الراصد القديم

2011/09/24

ميخائيل غورباتشوف: يقلقني بوتين وحزبه كالحزب الشيوعي السوفياتي


في مقابلة مع «شبيغل»، تحدّث ميخائيل غورباتشوف (80 عاماً) عن آخر أيام الاتحاد السوفياتي، وعن فشله في حلّ المشاكل مع الحزب الشيوعي، وقال إن إراقة الدماء التي نتجت من تفكّك الاتحاد السوفياتي لا تزال تقلقه وتعذّبه حتى اليوم. كذلك اتّهم فلاديمير بوتين «بالرجوع بالبلاد إلى الماضي».

في الربيع الماضي أتممت الثمانين عاماً، فما هو شعورك؟

خضعت لثلاث جراحات في الأعوام الخمسة الماضية: جراحة الشريان السباتي، وجراحة البروستات، وجراحة العمود الفقري في ميونيخ وقد كانت جراحة خطيرة. وبهذه المناسبة، أنا شاكر للألمان.

عدت إلى العمل السياسي حتى أنك رحت تتصدّر عناوين الصحف. لماذا لا تترك العمل السياسي وتستمتع بحياة الهدوء؟

بعد حبي لزوجتي الراحلة رايسا، السياسة هي الحب الثاني في حياتي. فقد حاولت اعتزالها لثلاث مرات إلا أنني لم أتمكّن من ذلك. وإذا تركتها أعرف أنني لن أعيش كثيراً، علماً أنني لم أكن أتخيل يوماً أنني سأتمكّن من ممارسة السياسة حتى عمر الثمانين.
كنت أصغر أمين عام في قيادة الحزب الشيوعي في مدينة ستافروبول. وفي موسكو، كنت أصغر الأعضاء في المكتب السياسي سناً عندما توفي كوستانتين تشيرنينكو ( الأمين العام السابق للحزب).

كان من المتوقّع أن تصبح رئيس الحزب الشيوعي قبل سنة من حصول ذلك، أليس كذلك؟

كان تشيرنينكو مريضاًَ. ومع ذلك انتخبه الأعضاء في عام 1984 ما أدى إلى خلافات في المكتب السياسي. وزّعوا المناصب بالطريقة التي اعتبروها الأنسب علماً أن (يوري) أندروبوف…

… الذي كان آنذاك الأمين العام للحزب الشيوعي ورئيس جهاز الاستخبارات الروسية ( الكي جي بي) لسنوات عدّة…
… كتب في رسالة قدّمها إلى الجمعية العامة التي عقدتها اللجنة المركزية، أنه يدعم غورباتشوف.

أخبرنا عن اللقاء التاريخي الذي عقده المكتب السياسي للحزب الشيوعي بعد وفاة تشيرنينكو في مارس 1985. كمنت المفارقة في أن وزير الخارجية ( أندري) غروميكو هو الذي رشّحك لتكون الرئيس الجديد للحزب. لماذا فعل ذلك؟ فهو كان يغار منك، كذلك كان ثمة مرشّحون آخرون غيرك؟

كان غروميكو شخصاً جدياً وذكياً. عندما كان يمرض، كان يُطلب مني إدارة أعمال الأمانة العامة والمكتب السياسي للحزب، وكنت أفعل ذلك على نحو جيّد. ويبدو أن ذلك لم يمرّ مرور الكرام. في هذا الإطار، لا بد من الاعتراف بأن تشيرنينكو ساعدني. كذلك اكتسبت خبرة من هذه المهمة التي كانت توكل إليّ.

في المقابل، كان ثمة أعضاء لم يريدوا لك الوصول إلى ذلك المنصب.

كان لدي بعض الأعداء. من جهة أخرى، قال لي رؤساء الأحزاب الإقليمية في الفترة التي كان لا يزال فيها تشيرنينكو على قيد الحياة: «يحاول الحرس القديم أن يعيّن مجدّداً في المنصب واحداً من أتباعه. إذا قاموا بذلك، سنتخلّص منهم». فقلت لهم: «كفانا هذا الكلام». وعندما توفي تشيرنينكو وبدأت تثار مسألة الخلافة، التقيت بغروميكو قبل 30 دقيقة من انعقاد اجتماع المكتب السياسي التاريخي. وقلت له حينها «إن الوضع خطير والناس يطالبون بالتغيير. دعنا نعالج هذه المسألة سوياً». فوافقني الرأي. وفي تلك الليلة، عدت إلى منزلي الريفي قبل بزوغ الفجر، ورحت أتمشى أنا وزوجتي.

هل صحيح أنك لم تناقش يوماً المسائل المهمة مع زوجتك في المنزل؟

كنا نضطر إلى الخروج من المنزل للقيام بذلك. لم نناقش يوماً المسائل المهمة بشكل صريح في منزلنا الريفي. عندما أخليت شقّتنا في موسكو بعدما تنحّيت عن رئاسة الجمهورية، وجد العاملون أجهزة تنصت مزروعة في جدران الشقة.
ما هي النصيحة التي أسدتها لك زوجتك في تلك الليلة؟

قلت لها آنذاك: سيُنتخب اليوم الأمين العام الجديد للحزب وقد يرشّحونني لهذا المنصب. فأجابتني: هل تحتاج إلى هذا المنصب؟ ردّيت عليها قائلاً: غيروا ثلاثة أمناء عامين في غضون أربعة أعوام. كذلك شرحت لها بأنني لن أخذلهم لأن الناس سيفسّرون مثل هذا التصرّف على أنه جبن سياسي.

ثمة ثلاثة أو أربعة أسباب يردّدها الناس على مسامعنا عند الحديث عن أسباب فشل عملية إعادة إعمار الاتحاد السوفياتي التي تُعرف بـ «البريسترويكا».

هل قلت لتوّك كلمة «فشل»؟

لكن دعنا لا نتوقّف عند هذه الكلمة. إذ يُقال إنك لم تعالج سوى عوارض النظام الشيوعي المريض وليس أساس المشكلة، لا سيما أن موضوعَي التخطيط الاقتصادي واستئثار الحزب بالسلطة لم يتم التطرّق إليهما لفترة طويلة.

لو طُلب مني اليوم إطلاق عملية البريسترويكا لفعلت ذلك بالشكل الذي فعلته في ما مضى. فقد كان شعارنا آنذاك «لا نستطيع الاستمرار في العيش على هذا النحو». كان المواطن يقول «أريد التغيير».

لكنك كنت تفتقر إلى مفهوم لهذه التغييرات.

لو كانت لديّ خطة لهذه التغييرات، لكان انتهى بي المطاف سريعاً في ماغادان.

أي في عاصمة المعتقلات الستالينية التي تبعد 6000 كلم عن العاصمة موسكو.

آنذاك، كان يكفي أن يطلق أحدهم دعابة سياسية صغيرة حتى ينتهي به الأمر في ماغادان. وفي ظل تلك الأوضاع، هل كان يفترض بي إيجاد خطة عمل وفريق دعم؟ كان علينا أن نُخرج الناس من الخمول. فالمؤسسة الحزبية لم تكن بحاجة إلى بريسترويكا لأن كل مسؤول حزبي كان قد قام بها بنفسه. لذلك، كنا نحتاج إلى تبنّي سياسة الجلاسنوست – أي الشفافية- في بادئ الأمر. فهي كانت طريقنا إلى الحرية. وقد نجحنا لاحقاً في إقامة انتخابات حرة للمرة الأولى في روسيا منذ 1000 عام.

تعارض اليوم توجّه الحزب الشيوعي، لكنك لم تنتقده إلى هذه الدرجة قديماً!

كان الحزب الشيوعي السوفياتي أشبه بآلة عملاقة. في إحدى المراحل، بدأ برمي العصي في الدواليب. صحيح أنه كان من أطلق عملية البريسترويكا، لكنه أصبح لاحقاً أكبر عائق أمامها. وقد فهمت آنذاك أنه قبل القيام بأي تغيير كان لا بد من إجراء إصلاحات جذرية. وبعد تعرّض الحزب لهزيمة في أول انتخابات ديمقراطية عرفتها روسيا، وحّدت المؤسسة الحزبية جهودها وهاجمتني خلال اجتماع عقدته القيادة. آنذاك، أعلنت استقالتي.

لكن حصل ذلك في آبريل 1991، أي قبل ثمانية أشهر من تفكّك الاتحاد. ثم عدت إلى الحزب، وسمحت للآخرين بأن يقنعوك مجدداً بدلاً من أن تستغلّ اللحظة للإطاحة بالحزب القديم.

عدت بعد ثلاث ساعات. وكان بعض الرفاق التسعين في الحزب الشيوعي قد وضع لائحة لحزب غورباتشوف الجديد الذي كان ليتسبّب بانشقاق في الصفوف. انضممت إلى الحزب وأنا في التاسعة عشرة، وكان والدي أحد المقاتلين على الجبهة وكان جدّي شيوعياً مخضرماً. فهل كان يُفترض بي إفساد الأمور؟ أعي اليوم تماماً أنه كان علي القيام بذلك. لكنني لست رجل دولة مزعوماً إنما إنسان طبيعي للغاية، لديه ضمير طالما عذّبه.

يقول البعض إنك كنت تفتقر إلى المعرفة بالطبيعة البشرية التي يجب أن يتمتّع بها الرجل الذي يشغل هذا المنصب. فكثر ساعدتهم على التقدّم في الحزب وخانوك.

صحيح. جعلتُ من فلاديمير كريوشكوف مديراً لجهاز الكي جي بي فخطّط للإطاحة بي. لكن من أين كان لي أن أجد مديراً للمخابرات؟ عمل كريوشكوف خلال حكم أندروبوف لمدة 20 عاماً، وكنت على علاقة جيدة بالأخير. صحيح أنني عيّنت كريوشكوف بناء على علاقتي بأندروبوف، لكنني لم أكن أعرفه جيداً.

لكن بوريس يلتسين الذي أقالك من منصبك خلال تولّيه رئاسة الجمهورية، كان شخصاً تعرفه معرفة جيدة.

كنت أعرفه معرفة سطحية، حتى خلال تولّيه رئاسة الحزب الشيوعي في مقاطعة سفيردلوفسك…

التي هي اليوم مقاطعة يكاتيرينبرغ…

كان يلتسين يتحلّى بثقة في النفس. عندما فكّرنا في إحضاره إلى الحزب الوطني، نصحنا كثر بعدم القيام بذلك. وفي ما بعد، انتُخب رئيساً للحزب في موسكو. لقد أيّدته. كان مفعماً بالطاقة واحتجت الى الكثير من الوقت حتى أعي غلطتي. كان يلتسين متيّماً بالسلطة ومتغطرساً ومتعطّشاً الى الحكم. وطالما كان يعتقد بأن الآخرين يقلّلون من شأنه. كان ينبغي إبعاده وتعيينه سفيراً في إحدى جمهوريات الموز حيث يستطيع تدخين النرجيلة بهدوء.

ينتقدك الناس لأنك قلّلت جنائياً من شأن المسألة الوطنية…

هذا الكلام غير صحيح. عشت في بلد حيث يتحدّث السكان 225 لغة ولهجة وتتعايش فيه الأديان كافة. نشأت في القوقاز وتآلفت مع المشاكل التي تعانيها روسيا.

ألم تعرف أن الجيش قمع بعنف الحركة الاستقلالية في تبيليسي وفيلنيوس؟

أؤكد أنني لم أكن على علم بما يجري. لكن أي نوع من الأمناء العامين هو ذاك الذي لا يكون على دراية بما يحدث حوله؟ ودعني أقول إن هذا الاتهام هو أكثر الاتهامات خطورة. لنأخذ فيلنيوس مثالاً. في 12 يناير 1991، وبعد أن بلغت الاشتباكات بين مؤيدي الحركات الاستقلالية ومعارضيها ذروتها، انعقد المجلس الفيديرالي. أرسل المجلس وفداً إلى فيلنيوس للتوصّل إلى حلّ سياسي. لكن في الليلة التي سبقت وصول الوفد، حصلت اشتبكات أسفرت عن قتلى. يبدو واضحاً اليوم أن قوات في قيادة جهاز الكي جي بي كانت تسعى الى عرقلة التوصّل إلى حل سياسي. وكان الوضع مشابهاً في تبيليسي.

تأرجحت قيادتك ما بين القسوة والتردّد.

كان يُحكى أن القساوة الصينية غير محتملة فيما أن عدم القتل دليل ضعف. أجد أن كلا الحلّين غير منطقيّين. عليك أن تسعى الى الحوار حتى النهاية.

لماذا لم تنتهج المقاربة الصينية في عملية البريسترويكا التي أطلقتها: أي مقاربة تجمع بين القيادة الشيوعية الصارمة والإصلاحات الاقتصادية الرأسمالية؟

لكل بلد خصوصيّته. صحيح أن الصين مثال جيد، لكن الإصلاحات يجب أن تُطبّق بطرق مختلفة.

تقول إنه كان من الممكن حماية الاتحاد السوفياتي من التفكّك حتى بعد الانقلاب.

ما زلت أعتقد ذلك. كمنت المشكلة في أننا تأخّرنا في إجراء الإصلاحات. أراد البعض إقامة اتحاد فيما أراد معظم الجمهوريات إقامة دولة متّحدة تتمتّع بمقوّمات اتحاد كونفدرالي. عندها، اقترحتُ إجراء استفتاء. وحين صوّتنا عليه، غضب يلتسين. كان يعارض هذا الاقتراح. فقد أعلن أنه لم يعد بوسعه العمل معي وأنه لا بدّ من أن نفترق سياسياً. بعدئذ، أجري الاستفتاء الذي أظهر تأييد الناس لي. فقد حصلت على تأييد بنسبة 76%، ما يعني أن الاتحاد قد فُكّك رغماً عن إرادة الشعب وأن التفكيك كان متعمّداً وقد شاركت فيه القيادة الروسية والانقلابيون.

عندما اجتمع رؤساء كلّ من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا في ديسمبر 1991 واتفقوا على توجيه ضربة قاضية إلى الاتحاد السوفياتي، نصحك نائب رئيس المستشارية الرئاسية بوضعهم تحت الإقامة الجبرية. هل كان هذا الخيار وارداً لديك علماً أن نتائج الاستفتاء كانت لصالحك؟

الصحيح أن يلتسين ناقش معي موضوع الرحلة إلى بيلاروسيا وقال إنه كان يريد دعوة الرئيس الأوكراني (ليونيد) كرافشوك لحضور الاجتماع. ذكر أنه سيصبح من الصعب إقناع الأوكرانيين بالمشاركة في توقيع اتفاقية إنشاء اتحاد جديد بعد إجراء الاستفتاء في كييف حول موضوع استقلال أوكرانيا. لكني عارضته موضحاً أن ذلك لن يكون عائقاً أمام توقيعهم الاتفاقية. ففي النهاية، سبق لسائر الجمهوريات أن أعلنت استقلالها كدليل على سيادة واسعة النطاق.
عندها، سألني يلتسين: لكن ماذا سيحصل إذا رفض الأوكرانيون التوقيع على الاتفاقية الجديدة؟ أجبته بأن الأوكرانيين سيوقّعون عليها وأن قرار التوقيع بيد البرلمان الأوكراني وأن موسكو لن تعارض استقلال أوكرانيا. وذكّرته بأنه بعد عودته، سيُعقد اجتماع وأخبرته أنني دعوت رؤساء كلّ من أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان إلى حضوره.
حقيقة، كان يلتسين ومؤيدوه يتصرّفون مثل عملاء متآمرين ضد الدستور. وعندما اتّضح هذا المشهد، قلت فوراً إن ثلاثة لا يستطيعون وحدهم أن يحلّوا اتحاداً.

هل تقصد أنك لم تستخدم القوة ضد الرؤساء الثلاثة؟

استعمال القوة كان ليتسبّب بحرب أهلية. كانت البلاد في حالة صدمة فيما الصحافة تلزم الصمت ولم يكن يعمد أحد إلى الخروج إلى الشوارع للدفاع عن الاتحاد. إذ لم يفهموا نوع «اتحاد الدول المستقلة» الذي أطلقه يلتسين وحلفاؤه.

يلاحظ أن كثراً، بمن فيهم الأميركيون والألمان، يدّعون أنهم كانوا ليؤيدوا بقاء الاتحاد.

لأنهم لم يكونوا يعرفون ما إذا كانت جمهوريات الاتحاد ستغرق في الفوضى بعد اندثار الأخير. فما الذي حصل قبل انهياره؟ كبح بوش جماح الأوكرانيين علماً أن آخرين في واشنطن كانوا يخطّطون لتفكيك الاتحاد. عندما ذهبت إلى قمة الدول السبع في يوليو 1991 وطلبت الحصول على قروض لمعالجة الاقتصاد الحرج، رفض الأميركيون والألمان فيما التزم المستشار الألماني آنذاك هيلموت كوهل الصمت. وفي النهاية، لم ألقَ دعماً سوى من الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران واللجنة الأوروبية.

هل رفض كوهل مساعدة بلادك؟ ليس هذا ما يقوله اليوم المستشار الألماني السابق.

لم يرفض بل التزم الصمت، فيما كان وزير الخارجية الألماني هانس دياتريش مؤيداً للفكرة. توقعنا الحصول على 30 مليار دولار، لكن جهودنا ذهبت سدى فقد افتقر شركاؤنا إلى الرؤية.

بعدها حصل الانقلاب. لكن كان الأميركيون قد حذّروك منه. حتى أنهم أعطوك أسماء أشخاص يخطّطون للانقلاب بمن فيهم مدير جهاز الكي جي بي كروشكوف. هل هذا الكلام صحيح؟

فعلاً اتصل بي الرئيس بوش. واستند في كلامه إلى معلومات وصلته من عمدة مدينة موسكو غافرييل بوبوف.

ألم تصدّق كلامه؟

أعلن المحافظون عن رغبتهم في التخلّص منِّي وقد سبق لهم أن حاولوا ذلك وفشلوا. لكن آنذاك، كنا قد وضعنا برنامجاً لمكافحة الأزمة لاقى دعم الجمهوريات كلّها. كان مقرّراً توقيع معاهدة الاتحاد الجديد في 20 أغسطس وإنشاء كونغرس جديد لإصلاح الحزب. لقد مُني معارضو البريسترويكا بالهزيمة ما دفعهم إلى تنظيم انقلاب عليّ.

لكن كيف استطعت الذهاب إلى كريميا لتمضية إجازة في مثل تلك الفترة العصيبة؟

ظننت أنهم سيكونون أغبياء إن قاموا بمثل تلك المخاطرة في تلك اللحظة، لأن مثل هذه الخطوة ستقضي عليهم. لكن لسوء الحظ، كانوا أغبياء فعلاً ودمّروا كل شيء. كذلك تبيّن أننا كنا نحن، بمن فيهم أنا، أنصاف أغبياء. فقد كان ذهابي غلطة.

ما الذي كان سيصبح أفضل حالاً اليوم لو لم يزل الاتحاد السوفياتي قائماً؟

تطوّرت الجمهوريات في الثقافة، التعليم، اللغة، والاقتصاد. لكن لا تزال شعوب الاتحاد السوفياتي السابق عاجزة عن الاستغناء عن بعضها البعض. بالإضافة إلى ذلك، كان الاتحاد يتميز بعدد سكانه البالغ 300 مليون نسمة.

هل ثمة ما يسبّب لك تأنيب الضمير؟

كان شغلي الشاغل تجنُّب إراقة الدماء. لكن لسوء الحظ، حصلت في النهاية. وما يعذبني أنني لم أحلّ المشكلة مع الحزب الشيوعي في الوقت المناسب، واستخففت بحقيقة أن المؤسسة السياسية في الجمهوريات الوطنية الأخرى أرادت حلّ قضايا متعلّقة بحياة مواطنيها من دون تدخّل الحكومة المركزية. واليوم، أصبح بإمكانها القيام بذلك.

روسيا اليوم
لننتقل من روسيا الاتحاد السوفياتي إلى روسيا اليوم. عندما وصل بوتين إلى سدّة الرئاسة في عام 2000، قدّمت له دعمك. هل كنت على معرفة سابقة به؟

ساعدني بوتين عندما ترشحّت للانتخابات الرئاسية في عام 1996.

ظننتَ أنه كان ذكياً آنذاك. واليوم تقول إنه في ظلّ حكم بوتين، أصبحت روسيا تشبه الدول الأفريقية التي يحكم فيها الديكتاتور من 20 إلى 30 عاماً!

انتبه، أنت الذي استخدم كلمة «ديكتاتور» وليس أنا. دعمت بوتين خلال فترة تولّيه رئاسة روسيا ولا أزال أؤيّده اليوم بطرق عدة.

طلبت منه عدم الترشّح مجدداًً للانتخابات الرئاسية.

يقلقني ما يقوم به حزب روسيا الموحّدة الذي يتزعّمه بوتين وما تفعله الحكومة. يريدان الإبقاء على الوضع الراهن ويسحبان البلاد إلى الماضي فيما أنها بحاجة إلى التحديث. أحياناً، يذكّرني حزب روسيا الموحّدة بالحزب الشيوعي السوفياتي القديم.

يريد بوتين والرئيس ديميتري مدفيديف أن يتّفقا في ما بينهما على من سيكون الرئيس المقبل في عام 2012؟.

يريد بوتين البقاء في السلطة، لكن ليس ليحلّ مشاكلنا المتعلقة بالتعليم والرعاية الصحية والفقر. والأحزاب ليست سوى دمى يتلاعب بها النظام. حتى أن الحكام لا يُنتخبون بصورة مباشرة، كذلك أُلغي مفهوم الولاية المباشرة في الانتخابات.

الأحزاب الجديدة مثل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي حاولت تأسيسه مرات عدّة.

نحتاج إلى قوى جديدة تدفع البلاد قدماً، وإلى أحزاب تجمع بين المصالح السياسية والاقتصاد وتقدر تحقيق شراكة اجتماعية وضمان التنمية الديمقراطية.

يشبّه الناس مدفيديف الليبرالي على ما يبدو بك. هل تظنّ أن هذا التشبيه مبرّر؟

المقارنات خداعة. مدفيديف رجل متعلّم وفي طور اكتساب خبرة في العمل السياسي. لكنه يحتاج إلى قوى يستطيع الاعتماد عليها.

كيف ستنتهي عملية التغيير التي بدأتها في عام 1985 لأجل روسيا؟

التغيير سيكون صعباً لا بل مؤلماً، لكن الديمقراطية ستسود في روسيا، علماً أن انزلاق البلاد إلى الحكم الاستبدادي احتمال وارد. ذلك لأننا لم نجتَز سوى نصف الطريق المؤدية إلى الحرية.

في الانتخابات الرئاسية 1996 حصلت على 50% من الأصوات. ودعني أقول إنه لن يرغب في ترشيح نفسه لمثل هذا المنصب إلا شخص لم يقيّم مزاج الشارع الروسي.

لماذا؟ ما أدراك بعدد الأصوات التي حصلت عليها فعلياً؟ قال أحد حلفاء يلتسين إنني حصلت على نسبة 25% من الأصوات. في الحقيقة، كنت قد حصلت على نسبة 15%! في صباح اليوم الذي تلا الانتخابات، اتصل بي أحد مندوبيَّ من أورنبورغ وقال إنني متأخّر بنسبة 7% فقط. في ذلك المساء، كان الفارق بنسبة 0.65%. هذه الأمثلة خير دليل على قول ستالين: الأهم هو من يحتسب الأصوات.
في السنوات الأخيرة، سافرت كثيراً وعشت نمط حياة تاجر متجوّل. اليوم، تُلقي المحاضرات وتظهر في إعلانات منتجات فاخرة وتفتتح البنوك. هل تعتقد بأن ذلك يليق برجل غيّر خارطة القرن العشرين السياسية؟

صحيح. فأنا أقيم محاضرات وأكتب مقالات. لكن أكان من الأفضّل أن أسرق مثلاً؟ وما الضير في الترويج لمنتجات «لويس فويتون»؟ في روسيا، ثمة من يكسب أمواله بطرق إجرامية. أما أنا فأجني مالي بنفسي وإلا كيف سأتمكّن من تمويل مؤسستي الخيرية؟ لا سيما وأن الحكومة لا تعطينا قرشاً.

وهل تموّل سائر أعمالك بواسطة مبيعات كتبك؟

أنهيت كتابي الثالث عشر الذي هو عبارة عن سيرة ذاتية خاصة للغاية. كذلك سأنشر مجموعة من 25 جزءاً تتضمّن أعمالي السابقة. وقريباً، ستدعونني بـ{المضارب».

لدى معظم سكان موسكو مأخذ على الحفلة التي أقيمت في قاعة ألبرت الملكية في لندن بمناسبة عيد ميلادك الثمانين.

احتفلت بعيد ميلادي هنا في موسكو في 2 مارس مع مجموعة من أصدقائي المقرّبين. لم تكن المجموعة صغيرة فقد ضمّت حوالى 200 شخص.

لكن لم يحضر الاحتفال أيّ من شخصيات الكرملين.

أرسل لي كل من الرئيس الروسي ورئيس الوزراء تمنياتهما الحارة. كذلك حصلتُ على وسام القديس أندرييه الذي يعد أهم مدالية تمنحها الدولة الروسية. جاءت حفلة لندن بعد مرور شهر على ذكرى عيد ميلادي. في الواقع، بادر إلى تنظيمها أصدقائي وإيرينا ابنتي التي تشغل منصب نائب مدير المؤسسة التي أديرها. وقد أطلقت المؤسسة جائزة غورباتشيف.

لماذا يكرهك الكثير من الروس؟

ليس لدي هذا الانطباع. بالعكس، شعرت بدعم الشعب الروسي لي خلال تلك السنوات العصيبة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر