الراصد القديم

2011/09/07

بين ميقاتي وعون حسابٌ يُصفّى على زغل


عندما يكون لقوى 14 آذار خصوم كقوى 8 آذار، لن تكون في حاجة إلى معارك قاسية. هكذا حال الأقلية تتفرّج على انقسام الحلفاء في الغالبية. يختلف أفرقاؤها على معظم الملفات العالقة بينهم: التعيينات وقانون الانتخاب وتمويل المحكمة الدولية والكهرباء، وسواها…

يواجه الخلاف على مشروع تأهيل الكهرباء مزيداً من التصعيد بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الطاقة جبران باسيل، ومن خلاله تكتل التغيير والإصلاح. وعلى وفرة الاتصالات في اليومين الماضيين توطئة للاجتماع الوزاري بعد ظهر أمس، وجلسة مجلس الوزراء غداً، تضاعفت أسباب النزاع على ملف يصوّر أحد مظاهر التناقض، وليس آخرها ولا أكثرها حدّة، بين أفرقاء تحالف الغالبية النيابية الحالية.
في مقاربة الأفرقاء المعنيين بملف أشغال الكهرباء، اختلط الدستوري بالسياسي والتقني، وأثار هذا التداخل أكثر من مبرّر لأن يتشدّد كل من هؤلاء في موقفه وشروطه المسبقة: لا رئيس الحكومة يقبل بتحوّله وزيراً أول عندما ينتفخ حجم الوزير أمامه، إذ يهدّد بإسقاط الحكومة على رؤوس أصحابها وإطاحتها، ولا الوزير يقبل بدوره بتقليص الصلاحيات التي ناطها به الدستور عندما يضع رقيباً عليها.
والواضح في شقّ ضمني من الأزمة الناشبة بين ميقاتي وباسيل، حساب صُفّي ــــ أو يكاد ــــ على زغل بين رئيس الحكومة والرئيس ميشال عون في المرحلة الطويلة من تأليف الحكومة إلى أن انتهت إلى ما انتهت إليه بتوازن قوى غير منطقي وملتبس وغامض:
ـــ رئيس للحكومة لا ينتمي إلى الغالبية النيابية التي سمّته، إلا أنه يستمد من الإصرار على ممارسة صلاحياته الدستورية قوة تمكّنه من التصرّف كأنه رئيس لهذه الغالبية.
ــــ فريق يملك النصاب الأكبر في حكومة اعتقد أنها حكومة الغالبية النيابية، فإذا بالسلاح الوحيد الذي يملكه، من أجل إنقاذ نصابه داخلها، التهديد بإسقاطها ليس إلا، وفي أحسن الأحوال شلّها تماماً.
بين هذين الطرفين اللذين يختلفان على أكثر من ملف، يلتزم حزب الله التحرّك الصامت، ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الانحياز الكامل إلى ميقاتي.
بذلك يأتي الخلاف على مشروع أشغال الكهرباء، إلى دوافعه الرئيسية المتمحورة حول المال، جزءاً لا يتجزأ من نزاع متنقل من ملف إلى آخر. وشأن ما يريده رئيس الحكومة بوضع ملف الكهرباء في مجلس الوزراء، يصرّ عون ونواب تكتّله على وضع مصير المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي (ومن خلاله رئيس فرع المعلومات في المديرية العقيد وسام الحسن ومصير الفرع برمّته أولاً وأخيراً) في مجلس الوزراء، وكذلك على وضع قرار الاستمرار في تمويل المحكمة الدولية في مجلس الوزراء. يصحّ ذلك أيضاً وأيضاً على التعيينات الإدارية وعلى التنازع بين بقاء أنصار تيّار المستقبل وحلفائه في الإدارة أو إقصائهم.
على أن اتصالات اليومين الماضيين حاولت إحداث اختراق في الشروط المتصلبة المتبادلة بين الطرفين، لم تفضِ إلى نتائج إيجابية، لكنها أبرَزَت معطيات منها:
1 ــــ تأكيد أكثر من طرف في الحكومة تمسّكه ببقائها وعدم تأثرها بحدّة الخلاف على مشروع الكهرباء. كان هذا الموقف في صلب العشاء الذي جمع، الأحد الماضي في منزل المدير العام للأمن العام اللواء الركن عباس إبراهيم، جنبلاط مع وفدين من حزب الله وحركة أمل. وعزا جنبلاط في العشاء تحفظه عن خطة باسيل إلى أسباب تقنية محضة، نافياً أي طابع سياسي لها، وشدّد على إصراره على دعم الحكومة وعدم زعزعة استقرارها. وكان أبلغ إلى حزب الله في وقت سابق الموقف نفسه، عندما سئل عن دوافع اعتراضه على مشروع وزير الطاقة ومدى ارتباط هذا الاعتراض بإطاحة الحكومة. في العشاء إلى مائدة إبراهيم، طرح جنبلاط بضع أفكار تقترح مخرجاً للنزاع على مشروع الكهرباء، قال إنه سيحملها إلى اجتماعه برئيس الحكومة أمس، إلا أن طرح هذه الأفكار لم يؤد إلى نتيجة ملموسة.
وكان الزعيم الدرزي قد أرسل في الأيام الأخيرة أكثر من إشارة إيجابية وهادئة إلى أنه لا يريد التلاعب بتوازن القوى القائم داخل الغالبية الحالية، أو تهديد هذه، أو الوقوف على حافة تفكيكها، مبدّداً ما عكسته مواقف نافرة كان قد أطلقها قبل أكثر من أسبوعين في اتجاه حلفاء الداخل، كما في وجهة انتقاد غير مألوف للنظام السوري. لكنه سرعان ما استعاد الحذر حيال الأمرين معاً.
2 ــــ رفض وزير المال محمد الصفدي تسديد المبلغ الذي يريده باسيل لتنفيذ أشغال الكهرباء، وهو مليار و200 مليون دولار، بالطريقة التي يطرحها وزير الطاقة لدافعين على الأقل:
ــــ عدم توافر المبلغ في وزارة المال، من غير أن يعكس هذا التحفّظ رفضاً للمشروع الذي يقول أكثر من وزير إنه لا معارضة له في ذاتها. إلا أن الصفدي قدّم حلاً للمشكلة التي يتفاقم فيها السجال، يقضي بتجزئة التسديد على مرحلتين: أولى فورية تدفع بموجبها وزارة المال نصف المبلغ المقترح وهو 600 مليون دولار دفعة واحدة وأولى، على أن تفصل بينها وبين المرحلة الثانية ستة أشهر لتسديد النصف الباقي من صناديق وجهات مانحة أو من خزينة الدولة. وأكد الصفدي التزام وزارته تسديد الدفعة الثانية في حال تعذّر تمويل الأشغال من صناديق الخارج. وهو أعاد تأكيد هذا الموقف في اجتماع السرايا مساء أمس على أنه آخر ما لديه كي يقترحه لإخراج المشروع من المأزق ووضعه موضع التنفيذ مرحلة تلو أخرى، على أن تبدأ الأولى بما يتيسّر توفيره لوزارة الطاقة.
ويقول وزير المال بضرورة التعامل بحذر مع الواقع الحالي للخزينة التي تنظر إلى مشروع أشغال الكهرباء على أنه أكبر إنفاق في أسوأ ظرف.
بيد أن وزير الطاقة أبلغ مراجعيه مساءً رفضه عرض الصفدي، وتمسّكه بالحصول على مبلغ مليار و200 مليون دولار كاملاً ودفعة واحدة. وكان اطلع صباحاً من ميقاتي على وجهة نظره المطابقة لوجهة نظر الصفدي، وهي أن المشكلة تكمن في مال لا يتوافر كله. كان رئيس الحكومة اقترح عليه ما كان قد فاتح به رئيس المجلس نبيه برّي في وقت سابق، وهو تغيير مجلس إدارة كهرباء لبنان.
ــــ رفض رئيس الحكومة ووزير المال الطريقة التي يُصرّ من خلالها باسيل على مشروعه على نحو يمهّد لسابقة تجعل مستقبلاً أي وزير في الحكومة يتمسّك بشروطه في طلب المال لوزارته، أو يهدّد بإطاحة الحكومة.
3 ــــ رغم التزام حزب الله الصمت، إلا أن الأصداء التي بلغت إلى رئيس الحكومة عن موقفه تتحدّث عن تفهّمه وجهة نظره، وكذلك دوافع حذر الصفدي في تمويل مشروع الكهرباء.
في المقابل لم يتردّد ميقاتي في إبلاغ رئيس الجمهورية ميشال سليمان في اجتماعهما مساء أمس، بعدما كان قد أطلعه على نتائج زيارته لباريس واجتماعي السرايا صباحاً ومساءً، موقفاً عكس تذمّره ممّا يواجهه مع وزير الطاقة: رفضه الرضوخ لما يطالب به باسيل بقوله إنه لن ينكسر لأي كان، وتأكيده أنه سيواجه الضغوط أياً يكن مصدرها، وأنه يكفيه ما يعانيه في شارعه من ضغوط.


نقولا ناصيف -الأخبار

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر