الراصد القديم

2011/09/22

تركيا وتسخين المتوسط: تحديد نفوذ لا حدود


قفزت إلى صدارة الاهتمام التحذيرات التركية القوية إلى قبرص اليونانية من مغبة البدء بالتنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط في المياه الإقليمية القبرصية.
ويأتي التوتر التركي ـ القبرصي في ذروة احتشاد عدد كبير من الملفات الساخنة المرتبطة بدول تقع في شرق المتوسط، حتى بدا أن الصراع في منطقة الشرق الأوسط هو صراع على من يسيطر على شرقي المتوسط. والحقيقة أن كل الملفات متداخلة تداخل المياه التابعة لهذه القوى.
ولكن من المفيد التذكير بأن تركيا يمكن أن تتراجع في أكثر من ملف، لكن الملف القبرصي هو خط أحمر بالنسبة لها. وقبرص، وليس سوريا، يمكن لرئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان أن يعتبرها شأناً داخلياً تركياً بالفعل.
وهي قضية لا تنتمي إلى اتجاه سياسي معين داخل تركيا، بل تجمع كل الفئات من دون إهمال أن هناك تباينات أحيانا في طريقة التعاطي مع هذا الملف. ولا يخفى كيف اجتمع الإسلامي نجم الدين أربكان والعلماني بولنت اجاويد وقررا غزو قبرص عام 1974.
ولا شك بأن معاهدة الضمانة التي تعطي لتركيا كما اليونان حق الاعتراض على تغيير الوضع القائم في الجزيرة منذ مطلع الستينيات، يمنح أنقرة ميزة للتدخل. لكن تركيا بمعزل عن هذا الاتفاق لا يمكنها أن تفرط بالأهمية المصيرية لقبرص في حماية الأمن القومي التركي.
لذلك لا يمكن استبعاد أن تصل تركيا إلى حدّ الحرب إن تطلب الأمر ذلك مع قبرص، وحتى مع اليونان، لحماية المصالح القومية التركية. لكن أيضا ليس من المستبعد أن تستغل أنقرة التوتر القائم مع قبرص اليونانية كورقة توظفها في خلافاتها مع دول أخرى، وصراعها على النفوذ في المنطقة، خصوصا أن رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان موجود في نيويورك في مباحثات مع الجميع ومنهم الرئيس الأميركي باراك أوباما.
فتصعيد التوتير مع قبرص هو رسالة إلى إسرائيل أن تركيا موجودة، ولها حصة نفوذ في منطقة شرق المتوسط كردّ على عدم اعتذار إسرائيل من تركيا. وهي رسالة تركية الى الاتحاد الاوروبي لتخفيف شروط الانضمام الى الاتحاد والانتهاء من معاملة قبرص اليونانية كابن مدلل.
والتهديد التركي يأتي أيضا من باب استعادة صورة اهتزت لدور بات يخسر العديد من أوراقه، والتعويض على إخفاقات تجاه سوريا وايران واسرائيل والمنطقة عموما.

وهنا يلفت كلام لوزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو من أن سياسة «تصفير المشكلات» لم تفشل لأنها سياسة تهدف في الأساس الى تصفير المشكلات مع الشعوب، وتركيا لم تكن متعارضة مع مطالب أي شعب. وقال داود اوغلو، لمحطة «سي ان ان» تورك، ان أياً من مشكلات المنطقة ليست تركيا مصدرها، وليس من مشكلة مع أي من شعوب المنطقة.
ويعكس هذا الموقف اعترافا ضمنيا بفشل سياسة تصفير المشكلات التي تعاملت سابقا فقط مع الدول والأنظمة، رغم أن خلف هذه فئات واسعة من شرائح كل شعب.
ويعكس التوتر في شرق المتوسط مأزقا لكل دوله، ومنها تركيا، وطبول الحرب التي تقرعها أنقرة قد لا تقتصر على قبرص لأن المرحلة ليست مرحلة «تحديد حدود» بحرية، بل «تحديد نفوذ» والجميع يريد حصة بعد فشل تقاسم الكعكة البرية، خصوصا السورية، فانتقلوا الى اقتسام الكعكة البحرية التي يمكن أن تغرقهم جميعا.
هذا وقد وقعت تركيا الأربعاء اتفاقا مع جمهورية شمال قبرص التركية غير المعترف بها دوليا يتيح البدء بأعمال تنقيب عن الغاز والنفط في البحر قبالة قبرص، حسب ما نقلت وكالة الأناضول التركية للأنباء.

وقد تم التوقيع على هذا الاتفاق في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ردا على قرار الحكومة القبرصية بالبدء بأعمال التنقيب عن الغاز.

ووقع الاتفاق الذي يحدد المناطق البحرية كل من رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان ورئيس جمهورية شمال قبرص التركية درويش ايروغلو.

وكان اردوغان قد وصف قبل ذلك قرار الحكومة القبرصية المعترف بها دوليا ببدء أعمال التنقيب بأنه ضرب من "الجنون"، وردا على سؤال حول ما إذا كان الخيار العسكري مطروحا من قبل الحكومة التركية أجاب "ليس بعد".

واعتبر اردوغان أن قرار الحكومة القبرصية يهدف إلى "نسف" المفاوضات الجارية بين طرفي النزاع في الجزيرة لإعادة توحيدها. إلا أنه أكد أن أعمال التنقيب التركية ستتم بمواكبة عسكرية.

وينص الاتفاق الذي وقع في نيويورك أيضا على أن حكومة أنقرة مع حكومة جمهورية شمال قبرص التركية تحتفظان بحق التنقيب أيضا قبالة القسم الجنوبي من الجزيرة إذا لزم الأمر، في إشارة إلى أن أعمال التنقيب التي ستبدأ ستكون قبالة القسم الشمالي من الجزيرة.

ودعا الاتحاد الأوروبي أنقرة إلى ضبط النفس في حين دعمت واشنطن موقف الحكومة القبرصية.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الراصد للطباعة والنشر