركيا موافقتها على استضافة نظام مضاد للصواريخ يعود للحلف الأطلسي على أراضيها، فاتخذ الأتراك هذا القرار على الرغم من طلبات إيران المتكررة بفعل العكس.

تحتل قوة السياسة الخارجية الإيرانية أهمية كبرى بالنسبة إلى قادتها، وتحديداً في ما يتعلق بصمود النظام، لكن تبقى السياسة الخارجية في المرتبة الثانية بعد الاقتصاد، فالاقتصاد هو الذي يضمن صمود الجمهورية الإسلامية حتى الآن. لقد شهد قادة إيران على انهيار علاقتهم مع الولايات المتحدة، ومع ذلك لا يزالون صامدين، ولا شيء يشير حتى الآن إلى احتمال انهيار النظام حتى لو سقط حليفهم المقرّب بشار الأسد، لكن يختلف الأمر على المستوى الاقتصادي، فبالنسبة إلى قادة إيران، يُعتبر هامش الخطأ في الاقتصاد أصغر بكثير مما هو عليه في مجال السياسة الخارجية ونفوذها.

يُفترض أن يقلق القادة الإيرانيون من الأنباء الأخيرة عن تراجع حجم استثمارات الصين في قطاع النفط والغاز الإيراني، حتى إن هذا التطور قد يكون أسوأ من الأحداث الحاصلة في سورية لأنه يؤثر مباشرةً في الاقتصاد الإيراني الذي يكسب معظم إيراداته من تصدير الطاقة. مع إقدام معظم شركات النفط العالمية على عزل إيران بسبب العقوبات المفروضة عليها، كانت الصين من بين آخر الدول الداعمة لإيران وقطاع الطاقة الذي يحتاج بشدة إلى الاستثمارات والمهارات التكنولوجية، فوفق دراسة أُجريت في الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم، في عام 2007، قد تفتقر إيران إلى كميات النفط اللازمة لتصديرها بحلول عام 2015، ويشكّل نقص الاستثمارات في قطاع الطاقة أحد أبرز العوامل التي تفسّر هذه التوقعات.

صحيح أن الصين زادت حجم وارداتها النفطية من إيران، لكن لن يكون هذا الأمر مصدر راحة بالنسبة إلى حكّام إيران على المدى الطويل، فنظراً إلى هذه الخطوة الأخيرة، صعّبت الحكومة الصينية على إيران عملية استخراج النفط والغاز وتصديرهما وجعلتها أكثر كلفة، مما يعني تراجع نسبة السلع المعدّة للبيع بكلفة إنتاج أعلى في المستقبل.

يحتاج القائد الإيراني الأعلى بشدة إلى مدخول النفط للحفاظ على ولاء الحرس الثوري الإسلامي وقوات الباسيج، فلا ينتمي جميع أعضاء الحرس الثوري ومقاتلي الباسيج إلى فئة المتدينين الذين يؤمنون بالثورة ويكونون مستعدين للتغاضي عن مصالحهم المالية في سبيل خدمة القضية، بل يُقال إن هؤلاء الأشخاص يشكلون أقلية بدأت تتلاشى تدريجاً، أما أغلبية العناصر المتبقية، فهي تنشط بسبب صفقات العمل المربحة التي يتلقاها الحرس الثوري، فضلاً عن الإعانات التي يحصل عليها أعضاء قوات الباسيج.

فبينما تتراجع شرعية قادة إيران إلى أدنى مستوياتها محلياً، يحتاج هؤلاء القادة إلى المداخيل من قطاع الطاقة أكثر من أي وقت مضى لمتابعة شراء ولاء الحرس الثوري وغيره من فصائل الدعم الأخرى، ومع صدور الأنباء الأخيرة من الصين، يحق للإيرانيين أن يشعروا بالقلق، إذ سيترافق تراجع كميات النفط وارتفاع كلفتها مع انخفاض عدد الموالين للنظام، فإذا تبخرت الأموال المخصصة للحرس الثوري، فمن سيحرس الثورة؟

يحق لقادة إيران أيضاً أن يغضبوا من الصين، ولكنّ الشخص الذي يخشونه أكثر من الصين هو الرئيس باراك أوباما.


لقد اقتنع الصينيون باتخاذ قرارهم الأخير بسبب الإجماع الذي حصده أوباما والمصداقية التي كسبها، فلولا ذلك، لتابعت الصين على الأرجح دعمها لقطاع الطاقة في إيران، كما فعلت خلال عهد بوش، لكن توصلت الحكومة الصينية إلى هذا الاستنتاج بعد مرور عام على مبادرات أوباما الدبلوماسية تجاه إيران، وقد رُفضت تلك المبادرات حينها، وبعد هذه الخطوة، اقتنعت روسيا، الدولة الوحيدة الأخرى المتحالفة مع إيران، بالانضمام إلى المعسكر الأميركي.


وبعد فترة قصيرة من حصول ذلك، تبيّن أن كلفة إصرار الصين وحدها على دعم النظام الإيراني تتجاوز المكاسب المترتبة على ذلك الدعم بمراحل.

القيادة الإيرانية ليست انتحارية بأي شكل، فهي تتعاطى بطريقة براغماتية مع مسألة صمودها، مما يعني أنها قابلة للتعرض للضغوط، لقد مورست الضغوط على الجمهورية الإسلامية في السابق، وقد يحصل ذلك مجدداً، فبعد صدور الأنباء الأخيرة من الصين، تزيد الأسباب التي تبرر لإيران التفكير جدياً بتغيير سلوكها في ما يخص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يُفترض أن يؤدي هذا التطور الأخير في الموقف الصيني، إلى جانب التوجه الدبلوماسي الذي يتبعه أوباما، إلى ممارسة الضغوط على النظام الإيراني كي يغيّر مساره قريباً، فأفضل ما يمكن أن يحدث هو أن يحصل الشعب الإيراني على الطاقة النووية التي يستحقها ويحتاج إليها، وأن تشعر بقية دول العالم التي تتعامل مع إيران بالأمان عندما تعرف أن نظامها يحترم حقوق الإنسان ولا يعمل على تصنيع قنبلة نووية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر