الراصد القديم

2011/09/25

الغارديان: اليمن قد يتحول إلى نسخة عن الصومال


Simon Tisdall -The Guardian


لم تتمكن الأمم المتحدة والوكالات الأخرى من تقديم مساعدات إضافية لليمن بسبب النقص في مصادر التمويل لأن الدول التي تعاني ركوداً اقتصادياً تحرص الآن على التقشف في مصاريفها، ومع استمرار الأزمة السياسية واحتدام القتال على جميع الجبهات، تزداد المخاوف من أن يتحول اليمن إلى نسخة ثانية عن الصومال.

يشير إطلاق النار عشوائياً على المتظاهرين في العاصمة صنعاء وردة فعل المعارضة الغاضبة إلى أن الأزمة التي يشهدها اليمن منذ ثمانية أشهر قد تتحول إلى كارثة حقيقية، لكن لا تزال مصالح الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية- وهما لاعبان خارجيان أساسيان في اليمن- تركّز حتى الآن على الأمن الاستراتيجي والمخاوف من الإرهاب بدل نشر الديمقراطية وتعزيز الازدهار في شبه الجزيرة العربية.

في الأسبوع الماضي، كثفت الولايات المتحدة ضغوطها من أجل إنهاء حكم الرئيس علي عبدالله صالح، فحرصت على حث النظام على قبول اتفاق سابق لتمرير مرحلة انتقالية سياسية خلال مهلة سبعة أيام، فكان السعوديون وأعضاء آخرون من مجلس التعاون الخليجي قد توسّطوا للتوصل إلى هذه الخطة التي تدعو إلى إنشاء حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات رئاسية وصياغة دستور جديد.

لكن حتى الآن، نجح صالح، الذي لجأ إلى المملكة العربية السعودية بعد محاولة اغتياله في شهر يونيو، في مقاومة تنفيذ شرط أساسي من الخطة، أي أن يتنحى ويسلم السلطة إلى نائبه مقابل حصوله على الحصانة السياسية.
صحيح أن وزارة الخارجية الأميركية قالت إنها “شعرت بالتفاؤل” لأن صالح سلم سلطة التفاوض إلى نائبه، لكن لا وجود لأي مؤشر على استعداد الولايات المتحدة أو المملكة العربية السعودية إلى إجبار الرئيس على الرحيل من الساحة السياسية، فلو أنهما كانتا مستعدتين لذلك فعلاً، لأقدمتا على هذه الخطوة منذ أشهر، بطريقةٍ أو بأخرى، لكن يتعارض هذا التردد في رفع الغطاء عن الرئيس اليمني، على الرغم من اتساع نطاق الفوضى في صنعاء ومدن يمنية أخرى، مع المقاربة التي اعتمدتها واشنطن حين سارعت إلى الإطاحة بحسني مبارك في مصر.

لقد اعترض بعض أمراء الرياض غير المنتخبين على طريقة التعامل مع مبارك واعتبروها سابقة خطيرة، ويبدو أنهم يحرصون الآن على عدم تنحية صالح بالطريقة نفسها، حتى لو تم الاتفاق على شروط المرحلة الانتقالية، فقد يبقى صالح في السلطة إلى أجل غير مسمى من خلال المراوغة لتعديل الشروط وفق مصالحه.
غير أنّ السبب الرئيس الذي يفسر صمود النظام حتى الآن يطغى على مخاوف الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية المتعلقة بالتداعيات التي يمكن أن تقع في المرحلة المقبلة، والتي قد تترافق مع اتساع نطاق الفوضى، وتشكل التحركات الشعبية والمطالبات بالديمقراطية والصراعات التي تترافق مع أحداث ربيع العرب واحداً من جوانب الصراع اليمني الذي يتخذ منحىً أكثر تعقيداً.

تشمل الجوانب الأخرى صراعات على السلطة بين النخب في الجيش وقطاع الأعمال، وخصومات قديمة بين القبائل، ونشوء حركات انفصالية مسلحة في الجنوب، وظهور حركة تمرد شيعية ومدعومة من إيران في الشمال، والأخطر من ذلك كله (بالنسبة إلى السعوديين والأميركيين) هو تزايد سطوة القاعدة في شبه الجزيرة العربية على اليمن، ويطرح هذا التطور تهديداً أكبر من “القاعدة” في أفغانستان وباكستان من وجهة نظر واشنطن.

كان صالح داعماً مهماً للحرب على الإرهاب بعد اعتداءات 11 سبتمبر على الرغم من إخفاقاته الأخرى، أما سبب القلق الرئيس الذي تتشاركه العواصم الأوروبية، فهو يتعلق بواقع أن اليمن قد يتحول إلى دولة فاشلة بعد رحيل صالح، ما يهدد مصالح المملكة العربية السعودية فضلاً عن إمدادات النفط والغاز الغربية.
قد يساهم هذا الأمر في تفسير السبب الذي دفع الولايات المتحدة إلى تكثيف حملات قصف اليمن بدل إصلاح البلد في الأشهر الأخيرة. في نهاية هذا الأسبوع، صرّح مسؤولون من إدارة أوباما أمام كارين دي يونغ من صحيفة “واشنطن بوست” بأن الولايات المتحدة رفعت بشكل ملحوظ عدد الطائرات بلا طيار المشابهة لتلك التي استُعملت في باكستان لضرب أهداف “القاعدة” التي وافق عليها البيت الأبيض، وتحديداً في جنوب اليمن.

كذلك، حصلت وكالة الاستخبارات المركزية على أوامر بتوسيع عملياتها في اليمن، وقد كانت تبني قاعدة جديدة في المنطقة بحسب قول المسؤولين، وأشارت تقارير الإعلام المحلي إلى وقوع اعتداءات عدة بالطائرات بلا طيار أسبوعياً، لكن لم تعترف المصادر الرسمية بأيٍّ من تلك الاعتداءات علناً.
في الأسبوع الماضي، ألقى جون برينان، مستشار باراك أوباما في شؤون مكافحة الإرهاب، خطاباً في جامعة هارفارد، فأشار إلى أن واشنطن تنظر إلى اليمن أولاً وأخيراً كساحة معركة جديدة ومهمة بدل اعتبارها معقلاً مستقبلياً للديمقراطية العربية.

وأضاف قائلاً: “الولايات المتحدة لا تعتبر أن سلطة استعمال القوة العسكرية ضد “القاعدة” تبقى محصورة ضمن ساحات المعارك “الساخنة” مثل أفغانستان، بل إننا نحتفظ بحق اتخاذ أي تحرك أحادي الجانب في حال كانت الحكومات الأخرى غير مستعدة أو غير قادرة على اتخاذ الخطوات اللازمة بنفسها”، لكن اعتبر برينان أن هذه العقيدة لا تعني أن الولايات المتحدة قد تستعمل القوة العسكرية في أي زمان ومكان، لكن من المعروف أنها تستطيع ذلك فعلاً.

وسط التصعيد العسكري والمشاحنات السياسية السائدة، بدأت ملامح معركة أخرى تلوح في اليمن، وقد تكون أخطر من جميع المعارك التي سبقتها، فوفق تقرير جديد نشرته منظمة أوكسفام، توشك جماعات يمنية كثيرة على مواجهة كارثة كبرى بسبب استفحال المجاعة على خلفية ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، كذلك، تتسع ظاهرة سوء التغذية ضمن فئة الأطفال في اليمن، علماً أن اليمن يحتل المرتبة الثالثة عالمياً من حيث تفاقم هذه المشكلة، وما يزيد الأوضاع سوءاً هو تهجير حوالي 90 ألف شخص بسبب القتال في الجنوب.


لكن بدل تعزيز عمليات الإغاثة الإنسانية وتقديم أشكال أخرى من المساعدات إلى اليمن نظراً إلى تعمق الأزمة، خفّض البنك الدولي حجم المساعدات مع التشديد على اضطراب الوضع السياسي والأمني، كذلك، لم تتمكن الأمم المتحدة والوكالات الأخرى من تقديم مساعدات إضافية بسبب النقص في مصادر التمويل لأن الدول التي تعاني ركوداً اقتصادياً تحرص الآن على التقشف في مصاريفها. تجدر الإشارة إلى أن صندوق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة يملك 57% فقط من نسبة التمويل التي يحتاج إليها لعام 2011.

مع استمرار الأزمة السياسية واحتدام القتال على جميع الجبهات، تزداد المخاوف من أن يتحول اليمن إلى نسخة ثانية عن الصومال.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر